Indexed OCR Text

Pages 101-120

تصوير ٢١ - ٢٢
لا يحرم بالاتفاق، فتعين حمله على من قصد أن
يتحدى صنعة الخالق عز وجل ويفتري عليه بأنه
يخلق مثل خلقه .
٢١ - واستدلوا بقوله و # في حق المصورين ((إن
أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة
المصورون)) (١) قالوا: لوحمل على التصوير
المعتاد لكان ذلك مشكلا على قواعد الشريعة .
فإِن أشد مافيه أن يكون معصية كسائر
المعاصي ليس أعظم من الشرك وقتل النفس
والزنا، فکیف یکون فاعله أشد الناس عذابا،
فتعین حمله علی من صنع التماثیل لتعبد من دون
الله .
- واحتجوا أيضا بما يأتي من استعمال الصور
في بيت النبي وَ ل﴿ وبيوت أصحابه، ومن جملة
ذلك تعاملهم بالدنانير الرومية والدراهم
الفارسية دون نكير، وبالأحوال الفردية
للاستعمال الواقع منهم مما يرد ذكره في تضاعيف
هذا البحث، دون تأويل.
وقد نقل الألوسي هذا القول في تفسيره عند
تفسير الآية ((١٣)) من سورة سبأ، حيث ذكر أن
النحاس ومكي بن أبي طالب وابن الفرس
(١) حديث: ((إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة
المصورون)) أخرجه البخاري (الفتح ٣٨٢/١٠ - ط
السلفية) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
نقلوه عن قوم(١) ولم يعينهم. من أجل ذلك فإِن
هذا القول يغفل ذكره الفقهاء في كتبهم المطولة
والمختصرة، ويقتصرون في ذكر الخلاف على
الأقوال الآتية :
٢٢ - القول الثاني: وهو مذهب المالكية وبعض
السلف، ووافقهم ابن حمدان من الحنابلة، أنه
لا يحرم من التصاوير إلا ماجمع الشروط الآتية:
الشرط الأول: أن تكون صورة الإِنسان أو
الحيوان مما له ظل، أي تكون تمثالا مجسدا، فإِن
كانت مسطحة لم يحرم عملها، وذلك كالمنقوش .
في جدار، أو ورق، أو قماش. بل يكون
مكروها .
ومن هنا نقل ابن العربي الإجماع على أن
تصوير ماله ظل حرام .
الشرط الثاني : أن تكون كاملة الأعضاء، فإِن
كانت ناقصةَ عضوٍ مما لا يعيش الحيوان مع فقده
لم يحرم، كما لو صور الحيوان مقطوع الرأس أو
محروق البطن أو الصدر.
٠٠
(١) تفسير الألوسي المسمى روح المعاني (القاهرة، إدارة
الطباعة المنيرية ١٩٥٥م) ١٩/٢٢. ونسب في مجلة الوعي
الإسلامي (سنة ١٣٨٧ هـ العدد ٢٩ ص ٥٧، ٥٨ في مقال
للسيد محمد رجب البيلي إلى الشيخ عبدالعزيز جاويش.
- ١٠١ -

تصوير ٢٣ - ٢٤
الشرط الثالث: أن يصنع الصورة مما يدوم من
الحديد أو النحاس أو الحجارة أو الخشب أو نحو
ذلك، فإِن صنعها مما لا يدوم كقشر بطيخ أو
عجين لم يحرم، لأنه إذا نشف تقطع. على أن في
هذا النوع عندهم خلافا، فقد قال الأكثر
منهم: يحرم ولو كان مما لا يدوم.
ونقل قصر التحريم على ذوات الظل عن
بعض السلف أيضا كما ذكره النووي . (١)
وقال ابن حمدان من الحنابلة: المراد بالصورة
أي: المحرمة ما كان لها جسم مصنوع له طول
وعرض وعمق .
٢٣ - القول الثالث: أنه يحرم تصوير ذوات
الأرواح مطلقا، أي سواء أكان للصورة ظل أولم
يكن. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة .
وتشدد النووي حتى ادعى الإِجماع عليه. وفي
دعوى الإِجماع نظر یعلم مما يأتي . وقد شكك في
صحة الإِجماع ابن نجيم كما في الطحطاوي
على الدر، وهو ظاهر، لما تقدم من أن المالكية
لا يرون تحريم الصور المسطحة. لا يختلف
المذهب عندهم في ذلك.
(١) متن خليل، وعليه شرح الدردير وحاشية الدسوقي
٣٣٧/٢، ٣٣٨، وغذاء الألباب للسفاريني شرح منظومة
الآداب ٢/ ١٨٠، وشرح النووي على صحيح مسلم،
(القاهرة، المطبعة العصرية ١٣٤٩ هـ كتاب اللباس)
٨٠/١١، وفتح الباري ٣٨٨/١٠.
ولم نجد النص على ما نقل عن ابن العربي في أحكام
القرآن فلعله في غیر ذلك من کتبه .
وهذا التحریم عند الجمهور هو من حیث
الجملة. ويستثنى عندهم بعض الحالات المتفق
عليها أو المختلف فيها مما سيذكر فيما بعد.(١)
- والتصوير المحرم صرح الحنابلة بأنه من
الكبائر. قالوا: لما في الحديث من التوعد عليه
بقول النبي* ((إن أشد الناس عذابا يوم
القيامة المصوِّرون)). (٢)
أدلة القولين الثاني والثالث بتحريم التصوير من
حيث الجملة :
٢٤ - استند العلماء في تحريم التصوير من حيث
الجملة إلى الأحاديث التالية :
الحديث الأول: عن عائشة رضي الله
عنها قالت: ((قدم رسول الله وَالر من سفر، وقد
سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه
رسول الله ◌َل# هتكه، وتلون وجهه. فقال:
يا عائشة: أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين
(١) الطحطاوي على الدر المختار ٢٧٣/١، والأم للشافعي،
(القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٨١ هـ)
١٨٢/٦، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي
الشافعي ٢٨٢/٢، والإنصاف في معرفة الراجح من
الخلاف للمرداوي، الحنبلي، (القاهرة، مطبعة أنصار
السنة) ٤٧٤/١
(٢) كشاف القناع للبهوتي شرح الإقناع للحجاوي الحنبلي،
(الرياض، مكتبة النصر الحديثة) ٢٧٩/١، ٢٨٠،
والآداب الشرعية لابن مفلح ٥١٣/٣
وقد تقدم تخريج الحديث ف/ ٢١
- ١٠٢ -

تصوير ٢٤
يضاهون بخلق الله. قالت عائشة: فقطعناه
فجعلنا منه وسادة أو وسادتین). وفي رواية أنه
قال: ((إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة
الذين يشبهون بخلق الله))(١). وفي رواية أخرى
قال: ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم
القيامة، ويقال لهم: أحيوا ماخلقتم)).
وفي رواية: ((إنها قالت: فأخذت الستر
فجعلته مرفقة أو مرفقتين، فكان يرتفق بهما في
البيت)). وهذه الروايات متفق عليها. (٢)
هذا وإن قوله {آل#: ((إن أشد الناس عذابا
يوم القيامة المصورون)) رواه الشيخان أيضا
مرفوعا من حديث ابن مسعود رضي الله
عنه. (٣)
وقوله: ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون
يوم القيامة يقال لهم أحيوا ماخلقتم)) روياه أيضا
(١) حديث: (( يا عائشة، أشد الناس عذابا يوم القيامة
الذين ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٠ - ٣٨٧ - ط
السلفية) ومسلم (١٦٦٨/٣ ط الحلبي).
(٢) حديث: ((إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون
بخلق الله ... )). أخرجه مسلم (١٦٦٧/٣ ط الحلبي).
وحديث : ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم
القيامة ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٣٨٩/١٠ ط
السلفية)، ومسلم (١٦٦٩/٣ ط الحلبي) ورواية:
((فأخذت الستر فجعلته مرفقة)). أخرجه مسلم (٣/ ١٦٦٩
ط الحلبي).
(٣) الحدیث تقدم تخريجه ف ٢٣
من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
الحديث الثاني: عن عائشة رضي الله عنها
قال: «واعد رسول الله پڼ جبر یل أن يأتيه في
ساعة، فجاءت تلك الساعة ولم يأته. قالت :
وكان بيده عصا فطرحها، وهو يقول: مايخلف
الله وعده ولا رسله. ثم التفت، فإذا جرُ كلب
تحت سرير، فقال: متى دخل هذا الكلب؟
فقلت: والله مادريتُ به. فأمر به فأخرج، فجاءه
جبريل، فقال له رسول اللّه واصلت : وعدتني
فجلست لك ولم تأتني؟ فقال: منعني الكلب
الذي كان في بيتك. إنا لا ندخل بيتا فيه كلب
ولا صورة)). (١)
وروت ميمونة رضي الله عنها حادثة مثل
هذه، وفيها قول جبريل: ((إنا لا ندخل بيتا فيه
كلب ولا صورة)). (٢)
وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن
النبي ﴾ أخبره بحادثة جبريل، وما قال له.
وروى القصة أيضا أبوهريرة رضي الله عنه .
(١) حديث: ((واعد رسول الله (ِ# جبريل ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٩١/١٠ ط السلفية)، ومسلم
(١٦٦٤/٣ ط الحلبي).
(٢) حديث: ((إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة)) أخرجه
مسلم (٣/ ١٦٦٤ - ١٦٦٥ ط الحلبي).
- ١٠٣ -

تصوير ٢٤ - ٢٥
الحديث الثالث: عن أبي هريرة رضي اللّه
عنه أنه دخل دارا تبنى بالمدينة لسعيد، أو
لمروان، فرأى مصورا يصور في الدار، فقال
سمعت رسول الله وَ ل* يقول: ((قال الله تعالى:
ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي،
فلْيخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا
شعيرة)). (١)
الحديث الرابع: عن ابن عباس رضي الله
عنهما أنه جاءه رجل فقال: إني رجل أصور هذه
الصور فأفتني فيها. فقال: ادن مني، فدنا منه،
ثم قال: ادن مني، فدنا منه، حتى وضع يده
علی رأسه، وقال: أنبئك بما سمعت من رسول
اللّهِ ﴾. سمعت رسول اللهعوض الله يقول: ((كل
مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها
نفسا، فیعذبه في جهنم)). ثم قال: إن كنت
لا بد فاعلا فاصنع الشجر ومالا نفس له. (٢)
الحديث الخامس: عن أبي الهياج الأسدي
أن عليا رضي الله عنه قال له: ((ألا أبعثك على
ما بعثني عليه رسول الله مليار: ألا تدع صورة إلا
طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته)). (٣)
(١) الحدیث تقدم تخريجه ف/ ١٥
(٢) حديث: ((كل مصور في النار)). أخرجه مسلم (٣/ ١٦٧٠
ط الحلبي)
(٣) حديث: ((ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله وِّ آ))
أخرجه مسلم (٦٦٦/٢، ٦٦٧ ط الحلبي).
تعليل تحريم التصوير:
٢٥ - اختلف العلماء في علة تحريم التصوير على
وجوه :
الوجه الأول: أن العلة هي ما في التصوير
من مضاهاة خلق الله تعالى. وأصل التعليل
بذلك وارد في الأحاديث المتقدمة، كلفظ حديث
عائشة رضي الله عنها: ((الذين يضاهون بخلق
الله))(١) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه:
((ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي))(٢)
ويشهد لذلك حديث: ((من صوَّر صورة كلف
أن ينفخ فيها الروح))(٣) وحديث: ((أشد الناس
عذابا يوم القيامة المصورون. يقال لهم: أحيوا
ماخلقتم)). (٤)
ومما يكدر على التعليل بهذا أمران:
الأول: أن التعليل بهذا يقتضي منع تحريم
تصوير الشمس والقمر والجبال والشجر وغير
ذلك من غير ذوات الأرواح.
والثاني: أن التعليل بذلك يقتضي أيضا منع
تصوير لعب البنات والعضو المقطوع، وغير
(١) انفرد بهذه الرواية ورواية ((يشبهون بخلق)) عبد الرحمن بن
القاسم عن عائشة. وحديثه في صحيح البخاري (كتاب
اللباس ب ٩١) ومسلم (لباس ح٩١، ٩٢) والنسائي
(زينة باب ١١٢) وأحمد (٣٦/٦، ٨٣، ٢١٩).
(٢) الحديث تقدم تخريجه في الفقرة السابقة.
(٣) الحديث تقدم تخريجه ف/ ١٦
(٤) الحديث تقدم تخريجه ف١٥
- ١٠٤ -
....

تصویر ٢٥ - ٢٦
ذلك مما استثناه العلماء من قضية التحريم.
- من أجل ذلك ذهب بعض العلماء إلى أن
المقصود بالتعليل بهذه العلة من صنع الصورة
متحديا قدرة الخالق عز وجل، ورأى أنه قادر أن
يخلق كخلقه، فيريه الله تعالى عجزه يوم
القيامة، بأن يكلفه أن ينفخ الروح في تلك
الصور.
قال النووي: أما رواية ((أشد عذابا)) فهي
محمولة على من فعل الصورة لتعبد، وقيل: هي
فيمن قصد المعنى الذي في الحديث من مضاهاة
خلق الله، واعتقد ذلك، فهذا کافر له من أشد
العذاب ما للكفار، ويزيد عذابه بزيادة
كفره)).(١)
ويتأيد التعليل بهذا بأن الله تعالى قال شبيها
بذلك في حق من ادعى أنه ينزل مثل ما أنزل
الله، وأنه لا أحد أظلم منه، فقال تعالى :
﴿ومن أظلمُ ممن افترى على الله كَذِبا أو قالَ
أُوحي إلي ولم يوحَ إليه شيء، ومن قال سأُنْزلُ
مثلٌ ما أنزل الله ﴾(٢) فهذا فيمن ادعى مساواة
الخالق في أمره ووحیه، والأول فیمن ادعى
مساواته في خلقه، وكلاهما من أشد الناس
عذابا.
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (كتاب اللباس)
٠ ٩١/١١
(٢) سورة الأنعام/ ٩٣
ومما يحقق هذا ماتوحي به رواية أبي هريرة
رضي الله عنه أن اللّه تعالى يقول في الحديث
القدسي: ((ومن أظلم ممن ذهب یخلق خلقا
كخلقي)) فإن ((ذهب) بمعنى قصد، بذلك
فسرها ابن حجر. (١) وبذلك يكون معناها أنه
أظلم الناس بهذا القصد، وهو أن يقصد أن
يخلق كخلق الله تعالى.
ونقل الجصاص قولا أن المراد بهذه الأحاديث
((من شبه الله بخلقه)).
٢٦ - الوجه الثاني: كون التصوير وسيلة إلى
الغلو في غیر الله تعالی بتعظيمه حتی یئول الأمر
إلى الضلال والافتنان بالصور، فتعبد من دون
الله تعالى. وذلك أن النبي وصلة بعث والناس
ينصبون تماثيل يعبدونها، يزعمون أنها تقربهم
إلى الله زلفى، فجاء الإِسلام محطما للشرك
والوثنية، معلنا أن شعاره الأكبر (لا إله إلا الله)
ومسفها لعقول هؤلاء. ومن المناهج التي
سلكتها الشريعة الحكيمة لذلك - بالإِضافة إلى
الحجة والبيان والسيف والسنان - أن جاءت إلى
ما من شأنه أن يكون وسيلة إلى الضلال ولا
منفعة فيه، أو منفعته أقل، فمنعت إتيانه، قال
ابن العربي : والذي أوجب النهي عن التصوير
في شرعنا - والله أعلم - ماكانت العرب عليه من
عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون
(١) فتح الباري ٣٨٦/١٠
- ١٠٥ -

تصوير ٢٦ - ٢٧
ويعبدون، فقطع الله الذريعة، وحمى الباب.
ثم أشار ابن العربي أن التعليل بالمضاهاة
وهو منصوص، لا يمنع من التعليل بهذه العلة
المستنبطة، قال: نهى عن الصورة، وذكر علة
التشبه بخلق الله، وفيها زيادة على هذا عبادتها
من دون الله، فنبه على أن عملها معصية، فما
ظنك بعبادتها . (١)
- واستند القائلون بهذا الوجه في التعليل إلى
مافي صحيح البخاري في تفسير سورة نوح،
معلَّقا. عن عطاء عن ابن عباس في: ودّ،
وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. قال: ((هذه
أسماء رجال صالحین من قوم نوح، فلما هلكوا
أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى
مجالسهم التي كانوا يجلسون إليها أنصابا،
وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا
هلك أولئك، وتنسخ العلم، عبدت)). (٢)
لكن إلى أي مدى أرادت الشريعة المنع من
التصوير لتكفل سد الذريعة: هل إلى منع
التصوير مطلقا، أو منع الصور المنصوبة دون
غير المنصوبة، أومنع الصور المجسمة التي لها
ظل، لأنها التي كانت تعبد؟ هذا موضع
(١) أحكام القرآن لابن العربي ١٥٨٨/٤
(٢) أثر ابن عباس أخرجه البخاري (فتح الباري ٨/ ٦٦٦ ط
السلفية). وانظر تفسير ابن كثير والطبري في تفسير الآية
من سورة نوح، حیث نقلا روايات أخرى.
الخلاف بين العلماء.
وبناء على هذا الوجه رأى بعض العلماء أن
النبي # شدد أولا وأمر بكسر الأوثان ولطخ
الصور، ثم لما عرف ذلك الأمر واشتهر رخص في
الصور المسطحة وقال: ((إلا رَقْما في ثوب)).
٠
٢٧ - الوجه الثالث: أن العلة مجرد الشبه بفعل
المشركين الذين كانوا ينحتون الأصنام
ويعبدونها، ولو لم يقصد المصور ذلك، ولو لم
تعبد الصورة التي يصنعها، لكن الحال شبيهة
بالحال. كما نهينا عن الصلاة عند طلوع
الشمس وعند غروبها، لئلا نکون في ذلك مثل
من يسجد لها حينئذ. كما قال النبي ◌َّ: ((فإِنه
يسجد لها حينئذ الكفار)) (١) فكرهت الصلاة
حينئذ لما تجره المشابهة من الموافقة. أشار إلى هذا
المعنى ابن تيمية. ونبه عليه ابن حجر حيث
قال: إن صورة الأصنام هي الأصل في منع
التصوير(٢) لكن إذا قيل بهذه العلة فهي
لا تقتضي أكثر من الكراهة.
(١) حديث: ((وحينئذ يسجد لها الكفار)). أخرجه مسلم
(١/ ٥٧٠ ط الحلبي) من حديث عمرو بن عنبسه رضي الله
عنه .
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم،
(القاهرة، مطبعة أنصار السنة المحمدية، ١٣٦٩ هـ)
ص٦٣، وفتح الباري ٣٩٥/١٠
وفي مجلة المنار قال الشيخ محمد رشيد رضا إن هذه هي
العلة الحقيقية في التحريم (سنة ١٣٢٠ هـ المجلد
١٤٠/٥).
- ١٠٦ -
۔۔
١

تصوير ٢٨ - ٣١
٢٨ - الوجه الرابع: أن وجود الصورة في مكان
يمنع دخول الملائكة إليه. وقد ورد النص على
ذلك في حديث عائشة وحديث علي.
وردّ التعليل بهذا كثير من العلماء، منهم
الحنابلة، كما يأتي، وقالوا: إن تنصيص
الحديث على أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه
صورة لا يقتضي منع التصوير، كالجنابة، فإِنها
تمنع دخول الملائكة أيضا لما في بعض الروايات
((لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب
ولا جنب))(١) فلا يلزم من ذلك منع الجنابة .
ولعل امتناع دخول الملائكة إنما هو لكون
الصورة محرمة، كما يحرم على المسلم أن يجلس
على مائدة يدار عليها الخمر. فامتناع دخولهم
أثر التحريم، وليس علة. والله أعلم.
تفصيل القول في صناعة الصور:
أولا : الصور المجسمة (ذوات الظل).
٢٩ - صنعة الصور المجسمة محرمة عند جمهور
العلماء أخذا بالأدلة المسابقة .
ويستنثى منها ماكان مصنوعا كلعبة للصغار،
أو كان ممتهنا، أو كان مقطوعا منه عضولا يعيش
بدونه، أو كان مما لا يدوم كصور الحلوى أو
(١) حديث: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب
ولا جنب». أخرجه أبو داود (٤/ ٣٨٤ تحقيق عزت عبيد
دعاس). وفي إسناده جهالة، (الميزان للذهبي ٢٤٨/٤ ط
الحلبي).
العجين، على خلاف وتفصيل يتبين في المباحث
التالية .
ثانيا: صناعة الصور المسطحة :
القول الأول في صناعة الصور المسطحة :
٣٠ - مذهب المالكية ومن ذكر معهم جواز
صناعة الصور المسطحة مطلقا، مع الكراهة .
لکن إن کانت فیما یمتهن فلا کراهة بل خلاف
الأولى. وتزول الكراهة إذا كانت الصور
مقطوعة عضو لا تبقى الحياة مع فقده.
٣١ - ومن الحجة لهذا المذهب مايلي:
(١) حديث أبي طلحة وعنه زيد بن خالد
الجهني، ورواه سهل بن حنيف الصحابي رضي
الله عنهم، أن النبي وَلّم قال: ((لا تدخل الملائكة
بيتا فيه صورة، إلا رقما في ثوب))(١) فهذا
الحديث مقيد، فيحمل عليه كل ماورد من
النهي عن التصاوير ولعن المصورين.
(٢) حديث أبي هريرة مرفوعا أن النبي
قال: يقول الله تعالى: في الحديث القدسي
((ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي،
فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة)). (٢)
(١) حديث: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، إلا رقما في
ثوب)) أخرجه البخاري (الفتح ٣٨٩/١٠ ط السلفية)،
ومسلم (١٦٦٥/٣ ط الحلبي).
(٢) الحدیث تقدم تخريجه ف/ ١٥
- ١٠٧ -

تصوير ٣١
ووجه الاحتجاج به: أن الله تعالى لم يخلق
هذه الأحياء سطوحا، بل اخترعها مجسمة . (١)
(٣) استعمال الصور في بيت النبي ومَئية، كما
تقدم أنها جعلت الستر مرفقتين، فكان يرتفق
بهما، وفي بعض الروايات ((وإن فيهما الصور)).
وفي بعض روايات الحديث قالت: كان لنا
ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل
استقبله، فقال لي النبي ◌َّل: ((حولي هذا، فإني
كلما دخلت فرأيته، ذكرت الدنيا))(٢) فعلل
بذلك، وكان ◌َّر حريصا على ألا يشغله أمر
الدنيا وزهرتها عن الدعوة إلى الله والتفرغ
لعبادته. وذلك لا يقتضي التحريم على أمته.
وفي رواية أنس رضي الله عنه أنه قال لها :
((أميطي عنا قرامك هذا، فإِن تصاويره لا تزال
تعرض لي في صلاتي)) (٣) وعلل في رواية ثالثة
بغير هذا عندما هتك الستر فقال ((ياعائشة
لا تستري الجدار))(٤) وقال ((إن الله لم يأمرنا أن
نكسو الحجارة والطين)). (٥)
(١) ذكر هذا المعنى ابن حجر في الفتح ٣٨٦/١٠
(٢) حديث: ((حولي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت
الدنيا)). أخرجه مسلم (١٦٦٦/٣ ط الحلبي).
(٣) حديث ((أميطي عنا قرامك هذا، فإنه ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١ /٤٨٤ ط السلفية).
(٤) حديث: ((ياعائشة لا تسترى الجدار)) أخرجه الطحاوي في
شرح معاني الآثار (٤ / ٢٨٣ ط مطبعة الأنوار المحمدية).
(٥) حديث: ((إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين))
أخرجه مسلم (١٦٦٦/٣ ط الحلبي) من حديث عائشة
رضي الله عنها .
ويوضح هذا المعنى جلیا حدیث سفينة
رضي اللّه عنه مولى النبي وَس#، أن علي بن أبي
طالب رضي الله عنه دعا النبي مَّه إلى بيته،
فجاء فوضع يده فرجع، فقالت فاطمة لعلي :
الحقه فانظر ما رجعه. فتبعه، فقال:
يارسول الله ما ردك؟ قال: ((إنه ليس لي - أو
قال: لنبي - أن يدخل بيتا مزوقا)). (١)
ورواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عند
البخاري وأبي داود وفي روايته: ((فرأى سترا
موشيا))، وفيها أنه مَ ل ◌ّ قال ((ما لنا وللدنيا، ما لنا
وللرقم)» فقالت فاطمة فما تأمرنا فيه؟ قال:
ترسلين به إلى أهل حاجة)). (٢) وفي رواية
النسائي أنه كان في الستر تصاوير. (٣)
(٤) استعمال النبي مَله وأصحابه الدنانير
الرومية والدراهم الفارسية وعليها صور ملوكهم
ولم يكن عندهم نقود غيرها إلا الفلوس. وقد
ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه - علی ما
تذكره الكتب المؤلفة في تاريخ النقود - الدراهم
على السكة الفارسية، فكان فيها الصور،
(١) حديث: ((إنه ليس لي - أو قال: لنبي - أن يدخل بيتا
مزوقا)) أخرجه أبو داود (١٣٣/٤ - تحقيق عزت عبيد
دعاس). وصححه ابن حبان مختصرا (ص٣٥٢ - موارد
الظمآن - ط السلفية) ..
(٢) حديث: ((مالنا وللدنيا، ما لنا وللرقم)) أخرجه البخاري
(الفتح ٢٢٨/٥ ط السلفية) وأبو داود (٤ /٣٨٢ - تحقيق
عزت عبيد دعاس).
(٣) جامع الأصول ٨١٥/٤
- ١٠٨ -

1
i
1
تصوير ٣١
وضرب الدنانير معاوية رضي الله عنه وعليها
الصور بعد أن محا منها الصليب، وضربها
عبد الملك وعليها صورته متقلدا سيفا، ثم
ضربها عبدالملك والوليد خالية من الصور. (١)
(٥) ما نقل عن بعض الصحابة والتابعين من
استعمال الصور في الستور وغيرها من
المسطحات. من ذلك استعمال زید بن خالد
الجهني رضي الله عنه للستور ذات الصور،
وحديثه في الصحيحين. واستعمله أبو طلحة
رضي الله عنه وأقره سهل بن حنيف رضي الله
عنه، وحديثهما في الموطأ وعند الترمذي
والنسائي. واعتمدوا على ما رووه عن النبي ◌َّ
من قوله ((إلا رقما في ثوب)).
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة بن الزبير أن
عروة كان يتكىء على المرافق (الوسائد) التي
فيها تصاوير الطير والرجال. (٢)
وروى الطحاوي بأسانيده أن نقش خاتم
عمران بن حصين الصحابي رضي الله عنه كان
رجلا متقلدا سيفا. وأن نقش خاتم النعمان بن
مقرن رضي الله عنه قائد فتح فارس، كان أيلا
(١) راجع لهذا كتاب: الدينار الإِسلامي في المتحف العراقي،
للسيد ناصر النقشبندي، (بغداد، المجمع العلمي العراقي
١٣٧٢ هـ) ص١٧، ١٨، ٢٠، ٢٤، ٨٢، وكتاب النقود
العربية وعلم النمنمات لانستاس الكرملي وفي ضمنه كتاب
المقريزي في النقود الإِسلامية .
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٥٠٦ ط الهند
قابضا إحدى يديه باسطا الأخرى، وعن
القاسم قال کان نقش خاتم عبدالله ذبابان،
وكان نقش خاتم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه
کرکیان، وروي أن نقش خاتم أبي هريرة
رضي الله عنه ذبابتان . (١)
ونقل ابن أبي شيبة بسنده عن ابن عون أنه
دخل على القاسم بن محمد بن أبي بكر
الصديق رضي الله عنهم وهو بأعلى مكة ببيته،
قال: فرأيت في بيته حجلة فيها تصاوير القندس
والعنقاء. قال ابن حجر: والقاسم بن محمد
أحد فقهاء المدينة، وهوراوي حديث عائشة،
وكان من أفضل أهل زمانه. (٢)
وروى أحمد بسنده عن المسوربن مخرمة
رضي الله عنه قال: دخلت على ابن عباس
رضي الله عنهما أعوده من وجع كان به. قلت:
فما هذه التصاوير في الكانون؟ قال: ألا ترى قد
أحرقناها بالنار. فلما خرج المسور قال: اقطعوا
رءوس هذه التماثيل. قالوا: يا أبا العباس لو
ذهبت بها إلى السوق كان أنفق لها .
قال: لا. فأمر بقطع رءوسها. (٣)
(١) معاني الآثار للطحاوي ٤/ ٢٦٣، ٢٦٦
(٢) مصنف ابن أبي شيبة، ط الهند ٥٠٩/٨، ونقله ابن حجر
في الفتح ٣٨٨/١٠
(٣) مسند أحمد ٣٢٠/١
- ١٠٩ -

تصوير ٣٢ - ٣٣
القول الثاني في صناعة الصور غير ذوات الظل
(أي المسطحة):
٣٢ - إنها محرمة كصناعة ذوات الظل. وهذا
قول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية
والحنابلة، ونقل عن كثير من السلف.
واستثنى بعض أصحاب هذا القول الصور
المقطوعة والصور الممتهنة وأشياء أخرى كما
سيأتي في بقية هذا البحث.
واحتجوا للتحريم بإِطلاق الأحاديث الواردة
في لعن النبي م ### للمصورين، وأن المصور
يعذب يوم القيامة بأن یکلف بنفخ الروح في كل
صورة صورها. خرج من ذلك صور الأشجار
ونحوها مما لا روح فيه بالأدلة السابق ذكرها،
فيبقى ماعداها على التحريم. قالوا: وأما
الاحتجاج لإِباحة صنع الصور المسطحة
باستعمال النبي ◌ُّ الوسادتين اللتين فيهما
الصور، واستعمال الصحابة والتابعين لذلك،
فإِن الاستعمال للصورة حیث جاز لا يعني جواز
تصويرها، لأن النص ورد بتحريم التصوير
ولعن المصور، وهو شيء آخر غير استعمال مافيه
الصورة. وقد علل في بعض الروايات بمضاهاة
خلق الله والتشبيه به، وذلك إثم غير متحقق في
الاستعمال. (١)
ثالثا: الصور المقطوعة والصور النصفية
ونحوها :
٣٣ - تقدم أن المالكية لا يرون تحريم تصوير
الإنسان أو الحيوان - سواء أكانت الصورة تمثالا
مجسما أو صورة مسطحة - إن كانت ناقصةً عضوٍ
من الأعضاء الظاهرة مما لا يعيش الحيوان
بدونه. كما لو كان مقطوع الرأس، أو كان
محروق البطن أو الصدر.
وكذلك يقول الحنابلة، كما جاء في المغني :
«إذا كان في ابتداء التصويرة صورة بدن بلا رأس
أو رأس بلا بدن، أو جعل له رأس وسائر بدنه
صورة غير حيوان، لم يدخل في النهي . وفي
الفروع: إن أزيل من الصور مالا تبقى الحياة
معه لم يكره، في المنصوص. ومثله صورة شجرة
ونحوه وتمثال، وكذا تصويره(١)
وهذا مذهب الشافعية أيضا، ولم ينقل بينهم
في ذلك خلاف إلا ماشذ به المتولي، غير أنهم
اختلفوا فيما إذا كان المقطوع غير الرأس وقد بقي
الرأس. والراجح عندهم في هذه الحالة
التحريم، جاء في أسنى المطالب وحاشيته
للرملي: وكذا إن قطع رأس الصورة. قال
الكوهكيوني : وكذا حكم ماصور بلا رأس، وأما
(١) ابن عابدين ١/ ٤٣٧
(١) المغني ٧ / ٧، وانظر كشاف القناع ١٧١/٥، والخرشي
٣٠٣/٣، والفروع ٣٥٢/١، ٣٥٣
- ١١٠ -

تصوير ٣٤ - ٣٦
الرءوس بلا أبدان فهل تحرم؟ فيه تردد. والحرمة
أرجح. قال الرملي: وهما وجهان في الحاوي
وبناهما على أنه هل يجوز تصوير حيوان لا نظير
له: إن جوزناه جاز ذلك، وإلا فلا، وهو
الصحيح. ويشملهما قوله: ويحرم تصوير
حيوان .
وظاهر ما في تحفة المحتاج جوازه، فإِنه قال :
وكفقد الرأس فقد مالا حياة بدونه .(١)
رابعا: صنع الصور الخيالية :
٣٤ - ينص الشافعية على أن الصور الخيالية
للإِنسان أو الحيوان داخلة في التحريم. قالوا:
يحرم، كإنسان له جناح، أو بقرله منقار، مما
ليس له نظير في المخلوقات. وکلام صاحب
روض الطالب يوحي بوجود قول بالجواز.
وواضح أن هذا في غير اللعب التي
للأطفال، وقد ورد في حديث عائشة رضي الله
عنها: «أنه کان في لعبها فرس له جناحان،
وأن النبي ◌َ # ضحك لما رآها حتى بدت
نواجذه)). (٢)
(١) تحفة المحتاج ٧/ ٤٣٤، وأسنى المطالب وحاشيته
٢٢٦/٣، والقليوبي على شرح المنهاج ٢٩٧/٣
(٢) أسنى المطالب ٢٢٦/٣، والقليوبي على المنهاج ٢٩٧/٣،
وحواشي تحفة المحتاج ٤٣٤/٧
وحديث عائشة سيأتي تخريجه ف/ ٣٨
خامسا: صنع الصور الممتهنة :
٣٥ - يأتي أن أغلب العلماء على جواز اقتناء
واستعمال الصور المجسمة والمسطحة. سواء
أكانت مقطوعة أم كاملة، إذا كانت ممتهنة،
كالتي على أرض أوبساط أو فراش أو وسادة أو
نحو ذلك.
وبناء على هذا، ذهب بعض العلماء إلى
جواز صنع مایستعمل على ذلك الوجه، كنسج
الحرير لمن يحل له.
وهو في الجملة مذهب المالكية، إلا أنه
عندهم خلاف الأولى .
وعند الشافعية وجهان: أصحهما التحريم.
وهو مذهب الحنفیة کما صرح به ابن عابدين.
ونقل ابن حجر عن المتولي من الشافعية أنه أجاز
التصوير على الأرض. (١)
ولم نجد للحنابلة تصريحا في هذه المسألة
فالظاهر أنه عندهم مندرج في تحريم التصوير.
وسيأتي تفصيل القول في معنى الامتهان.
سادسا: صناعة الصور من الطين والحلوى
وما يسرع إليه الفساد:
٣٦ - للمالكية قولان في صناعة الصور التي
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٣٨/٢، ومنح
الجليل شرح مختصر خليل ٢/ ١٦٧، وحاشية عميرة على
شرح المنهاج ٢٩٧/٣١، ٢٩٨، ونهاية المحتاج ٣٦٩/٦،
وأسنى المطالب بحاشية الرملي ٢٢٦/٣، وابن عابدين
٤٣٧/١
- ١١١ -

تصوير ٣٧ - ٣٨
لا تتخذ للإِبقاء، كالتي تعمل من العجين.
وأشهر القولين المنع. وكذا نقلهما العدوى وقال:
إن القول بالجواز هو الأصبغ. ومثل له بما يصنع
من عجين أو قشر بطيخ، لأنه إذا نشف تقطع .
وعند الشافعية: يحرم صنعها ولا يحرم
بيعها . (١)
ولم نجد عند غيرهم نصا في ذلك.
سابعا: صناعة لعب البنات :
٣٧ - استثنى أكثر العلماء من تحريم التصوير
وصناعة التماثيل صناعة لعب البنات. وهو
مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.
وقد نقل القاضي عياض جوازه عن أكثر
العلماء، وتابعه النووي في شرح مسلم، فقال:
يستثنى من منع تصوير ماله ظل، ومن اتخاذه
لعب البنات، لما ورد من الرخصة في ذلك.
وهذا يعني جوازها، سواء أكانت اللعب
على هيئة تمثال إنسان أو حيوان، مجسمة أو غير
مجسمة، وسواء أكان له نظير في الحيوانات أم
لا، کفرس له جناحان.
وقد اشترط الحنابلة للجواز أن تكون
مقطوعة الرءوس، أو ناقصة عضو لا تبقى الحياة
بدونه. وسائر العلماء على عدم اشتراط
(١) فتح الباري ٣٨٨/١٠، والدسوقي ٣٣٧/٢، والخرشي
٣٠٣/٣، والقليوبي على شرح المنهاج ٢٩٧/٣
ذلك.(١)
٣٨ - واستدل الجمهور لهذا الاستثناء بحديث
عائشة رضي الله عنها قالت: ((كنت ألعب
بالبنات عند النبي ◌ّر، وكان لي صواحب
يلعبن معي، فكان رسول الله (38 إذا دخل
يتقمعن منه، فيسربهن إلي، فيلعبن معي)).(٢)
وفي رواية قالت: ((قدم رسول اللّه اوقضائية من
غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت
ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة
لعب، فقال: ماهذا يا عائشة؟ قالت: بناتي.
ورأى بينهن فرسا لها جناحان من رقاع، فقال:
ماهذا الذي أری وسطهن؟ قالت: فرس.
قال: وماهذا الذي عليه؟ قالت: جناحان.
فقال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن
لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك
رسول الله وَ﴾ حتى رأيت نواجذه)). (٣)
وقد علل المالكية والشافعية والحنابلة هذا
الاستثناء لصناعة اللعب بالحاجة إلى تدريبهن
على أمر تربية الأولاد.
(١) فتح الباري ٣٩٥/١٠، ٥٢٧، وحاشية الدسوقي
٣٣٨/٢، وأسنى المطالب وحاشية الرملي ٢٢٦/٣، ونهاية
المحتاج ٢٩٧/٦، وكشاف القناع ١/ ٢٨٠
(٢) حديث عائشة: ((كنت ألعب بالبنات ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٥٢٦/١٠ ط السلفية).
(٣) حديث عائشة: ((قدم رسول الله ﴾ من غزوة خيبر ... ))
أخرجه أبو داود (٢٢٧/٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
وإسناده صحيح.
- ١١٢ -

تصوير ٣٨ - ٤٠
وهذا التعليل يظهر فيما لو كانت اللعب على
هيئة إنسان، ولا يظهر في أمر الفرس الذي له
جناحان، ولذا علل الحليمي بذلك وبغيره،
وهذا نص كلامه، قال: للصبايا في ذلك
فائدتان: إحداهما عاجلة والأخرى آجلة. فأما
العاجلة، فالاستئناس الذي في الصبيان من
معادن النشوء والنمو. فإِن الصبي إن كان أنعم
حالا وأطيب نفسا وأشرح صدرا كان أقوى
وأحسن نموا، وذلك لأن السرور يبسط القلب،
وفي انبساطه انبساط الروح، وانتشاره في
البدن، وقوة أثره في الأعضاء والجوارح.
وأما الآجلة فإِنهن سيعلمن من ذلك معالجة
الصبيان وحبهم والشفقة عليهم، ويلزم ذلك
طبائعهن، حتى إذا كبرن وعاين لأنفسهن
ماكن تسرين به من الأولاد كن لهم بالحق كما كن
لتلك الأشباه بالباطل . (١)
هذا وقد نقل ابن حجر في الفتح عن البعض
دعوى أن صناعة اللعب محرمة، وأن جوازها
كان أولا، ثم نسخ بعموم النهي عن التصوير. (٢)
ويرده أن دعوى النسخ معارضة بمثلها، وأنه
قد يكون الإذن باللعب لاحقا.
(١) المنهاج في شعب الإِيمان للحليمي، (بيروت، دار الفكر،
١٣٩٩ هـ. ب٤١ الملاعب والملاهي) ٣/ ٩٧
(٢) فتح الباري ١٠/ ٣٩٥
على أن في حديث عائشة رضي الله عنها في
اللعب مايدل على تأخره، فإن فيه أن ذلك كان
عند رجوع النبي وصّل٣ من غزوة تبوك، فالظاهر
أنه كان متأخرا .
ثامنا: التصوير للمصلحة كالتعليم وغيره :
٣٩ - لم نجد أحدا من الفقهاء تعرض لشيء من
هذا، عدا ما ذكروه في لعب الأطفال: أن العلة
في استثنائها من التحريم العام هو تدريب
البنات على تربية الأطفال كما قال جمهور
الفقهاء، أو التدريب واستئناس الأطفال وزيادة
فرحهم لمصلحة تحسين النموكما قال الحليمي،
وأن صناعة الصور أبيحت لهذه المصلحة، مع
قیام سبب التحريم، وهي كونها تماثيل لذوات
الأرواح. والتصوير بقصد التعليم والتدريب
ونحوهما لا يخرج عن ذلك.
القسم الثالث :
اقتناء الصور واستعمالها :
٤٠ - يذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يلزم من
تحريم تصوير الصورة تحريم اقتنائها أو تحريم
استعمالها، فإِن عملية التصوير لذوات الأرواح
وَرَدَ فيها النصوص المشدّدة السابق ذكرها، وفيها
لعن المصور، وأنه يعذب في النار، وأنه أشد
الناس أو من أشد الناس عذابا. ولم يرد شيء
من ذلك في اقتناء الصور، ولم تتحقق في
مستعملها علة تحريم التصوير من المضاهاة
- ١١٣ -

تصوير ٤٠ - ٤١
لخلق الله تعالى .
ومع ذلك فقد ورد مايدل على منع اقتناء
الصورة أو استعمالها، إلا أن الأحاديث الواردة في
ذلك ليس فيها ذکر عذاب أو أي قرينة تدل على
أن اقتناءها من الكبائر. وبهذا يكون حكم مقتني
الصورة التي يحرم اقتناؤها: أنه قد فعل صغيرة
من الصغائر، إلا على القول بأن الإصرار على
الصغيرة كبيرة، فيكون كبيرة إن تحقق
الإِصرار لا إن لم يتحقق، أولم نَقُلْ بأن
الإصرار على الصغيرة من الكبائر.
وقد نبّه إلى الفرق بين التصویر وبین اقتناء
الصور في الحكم النوويُّ في شرحه لحديث
الصور في صحيح مسلم، ونبه إليه الشبراملسي
من الشافعية أيضا، وعليه يجري كلام أكثر
الفقهاء. (١)
والأحاديث الدالة على منع اقتناء الصور
منها :
(١) أن النبي وَ ﴾ («هتك الستر الذي فيه
الصورة)) وفي رواية قال لعائشة: ((أخريه
عني)). (٢) وتقدم .
(٢) ومنها أنه قال: «إن البيت الذي فيه
الصور لا تدخله الملائكة)). (٣)
(١) شرح صحيح مسلم للنووي ١١/ ٨٠، وحاشية
الشبراملسي على شرح المنهاج للنووي ٢٨٩/٣
(٢) سبق تخريج الحديث بهذا المعنى ف/ ٢٦
(٣) الحدیث تقدم تخريجه ف/ ٢٦
(٣) ومنها حديث علي بن أبي طالب
رضي الله عنه أن النبي _ أرسله إلى المدينة
وقال: ((لا تدع صورةً إلا طمستها ((وفي رواية :
إلا لطختها)) ولا قبرا مشرفا إلا سويته)) وفي
رواية: ((ولا صنما إلا كسرته)). (١)
٤١ - وفي مقابل ذلك نقل استعمال النبي رِمثل
وأصحابه والتابعين لأنواع من الصور لذوات
الروح. وقد تقدم ذكر الروايات المبينة لذلك فيما
تقدم (ف/٣١) ونزيد هنا ما روي أن خاتم
دانيال النبي - عليه السلام - كان عليه أسد
ولبؤة وبينهما صبيّ يلمسانه. وذلك أن بختنصر
قیل له: يولد مولود یکون هلاکك علی یده،
فجعل يقتل كل مولود يولد. فلما ولدت أم
دانيال ألقته في غيضة رجاء أن يَسْلَم. فقيّض
الله له أسدا يحفظه ولبؤة ترضعه. فنقشه على
خاتمه ليكون بمرأى منه ليتذكر نعمة الله.
ووجدت جثة دانيال والخاتم في عهد عمر
رضي الله عنه فدفع الخاتم إلى أبي موسى
الأشعري . (٢) فهذا فعل صحابيين.
وسيأتي بيان أقوال الفقهاء فيما يجوز استعماله
من الصور ومالا يجوز، وتوفیقهم بين هذه
الأحاديث المتعارضة.
(١) الحدیث تقدم تخريجه بهذا المعنى ف/ ٢٤
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٢٣٨ ، وتاريخ ابن كثير
٧/ ٨٨، واقتضاء الصراط المستقيم (ط ١٣٦٩ هـ)
ص ٣٣٩
- ١١٤ -

تصوير ٤٢
البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة :
٤٢ - ثبت هذا بهذا اللفظ من قول النبي ◌َّ ر في
الصحيحين وغيرهما من رواية عائشة، وابن
عباس، وابن عمر. وفي غير الصحيحين من
رواية علّي وميمونة وأبي سعيد وأبي طلحة
وزيد بن خالد وغيرهم رضي الله عنهم
أجمعين.
قال النووي : قال العلماء: سبب امتناعهم
من دخول بيت فيه صورة کونها معصية فاحشة،
وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في
صورة مایعبد من دون الله، فعوقب متخذها
بحرمانه دخول الملائكة بیته، وصلاتها فيه،
واستغفارها له، وتبر یکھا علیه وفي بيته، ودفعها
أذى الشيطان .
وقال القرطبي كما في الفتح: إنما لم تدخل لأن
متخذ الصور قد تشبه بالكفار الذين يتخذون
الصور في بيوتهم ويعظمونها، فكرهت الملائكة
ذلك. قال النووي: وهؤلاء الملائكة الذين لا
يدخلون بيتا فيه صورة هم ملائكة الرحمة. وأما
الحفظة فیدخلون كل بيت، ولا یفارقون بني آدم
في حال، لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم
وکتابتها. ثم قال النووي : وهو عامّ في كل
صورة حتی مایمتهن. ونقل الطحطاوي عنه:
أنها تمتنع من الدخول حتى من الصور التي على
الدراهم والدنانير .
وفي قول النووي هذا مبالغة وتشدد ظاهر،
فإِن في حديث عائشة رضي الله عنها: أنها
هتکت الستر وجعلت منه وسادتین، فكان
النبي وَ ل# يتكىء عليهما وفيهما الصور. وكان لا
يتحرّج من إبقاء الدنانير أو الدراهم في بيته
وفيها الصور. ولو كان ذلك يمنع دخول الملائكة
بيته ما أبقاها فيه. ولذا قال ابن حجر: يترجح
قول من قال: إن الصورة التي تمتنع الملائكة من
دخول المكان الذي تكون فيه هي التي تكون
على هيئتها مرتفعة غير ممتهنة، فأما لو كانت
ممتهنة، أو غير ممتهنة لكّنها غيّرّت هيئتها بقطعها
من نصفها أو بقطع رأسها، فلا امتناع. (١)
وفي كلام ابن عابدين مايدل على أن ظاهر
مذهب الحنفية: أن كل صورة لا يكره إبقاؤها في
البيت، لا تمنع دخول الملائكة، سواء الصور
المقطوعة أو الصور الصغيرة أو الصور المهانة، أو
المغطّاة ونحوذلك، ولأنه ليس في هذه الأنواع
تشبّه بعبّادها، لأنهم لا يعبدون الصور الصغيرة
أو المهانة، بل ينصبونها صورة كبيرة، ويتوجهون
إليها . (٢)
وقال ابن حبان: إن عدم دخول الملائكة بيتا
فيه صور خاص بالنبي ◌َّر. قال: وهو نظير
(١) شرح النووي لصحيح مسلم ٨٤/١١، وفتح الباري
٣٩١/١٠، ٣٩٢.
(٢) ابن عابدين ١/ ٤٣٧
- ١١٥ -

تصوير ٤٣ - ٤٤
الحديث الآخر: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها
جرس))(١) إذ هو محمول على رفقة فيها
رسول اللّه وَلفر، إذ محال أن يخرج الحاج والمعتمر
لقصد البيت على رواحل لا تصحبها الملائكة
وهم وفد الله. ومآل هذا القول أن المراد بالملائكة
ملائكة الوحي، وهو جبر یل علیه السلام دون
غيره من الملائكة. ونقله ابن حجر عن الداودي
وابن وضّاح، ومآله إلى اختصاص النهي بعهد
النبي ، وبالمكان الذي يكون فيه، وأن
الكراهة انتهت بوفاته 80# لأن الوحي قد انقطع
من السماء. (٢)
اقتناء واستعمال صور المصنوعات البشرية
والجوامد والنباتات :
٤٣ - يجوز اقتناء واستعمال صور المصنوعات
البشرية والجوامد والنباتات، وسواء أكانت
منصوبة أو معلّقة أو موضوعة ممتهنة، وكذلك لو
كانت منقوشة في الحوائط أو السقوف أو الأرض،
وسواء كانت مسطحة کما هو معهود، أو مجسمة
كالزهور والنباتات الاصطناعية، ونماذج السفن
والطائرات والسيارات والمنازل والجبال وغيرها،
ومجسمات تماثيل القبة السماوية بما فيها من
الكواكب والنجوم والقمرين. وسواء استعمل
(١) حديث: ((لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس)). أخرجه
مسلم (١٦٧٢/٣ ط الحلبي).
(٢) فتح الباري ٣٨٢/١٠
ذلك لحاجة ونفع، أو لمجرد الزينة والتجميل :
فكل ذلك لا حرج فيه شرعا، إلا أن يحرم
لعارض، كما لو كان خارجا عن المعتاد إلى حدّ
الإِسراف، على الأصل في سائر المقتنيات.
اقتناء واستعمال صور الإِنسان والحيوان :
٤٤ - يجمع العلماء على تحريم استعمال نوع من
الصور، وهو ماكان صنما يعبد من دون الله
تعالى. وأما ماعدا ذلك فإِنه لا يخلو شيء منه
من خلاف. إلا أن الذي تكاد تتفق كلمة
الفقهاء على منعه: هو ماجمع الأمور التالية :
أ - أن يكون صورة لذي روح إن كانت
الصورة مجسّمة .
ب - أن تكون كاملة الأعضاء، غير مقطوعة
عضو من الأعضاء الظاهرة التي لا تبقى الحياة
مع فقدها.
جـ - أن تكون منصوبة أو معلقة في مكان
تكريم، لا إن كانت ممتهنة.
د - أن لا تكون صغيرة.
هـ - أن لا تكون من لعب الأطفال أو
نحوها .
و۔ أن لا تکون مما يسرع إليه الفساد .
وقد خالف فيما جمع هذه الشروط قوم لم
يسمّوا، كما تقدم نقله إلا أنه خلاف ضعيف.
ونحن نبين حكم كل نوع مما خرج عن هذه
الشروط .
- ١١٦ -

تصوير ٤٥ - ٤٧
أ - استعمال واقتناء الصور المسطحة :
٤٥ - يرى المالكية ومن وافقهم أن استعمال
الصور المسطحة ليس محرما، بل هو مكروه إن
كانت منصوبة، فإِن كانت ممتهنة فاستعمالها
خلاف الأولى .(١)
أما عند غير المالكية: فالصور المسطحة
والمجسمة سواء في التحريم من حيث
الاستعمال، إذا تمت الشروط على ماتقدم .
ب - استعمال واقتناء الصور المقطوعة :
٤٦ - إذا كانت الصورة - مجسّمة كانت أو
مسطحة - مقطوعة عضولا تبقى الحياة معه،
فإِن استعمال الصورة حينئذ جائز، وهذا قول
جماهير العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة. وقد وافق على الإِباحة هنا بعض من
خالف، فرأى تحريم التصوير ولكن لم يرد تحريم
الاقتناء، كالشافعية. وسواء أكانت الصورة قد
صنعت مقطوعة من الأصل، أو صوّرت كاملة
ثم قطع منها شيء لا تبقى الحياة معه. وسواء
أكانت منصوبة أو غير منصوبة كما يأتي في
المسألة التالية.
٤٧ - والحجة لذلك ما مرّ أن جبريل قال للنبي
حَ* («مُرْ برأس التمثال فليقطع حتى يكون كهيئة
الشجرة))(٢) وفي رواية أنه قال: ((إن في البيت
(١) الدسوقي ٣٣٨/٢، وشرح منح الجليل ١٦٧/٢
(٢) تقدم تخريجه ف/ ١٦
سترا، وفي الحائط تماثيل، فاقطعوا رءوسها
فاجعلوها بساطا أو وسائد فأوطئوه، فإنا
لا ندخل بيتا فیه تماثيل)»(١)
ولا يكفي أن تكون قد أزيل منها العينان أو
الحاجبان أو الأيدي أو الأرجل، بل لابد أن
يكون العضو الزائل مما لا تبقى الحياة معه،
كقطع الرأس أو محو الوجه، أو خرق الصدر أو
البطن. قال ابن عابدين: وسواء أكان القطع
بخيط خيط على جميع الرأس حتى لم يبق له
أثر، أو بطليه بمغرة، أو بنحته، أو بغسله. وأما
قطع الرأس عن الجسد بخيط مع بقاء الرأس
على حاله فلا ينفي الكراهة، لأن من الطيور
ماهو مطوّق فلا يتحقق القطع بذلك.
وقال صاحب شرح الإِقناع من الحنابلة: إن
قطع من الصورة رأسها فلا كراهة، أو قطع منها
مالا تبقى الحياة بعد ذهابه فهو كقطع الرأس
كصدرها أو بطنها، أو جعل لها رأسا منفصلا عن
بدنها لأن ذلك لم يدخل في النهي .
وقال صاحب منح الجليل من المالكية: إن
ما يحرم ما يكون كامل الأعضاء الظاهرة التي
لا یعیش بدونها ولها ظل.
(١) حديث: ((إن في البيت سترا وفي الحائط تماثيل ... ))
أخرجه أحمد (٣٠٨/٢ ط اليمنية) من حديث أبي هريرة،
وأخرجه الترمذي (٢٨٠٦ ط الحلبي) بألفاظ متقاربة.
وقال: حسن صحيح.
- ١١٧ -

تصویر ٤٨ - ٤٩
غير أن الشافعية اختلفوا فيما لو كان الباقي
الرأس، علی وجھین:
أحدهما: يحرم وهو الراجح، والآخر: لا
يحرم. وقطع أي جزء لا تبقى الحياة معه يبيح
الباقي، كما لو قطع الرأس وبقي ماعداه. (١)
جاء في أسنى المطالب وحاشيته: وكذا إن
قطع رأسها، قال: الکوهکیوني: وكذا حکم
ماصور بلا رأس، وأما الرءوس بلا أبدان فهل
تحرم؟ فيه تردد. والحرمة أرجح. قال الرملي:
وهو وجهان في الحاوي، وبناهما على أنه هل
يجوز تصویر حیوان لا نظير له: إن جوزناه جاز
ذلك وإلا فلا، وهو الصحيح.
وفي حاشية الشرواني وابن قاسم: إنَّ فقد
النصف الأسفل كفقد الرأس.
٤٨ - ويكفي للإباحة أن تكون الصورة قد خرق
صدرها أوبطنها، بذلك صرح الحنفية والمالكية
والحنابلة وبعض الشافعية. قال ابن عابدين:
هل من ذلك مالو كانت مثقوبة البطن مثلا :
الظاهر أنه لو كان الثقب كبيرا يظهر به نقصها
فنعم، وإلا فلا، كما لو كان الثقب لوضع عصا
تمسك بها، كمثل صور خيال الظل التي يلعب
(١) ابن عابدين ٤٣٦/١، ٤٣٧، وشرح منح الجليل
١٦٦/٢، وأسنى المطالب وحاشيته ٢٢٦/٣، وتحفة
المحتاج ٧/ ٤٣٤، وكشاف القناع ١٧١/٥، والفروع
٣٥٣/١
بها، لأنها تبقى معه صورة تامة، وهذا الذي قاله
في صور الخيال خالفه فيه بعض الشافعية، فرأوا
أن الخرق الذي يكون في وسطها كاف في إزالة
الكراهة كما صرح بذلك الشيخ إبراهيم
الباجوري(١)، ويأتي النقل عنه في بحث النظر
إلى الصور.
جـ - استعمال واقتناء الصور المنصوبة والصور
الممتهنة :
٤٩ - يرى الجمهور أن الصور لذوات الأرواح -
مجسمة كانت أو غير مجسمة - يحرم اقتناؤها على
هيئة تكون فيها معلقة أو منصوبة، وهذا في
الصور الكاملة التي لم يقطع فيها عضولا تبقى
الحياة معه، فإِن قطع منها عضو- على التفصيل
المتقدم في الفقرة السابقة - جاز نصبها وتعليقها،
وإن كانت مسطحة جاز تعليقها مع الكراهة عند
المالكية .
ونقل عن القاسم بن محمد إجازة تعليق
الصور التي في الثياب، وهوراوي حديث عائشة
في لعن المصورين، وكان من خير أهل المدينة
فقها وورعا.
وأما إذا اقتنيت الصورة - وهي ممتهنة - فلا
(١) تحفة المحتاج وحواشيه ٧/ ٤٣٣ - ٤٣٥، والمغني ٨/٧،
وابن عابدين ٤٣٦/١، وحاشية الباجوري على ابن قاسم
١٣١/٢
- ١١٨ -

تصوير ٤٩ - ٥٠
بأس بذلك عند الجمهور، كما لو كانت في
الأرض أو في بساط مفروش أو فراش أونحو
ذلك. وقد نص الحنابلة والمالكية على أنها غير
مكروهة أيضا، إلا أن المالكية قالوا: إنها حينئذ
خلاف الأولى .
ووجهوا التفريق بين المنصوب والممتهن:
بأنها إذا كانت مرفوعة تكون معظمة وتشبه
الأصنام. أما الذي في الأرض ونحوه فلا
يشبهها، لأن أهل الأصنام ينصبونها ويعبدونها
ولا يتر كونها مهانة .
وقد يظن أنه لا يجوز بقاء الصورة المقطوعة
منصوبة، إلا أنه قد ورد في السنة مايدل على
جوازها، وهو مانقلناه سابقا من أن جبريل عليه
السلام قال للنبي وَّ ((مُرْ برأس التمثال فلْيقطع
حتى يكون كهيئة الشجرة» وقوله في حدیث
آخر: ((فإن كنت لابد فاعلا فاقطع رءوسها أو
اقطعها وسائد أو اجعلها بسطا)) فإنها تدل على
جواز بقائها بعد القطع منصوبة .
ومن الدليل على بقاء الصورة الممتهنة في
البيت الحديث المتقدم عن عائشة رضي الله
عنها: ((أنها قطعت الستر وجعلته وسادتین،
وكان النبي وَي﴿ يتكىء عليهما وفيهما الصور)).
وقد ورد عن عكرمة قال: كانوا يكرهون
مانصب من التماثيل ولا يرون بأسا بما وطئته
الأقدام. وكان القاسم بن محمد يتكىء على
محدة فيها تصاوير. (١)
ولذا قال ابن حجر بعد ذكر قطع رأس
التمثال: في هذا الحديث ترجيح قول من ذهب
إلى أن الصورة التي تمتنع الملائكة من دخول
البيت الذي هي فيه: ماتكون فيه منصوبة باقية
على هيئتها. أما لو كانت ممتهنة ، أو كانت غير
ممتهنة لكنها غيّرّت هيئتها إما بقطع رأسها أو
بقطعها من نصفها فلا امتناع. (٢)
٥٠ - والنّصب المنهي عنه قال بعض الشافعية:
أيَّ نصب کان. حتى إن استعمال إبريق فيه
صور تردّد فيه صاحب المهمّات، ومال إلى المنع،
أي لأنه یکون منصوبا. وقالوا في الوساد: إن
استعملت منصوبة حرم، وإن استعملت غیر
منصوبة جاز.
وذهب بعض آخر من العلماء إلى أن النصب
المنهي عنه خاصة ما يظهر فيه التعظيم، فقد قال
الجويني: إن ما على الستور والثياب من الصور
لا يحرم، لأن ذلك امتهان له. وهذا يوافق
ما تقدم عن القاسم بن محمد .
(١) شرح منية المصلي ص ٣٥٩، وشرح المنهاج ٢٩٨/٣،
والمغني ٧٧، وفتح الباري ٣٨٨/١٠، ٣٩٣، والخرشي
٣٠٣/٣، والإنصاف ٣٣٦/٨، ٤٧٤/١، وكشاف
القناع ١٧١/٥، ٢٧٩/١، وابن عابدين ٤٣٦/١،
والآداب الشرعية ٣/ ٥١٣
(٢) فتح الباري ٣٩٢/١٠
- ١١٩ -

تصویر ٥٠ - ٥١
وقال الرافعي : إن نصب الصور في حمام أو
ممر لا يحرم، بخلاف ما كان منصوبا في المجالس
وأماكن التكريم. أي لأنها في الممر والحمام
مهانة، وفي المجالس مكرمة. وظاهر كلام
صاحب المغني من الحنابلة أن نصب الصور في
الحمام ونحوه محرم .
هذا، ومما نص الشافعية على أنه من الصور
المهانة: ماكان في نحو قصعة وخوان وطبق. (١)
ويلتحق بالممتهنة - عند بعض الشافعية -
الصور التي على النقود. قال الرملي : وعندي أن
الدنانير الرومية التي عليها الصور من القسم
الذي لا ينكر، لامتهانها بالإِنفاق والمعاملة، وقد
كان السلف رضي الله عنهم يتعاملون بها من
غير نكير، ولم تحدث الدراهم الإِسلامية إلا في
عهد عبدالملك بن مروان كما هو معروف. وقال
مثله الزركشي . (٢)
(١) فتح الباري ٣٨٨/١٠، ٣٩٩، وشرح المنهاج وحاشية
القليوبي ٢٩٧/٣، ونهاية المحتاج ٦/ ٣٦٩، وتحفة
المحتاج بحاشية الشرواني ٧/ ٤٣٢، وأسنى المطالب
٢٢٦/٣، والمغني ٧/ ١٠
فينبغي أن یکون ذلك حكم مافي سائر الأدوات التي
للتداول مما لا ينصب كالملعقة والسكين والمضرب، وما
يكون في مفارش الموائد والكراسي، والصور التي في
الآلات والأجهزة الصناعية العاملة والمعدة للاستعمال،
كالصور التي في الصحف المعدة للتداول.
(٢) الرملي على أسنى المطالب ٢٢٦/٣، ونهاية المحتاج
٣٦٩/٦
٥١ - هذا بيان حكم ماظهر فيه التعظيم، أو
ظهرت فيه الإهانة. أما ما لم يظهر فيه أي من
المعنيين، وذلك في مثل الصورة المطبوعة في
كتاب، أو الموضوعة في درج أو خزانة أو على
منضدة، من غير نصب. ففي كلام القليوبي
نقلا عن ابن حجر وغيره: يجوز لبس ماعليه
صورة الحيوان ودوسه ووضعه في صندوق أو
مغطی .(١)
وفي مختصر المزني مايدل على قصر التحريم
على المنصوب، وذلك في قوله: وصورة ذات
روح إن کانت منصوبة(٢) وروی ابن شيبة عن
حماد عن إبراهيم أنه قال: لا بأس في حلية
السيف ولا بأس بها (أي بالتماثيل) في سماء
البيت (أي السقف)، وإنما يكره منها مانصب
نصبا. (٣)
وأصل ذلك مروي عن سالم بن عبدالله بن
عمر رضي الله عنهم، ففي مسند الإمام أحمد
عن ليث بن أبي سليم أنه قال: دخلت على
سالم وهو متكىء على وسادة فيها تماثيل طير
ووحش، فقلت: أليس يكره هذا؟ قال:
لا ، إنما يكره منها مانصب نصبا. (٤)
(١) المنهاج وحاشية القليوبي ٣/ ٢٩٧
(٢) فتح الباري ٣٨٨/١٠، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي
٢٩٧/٣
(٣) المصنف ٤٨٢/٨
(٤) المسند ٩/ ١٤٧ ط أحمد شاكر، وقال: إسناده صحيح.
- ١٢٠ -