Indexed OCR Text
Pages 161-180
تقليد ١٣ مكلف بالعمل بأحكام الشريعة، وقد یکون في الأدلة عليها خفاء يحوج إلى النظر والاجتهاد، وتکلیف العوام رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل، وتعطيل الحرف والصنائع، فيؤدي إلى الخراب، ولأن الصحابة رضي الله عنهم كان يفتي بعضهم بعضا، ويفتون غیرهم، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد. وقد أمر الله تعالى بسؤال العلماء في قوله تعالى : ﴿فأسألوا أهلَ الذكرِ إن كنتمْ لا تعلمونَ﴾.(١) الثاني: إن التقليد محرم لا يجوز. قال بذلك ابن عبدالبر، وابن القيم، والشوكاني، وغيرهم. واحتجوا بأن الله تعالى ذم التقليد بقوله: ﴿اتخذُوا أَحْبَارَهُم وَرُهْبَانَهُمُ أرباباً من دونِ الله﴾(٢) وقوله ﴿وقَالوا ربّنا إنا أطعْنا سادتْنَا وكبراءنًا فأضلونَا السَّبيلا﴾(٣) ونحو ذلك من الآيات، وإن الأئمة قد نهوا عن تقليدهم، قال أبو حنيفة وأبويوسف: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه. وقال المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله مع إعلامه نهیه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه وقال أحمد: لا تقلدني، ولا تقلد مالكا (١) سورة النحل / ٤٣ (٢) سورة التوبة / ٣١ (٣) سورة الأحزاب / ٦٧ ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا. (١) وفي بعض كلام ابن القيم أن التقليد الذي یری امتناعه هو (اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قول سواه، بل لا إلى نصوص الشارع، إلا إذا وافقت نصوص قوله. قال فهذا هو التقليد الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة). (٢) وأثبت ابن القيم والشوكاني فوق التقليد مرتبة أقل من الاجتهاد، هي مرتبة الاتباع، وحقيقتها الأخذ بقول الغير مع معرفة دلیله، على حد ماورد في قول أبي حنيفة وأبي يوسف (لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا). (٣) غير أن التقليد يجوز عند الضرورة. ومن ذلك إذا لم يظفر العالم بنص من الكتاب أو (١) إعلام الموقعين ١٨٧/٤ - ٢٠١، ٢١١، ومختصر المزني المطبوع مع الأم للشافعي ص١، وإرشاد الفحول ص٢٦٦ (٢) إعلام الموقعين ٤/ ٢٣٦، ١٩٢ (٣) إعلام الموقعين ٤/ ٢٦٠ ولعل الوجه في نهي الائمة عن تقليدهم أنهم قالوه لتلامذتهم المؤهلين الذين لديهم القدرة على معرفة حجية الأدلة، ومدی صحتها، وعلی تفهم دلالاتها. فهؤلاء لا يصح منهم التقليد الصرف فيما يمكنهم فيه الرجوع إلى الأدلة. أما العامي الذي ليس أهلا فليس كلام الائمة موجها إليه، وفرضه التقليد قطعا. - ١٦١ - تقليد ١٤ - ١٥ السنة، ولم يجد إلا قول من هو أعلم منه، فيقلده. أما التقليد المحرم فهو أن يكون العالم متمكنا من معرفة الحق بدلیله، ثم مع ذلك يعدل إلى التقليد، فهو كمن يعدل إلى الميتة مع قدرته على المذڭى . والتقليد إنما هو لمن لم يكن قادرا على الاجتهاد، أو كان قادرا علیه لكن لم يجد الوقت لذلك، فهي حال ضرورة كما قال ابن القيم. وقد أفتى الإِمام أحمد بقول الشافعي، وقال: إذا سئلت عن مسألة لم أعرف فيها خبرا أفتيت فيها بقول الشافعي، لأنه إمام عالم من قريش، (١) وقد قال النبي ◌َلو: ((لا تسبوا قريشا، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما)).(٢) شروط من يجوز تقليده : ١٤ - لا يجوز للعامي أن يستفتي إلا من يعرفه بالعلم والعدالة، أما من عرفه بالجهل فلا يسأله اتفاقا، وكذا لا يسأل من عرفه بالفسق. ويجوز أن يستفتي من غلب على ظنه أنه من أهل العلم، لما يراه من انتصابه للفتيا وأخذ الناس عنه بمشهد من أهل العلم، وما یلمحه فیه من سمات أهل العلم والدين والستر، أو يخبره (١) مطالب أولي النهي ٤٤٨/٦ (٢) حديث: ((لا تسبوا قريشا، فإن عالمها يملأ)) أخرجه الطيالسي في مسنده (١٩٩/٢ - منحة المعبودط. المنيرية) من حديث عبدالله بن مسعود، وضعف إسناده العجلوني في كشف الخفاء (٦٨/٢ ط. الرسالة). بذلك ثقة. قال ابن تيمية: لا يجوز أن يستفتي إلا من يفتي بعلم وعدل. أما مجهول الحال في العلم فلا يجوز تقليده إذ قد یکون أجهل من السائل. وأما مجهول الحال في العدالة فقد قيل :لا بد من السؤال عنه من عدل أو عدلین لأنه لا یأمن كذبه وتدليسه، وقيل : لا يلزم السؤال عن العدالة لأن الأصل في العلماء العدالة. (١) ولا يقلد متساهلا في الفتيا، ولا من يبتغي الحيل المحرمة، ولا من يذهب إلى الأقوال الشاذة التي ينكرها الجمهور من العلماء. (٢) من يجوز له التقلید : ١٥ - تقدم أن الذي يجوز له التقليد هو العامي ومن على شاكلته من غير القادرين على الاجتهاد. وكذلك من له أهلية الاجتهاد إذا استشعر الفوات لو اشتغل بالاجتهاد في الأحكام، فله أن يقلد مجتهدا . فأما المجتهد لو أراد التقليد مع سعة الوقت وإمكان الاجتهاد فقد قال الإِمام الشافعي وغيره: ليس له أن يقلد بل عليه أن يجتهد. وقيل : يجوز له التقليد. (١) المستصفى ٢/ ٣٩٠، وروضة الناظر ٤٥٢/٢ (٢) مطالب أولي النهي ٦/ ٤٤١، ٤٤٦، ٤٤٧، وتبصرة الحكام ٥٢/١، القاهرة المطبعة العامرة الشرفية، ١٣٠١ هـ. - ١٦٢ - تقليد ١٥ - ١٦ ودليل القول بأن الاجتهاد يجب عليه أن اجتهاده في حق نفسه یضاهي النص، فلا يعدل عن الاجتهاد عند إمكانه، كما لا يعدل عن النص إلى القیاس.(١) أما إن اجتهد من هو أهل للاجتهاد، فأداه اجتهاده إلى معرفة الحکم، فليس له أن یترکه ويصير إلى العمل أو الإِفتاء بقول غيره تقليدا لمن خالفه في ذلك، قال صاحب مسلم الثبوت: ((إجماع)) أي بإجماع أئمة الحنفية، لأن ما علمه هو حكم الله في حقه فلا يتركه لقول أحد. ولكن لو أن القاضي المجتهد حكم بالتقليد نفذ حكمه عند أبي حنيفة على رواية، ولم ينفذ على الرواية الأخرى، ولا على قول الصاحبين والفتوى على قولهما، وهي الرواية الأخرى عن أبي حنيفة . (٢) والذين قالوا بتجزؤ الاجتهاد يجب عندهم على المجتهد المطلق أن يقلد فيما لم يظهر له حكم الشرع فیه، فیکون مجتهدا في البعض مقلدا في البعض الآخر، ولكن قيل : إنه مادام عالما فلا يقلد إلا بشرط أن يتبين له وجه الصحة، بأن يظهره له المجتهد الآخر. (٣) (١) البرهان للجويني ٢/ ١٣٤٠ بتحقيق د.عبدالعظيم الديب، نشر على نفقة أمير قطر، ١٣٩٩هـ، وروضة الطالبين ١٠٠/١١ (٢) مسلم الثبوت ٣٩٢/٢، ٣٩٣ (٣) مسلم الثبوت ٢/ ٤٠٢ وأيضا قد يقلد العالم في الثبوت، کمن قلد البخاري في تصحيح الحديث، ثم يجتهد في الدلالة أو القياس أو دفع التعارض بناء على ما ثبت عند غيره. تعدد المفتين واختلافهم على المقلد : ١٦ - إذا لم یکن في البلد إلا مفت واحد وجب على المقلد مراجعته والعمل بما أفتاه به مما لا يعلمه. وإن تعدد المفتون وكلهم أهل، فللمقلد أن يسأل من شاء منهم، ولا يلزمه مراجعة الأعلم، وذلك لما علم أن العوام في زمان الصحابة كانوا يسألون الفاضل والمفضول، ولم يحجر على أحد في سؤال غير أبي بكر وعمر. فلا يلزم إلا مراعاة العلم والعدالة . لكن إذا تناقض قول عالمين، فأفتاه أحدهما بغير ما أفتاه به الآخر، فإنه يلزمه الأخذ بقول من يرى في نفسه أنه الأفضل منهما في علمه ودينه. فواجبه الترجيح بين المقلدين بالعلم والدين. قال صاحب مطالب أولي النهى : يحرم الحكم والفتيا بقول أووجه من غير نظر في الترجيح إجماعا. وهذا لأن الغلط على الأعلم أبعد ومن الأقل علما أقرب. وليس للمقلد أن يجعل نفسه بالخيار يأخذ ماشاء ويترك ماشاء، وخاصة إذا تتبع الرخص ليأخذ بما یهواه بمجرد التشهي ، وذلك كما أن المجتهد واجبه الترجيح - ١٦٣ - تقليد ١٧ - ١٨ بين الأدلة وليس له التخير منها اتفاقا. والذين أجازوا التخير - وهم قلة - إنما أجازوه عند عدم إمكان الترجيح. (١) وينظر الخلاف في ذلك والتفصيل فيه في موضعه من الملحق الأصولي، إذ في المسألة خلاف. تقليد المذاهب : ١٧ - قال الشوكاني: اختلف المجوزون للتقليد هل يجب على العامي التزام مذهب معين، فقال جماعة: يلزمه، واختاره إِلكيا الهراسي. وقال آخرون: لا يلزمه، ورجحه ابن برهان والنووي، وهو مذهب الحنابلة. واستدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم في بعض المسائل وبعضهم في البعض الآخر. وقد كان السلف یقلدون من شاؤوا قبل ظهور المذاهب. (٢) وفي المسألة خلاف وتفصيل يرجع إليه في الملحق الأصولي. والذين قالوا بأنه يجب على العامي التزام مذهب معين فإنه يأخذ بعزائمه ورخصه، إلا أن يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه. قال ابن تيمية : وإذا تبين له حکم الله ورسوله في أمر (١) المستصفى ٢/ ٣٩١، ٣٩٢، وروضة الناظر ٢/ ٤٥٤، وإرشاد الفحول ص٢٧١، والبرهان للجويني ١٣٤٢/٢ - ١٣٤٤، نهاية المحتاج ٤١/١، ومطالب أولي العهى ٤٤١/٦، وتبصرة الحكام ١/ ٥١ (٢) إرشاد الفحول ص٢٧٢ فلا يعدل عنه، ولا يتبع أحدا في مخالفة حكم الله ورسوله، ويجوز له أيضا الخروج عنه بتقليد سائغ، أي بتقليد عالم من أهل الاجتهاد أفتاه.(١) أثر العمل بالتقليد الصحيح: ١٨ -من عمل بتقلید صحیح فلا إنكار علیه، لأنه لا إنكار في المسائل الاجتهادية. ودعوى الحسبة أيضا لا تدخل فيها، ولذلك فلا يمنعه الحاكم ما فعل. وهذا واضح فيما ضرره قاصر على المقلد نفسه، كمن مس فرجه ثم صلى دون أن يتوضأ. لكن لو كان في فعله ضرريتعدى إلى غيره، فقد قيل : إن الحاكم أو المحتسب إن كان يرى حرمة ذلك يجب عليه الاعتراض عليه. (٢) وليس معنى عدم الإِنكار على من عمل بتقليد صحيح ترك البيان له من عالم يرى مرجوحية فعله، وكان البيان دأب أهل العلم ولا يزال، فضلا عن الأخذ والرد بينهم فيما يختلفون فيه. وقد يخطىء بعضهم بعضا، وخاصة من خالف نصا صحيحا سالما من المعارضة. وهذا واضح على قول أكثر الأصوليين، وهم القائلون بجواز تخطئة المجتهد في المسائل الاجتهادية. إلا أن هذا البيان يكون (١) كشاف القناع ٣٠٧/٦ (٢) نهاية المحتاج ٢١٩/١ القاهرة - ١٦٤ - تقليد ١٩ مع تمهيد العذر للمخالف من أهل العلم، وحفظ رتبته وإقامة هيبته. والله اعلم . وأيضا لا تمنع هذه القاعدة الحاكم أن يحكم على مقلد رفع إليه أمره بما يراه طبقا لاجتهاده، إذ ليس للقاضي أن يقضي بخلاف معتقده(١) إفتاء المقلد : ١٩ - يشترط في المفتي عند الأئمة الثلاثة أن يكون مجتهدا، وليس هذا عند الحنفية شرط صحة ولكنه شرط أولوية، تسهيلا على الناس. (٢) وصحح ابن القيم أن إفتاء المقلد جائز عند الحاجة وعدم وجود العالم المجتهد، (٣) وقیده ابن حمدان - من الحنابلة - بالضرورة. (٤) ونقل الشوكاني اشتراط بعض الأصولیین أن یکون المفتي أهلا للنظر مطلعا على مأخذ مايفتي به وإلا فلا يجوز. (٥) وقال ابن قدامة: المفتى يجوز أن يخبر بما سمع إلا أنه لا يكون مفتيا في تلك الحال وإنما هو مخبر، فیحتاج أن يخبر عن رجل بعينه من (١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٥٨. القاهرة، مصطفى الحلبي. ١٣٧٨هـ، والمغني لابن قدامة ٣٠٦/٨ (٢) مجمع الأنهر ٢/ ١٤٦، والمغني ٩/ ٥٢ (٣) إعلام الموقعين ١/ ٤٦ (٤) صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، لابن حمدان ص٢٤ . دمشق. المكتب الإسلامي ص٢٤ (٥) إرشاد الفحول ص٢٩٦ أهل الاجتهاد فيكون معمولا بخبره لا بفتیاہ . (١) وصحح الشوكاني أن ما يلقيه المقلد عن مقلده إلى المستفتي ليس من الفتيا في شيء، وإنما هو مجرد نقل قول. قال: الذي أعتقده أن المفتي المقلد لا يحل له أن يفتي من يسأله عن حكم الله وحكم رسوله، أو عن الحق، أو عما يحل له ويحرم عليه، لأن المقلد لا يدري بواحد من هذه الأمور، بل لا يعرفها إلا المجتهد. وهذا إن سأله السائل سؤالا مطلقا. وأما إن سأله سائل عن قول فلان ورأي فلان فلا بأس بأن ينقل إليه ذلك ویرویه له إن كان عارفا بمذهبه. (٢) ونقل ابن الصلاح عن الحليمي والروياني من الشافعية أنه لا يجوز للمفتي أن يفتي بما هو مقلد فيه، ثم قال ابن الصلاح: معناه أنه لا يجوز له أن یذکره في صورة مایقوله من عند نفسه، بل يضيفه ویحکیه عن إمامه الذي قلده. قال ابن الصلاح: فعلى هذا من عددناه من أصناف المفتين من المقلدين ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقامهم وأدوا عنهم . (٣) (١) المغني ٩/ ٤١ (٢) رسالة القول المفيد في الاجتهاد والتقليد للشوكاني - خاتمة الرسالة . (٣) فتاوى ابن الصلاح مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم (١٨٨٩ أصول فقه) ق ١٠ - ١٦٥ - تقليد ٢٠ - ٢٢ هل المقلد من أهل الإِجماع ؟ ٢٠ - يرى جمهور الأصوليين أن المقلد لا يعتبر فقيها، ولذا قالوا: إن رأيه لا يعتد به في الإجماع وإن كان عارفا بالمسائل الفقهية، إذ الجامع بين أهل الإجماع هو الرأي، وليس للمقلد رأي إذ رأیه هو عن رأي إمامه. وهذا إن لم یکن مجتهدا في بعض المسائل، فإن کان کذلك فعلی أساس قاعدة جواز تجزؤ الاجتهاد، يعتد بالمقلد في الإجماع في المسائل التي يجتهد فيها . (١) قضاء المقلد : ٢١ - يشترط الشافعية والحنابلة، وهو قول عند كل من الحنفية والمالكية، في القاضي أن يكون مجتهدا. وادعى ابن حزم الإجماع على ذلك، ولقول الله تعالى: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله﴾(٢) وقوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُم في شيء فَرُدُّوه إلى الله والرَّسُولِ﴾(٣) وفاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقلید ولا یعرف الرد إلى ماأنزل الله وإلى الرسول. قال ابن قدامة: لا يجوز للقاضي أن يقلد غيره ويحكم بقول سواه، سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه أم لم يظهر له شيء، وسواء ضاق الوقت أم لم يضق. وقال سائر الحنفية، وهو قول عند متأخري (١) شرح مسلم الثبوت ٢/ ٢١٧، ٢١٨ (٢) سورة المائدة/ ٤٩ (٣) سورة النساء/ ٥٩ الحنابلة: يجوز أن يكون القاضي مقلدا، لئلا تتعطل أحکام الناس، وعلل الحنفية بأن غرض القضاء فصل الخصومات فإذا تحقق بالتقليد جاز.(١) وعند الشافعية أنه إن تعذر القاضي المجتهد جاز تولية المقلد عند الضرورة وتتحقق الضرورة بأمرین: الأول: أن یولیه سلطان ذو شوكة، بخلاف نائب السلطان، كالقاضي الأكبر، فلا تعتبر توليته لقاض مقلد ضرورة. ويحرم على السلطان تولية غير المجتهد عند وجود المجتهد. ثم لوزالت الشوكة انعزل القاضي بزوالها. الثاني: أن لا يوجد مجتهد يصلح للقضاء، فإن وجد مجتهد صالح للقضاء لم يجز تولية المقلد، ولم تنفذ توليته. وعلى قاضي الضرورة أن يراجع العلماء، وهذا موضع اتفاق، وعليه عند الشافعية أن یذکر مستنده في أحكامه . ما يفعله المقلد إذا تغير الاجتهاد: ٢٢ - إذا تغير اجتهاد المجتهد بعد أن فعل المقلد طبقا لما أفتاه به، لم يلزم المقلِّد متابعة المقلَّد في (١) المغني ٩/ ٤١، ٥٢، وتبصرة الحكام ٤٦/١، وروضة الطالبين ٩٤/١١، ٩٧، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي وعميرة ٤/ ٢٩٧ - ١٦٦ - تقلید ٢٣ اجتهاده الثاني بالنسبة لتصرف أمضاه، كما لو تزوج امرأة بلا ولي - مثلا - مقلدالمجتهد یری صحة النكاح بلا ولي، ثم تغير اجتهاد المجتهد إلى البطلان، وهذا كما لوحكم له حاكم بذلك، إذ لا ينقض الاجتهاد بمثله. ولا يلزم المجتهد إذا تغير اجتهاده أن يُعلم من قلده بذلك. وهذا إن کان الا جتهاد معتبرا، بخلاف ما لو تبین خطؤه یقینا، بأن كان مخالفا لنص صحيح سالم من المعارضة، أو مخالفا لإِجماع، أو لقياس جلي، فینقض. وقیل بالتفريق في ذلك بین النكاح وغيره، ففي النكاح ینقض وفي غيره لا ينقض. أما قبل أن يتصرف المقلد بناء على الفتيا، فليس له أن يقدم على ذلك التصرف بعد تغير الاجتهاد إن كانت تلك الفتيا مستنده الوحید.(١) التقليد في استقبال القبلة ومواقيت الصلاة ونحو ذلك : ٢٣ - من أمكنه معرفة جهة القبلة برؤية أو نحوها دون حرج يلحقه حرم عليه الأخذ بالخبر (١) مطالب أولي النهى ٦/ ٥٣٦، وإعلام الموقعين ٤/ ٢٢٣، وروضة الطالبين ١٠٧/١١، وجمع الجوامع ٣٦١/٢، ٣٩١ عنها، وحرم عليه الاجتهاد والتقليد في ذلك. وإلا يمكنه العلم أخذ بخبر ثقة يخبر عن علم، فإن أمكنه ذلك حرم عليه الاجتهاد والتقليد، وإلا فعليه أن يجتهد في أدلة القبلة ولا يقلد، ومن عجز عن الاجتهاد في الأدلة يقلد ثقة عارفا بأدلة القبلة. فلو صلی من غير تقليد معتبر وقد أمكنه أن يقلد لزمته الإِعادة ولو صادفت صلاته القبلة . أما ما صلى بالاجتهاد أو التقليد وصادف القبلة أو لم يتبين الحال فلا إعادة عليه.(١) وفي المسألة خلاف وتفصیل یرجع إليه تحت عنوان (استقبال القبلة). وقريب من ذلك القول في التقليد في مواقيت الصلاة(٢) (ر: أوقات الصلاة). أما تقليد أهل الخبرة من المنجمين والحاسبين إذا اجتهدوا في دخول شهر رمضان مثلا بالنظر في الحساب فالمشهور أنه لا يجب الصوم ولا الفطر بقولهم تقليدا لهم ولا يجوز. وقال الرملي من الشافعية: يجوز للمنجم والحاسب أن يعملا بمعرفتهما بل يجب عليهما ذلك، وليس لأحد تقليدهما. وقال في موضع . (١) نهاية المحتاج ٤١٩/١ - ٤٢٨، وكشاف القناع ٣٠٧/١ (٢) المغني ١/ ٣٨٧، ونهاية المحتاج ٣٦٢/١، وكشاف القناع ٢٥٩/١ - ١٦٧ - تقليد ٢٣، تقوّم ١ آخر: إن لغیره العمل به. (١) ولكن عند المالكية يجوز التقليد من الصائم في الفجر والغروب ولو من قادر على الاجتهاد. وفرقوا بينه وبين القبلة بكثرة الخطأ فيها. (٢) والله أعلم. ecent .٠ (١) روضة الطالبين ٢/ ٣٤٧، ونهاية المحتاج ٣٦٣/١ (٢) الدسوقي على الشرح ٥٢٦/١ ٠٠٠ تقوم التعريف : ١ - التقوم: مصدر تقوّم الشيء تقوما. مطاوع قوّم يقال: قوّمته فتقوم أي: عدلته فتعدل، وثمنته فتثمن. (١) وهو عند الفقهاء: كون الشيء مالا مباح الانتفاع به شرعا في غير ضرورة. فكل متقوم مال، ولیس کل مال متقوما، فما يباح بلا تمول لا یکون مالا کحبة قمح. ومايتمول بلا إباحة انتفاع لا يكون متقوما كالخمر. وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما، كالدم، وإذا وجدا كان الشيء مالا متقوما. (٢) وقد يستعمل التقوم فيما يحصره عد أو ذرع، كحيوان وثياب، فالتقوم بهذا الاعتبار يقابل المثلي. (٣) (١) المصباح المنير، ومحيط المحيط، والقاموس المحيط مادة: (قوم)). (٢) حاشية ابن عابدين ٣/٤، ودرر الحكام ١/ ١٠١ (٣) نهاية المحتاج ٥/ ١٥٩، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٥٦ط دار الكتب العلمية. - ١٦٨ - تقوّم ٢ - ٤ الألفاظ ذات الصلة : أ - التمول : ٢ - يراد بالتمول عند الفقهاء اتخاذ المال قنية. (١) فالتقوم أخص من التمول، لأن التقوم يستلزم إباحة الانتفاع بالشيء شرعا، فضلا عن كونه متمولا . (٢) الحكم الإجمالي : ٣ - يشترط في المعقود عليه في عقد البيع ونحوه - بجانب توافر سائر الشروط۔أن یکون متقوما، أي يباح الانتفاع به، فلا يصح بيع المال غير المتقوم. وهذا مالا خلاف فيه بين الفقهاء. (٣) إلا أن الحنفية يقولون بالتفرقة بين بيع غير المتقوم والشراء بغير المتقوم، فبيع المال غير المتقوم باطل عندهم لا يترتب عليه حكم كبيع الدم بالخنزير، فلا يملك المشتري المبيع ولا البائع الثمن، سواء أكان البيع حالا أم مؤجلا. أما الشراء بثمن غير متقوم، فيعتبر ونه (١) المصباح المنير مادة: ((مول)). (٢) حاشية ابن عابدين ٣/٤ط بولاق. (٣) درر الحكام ١٥٢/١، ١٩٠، وحاشية ابن عابدين ١٠٣/٤، والخرشي ٤٥٦/٢ وما بعدها، والقوانين الفقهية ص١٦٣ ط دار العلم، وجواهر الإكليل ٤/٢، ونهاية المحتاج ٣٨٣/٣ط الحلبي، والمهذب ٢٦٨/١، ٢٦٩ط دار المعرفة، وروضة الطالبين ٣/ ٣٥٠ ومابعدها و٥/ ١٧٧، والمغني لابن قدامة ٢٨٤/٤ ط الرياض. فاسدا وتجري عليه أحكام البيع الفاسد. وسبب التفرقة بين الحالتين أن المبيع هو المقصود الأصلي من البيع، لأن الانتفاع إنما يكون بالأعيان، والأثمان وسيلة للمبادلة. (١) وللتوسع في ذلك (ر: بطلان، فساد، بيع، بيع منهي عنه). تقوم المتلفات: ٤ - من شروط وجوب ضمان المتلفات أن يكون الشيء المتلف متقوما، فلا يجب الضمان بإتلاف الخمر والخنزير على المسلم، سواء أكان المتلف مسلما أم ذميا، لسقوط تقوم الخمر والخنزير في حق المسلم. (٢) (ر: إتلاف ف٣٤ - ٢٢٥/١). أما لو أتلف مسلم أو ذمي على ذمي خمرا أو خنزيرا فيرى الحنفية والمالكية وجوب الضمان، واستدلوا بأننا أمرنا أن نترك أهل الذمة ومایدینون، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه سأل عُمَّلَهُ: ماذا تصنعون بما يمر به أهل الذمة من الخمور؟ فقالوا: نعشرها، فقال: لا تفعلوا، ولّوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها. فلولا أنها متقومة وبيعها جائز لهم لما (١) رد المحتار ٣/٤ (٢) بدائع الصنائع ٧/ ١٦٧، والزيلعي ٢٣٣/٥، ومجمع الضمانات ص ١٣٠ - ١٣٢، والشرح الصغير ٤/ ٤٠٠، ونهاية المحتاج ٧/ ٣٦٧، والمغني ٢٩٨/٥، ٢٩٩ - ١٦٩ - تقوم ٤ - ٥ أمرهم بذلك، فإذا كانت مالا لهم وجب ضمانها کسائر أموالهم .(١) ويقول الشافعية والحنابلة بعدم وجوب ضمان الخمر والخنزير مطلقا، سواء أكانا لمسلم أم ذمي، لما روى جابر أن النبي وَ لقر قال: ((ألا إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام))(٢) وما حرم بيعه لحرمته لم تجب قيمته كالميتة، ولأن الخمر والخنزير غير متقومين فلا يجب ضمانهما، ودليل أنهما غير متقومين في حق المسلم - فكذلك في حق الذمي - أن النبي ◌َ﴾ قال: ((فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ماعليهم)) (٣) وهذا يقتضي أن كل ماثبت في حق المسلمین یثبت في حق الذميين لا أن حقهم يزيد على حق المسلمین، ولأن عقد الذمة خلف عن الإِسلام، فيثبت به (١) بدائع الصنائع ١٦٧/٧، والزيلعي ٢٣٤/٥، ٢٣٥، ومواهب الجلیل ٥/ ٢٨٠ (٢) حديث: ((ألا إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) أخرجه البخاري (٤٢٤/٤ ط السلفية) ومسلم (١٢٠٧/٣ط عيسى الحلبي). (٣) حديث: ((لهم ما للمسلمين)) جاء في البخاري من حديث أنس بن مالك بلفظ ((من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم)) (١/ ٤٩٧ ط السلفية). وأخرجه بن زنجويه عن معاوية بن قرة مرسلا بلفظ ((من شهد منكم أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله واستقبل قبلتنا وأكل من ذبيحتنا فله مثل مالنا، وعليه مثل ما علينا، ومن أبى فعليه الجزية)). الأموال لابن زنجويه (١١٩/١ ط مركز الملك فيصل). مايثبت بالإِسلام، إذ الخلف لا يخالف الأصل، فیسقط تقومهما في حقهم. (١) وينظر التفصيل في (إتلاف، وضمان). تقوم المنافع : ٥ - يرى الشافعية والحنابلة والمالكية في قول: أن المنافع أموال متقومة مضمونة بالعقود والغصوب كالأعيان. والدليل على أن المنفعة متقومة بنفسها أن التقوم عبارة عن العزة، والمنافع عزيزة بنفسها عند الناس، ولهذا يبذلون الأعيان لأجلها، بل تقوم الأعيان باعتبارها فيستحيل أن لا تكون هي متقومة. (٢) وذهب الحنفية - وهو قول للمالكية - إلى أن المنافع لا تتقوم بنفسها، بل تقوم ضرورة عند ورود العقد، لأن التقوم لا يسبق الوجود والإِحراز، وذلك فيما لا يبقى غير متصور. (٣) وتتفرع على هذا الخلاف فروع كثيرة، تنظر في أبواب الغصب من الكتب الفقهية، وفي مصطلحي: (ضمان، وغصب، وإجارة). (١) الزيلعي ٢٣٥/٥، والمغني لابن قدامة ٢٩٨/٥، ٢٩٩ط الرياض ونهاية المحتاج ١٦٥/٥ (٢) نهاية المحتاج ١٦٨/٥ وروضة الطالبين ١٣/٥، ومطالب أولى النهي ٤ / ٥٩ نشر المكتب الإسلامي، وبداية المجتهد ٣٢١/٢ نشر دار المعرفة، والقوانين الفقهية ص٢١٧ط دار العلم، والزيلعي ٢٣٤/٥، والبناية ٤١٩/٨، وتكملة فتح القدير ٧/ ٣٩٤ (٣) تكملة فتح القدير ٧/ ١٧٥، ٣٩٦ط الأميرية، والعناية بهامش فتح القدير ٣٩٦/٧، والبناية ٤٢١/٨، وبداية المجتهد ٣٢١/٢، والقوانين الفقهية ص٢١٧ - ١٧٠ - ١ تقويم ١ - ٣ تقويم التعريف : ١ - التقويم: مصدر قوّم، ومن معانيه التقدير، يقال قوّم المتاع إذا قدره بنقد وجعل له قیمة .(١) والتقويم في الاصطلاح لا يخرج عن هذا المعنى اللغوي. الحكم الإجمالي: ٢ - الأصل في التقويم أنه جائز، وقد يكون واجبا، کتقويم مال التجارة إخراج زكاته، وكتقويم صيد البر إذا قتله المحرم. تقويم عروض التجارة: ٣ - اتفق الفقهاء على وجوب تقویم عروض التجارة لإخراج زكاتها، مع مراعاة توفر شروطها من بلوغ النصاب وحولان الحول. واختلفوا فيما تقوّم به عروض التجارة، فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن تقويم مال التجارة یکون بالأنفع للفقراء. بأن تقوم عروض التجارة بما يبلغ نصابا من ذهب أو فضة. وسواء (١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: ((قوم). أقومت بنقد البلد الغالب - مع کونه الأولی عند الحنابلة لأنه الأنفع للفقير - أم بغيره. وسواء أبلغت قيمة العروض بكل من الذهب والفضة نصابا، أم بلغت نصابا بأحدهما دون الآخر. فيلتزم في كل الحالات تقويم السلعة بالأحظ للفقراء.(١) وذهب المالكية إلى تقويم عروض التجارة بالفضة، سواء مايباع بالذهب أو مايباع غالبا بالفضة، فيقومهما بالفضة. لأنها قيم الاستهلاك ولأنها الأصل في الزكاة . فإن كانت العروض تباع بهما، واستويا بالنسبة إلى الزكاة، فخير التاجر بين تقويمهما بالذهب أو بالفضة. وعلى القول بأن الذهب والفضة أصلان، فيعتبر الأفضل للمساكين، لأن التقويم لحقهم. واشترط المالكية لتقويم عروض التجارة أن ينض للتاجر شيء ولو درهم. ولا يشترط أن ينض له نصاب. فإن لم ینض له شيء في سنته فلا تقويم ولا زكاة . وليس على التاجر أن يقوم عروض تجارته بالقيمة التي يجدها المضطر في بيع سلعه، وإنما يقوم سلعته بالقيمة التي يجدها الإِنسان إذا باع سلعته على غير الاضطرار الكثير. (٢) وعند الشافعية يختلف تقويم مال التجارة بحسب اختلاف أحوال رأس المال . (١) البناية شرح الهداية ١١٤/٣، وكشاف القناع ٢٤١/٢ (٢) الشرح الصغير ٦٣٩/١، والخطاب ٣١٨/٢ - ١٧١ - تقويم ٣ فلرأس المال خمسة أحوال: الحال الأول: أن يكون نقدا نصابا. فیقوم آخر الحول بما اشتراه به من ذهب أو فضة، ویزکیه إذا بلغ نصابا عند حولان الحول، وهذا هو المذهب المشهور. وصورته: أن يشتري عرضا بمائتي درهم، أو بعشرين دينارا، فيقوم آخر الحول به أي بالدراهم أو بالدنانير. فإن اشترى بالدراهم وباع بالدنانير، وقصد التجارة مستمر، وتم الحول، فلا زكاة إن لم تبلغ الدنانير قيمة الدراهم. وهناك قول في المذهب أن التقویم یکون أبدا بغالب نقد البلد . الحالة الثانية: أن یکون رأس المال نقدا دون النصاب، وفيه وجهان : أصحهما: أنه يقوم بذلك النقد. والثاني: أنه يقوم بغالب نقد البلد. ومحل الوجهين إن لم يملك مايتم به النصاب. فإن ملك قوم به . وصورته: أن يشتري بمائة درهم وهويملك مائة أخرى، فلا خلاف أن التقويم بالدراهم. لأنه اشترى ببعض ما انعقد عليه الحول، وابتدأ الحول من حين ملك الدراهم. الحال الثالث: أن يملك بالنقدين جميعا. وهو على ثلاثة أضرب. الأول: أن یکون کل واحد نصابا فیقوم بهما على نسبة التقسيط يوم الملك. وطريقة تقويم أحد النقدین بالآخر. وصورته: اشتری بمائتي درهم وعشرين دينارا فينظر إن كانت قيمة المائتين عشرين دينارا، فنصف العرض مشترى بدراهم والآخر بدنانیر . الضرب الثاني: أن يكون كل واحد منهما دون النصاب. فعلى احتمالين: إما أن يجعل مادون النصاب كالعروض، فيقوم الجميع بنقد البلد. أو أن يجعل كالنصاب فيقوم ما ملكه بالدراهم بدراهم، وما ملكه بالدنانیر بدنانير . الضرب الثالث: أن یکون أحدهما نصابا والآخر دونه. فيقوم ماملکه بالنقد الذي هو نصاب بذلك النقد من حين ملك ذلك النقد. وما ملكه بالنقد الآخر على الوجهين المتقدمين في الحال الثاني. الحال الرابع: أن يكون رأس المال غير النقد، بأن يملك بعرض قنية، أوملك بخلع فيقوم في آخر الحول بغالب نقد البلد من الدراهم أو الدنانیر، فإن بلغ به نصابا زكاه، وإلا فلا، وإن كان يبلغ بغيره نصابا . فلو جری في البلد نقدان متساويان، فإن بلغ بأحدهما نصابا دون الآخر قوم به. وإن بلغ بهما فعلى أوجه: أصحها: يتخير المالك فیقوم بما شاء منهما. - ١٧٢ - تقويم ٤ والثاني: يراعى الأحظ للفقراء. والثالث: يتعين التقويم بالدراهم لأنها أرفق. والرابع: يقوم بالنقد الغالب في أقرب البلاد إليه . الحال الخامس: أن يملك بالنقد وغيره. بأن اشتری بمائتي درهم وعرض قنیة، فما قابل الدراهم يقوم بها، وما قابل العرض يقوم بنقد البلد. (١) تقویم جزاء الصيد : ٤ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية إلى وجوب المثل من النعم على من قتل صيد الحرم. فيجب عليه أن يذبح مثله من الإِبل أو البقر أو الغنم إن كان الصيد الذي قتله مما له مثل منها. (٢) ودليلهم قوله تعالى : ﴿فجزاءٌ مثلُ ماقتلَ من النَّعَمِ يحكم به ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾(٣) ولما ورد عن الصحابة - رضي الله عنهم - في تقويم صيد الحرم بما له مثل بما يماثله. (٤) ومحل تفصيل معرفة (١) روضة الطالبين ٢٧٤/٢، ٢٧٥، ٢٧٦ (٢) الخطاب على خليل ٣/ ١٧٩، والشرح الصغير ١١١/٢ - ١١٥، والمجموع ٤٢٧/٧، والمهذب ٢٢٤/٢، والمغني ٥١٠/٣، ٥١٩ (٣) سورة المائدة/ ٩٥ (٤) المجموع ٤٢٧/٧ المثل في مصطلح (صيد، وحرم، وإحرام). وذهب الحنفية إلى عدم وجوب المثل من النعم، بل يقوم الصيد بالمال. لأن المثل المطلق، بمعنى المثل في الصورة والمعنى، وهو المشارك في النوع غير مراد في الآية إجماعا. فبقى المثل معنى فقط وهو القيمة. وسواء أوجب على قاتل الصيد المثل من النعم - على قول الجمهور - أم القيمة على قول الحنفية، فيرجع لمعرفة المماثلة إلى تقويم عدلين من أهل المعرفة والخبرة، ومن المستحب أن يكونا فقيهين. (١) وذهب المالكية - وهو وجه عند الشافعية - إلى عدم جواز كون أحد المقومین هو القاتل. قياسا على عدم جواز كون المتلف للمال هو أحد المقومين في الضمان . وذهب الشافعیة ۔ في الصحیح عندهم - إلى جوازه، وذلك لأنه وجب عليه لحق الله تعالى، فجاز أن يجعل من يجب عليه الحق أمينا فيه، كرب المال في الزكاة. وهذا مقيد بما إذا قتله خطأً أو مضطرا، أما إذا قتله عدوانا فلا يجوز أن يكون أحد المقومين، لأنه يفسق بتعمد القتل، فلا يؤتمن في التقويم. ويخير قاتل الصيد بين ثلاثة أمور: أما أن يهدي مثل ماقتله من النعم لفقراء الحرم - إن كان الصيد له مثل -. أو أن يقومه (١) فتح القدير ٣/ ٧ - ١٧٣ - تقویم ٥ بالمال ويقوم المال طعاما ويتصدق بالطعام على الفقراء. وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة. أما المالكية فذهبوا إلى أن الصيد يقوم ابتداء بالطعام، ولو قومه بالمال ثم اشترى به طعاما أجزا . والأمر الثالث: أن يصوم عن کل مد من الطعام يوما، ودلیله ماتقدم من قوله تعالی : ﴿هَدْيَاً بالِخَ الكَعْبةِ أو كَفَّارٌ طعامُ مساكِينَ أُوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِياماً﴾.(٢) ويقوم الصيد في اليوم وفي المكان الذي أصیب فيه، أو في أقرب المواضع منه. وتمام ذلك في (حج، وإحرام، وصيد). تقويم السلعة المعينة في خيار العيب: ٥ - إذا اختار المشتري إبقاء السلعة التي اشتراها مع وجود عيب فيها. أو في حال ما إذا تعذر رد السلعة المعيبة بسبب هلاکها أو تلفها أو استهلاكها، وأراد المشتري الرجوع على البائع، أو في حال ما إذا حدث في السلعة عيب عند المشتري، مع وجود عيب قدیم عند البائع، فاختار المشتري الرد أو الإِبقاء. ففي هذه الحالات تقوم السلعة معيبة وتقوم سليمة، ويرجع المشتري على البائع بمقدار مانقص العيب من ثمن السلعة، فإذا كانت قيمة السلعة سليمة مائة ومع العيب تسعین، فنسبة النقص عشر قيمة المبيع، فيرجع المشتري على البائع بعشر الثمن. وهل يجبر البائع على ما اختاره المشتري من الرد أو عدمه مع أخذ أرش العيب؟ فيه خلاف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح: (خيار العیب). ولو حدث في السلعة عیب حادث عند المشتري، غير العيب القديم الذي کان عند البائع، فتقوم السلعة ثلاث مرات. فتقوم السلعة سليمة بعشرة مثلا، ثم تقوم ثانيا بالعيب القديم بقطع النظر عن العيب الحادث بثمانية مثلا، فيقدر النقص بالنسبة لثمنها سليمة بالخمس. ثم تقوم ثالثا بالعيب الحادث بقطع النظر عن القديم بثمانية مثلا، فيكون النقص الخمس من ثمنها سليمة. ویعتبر التقویم یوم دخل المبيع في ضمان المشتري عند المالكية والحنابلة. وعند الشافعية الأصح اعتبار أقل قيمة المبيع المتقوم من يوم البيع إلى وقت القبض. لأن قيمة السلعة إن کانت وقت البيع أقل فالزيادة في المبيع حدثت في ملك المشتري، وفي الثمن حدثت في ملك البائع فلا تدخل في التقويم. أو كانت القيمة وقت القبض، أوبين الوقتين أقل فالنقص في المبيع من ضمان البائع، وفي (١) سورة المائدة/ ٩٥ - ١٧٤ - تقویم ٦ - ٧ الثمن من ضمان المشتري فلا يدخل في التقويم. (١) وعند الحنفية: يكون تقويم الأصل وقت البيع وتقويم الزيادة وقت القبض لأن الزيادة إنما تأخذ قسطا من الثمن بالقبض. (٢) التقويم في الربویات: ٦ - لا يجوز بيع الربويات بجنسيها إلا بعد تيقن المماثلة كيلا أووزنا، ولا يجوز التفاضل بينها. ولهذا لا يعتبر التقويم في الربويات، لأن التقويم ظني وقائم على التخمين والتقدير. والقاعدة عند الفقهاء في الربا أن الجهل بالتماثل کالعلم بالتفاضل. فما لم تتيقن الماثلة لا يجوز البيع لاحتمال التفاضل. ومن أمثلته عند الفقهاء عدم جواز بيع الطعام بجنسه جزافا، كقولك بعتك هذه الصبرة(٣) من الطعام بهذه الصبرة مكايلة، مع الجهل بكيل الصبرتين أو كيل أحدهما . (٤) وتفصيل ذلك في مصطلح: (ربا). (١) حاشية الدسوقي ١٢٤/٣، والشرح الصغير ١٧٤/٣، وروضة الطالبين ٢٧٤/٣، ونهاية المحتاج ٤/ ٤١، وكشاف القناع ٢١٨/٣، والمغني ١٦٣/٤، وفتح القدير ١٠/٦ - ١٢ (٢) البدائع ٢٨٥/٥ (٣) كمية غير معلومة القدر. (٤) روضة الطالبين ٣٨٣/٣، وكشاف القناع ٣/ ٢٥٣، والمجموع ٣٥٣/١٠ م تقويم الجوائح : ٧ - الجائحة: من الجوح، وهو الهلاك، واصطلاحا: ماأتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرا من ثمر أو نبات بعد بيعہ. کان یہلك الثمر بسبب برد أو ثلج أو غبار أوريح حار أو جراد أو فئران أونار أو عطش. فإذا أصابت الجائحة الثمر، وضع عن المشتري من الثمن بقدر ما أتلفته بعد تقويمها. فيعتبر ما أصيب من الجائحة، وینسب إلى قيمة مابقی سليما في زمن الجائحة . فيقال مثلا كم يساوي الثمر قبل الجائحة، فيقال عشرون، والقدر المجاح زمن الجائحة - على أن يقبض في وقته - قيمته عشرة، وقيمة السليم يوم الجائحة - على أن يقبض في وقته - عشرة، فيوضع عن المشتري نصف قيمة الثمر الذي اشتراه، وهو عشرة. ومحل تقويم الجائحة إذا كانت الثمرة في ضمان البائع، بأن تم العقد ولم يتم القبض ولا التخلية، وعليه يحمل قول الرسول الري في حديث جابر رضي الله عنه أن النبي وَلير ((أمر بوضع الجوائح)). (١) أما إذا أصابت الجائحة الثمر بعد التخلية وبعد تأخر المشتري في الجذ إلى الوقت الذي (١) حديث: ((أمر بوضع الجوائح)). أخرجه مسلم (١١٩١/٣ ط الحلبي). - ١٧٥ - تقويم ٨ - ٩ اشترى الثمرة له، فضمانها على المشتري، وعليه يحمل قول الرسول و 18 في الحديث الذي يرويه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: ((أصيب رجل في عهد رسول الله يظهر في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله مط و تصدقوا علیه، فتصدق الناس عليه فلم یبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله وَلو لغرمائه: خذوا ماوجدتم ولیس لكم إلا ذلك».(١) والضمير في (تصدقوا) للصحابة غير البائعين . ومحل البحث في أحكام ضمان الجوائح في مصطلح: (ضمان، وجائحة، وثمر). ولا يستعجل بالتقويم يوم الجائحة، بل ينتظر الى انتهاء البطون - فيما يزرع بطونا(٢) ليتحقق المقدار المصاب الذي يراد تقويمه. (٣) التقويم في القسمة : ٨ - قد تحتاج القسمة في بعض أنواعها إلى تقويم المقسم. ولهذا اشترط في القاسم أن یکون عارفا بالتقويم . ويشترط في هذا النوع من القسمة مقومان . (١) حديث: ((خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)) أخرجه مسلم (١١٩١/٣ - ط الحلبي). (٢) أي الخلائف وهو الزرع الذي يخلف ما حصد منه. (٣) الشرح الصغير ٢٤٢/٣، والزرقاني ١٩٤/٥، وروضة الطالبين ٣/ ٥٠٤، ونهاية المحتاج ٤ / ١٤٩، وكشاف القناع ٢٨٤/٣، ومجمع الضمانات ص ٢٢٠ لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين، فاشترط العدد للتقويم لا للقسمة، فإن لم يكن في القسمة ما يحتاج إلى تقويم كفى قاسم واحد، بناء على أن القاسم في التقويم نائب عن الحاكم فيكون كالمخبر فيكتفى فيه بواحد كالقائف والمفتي والطبيب. وفي قول للشافعية أنه يشترط مقومان، بناء على المرجوح - عندهم - أن المقوم شاهد لا حاكم. وهذا الخلاف فيمن ينصبه الإِمام، أما فيمن ینصبه الشركاء فیکفي فیه قاسم واحد قطعا. وللإِمام جعل القاسم حاكما في التقويم، وحينئذ فيعمل فيه بعدلين ذكرين يشهدان عنده بالقيمة لا بأقل منها . (١) وتتمة هذا الموضوع في مصطلح (قسمة). تقويم نصاب السرقة : ٩ - من شرط إقامة حد السرقة أن يبلغ المسروق نصابا. واختلف الفقهاء في تقويم نصاب السرقة: فذهب الحنفية إلى تقويم نصاب السرقة بالدراهم. بأن تبلغ قيمة المسروق عشرة دراهم، إن كان المسروق من غير الفضة ولو كان (١) روضة الطالبين ١١/ ٢٠١ - والشرح الصغير ٦٦٥/٣، والمغني ١٢٦/٩ - ١٧٦ - . . تقويم ٩ ذهبا. وأن یکون عشرة دراهم وزنا وقيمة إذا كان المسروق من الفضة . (١) وهو أحد الروايات الثلاث عند الحنابلة . (٢) لحديث أم أيمن - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله ولي: ((لا تقطع يد السارق إلا في حجفة)) وقومت يومئذ على عهد رسول الله وَل بدينار أو عشرة دراهم. (٣) وقد اختلفت روايات الحديث فروي موقوفا ومرسلا، وروي موصولا مرفوعا من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - ((إن النبي ◌َّل قطع يد رجل في مِجَنَّ قيمته دينار أو عشرة دراهم)) (٤) وعلى القول بأنه موقوف إلا أنه مرفوع حكما لأن المقدرات الشرعية لا دخل للعقل فيها. (١) فتح القدير ١٢٣/٥ - ١٢٤، وحاشية ابن عابدين ١٩٣/٣ (٢) كشاف القناع ٦/ ١٣٢، الإنصاف ٢٦٢/١٠، ٢٦٣ (٣) حديث: ((لا تقع يد السارق إلا في حجفة)) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (١٦٣/٣ - نشر مطبعة الأنوار المحمدية)، وأعله الزيلعي بالانقطاع وقال: ((ولكنه يتقوى بغيره من الأحاديث المرفوعة والموقوفة)) ثم ذكرها. نصب الراية (٣٥٨/٣ - ط المجلس العلمي بالهند). (٤) حديث ابن عباس: ((إن النبي# قطع يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم)) أخرجه أبوداود (٤/ ٥٤٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وحكم عليه ابن حجر بالاضطراب. (فتح الباري ١٢/ ١٠٣ ط السلفية). وفي حديث: ((لا يقطع السارق إلا في عشرة دراهم)). (١) وقد اختلف في تقويم ثمن المجن فروي أنه ثلاثة دراهم، وروي أنه عشرة دراهم. فوجب الأخذ بالأکثر درءا للحد. وذهب المالكية إلى أن المسروق يقوم بالدراهم وبالدنانير. والنصاب ربع دينار شرعي من الذهب، أو ثلاثة دراهم شرعية من الفضة أو ما یساوهما. وهو رواية عن الحنابلة بمعنى أن كلًّ من الذهب والفضة أصل بنفسه، وعلى هذه الرواية تقوم غير الأثمان بأدنى الأمرين من ربع دینار أو ثلاثة دراهم. (٢) وذهب الشافعية إلى تقويم نصاب السرقة بالدنانیر، بأن يبلغ المسروق قیمة ربع دينار من الذهب والاعتبار بالذهب المضروب. لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي وج لو قال: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا)). (٣) (١) حديث: ((لا يقطع السارق إلا في عشرة دراهم)). أخرجه الدار قطني (١٩٣/٣ - ط دار المحاسن) من حديث عبد الله بن عمرو وأعل بالانقطاع كما في نصب الراية (٣٥٩/٣ - ط المجلس العلمي بالهند). (٢) حاشية الدسوقي ٣٣٤/٤، والشرح الصغير ٤/ ٤٧٢ (٣) حديث: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا)) أخرجه البخاري (الفتح ٩٦/١٢ - ط السلفية) ومسلم (١٣١٢/٣ - ط الحلبي) من حديث عائشة واللفظ لمسلم. - ١٧٧ - تقويم ٩ - ١٠ فإن كان المسروق ذهبا وجب أن يبلغ ربع دينار وزنا وقيمة، وإن كان من غير الذهب وجب أن تبلغ قيمته ربع دينار من الذهب. (١) وفي رواية للحنابلة أن العروض لا تقوم إلا بالدراهم، ویکون الذهب أصلا بنفسه لا غير . ويكون تقويم المسروق بنقد البلد الغالب الذي وقعت فيه السرقة. والمعتبر في القيمة قيمة الشيء وقت إخراجه من الحرز لا قبله ولا بعده عند الجمهور والطحاوي من الحنفية . وعند الحنفية تعتبر قيمة المسروق يوم السرقة ووقت القطع بأن لا يقل فيهما عن نصاب. فلو كانت قيمته يوم السرقة عشرة، فنقصت وقت القطع لا يقام الحد. إلا إذا كان النقص بسبب عيب دخل المسروق أو فات بعضه. كما يعتبر في تقويم المسروق مكان السرقة، فلوسرق في بلد وكانت قيمته عشرة - مثلا - فأخذ في بلد آخر وقيمته فيها أقل فلا يقام عليه الحد. ویکفي في التقويم واحد إن كان موجها من القاضي، لأن تقويمه في هذه الحالة من باب الخبر لا من باب الشهادة. فإن لم يكن المقوم موجها من القاضي فلابد (١) روضة الطالبين ١١٢/١٠، وحاشية قليوبي وعميرة ١٨٦/٤ من اثنين. وإذا اختلف الْمُقَوِّمان بأن قوم أحدهما المسروق نصابا والآخر دون النصاب كان هذا شبهة يدرأ بها الحد. ولا يجب إقامة الحد إلا إذا قطع المقومون ببلوغ المسروق نصابا بأن يقولوا إن قيمته بلغت نصابا قطعا أو يقينا مثلا. وإن اختلف المقومون في تقويم المسروق لاختلاف قيمة ما قوم به، بأن یقوم مثلا بنقدین من الذهب خالصین اعتبر أدناهما، والأوجه ۔ كما يقول النووي - أن يقوم بأعلاهما قيمة درءا للحد. تقويم حكومة العدل : ١٠ - اتفق الفقهاء على أن الجروح التي لم يقدر الشارع لها دية تجب فيها حكومة عدل. ويقصد بالحكومة تقدير نسبة الجرح من الدية الكاملة، وتكون هذه النسبة هي دية الجرح. وتعرف هذه النسبة عن طريقين: الطريق الأول: تقويم المجني عليه على تقدير كونه عبدا سليما غير مجروح. ثم يقوم على تقدير كونه عبدا مجروحا، وينظركم نقصت الجناية من قيمته، فإذا قدر النقص بالعشر مثلا وجب على الجاني عشردية النفس. وذلك لأن الحر لا يمكن تقويمه، فيقوم على تقدیر کونه عبدا . فإن القيمة للعبد كالدیة للحر. - ١٧٨ - تقويم ١١ - ١٢ الطريق الثاني: تقدير الجرح بنسبته من أقل جرح له أرش مقدر وهو الموضحة، وهي التي توضح العظم أي تظهره، ومقدارها شرعا نصف عشر الدية الكاملة، فيكون مقداردية هذا الجرح بمقدار نسبته من الموضحة، فإن كان مقداره مثل (نصف الموضحة) مثلا وجب فيه نصف دية الموضحة، وإن کان الثلث وجب ثلث دية الموضحة وهكذا. وهذا بناء على أن ما لا نص فيه يرد إلى المنصوص عليه. وهذا قول الكرخي من الحنفية . وفي قول للشافعية أن تقویم النقص يكون بالنسبة إلى العضو الذي وقعت علیه الجناية إن كان لها أرش مقدر. فإن لم يكن لها أرش مقدر تقوم الحكومة بالنسبة إلى دية النفس. (١) ١١ - ويشترط في تقوم الحكومة شروط: الشرط الأول: إن كانت الجناية على عضو له أرش مقدر، يشترط فيها أن لا تبلغ الحكومة أرش ذلك العضو، فإن بلغت ذلك نقص القاضي منها شيئا باجتهاده، فحكومة جرح الأنملة العليا، أو قلع ظفرها لا تبلغ أرش الأنملة. وكذلك حكومة الأصبع لا تبلغ (١) وترى اللجنة أن الأوفق في هذه الأيام الرجوع إلى أهل الخبرة من الأطباء أو غيرهم ليقدروا نسبة العجز إلى النفس. حكومتها أرش الأصبع. والجناية على الرأس لا تبلغ حكومتها أرش الموضحة، وعلى البطن لا تبلغ أرش الجائفة . الشرط الثاني : إن كانت الجناية على عضو لیس له أرش مقدر کالظهر والكتف والفخذ، فيجوز أن تبلغ حكومتها دية عضو مقدر كاليد والرجل وأن تزيد عليه، وإنما يجب أن تنقص عن دية النفس . الشرط الثالث: يجب أن يتم تقويم الحكومة بعد اندمال الجرح وبرئه، لاحتمال أن يسري تأثير الجناية إلى النفس فيكون سببا للوفاة. أو يسري إلى عضوله أرش مقدر، فيختلف تقويم الحكومة بذلك، فتجب إما دية النفس أو أرش العضو المقدر. (١) تقويم جناية البهائم : ١٢ - إذا جنت البهيمة على الزرع مثلا فأتلفته وثبت ضمانه على صاحبها. يقوم أهل الخبرة والمعرفة الزرع على تقدير تمامه وسلامته، وعلى تقدیر تلفه وجائحته، ويضمن صاحب البهيمة مقدار النقص بين الثمنين. وفي قول للمالكية: إنه يقوم مرتين: مرة على (١) البحر الرائق ٣٧٢/٨، والشرح الصغير ٣٨١/٤، والزرقاني ٨/ ٣٤، وروضة الطالبين ٣٠٨/٩، ونهاية المحتاج ٧/ ٣٢٥، والمغني ٠٥٦/٨ - ١٧٩ - تقويم ١٢، تقييد ١ فرض تمامه، ومرة علی فرض عدم تمامه، ويجعل له قيمة بین القیمتین . فیقال: ما قیمته على فرض تمامه؟ فإن قيل: عشرة، قيل: وماقيمته على فرض عدم تمامه؟ فيقال: خمسة. فتضم القيمتان ويجعل على الضامن نصفها فيلزمه سبعة ونصف. (١) وتفصيل أحكام جناية البهائم في مصطلح : (جناية، وبهيمة، واتلاف). 2.2 (١) مجمع الضمانات ص١٩١، والشرح الصغير ٤/ ٥٠٧، والمغني ٣٠٦/٥، وروضة الطالبين ١٩٦/١٠ تقیید التعريف : ١ - التقييد: مصدر قيّد، ومن معانيه في اللغة جعل القيد في الرجل، قال في المصباح: قيّدته تقییدا جعلت القيد في رجله. ومنه تقييد الألفاظ بما يمنع الاختلاط ويزيل الالتباس. (١) وأما عند الأصولیین فیؤخذ من معنی المقید، وهو أنه كما جاء في التلويح - ما أخرج عن الشيوع بوجه ما كرقبة مؤمنة. (٢) - فالتقييد - على هذا - إخراج اللفظ المطلق عن الشيوع بوجه ما، كالوصف، والظرف، والشرط .. الخ. وذكر الآمدي أن المقيد يطلق باعتبارين : الأول: ماكان من الألفاظ الدالة على مدلول معین کزید وعمرو وهذا الرجل ونحوه. - (١) الصحاح، والقاموس، واللسان، والمصباح، مادة: «قید». (٢) التلويح على التوضيح ٦٣/١ ط صبيح، ومسلم الثبوت ٣٦٠/١ ط الأميرية. - ١٨٠ -