Indexed OCR Text

Pages 81-100

تصفيق ٧ - ٨
وذلك عند المالكية بالتسبيح مطلقا، وأما
الشافعية فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء لما
سبق بيانه، وكرهه الحنفية والحنابلة. (١)
التصفيق في الصلاة على وجه اللعب:
٧ - قال الشافعية، وهو أحد قولي الحنابلة: إن
التصفيق في الصلاة على وجه اللعب يبطلها
وإن كان قليلا، لمنافاة اللعب للصلاة. والأصل
في ذلك حديث الصحيحين: ((من نابه شيء في
صلاته فلْيسبح، وإنما التصفيق للنساء)).
ولمنافاته للصلاة.
والقول الآخر للحنابلة: أنه لا يبطلها إن
قلّ، وإن كثر أبطلها، لأنه عمل من غير
جنسها، فأبطلها کثیره عمدا کان أو سهوا. (٢)
وأما الحنفية فقد قالوا: إن ما يعمل عادة
بالیدین یکون کثیرا، بخلاف ما يعمل بالید
الواحدة فقد يكون قليلا، والعمل الكثير الذي
ليس من أفعال الصلاة ولا لإصلاحها
يفسدها. والتصفيق لا یتأتی عادة إلا بالیدین
(١) جواهر الإكليل ٦٢/١ -٦٣، والشرح الكبير ٨٥/١،
ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل والتاج والإكليل
بهامشه ٢/ ٢٩ م النجاح بليبيا، والخرشي على مختصر خليل
٣٢١/١
(٢) شرح منهاج الطالبين وحاشية قليوبي عليه ١/ ١٩٠،
وكشاف القناع عن متن الإقناع ١/ ٣٨٠ - ٣٨١م النصر
الحديثة .
كلتيهما، فإنه والحالة هذه یکون عملا كثيرا في
الصلاة تبطل به، لمنافاته لأفعالها. (١)
وعند المالکیة لا يخلوعن کونه عبثا فيها،
ويجري علیه حكم الفعل الكثير، لأنه ليس من
جنس أفعال الصلاة كالنفخ من الفم فيها فإنه
يبطلها، كالكلام فيها، يدل عليه قول
ابن عباس رضي الله عنهما: النفخ في الصلاة
كالكلام. وقوله مل لرباح وهو ينفخ في التراب:
((من نفخ في الصلاة فقد تكلم(٢)» وإذ جرى
على التصفيق في الصلاة على وجه اللعب
حكم الفعل الكثير فيها كان مبطلا لها. (٣)
كيفية التصفيق :
٨ - للمرأة في كيفية تصفيقها في الصلاة طريقتان
عند الحنفية والشافعية .
إحداهما: أن تضرب بظهور أصابع اليد
اليمنى على صفحة الكف اليسرى.
ثانيتهما: أن تضرب ببطن كفها اليمنى على
(١) رد المحتار وحاشية ابن عابدين ٤١٩/١ - ٤٢٠، والفتاوى
الهندية ١٠١/١ - ١٠٢، وحاشية الطحطاوي على مراقي
الفلاح ص١٧٧
(٢) حديث ((من نفخ في الصلاة فقد تكلم)). ورد عن
ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه: أنه كان يخشى أن
يكون كلاما يعني النفخ في الصلاة. أخرجه البيهقي
٢٥٢/٢١ ط دائرة المعارف العثمانية. وصحه الشوكاني كما
في النيل (٣١٨/٢ ط المطبعة العثمانية المصرية).
(٣) الفواكه الدواني ٢٦٨/١ دار المعرفة.
- ٨١ -

تصفيق ٩ - ١٠
ظهر كفها اليسرى، وهو الأيسر والأقل عملا،
وهذا هو المشهور عندهم. (١)
وعند المالكية على القول به أن تضرب بظهر
أصبعين من يمينها على باطن كفها
اليسرى. (٢)
وعند الحنابلة: أن تضرب ببطن كف على
ظهر الأخرى. (٣)
التصفيق أثناء الخطبة :
٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب الإنصات
للخطيب - وهو عند الشافعية مستحب - وعليه
يحرم عند الجمهور كل ماينافي الإنصات إلى
الخطيب، من أكل وشرب، وتحريك شيء
يحصل منه صوت کورق أو ثوب أو سبحة أو فتح
باب أو مطالعة في كراس. والتصفيق في أثناء
الخطبة يحدث صوتا يشوش على الخطيب
والسامعين لخطبته، ولذا كان حراما لإِخلاله
بآداب الاستماع وانتهاكه لحرمة المسجد.
(١) ابن عابدين ٤٢٩/١، ومراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي
عليه ص ٢٠٢، والفتاوى الهندية ٩٩/١، ١٠٤، ومنهاج
الطالبين ١٩٠/١، وروضة الطالبين ٢٩١/١، ونهاية
المحتاج للرملي ٢/ ٤٤، والمهذب في فقه الإِمام الشافعي
٩٥/١.
(٢) حاشية العدوي بهامش الخرشي على مختصر خليل
٣٢١/١، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل والتاج
والإكليل بهامشه ٢٩/٢ مكتبة النجاح بليبيا.
(٣) كشاف القناع عن متن الإقناع ١/ ٣٨٠م النصر الحديثة،
والمغني لابن قدامة ١٩/٢ م الرياض الحديثة.
والحرمة على من صفق بالمسجد فى أثناء
الخطبة أو في رحبته آكد ممن فعل ذلك خارج
المسجد ممن لا يسمعون الخطيب.(١)
التصفيق في غير الصلاة والخطبة :
١٠ - التصفيق في غير الصلاة والخطبة جائز إذا
کان حاجة معتبرة کالاستئذان والتنبيه، أو
تحسين صناعة الإِنشاد، أو ملاعبة النساء
لأطفالهن.
أما إذا كان لغير حاجة، فقد صرح بعض
الفقهاء بحرمته، وبعضهم بكراهته. وقالو: إنه
من اللهو الباطل، أو من التشبه بعبادة أهل
الجاهلية عند البیت کما قال تعالى: ﴿وما كان
صلاتُهُم عند البيت إلا مُكاء وتَصْدِيةً﴾. (٢
أوهو من التشبه بالنساء، لما جاء في الحديث
من اختصاص النساء بالتصفيق إذا ناب الإِمام
(١) المدخل لابن الحاج ٢٢٧/٢ - ٢٢٨، والفواكه الدواني
٣٠٩/١ - ٣١٠ دار المعرفة، والشرح الكبير ٣٨٧/١ -
٣٨٨، وفتح القدير ٣٧/٢ -٣٨، ورد المحتار على الدر
المختار ٥٥١/١، والفتاوى الهندية ١/ ١٤٧، ونيل المآرب
بشرح دليل الطالب ١/ ٢٠٠ - ٢٠١ م الفلاح، ومنار
السبيل في شرح الدليل ١٤٧/١ المكتب الإسلامي، وفتح
الباري بشرح صحيح البخاري ٤٠٧/٢، ٤١٤، والجامع
لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ٣٥٣ - ٣٥٤، وشرح الروض
٢٥٨/١، والمهذب ١٢٢/١
(٢) سورة الأنفال/ ٣٥
- ٨٢ -

تصفيق ١٠، تصفية ١ - ٢
شيء في الصلاة، في حين أن التسبيح
للرجال. (١) (*)
تصفية
التعريف :
١ - التصفية لغة: مأخوذ من صفّى الشيء: إذا
أخذ خلاصته. ومنه: صفيت الماء من القذى
تصفية: أزلته عنه. كما في لسان العرب
والمصباح المنير .
ويراد بالتصفية في الاصطلاح: مجموع
الأعمال التي غايتها حصر حقوق المتوفى
والتزاماته وأداء الحقوق المتعلقة بالتركة
لأصحابها من الدائنين والموصى لهم والورثة .
(١) ابن عابدين ٢٥٣/٥، والمدخل لابن الحاج ١٢/٢، ١٣،
وحاشية قليوبي على منهاج الطالبين ١/ ١٩٠، ونهاية
المحتاج للرملي ٢ /٤٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي
٧/ ٤٠٠، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣٩١/٣، وكف
الرعاع عن محرمات اللهو والسماع ١/ ١٠٠، ونهاية المحتاج
للرملي ٤٤/٢ - ٤٥، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي
٢١٢/٢ - ٢١٣
(*) لا يخفى ما في هذه الاستدلالات من المآخذ، لأن كونه من
اللهو الباطل معناه أنه لا ثواب له (تحفة الأحوذي ٢٦٦/٥)
وليس كل ما خلا من الثواب حراما، ولأن التشبه بعبادة
أهل الجاهلية لم يبق له وجود. وذم التصفيق في الآية إنما هو
لكونه عند البيت (في المسجد الحرام) ولكونهم جعلوه
صلاتهم، ولأن التشبه بالنساء في التصفيق إنما يحصل إذا
صفق الرجل في الصلاة لسهو الإِمام أو نحوه بدلا من
التسبيح المشروع في حقه. (اللجنة).
الحكم الإجمالي :
٢ - التصفية بهذا المعنى اصطلاح حديث
تعارف عليه أهل القانون. ولم يتكلم عنه
الفقهاء بالعنوان المذكور، وإن كانوا قد عنوا
عناية شديدة ببيان أحكام الحقوق التي للتركة أو
عليها وحقوق القصر ضمانا لأصحاب تلك
الحقوق حتى لا يبغي بعضهم على بعض،
وضمانا بصفة خاصة لحقوق الدائنين والموصى
لهم بشيء من التركة.
وهذه الأحكام مفصلة في مصطلح: (تركة،
إرث، وصية، وإيصاء).
- ٨٣ -

تصليب ١
تصلیب
التعريف :
١ - التصليب في اللغة: مصدر صلب، وهو
يأتي لمعان: منها:
أ - القِتْلَة المعروفة. يقال: صلب فلان
صلبا، وصلّب تصليبا. ففي التنزيل العزيز:
﴿وما قَتَلوه وماصَلَبُوه، ولكنْ شُبِّهَ لهم﴾(١) وفيه
حكاية قول فرعون : ﴿وَلأَصَلَّبَنَّكم في جُذوعِ
النَّخْلِ﴾ (٢) وأصله على مافي لسان العرب
((الصليب) وهو في اللغة دهن الإِنسان أو
الحيوان، قال: والصلب هذه القِتلة المعروفة،
مشتق من ذلك، لأن ودك المصلوب (أي دهنه)
يسيل. (٣)
ومنه سمي الصليب. وهو الخشبة التي
یصلب علیها من يقتل كذلك. ثم استعمل لما
يتخذه النصارى على ذلك الشكل. وجمعه
الصلبان، والصُلُب.
ب - والتصليب أيضا صناعة الصليب، أو
(١) سورة النساء/ ١٥٧
(٢) سورة طه / ٧١
(٣) لسان العرب مادة: ((صلب)).
عمل نقش في ثوب أو جدار أو قرطاس أو غيرها
بشكل الصليب، أو التصليب بالإِشارة. قال
ابن عابدين: والصليب خطان متقاطعان(١).
وفي حديث عائشة رضي الله عنها((أن النبي ◌َل
لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا
نقضه»(٢) أي قطع موضع التصليب فيه، وفي
رواية ((نهى عن الصلاة في الثوب المصلب))(٣).
وهو الذي فيه نقش كالصلبان (٤).
جـ - ورد في الحديث: ((نهى النبي ◌َّ عن
الصلب في الصلاة))(٥) وهيئة الصلب في الصلاة
أن يضع المصلي يديه على خاصرتيه، ويجافي
عضديه عن جنبيه في القيام. وإنما نهى عنه
المشابهته شكل المصلوب. وتنظر أحكام ذلك في
الصلاة .
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٩٩
(٢) حديث: ((إن النبي ◌َّلو لم يكن يترك في بيته شيئا فيه ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٣٨٥/١٠ط السلفية) وأخرجه
أبوداود (٣٨٣/٤ط عزت عبيد الدعاس). وأحمد
(٦/ ٥٢ ط المكتب الإسلامي) بنحوه.
(٣) حديث: ((نهى عن الصلاة في الثوب المصلب)) أورده
صاحب لسان العرب (٢/ ٤٦١) ولم نجده فيما بين أيدينا
من كتب السنة .
(٤) لسان العرب.
(٥) حديث: ((نهى عن الصلب في الصلاة)) أخرجه أحمد(٣٠/٢
ط المكتب الإسلامي) . وأبوداود (١/ ٥٥٦ط عزت عبيد
الدعاس). بمعناه. وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح
(تخريج إحياء علوم الدين ١٦٢/١ط مصطفى الحلبي).
- ٨٤ -

تصليب ٢ - ٤
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التمثيل :
٢ - التمثيل: مصدر مثّل. من مثّلتَ بالقتيل
مثلا: إذا جدعتَه وظهرتْ آثار فعلك عليه
تنكيلا، والتشديد في مثّل للمبالغة. (١)
فبين التصليب والتمثيل مباينة، لأن
التصليب ربط للعقوبة، أما التمثيل فهو مجرد
الجدع والتقطيع .
ب - الصبر:
٣ - الصبر من معانيه في اللغة: نصب الإِنسان
للقتل، أو أن يمسك الطائر أو غیره من ذوات
الروح يصبر حيا، ثم يرمى بشيء حتى
يقتل . (٢)
فالصبر أعم من التصلیب، لأنه قد يكون
بلا صلب.
الحكم التكليفي :
يتناول الحكم أمرين :
أ - الصلب، وهو القتلة المعروفة.
ب - الأحكام المتعلقة بالصليب.
أولا : حكم التصليب (بمعنى القتلة المعروفة)
٤ - الصلب قتلة معروفة، وهي أن يرفع المراد
قتله على جذع أو شجرة أو خشبة قائمة، وتمد
(١) لسان العرب مادة: ((مثل)).
(٢) لسان العرب.
يداه على خشبة معترضة، وتربط رجلاه
بالخشبة القائمة، ويترك عليها هكذا حتى
يموت. وقد تسمر يداه ورجلاه بالخشب. وقد
يقتل أولا، ويصلب بعد زهوق روحه على
الخشبة للتشهير به .
وكانت هذه القتلة شائعة في الأمم السابقة
كالفرس والرومان ومن قبلهم. ونص القرآن
على أنها كانت من فعل فرعون بأعدائه. وفي
قصة يوسف ﴿ياصاحبي السجن أمّا أحدُكُما
فيسقي ربَّه خمرا، وأما الآخَرُ فَيُصْلَبُ فتأكلُ
الطيرُ من رأسه﴾(١)
وقد حرم الإِسلام هذه القتلة لما فيها من
التعذيب الشديد والمثلة والتشهير، فقال النبي
وَ ل* ((إن الله كتب الإِحسان على كل شيء،
فإذا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا
الذِّبحة، ولْيُحِدَّ أحدُكم شَفْرَتَه، وَلْيُرُحْ
ذبيحته))(٢) ((ونهى عن المثْلَة ولو بالكلب
العقُور))(٣)
(١) سورة يوسف / ٤١
(٢) حديث: ((إن الله كتب الإِحسان على كل شيء فإِذا قتلتم
... )) أخرجه مسلم (١٥٤٨/٣ط عيسى الحلبي). وأحمد
(٤ / ١٢٤ ط المكتب الإسلامي). واللفظ له.
(٣) حديث: ((نهى عن المثلة، ولو بالكلب العقور)) قال
الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده منقطع. (مجمع الزوائد
٦/ ٢٤٩ ط دار الكتاب العربي).
ولكنه ثبت بلفظ أنه ((نهى عن النهبة والمثلة)) دون
الزيادة، أخرجه البخاري (الفتح ٩/ ٦٤٣ط السلفية).
- ٨٥ -

تصلیب ٥ - ٦
٥ - ويستثنى من هذا الأصل جرائم محددة
جعلت عقوبتها الصلب بعد القتل لعوارض
خاصة اقتضتها. وهذه الجرائم هي ما يلي:
أ - الإِفساد في الأرض :
جعلت عقوبة الإِفساد في الأرض بالمحاربة
(قطع الطريق) الصلب، لقوله تعالى ﴿إنما
جزاءُ الذين يحاربون الله ورسوله ويَسْعَوْنِ في
الأرضِ فسادا أن يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ
أيديهم وأرجلُهم من خِلافٍ أو يُنْفَوْا من
الأرض، ذلك لهم خِزْيٌّ في الدنيا ولهم في
الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ. إلا الذين تابوا من قَبْلِ
أن تَقْدِروا عليهم فاعلموا أن الله غفورٌ
رحيمٌ﴾. (١)
وإنما كان الصلب عقوبة في هذه الجريمة،
لأن قطاع الطرق يستأسدون على الناس،
فيروعون الآمنين، ويظهرون الفساد، فجعل
الصلب عقوبة لهم، ليرتدع به من سواهم من
المفسدين .
وقد اختلف الفقهاء في الصلب:
فقيل : هو حدّ لابد من إقامته .
وقيل : الإِمام مخير فيه وفي غيره من
العقوبات المذكورة في الآية. (١) على ترتيب
وتفصيل ينظر في مصطلح: (حرابة).
كيفية تنفيذ عقوبة الصلب في قاطع الطريق :
٦ - باستقراء كلام الفقهاء يتبين اتفاقهم على
أنه ليس المراد بصلب قاطع الطريق: أن يحمل
على الخشبة حيا، ثم يترك عليها حتى يموت.
ثم اختلفوا: فقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي :
يصلب حيا، ثم يقتل مصلوبا بطعنه بحربة،
لأن الصلب عقوبة، وإنما يعاقب الحي
لا الميت، ولأنه جزاء على المحاربة، فيشرع في
الحياة كسائر الجزاءات. (٢)
وقال الشافعي وأحمد: يقتل أولا، ثم يصلب
بعد قتله، لأن الله تعالى قدم ذكر القتل على
ذكر الصلب، فيلتزم هذا الترتيب حيث
اجتمعا. ولأن القتل إذا أطلق في الشرع كان
قتلا بالسيف. ولأن في قتله بالصلب تعذيبا له
ومُثْلة، وقد نهى الشرع عن المثلة.
أما المدة التي يبقى فيها المصلوب على
الخشبة بعد قتله، فقال أبو حنيفة والشافعي :
يصلب ثلاثة أيام. وقال الحنابلة : یصلب قدر
(١) المغني لابن قدامة ٨/ ٢٩٠، ط ٣. القاهرة مكتبة المنار
١٣٦٧ هـ، والدر وحاشية ابن عابدين ٢١٣/٣، وشرح
المنهاج بحاشية القليوبي وعميرة ٤/ ١٩٩، ٢٠٠
(٢) لم يذكروا التسمير، والظاهر أنه لا ينبغي استعماله، لما تقدم
من النهي عن المثلة، بل يكتفى بالربط.
(١) سورة المائدة / ٣٢، ٣٣
- ٨٦ -

تصلیب ٧ - ٨
ما یشتهر أمره، دون تحديد بمدة.
وعند المالكية ينزل إذا خيف تغيره. (١)
ب- من قتل غيره عمدا بالصلب حتى مات:
٧ - مذهب مالك والشافعي، وهو رواية عن
أحمد: أن لولي المقتول أن يطالب بقتل الجاني
قصاصا بمثل ما قتل به. قالوا: وهذا معنى
القصاص، وهو المساواة والمماثلة، وله أن يقتله
بالسيف. فإن قتل بالسيف، وكان الجاني قد
قتل بأشد منه كان الولي قد ترك المماثلة، وهي
شيء من حقه. ومقتضى هذا القول: أنه يجوز
للولي صلب القاتل حتى الموت، إن كانت
جنایته بالصلب.
ومذهب أبي حنيفة، وهو رواية عن أحمد:
أنه لا قَوَدَ إلا بالسيف، فعلى هذا لا يتأتى
عقوبة الصلب قصاصا. ومع ذلك صرح
الحنفية بأن الولي إذا اقتص بغير السيف عزر،
ووقع القصاص موقعه. (٢)
جـ ـ التصليب في عقوبة التعزير :
٨ - قال الماوردي من الشافعية: يجوز صلب
المعزر حيا ثلاثة أيام فقط (أي ويطلق بعدها)
(١) الدر بحاشية ابن عابدين ٢١٣/٣، والشرح الكبير بهامش
الدسوقي ٣٤٩/٤، وقليوبي ٢٠٠/٤، والمغني ٨ / ٩٠،
٢٩١
(٢) الدر بحاشية ابن عابدين ٣٤٦/٥، والمغني ٦٨٨/٧
فقد صَلَب رسول الله وَله رجلا على جبل يقال
له ((أبو ناب))(١) قال: ولا يمنع مدة صلبه من
طعام ولا شراب ولا وضوء لصلاة. ويصلي
مومئا، ويعيد الصلاة بعد أن يطلق سراحه .
ونقل ذلك متأخرو الشافعية وأقروه. وقال
صاحب مغني المحتاج: ينبغي أن يقال بتمكين
المصلوب في هذه الحال من الصلاة مطمئنا،
يعني أن يصلي مرسلا صلاة تامة، ثم يعاد
صلبه .
ونقل ابن فرحون من المالكية في التبصرة قول
الماوردي وأقره.
ويجوز التعزير بالصلب عند الحنابلة،
ويراعى ما ذكره الماوردي. وقالوا: يصلي
المصلوب حينئذ بالإِيماء إن لم يمكنه إلا ذلك،
ولا إعادة عليه بعد إطلاقه. (٢)
(١) حديث: ((صلب رسول الله ﴾ رجلا على ... )). لم نعثر
عليه في المصادر التي بين أيدينا من كتب الحديث، وإنما
أورده الماوردي في الأحكام السلطانية (ص٢٣٧ ط مصطفى
الحلبي). وأصل فعل التصليب ورد في شأن الرعاة العرنيين
فيما أخرجه النسائي (٩٥/٧ط التجارية). وأصله في
البخاري.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٣٩ القاهرة ط مصطفى
الحلبي ١٣٢٧ هـ، ومغني المحتاج ١٩٢/٤، والتبصرة
لابن فرحون بهامش فتح العلي المالك ٢/ ٣٠٤ القاهرة
ط مصطفى الحلبي ١٣٧٨ هـ، وكشاف القناع عن متن
الإقناع ٦/ ١٢٥ الرياض، مكتبة النصر.
- ٨٧ -

تصليب ٩ - ١١
ثانيا : الأحكام المتعلقة بالصلبان
صناعة الصليب واتخاذه :
٩ - لا يجوز للمسلم أن يصنع صليبا، ولا يجوز
له أن یأمر بصناعته،(١) والمراد صناعة ما يرمز به
إلى التصلیب. وليس له اتخاذه، وسواء علقه أو
نصبه أو لم يعلقه ولم ينصبه. ولا يجوز له إظهار
هذا الشعار في طرق المسلمين وأماكنهم العامة أو
الخاصة، ولا جعله في ثيابه، لما روی عدي بن
حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﴿ ﴿ وفي
عنقي صليب من ذهب. فقال: ((ياعدي!
الطرح عنك هذا الوثن))(٢) وعن أبي أمامة
رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله وَ ل إن
الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، وأمرني بمحق
المزامير والمعازف والأوثان والصلب وأمر
الجاهلية)). (٣)
١٠ - يكره الصليب في الثوب ونحوه كالقلنسوة
والدراهم والدنانير والخواتم. قال ابن حمدان:
ويحتمل التحريم، وهو ظاهر ما نقله صالح عن
(١) الآداب الشرعية ٣/ ٥١٣
(٢) حديث: ((أتيت النبي ◌َ﴾ وفي عنقي صليب ... )) أخرجه
الترمذي (٢٧٨/٥ط مصطفى الحلبي). وقال: هذا
حدیث غریب.
(٣) حديث: ((إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني
بمحق ... )) أخرجه أحمد (٢٦٨/٥ ط المكتب
الإِسلامي). والطبراني في المعجم الكبير (٢٣٢/٨ط
الوطن العربي). وقال الهيثمي وفيه علي بن يزيد وهو
ضعيف (مجمع الزوائد ٦٩/٥) ط الكتاب العربي.
الإِمام أحمد، وصوبه صاحب الإِنصاف. (١)
ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها
الذي يفيد أن النبي 18 كان يقطع صورة
الصلیب من الثوب، وفي بعض رواياته عند
أحمد عن أم عبد الرحمن بن أذينة قالت: ((كنا
نطوف مع عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها
فرأت على امرأة بردا فيه تصليب، فقالت أم
المؤمنين: اطرحيه.اطرحيه فإن رسول الله الآلى
كان إذا رأى نحو هذا في الثوب قَضَبه)). (٢)
وقال إبراهيم : أصاب أصحابنا خمائص فيها
صلب فجعلوا يضربونها بالسلوك يمحونها
بذلك.
المصلي والصليب :
١١ - يكره للمصلي أن یکون في قبلته صلیب،
لأن فيه تشبها بالنصارى في عبادتهم، والتشبه
بهم في المذموم مكروه، وإن لم يقصده.
ولم نجد عند المالكية والشافعية والحنابلة نصا
في ذلك.(٣)
(١) الآداب الشرعية ٣/ ٥١٢، ٥١٣، وكشاف القناع
١/ ٢٨٠، والإنصاف ١/ ٤٧٤، والمغني ١/ ٥٩٠
(٢) حديث: ((كان إذا رأى نحو هذا في الثوب قضبه)) أخرجه
أحمد (٦/ ١٤٠ ط المكتب الإِسلامي). قال الساعاتي: لم
أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد. (الفتح الرباني
١٧/ ٢٨٥ ط دار الشهاب) .
(٣) ابن عابدين ٤٣٥/١
واللجنة ترى أن هذه المسألة لا ينبغي أن يكون في
حظرها خلاف.
- ٨٨ -

تصليب ١٢ - ١٣
القطع في سرقة الصليب :
١٢ - لا قطع عند الحنفية والحنابلة في سرقة
الصليب ولو كان من ذهب أو فضة، ولو جاوزت
قيمته نصابا. وذلك لأنه منكر، فتتأول الإِباحة
للسارق بتأويل نية الكسر نهيا عن المنكر. قال في
فتح القدير: بخلاف الدرهم الذي عليه
الصورة، فإنه ما أعد للعبادة، فلا تثبت شبهة
إباحة الكسر.
وعن أبي یوسف یقطع به إن کان في يد رجل
في حرزلا شبهة فيه، لكمال المالية ولوجود
الحرز. أما إن كان في مصلاهم فَسَرَقَهُ، فلا
قطع لعدم الحرز.
قال ابن عابدين : وعلى الأول لو كان
السارق ذميا وسرق من حِرْز فيقطع، لأن الذمي
لا تأويل له. قال: إلا أن يقال تأويل غيره
يكفي في وجود الشبهة فلا يقطع(١)
ويظهر أن مذهب المالكية جار علی مثل ما
قال ابن عابدين في آخر كلامه، فإنه لا قطع
عندهم في سرقة الخمر، ولوسرقها ذمي من
ذمي، فيكون الحكم في سرقة الصليب
كذلك. (٢)
وفرق الشافعية في سرقة المحرم من صلیب
(١) ابن عابدين ١٩٨/٣، ١٩٩، وفتح القدير ١٣٣/٥،
وكشاف القناع ٦/ ١٣١
(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ٣٣٦/٤
وغيره بين حالتين، فقالوا: إن سرقه بقصد
الإِنكار فلا قطع، وإلا فالأصح - على ما قاله
النووي - أنه يقطع به إن بلغ مكسوره
نصابا . (١)
إتلاف الصليب :
١٣ -من کسر صلیبا لمسلم فلا ضمان فيه اتفاقا.
وإن كان لأهل الذمة، فإن أظهروه كانت
إزالته واجبة، ولا ضمان أيضا.
وإن كان اقتناؤ هم له على وجه يُقَرُّون
علیه، کالذي يجعلونه في داخل کنائسهم أو
بيوتهم، يسرونه عن المسلمين ولا يظهرونه، فإن
غصبه غاصب وجب رده اتفاقا .
أما إن أتلفه متلف، فقد اختلف الفقهاء في
وجوب الضمان بذلك:
فعند الحنفية: فيه الضمان، بناء على
أصلهم في ضمان المسلم خمر الذمي، لأنه مال
متقوم في حقهم کتقوم الخل في حقنا. وقد أمرنا
بتر کهم وما یدینون.
وعند الشافعية والحنابلة: لا يضمن المسلم
الخمر والخنزير لمسلم ولا لذمي، وهكذا إذا
أتلفهما ذمي علی ذمي، لأنه سقط تقومهما في
حق المسلم فكذا في حق الذمي، لأنهم تبع لنا
(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٤/ ١٨٧
- ٨٩ -

تصليب ١٣ - ١٤
في الأحكام، فلا يجب بإِتلافهما مال متقوم، وهو
الضمان، فكذا ينبغي أن يكون الحكم في
الصليب. ولأن الكفار مخاطبون بفروع
الشريعة، فالتحریم ثابت في حقهم، لكنا أمرنا
بترك التعرض لهم فيما لا يظهرونه من ذلك،
وهذا لا يقتضي الضمان نظرا إلى أصل
التحريم. وفي شرح المنهاج: إن الأصنام
والصلبان لا يجب في إبطالها شيء، لأنها محرمة
الاستعمال، ولا حرمة لصنعتها (أي ليست
محترمة) وإن الأصح أنها لا تكسر الكسر
الفاحش، بل تفصل لتعود كما كانت قبل
التأليف، لزوال الاسم بذلك. والقول الثاني:
تکسر وترضض حتى تنتهي إلى حد لا یمکن
إعادته صنما أو صليبا أو غير ذلك من
المحرمات.
ونقل صاحب كشاف القناع من الحنابلة عن
القاضي ابن عقيل أن الصليب إن كان من
الذهب أو الفضة فلا یضمن إذا کسر، أما إذا
أتلف فیضمن مکسورا.
وفرق بینه وبین الصلیب من الخشب بأن
الصنعة في الذهب والفضة تابعة، لأنها أقل
قيمة، وفي الخشب أو الحجر هي الأصل فلا
يضمن. فعليه يضمن الصليب المستور للذمي
إن کان من ذهب أو فضة إذا أتلف بمثله ذهبا
بالوزن، وتُلغى صنعته. قال الحارثي: ولا
خلاف فیه .(١)
أهل الذمة والصلبان :
١٤ - يجوز إقرار أهل الذمة والصلح معهم على
إبقاء صلبانهم، ولكن يشترط عليهم أن
لا يظهروها، بل تكون في كنائسهم ومنازلهم
الخاصة. وفي فتح القدير: إن المراد بكنائسهم
كنائسهم القديمة التي أقروا عليها. وفي عهد
عمر رضي الله عنه الذي أخذه علی نصارى
الشام ((بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب
لعمر أمير المؤمنين من نصارى الشام: لما قدمتم
علينا سألناکم الأمان. إلى أن قالوا: وشرطنا
لكم على أنفسنا أن لا نظهر صليبا ولا كتابا
(أي من كتب دينهم) في شيء من طرق
المسلمين ولا أسواقهم، ولا نظهر الصليب في
كنائسنا إلخ)) وقولهم: ((في كنائسنا)) المراد به
خارجها مما يراه المسلم. قال ابن القيم:
لا يمكنون من التصليب على أبواب كنائسهم
وظواهر حيطانها، ولا يتعرض لهم إذا نقشوا
داخلها .
وعن ميمون بن مهران أن عمر بن عبدالعزيز
كتب: أن يمنع نصارى الشام أن يضربوا
(١) ابن عابدين ٥/ ١٣٣، وتكملة فتح القدير لقاضي زاده
٢٨٤/٨ - ٢٨٦، وشرح العناية بهامشه ٢٨٧/٨، والمغني
٢٧٦/٥، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٣٣/٣،
وكشاف القناع ٧٨/٤، ١١٦، ١٣٢، ١٣٣
- ٩٠ -

تصلیب ١٤ - ١٥
ناقوسا، ولا یرفعوا صلیبهم فوق کنائسهم، فإِن
قدر على من فعل ذلك منهم فإن سَلَبه لمن
وجده .(١)
وكذا لو جعلوا ذلك في منازلهم وأماكنهم
الخاصة لا يمنعون منه. (٢)
ويمنعون من لبس الصليب وتعليقه في
رقابهم أو أيديهم، ولا ينتقض عهدهم بذلك
الإظهار، ولکن یؤدب من فعله منهم. (٣)
ويلاحظون في مواسم أعيادهم بالذات، إذ
قد يحاولون إظهار الصليب فیمنعون من ذلك،
لما في عهد عمر عليهم عدم إظهاره في أسواق
المسلمين.
ويؤدب من فعله منهم، ویکسر الصليب
الذي يظهرونه، ولا شيء على من كسره(٤).
(١) في الأصل: فإِن سكنه. وما ذكرناه هو الصواب.
(٢) الطحطاوي على الدر المختار ١٩٦/٤، وفتح القدير
٥/ ٣٠٠، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ص ٧١٩ - ٧٢١
(٣) كشاف القناع ١٢٩/٣، ١٣٣، ١٤٤
(٤) جواهر الإكليل ٢٦٨/١، ومواهب الجليل ومعه التاج
والإكليل ٣٨٥/٣، والدسوقي على الشرح الكبير
٢٠٤/٣
وترى اللجنة أنه ينبغي أن يرجع إلى عهد سيدنا عمر،
وأن تنفذ العهود التي قطعت لهم عند استسلامهم له،
تطبيقا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾
(سورة المائدة / ١) وقوله: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾
(سورة النحل / ٩١).
الصليب في المعاملات المالية :
١٥ - لا يصح لمسلم بيع الصليب شرعا،
ولا الإِجارة على عمله. ولو استؤجر عليه فلا
يستحق صانعه أجرة، وذلك بموجب القاعدة
الشرعية العامة في حظر بيع المحرمات،
وإجارتها، والاستئجار على عملها(١).
وقال القليوبي: لا يصح بيع الصور
والصلبان ولو من ذهب أو فضة أو حلوى(٢).
ولا يجوز بيع الخشبة لمن يعلم أنه يتخذها
صليبا. (٣)
وسئل ابن تيمية عن خياط خاط للنصارى
سیر حریر فیه صلیب ذهب فهل علیه إثم في
خياطته؟ وهل تكون أجرته حلالا أم لا؟ فقال:
إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثما ...
ثم قال: والصليب لا يجوز عمله بأجرة ولا غير
أجرة، كما لا يجوز بيع الأصنام ولا عملها. كما
ثبت في الصحيح عن النبي صل أنه قال: ((إن
الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
(١) الطحطاوي على الدر المختار ١٩٦/٤، وفتح القدير
وحواشيه ٤١/٦ - ٤٤، وكشاف القناع ١٥٦/٣، وزاد
المعاد ٤ / ٢٤٥ ط مصطفى الحلبي.
(٢) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ١٥٨/٢، والفتاوى الهندية
٤٥٠/٤
(٣) منح الجليل ٢/ ٤٦٩، وشرح منتهى الإِدارات ١٥٥/٢ط
دار أنصار السنة بمصر، والحطاب ٤/ ٢٥٤
- ٩١ -

تصليب ١٥، تصوير ١
والأصنام))(١). وثبت أنه ((لعن المصورين))(٢).
وصانع الصليب معلون لعنه الله ورسوله. ومن
أخذ عوضا عن عين محرمة مثل أجرة حامل
الخمر وأجرة صانع الصليب وأجرة البغي ونحو
ذلك، فلیتصدق به، ولیتب من ذلك العمل
المحرم، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله،
فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به، لأنه
عوض خبيث. نص عليه الإِمام أحمد في مثل
حامل الخمر، ونص عليه أصحاب مالك
وغيرهم. (٣)
(١) حديث: ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٢٤/٤ ط السلفية).
ومسلم (١٢٠٧/٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((لعن المصورين)) أخرجه البخاري (الفتح
٤ / ٣١٤ط السلفية).
(٣) مجموع الفتاوى الكبرى لابن تيمية ١٤١/٢٢
تصوير
التعريف :
١ - التصوير لغة: صنع الصورة. وصورة
الشيء هي هيئته الخاصة التي يتميز بها عن
غيره. وفي أسمائه تعالى: المصوِّر، ومعناه:
الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل
شيء منها صورته الخاصة وهيئته المفردة، على
اختلافها وکثرتها . (١)
وورد في حديث ابن عمر تسمية الوجه
صورة، قال رضي الله عنه: ((نهى النبي صل ◌ّ أن
تضرب الصورة، أونهى عن الوسم في الوجه))(٢)
أي: أن يضرب الوجه أو يوسم الحيوان في
وجهه .
والتصوير أيضا: ذكر صورة الشيء، أي :
صفته، يقال: صورت لفلان الأمر، أي :
وصفته له .
والتصوير أيضا: صنع الصورة التي هي تمثال
(١) لسان العرب مادة: ((صور)).
(٢) حديث: ((نهى أن تضرب الصورة ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٩/ ٦٧٠ - ط السلفية) من حديث عبدالله بن عمر
رضي الله عنهما. وأخرجه مسلم (١٦٧٣/٣ - ط الحلبي).
- ٩٢ -

تصوير ٢ - ٣
الشيء، أي: ما يماثل الشيء ويحكي هيئته التي
هو عليها، سواء أكانت الصورة مجسمة أو غير
مجسمة، أو كما يعبر بعض الفقهاء: ذات ظل أو
غیر ذات ظل.
والمراد بالصورة المجسمة أو ذات الظل
ما كانت ذات ثلاثة أبعاد، أي لها حجم،
بحيث تكون أعضاؤها نافرة يمكن أن تتميز
باللمس، بالإِضافة إلى تميزها بالنظر.
وأما غير المجسمة، أو التي ليس لها ظل،
فهي المسطحة، أوذات البعدين، وتتميز
أعضاؤها بالنظر فقط، دون اللمس، لأنها
ليست نافرة، كالصور التي على الورق، أو
القماش، أو السطوح الملساء.
والتصوير والصورة في اصطلاح الفقهاء
يجري على ما جرى عليه في اللغة.
وقد تسمى الصورة تصويرة، وجمعها
تصاوير، وقد ورد من ذلك في السنة حديث
عائشة رضي الله عنها في شأن الستر قوله { الچ:
((أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره
تعرض في صلاتي».(١)
أنواع الصور :
٢ - إن الصورة - بالإِضافة إلى ما ذكرناه من
(١) حديث: ((أميطي عنا قرامك هذا ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١ / ٤٨٤ - ط السلفية).
الصور الثابتة - قد تكون صورة مؤقتة كصورة
الشيء في المرآة، وصورته في الماء والسطوح
اللامعة، فإِنها تدوم ما دام الشيء مقابلا
للسطح، فإن انتقل الشيء عن المقابلة انتهت
صورته .
ومن الصور غير الدائمة: ظل الشيء إذا
قابل أحد مصادر الضوء. ومنه ما كانوا
يستعملونه في بعض العصور الإِسلامية،
ويسمونه: صور الخيال، أو صور خيال
الظل. (١) فإنهم كانوا يقطعون من الورق صورا
للأشخاص، ثم يمسكونها بعصي صغيرة،
ويحركونها أمام السراج، فتنطبع ظلالها على
شاشة بيضاء يقف خلفها المتفرجون، فيرون
ما هو في الحقيقة صورة الصورة.
ومن الصور غير الدائمة: الصور
التليفزيونية، فإِنها تدوم مادام الشريط متحركا
فإذا وقف انتهت الصورة .
٣ - ثم إن الصورة قد تكون لشيء حي عاقل
ذي روح، كصورة الإِنسان. أو غير عاقل،
كصورة الطائر أو الأسد. أو لحي غير الحيوان
كصور الأشجار والزهور والأعشاب. أو
للجمادات كصور الشمس والقمر والنجوم
والجبال، أو صور المصنوعات الإِنسانية كصورة
منزل أوسيارة أو منارة أو سفينة.
(٢) انظر فقرة ٤٨
- ٩٣ -

تصوير ٤ - ٦
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التماثيل :
٤ - التماثيل جمع تمثال ((بكسر التاء)) وتمثال
الشيء: صورته في شيء آخر. وهو من المماثلة،
وهي المساواة بين الشيئين. والتمثيل:
التصوير. يقال: مثّل له الشيء إذا صوره له
کأنه ینظر إلیه، ومثلت له کذا : إذا صورت له
مثاله بكتابة أو غيرها، وفي الحديث: ((أشدّ
الناس عذابا ممثّل من الممثلين)) (١) أي مصور.
وظل كل شيء تمثاله. (٢)
فالفرق بين التمثال وبين الصورة: أن صورة
الشيء قد یراد بها الشيء نفسه، وقد يراد به
(١) حديث: ((أشد الناس عذابا ممثل من الممثلين)) أخرجه أحمد
(٤٠٧/١ - ط الميمنية) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على
المسند (٣٣٢/٥ - ط المعارف).
(٢) لسان العرب مادة: ((مثل)).
وهذا في أصل اللغة. وأما في العصر الحاضر فقد خص
استعمال لفظة (التمثال) في العرف العام بالصورة المصنوعة
لإنسان أو حيوان معتاد أو حيوان خرافي، دون صور النبات
أو الجمادات، وبشرط أن تكون الصورة مجسمة، فلا يقال
للنباتات الصناعية ولا صور المباني مثلا : إنها تماثيل، كما لا
يقال لصورة إنسان أو حيوان إن كانت مسطحة : إنها تمثال.
ومما يبين أن الوضع اللغوي الأصلي لكلمة (التمثال)
مخالف للإِطلاق المعاصر ماورد من قول عائشة رضي الله
عنها: ((كان لنا ستر فيه تمثال طائر)) وقولها: ((سترت سهوة لي
بقرام فيه تماثيل)) والستر من المسطحات لا من المجسمات.
وربما يبدو من مجموع الروايات أن التماثيل كانت في
الصفة، وكانت لعبا مجسمة، ولم تكن رسوما مرقومة في
الستر.
غيره مما يحكي هيئة الأصل، أما التمثال فهو
الصورة التي تحكي الشيء وتماثله، ولا يقال
لصورة الشيء في نفسه : إنها تمثاله.
٥ - ومما يبين أن التمثال أيضا في اللغة يستعمل
لصور الجمادات ماورد في صحيح البخاري أن
المسيح الدجال يأتي ومعه تمثال الجنة والنار. (١)
أما في عرف الفقهاء، فإِنه باستقراء كلامهم
تبين أن أكثرهم لا يفرقون في الاستعمال بين
لفظي (الصورة) و(التمثال)، إلا أن بعضهم
خص التمثال بصورة ما كان ذا روح، أي صورة
الإِنسان أو الحيوان، سواء أكان مجسما أو
مسطحا، دون صورة شمس أو قمر أوبیت،
وأما الصورة فهي أعم من ذلك. نقله
ابن عابدين عن المغرب. (٢)
وهذا البحث جار على الاصطلاح الأغلب
عند الفقهاء، وهو أن الصورة التي تحكي
الشىء ، والتمثال بمعنى واحد.
ب - الرسم :
٦ - الرسم في اللغة: أثر الشيء. وقيل: بقية
الأثر. وأثر الشيء قد يشاكله في الهيئة. ومن هنا
سموا ((الروسم))، وهو الخشبة التي فيها نقوش
يختم بها الأشياء المراد بقاؤها مخفاة، لئلا
(١) حديث: ((يجىء معه تمثال الجنة والنار)) أخرجه البخاري
(١٦٣/٤ - ط محمد صبيح) وفي رواية: ((بمثال)).
(٢) ابن عابدين ١/ ٤٣٥ ط بولاق، والمغرب ص ٤٢٢
- ٩٤ -

تصوير ٧ - ١١
تستعمل. وقال ابن سيده: ((الروسم الطابع)).
ومنه ((المرسوم)) لأنه يختم بخاتم. (١)
والرسم في الاستعمال المعاصر بمعنى:
الصورة المسطحة، أو التصوير المسطح، إذا كان
معمولا باليد. ولا تسمى الصورة الفوتوغرافية
رسما. بل يقال: رسمت دارا، أو إنسانا، أو
شجرة .
جـ ـ التزويق، والنقش، والوشي، والرقم:
٧ - هذه الكلمات الأربع تكاد تكون بمعنى
واحد، وهو تجميل الشيء المسطح أو غير
المسطح بإضافة أشكال تجمیلیة إلیه، سواء
أکانت أشكالا هندسية أو نمنمات أو صورا أو
غير ذلك. قال صاحب اللسان: ثوب منمنم
أي: موقوم موشَّى، وقال: النقش: النمنمة.
فكل منها يكون بالصور أو بغيرها .
د - النحت :
٨ - النحت: الأخذ من كتلة صلبة كالحجر أو
الخشب بأداة حادة كالأزميل أو السكين، حتى
يكون مايبقى منها على الشكل المطلوب، فإِن
كان مابقي يمثل شيئا آخر فهو تمثال أو صورة،
وإلا فلا .
ترتیب هذا البحث:
٩ - يحتوي هذا البحث على مايلي:
أولا : مايتعلق من الأحكام بالصورة
الإنسانية .
(١) لسان العرب مادة: ((رسم)).
ثانيا: أحكام التصوير، أي: صناعة الصور.
ثالثا: أحكام اقتناء الصور، أي: اتخاذها
واستعمالها .
رابعا: أحكام الصور من حيث التعامل
والتعرف فيها .
القسم الأول: مايتعلق من
الأحكام بالصورة الإِنسانية :
١٠ - ينبغي للإنسان أن يعتني بتجميل صورته
الظاهرة، بالإضافة إلى اعتنائه بتكميل صورته
الباطنة، ويقوم بحق الله تعالى بشكره على أنه
جمل صورته .
والعناية بالصورة الباطنة تكون بالإِيمان
والتطهر من الذنوب والشكر لله، والتجمل
بالأخلاق الحميدة.
والعناية بالصورة الظاهرة تكون بالتطهر
بالوضوء والاغتسال والتنظف وإزالة التفث،
والتزين بالزينة المشروعة من العناية بالشعر
والملابس الحسنة وغير ذلك، (ر: زينة).
١١ - ولا يحل للإنسان أن يشوه جسمه بإتلاف
عضو من أعضائه، أو إخراجه عن وضعه الذي
خلقه الله عليه. كمالا يحل له أن يفعل ذلك
بغیره، إلا حیث أذن الله تعالی بذلك وقد ((نهی
النبي ◌َ ﴿ عن النُهْبى والمثلة)) (١). (ر: مثلة).
(١) حديث: ((نهى النبي عن النهبى والمثلة)) أخرجه البخاري
(الفتح ١١٩/٥ - ط السلفية) من حديث عبدالله بن یزید
الأنصاري رضي الله عنه.
- ٩٥ -

تصوير ١٢
کما لا يحل له أن يقصد تشویه نفسه بلبس
ماينفر الناس منه ويخرجه عن المعتاد (ر:
ألبسة).
ومن ذلك أن النبي رَ﴾ ((نهى أن يمشي
الرجل في نعل واحدة)) أي: في إحدى قدميه
دون الأخرى(١) . وشرع للمسلم أن يتطيب
ويتعطر. وللمرأة زينتها الخاصة.
وراجع مباحث (اكتحال. اختضاب.
حلي، الخ).
١٢ - أما الزينة الباطنة، فقد قال ابن القيم:
الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع
محبته، كما في الحديث: ((إن الله لا ينظر إلى
صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم)) (٢). وهذا الجمال الباطن يزين الصورة
الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال، فتكسو صاحبها
من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب مااكتسبت
روحه من تلك الصفات. فإِن المؤمن يعطى
مهابة وحلاوة بحسب إيمانه، فمن رآه هابه،
ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان .
فإنك ترى الرجل الصالح ذا الأخلاق الجميلة
(١) حديث: ((نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة)) أخرجه
مسلم (١٦٦١/٣ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبدالله
رضي الله عنهما.
(٢) حديث: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ... ))
أخرجه مسلم (٤ / ١٩٨٧ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه .
من أحلى الناس صورة، وإن كان غير جميل،
ولاسيما إذا رزق حظا من صلاة الليل، فإِنها
تنور الوجه .
قال: وأما الجمال الظاهر فزينة خص الله بها
بعض الصور عن بعض، وهي من زيادة الخلق
التي قال الله فيها: ﴿يزيدُ في الخَلْق مايشاءُ﴾(١)
قال المفسرون: هو الصوت الحسن والصورة
الحسنة. والقلوب مطبوعة على محبته، كما هي
مفطورة على استحسانه.
قال: وكل من الجمال الظاهر والجمال الباطن
نعمة من الله تعالى توجب على العبد شكرا
بالتقوى والصيانة، وبهما يزداد جمالا على جماله.
وإن استعمل جماله في معاصي الله قلب الله
محاسنه شینا وقبحا. وكان النبي ێ يدعو الناس
إلى جمال الباطن بجمال الظاهر، قال
جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه: قال لي
رسول الله وَ له: ((أنت امروء حسّن الله خَلْقَك،
فحسِّنْ خُلُقَك))(٢). وكان النبي ◌َّ أجمل
الخلق وأحسنهم وجها. وقد سئل البراء بن
عازب رضي الله عنه: ((أكان وجه النبي ◌َّ مثل
السيف؟ فقال: لا، بل مثل القمر)). (٣)
(١) سورة فاطر / ١
(٢) حديث: ((أنت امرؤ حسّن الله خَلْقك فحسّن خُلُقَك))
أخرجه الخرائطي وابن عساكر في تأريخه، وضعفه العراقي
كما في فيض القدير (٥٥٢/٢ - ط المكتبة التجارية).
(٣) حديث: ((سئل أكان وجه النبي آثار مثل السيف؟ فقال:
.... )) أخرجه البخاري (الفتح ٥٦٥/٦ - ط السلفية).
- ٩٦ -
٤

تصوير ١٣ - ١٥
وکان ټ#* يستحب أن يكون الرسول الذي
يرسل إليه حسن الوجه حسن الاسم، فكان
يقول: ((إذا أَبْرَدْتم إليّ بَرِيدا فاجعلوه حسنَ
الوجه حسنَ الاسم))(١) وقد أمتع الله عباده
المؤمنین في دار كرامته بحسن الصور، كما في
الحديث ((أول زُمْرة تدخل الجنةَ على صورةٍ
القمر ليلة البدر، والذين على أثرهم كأشدٌ
کوکب إضاءةً، قلوبهم علی قلبٍ رجل واحد،
يسبحون الله بُكرة وعشية. صورهم على صورة
القمر ليلة البدر))(٢).
القسم الثاني: حكم التصوير (صناعة الصور)
أ - تحسين صورة الشيء المصنوع:
١٣ - يستحسن للصانع إذا صنع شيئا أن يحسن
صورة ذلك الشيء، إذ أن ذلك من إتقان
العمل وإحسانه. وقد مدح الله تعالى نفسه
بقوله: ﴿ذلك عالُ الغيب والشهادةِ العزيزُ
الرحيمُ. الذي أحسنَ كلَّ شيء خلَقَه ويَدَأَ
خلْقَ الإِنسانِ من طينٍ﴾(٣) وقال: ﴿خلق
(١) حديث: ((إذا أبردتم إلي بريدا ... )) أخرجه البزار من
حديث بريدة، ونقل السيوطي عن الهيثمي تصحيحه.
(اللآلي ١١٢/١ - نشر دار المعرفة).
(٢) روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن القيم ص ٣٧
وحديث: «أول زمرة تلج الجنة .... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٣١٩/٦ - ط السلفية).
(٣) سورة السجدة / ٧
السمواتِ والأرضَ بالحق وصوَّركم فأحسنَ
صوركم وإليه المصير﴾(١) وفي الحديث عن
النبي ◌َّ﴿ أنه قال: ((إن الله يحب إذا عَمِل
أحدُكم عملا أن يُتقنه))(٢) وقال: ((إن الله كَتَبَ
الإِحسانَ على كل شيء، فإِذا قتلتم فأُحسِنُوا
القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ...
الحديث))(٣).
ب - تصوير المصنوعات :
١٤ - لا بأس بتصوير الأشياء التي يصنعها
البشر، كصورة المنزل والسيارة والسفينة
والمسجد وغير ذلك اتفاقا. لأن للإِنسان أن
يصنعها، فكذلك له أن يصورها.
ز
جـ - صناعة تصاوير الجمادات المخلوقة:
١٥ - لا بأس بتصوير الجمادات التي خلقها الله
تعالى - على ماخلقها عليه - كتصوير الجبال
والأودية والبحار، وتصوير الشمس والقمر
والسماء والنجوم، دون اختلاف بين أحد من
أهل العلم، إلا من شذ. غير أن ذلك لا يعني
(١) سورة الزمر / ٥
(٢) حديث: ((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه))
أخرجه أبو يعلى كما في المجمع (٩٨/٤ - ط القدسي) من
حديث عائشة. وقال الهيثمي: فيه مصعب بن ثابت، وثقه
ابن حبان، وضعفه جماعة.
(٣) حديث: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء .... ))
أخرجه مسلم (١٥٤٨/٣ - ط الحلبي).
- ٩٧ -

تصوير ١٥ - ١٦
جواز صناعة شيء منها إذا عُلِم أن الشخص
المصنوعة له يعبد تلك الصورة من دون الله،
وذلك كعباد الشمس أو النجوم. أشار إلى ذلك
ابن عابدين. ويستدل لحكم هذه المسألة وأن
ذلك ليس بداخل في التصوير المنهي عنه بما يأتي
في المسألة التالية ومابعدها.
وقد نقل ابن حجر في الفتح عن أبي محمد
الجويني أنه نقل وجها بمنع تصوير الشمس
والقمر، لأن من الكفار من عبدهما من
دون الله، فیمتنع تصويرهما لذلك. ووجهه
ابن حجر بعموم قول النبي #1: ((الذين
يضاهون بخلق الله))(١) وقوله في الحدیث
القدسي: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلُق خلقا
کخلقي»(٢) فإِنه يتناول ما فيه روح وما لا روح
فیه. غير أن هذا مُؤۇَّل وخاص بما فيه روح کما
يأتي. (٣)
(١) حديث: ((الذين يضاهون بخلق الله)) أخرجه البخاري
(الفتح ٣٨٧/١٠ - ط السلفية) ومسلم (١٦٦٨/٣ - ط
الحلبي) من حديث عائشة رضي اللهعنها.
(٢) حديث: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي)) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٨٥/١٠ - ط السلفية). ومسلم
(١٦٧١/٣ - ط الحلبي).
(٣) ابن عابدين ٤٣٥/١، وحاشية الطحطاوي على الدر
المختار ٢٧٤/١، وشرح المنهاج للنووي وحاشية القليوبي
عليه ٢٩٧/٣ ط عيسى الحلبي، وحاشية الدسوقي على
الشرح الكبير للدردير المالكي ٣٣٨/٢ ط عيسى الحلبي،
وفتح الباري ١٠/ ٣٩٤ ط السلفية.
د - تصوير النباتات والأشجار:
١٦ - جمهور الفقهاء على أنه لا بأس شرعا
بتصوير الأعشاب والأشجار والثمار وسائر
المخلوقات النباتية، وسواء أكانت مثمرة أم لا ،
وأن ذلك لا يدخل فيما نهي عنه من التصاوير.
ولم ينقل في ذلك خلاف، إلا ما روي عن مجاهد
أنه رأى تحريم تصوير الشجر المثمر دون الشجر
غير المثمر. قال عياض: هذا لم يقله أحد غير
مجاهد. قال ابن حجر: وأظن مجاهدا سمع
حديث أبي هريرة، ففيه: ((فَلْيَخْلقوا ذرةٍ(١)،
وليخلقوا شعيرة))(٢) فإِن في ذكر الذرة إشارة إلى
مافيه روح، وفي ذكر الشعيرة إشارة إلى ماينبت
مما يؤكل، وأما ما لا روح فيه ولا يثمر فلم تقع
الإشارة إليه. (٣).
وكراهة تصوير النباتات والأشجار وجه في
(١) المراد بالذرة في الحديث النملة الصغيرة كما في المصباح
المثير.
(٢) حديث: ((فليخلقوا ذرة، وليخلقوا شعيرة)) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٨٥/١٠ - ط السلفية) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) الأثر عن مجاهد أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ط الهند
بومباي الدار السلفية ١٣٩٩ هـ) ٥٠٧/٨، ونقله عنه
الکثیر، انظر مثلا: فتح الباري ٣٩٥/١٠ (کتاب اللباس
ب ٩٧)، وانظر أيضا: الطحطاوي على الدر ٢٧٣/١،
وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ٢٩٧/٣، وابن عابدين
٤٣٦/١، وشرح الإقناع للشيخ منصور البهوتي،
الرياض، مكتبة النصر الحديثة، ١/ ٢٨٠، والشرح الكبير
بحاشية الدسوقي ٣٣٨/٢
- ٩٨ -

تصوير ١٦ - ١٨
مذهب أحمد، والمذهب على خلافه(١).
وقد احتج الجمهور بأن النبي بَ ل ◌ّ قال: ((من
صور صورة في الدنیا کلف أن ینفخ فيها الروح،
وليس بنافخ))(٢) فخص النهي بذوات الأرواح
ولیس الشجرمنها، وبحديث ابن عباس رضي
الله عنهما أنه نهى المصور عن التصوير، ثم قال
له: ((إن كنت فاعلا فصور الشجر وما لا روح
فيه)) قال الطحطاوي: ولأن صورة الحيوان لما
أبیحت بعد قطع رأسها - لأنها لا تعيش بدونه ۔
دل ذلك على إباحة تصوير ما لا روح فيه
أصلا. (٣) بل إن في بعض روايات حديث
عائشة رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام
قال للنبي# («مُرْ برأس التمثال فلْيقطعْ حتى
يكون كهيئة الشجرة)) (٤) فهذا تنبيه على أن
الشجرة في الأصل لا يتعلق النهي بتصويرها .
هذا مايذكره الفقهاء في الاستدلال على أنه
لا يحرم تصوير الشجر والنبات وما لا روح فيه.
(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ٣/ ٥١٤
(٢) حديث: ((من صور صورة في الدنيا ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٩٣/١٠ - ط السلفية) من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) فتح الباري ٣٩٤/١٠، ٣٩٥، والطحطاوي على الدر
المختار ٢٧٤/١
(٤) حديث: ((مر برأس التمثال فليقطع حتى يكون كهيئة
الشجرة)» أخرجه أبو داود (٣٨٨/٤ - تحقيق عزت عبيد
دعاس) والترمذي (١١٥/٥ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه وقال: حديث حسن صحيح.
وفي مسند أحمد من حديث علي رضي الله
عنه أن جبريل قال للنبي وَل﴾ ((إنها ثلاث، لن
يلج عليك مَلَكٌ ما دام فيها واحد منها: كلب،
أو جنابة، أو صورة روح))(١).
هـ - تصوير صورة الحيوان أو الإِنسان :
١٧ - هذا النوع من التصوير فيه اختلاف بين
الفقهاء وتفصيل يتبين فيما يلي، وإلى هذا النوع
خاصة ينصرف قول من يطلق تحريم التصوير،
دون غيره من الأنواع المتقدم ذكرها.
التصوير في الديانات السابقة :
١٨ - قال مجاهد في قوله تعالى في حق سليمان
عليه السلام وطاعة الجن له: ﴿يعملون له
مايشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب﴾(٢)
قال: كانت صورا من نحاس. أخرجه
الطبري. وقال قتادة: كانت من الزجاج
والخشب أخرجه عبدالرزاق. قال ابن حجر:
كان ذلك جائزا في شريعتهم، وكانوا يعملون
أشكال الأنبياء والصالحين منهم على هيئتهم في
العبادة ليتعبدوا كعبادتهم. وقال أبو العالية : لم
یکن ذلك في شریعتهم حراما. وقال مثل ذلك
الجصاص.
(١) حديث: ((إنها ثلاث: لن يلج عليك مَلَك مادام فيها ... ))
أخرجه أحمد (١ /٨٥ - ط اليمنية) وفي إسناده جهالة.
(الميزان للذهبي ٢٤٨/٤ - ط الحلبي).
(٢) سورة سبأ / ١٣
- ٩٩ -

تصوير ١٩ - ٢٠
قال ابن حجر: ولكن ثبت في الصحيحين
أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذکرتا
للنبي ٣ كنيسة رأينها بأرض الحبشة، فذكرتا
من حسنها وتصاوير فيها، فقال النبي مليار
((أولئك قوم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح
بَنَوْا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك
الصور. أولئك شرار الخلق عند الله))(١).
قال: فإن ذلك يشعر بأنه لو كان جائزا في
شريعتهم ما أطلق على الذي فعله أنه شر
الخلق، هكذا قال. لكن الأظهر أنه ذمهم لبناء
المساجد على القبور، ولجعلهم الصور في
المساجد، لا لمطلق التصوير، ليوافق الآية، (٢)
والله أعلم.
تصوير صورة الإِنسان والحيوان في الشريعة
الإسلامية :
١٩ - اختلف العلماء في حكم تصوير ذوات
الأرواح من الإِنسان أو الحيوان على ثلاثة
أقوال :
٢٠ - القول الأول: إن ذلك غير حرام.
ولا يحرم منه إلا أن يصنع صنما يعبد من دون الله
(١) حديث: ((أولئك قوم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح
بنوا على ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١/ ٥٢٤ - ط
السلفية). ومسلم (٣٧٦/١ - ط الحلبي).
(٢) فتح الباري ٣٨٢/١٠ (كتاب اللباس ب ٨٨)، وأحكام
القرآن للجصاص ٣٧٢/٣ نشر نظارة الأوقاف
بالقسطنطينية سنة ١٣٣٨ هـ، في تفسير سورة سبأ.
تعالى، لقوله تعالى: ﴿قال أتعبدون
ما تَنْجِتُون. والله خلقكم وما تعملون﴾(١)
ولقول النبي صل#: ((إن الله ورسوله حرم بيع
الخمر والميتة والخنزير والأصنام))(٢)
- واحتج القائلون بالإِباحة بقوله تعالى في
حق سليمان عليه السلام : ﴿يعملون له مایشاء
من محاريبَ وتماثيلَ وجفانٍ كالجَوَابِ﴾(٣) قالوا:
وشرع من قبلنا شرع لنا لقوله تعالى: ﴿أولئك
الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (٤).
واستدلوا بقول النبي 18ّ في حق المصورين
((الذين يضاهون بخلق الله))(٥) وفي بعض
الروايات ((الذين يشبهون بخلق الله)) وقول
النبي 18 فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى :
((ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي
فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا ذرة))(٦) قالوا: ولو
كان هذا على ظاهره لاقتضى تحريم تصوير
الشجر والجبال والشمس والقمر، مع أن ذلك
(١) سورة الصافات / ٩٥ - ٩٦
(٢) حديث: ((إن الله ورسوله حرم بيعَ الخمر والميتة والخنزير
والأصنام)) أخرجه البخاري (الفتح ٤/ ٤٢٤ - ط السلفية)
ومسلم (١٢٠٧/٣ - ط الحلبي).
(٣) سورة سبأ/ ١٣
(٤) سورة الأنعام/ ٩٠
(٥) الحديث تقدم تخريجه (ف/ ١٥)
(٦) حديث: ((ومن أظلم ممن ذهب ... )) سبق تخريجه
(ف/ ١٥)
- ١٠٠ -
١