Indexed OCR Text
Pages 181-200
تقييد ٢ - ٤ الثاني: ماكان من الألفاظ دالا على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه کقولك: دینار مصري ودرهم مکي .(١) والتقييد في العقود: هو التزام حكم التصرف القولي، لا يستلزمه ذلك التصرف في حال إطلاقه . (٢) والأصوليون والفقهاء يستعملونه في مقابل الإطلاق. الألفاظ ذات الصلة : أ - الإضافة : ٢ - تأتي الإِضافة في اللغة بمعنى الضم والإِمالة والإسناد والتخصيص. وأما الأصوليون والفقهاء فإنهم يستعملونها بمعنى الإِسناد والتخصيص، فإذا قيل: الحكم مضاف إلی فلان أومن صفته کذا كان ذلك إسنادا إليه، وإذا قيل: الحكم مضاف إلى زمان كذا كان تخصيصا له، ويقصد بإضافة الحكم إلى الزمن المستقبل إرجاء الوفاء بآثار التصرف إلى الزمن المستقبل الذي حدّده المتصرف. (٣) فالإِضافة بمعانيها المتقدمة فيها معنى التقييد، لكنه أعم منها، لأنه يكون بالإِضافة وبغيرها. (١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١١١/٢ ط صبيح. (٢) الموسوعة الفقهية ٥/ ٦٧ ف٤ - ط الموسوعة (٣) الصحاح، والقاموس، والمصباح، مادة: ضيف، وتيسير التحرير ١٢٩/١ ط الحلبي. ب - الإِطلاق : ٣ - الإطلاق مصدر أطلق، ومن معانيه في اللغة: التخلية، والحل والإِرسال، وعدم التقیید .(١) وأما عند الأصوليين والفقهاء فيعرف معناه من معنى المطلق، وهو ما دل على شائع في جنسه. (٢) ومعنی کونه شائعا في جنسه، أنه حصة من الحقيقة محتملة لحصص كثيرة من غير شمول ولا تعیین. (٣) ويأتي الإِطلاق أيضا بمعنى استعمال اللفظ في معناه حقيقة كان أو مجازا، كما يأتي بمعنى النفاذ، فإطلاق التصرف نفاذه. (٤) والفرق بين الإطلاق والتقیید واضح، إذ الإِطلاق شائع في جنسه، والتقييد مخرج له عن ذلك الشيوع بوجه ما. (٥) جـ - التخصيص: ٤ - التخصيص: مصدر خصّص، وهو في اللغة : ضدّ التعميم. والتخصيص في الاصطلاح: هو قصر العام (١) الصحاح، والمصباح مادة: ((طلق))، والكليات ٢١٧/١ ط دمشق. (٢) مسلم الثبوت ١/ ٣٦٠ ط الأميرية، وإرشاد الفحول (١٦٤) ط الحلبي. (٣) التلويح على التوضيح ٦٣/١ (٤) الموسوعة الفقهية ١٦٢/٥ ف١ (٥) التلويح على التوضيح ٦٣/١ - ١٨١ - تقیید ٥ - ٧ على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن به. ومحصّل الفرق بينه وبين التقييد، أن التقييد من حيث هو يقتضي إيجاب شيء زائد على المطلق فیصلح ناسخا، وأما التخصیص فهومن حیث حقيقته لا يقتضي الإيجاب أصلا، بل إنما يقتضي الدفع لبعض الحكم. (١) د - التعليق : ٥ - التعليق: مصدر علّق، ومعناه في اللغة: جعل الشيء مرتبطا بغيره. (٢) وأما في الاصطلاح: فهوربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى، ويسمى يمينا مجازا، لأنه في الحقيقة شرط وجزاء، ولما فيه من معنى السببية كاليمين. (٣) والتعليق يشبه التقييد في المعنى لما فيه من الربط . هـ - الشرط: ٦ - الشرْط بسكون الراء له عدد من المعاني منها: إلزام الشيء والتزامه. وأما بفتح الراء (١) القاموس، والمصباح مادة: ((خص))، والتعريفات للجرجاني ص٥٣ ط العلمية، والبزدوي ٣٠٦/١ ط دار الكتاب العربي، وإرشاد الفحول ص١٤٢ ط الحلبي، ومسلم الثبوت ٣٦٥/١ ط الأميرية. (٢) القاموس مادة: ((علق)) بتصرف. (٣) حاشية ابن عابدين ٤٩٢/٢ ط المصرية، والكليات ٥/٢ ط دمشق . فمعناه العلامة، ويجمع على أشراط كسبب وأسباب . ومعناه في الاصطلاح كما قال الحموي : التزام أمر لم يوجد في أمر وجد بصيغة مخصوصة . (١) وهو يشبه التقييد لما فيه من الالتزام. الحكم الإجمالي: ٧ - ذكر الأصوليون والفقهاء الأحكام الخاصة بمصطلح تقييد في عدد من المواطن، ومن أشهر مسائله عند الأصوليين مسألة حمل المطلق على المقيد، ومما قالوه في ذلك أن المطلق والمقيد إما أن يختلفا في السبب والحكم، وإما أن يتفقا فيهما، وإما أن يختلفا في السبب دون الحكم، فإن كان الأول فلا حمل اتفاقا، كما قال الآمر لمن تلزمه طاعته: اشتر لحم ضأن، وکل لحما، فلا يحمل هذا على ذاك، وإن كان الثاني فيحمل المطلق على المقيد اتفاقا، كما في قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾(٢) مع قراءة ابن مسعود ((فصيام ثلاثة أيام متتاليات)) وإن کان الثالث وهو الاختلاف في السبب دون حكم فهو محل الخلاف. فذهب الحنفية وأكثر المالكية إلى عدم جواز (١) القاموس والمصباح مادة: ((شرط))، وحاشية الحموي ٢٢٥/٢ ط العامرة. (٢) سورة المائدة/ ٨٩ - ١٨٢ - تقیید ٨ حمل المطلق على المقيد، وذهب الشافعية إلى الجواز. (١) ومثاله: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فتحرير رقبة﴾(٢) وفي القتل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ .(٣) ٨ -هذا، والتقیید عند الأصولیین کالتخصيص في الجملة، فما جاز تخصيص العام به يجوز تقييد المطلق به وما لا فلا. (٤) والتفصيل في الملحق الأصولي. وأما الفقهاء فقد ذکروا التقييد في کثیر من أبواب الفقه، فذکروه في الاعتكاف والبيع، والإِجارة، والعارية، والضمان، والوكالة، والإِقرار، واليمين، والكفارات. ففي الاعتكاف على سبيل المثال یذکرون أن المعتکف یتقید بما ألزم به نفسه ومانواه، من حيث التزام التتابع في الاعتكاف أياما إن نواه . (٥) وذكروا في البيع مسائل كثيرة في تقييده بشرط (١) إرشاد الفحول ١٦٤ - ١٦٥، والتلويح على التوضيح ٦٤،٦٣/١، ومسلم الثبوت ٣٦١/١، والإِحكام للآمدي ٢/ ١١١ (٢) سورة المجادلة / ٣ (٣) سورة النساء / ٩٢ (٤) جمع الجوامع ٤٨/٢، وإرشاد الفحول / ١٦٧ (٥) ابن عابدين ٢/ ١٣٠، وجواهر الإكليل ١/ ١٥٧، وروضة الطالبين ٤٠١/٢، وكشاف القناع ٣٥٤/٢ - ٣٥٥، ومصطلح (اعتكاف). صحيح أو فاسد، ومسائل تتعلق بخيار الشرط يرجع إليها في موضعها .(١) وذكروا في الإِجارة أنها تكون مطلقة ومقيدة بمدة أو عمل أوشرط، ويضمن المستأجر في حال مخالفته للشرط الذي قيد به المالك الإِجارة كما إذا آجره دابة ليركبها هو فقط فأركبها غيره فتلفت، بل إن الحنفية ذكروا أن عقد الإِجارة قد يتقید دلالة کما إذا آجره دارا للسكنى وأطلق فانه لا يجوز له أن يؤ جرها حداد أو نحوه، لأن ذلك يوهن البناء فيتقيد العقد دلالة. ولكن له أن یسکن غيره ممن هو في حکمه ولا يختلف حاله عن حاله في الاستعمال. (٢) وأما العارية فقد ذكروا أنها تتقيد بالشرط وبالمسافة وبالمدة وبالعمل، فإذا خالف المستعير شرط المعير بحيث أدى ذلك إلى تلف المستعار ضمن. كما إذا أعاره دابة ليحمل عليها عشرة أكياس من الشعير فليس له أن يحمل عليها عشرة أكياس من حنطة، لأنها أثقل من الشعير. (٣) (١) ابن عابدين / ٦٢، وتبيين الحقائق ١٤/٤، والاختيار ١٢/٢، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٥ (٢) تبيين الحقائق ١١٥/٥ - ١١٦، وفتح القدير ١٦٦/٧، والدسوقي ١٢/٤، ومواهب الجليل ٥/ ٤١٠، وجواهر الإكليل ١٨٧/٢، وروضة الطالبين ٤٠٣/٣، ١٩٧/٥، وكشاف القناع ١٨٨/٣ وما بعدها، ٥/٤ ومابعدها ط النصر، ومصطلح (بيع) من الموسوعة الفقهية. (٣) بدائع الصنائع ٢١٦/٦، وجواهر الإكليل ٢/ ١٤٦، = - ١٨٣ - تقیید ٨ وأما الوكالة فإنه يجب على الوكيل التزام ما قيده به الموكل، بلا خلاف. (١) وأما الإقرار فإنه يكون مطلقا ويكون مقيدا من حيث الصيغة، والتفصيل يرجع إليه في مصطلح (إقرار)(٢). وأما اليمين فقد ذكر الفقهاء أنها تكون مطلقة ومقيدة. واليمين المطلقة تصير مقيدة بدلالة الحال، كما لو حلّفه والٍ ليعلمنه بكل مفسد دخل البلدة، فإن حلفه هذا يتقید بزمن ولا يته . وذكر المالكية أن اليمين المطلقة يقيدها العرف الفعلي . وذكر النووي أن الأصل المرجوع إليه في البر والحنث، اتباع مقتضى اللفظ الذي تعلقت به الیمین، وقد يتطرق إليه التقیید والتخصيص، بنية تقترن به أو باصطلاح خاص أو قرينة. ثم ذكر أن الصور التي تدخل تحت هذا الباب لا تتناهى، وقد اقتصر على ذكرما یکثر استعماله منها، وهي التي ذكرها الشافعي والأصحاب. وأورد البهوتي في باب جامع = وروضة الطالبين ٤٣٧/٤ ومابعدها، وكشاف القناع ٦٦/٤ (١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٠، ومواهب الجليل ١٩٦/٥، والدسوقي ٣٨٣/٣، وروضة الطالبين ٣١٤/٤، والمغني ١٣١/٥، ومصطلح (وكالة) من الموسوعة الفقهية. (٢) الموسوعة الفقهية ٦/ ٦٤ ف٤١، ٥٠ ط الموسوعة. الأيمان صورا كثيرة في إطلاق اليمين وتقييدها . (١) وقد بحث الفقهاء التقييد أيضا بالإِضافة إلى ما سبق في السلم والطلاق والولاية والعتق. وتفصيل ذلك في المصطلحات الخاصة بها. (١) ابن عابدين ١٣٥/٣، وجواهر الإكليل ٢٣٢/١، وروضة الطالبين ٢٧/١١ وما بعدها، وكشاف القناع للبهوتي ٦/ ٢٤٥ ومابعدها. - ١٨٤ - تقية ١ - ٢ تقية التعريف : ١ - التقية اسم مصدر من الاتقاء، يقال: إتقى الرجل الشيء یتقیه، إذا اتخذ ساترا يحفظه من ضرره، ومنه الحديث: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة».(١) وأصله من وقى الشيء، يقيه ، إذا صانه، قال الله تعالی : ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا﴾ (٢) أي حماه منهم فلم يضره مكرهم. ويقال في الفعل أيضا: تقاه يتقيه. والتاء هنا منقلبة عن الواو. والتقاة والتقية والتقوى والتقى والاتقاء، كلها بمعنى واحد في استعمال أهل اللغة. (٣) أما في اصطلاح الفقهاء فإن التقوى والتقى خصا باتقاء العبد لله تعالى بامتثال أمره واجتناب نہیه والخوف من ارتکاب مالا یرضاه، لأن ذلك هو الذي يقي من غضبه وعذابه. (١) حديث: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٢٨٢ ط السلفية) من حديث أبي مسعود. (٢) سورة غافر/ ٤٥. (٣) لسان العرب مادة: ((و.ق.ي)). وأما التقاة والتقية فقد خصتا في الاصطلاح باتقاء العباد بعضهم بعضا. وأصل ذلك قول الله تبارك وتعالى : ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾. (١) وقد عرفها السرخسي بقوله: التقية أن يقي الإِنسان نفسه بما يظهره وإن كان يضمر خلافه . (٢) وعرفها ابن حجر بقوله: التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير. (٣) والتعريف الأول أشمل، لأنه يدخل فيه التقية بالفعل إضافة إلى التقية بالقول والتقية في العمل كما هي في الاعتقاد. الألفاظ ذات الصلة : أ - المداراة : ٢ - المداراة ملاينة الناس ومعاشرتهم بالحسنى من غير ثلم في الدين من أي جهة من الجهات، (٤) والإغضاء عن مخالفتهم في بعض الأحيان. وأصلها ((المدارأة)) بالهمز، من الدرء (١) سورة آل عمران/ ٢٨. (٢) المبسوط السرخسي ٢٤/ ٤٥ بيروت، ودار المعرفة، بالأوفست عن طبعة القاهرة. (٣) فتح الباري ١٢/ ٣١٤، والمكتبة السلفية، ١٣٧٢هـ. (٤) روضة العقلاء لابن حبان ص٥٦ القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٧٤هـ - ١٨٥ - تقية ٣ - ٥ وهو الدفع. والمداراة مشروعة، وذلك لأن وداد الناس لا يستجلب إلا بمساعدتهم على ماهم عليه. والبشر قد ركب فيهم أهواء متباينة، وطباع مختلفة، ويشق على النفوس ترك ماجبلت علیه، فلیس إلی صفوودادهم سبيل إلا بمعاشرتهم على ماهم عليه من المخالفة لرأیك وهواك.(١) والفرق بين المداراة والتقية: أن التقية غالبا لدفع الضرر عند الضرورة، وأما المداراة فهي لدفع الضرر وجلب النفع. ب - المداهنة : ٣ - قال ابن حبان: متى ما تخلق المرء بخلق يشوبه بعض مايكرهه الله فتلك هي المداهنة. (٢) وقوله تعالى : ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾(٣) فسره الفراء، كما في اللسان بقوله : ودوا لوتلين في دينك فيلينون. وقال أبوالهيثم: أي: ودوا لوتصانعهم في الدين فيصانعوك. وهذا ليس بمخالف لما تقدم عن ابن حبان، فإن النبي وسلو كان مأمورا بالصدع بالدعوة وعدم المصانعة في إظهار الحق وعيب الأصنام والآلهة التي اتخذوها من دون الله تعالى، فكان (١) روضة العقلاء ص٥٦ أيضا. (٢) روضة العقلاء ص٥٦. (٣) سورة القلم/ ٩. تليين القول في هذا الميدان مداهنة لا يرضاها الله تعالى لأن فيها ترك ما أمر الله به من الجهر بالدعوة. والفرق بين المداهنة والتقية: أن التقية لا تحل إلا لدفع الضرر، أما المداهنة فلا تحل أصلا، لأنها اللين في الدين وهو ممنوع شرعا. جـ - النفاق : ٤ - النفاق هو أن يظهر الإِيمان ويستر الكفر، وقد يطلق النفاق على الرياء، قال صاحب اللسان: لأن كليهما إظهار غير مافي الباطن. قال ابن تيمية: أساس النفاق الذي بني عليه هو الكذب، وأن یقول الرجل بلسانه ماليس في قلبه، كما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم یقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم. (١) والصلة بين التقية وبين النفاق، أن المنافق كافر في قلبه لكنه يظهر بلسانه وظاهر حاله أنه مؤمن ويعمل أعمال المؤمنين ليأمن على نفسه في المجتمع الإِسلامي وليحصل الميزات التي يحصلها المؤمن. فهو مغاير للتقية، لأنها إظهار المؤمن عند الخوف على نفسه ما یأمن به من أمارات الكفر أو المعصية مع كراهته لذلك في قلبه، واطمئنانه بالإيمان. مشروعية العمل بالتقية : ٥ - يذهب جمهور علماء أهل السنة إلى أن (١) منهاج السنة النبوية، القاهرة، مطبعة بولاق ١/ ١٥٩. - ١٨٦ - تقية ٦ - ٧ الأصل في التقية هو الحظر، وجوازها ضرورة، فتباح بقدر الضرورة. قال القرطبي: والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإِيذاء العظيم، ولم ينقل ما يخالف ذلك فيما نعلم إلا ماروي عن معاذ بن جبل من الصحابة، ومجاهد من التابعين، (١) وإنما ذهب الجمهور إلى ذلك لأن الله تعالى نص عليها في کتابه بقوله: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾(٢) قال ابن عباس في تفسيرها: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، أو یتخذوهم ولیجة من دون المؤمنین، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف ويخالفونهم في الدين. (٣) ٦ - ومن الأدلة على مشروعية التقية للضرورة قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِیمانه إلا مَنْ أُكْرِه وَقَلْبُهُ مْمَئنٌ بِالإِيمانِ وَلَكِن مّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صِدْرًا فَعَلَيْهِم غَضَبٌ مِنَ الله وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٍ﴾(٤) وسبب نزول الآية أن المشرکین أخذوا عمارا فلم یتر کوه حتی سب النبي # وذكر آلهتهم بخير، فتركوه. فلما أتى (١) تفسير القرطبي ٤/ ٥٧. (٢) سورة آل عمران/ ٢٨. (٣) تفسير الطبري ٦/ ٢٢٨، ٣١٣، القاهرة. مصطفى الحلبي ١٣٧٣هـ. (٤) سورة النحل / ١٠٦ النبي صل﴾، قال: ماوراءك؟ قال: شر، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير . قال: کیف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإِيمان. قال: إن عادوا فعد، فنزلت ﴿إِلا مَنْ أَكْرِهِ وَقَلْبُهُ مُطمئن پِالإِيمانِ﴾ .(١) ٧ - ومن الأدلة على جواز التقية للضرورة ما أخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن، أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله پے فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. نعم. نعم. قال أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة وأن محمدا رسول قریش - ثم دعا بالآخر، فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم. قالها ثلاثا، كل ذلك يجيبه بمثل الأول. فضرب عنقه. فبلغ ذلك رسول الله # فقال: أما ذلك المقتول فقد مضی علی صدقه ویقینه، وأخذ بفضله، فهنيئا له. وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة (١) حديث: ((سب عمار للنبي ﴿ عندما أكرهه المشركون)). أخرجه الحاكم (٣٥٧/٢ ط دار الكتاب العربي). وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. وابن جرير في تفسيره (٤/ ١٨٢ ط مصطفى الحلبي). كلاهما من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه. وأبوه تابعي. قال ابن حجر («وإسناده صحيح إن كان محمد ابن عمار سمعه من أبيه)) (الدراية ١٩٧/٢ ط الفجالة). - ١٨٧ - تقية ٨ عليه. (١) وقال الحسن: التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة. (٢) وقد نسب القرطبي إنكار التقية إلى معاذ بن جبل، ونسبه الرازي والقرطبي إلى مجاهد، قالا: ((كانت التقية في جدة الإِسلام قبل قوة المسلمين فأما اليوم فقد أعز الله أهل الإِسلام أن يتقوا عدوهم))(٣) ونقل السرخسي عن قوم لم يسمهم أنهم كانوا يأبون التقية، ويقولون: هي من النفاق. (٤) التقية من الأنبياء : ٨ - قال السرخسي : إن هذا النوع - يعني النطق بكلمة الكفر تقية - يجوز لغير الرسل. فأما في حق المرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعین ۔ فما كان يجوز ذلك فیما یرجع إلى أصل (١) حديث: ((أما ذلك المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه ... )) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٨/١٢ ط السلفية) بلفظ ((أما صاحبك فمضى على إيمانه، وأما أنت فأخذت بالرخصة)) من طريق يونس عن الحسن البصري. فالحديث مرسل. (٢) الدر المنثور ١٧٢/٥، والرازي في تفسير سورة آل عمران ٢٨/٨، وفتح الباري ١٢ / ٢١١ ط السلفية. (٣) تفسير القرطبي ٤/ ٥٧ القاهرة، دار الكتب، وتفسير الرازي ٨/ ١٤ (٤) المبسوط السرخسي ٢٤/ ٤٥ الدعوة إلى الدين الحق، وتجويز ذلك محال - أي ممنوع شرعا - لأنه يؤدي إلى أن لا يقطع القول بما هو شريعة، لاحتمال أن يكون فعل ذلك أو قاله تقية. (١) وهو یشیر بذلك إلى مایبينه أهل الأصول من أن حجية السنة النبوية متوقفة على كون كل ما أتى به النبي # حقا، إذ لو تطرق إلى أقواله أو أفعاله احتمال أنه فعل أو قال أشياء من ذلك على سبيل التقية وهي حرام، لكان ذلك تلبيسا في الدين، ولما حصلت الثقة بأقوال النبي ﴿﴿ وأفعاله. وكذلك السكوت منه وێے على مايراه ويسمعه من أصحابه إقرار تستفاد منه الأحكام الشرعية، فلو كان بعض سكوته يكون تقية لالتبست الأحكام على المسلمين. وقد قال الله تعالى : ﴿مَا كَانَ على النَّبِيِّ مِنْ حَرَج فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ سُنَّةَ اللّه فِي الَّذِين خَلَواْ من قبل وكان أمر الله قَدَرًا مَقْدُورًا. الذين يُبَلِّغُونَ رسالاتِ الله وَيَخْشَونه ولا يَخْشَوْنَ أحداً إلا الله وكفى بالله حَسِيبًا﴾(٢)، وقال: ﴿يا أيها الرسول بَلِّغْ ما أنزلَ إليك من ربك وإن لم تفعلْ فما بَلَّغْتَ رسالتَهُ والله يَعْصِمكَ من الناس، (١) المبسوط ٤٥/٢٤، وفتح الباري لابن حجر شرح صحيح البخاري ٢١١/١٢ القاهرة. المكتبة السلفية ١٣٧٢ ، وتفسير الرازي ١٤/٨ (٢) سورة الأحزاب/ ٣٩ - ١٨٨ - تقية ٩ إن الله لا يهدي القومَ الكافرينَ﴾.(١) قال القرطبي : دلت الآية علی رد قول من قال إن النبي ﴿﴿ كتم شيئا من أمر الدين تقية، وعلى بطلانه وهم الرافضة. (٢) قال شارح مسلم الثبوت: ما من نبي إلا بعث بين أعدائه، فلعله - أي في حال افتراض عملہ بالتقیة ۔ کتم شيئا من الوحي خوفا منهم، وكذا محمد ◌ّ بعث بين أعدائه، ولم يكن له ولأصحابه قدرة لدفعهم فيلزم على تجويز التقية له احتمال كتمانه شيئا من الوحي، وأن لا ثقة بالقرآن. فانظر إلى شناعة هذا القول وحماقته. (٣) على أن امتناع التقية على الأنبياء لا يعني عدم عملهم بالملاطفة واللين والمداراة للناس كما تقدم، أي من دون إخلال بفريضة أو ارتكاب لمحرم. (٤) حكم العمل بالتقية : ٩ - تقدمت الأدلة على جواز العمل بالتقية. (١) سورة المائدة/ ٦٧ (٢) تفسير القرطبي ٢٤٢/٦ (٣) شرح مسلم الثبوت ٢/ ٩٧ مع المستصفى. بولاق، وانظر مختصر التحفة ص٢٩٤ (٤) مختصر التحفة الإثني عشرية ص٢٩٥ وقد اختلف في حكمها. فقيل: إذا وجد سببها وتحقق شرطها فهي واجبة، لأن انقاذ النفس من الهلكة أو الإِيذاء العظيم ونحو ذلك لا يحصل إلا بها في تقدير المكلف لقوله تعالى : ولاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمٍ﴾(١) والصحيح عند العلماء أن الأولى للإِنسان أن يثبت على ماهو عليه من الحق بظاهره، کما هو عليه بباطنه. (٢) وقد يكون الثبات أفضل وأعظم أجرا ومثوبة ولو كان العذر قائما، وثبت هذا بالأدلة الصحيحة في الكتاب والسنة، فمن الكتاب مافي سورة البروج، فقد حكى الله تعالى قصة الذين صبروا على عذاب الحريق في الأخدود، واختاروا ذلك على أن يظهروا الرجوع عن دينهم. وثناء الله تعالى عليهم بذلك الثبات يدل على تفضيل موقفهم على موقف العمل بالتقية في قضية إظهار الكفر. ومنها قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ الناسُ أن يُتْكُوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفْتَنُونَ. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾. (٣) (١) سورة النساء/ ٢٩ (٢) تفسير القرطبي ٤/ ٥٧ (٣) سورة العنكبوت / ٣،٢ - ١٨٩ - تقية ١٠ - ١١ ومما يستدل به على ذلك من السنة قول النبي وَّ ((لا تشرك بالله شيئا وإن قُتِلْتَ وحُرِّقْتَ))(١) وكذلك ماتقدم في مسألة مسيلمة، فقد عذر النبي ◌َّ﴾ الصحابي الذي وافق مسليمة(٢) وقال فیه: «لا تبعة علیه)) وقال في حق الذي ثبت فقتل: ((مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله، فهنيئا له وهذا يدل على التفضيل. واحتج السرخسي أيضا بقصة خبيب بن عدي لما امتنع من موافقة قريش على الكفر حتى قتلوه، فقال النبي وب لير ((هو أفضل الشهداء)) وقال: ((هورفيقي في الجنة)). (٣) ١٠ - وقد بوب البخاري رحمه الله لهذه المسألة بابا بعنوان (باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر) أورد فیه حدیث خباب بن الأرت أنه قال ((شکونا إلى رسول الله ێر وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعولنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم (١) حديث: ((لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت)). أخرجه أحمد (٢٣٨/٥ ط المكتب الإسلامي). وابن ماجة (١٣٣٩/٢ ط عيسى الحلبي) واللفظ له. قال البوصيري إسناده حسن. مختلف فيه. (مصباح الزجاجة ٤ / ١٩٠ ط دار العربية). (٢) حدیث: ((لا تبعة علیه)). سبق تخريجه ف/ ٧ (٣) المبسوط السرخسي ٢٤ / ٤٤ (كتاب الإكراه). وحديث خبيب: ((هو أفضل الشهداء)). قال الزيلعي: ((غريب)) (نصب الراية ١٥٩/٤ ط المجلس العلمي) وأصل حديث خبيب في البخاري (١٦٥/٧ ط السلفية). يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض فيجعل له فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه فيجعل نصفین، ویمشط بأمشاط الحدید من دون لحمه وعظمه، فما یصده ذلك عن دينه» ثم قال ◌َ له والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراکب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)). (١) وهو واضح الدلالة على المقصود. وهكذا كل أمر فيه إعزاز للدين وإعلاء لكلمة الله وإظهار لثبات المسلمین ویسالتهم، وتثبيت لعامة المسلمين على الحق، يكون الثبات على الحق وإظهاره أولى من التقية، وهذا بخلاف نحو الإِكراه على شرب الخمر وأكل الميتة وحيث لا تظهر المصالح المذكورة. قال الفخر الرازي : إعلم أن للتقية أحكاما کثیرة ونحن نذكر بعضها : ١١- (الحكم الأول) أن التقیة إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار، ويخاف منهم على نفسه وماله فیداریہم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضا أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه، وأن يعرض في كل ما يقول، فإن التقية (١) حدیث: «قد کان من قبلکم یؤخذ الرجل، فيحفر له في ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣١٥/١٢ ط السلفية . - ١٩٠ - . تقية ١٢ - ١٧ تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب. ١٢ - (الحكم الثاني للتقية) أنه لو أفصح بالإِيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل، ودليله ماذكرناه في قصة مسيلمة . ١٣ - ( الحكم الثالث للتقية ) أنها إنما تجوز فيما يتعلق باظهار الموالاة والمعاداة، وقد تجوز أيضا فيما يتعلق بإظهار الدین فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنى وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين، فذلك غير جائز البتة. ١٤ - ( الحكم الرابع ) ظاهر الآية يدل على أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمین والمشرکین حلت التقية محاماة على النفس. ١٥ - ( الحكم الخامس ) التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله وله ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه))(١) ولقوله ◌َل ((من قتل دون ماله فهو شهيد))(٢) ولأن الحاجة إلى المال شديدة والماء إذا بيع بالغبن سقط (١) حديث: ((حرمة مال المسلم كحرمة دمه)) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٣٤/٧ ط السعادة). والدارقطني (٢٦/٣ ط دار المحاسن). له طرق يتقوى بها ذكرها ابن حجر في التلخيص الحبير (٤٦/٣ ط شركة الطباعة الفنية). (٢) حديث: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)». أخرجه= فرض الوضوء، وجاز الاقتصار على التيمم دفعا لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز ههنا . ١٦ - ( الحكم السادس) قال مجاهد: هذا الحکم کان ثابتا في أول الإِسلام لأجل ضعف المؤمنین فأما بعد قوة دولة الإِسلام فلا، وروى عوف عن الحسن: أنه قال التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة، وهذا القول أولى، لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان . (١) ء شروط جواز التقية : ١٧ - أ - يشترط لجواز التقية أن يكون هناك خوف من مکروه، علی مایذکر تفصيله بعد. فإن لم يكن هناك خوف ولا خطر لم يجز ارتكاب المحرم تقیة، وذلك کمن يفعل المحرم توددا إلى الفساق أو حياء منهم. وإن قال خلاف الحقيقة كان كاذبا آثما، وكذا من أثنى على الظالمين أو أعانهم علی ظلمهم وصدقهم بکذبهم وحسن طریقتهم لتحصیل المصلحة منهم دون أن یکون علیه خطر منهم لوسکت، فإنه یکون كاذبا آثما مشاركا لهم في ظلمهم وفسقهم. وإن كان فيما = أبو داود (١٢٨/٥ ط عزت عبيد الدعاس). والترمذي (٤/ ٣٠ ط مصطفى الحلبي) وقال: حديث حسن صحيح. (١) تفسير الرازي (١٤/٨ ط البهية المصرية ١٩٣٨م). - ١٩١ - تقية ١٨ - ٢٠ صدقهم به عدوان على مسلم فذلك أعظم، قال النبي # ((من أعان على قتل مسلم بشطر کلمة فهو آیس من رحمة الله)). (١) ١٨ - ب - قيل: يشترط لجواز التقية أن تكون مع الكفار الغالبين وسبق قول الرازي أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلت التقية محاماة عن النفس. (٢) ١٩ - جـ ـ أن يعلم أنه إن نطق بالكفر ونحوه تقية يترك بعد ذلك. وهذا الاشتراط منقول عن الإِمام أحمد، فقد سئل عن الرجل يؤسر فیعرض علی الکفر ویکره علیه، هل له أن يرتد - أي ظاهرا - فكرهه كراهة شديدة وقال: مايشبه هذا عندي الذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي ێ، أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم یترکون يفعلون ما شاؤوا، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم. قال ابن قدامة: وذلك لأن الذي یکره على كلمة يقولها ثم يخلى لا ضرر فيها، وهذا المقيم بينهم يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه (١) حديث: ((من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ... )) أخرجه ابن ماجة (٨٧٤/٢ ط عيسى الحلبي)، والبيهقي (٢٢/٨ ط دار المعرفة). واللفظ لابن ماجة. قال الحافظ البوصيري في الزوائد. في إسناده يزيد بن أبي زياد بالغوا في تضعيفه . (٢) تفسير الرازي ٨/ ١٤ واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنكرات وإن كان امرأة تزوجوها واستولدوها أولادا كفارا. وكذلك الرجل. وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الإِسلام. (١) وحاصله أنه يجوز إظهار الكفر إن علم أنه يترك بعد ذلك، أما إن كان مآله الالتزام بالإقامة بين أظهر الكفار يجرون علیه أحکام الکفر ویمنعونه من إظهار دينه فليس له أن يوافقهم على إظهار الكفر. وحينئذ فإن قدر على الهجرة من مثل تلك الأرض إلی حیث یتمکن من إظهار دينه والعمل به فليس له الإقامة المذكورة بعذر التقية. ٢٠ - د - ويشترط لجواز التقية أن لا يكون للمكلف مخلص من الأذى إلا بالتقية، وهذا المخلص قد يكون الهرب من القتل أو القطع أو الضرب، وقد يكون التورية عند الإِكراه على الطلاق، وعدم الدهشة(٢) وهذا عند بعض الفقهاء، وقد تكون الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإِسلام. فإن أمكنته الهجرة لم يكن له موالاة الكفار وترك إظهار دينه لقوله تعالى : ﴿إِن الذين تَوَفَّهُمُ الملائكة ظالمي أنفُسِهم قالوا (١) المغني ٨/ ١٤٧ القاهرة، دار المنار، الطبعة الثالثة. (٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣٦٨/٢ القاهرة، عيسى الحلبي. - ١٩٢ - تقية ٢٠ - ٢١ فِيم كُنتم قالوا كنا مُستَضْعِفِينَ في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنمُ وساءتْ مصيراً﴾(١) قال الألوسي : اعتذروا عن تقصيرهم في إظهار الإِسلام وعن إدخالهم الخلل فيه وعن العجز عن القيام بواجبات الدین بأنهم كانوا مقهورين تحت أيدي المشركين، وأنهم فعلوا ذلك كارهین. فلم تقبل الملائكة عذرهم لأنهم كانوا متمكنين من الهجرة، فاستحقوا عذاب جهنم لتركهم الفريضة المحتومة . (٢) ومقتضاه أن من كان مقهورا لا يقدر على الهجرة حقيقة لضعفه أو لصغر سنه وسواء أكان رجلا أم امرأة بحيث يخشى التلف لوخرج مهاجرا فذلك عذر في الإقامة وترك الهجرة. وقد صرحت بهذا المعنى الآيتان التاليتان للآية السابقة وهما ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا﴾(٣) وقال الألوسي أيضا «کل مؤمن وقع في محل لا یمکن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى (١) سورة النساء/ ٩٧ (٢) روح المعاني ٥/ ١٢٦ القاهرة، المطبعة المنيرية، ١٩٥٥م وقال: إن ترك التأويل بلا عذر لا يقع طلاقه على الصحيح، والفروع ٣٦٨/٥، والإنصاف ٤٤١/٨ (٣) سورة النساء/ ٩٨ - ٩٩ محل يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف، فإن أرض الله واسعة. نعم إن كان ممن له عذر شرعي في ترك الهجرة كالنساء والصبيان والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفا يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالبا، سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو حبس القوت أوبنحوذلك، فإنه يجوز له المکث مع المخالف، والموافقة بقدر الضرورة ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه. وإن كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكن تحملها كالحبس مع القوت، والضرب القليل غير المهلك فإنه لا يجوز له موافقتهم. (١) ٢١ - هـ ـ ويشترط أن يكون الأذى المخوف وقوعه مما یشق احتماله. والأذى إما أن يكون بضرر في نفس الإِنسان أوماله أو عرضه. أو في الغير، أو تفويت منفعة. فالأول كخوف القتل أو الجرح أو قطع عضو أو الحرق المؤلم أو الضرب الشديد أو الحبس مع التجويع ومنع الطعام والشراب. وقال المالكية: أو خوف صفع ولو قليلا لذي مروءة على ملأ من الناس. (٢) أما التجويع اليسير والحبس اليسير والضرب (١) مختصر التحفة الإثني عشرية ص٢٨٧ (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٦٨/٢ - ١٩٣ - تقية ٢١ اليسير فلا تحل به التقية ولا يجيز إظهار موالاة الكافرين أو ارتكاب المحرم. ورخص البعض في التقية لأجله. روى شريح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذب. وفي لفظ: أربع كلهن كره: السجن والضرب والوعيد والقيد. وقال ابن مسعود: ماكلام يدرأ عني سوطین إلا كنت متكلما به. (١) وأما العرض فكان يخشی علی حُرَمِهِ من الإِعتداء. وأما الخوف على المال فقد قال الرازي : فيما سبق بيانه: التقية جائزة لصون النفس وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقول النبي رَّ ((حرمة مال المسلم کحرمة دمه)).(٢) وقوله («من قتل دون ماله فهو شهيد))(٣) ولأن الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بیع بغبن فاحش سقط فرض الوضوء وجاز الاقتصار على التيمم دفعا لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوزههنا؟ وقال مالك إن التخويف بأخذ المال إكراه ولو قليلا(٤) وفي مذهبه غير ذلك. قال القاضي أبو يعلى : الإكراه يختلف. (١) فتح الباري ٣١٤/١٢ (٢) سبق تخريجه ف ١٥. (٣) سبق تخريجه ف١٥ (٤) تفسير الرازي ١٤/٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٦٨/٢ واستحسن هذا القول ابن عقيل. أي يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف الأمر المكره عليه والأمر المخوف فرب أمر يرهب منه شخص ضعیف ولا یرهبه شخص قوي شجاع. ورب شخص ذي وجاهة يضع الحبس ولويوما من قدره وجاهه فوق ما يضع الحبس شهرا من قدر غيره ورب تهديد أو ضرب يسير يستباح به الكذب اليسير ويلغي بسببه الإقرار بالمال اليسير، ولا يستباح به الإِقرار بالكفر أو المال العظيم. (١) وينظر في ذلك أيضا مصطلح (إكراه). وأما خوف فوت المنفعة فقد قال فيه الألوسي في مختصر التحفة أنه لا يجيز التقية. (٢) وذلك كمن يخشى إن لم يظهر المحرم أن يفوته تحصيل منصب أومال يرجو حصوله وليس به إليه ضرورة. وهذا هو الصواب ويدل عليه من القرآن قول الله تعالى ﴿وإذ أخذ الله ميثاقَ الذين أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنْنَّهُ للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظُهُورهِمْ واشْتَرَوْا به ثمنا قليلا فَبْسَ مايَشْتَرَوُن﴾(٣) ذمهم على الكتمان في مقابلة مصالح عاجلة. أي من مال أوجاه. لأن (١) المبسوط ٥٢/٢٤، والدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين ٥/ ٨٠، ٨١، والفروع لابن مفلح ٣٦٨/٥، والدسوقي على الشرح الكبير ٣٦٨/٢ (٢) مختصر التحفة الاثنى عشرية ص٢٨٨ (٣) سورة آل عمران/ ١٨٧ - ١٩٤ - تقية ٢٢ - ٢٣ قول الكذب والغيبة والنميمة ونحوها وقول الإنسان بلسانه خلاف ما في قلبه کل ذلك محرم والكاذب مثلا لا يكذب إلا لمصلحة يرجوها من وراء کذبه، ولوسئل لقال إنما كذبت لغرض كذا وکذا أريد تحصیله، فلو جاز الكذب لتحصیل المنفعة لعاد كل كذب مباحا ويكون هذا قلبا لأحكام الشريعة وإخراجا لها عن وضعها الذي وضعت علیه . أنواع التقية : ٢٢ - التقية إما أن تكون بسبب إكراه بتهديد المسلم بما يضره من تعذيب أو نحوه مما تقدم بيانه، إن لم يفعل ما طلب منه، وإما أن لا تکون بسبب إكراه . فأما ما کان منها بسبب إكراه، وقد تمت شروطه، فإن ما أنشأه من التصرفات تبعا لذلك لا يلزمه، وإن أكره على القتل لم يحل له، وإن أکره على الزنى لم يحل له، فإن فعل فلا حد عليه للشبهة، وإن أكره على النطق بكلمة الكفر جاز له ذلك. ولا يعتبر مرتدا. وهذا اجمال ينظر تفصيله في مصطلح (إكراه). أما التقية بغير سبب الإكراه، بل لمجرد خوف المسلم من أن يحل به الأذى من قتل أو قطع أو ضرب أوسجن أو غيره من صنوف . الأذى والضرر فهذا النوع لا يحل به ما يحل بالإِكراه. (١) والتفصيل في إكراه. ما تحل فيه التقية : ٢٣ - اختلف الفقهاء فيما تحل فيه التقية وما لا تحل، فذهب بعضهم إلى أن التقية خاصة بالقول، ولا تتعدى إلى الفعل، وعليه فلا يرخص بحال بالسجود لصنم أوبأكل لحم الخنزير أو بزنى. وهذا مروي عن الأوزاعي وسحنون. وذهب الأكثرون إلى أن الإكراه في القول والفعل سواء. (٢) وهذا هو المعتمد على تفصيل وخلاف يعرف مما في بحث (إكراه) ومن التفصيل التالي : إظهار الكفر وموالاة الكفار : تقدم بيان جوازه عند خوف القتل والإِيذاء العظيم، وأن الصبر على الأذى فيه أفضل من ارتكابه تقية. وقد تكون التقية بإظهار الموالاة ولو لم يكره على النطق بالكفر لكن يخاف على نفسه أو ماله إن أظهر لهم العداء، قال الرازي : بأن لا يظهر لهم العداوة باللسان، ويجوز أن يظهر (١) الهداية وتكملة فتح القدير ٢٩٢/٧، ٢٩٣ القاهرة. المطبعة الميمنية ١٣١٩ هـ، ورد المحتار ٥/ ٨٠ ط بولاق. (٢) فتح الباري ٣١٤/١٢ - ١٩٥ - تقية ٢٤ - ٢٥ الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض في كل مايقول، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب . (١) ولو أكره على كفر فعلي كالسجود لصنم أو أهانة مصحف فالظاهر أنه یرخص له في فعله تقية، قال ابن حجر في قوله تعالى (إلا مَنْ أُكْرِهَ وقلبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإِيمانِ) قال: الكفريكون بالقول والفعل من غير اعتقاد وقد يكون باعتقاد، فاستثنى الأول وهو المكره. (٢) أكل لحم الميتة ونحوه : ٢٤ - يباح للمكره شرب الخمر وأكل لحم الميتة أو لحم الخنزير وذلك على سبيل التقية إذا وجدت شروطها لأن حرمة هذه الأشياء ثابتة بالشرع، وهي مفسدة في حال الاختيار، فإن الله تعالى استثنى حال الضرورة من التحريم بقوله عز وجل ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ فظهر أن التحريم مخصوص بحالة الاختيار، وقد تحققت الضرورة هنا لخوف التلف على نفسه بسبب الإكراه .. فإن لم يفعل حتى قتل يكون آثما. وعن أبي يوسف لا يكون آثما. (٣) (١) تفسير الرازي ٨/ ١٤ (٢) فتح الباري ١٢/ ٣١٤ (٣) المبسوط ٤٨/٢٤، وفتح الباري ٣١٤/١٢ التقية في بعض أفعال الصلاة : ٢٥ - إن خاف المصلي على نفسه عدوا يراه إذا قام ولا يراه إذا قعد جازت صلاته قاعدا وسقط عنه فرض القيام. (١) وكذا الأسير لدى الكفار إن خافهم على نفسه إن رأوه يصلي فإنه يصلي کیفما أمكنه، قائما أو قاعدا أو مضطجعا أو مستلقيا، إلى القبلة وغيرها، بالإِيماء حضرا أو سفرا، لقول النبي وَ ل﴾ ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))(٢) ومثله المختبىء في مكان يخاف أن یظهر علیه العدو إن خرج ولا يمكنه أن يصلي في مكانه على صفة الكمال. ولو خاف المصلي من عدوه الضرر إن رآه يركع ويسجد فله أن يومىء بطرفه وينوي بقلبه. (٣) والحنابلة لا يرون الصلاة خلف المبتدع والفاسق في غیر جمعة وعید یصلیان بمکان واحد من البلد، فإن خاف منه إن ترك الصلاة خلفه فإنه يصلي خلفه تقية ثم يعيد الصلاة. واحتجوا بما روى عن جابر أنه قال: سمعت النبي حَلّر (١) كشاف القناع ٣٨٥/١ (٢) حديث ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). أخرجه البخاري (٢٥١/١٣ ط السلفية)، ومسلم (٢ /٩٧٥ ط عيسى الحلبي)، واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة. (٣) كشاف القناع ٤٩٥/١ - ٤٩٩، والمغني ١/ ٦٣٠، ١٨٨/٢ - ١٩٦ - تقية ٢٦ - ٢٧ على منبره يقول ((لا تؤمن امرأة رجلا، ولا فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطان أو يخاف سوطه أو سيفه)). (١) وقد ذكر ابن قدامة حيلة في تلك الحال يمكن اعتبارها من التقية لما فيها من الاستتار، وهي أن يصلي خلفه بنية الإنفراد، فيوافق الإِمام في الركوع والسجود والقيام والقعود، فتصح صلاته لأنه أتى بأفعال الصلاة وشروطها على الكمال، فلا تفسد بموافقة غيره في الأفعال. (٢) التقية في البيع وغيره من التصرفات: ٢٦ - إذا خاف على ماله من ظالم يغصبه، فيواطىء رجلا على أن يظهر أنه اشتراه منه لیحتمي بذلك ولا یریدان بیعا حقیقیا. وهذا البيع صحيح عند أبي حنيفة والشافعي وباطل عند الحنابلة وأبي يوسف ومحمد. . أما عند المالكية ففي تبصرة الحكام : يجوز الاسترعاء في البيع وهو أن يشهد قبل البيع أني إن بعت هذه الدار فإنما أبیعھا لأمر أخافه من قبل ظالم أو غاصب، ولا يثبت الاسترعاء في هذه الحال إلا إن كان الشهود يعرفون الإكراه (١) حديث ((لا تؤمن امرأة رجلا، ولا فاجر مؤمنا، إلا أن ... )) أخرجه ابن ماجة (٣٤٣/١ ط عيسى الحلبي). من حديث جابر بن عبدالله. قال الحافظ البوصيري في الزوائد. هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبدالله بن محمد العدوي. (٢) المغني ٢/ ١٨٦، ١٩٢ على البيع، والإِخافة التي يذكرها. (١) والاسترعاء عند المالكية يصح ويفيد صاحبه في كل تصرف تطوعي كالطلاق والوقف والهبة . فإن فعل لم يلزمه أن ينفذ شيئا من ذلك، وإن لم يعلم الشهود السبب، بخلاف مسألة البيع، إذ المبايعة خلاف ما يتطوع به وقد أخذ البائع فيه ثمنا وفي ذلك حق للمبتاع . وقال المالكية: من استرعى في وقف على تقبة اتقاها ثم أشهد بعد ذلك علی إمضائه جاز لأنه لم يزل علی ملكه. وإن استرعى أنه يترك حقه في الشفعة خوفا من إضرار المشتري وله سلطان وقدرة، وأنه غير تارك لطلبه متی أمکنه نفعه ذلك. ثم إذا ذهبت التقية وقام من فوره بالمطالبة قضي له. واختلفوا إذا سكت عن المطالبة بعد زوال ما يتقيه، والراجح أنه لا يكون له المطالبة، لأنه متی زال فكان البيع وقع حينئذ. ويجب أن يكثر من شهود الاسترعاء، وأقلهم عند ابن الماجشون أربعة شهود. (٢) وانظر مصطلح (بيع التلجثة). التقية في بيان الشريعة والحكم بها: ٢٧ - بيان الأحكام الشرعية والأمر بالمعروف . (١) المغني ٢١٤/٤، والإنصاف ٢٦٥/٤، وكشاف القناع ١٥٠/٣، وتبصرة الحكام لابن فرحون ٥/٢ (٢) تبصرة الحكام ٢/ ٣ - ٥ - ١٩٧ - تقية ٢٨ والنهي عن المنكر في الأصل واجبة على الكفاية، وإذا خاف المسلم ضررا يلحقه من ذلك جازله أن ينتقل من الأمر والإِنكار باليد إلى الأمر والإِنكار باللسان، فإن خاف من ذلك أيضا جاز له أن ينتقل إلى السكوت عن المنكر مع الإِنكار بقلبه، وذلك أضعف الإيمان، کما في الحديث الوارد، وذلك نوع من التقية. على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يشرع التغيير باليد ثم الإِنكار باللسان، مع خوف الضرر، أعظم درجة من السكوت، إذ أن ذلك نوع من الجهاد. وقد قال الله تعالى في حكاية قول لقمان لابنه وهو يعظه ﴿يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾(١) وفي الحديث: ((أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتل)). (٢) ٢٨ - وتعظم درجة الآمر والناهي إنْ تَعَيَّنَ علیه، بأن نكل عن البيان من سواه، حتى عم المنكر وظهر، وخاصة فيما يتعلق بالتلبيس في الدين وطمس معالمه، فلو أخذ جميع العلماء بالتقية، ولم يقم أحد منهم بواجب البيان لظهرت البدعة (١) سورة لقمان / ١٧ (٢) حديث ((أفضل الشهداء حمزة بن عبدالمطلب، ثم رجل قام إلى ... )) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٣٧٧/٦ ط السعادة) من حديث جابر بن عبدالله. وإسناده حسن. وعمت، وتبدلت الشريعة في أعين الناس. وقد أخذ العلماء في عهد المأمون والمعتصم وامتحنوا ليقولوا بخلق القرآن وكان ذلك بمشورة من بعض المعتزلة. فلما هدد العلماء وأوذوا قالوا بذلك فتركوا، ولم يثبت منهم في المحنة إلا أربعة أو خمسة مات بعضهم في السجن. (١) ونقل عن أحمد أيام محنته في خلق القرآن أنه سئل: إن عُرِضْتَ على السيف تجيبُ؟ قال: لا، وقال: إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق؟. (٢) وكان أبو يعقوب البويطي صاحب الإِمام الشافعي ممن امتحن فصبر كذلك ولم يجب إلى ما طلبوه منه في فتنة القول بخلق القرآن، لما وشي به. وقد قال له أمیر مصر الذي كلف بمحنته: قل فيما بيني وبينك. قال: أنه يقتدي بي مائة ألف ولا يدرون ما المعنى. وقد أمر بحمله من مصر إلى بغداد في الحدید، ومات في السجن ببغداد في القيد والغل رحمه الله. (٣) وكان لثبات أحمد والبويطي ومن معهما أثره في (١) البداية والنهاية لابن كثير ٣٣٤/١٠، ٣٣٥ القاهرة، مطبعة السعادة. (٢) أحمد محمد شاكر، في تعليق على دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة المترجمة إلى العربية مادة: ((تقية)). (٣) طبقات الشافعية للسبکي ٢٧٦/١، ٢٧٧ بيروت، دار المعرفة بالتصويري عن الطبعة المصرية القديمة. ١ - ١٩٨ - تقية ٢٩ - ٣١ تراجع الخلافة عن ذلك المنهج، وانكسرت بسبب ذلك شوكة المعتزلة. ٢٩ - وليس للعالم أن ينطق بغير الحق وهو يعلم، ولا رخصة له في ذلك على سبيل التقية مطلقا، إن كان السكوت کافیا لنجاته، لعدم تحقق شرط جواز التقية حينئذ. وفي ذلك من المحذور أيضا الخوف من أن يخفى الحق على الجاهلين أو يضعف إيمانهم ويحجموا عن نصر حقهم اقتداء بمن أجاب تقية فيظنوا جوابه هو الجواب، وهم غافلون عن مراده وأنه قصد التقية . ما ينبغي للآخذ بالتقية أن يراعيه : ينبغي لمن يأخذ بالتقية أن يلاحظ أمورا: ٣٠ -منها: أنه إن کان له مَغْلَص غیر ارتكاب الحرام، فيجب أن يلجأ إليه، ومن ذلك أن يُورّى، كمن أكره على شتم النبي صلى الله علیه وسلم وکرَّم وشرَّف، فینوی محمدا آخر. فإن خطرت بباله التورية وتركها لم تكن التقية عذرا له، ویعتبر کافرا.(١) ٣١ - ومنها: أن يلاحظ عدم الانسياق مع الرخصة حتى يخرج من حد التقية إلى حد الإنحلال بارتكاب المحرم بعد انقضاء (١) المبسوط السرخسي ٢٤/ ١٣٠، ١٣١، وينظر الدسوقي على الشرح الكبير ٣٦٨/٢ الضرورة، وأصل ذلك ما قال الله تعالى في شأن المضطر ﴿فمن اضطر غیر باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾(١) فسر الباغي بمن أكل الحرام وهو يجد الحلال، وفسر العادي بمن أكل من الحرام فوق ما تقتضيه الضرورة. . وقد نبه الله تعالى في شأن التقية على ذلك حیث قال ﴿لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه﴾(٢) فحذر تعالى من نفسه لئلا يغتر المتقي ويتمادى. ثم قال في الآية التالية ﴿قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله﴾ (٣) فنبه على علمه بما يضمره مرتكب الحرام بموالاة الكفار أنه هل يفعله تقية أو موافقة. قال الرازي: إنه تعالى لما نهى عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ظاهرا وباطنا، واستثنى التقية في الظاهر، أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقا للظاهر في وقت التقية، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سببا لحصول تلك الموالاة في الباطن وهذا الوقوع في الحرام وعدم المبالاة به، الذي أوله الترخص على سبيل التقية، وآخره (١) سورة الأنعام/ ١٤٥ (٢) سورة آل عمران/ ٢٨ (٣) سورة آل عمران/ ٢٩ - ١٩٩ - تقية ٣٢ :الرضا بالكفر وانشراح الصدر به، هو الفتنة التي أشارت اليها بقية الآيات من سورة النحل التي تلت آية الإكراه. قال تعالى ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فُتِنُوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾(١) وفي سورة العنكبوت ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى في الله جعل فِتْنة الناس كعذاب الله﴾ (٢) قال الطبري ((معناه إذا آذاه المشركون في إقراره بالله جعل فتنة الناس إیاه كعذاب الله في الآخرة فارتد عن إيمانه بالله راجعا إلى الكفر به)). قال: ((وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الإِيمان كانوا بمكة، فخرجوا منها مهاجرين فأدركوا وأخذوا فأعطوا المشركين لما نالهم أذاهم ما أرادوه منهم)). (٣) وذكر غير الطبري منهم عياش بن أبي ربيعة أخا أبي جهل لأمه، وأبا جندل بن سهيل بن عمرو والوليد بن المغيرة وغيرهم ثم أنهم هاجروا فنزل قوله تعالى ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فُتِنوا ثم جاهدوا وصبر وا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾. (٤) ٣٢ - ومنها أن يلاحظ النية، فینوي أنه إنما يفعل الحرام للضرورة، وهو يعلم أنه حرام إلا أنه (١) سورة النحل / ١١٠ (٢) سورة العنكبوت/ ١٠ (٣) تفسير الطبري ٢٠ - ١٣٢ (٤) سورة النحل / ١١٠ یأخذ برخصة الله، فإن فعله وهویری أنه سهل ولا بأس به فإنه يقع في الإِثم. وهذا ما يشير إليه آخر الآية وهو قوله تعالى ﴿ولكن من شَرحَ بالكفر صَدْرًا فعليهم غضبٌ من الله﴾(١) وفي الحديث ((دخل رجل الجنة في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك؟ قال مر رجلان علی قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب قال: لیس عندي شيء فقالوا له قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله قال: فدخل النار، وقالوا للآخر قرب ولو ذبابا قال ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل قال: فضربوا عنقه قال فدخل الجنة)). (٢) قال في تيسير العزيز الحميد: وفيه: أنه دخل النار بسبب لم يقصده بل فعله تخلصا من شرهم . وفيه: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين كيف صبر على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر. (٣) (١) سورة النحل / ١٠٦ (٢) حديث: ((دخل رجل الجنة في ذباب ... )) أخرجه أحمد في الزهد (ص ١٥ ط دار الكتب العلمية) وأبو نعيم (الحلية ٢٠٣/١ ط السعادة) موقوفا على سلمان. ويرجع لشرح الحديث إلى كتاب ((تيسير العزيز الحميد)) للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب. (٣) تيسير العزيز الحميد ص ١٦٢ نشر ادارات البحوث العلمية بالسعودية . - ٢٠٠ - .