Indexed OCR Text
Pages 201-220
تعبدي ١ - ٢
تعبدي
التعريف :
١ - التعبدي لغة: المنسوب إلى التعبد.
والتعبد مصدر تعبد، يقال : تعبد الرجلُ
الرجل: إذا اتخذه عبدا ، أو صيره كالعبد .
وتعبد الله العبدَ بالطاعة: استعبده، أي طلب
منه العبادة .
ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة والخضوع.
ومنه طريق معبد: إذا كان مذلَّلا بكثرة المشي
فيه .
ويرد التعبد في اللغة أيضا بمعنى : التذلل ،
يقال : تعبد فلان لفلان: إذا خضع له وذل .
وبمعنى التنسك، يقال : تعبد فلان لله
تعالى: إذا أكثر من عبادته، وظهر فيه الخشوع
والإِخبات .(١)
والتعبد من الله للعباد : تكليفهم أمور
العبادة وغيرها . ويكثر الفقهاء والأصوليون من
(١) لسان العرب. مادة: ((عبد))
استعماله بهذا المعنى ، كقولهم : نحن متعبَّدون
بالعمل بخبر الواحد وبالقياس ، أي مكلفون
بذلك. ويقولون: كان النبي وَلّ متعبَّدا
بشرع من قبله ، أي مكلفا بالعمل به .(١)
٢ - والتعبديات - في اصطلاح الفقهاء
والأصوليين - تطلق على أمرين :
الأول : أعمال العبادة والتنسك . (٢) ويرجع
لمعرفة أحكامها بهذا المعنى إلى مصطلح
( عبادة ) .
الثاني : الأحكام الشرعية التي لا يظهر
للعباد في تشريعها حكمة غير مجرد التعبد ، أي
التكليف بها ، لاختبار عبودية العبد ، فإن أطاع
أثيب ، وإن عصی عوقب .
والمراد بالحكمة هنا: مصلحة العبد من
المحافظة على نفسه أو عرضه أو دينه أو ماله أو
عقله . أما مصلحته الأخروية - من دخول
جنة الله تعالى والخلاص من عذابه ۔ فهي
ملازمة لتلبية كل أمر أو نهي، تعبديا كان أو
غيره .
(١) مسلم الثبوت، مطبوع بهامش المستصفى للغزالي.
القاهرة، مطبعة بولاق.
(٢) الموافقات للشاطبي، (طبعة مصورة عن طبعة المكتبة
التجارية بالقاهرة بتحقيق الشيخ عبدالله دراز) ٣٢٨/٢
- ٢٠١ -
تعبدي ٣ - ٥
٣ - هذا هو المشهور في تعريف التعبديات . وقد
لاحظ الشاطبي في موافقاته أن حكمة الحكم قد
تكون معلومة على وجه الإِجمال، ولا يخرجه
ذلك عن كونه تعبديا من بعض الوجوه، ما لم
يعقل معناه على وجه الخصوص . قال : ومن
ذلك: طلب الصداق في النكاح ، والذبح في
المحل المخصوص في الحيوان المأكول ،
والفروض المقدَّرة في المواريث، وعدد الأشهر في
عدة الطلاق والوفاة، وما أشبه ذلك من الأمور
التي لا مجال للعقول في فهم مصالحها الجزئية،
حتى يقاس عليها غيرها. فإنا نعلم أن الشروط
المعتبرة في النكاح، من الولي والصداق وشبه
ذلك، هي لتمييز النكاح عن السفاح، وأن
فروض المواريث ترتبت على ترتيب القربى من
الميت، وأن العِدَد والاستبراءات، المراد بها
استبراء الرحم خوفا من اختلاط المياه، ولكنها
أمور جُملية، كما أن الخضوع والإِجلال علة
شَرْعِ العبادات. وهذا المقدار لا يقضي بصحة
القياس على الأصل فيها، بحيث يقال: إذا
حصل الفرق بين النكاح والسفاح بأمور أخر
مثلا، لم تشترط تلك الشروط. ومتى علم براءة
الرحم لم تشرع العدة بالأقراء ولا بالأشهر،
ولا ما أشبه ذلك.(١)
(١) الموافقات ٣٠٨/٢، ٣١٨
٤ - هذا ، وقد اختلف الفقهاء في أن التعبديات
شُرعت لنا لحكمة يعلمها الله تعالى وخفيت
علينا، أو إنها شُرعت لا لحكمة أصلا غيرَ مجرد
تعبد الله للعباد واستدعائه الامتثال منهم،
اختبارا لطاعة العبد لمجرد الأمر والنهي من غير
أن يعرف وجه المصلحة فيما يعمل، بمنزلة سيدٍ
أراد أن يختبر عبيده أيهم أطوع له، فأمرهم
بالتسابق إلى لمس حجر، أو الالتفات يمينا أو
يسارا مما لا مصلحة فيه غير مجرد الطاعة.
٥ - قال ابن عابدين نقلا عن الحلية: أكثر
العلماء على القول الأول، وهو المتجه، بدلالة
استقراء تكاليف الله تعالى على كونها جالبة
للمصالح دارئة للمفاسد.(١)
وكذلك الشاطبي في موافقاته اعتمد
الاستقراء دليلا على أن كل الأحكام الشرعية
معللة بمصالح العباد في الدنيا والآخرة، وقال:
إن المعتزلة متفقون على أن أحكامه معللة برعاية
مصالح العباد، وهو اختيار أكثر الفقهاء
المتأخرين. قال: ولما اضطر الرازي إلى إثبات
العلل للأحكام الشرعية أثبت ذلك علی أن
العلل بمعنى العلامات المعرفة للأحكام. وذكر
(١) رد المحتار، على الدر المختار ٣٠١/١ ط. بولاق الأولى
سنة ١٢٧٢ هـ
- ٢٠٢ -
تعدي ٥ - ٦
الشاطبي من الأدلة التي استقرأها قوله تعالى في
شأن الوضوء والغسل ﴿ما يريدُ الله لِيَجْعل
عليكم من حَرَجٍ ولكن يريد لِيُطَهِّرَكم وَلِيُتِمَّ
نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾(١) وفي الصيام
﴿كُتِبَ عليكم الصيام كما كتب على الذين من
قبلكم لعلكم تتقون﴾(٢) وفي القصاص ﴿ولكم
في القِصاص حياةٌ ياأولي الألباب لعلكم
تتقون﴾(٣) وآيات نحو هذه. (٤)
وممن ذهب إلى مثل ذلك ابن القیم، حيث
قال: قالت طائفة: إن عدة الوفاة تعبد محض،
وهذا باطل، فإنه ليس في الشريعة حكم واحد
إلا وله معنی وحكمة، یعقله من یعقله، ويخفی
على من خفي عليه . (٥) وقرر هذا المعنى تقريرا
أوسع فقال: شرع الله العقوبات، ورتبها على
أسبابها، جنسا وقدرا، فهو عالم الغيب والشهادة
وأحكم الحاكمين وأعلم العالمين، ومن أحاط
بكل شيء علما، وعلم ما كان وما يكون،
وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها
وخفيها وظاهرها، ما يمكن اطلاع البشر عليه
(١) سورة المائدة / ٥
(٢) سورة البقرة / ١٨٣
(٣) سورة البقرة / ١٧٩
(٤) الموافقات ٢/ ٦، ٧
(٥) إعلام الموقعين ٢/ ٨٦
وما لا يمكنهم. وليست هذه التخصيصات
والتقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات
المحمودة، كما أن التخصيصات والتقديرات
الواقعة في خلقه كذلك، فهذا في خلقه وذاك في
أمره، ومصدرهما جمیعا عن کمال علمه وحكمته
ووضعه كل شيء في موضعه الذي لا يليق به
سواه ولا يتقاضى إلا إياه، كما وضع قوة البصر
والنور الباصر في العين، وقوة السمع في الإِذن،
وقوة الشم في الأنف، وخص كل حيوان وغيره
بما يليق به ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته
وصفاته وقدره، فشمل إتقانه وإحكامه، وإذا
كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان،
وأحكمه غاية الإِحكام، فلأن يكون أمره في
غاية الإتقان أولى وأحرى، ولا يكون الجهل
بحكمة الله في خلقه وأمره وإتقانه كذلك
وصدوره عن محض الحكمة والعلم مسوغا
لإِنکاره في نفس الأمر.(١)
وسار على هذه الطريقة ولي الله الدهلوي في
حجة الله البالغة وقال: إن القول الآخر (الآتي)
تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها
بالخير. (٢)
٦ - أما القول الثاني بوجود أحكام ولو على سبيل
الندرة قصد منها التعبد والامتثال. فيدل علیه ما
ورد في كتاب الله تعالى من قوله تعالى
(١) إعلام الموقعين ٢/ ١٢٠
(٢) حجة الله البالغة ١/ ١١
- ٢٠٣ -
تعبدي ٦
﴿ ... ويضع عنهم إصرهم والأغلالَ التي
كانت عليهم﴾(١) أنه كان قد جعل على من
كان قبلنا آصارا وأغلالا لتعنتهم وشقاقهم، كما
ألزم بني إسرائيل بأن تكون البقرة التي أمرهم
بذبحها لا فارضا ولا بكرا، وأن تكون صفراء.
وأيضا فإن في بعض الابتلاء واستدعاء الطاعة
والامتثال والتدريب على ذلك مصلحة كبيرة،
لا يزال أولياء الأمور يدربون عليها أنصارهم
وأتباعهم، ويبذلون في ذلك الأموال الطائلة،
ليكونوا عند الحاجة ملبین للأوامر دون تردد أو
حاجة إلى التفهم، اكتفاء وثقة بأن ولي أمرهم
هو أعلم منهم بما يريد. بل إن مصلحة الطاعة
والامتثال والمسارعة إليهما هي الحكمة الأولى
المبتغاة من وضع الشريعة، بل من الخلق في
أساسه، قال الله تعالى ﴿وما خلقت الجنَّ
والإِنسَ إلا ليعبدون﴾(٢) وقال ﴿يا أيها الذين
آمنوا لَيَبْلُوَنَّكم الله بشيء من الصيدِ تَنَالُه
أيديكم ورماحُكم ليعلم الله من يخافُه
بالغيب﴾. (٣) وقال: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم
المجاهدين منكم والصابرين، ونبلو
أخباركم﴾(٤) وقال ﴿وما جعلنا القبلة التي كنتَ
(١) سورة الأعراف / ١٥٧
(٢) سورة الذاريات / ٥٦
(٣) سورة المائدة / ٩٤
(٤) سورة محمد / ٣١
عليها إلا لنعلم من يتبعُ الرسولَ ممن يَنْقَلِبُ
على عقبيه﴾(١)
ولكن من فضل الله علينا في شريعة الإِسلام
أنه جعل غالب أحكامها تراعي مصلحة العباد
بالإِضافة إلى مصلحة الابتلاء، ولكن لا يمنع
ذلك من وجود أحکام لا تراعي ذلك، بل قصد
بها الابتلاء خاصة، وذلك على سبيل الندرة.
وفي هذا يقول الغزالي : عرف من دأب
الشرع اتباع المعاني المناسبة دون التحكمات
الجامدة، وهذا غالب عادة الشرع. ويقول:
حمل تصرفات الشارع على التحكم أو على
المجهول الذي لا يعرف، نوع ضرورة يرجع
إليها عند العجز. وقال: ما يتعلق من الأحكام
بمصالح الخلق من المناكحات والمعاملات
والجنايات والضمانات وما عدا العبادات
فالتحكم فيها نادر، وأما العبادات والمقدرات
فالتحكمات فيها غالبة، واتباع المعنى نادر. (٢)
وصرح بذلك الشيخ عز الدين عبدالعزيز بن
عبد السلام في قواعده فقال: يجوز أن تتجرد
التعبدات عن جلب المصالح ودرء المفاسد، ثم
يقع الثواب عليها بناء على الطاعة والإِذعان من
غير جلب مصلحةٍ غيرَ مصلحة الثواب،
(١) سورة البقرة / ١٤٣
(٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١٨/١. القاهرة، المكتبة
التجارية .
- ٢٠٤ -
تعبدي ٧ - ٩
ولا درء مفسدة غير مفسدة العصيان.
٧ - فالتعبدي على القول الأول: استأثر الله
تعالى بعلم حكمته، ولم يطلع عليها أحدا من
خلقه، ولم يجعل سبيلا للاطلاع عليه مع ثبوت
المصلحة فيه في نفس الأمر، أخفی ذلك عنهم
ابتلاءً واختبارا. هل يمتثلون ويطيعون دون أن
يعرفوا وجه المصلحة، أم يعصون اتباعا لمصلحة
أنفسهم؟ .
وعلى القول الثاني : ابتلاهم بما لا مصلحة
لهم فيه أصلا غير مجرد الثواب.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العبادة :
٨ - أصل العبادة: الطاعة والخضوع.
والعبادات، أنواع: منها الصلاة والزكاة والصوم
والحج. وكثير منها معقول المعنى، بينت
الشريعة حكمته، أو استنبطها الفقهاء. ومن
ذلك قوله تعالى في شأن الصلاة ﴿وأقم الصلاةَ
إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾(١) وقوله
في شأن الحج ﴿ليشهدوا منافعَ لهم﴾(٢) وقول
الفقهاء في حكمة الترخيص في الإِفطار في السفر
أثناء رمضان: إنها دفع المشقة. فليس شيء من
ذلك تعبدیا .
وبعض أحكام العبادات غير معقول
(١) سورة العنكبوت / ٤٥
(٢) سورة الحج / ٢٨
المعنی، فیکون تعبدیا، ککون رمي الجمار سبعا
سبعا .
وتكون التعبديات أيضا في غير العبادات،
ومن ذلك: استبراء الأمة التي اشتراها بائعها في
مجلس البيع، وعادت إليه بفسخ أو إقالة قبل
غيبة المشتري بها. (١)
ب - حق الله :
٩ - قد يقال في كثير من الأحكام: إنه لحق الله،
كالصلاة والصوم وسائر العبادات وكحد السرقة
وحد الزنى. ويقال في كثير منها: إنه لحق
الإِنسان، كحق القصاص وحد القذف والدَّين
والضمانات. وقد يظن أن كل ما كان منها
لحق الله تعالى أنه تعبدي، إلا أن المراد من
(حق الله تعالى) أنه لا خيرة فيه للعباد،
ولا يجوز لأحد إسقاطه، بل لابد للعباد من
تنفيذه إذا وجد سببه، وتمت شروط وجوبه أو
تحريمه. (٢) وليس كل ما كان لحق الله تعالى
تعبديا، بل يكون تعبديا إذا خفي وجه الحكمة
فيه. ويكون غير تعبدي، وذلك إذا ظهرت
حکمته .
قال الشاطبي : الحكم المستخرجة ◌ِماَ
(١) المغني شرح مختصر الخرقي ٧/ ٥١٢، ٥١٣. ط. ثالثة.
القاهرة، دار المنار، ١٣٦٧ هـ، وشرح جمع الجوامع
٢/ ٢٨٠. مصطفى الحلبي، ١٣٥٦ هـ، ٢ /٢٨٠
(٢) الموافقات ٣١٨/٢
- ٢٠٥ -
تعبدي ١٠ - ١١
لا يعقل معناه على وجه الخصوص في
التعبدات، كاختصاص الوضوء بالأعضاء
المخصوصة، والصلاة بتلك الهيئة من رفع
اليدين والقيام والركوع والسجود، وكونها على
بعض الهيئات دون بعض، واختصاص الصيام
بالنهار دون الليل، وتعيين أوقات الصلوات في
تلك الأحیان المعينة دون سواها من أحيان النهار
والليل، واختصاص الحج بتلك الأعمال
المعروفة، في الأماكن المعلومة، وإلى مسجد
مخصوص، إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول
إليه بوجه، ولا تحوم حوله، یأتي بعض الناس
فيطرق إليه بزعمه حِكما، يزعم أنها مقصود
الشارع من تلك الأوضاع، وجميعها مبني على
ظن وتخمين غير مطرد في بابه، ولا مبني عليه
عمل، بل كالتعليل بعد السماع للأمور الشواذ،
لجنايته على الشريعة في دعوى ما ليس لنا به
علم، ولا دليل لنا عليه. (١)
جـ - المعلل بالعلة القاصرة :
١٠ - ولما کان حکم التعبدیات أنه لا یقاس
عليها، فقد يشتبه بها المعلل بالعلة القاصرة،
لأنه لا يقاس عليه. والفرق بينهما: أن التعبدي
ليس له علة ظاهرة، فيمتنع القياس عليه لأن
القياس فرع معرفة العلة، أما المعلل بالعلة
القاصرة فعلته معلومة لكنها لا تتعدی محلها، إذ
لم يعلم وجودها في شيء آخر غير الأصل. مثاله
أن النبي * جعل شهادة خزيمة بن ثابت
بشهادة رجلین. (١) وهذا حكم خاص به، وعلته
والمعنی فیه أنه أول من تنبه وبادر إلى تصديق
النبي 18 في تلك الحادثة بعينها والشهادة له،
بموجب التصديق العام له رَله. والأولية معنى
لا یتکرر، فاختص به، (٢) فلیس ذلك تعبدیا،
لکون علته معلومة .
د۔ المعدول به عن سنن القياس :
١١ - ما خالف القياس قد يكون غير معقول
المعنى كتخصيص النبي # بنكاح تسع نسوة
وإجزاء العناق في التضحية في حق أبي بردة
هانیء بن دينار، (٣) وكتقدير عدد الركعات.
وقد يكون معقول المعنى كاستثناء بيع العرايا
من النهي عن بيع التمر بالتمر خرصاً. (٤)
(١) حديث: ((أن النبي صلى عليه وسلم جعل شهادة
خزيمة بن ثابت ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري
٢١/٦ ط. السلفية).
(٢) المعتمد لأبي الحسين البصري ٢/ ٨٠٢. دمشق، المعهد
الفرنسي، ١٣٨٤ هـ وإعلام الموقعين لابن القيم
١٣٦/٢. بيروت، دار الجيل، وشرح مسلم الثبوت
٢٥١/٢، والمستصفى ٣٤٥/٢
(٣) حديث: ((إجزاء العناق في التضحية في حق أبي بردة .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣/١٠ ط. السلفية) بنحوه
ومثله معلق، ووصله مسلم (١٥٥٣/٣ ط. دار عيسى
الحلبي). والنسائي (٢٢٢/٧ ط. دار الكتاب).
(٤) المستصفى للغزالي ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٩
(١) الموافقات ١/ ٨٠
- ٢٠٦ -
تعبدي ١٢ - ١٣
هـ - المنصوص على علته :
١٢ - أورد الشاطبي أن بعض ما عرفت علته قد
يكون تعبديا. فقال: إن المصالح في التكليف
ظهر لنا من الشارع أنها على ضربين:
أحدهما: مايمكن الوصول إلى معرفته
بمسالكه المعروفة كالإجماع والنص والسبر
والإِشارة والمناسبة، وهذا هو القسم الظاهر
الذي نعلل به، ونقول: إن الأحكام شرعت
لأجله .
والثاني: مالا يمكن الوصول إليه بتلك
المسالك المعهودة، ولا يطلع عليه إلا بالوحي
كالأحكام التي أخبر الشارع فيها أنها أسباب
للخصب والسعة وقيام أبهة الإِسلام - كقوله
تعالى في سياق قصة نوح: ﴿فقلت استغفروا
ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا
ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات
ويجعل لكم أنهارا﴾(١). فلا يعلم وجه كون
الاستغفار سببا للمطر وللخصب إلا بالوحي .
ولذلك لا يقاس عليه، فلا يعلم كون الاستغفار
سببا في حصول العلم وقوة الأبدان مثلا، فلا
یکون إلى اعتبار هذه العلة في القیاس سبیل،
فبقيت موقوفة على التعبد المحض. ولذا يكون
أخذ الحكم المعلل بها متعبدا به، ومعنى التعبد
هنا: الوقوف عندما حد الشارع فيه. (٢)
(١) سورة نوح / ١١
(٢) الموافقات ٣١٤/٢
حكمة تشريع التعبديات :
١٣ - حكمة تشريع التعبدیات استدعاء
الامتثال، واختبار مدى الطاعة والعبودية . وقد
عبر عن ذلك الغزالي في الإِحياء بقوله - في بيان
أسرار رمي الجمار - وظّف الله تعالى على العباد
أعمالا لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى
معانيها العقول، كرمي الجمار بالأحجار،
والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار.
وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية،
فإن الزكاة إرفاق، ووجهه مفهوم، وللعقل إليه
ميل، والصوم كسر للشهوة التي هي آلة
عدو الله، وتفرغ للعبادة، بالكف عن
الشواغل. والركوع والسجود في الصلاة
تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع،
وللنفوس أنْس بتعظيم الله عز وجل. فأما
ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه
الأعمال، فلا حظّ للنفوس فيها ولا أنس للطبع
بها، ولا اهتداء للعقول إلى معانيها، فلا يكون
في الإِقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد، وقصد
الامتثال للأمر من حيث أنه أمر واجب الاتباع
فقط، وفيه عزل للعقل عن تصرفه وصرف
النفس والطبع عن محل أنسه. فإن كل ما أدرك
العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما، فيكون ذلك
الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل، فلا
يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد. ولذلك قال
النبي ◌َّ في الحج على وجه الخصوص: ((لبيك
ھے
- ٢٠٧ -
تعبدي ١٤
بحجة حقا، تعبِّدا ورقا))(١) ولم يقل ذلك في
صلاة ولا غيرها .
وإذا اقتضت حكمة الله تعالى ربط نجاة
الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى
طباعهم، وأن يكون زمامها بيد الشرع،
فيترددون في أعمالهم على سنن الانقياد وعلى
مقتضى الاستعباد، كان ما لا يهتدى إلى معانيه
أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس، وصرفها
عن مقتضى الطباع والأخلاق إلى مقتضى
الاسترقاق. (٢)
طرق معرفة التعبدي :
١٤ - لم يعرف في تمييز التعبديات عن غيرها من
الأحكام المعللة وجه معين، غير العجز عن
التعليل بطريق من الطرق المعتبرة، على ما هو
معلوم في مباحث القياس من علم الأصول.
ولذلك يقول ابن عابدين: ما شرعه الله إن
ظهرت لنا حكمته، قلنا: إنه معقول المعنى، وإلا
قلنا: إنه تعبدي. (٣) وإلى هذا يشير كلام
(١) حديث: ((لبيك حجا حقا، تعبدا ورق)) أخرجه البزار
(كشف الأستار ١٣/٢ ط. مؤسسة الرسالة). وذكره
مرفوعا وموقوفا، وقال ابن حجر : وذكر الدارقطني في
العلل الاختلاف فيه، وساقه بسنده مرفوعا ورجح وقفه.
(التلخيص الحبير ٢/ ٢٤٠ ط المكتبة الأثرية).
(٢) إحياء علوم الدين المطبعة التجارية ١/ ٢٧٤
(٣) رد المحتار ٣٠١/١
الغزالي المتقدم آنفا، من أن المصير إلى التعبد
نوع ضرورة يرجع إليها عند العجز. (١)
ومن هنا اختلفت أقوال الفقهاء في اعتبار
بعض الأحكام تعبديا أو معقول المعنى، فما يراه
بعض الفقهاء تعبديا قد يراه البعض الآخر
معللا بمصالح غلب على ظنه رعايتها. فمن
ذلك أن صاحب الدر المختار قال: إن تكرار
السجود أمر تعبدي، أي لم يعقل معناه، تحقيقا
للابتلاء. وقال ابن عابدين: وقيل: إنه ثُنّ
ترغيما للشيطان، حيث أمر بالسجود مرة فلم
يسجد، فنحن نسجد مرتين. (٢)
وكون طلاق الحائض بدعيا، قيل: هو
تعبدي. قال الدردير: والأصح أنه معلل
بتطويل العدة، لأن أولها من الطهر بعد
الحيض. (٣)
والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار يمثل
بها الفقهاء لغير المعقول المعنى، كما تقدم عن
الغزالي. غير أن بعض العلماء يعللونه وأمثاله مما
وضع من المناسك على هيئة أعمال بعض
الصالحين، كالسعي الذي جعل على هيئة
سعي أم إسماعيل عليه السلام بينهما. يقول تقي
الدين ابن دقيق العيد: في ذلك من الحكمة
(١) شفاء الغلیل ص ٢٠٠
(٢) الدر وحاشية ابن عابدين ١/ ٣٠٠
(٣) الشرح الصغير على مختصر خليل ٢/ ٥٣٩. القاهرة، ط.
دار المعارف.
- ٢٠٨ -
تعبدي ١٤ - ١٥
تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفي طي
تذکرها مصالح دینیة، إذ یتبین في أثناء کثیر منها
ما كانوا عليه من امتثال أمر الله، والمبادرة إلیه،
وبذل الأنفس في ذلك. وبذلك يظهر لنا أن
كثيرا من الأعمال التي وقعت في الحج، ويقال
بأنها (تعبد) ليست كما قيل. ألا ترى أنا إذا
فعلناها وتذكرنا أسبابها حصل لنا من ذلك
تعظيم الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاق
في امتثال أمر الله، فكان هذا التذکر باعثا لنا
على مثل ذلك، ومقررا في أنفسنا تعظيم
الأولين، وذلك معنى معقول. ثم ذكر أن
السعي بين الصفا والمروة اقتداء بفعل هاجر،
وأن رمي الجمار اقتداء بفعل إبراهيم عليه
السلام، إذ رمى إبليس بالجمار في هذا
الموضع. (١)
وابن القيم في إعلام الموقعين، سيرا على
خطا شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله،
رأی کما تقدم أنه ليس في الشريعة تعبد محض،
ورد كل ما قيل فيه: إنه مخالف للقياس، كفرض
الصاع في لبن المصراة المردودة على بائعها، وما
قيل من أن الشريعة فرقت بين المتساويات،
كأمرها بالغسل من بول الجارية وبالنضح من
بول الصبي، وسوت بين المفترقات، كتسويتها
بين الخطأ والعمد في وجوب الضمان. فعلل كل
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد
٧٥/٢
ما قيل فيه ذلك، وبين وجه الحكمة فيه، وأن
علته معقولة، ويوافق القياس ولا يخالفه، وأطال
في ذلك .(١)
ما تكون فيه التعبدیات، وأمثلة منها:
١٥ - يذكر بعض الأصوليين أن التعبديات أكثر
ماتكون في أصول العبادات، كاشتراع أصل
الصلاة أو الصوم أو الاعتكاف. وفي نصب
أسبابها، كزوال الشمس لصلاة الظهر، وغروبها
لصلاة المغرب. وفي الحدود والكفارات. وفي
التقديرات العددية بوجه عام، كتقدير أعداد
الركعات، وتقدير عدد الجلدات في الحدود،
وتقدير أعداد الشهود.
وذكر الشاطبي من أمثلة وقوعها في العادات :
طلب الصداق في النكاح، وتخصيص الذبح
بمحل مخصوص، والفروض المقدرة في
المواريث، وعدد الأشهر في عدة الطلاق وعدة
الوفاة . (٢)
ومن أمثلتها عند الحنابلة حديث : ((نهى
النبي * أن يتوضأ الرجل بفضل طهور
المرأة)). (٣)
(١) إعلام الموقعين ٢/ ٣ - ٥٠، ٧٤
(٢) الموافقات للشاطبي ٢/ ٣٠٧، ٣٠٨، وشرح جمع الجوامع
٢٠٦/٢
(٣) حديث: ((نهى النبي (# أن يتوضأ بفضل ... )) أخرجه
أحمد (٦٦/٥ ط. المكتب الإسلامي). وأبو داود (٦٣/١
ط عبيد الدعاس). وقال ابن حجر: إسناده صحيح.
(سبل السلام ١/ ٤٩ ط دار الكتاب العربي).
- ٢٠٩ -
تعبدي ١٦ - ١٧
قال صاحب المغني: منع الرجل من استعمال
فضلة طهور المرأة تعبدي غير معقول المعنى،
نص عليه أحمد، ولذلك يباح لامرأة سواها
التطهر به في طهارة الحدث وغسل النجاسة
وغيرها، لأن النهي اختص بالرجل، ولم يعقل
معناه، فيجب قصره على محل النهي. وهل
يجوز للرجل غسل النجاسة به؟ فيه وجهان :
أحدهما: لا يجوز وهو قول القاضي .
والثاني: يجوز وهو الصحيح، لأنه ماء يطهر
المرأة من الحدث والنجاسة، فيزيل النجاسة إذا
فعله الرجل كسائر المياه. والحديث لا تعقل
علته، فيقتصر على ما ورد به لفظه -(١) أي
التطهر من الحدث لا غير.
الأصل في الأحكام من حيث التعليل أو التعبد:
١٦ - اختلف الأصوليون هل الأصل في
الأحكام التعليل أو عدمه؟ فذهب البعض إلى
الأول، فلا تعلل الأحكام إلا بدليل. قالوا:
لأن النص موجب بصيغته لا بالعلة. ونسب
إلى الشافعي رضي الله عنه: أن الأصل
التعلیل بوصف، لكن لا بد من دليل يميزه من
غيره. قال في التلويح: والمشهور بين أصحاب
الشافعي : أن الأصل في الأحكام التعبد دون
التعليل. قال: والمختار: أن الأصل في
النصوص التعليل، وأنه لابد - أي لصحة
القياس - من دليل يميز الوصف الذي هو علة،
ومع ذلك لابد قبل التعليل والتمييز من دليل
يدل على أن هذا الوصف الذي یرید استخراج
علته معلل في الجملة . (١)
وذهب الشاطبي إلى أن الأمر في ذلك يختلف
بين العبادات والمعاملات، قال: الأصل في
العبادات بالنسبة للمكلف التعبد، دون
الالتفات إلى المعاني، والأصل في العادات
الالتفات إلى المعاني.
١٧ - فأما أن الأصل في العبادات التعبد، فيدل
له أمور منها :
الاستقراء. فالصلوات خصت بأفعال
مخصوصة علی هیئات مخصوصة إن خرجت عنها
لم تكن عبادات، ووجدنا الذِّكر في هيئة
ما مطلوبا، وفي هيئة أخرى غير مطلوب، وأن
طهارة الحدث مخصوصة بالماء الطهور، وإن
أمكنت النظافة بغيره، وأن التيمم - وليست فيه
نظافة حسية - يقوم مقام الطهارة بالماء المطهر.
وهكذا سائر العبادات كالصوم والحج وغيرهما،
وإنما فهمنا من حكمة التعبد العامة الانقياد
لأوامر الله تعالى، وهذا المقدار لا يعطي علة
خاصة يفهم منها حكم خاص، فعلمنا أن
-
(١) شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين التفتازاني
٣٧٦/٢ المطبعة الخيرية، وشفاء الغليل للغزالي ص ٢٠٠
(١) المغني ٢١٦/١ ط الثالثة
- ٢١٠ -
تعبدي ١٨
المقصود الشرعي الأول التعبد لله بذلك
المحدود، وأن غيره غير مقصود شرعا.
ومنها: أنه لو كان المقصود التوسعة في التعبد
بما حد وما لم يحد، لنصب الشارع عليه دليلا
واضحا، ولما لم نجد ذلك کذلك - بل علی
خلافه ــ دل على أن المقصود الوقوف عند ذلك
المحدود، إلا أن يتبين بنص أو إجماع معنى مراد
في بعض الصور، فلا لوم على من اتبعه. لكن
ذلك قليل، فليس بأصل، وإنما الأصل ماعم
في الباب وغلب على الموضع.
١٨ - ثم قال الشاطبي: وأما أن الأصل في
العادات الالتفات إلى المعاني فلأمور:
الأول: الاستقراء، فنرى الشيء الواحد
يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان
فیه مصلحة جاز کالدرهم بالدرهم إلى أجل :
تمتنع في المبايعة، ويجوز في القرض. وكبيع
الرطب من جنس بیابسه. يمتنع حیث یکون
مجرد غرروربا من غير مصلحة، ويجوز إذا كان
فيه مصلحة راجحة (كما في تمر العرايا أبيح بيعه
بالتمر توسعة على الناس)، ولتعليل النصوص
أحكام العادات بالمصلحة كما في قوله تعالى :
﴿ولكم في القِصاصِ حياة﴾(١) وفي آية تحريم
الخمر ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم
العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم
عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم
منتهون﴾(١) وفي حديث: ((لا يقضي القاضي
بین اثنین وهو غضبان))(٢) ونحو ذلك.
والثاني: أن أكثر ماعلل الله تعالى في
العادات بالمناسب الذي إذا عرض على العقول
تلقته بالقبول، ففهمنا من ذلك أن قصد
الشارع فيها اتباع المعاني، لا الوقوف مع
النصوص. بخلاف العبادات، فإن المعلوم فيها
خلاف ذلك، ولهذا توسع مالك حتى قال
بقاعدة المصالح المرسلة، والاستحسان.
والثالث: أن الالتفات إلى المعاني في أمور
العادات كان معلوما في الفترات، واعتمد عليه
العقلاء، حتى جرت بذلك مصالحهم، سواء
أهل الحكمة الفلسفية وغيرهم. إلا أنهم قصروا
في جملة من التفاصيل، فجاءت الشريعة لتتمم
مكارم الأخلاق. ومن هنا أقرت الشريعة جملة
من الأحكام التي كانت في الجاهلية، كالدية،
والقسامة، والقراض، وكسوة الكعبة، وأشباه
ذلك مما كان من محاسن العوائد ومكارم الأخلاق
التي تقبلها العقول. (٣)
(١) سورة المائدة/ ٩١
(٢) حديث : (( لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣٦/١٣ ط السلفية)
بلفظ: (لا يقضين) ولفظ الباب لابن ماجة (٧٧٦/٢ ط
عيسى الحلبي).
(١) سورة البقرة/ ١٧٩
(٣) الموافقات ٢/ ٣٠٠ - ٣٠٦
- ٢١١ -
تعبدي ١٩
المفاضلة بين التعبدي ومعقول المعنى :
١٩ - نقل ابن عابدين عن صاحب الفتاوى
التمرتاشية أنه قال: لم أقف على شيء من ذلك
لعلمائنا في هذا، سوى قولهم: الأصل في
النصوص التعليل، فإنه يشير إلى أفضلية
المعقول معناه. قال: ووقفت على ذلك في
فتاوى ابن حجر، قال: قضية كلام ابن
عبدالسلام أن التعبدي أفضل، لأنه بمحض
الانقياد، بخلاف ماظهرت علته، فإن مُلابسه
قد يفعل لتحصيل فائدته، وخالفه البلقيني
فقال: لاشك أن معقول المعنى من حيث
الجملة أفضل، لأن أكثر الشريعة كذلك. (١)
وظاهر كلام الشاطبي الأخذ بقول من
يقول: إن التعبدي أفضل، وذلك حيث قال:
إن التكاليف إذا علم قصد المصلحة فيها
فللمكلف في الدخول تحتها ثلاثة أحوال:
الأول: أن يقصد بها مافهم من مقصد
الشارع في شرعها. وهذا لا إشكال فيه، ولكن
لا ينبغي أن يخليه من قصد التعبد، فكم ممن
فهم المصلحة فلم یلو على غيرها، فغاب عن
أمر الآمربها. وهي غفلة تفوت خيرات كثيرة،
بخلاف ما إذا لم يهمل التعبد. ثم إن المصالح لا
یقوم دلیل علی انحصارها فيما علم إلا نادرا،
فإذا لم يثبت الحصر كان قصد تلك الحكمة
(١) حاشية ابن عابدين ٣٠١/١
المعينة ربما أسقط ماهو مقصود أيضا من شرع
الحكم .
الثاني: أن يقصد بها ما عسى أن يقصده
الشارع، مما اطلع عليه أو لم يطلع عليه .
وهذا أكمل من القصد الأول، إلا أنه ربما
فاته النظر إلى التعبد.
الثالث: أن يقصد مجرد امتثال الأمر، فَهِمَ
قصد المصلحة أو لم يفهم
قال: فهذا أكمل وأسلم .
أما كونه أكمل فلأنه نصب نفسه عبدا مؤتمرا
ومملوكا ملبيا، إذ لم يعتبر إلا مجرد الأمر. وقد وكل
العلم بالمصلحة إلى العالم بها جملة وتفصيلا وهو
الله تعالى .
وأما كونه أسلم، فلأن العامل بالامتثال
عامل بمقتضى العبودية، فإن عرض له قصد
غير الله رده قصد التعبد. (١)
فهذا الذي قاله يتجلى في التعبدیات أكثر مما
يظهر فيما كان معقول المعنى من الأحكام .
ومذهب الغزالي في ذلك أيضا: أن التعبدي
أفضل، كما هو واضح فيما تقدم النقل عنه من
قوله: إن مالا يهتدى لمعانيه أبلغ أنواع التعبدات
في تزكية النفوس. (٢)
وفي حاشية ابن عابدين: أن هذين القولين
في الأفضلية هما على سبيل الإِجمال، أما بالنظر
(١) الموافقات ٢/ ٣٧٣، ٤٧٤
(٢) إحياء علوم الدين بحاشية شرح الزبيدي ٤ / ٤٤٤
- ٢١٢ -
تعبدي ٢٠ - ٢١
إلى الجزئيات، فقد يكون التعبدي أفضل
كالوضوء وغسل الجنابة، فإن الوضوء أفضل .
وقد يكون المعقول أفضل كالطواف والرمي،
فإن الطواف أفضل. (١)
خصائص التعبديات :
٢٠ - من أحكام التعبديات :
أ - أنه لا يقاس عليها، لأن القياس فرع معرفة
العلة، والفرض: أن التعبدي لم تعرف علته،
فيمتنع القياس عليه، ولا يتعدى حكمه
موضعه، سواء أكان مستثنى من قاعدة عامة
ولا يعقل معنى الاستثناء، كتخصيص النبي
** بنكاح تسع نسوة، وتخصيص أبي بردة
بالتضحية بعناق، أم لم یکن کذلك، بل كان
حكما مبتدأ، كتقدير أعداد الركعات، ووجوب
شهر رمضان، ومقادير الحدود والكفارات
وأجناسها، وجميع التحكمات المبتدأة التي
لا ينقدح فيها معنى، فلا يقاس عليها
غيرها. (٢)
٢١ - وبناء على هذا الأصل وقع الخلاف بين
الفقهاء في فروع فقهية، منها: رجم اللوطي،
رفضه الحنفية، وأثبته مالك وأحمد في رواية عنه
(١) رد المحتار ٣٠٠/١
(٢) شرح جمع الجوامع وحاشية البناني ٢/ ٢١٨، والمستصفى
٣٢٦/٢ -٣٢٨، ٣٤٧، وشرح مسلم الثبوت ٢/ ٢٥٠،
والمعتمد لأبي الحسين ٧٩٥/١، وإرشاد الفحول للشوكاني
ص٢٢٢، ٢٢٣
والشافعي في أحد قوليه. قال الحنفية: لا يجري
القياس في الحدود والكفارات، لأن الحدود
مشتملة على تقديرات لا تعرف، كعدد المائة في
حد الزنى، والثمانين في القذف، فإن العقل
لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا العدد،
قالوا: وماكان يعقل منها - أي من أحكام
الحدود - فإن الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ
توجب عدم إثباته بالقياس، وهذا كقطع يد
السارق لكونها جنت بالسرقة فقطعت. وهكذا
اختلاف تقديرات الكفارات، فإنه لا يعقل كما
لا تعقل أعداد الركعات .
وأجاز غير الحنفية القياس في الحدود
والكفارات، لكن فيها يعقل معناه من أحكامها
لا فيها لا يعقل منها، كما في غير الحدود
والكفارات . (١)
ب - قال الشاطبي : إن التعبدیات ماکان منها
من العبادات فلابد فيه من نية كالطهارة،
والصلاة، والصوم. ومن لم يشترط النية في
بعضها فإنه يبني على كون ذلك البعض معقول
المعنى، فحكمه كما لو كان من أمور العادات.
أما صوم رمضان والنذر المعين، فلم يشترط
الحنفية لهما تبييت النية ولا التعيين، ووجه ذلك
عندهم : أنه لو نوی غیر هما في وقتهما انصرف
إليهما، بناء على أن الكف عن المفطرات قد
(١) الموافقات ٣٢٩/٢
- ٢١٣ -
تعبدي ٢١، تعبیر ١ - ٢
استحقه الوقت، فلا ینصرف لغيره، ولا يصرفه
عنه قصد سواه .
ومن هذا ما قال الحنابلة في غسل القائم من
نوم الليل يده قبل إدخالها الإِناء: إنه تعبدي،
فتعتبر له النية الخاصة، ولا يجزىء عن غسلهما
نية الوضوء أو الغسل، لأنهما عبادة مفردة. (١)
ere
(١) كشاف انقناع ٩١/١. الرياض، المكتبة الحديثة.
تعبير
التعريف :
١ - التعبير لغة: التبيين. يقال: عبر عما في
نفسه: أي أعرب وبينّ.
ويقال لمن أعرب عن عيي : عبر عنه.
واللسان يعبر عما في الضمير: أي يبين.
والاسم: العبرة والعِبارة والعَبارة. وخصه أبو
البقاء الكفوي بتعبير الرؤيا، وهو: العبور من
ظواهرها إلى بواطنها .
واستعمال الفقهاء له لا يخرج عن معناه
اللغوي . (١)
طرق التعبير :
٢ - هناك أكثر من طريق للتعبير عن الإِرادة،
فقد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، وقد
يكون بالسكوت أو الضحك والبكاء. والفعل:
إما أن يكون بالمعاطاة، أو بالكتابة، أو
بالإشارة.
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة ((عبر))، والكليات كلمة
((تعبیر)). ١٠٣/٢
- ٢١٤ -
تعبير ٣ - ٤
أولا : التعبير بالقول :
٣ - الأصل في التعبير عن الإِرادة: أن يكون
بالقول، لأنه من أوضح الدلالات على تلك
الإِرادة، ولأن الرضا أو عدمه أمر خفي قلبي،
لا اطلاع لنا عليه، فنيط الحكم بسبب ظاهر
وهو القول، لذلك كانت الصيغة أو الإيجاب
والقبول ركنا في جميع العقود، سواء كانت تلك
العقود معاوضات: كالبيع والإِجارة، أو
تبرعات: كالهبة والإِعارة، أو استيثاقات:
كالرهن، أو ما تكون تبرعا ابتداء ومعاوضة
انتهاء: كالقرض، أو غيرها من العقود كالشركة
والوكالة والنكاح والطلاق. (١)
وللتفصيل ينظر مصطلح : ( صيغة )
ثانيا: التعبير بالفعل :
٤ - تظهر صورة التعبير بالفعل واضحة في
المعاطاة، وذلك في بيع المعاطاة أو التعاطي .
وصورته: أن يدفع المشتري الثمن ويأخذ المبيع
من غير إيجاب ولا قبول قوليين. وهو موضع
خلاف بين الفقهاء :
(١) ابن عابدين ٢/ ٢٦٢ وما بعدها، ٤١٥، ٥/٤ وما
بعدها، ١٧١، ٣٣٩، ٤٨٣، ٥٠٢، ٥٠٨، ٣/٥،
والقوانين الفقهية ص٢٠٠، ٢٣٢، ٢٥٠، ٣٧١، ٣٧٨،
ومغني المحتاج ٣/٢ وما بعدها ١١٧، ٢١٧، ١٢١،
٢٢٢، ٢٦٤، ٣١٠، ٢٣٢، ٣٩٧، وكشاف القناع
١٤٦/٣، ٣١٢، ٣١٤، ٣٢٢، ٤٦١، ٥٠٨، ٥٤٧،
٤/ ٦٢، ٢٩٨ و٣٧/٥.
فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة،
والمتولي والبغوي من الشافعية) إلى صحته
وانعقاده بتلك الصورة، لأن الفعل يدل على
الرضا عرفا. والمقصود من البيع إنما هو أخذ ما في
يد غيره بعوض يرضاه، فلا يشترط القول،
ويكفي الفعل بالمعاطاة .
وذهب أكثر الشافعية: إلى أن البيع لا ينعقد
بالمعاطاة، لأن الفعل لا يدل بوضعه على
التراضي، فالمقبوض بها كالمقبوض ببيع فاسد،
فیطالب کل صاحبه بما دفع إليه إن بقي، أو
ببدله إن تلف.
وخص بعض الفقهاء (کابن سریج والروياني
من الشافعية، والكرخي من الحنفية) جواز بيع
المعاطاة بالمحقَّرات، وهي ماجرت العادة فيها
بالمعاطاة، كرطل خبز وحزمة بقل.
وقال الحنابلة بصحة بيع المعاطاة، بشرط
عدم تأخير القبض للطالب في نحو: خذ هذا
بدرهم، أو عدم تأخير الإِقباض للطلب نحو:
أعطني بهذا الدرهم خبزا، لأنه إذا اعتبر عدم
التأخير في الإيجاب والقبول اللفظي، فاعتبار
عدم التأخير في المعاطاة أولى .
قال البهوتي : وظاهره أن التأخير في المعاطاة
مبطل، ولو كان بالمجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه
لضعفها عن الصيغة القولية .
واعتبر المالكية التقابض في المعاطاة شرط
لزوم، فمن أخذ رغيفا من شخص ودفع له
- ٢١٥ -
تعبير ٤ - ٥
ثمنه، فلا يجوز له رده وأخذ بدله، للشك في
التماثل. بخلاف مالو أخذ رغيفا ولم یدفع ثمنه،
فيجوز له رده وأخذ بدله، لعدم لزوم البيع .
وقد نص الحنفية على أن: الإِقالة، والإِجارة
- إن عُلِمتْ الأجرة - والصرف، والهبة،
والهدية، ونحوها. تصح وتنعقد بالتعاطي،
ونصوا كذلك على أن القبول في العارية يصح
بالفعل كالتعاطي، وأما الإِيجاب فلا يصح به .
وعند المالكية: كل إشارة فُهِم منها الإِيجاب
والقبول لزم بها البيع وسائر العقود، ونصوا على
أن الشركة تنعقد بالفعل الدال عليها كما لو
خلطا ماليهما وباعا .
وتمسك الشافعية بأصلهم، وهو: عدم
صحة العقد بالمعاطاة في سائر العقود. إلا
العارية، فإنها تصح عندهم بلفظ من أحدهما
مع فعل من الآخر، ولا يكفي الفعل من
الطرفین إلا في بعض الصور، کمن اشتری شیئا
وسلمه له في ظرف، فالظرف معار في الأصح.
واختار النووي صحه الهبة بالمعاطاة .
ونص الحنابلة على انعقاد الإِجارة والمضاربة
والإِقالة والعارية والوكالة والهبة بالفعل
كالتعاطي، وذلك لأن المقصود المعنى، فجاز
بكل مايدل عليه . (١)
(١) ابن عابدين ١١/٤ وما بعدها، ٥٠٢، ٥٠٨ و٣/٥
وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٣/٣، ومواهب الجليل
٢٢٨/٤، ١٣٣/٥، ٥٣/٦، ومغني المحتاج ٣/٢ =
ثالثا : التعبير بالكتابة :
٥ - اتفق الفقهاء على صحة العقود وانعقادها
بالكتابة، ويعتبر في القبول أن یکون في مجلس
بلوغ الكتاب، ليقترن بالإيجاب بقدر
الإمكان .
ءِ
وجعل الشافعية الكتابة من باب الكناية،
فتنعقد بها العقود مع النية . (١)
واستثنوا من ذلك عقد النكاح، فلا ينعقد
بالكتابة عند جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة). وأجازه الحنفية في الغائب دون
الحاضر، (٢) بشرط إعلام الشهود بما في
الكتاب .
واتفق الفقهاء أيضا على وقوع الطلاق
بالكتابة، لأن الكتابة حروف يفهم منها
الطلاق، فأشبهت النطق، ولأن الكتابة تقوم
مقام قول الكاتب، بدليل أن النبي مس18 كان
مأمورا بتبليغ الرسالة، فبلّغ بالقول مرة،
وبالكتابة أخرى.
والكتابة التي يقع بها الطلاق إنما هي الكتابة
= وما بعدها، ١١٨، ١٢١، ٣٠٨، ٣١٣، ٣٣٣، ٢٦٦،
وكشاف القناع ١٤٨/٣ ومابعدها، ٢٥٠، ٤٦٢، ٥٠٨،
٥٥٥، ٦٢/٤، ٢٩٨
(١) ابن عابدين ٤/ ١٠، وحاشية الدسوقي ٣/٣، ومغني
المحتاج ٥/٢، وكشاف القناع ١٤٨/٣، والأشباه والنظائر
لابن نجيم ٣٣٩، والأشباه والنظائر للسيوطي ٣٠٨
(٢) ابن عابدين ٣٦٥/٢، ومواهب الجليل ٤١٩/٣، ومغني
المحتاج ٣/ ١٤١، وكشاف القناع ٣٩/٥.
- ٢١٦ -
تعبير ٥ - ٦
المستبينة، كالكتابة على الصحيفة والحائط
والأرض، على وجه یمکن فهمه وقراءته. وأما
الكتابة غير المستبينة كالكتابة على الهواء والماء
وشيء لایمکن فهمه وقراءته، فلا يقع بها
الطلاق، لأن هذه الكتابة بمنزلة الهمس بلسانه
بما لا يسمع. واعتبر الشافعية الكتابة بالطلاق
من باب الكناية، فتفتقر إلى نية من الكاتب،
وقصر الحنفية النية على الكتابة المستبينة غير
المرسومة (أي أن لا يكون الكتاب مصورا
ومعنونا) .
وعند الحنابلة: إن كتب طلاقها بالصريح
وقع وإن لم ینوه. وإن كتبه بالكناية فهو كناية .
وعند المالكية: إن كتبه عازما على الطلاق
بكتابته فيقع بمجرد فراغه من كتابة: هي
طالق. ومثله: لو كتب: إذا جاءكٍ كتابي فأنت
طالق. وعندهم قول ثان : بأن يوقف الطلاق
على وصول الكتاب، وقواه الدسوقي لتضمن
((إذا)) معنى الشرط .
وان كتبه مستشيرا أو متردداً فلا يقع
الطلاق، إلا إذا أخرجه عازما، أو أخرجه
ولا نية له فيقع الطلاق بمجرد إخراجه. وأما إذا
أخرجه - وهو كذلك - متردداً أو مستشيراً، أو لم
يخرجه، فإما أن يصل إليها، وإما أن لا يصل
إليها، فإن وصل إليها حنث وإلا فلا. وأما
إن كتبه ولا نية له أصلا حين بالكتابة فيلزمه
الطلاق، لحمله على العزم عند ابن رشد
خلافا للّخمي. (١)
رابعا : التعبير بالإِشارة :
٦ - اتفق الفقهاء على أن إشارة الأخرس
المفهمة تقوم مقام اللفظ في سائر العقود
للضرورة، لأن ذلك يدل على ما في فؤاده، كما
يدل عليه النطق من الناطق .
واختلفوا في إشارة غير الأخرس. فذهب
جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) إلى
عدم اعتبارها في العقود. وذهب المالكية إلى أن
إشارة الناطق معتبرة کنطقه - قالوا - وهي أولى
بالجواز من المعاطاة - لأنها يطلق عليها أنها
كلام. قال الله تعالى: ﴿آَيْتُك أنْ لا تُكَلِّم
الناسَ ثلاثَةَ أيامٍ إلا رَمْزا﴾(٢) والرمز:
الإِشارة . (٣)
وللتفصيل انظر مصطلح (إشارة) .
(١) حاشية ابن عابدين ٤٢٨/٢، وحاشية الدسوقي
٣٨٤/٢، ومواهب الجليل ٥٨/٤، ومغني المحتاج
٢٨٤/٣، وكشاف القناع ٢٤٨/٥
(٢) سورة آل عمران/ ٤١
(٣) حاشية ابن عابدين ٩/٢، وحاشية الدسوقي ٣/٢،
ومواهب الجليل ٥٨/٤، ٢٢٩، ومغني المحتاج ٢/ ٧،
٢٨٤/٣، وحاشية الجمل ٣/ ١١، وكشاف القناع
٣٦٤/٣، ٤٥٣/٦، والأشباه والنظائر للسيوطي
ص٣١٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٤٣
ومابعدها .
- ٢١٧ -
تعبير ٧، تعبير الرؤيا
خامسا : التعبير بالسكوت :
٧ - اعتبر الفقهاء سكوت البكر البالغة العاقلة
تعبيرا عن رضاها بالنكاح، لما روت عائشة
رضي الله عنها أنها قالت: ((يارسول الله. إن
البكر تستحي. قال: رضاها صماتها))(١) وأخرج
الإِمام مسلم في صحيحه: ((الأَيِّم أحق بنفسها
من وليها، والبِكر تُسْتأمر، وإذنها سكوتها))(٢)
وألحقوا بالسكوت الضحك والبكاء، لما روى
أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَله: ((اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت
فهو إذنها، وإن أبتْ فلا جواز عليها))(٣) ولأنها
غير ناطقة بالامتناع مع سماعها للاستئذان،
فکان ذلك إذنا منها .
ولم يعتبر الحنفية والشافعية البكاء إن كان مع
الصياح والصوت، لأن ذلك يشعر بعدم
الرضا.
وقال المالكية : إن علم من بكائها أنه منعٌ لم
تزوج.
ونص الحنفية على عدم اعتبار الضحك إن
كان باستهزاء، لأن الضحك إنما جعل إذنا
(١) حديث: ((رضاها صماتها)). أخرجه البخاري (الفتح
١٩١/٩ - ط السلفية)
(٢) حديث: ((الأيّم أحق بنفسها ... )). أخرجه مسلم
(١٠٣٧/٢ ط الحلبي)
(٣) حديث: ((اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت ... ))
أخرجه الترمذي (٤٠٨/٣ ط الحلبي) وقال: حديث
حسن .
لدلالته على الرضا، فإذا لم يدل على الرضالم
یکن إذنا.
قال ابن عابدين نقلا عن الفتح: والمعول
اعتبار قرائن الأحوال في البكاء والضحك، فإن
تعارضت أو أشكل احتيط.(١)
وثمة تفصيلات واستثناءات تفصيلها في
(النكاح)
تعبير الرؤيا
انظر : رؤيا
(١) حاشية ابن عابدين ٢٩٩/٢، وحاشية الدسوقي ٢٢٧/٢
وما بعدها، ومغني المحتاج ٣/ ١٥٠، وكشاف القناع
٤٦/٥، ٤٧، والأشباه والنظائر لابن نجيم ١٥٤
وما بعدها، والأشباه والنظائر للسيوطي ١٤٢، ١٤٣
- ٢١٨ -
تعجيز ١ - ٣
تعجیز
التعريف :
١ - التعجيز لغة: مصدر عجّز. يقال: عجّزته
تعجيزا: إذا جعلته عاجزا، وعجّز فلان رأيَ
فلانٍ : إذا نسبه إلى خلاف الحزم، كأنه نسبه
إلى العجز.
وهو لا يخرج في الاصطلاح الفقهي عن هذا
المعنى، وهو: نسبة الشخص إلى العجز. (١)
ولكن الفقهاء لم يستعملوا هذا اللفظ إلا في
حالتين :
الأولى : تعجيز المكاتب.
والأخرى: تعجيز القاضي أحد الخصمين
عن إقامة البينة .
وفيما يلي بيان هاتين الحالتين إجمالا :
أولاً : تعجيز المكاتب :
٢ - اتفق الفقهاء على أن الكتابة عقد لازم من
جانب السيد، وهو: أن يتعاقد السيد مع عبده
أو أمته علی أن یؤدي إلیه کذا من المال منجزا،
أو مؤجلا، ویکون حرا. فلا يملك فسخها،
(١) لسان العرب، مادة: ((عجز))، وتبصرة الحكام ص ١٤٤
ولا يجوز تعجيز المكاتب قبل عجز المکاتب عن
أداء ما عليه .
أما إن حل النجم (القسط) فللسيد مطالبته
بما حل من نجومه، لأنه حق له.
فإن عجز المكاتب عنها، فهل يحق للسيد
فسخ الكتابة وتعجيز المكاتب أم لا؟ .
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية
والحنابلة: إلى أن للسيد أن يفسخ الكتابة
بنفسه، دون الرجوع إلى الحاكم أو السلطان،
إذا عجز المكاتب عن أداء ماعليه بعد حلول
النجم، لفعل ابن عمر رضي الله عنهما ذلك.
ویری المالکیة: أنه ليس له ذلك، إلا عن
طريق الحاكم أو السلطان. (١)
٣ - وذهب الجمهور كذلك - وهم: الحنفية
والمالكية والشافعية - إلى أنه يجوز للمكاتب أن
يعجز نفسه. كأن يقول: أنا عاجز عن كتابتي،
وعند ذلك يجوز للسيد الصبر أو الفسخ، إما عن
طريق الحاكم أو بنفسه. كما أن للقاضي أن
يعجزه إذا طلب ذلك السيد أوورثته، بعد
حلول النجم وعدم الوفاء بها كوتب عليه.
أما الحنابلة فيرون: أنه ليس للعبد أن يعجز
(١) البدائع ١٥٩/٤، جواهر الإكليل ٣٠٩/٢، ومغني
المحتاج ٤/ ٥٣٠، والمغني لابن قدامة ٤٦٨/٩
- ٢١٩ -
تعجيز ٤
نفسه إذا كان مقتدرا، لأن عقد الكتابة عندهم
لازم من الطرفين .
والتفاصيل في مصطلح: (كتابة).
ثانياً : عجز المدعي أو المدعى عليه :
٤ - أكثر من استعمل من الفقهاء لفظ التعجيز
هم المالكية، حيث ذهبوا: إلى أنه إذا انقضت
الآجال التي ضربها القاضي للمدعي لإِحضار
بينته، وفترة التّوم، ولم يأت الشخص المؤجل
بشيء يوجب له نَظِرَةً، عجَّزه القاضي، وأنفذ
القضاء عليه، وسجل، وقطع بدلك تبعته عن
خصمه، ثم لا يسمع له بعد ذلك حجة، ولا
تقبل منه بينة إن أتى بها، سواء أكان مدعيا أم
مدعی علیه.(١)
وذهب الشافعية والحنابلة: إلى أن المدعي
يمهل إذا طلب مهلة لإحضار البينة، ويترك
ماترك، لأنه هو الطالب للحق.
أما المدعى عليه فلا يمهل أكثر من ثلاثة
أيام، ثم يحكم بتعجيزه، ويسقط حقه في
الحلف، ثم يحلف المدعي فیحکم له.
أما الحنفية فيرون: أن القاضي يحكم
للمدعي على المدعى عليه بنفس النكول، بعد
أن يكرر عليه اليمين ثلاث مرات. (٢) لقوله {أَلآل
(١) تبصرة الحكام ١/ ١٤١، والقوانين الفقهية ٣٠٨
(٢) البدائع ٦/ ٢٢٤، والمجموع التكملة ١٥٨/٢٠، والمغني
لابن قدامة ٩/ ٧٩
((البينةُ على من ادعى، واليمين على من
أنكر)). (١)
والتفاصيل في مصطلح: (دعوى).
(١) حديث: ((البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)) هذا
الحدیث جزء من حديث أخرجه البيهقي (١٠/ ٢٥٢ط دار
المعارف) أوله ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال
أموال قوم ودماءهم، ولكن البيئة ... الخ)). (فتح الباري
٢٨٣/٥ط السلفية). وحسن ابن حجر إسناد الحديث.
- ٢٢٠ -