Indexed OCR Text
Pages 301-320
تسري ١٨، تسعير ١
رضي الله عنه أنه قال: حصنوا هذه الولائد،
فلا يطأ رجل وليدته ثم ينكر ولدها إلا ألزمته
إياه. رواه سعيد بن منصور. وروی سعید أيضا
أن عمر رضي الله عنه قال: أيما رجل غشي أمته
ثم ضيعها فالضيعة عليه والولد ولده.
ثم قال أصحاب هذا القول: إن نفی الولد
عن نفسه مع ثبوت الوطء لم ينتف عنه، إلا أن
يدعي أنه استبرأها بعد الوطء، وأتت بالولد
بعد استبرائها، بستة أشهر فأكثر، فينتفي الولد
بذلك. وفي تحلیفه علی ذلك وجهان.
القول الثاني: أنه لا يلحقه ولو أقر بالوطء إلا
أن يستلحقه، ولا تصير الأمة فراشا بالوطء إلا
بالدعوة، أي استلحاق نسب المولود. ثم إذا
استحلق أحد أولاد الأمة لحقه من تلدهم بعده،
لكن إن انتفى من نسب أحدهم لم يلحقه.
ولا يحرم عليه الانتفاء من نسب ولدها إن كان
عزل عنها. وهذا قول الحنفية.
القول الثالث: أنه يلحقه، لكن لونفاه لم
يلحقه وهو قول الحسن والشعبي. (١) وتفصيل
ذلك في مصطلح: (نسب).
(١) المغني ٩/ ٥٢٩، ٥٣٠، وجواهر الإكليل ٣١٢/٢،
٣١٣، وابن عابدين ٢/ ٣٨٠، ٦٣٠
تسعير
التعريف :
١ - التسعير في اللغة: هو تقدير السعر. يقال:
سعرت الشيء تسعيرا: أي جعلت له سعرا
معلوما ينتهي إليه. وسعروا تسعيرا: أي :
اتفقوا على سعر. والسّعر مأخوذ من سَعَرَ النار
إذا رفعها، لأن السعر يوصف بالارتفاع. ذكره
الزمخشري .(١)
والتسعير في الاصطلاح: تقدير السلطان أو
نائبه للناس سعرا، وإجبارهم على التبايع بما
قدّره . (٢)
وقال ابن عرفة: حد التسعير : تحديد حاكم
السوق لبائع المأكول فيه قدرا للمبيع بدرهم
معلوم . (٣)
(١) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والقاموس المحيط،
ولسان العرب، وأساس البلاغة مادة: ((سعر))، والنظم
المستعذب في شرح غريب المهذب ٢٩٢/١ ط مصطفى
البابي الحلبي .
(٢) مطالب أولي النهى ٦٢/٣، وأسنى المطالب ٣٨/٢ط
المكتبة الإسلامية .
(٣) التيسير في أحكام التسعير تأليف القاضي أحمد بن سعيد
المجيلدي / ٤١ ط الشركة الوطنية للنشر والتوزيع -
الجزائر.
- ٣٠١ -
٠
تسعير ٢ - ٦
وقال الشوكاني: التسعير أن يأمر السلطان أو
نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمرا أهل
السوق ألا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنع
من الزيادة عليه أو النقصان إلا لمصلحة . (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاحتكار :
٢ - الاحتكار لغة: من الحكر، وهو الظلم
والالتواء والعسر وسوء المعاشرة، واحتكار
الطعام : حبسه تربصا لغلائه، والحكرة : اسم
من الاحتكار. (٢)
وفي الاصطلاح: اختلفت تعريفات الفقهاء
فيه، بناء على القيود التي وضعها كل مذهب.
وترجع كلها إلى حبس السلع انتظارا لارتفاع
أثمانها .
ويرجع فيه إلى مصطلح (احتكار).
فالاحتكار مباين للتسعير. إلا أن وجود
الاحتكار مما يستدعي التسعير لمقاومة الغلاء.
ب - التثمين :
٣ - التثمين: مصدر ثمّنت الشيء أي : جعلت
له ثمنا بالحدس والتخمين.
(١) نيل الأوطار ٥/ ٢٢٠ ط المطبعة العثمانية المصرية، ومغني
المحتاج ٣٨/٢ط مصطفى البابي الحلبي.
(٢) أساس البلاغة، والقاموس المحيط، والمصباح المنير مادة:
((حکر))، وابن عابدين ٢٥٥/٥ط دار إحياء التراث
العربي، والاختيار لتعليل المختار ٤/ ١٦٠ ط دار المعرفة.
جـ - التقويم :
٤ - تقويم الشيء: أن يجعل له قيمة معلومة. (١)
الحكم التكليفي للتسعير :
٥ - اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن الأصل
في التسعير هو الحرمة. (٢) أما جواز التسعير
فمقید عندهم بشروط معينة يأتي بيانها .
٦ - واستدل صاحب البدائع لإِثبات الحرمة
بالمنقول من الكتاب والسنة :
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطلِ ، إلا أن
تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكم﴾ . (٣)
(١) المصباح المنير.
(٢) الهداية ٩٣/٤ط مصطفى البابي الحلبي، والبدائع
١٢٩/٥ ط دار الكتاب العربي، والجوهرة النيرة ٣٨٧/٢ط
مكتبة إمدادية، والزيلعي ٢٨/٦ ط دار المعرفة، وكشف
الحقائق ٢/ ٢٣٧ ط مطبعة الموسوعات، والاختيار ٤/ ١٦٠
- ١٦١، وابن عابدين ٢٥٦/٥، والشرح الصغير
٦٣٩/١، والمواق على هامش مواهب الجليل ٤/ ٣٨٠ط
دار الفكر، والقوانين الفقهية / ٢٦٠ ط الدار العربية
للكتاب، والمنتقي ١٨/٥ ط دار الكتاب العربي، والتحفة
١٠٩/٢ ط المطبعة الأميرية بمكة، ونهاية المحتاج
٤٥٦/٣، والقليوبي ١٨٦/٢ط دار إحياء الكتب
العربية، وأسنى المطالب ٣٨/٢، وحاشية الجمل ط دار
إحياء التراث العربي، وروضة الطالبين ٣/ ٤١١، ٤١٢،
ومغني المحتاج ٣٨/٢، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦٢،
وكشاف القناع ٤/ ٤٤، والإنصاف ٣٣٨/٤ط مطبعة
السنة المحمدية. والمغني ٤ / ٢٤٠، ٢٤٤
(٣) سورة النساء / ٢٩
- ٣٠٢ -
تسعير ٦ - ٧
فاشترطت الآية التراضي، والتسعير
لا يتحقق به التراضي .
وأما السنة : فقوله عليه الصلاة والسلام:
((لا يحَلُّ مال امرىء مسلم إلا بطيب نفسه
منه)).(١)
واستدل صاحب المغني بما روي أنس
رضي الله تعالى عنه قال: ((غلا السعر في المدينة
على عهد رسول الله وَّو، فقال الناس:
يارسول الله: غلا السعر فسعرلنا، فقال
رسول الله وَله: إن الله هو المسعر القابض
الباسط الرازق، إني لأرجو أن ألقى الله وليس
أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال)). (٢)
قال ابن قدامة والدلالة من وجهين:
١ - أنه لو لم يسعر، وقد سألوه ذلك، ولو
جاز لأجابهم إليه .
٢ - أنه علل بكونه مظلمة والظلم حرام.
وبما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه
مر بحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وهو يبيع
(١) حديث: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفسه منه)).
أخرجه أحمد (٧٢/٥ - ط الميمنية) من حديث أبي حرة
الرقاشي، وهو حديث صحيح بطرقه. (التلخيص
لابن حجر ٣ / ٤٦ - ٤٧ ط شركة الطباعة الفنية).
وانظر البدائع ١٢٩/٥ ط دار الكتاب العربي.
(٢) حديث أنس: ((إن الله هو المسعر القابض ... )) أخرجه
أبو داود (٧٣١/٣ - ط عزت عبيد دعاس) وقال
ابن حجر: إسناده على شرط مسلم، (التلخيص ٣/ ١٤ -
ط شركة الطباعة الفنية).
زبيبا له في السوق، فقال له: إما أن تزيد في
السعر، وإما أن ترفع من سوقنا، فلما رجع عمر
حاسب نفسه، ثم أتی حاطبا في داره، فقال له :
إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء،
إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث
شئت فبع، وکیف شئت فبع. (١)
٧ - واستدلوا بالمعقول :
وهو أن للناس حرية التصرف في أموالهم،
والتسعير حجر عليهم، والإِمام مأمور برعاية
مصلحة المسلمين، وليس نظره لمصلحة
المشتري برخص الثمن أولى من نظره لمصلحة
البائع بتوفیر الثمن.(٢)
والثمن حق العاقد فإليه تقديره. (٣)
(١) ابن عابدين ٢٥٦/٥، والاختيار لتعليل المختار ٤/ ١٦٠،
١٦١، والهداية ٤ / ٩٣ط مصطفى البابي الحلبي، ومواهب
الجليل ٤/ ٣٨٠ط دار الفكر، والقوانين الفقهية/ ٢٦٠،
والمنتقي شرح الموطأ ١٨/٥ ط دار الكتاب العربي،
والقليوبي ٢/ ١٨٦ط مطبعة دار إحياء الكتب العربية،
وحاشية الجمل ٣/ ٩٣ط دار إحياء التراث العربي،
وروضة الطالبين ٤١١/٣، ٤١٢ط المكتب الإسلامي،
ومطالب أولي النهى ٣/ ٦٢ط المكتب الإسلامي بدمشق،
والمغني ٢٤١/٤، وسبل السلام ٣٦/٣ط مطبعة مصطفى
محمد . ..
(٢) المغني ٤ / ٢٤٠، ٢٤١، ونيل الأوطار ٥/ ٢٢٠ط المطبعة
العثمانية المصرية .
(٣) الهداية ٩٣/٤، والزيلعي ٢٨/٦ ط دار المعرفة، والجوهرة
النيرة ٣٨٧/٢، وكشف الحقائق ٢٣٧/٢، =
- ٣٠٣ -
تسعير ٨ - ١٠
ثم إن التسعير سبب الغلاء والتضييق على
الناس في أموالهم. لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك
لم يقدموا بسلعهم بلدا يكرهون على بيعها فيه
بغير مايريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع من
بيعها ويكتمها، ويطلبها أهل الحاجة إليها، فلا
يجدونها إلا قليلا، فيرفعون في ثمنها ليصلوا
إليها، فتغلو الأسعار ويحصل الإِضرار
بالجانبين، جانب المشتري في منعه من الوصول
إلى غرضه، وجانب الملاك في منعهم من بيع
أملاکهم، فیکون حراما .(١)
شروط جواز التسعير:
٨ - تقدم أن الأصل منع التسعير، ومنع تدخل
ولي الأمر في أسعار السلع، إلا أن هناك حالات
يكون للحاكم بمقتضاها حق التدخل
بالتسعير، أو يجب عليه التدخل على اختلاف
الأقوال.
وهذه الحالات هي :
أ - تعدي أرباب الطعام عن القيمة تعديا
فاحشا:
٩ - وفي هذه الحالة صرح فقهاء الحنفية بأنه يجوز
= ومجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر والدر المنتقي في شرح
الملتقي ٢/ ٥٤٨ ط المطبعة العثمانية، والاختيار لتعليل
المختار ١٦١/٤، ونيل الأوطار ٢٢٠/٥
(١) المغني ٤/ ٢٤٠، وشرح الإقناع ٣/ ١٥٠ط مطبعة السنة
المحمدية .
للحاكم أن یسعر على الناس إن تعدي أرباب
الطعام عن القيمة تعديا فاحشا، وعجز عن
صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، وذلك بعد
مشورة أهل الرأي والبصيرة، وهو المختار، وبه
يفتى. لأن فيه صيانة حقوق المسلمين عن
الضياع، ودفع الضرر عن العامة. (١)
والتعدي الفاحش كما عرفه الزيلعي وغيره
هو البيع بضعف القيمة . (٢)
ب - حاجة الناس إلى السلعة:
١٠ - وفي هذا المعنى قال الحنفية: لا ينبغي
للسلطان أن يسعر على الناس، إلا إذا تعلق به
دفع ضرر العامة، كما اشترط المالكية وجود
مصلحة فيه، ونسب إلى الشافعي مثل هذا
المعنى .
وكذا إذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد،
فعلى أهل السلاح بيعه بعوض المثل،
ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط
(١) ابن عابدين ٢٥٦/٥، والفتاوى الهندية ٢١٤/٣ط المطبعة
الكبرى الأميرية، والاختيار لتعليل المختار ٤/ ١٦١،
والهداية ٩٣/٤، وكشف الحقائق ٢٣٧/٢، والزيلعي
٢٨/٦
(٢) الزيلعي ٢٨/٦، والعناية، والكفاية المطبوعتان على
هامش فتح القدير ١٩٢/٨ ط دار إحياء التراث العربي،
وكشف الحقائق ٢٣٧/٢، وابن عابدين ٢٥٦/٥ نقلا عن
الزيلعي.
- ٣٠٤ -
تسعير ١٠ - ١٢
العدو، أو يبذل لهم من الأموال مايختارون. (١)
ويقول ابن تيمية: إن لولي الأمر أن يكره
الناس على بيع ماعندهم بقيمة المثل عند
ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام
لا يحتاج إليه، والناس في ◌َخْمَصة، فإنه يجبر
على بيعه للناس بقيمة المثل. ولهذا قال
الفقهاء: من اضطر إلى طعام الغير أخذه منه
بغير اختياره بقیمة مثله، ولو امتنع من بیعه إلا
بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره. (٢)
والأصل في ذلك حديث العتق، وهو قوله
عليه الصلاة والسلام: ((من أعتق شركا له في
عبد، فكان له من المال يبلغ ثمن العبد، قوم
عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم،
وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ماعتق))(٣)
ويقول ابن القيم: إن هذا الذي أمربه النبي
وَل* من تقويم الجميع (أي جميع العبد) قيمة
المثل هو حقيقة التسعير، فإِذا كان الشارع
(١) الهداية ٤/ ٩٣، والحسبة في الإِسلام لابن تيمية ص ٢٧ ،
٢٨، ٤١ ط المكتبة العلمية، والطرق الحكمية / ٢٥٣،
٢٦٢، ٢٦٣ ط المطبعة السنة المحمدية، والمواق المطبوع مع
الخطاب ٤/ ٣٨٠
(٢) الحسبة في الإِسلام لابن تيمية / ١٧ و٤١ ط المكتبة
العلمية، والطرق الحكمية في السياسة الشرعية
لابن القيم / ٢٦٢ ط مطبعة السنة المحمدية.
(٣) حديث: ((من أعتق شركا له في عبد ... )) أخرجه مسلم
(١١٣٩/٢ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر رضي الله
. عنهما، وهو متفق عليه بألفاظ عدة .
يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض
المثل لمصلحة تكميل العتق، ولم يمكّن المالك
من المطالبة بالزيادة على القيمة، فكيف إذا
كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم، مثل
حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس
وغيره. (١)
جـ - احتكار المنتجين أو التجار:
١١ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الاحتكار
حرام في الأقوات، كما أنه لا خلاف بينهمفي أن
جزاء الاحتكار هوبيع السلع المحتكرة جبرا
على صاحبها بالثمن المعقول مع تعزيره
ومعاقبته، (٢) على التفصيل المتقدم بيانه في
مصطلح (احتكار). وما تحديد الثمن المعقول
من جانب ولي الأمر إلا حقيقة التسعير، وهذا
توجیه صرح به ابن تیمیة .(٣) في حین اعتبر
بعض الفقهاء المحتكر ممن لا يسعر عليه كما
سيأتي .
د - حصر البيع لأناس معينين:
١٢ - صرح ابن تيمية بأنه لا تردد عند أحد من
(١) الطرق الحكمية / ٢٥٩ط مطبعة السنة المحمدية.
(٢) الاختيار ١٦١/٤، والفتاوى الهندية ٢١٤/٣، وشرح
الزرقاني ٤/٥، والمنتقى شرح الموطأ ١٧/٥، ونهاية
المحتاج ٣/ ٤٥٦ط مصطفى البابي الحلبي، وكشاف القناع
٣٦/٢
(٣) الحسبة في الإِسلام ص ١٧، ١٨
- ٣٠٥ -
تسعير ١٣ - ١٥
العلماء في وجوب رد التسعير في حالة إلزام
الناس أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس
معروفون، فهنا يجب التسعیر علیھم بحيث
لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون إلا
بقيمة المثل. لأنه إذا كان قد منع غيرهم أن يبيع
ذلك النوع أو يشتريه، فلوسوغ لهم أن يبيعوا
بما اختاروا، أو يشتروا بما اختاروا لكان ذلك
ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك الأموال،
وظلما للمشترين منهم .
فلمتسعير في مثل هذه الحالة واجب بلا
نزاع، وحقيقة إلزامهم أن لا يبيعوا أولا يشتروا
إلا بثمن المثل . (١)
هـ - تواطؤ البائعين ضد المشترين أو العكس:
١٣ - إذا تواطأ التجار أو أرباب السلع على سعر
يحقق لهم ربحا فاحشا، أو تواطأ مشترون على
أن یشترکوا فیما یشتر یه أحدهم حتى يهضموا
سلع الناس يجب التسعير، وهذا ما اختاره
ابن تیمیة، وأضاف قائلا:
ولهذا منع غير واحد من العلماء - كأبي حنيفة
وأصحابه - القُسّام الذين يقسمون بالأجر أن
يشتركوا، فإِنهم إذا اشتركوا، والناس محتاجون
إليهم أغلوا عليهم الأجر، فمنع البائعين -
الذين تواطئوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن
(١) الحسبة في الإِسلام ص ١٨، ١٩، والطرق الحكمية ص
٢٤٥
قدروه - أولى، وكذلك منع المشترين إذا تواطئوا
على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم، حتى
يهضموا سلع الناس أولى. (١) لأن إقرارهم على
ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان . (٢) وقد
قال تعالى: ﴿وتعاوَنُوا على البر والتقوى
ولا تعاونوا على الإِثم والعُدوان﴾(٣)
و - احتياج الناس إلى صناعة طائفة :
١٤ - وهذا مايقال له التسعير في الأعمال: وهو
أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة
والنساجة والبناء وغير ذلك، فلولي الأمر أن
يلزمهم بذلك بأجرة المثل إذا امتنعوا عنه،
ولا يمكّنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض
المثل، ولا يمكّن الناس من ظلمهم بأن
يعطوهم دون حقهم. (٤)
١٥ - وخلاصة رأي ابن تيمية وابن القيم أنه إذا
لم تتم مصلحة إلا بالتسعير سعر عليهم
السلطان تسعير عدل بلا وكس ولا شطط، وإذا
اندفعت حاجتهم، وقامت مصلحتهم بدونة لم
يفعل . (٥)
(١) المراجع السابقة .
(٢) الطرق الحكمية / ٢٤٧
(٣) سورة المائدة / ٢
(٤) الطرق الحكمية ص ٢٤٧
(٥) الحسبة في الإِسلام ص ٤٤، ٤٥، والطرق الحكمية ص
٢٦٤
- ٣٠٦ -
.
تسعير ١٦ - ١٧
وهذا يدل على أن الحالات المذكورة ليست
حصرا للحالات التي يجب فيها التسعير، بل
كلما كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير،
ولا تتحقق مصلحتهم إلا به كان واجبا على
الحاكم حقا للعامة، مثل وجوب التسعير على
الوالي عام الغلاء كما قال به مالك، وهو وجه
للشافعية أيضا. (١)
الصفة الواجب توافرها في التسعير:
١٦ - إن المتتبع للنصوص الفقهية وآراء الفقهاء
يجد أنه لابد لفرض التسعير من تحقق صفة
العدل، إذ لا يكون التسعير محققا للمصلحة
إلا إذا كانت فيه المصلحة للبائع والمبتاع،
ولا يمنع البائع ربحا، ولا يسوغ له منه مايضر
بالناس. (٢)
ولهذا اشترط مالك عندما رأى التسعير على
الجزارين أن يكون التسعير منسوبا إلى قدر
شرائهم، أي أن تراعى فيه ظروف شراء
الذبائح، ونفقة الجزارة، وإلا فإنه يخشى أن
يقلعوا عن تجارتهم، ويقوموا من السوق.
وهذا ما أعرب عنه القاضي أبو الوليد
الباجي من أن التسعير بمالا ربح فيه للتجار
(١) ابن عابدين ٢٥٦/٥، والزيلعي ٢٨/٦، والأحكام
السلطانية للماوردي ص ٢٥٦ ط مصطفى البابي الحلبي،
ونیل الأوطار ٢٢٠/٥
(٢) المنتقى شرح الموطأ ١٩/٥، ومواهب الجليل ٤ / ٣٨٠
يؤدي إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات
وإتلاف أموال الناس .(١)
كيفية التسعير:
١٧ - تعرض جمهور الفقهاء القائلون بجواز
التسعير لبيان كيفية تعيين الأسعار، وقالوا :
ينبغي للإِمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك
الشيء، ويحضر غيرهم استظهارا على
صدقهم، وأن يسعر بمشورة أهل الرأي
والبصيرة، فيسألهم كيف يشترون وكيف
يبيعون؟ فینازلهم إلى مافيه لهم وللعامة سداد
حتى يرضوا به. (٢)
قال أبوالوليد الباجي : ووجه ذلك أنه بهذا
يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين،
ويجعل للباعة في ذلك من الربح مايقوم بهم،
ولا یکون فیه إجحاف بالناس. (٣)
ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم :
لا تبيعوا إلا بكذا ربحتم أو خسرتم من غير أن
ينظر إلى ما يشترون به. وكذلك لا يقول لهم:
لا تبيعوا إلا بمثل الثمن الذي اشتريتم به . (٤)
(١) المنتقى شرح الموطأ ١٩/٥
-
(٢) ابن عابدين ٢٥٦/٥، والاختيار ١٦١/٤، والهداية
٩٣/٤، وكشف الحقائق ٢/ ٢٣٧، والفتاوي الهندية
٢١٤/٣، والمنتقي للباجي ١٨/٥، والمواق بهامش
الحطاب ٤ / ٣٨٠
(٣) المنتقى ١٩/٥
(٤) الطرق الحكمية ص ٢٥٥
- ٣٠٧ -
تسعير ١٨ - ١٩
مايدخله التسعير:
١٨ - اختلف الفقهاء في تحديد الأشياء التي
يجري فيها التسعير على الأصل المشار إليه في
حكمه التكليفي .
فذهب الشافعية في الأظهر عندهم - وهو
قول القهستاني الحنفي - إلى أن التسعير يجري
في القوتين (قوت البشر، وقوت البهائم)
وغيرهما، ولا يختص بالأطعمة وعلف
الدواب. (١)
واستظهر ابن عابدين - بناء على قول
أبي حنيفة في الحجر للضرر، وقول أبي يوسف
في الاحتكار- جواز تسعير ماعدا القوتين أيضا
كاللحم والسمن رعاية لمصلحة الناس.
وهناك قول آخر للحنفية صرح به العتابي
والحساس وغيرهما، وهو أن التسعير يكون في
القوتين فقط. (٢)
وعليه اختيار ابن تيمية، فلم يقصر التسعير
على الطعام، بل ذكره کمثال كما سبق.
وانتهج ابن القيم منهج ابن تيمية في هذا
الباب، وأطلق جواز التسعیر للسلع أيا كانت،
مادامت لاتباع على الوجه المعروف وبقيمة
المثل .
(١) ابن عابدين ٢٥٦/٥، ٢٥٧، وروضة الطالبين
٤١١/٣، ٤١٢، وأسنى المطالب ٣٨/٢
(٢) ابن عابدين ٢٥٧/٥، والدر المنتقى ٥٤٨/٢
وأوجب الشيخ تقي الدين إلزام أهل السوق
المعاوضة بثمن المثل، وقال: إنه لا نزاع فيه،
لأنه مصلحة عامة لحق الله تعالى، ولا تتم
مصلحة الناس إلا بها كالجهاد. ثم يقول
صاحب مطالب أولي النهى : وهو إلزام حسن في
مبیعٍ ثمنه معلوم بین الناس لا يتفاوت کموزون
ونحوه . (١)
وعند المالكية قولان كذلك:
القول الأول: يكون التسعير في المكيل
والموزون فقط طعاما كان أو غيره، وأما غير
المكيل والموزون فلا يمكن تسعيره لعدم التماثل
فيه، وهو قول ابن حبيب. قال أبوالوليد
الباجي : هذا إذا كان المكيل والموزون
متساويين، أما إذا اختلفا لم يؤمر صاحب الجيد
أن يبيعه بمثل سعر ماهو أدون، لأن الجودة لها
حصة من الثمن كالمقدار.
القول الثاني: يكون التسعير في المأكول فقط
وهو قول ابن عرفة . (٢)
من یسعر علیه، ومن لا يسعر عليه :
١٩ - من يسعر عليهم هم أهل الأسواق.
وأما من لا یسعر عليهم فهم :
(١) الحسبة في الإِسلام من ١٧، والطرق الحكمية ص٢٤٥،
ومطالب أولي النهى ١٦٢/٣
(٢) المنتقى للباجي ١٨/٥، ١٩، والطرق الحكمية ص ٢٥٧
- ٣٠٨ -
تسعير ٢٠ - ٢٣
أولا : الجالب :
٢٠ - ذهب الحنفية والحنابلة وأكثر المالكية، وهو
قول لدى الشافعية أيضا إلى: أن الجالب
لا يسعر عليه إلا إذا خيف الهلاك على الناس،
فیؤمر الجالب أن یبیع طعامه من غير رضاه،
وروي أيضا عن عبدالله بن عمر رضي الله
عنهما، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبدالله
عدم جواز التسعير على الجالب.
وقال ابن حبيب من المالكية يسعر عليه فيما
عدا القمح والشعير، وأما جالبهما فيبيع كيف
شاء.(١)
وكذلك جالب الزيت والسمن واللحم
والبقل والفواكه وما أشبه ذلك مما يشتر یه أهل
السوق من الجالبين، فهذا أيضا لا يسعر على
الجالب ولا يقصد بالتسعير، ولكنه إذا استقر
أمرُ أهلِ السوق على سعر قيل له: إما أن تلحق
به، وإلا فاخرج. (٢)
ثانيا: المحتكر :
٢١ - مذهب الحنفية أنه لا يسعر على المحتكر
بل يؤمر بإخراج طعامه إلى السوق، ويبيع
مافضل عن قوت سنة لعياله کیف شاء،
(١) الفتاوى الهندية ٢١٤/٣، والمنتقى ١٨/٥، والطرق
الحكمية / ٢٥٤، ٢٥٥، ومواهب الجليل ٤/ ٣٨٠،
والمعيار المغرب ٥/ ٨٤ ط دار الغرب الإسلامي.
ولا يسعر عليه، سواء أكانوا تجارا، أم زراعا
لأنفسهم. (١)
وقال محمد بن الحسن: يجبر المحتكر على
بيع ما احتكر ولا يسعّر عليه، ويقال له: بع كما
يبيع الناس، وبزيادة يتغابن في مثلها، ولا
أتركه يبيع بأكثر. (٢)
ثالثا : من يبيع في غیر دکان:
٢٢ - قال صاحب التيسير: لا يسعر على من
یبیع في غیر دکان ولا حانوت یعرض للخاص
والعام، ولا على بائع الفواكه والذبائح وجميع
أهل الحرف والصنائع، والمتسببين من حمال
ودلال وسمسار وغيرهم، ولكنه ينبغي للوالي أن
يقبض من أهل كل صنعة ضامنا أمينا، وثقة،
وعارفا بصنعته خبيرا بالجيد والرديء من حرفته
يحفظ لجماعته ما يجب أن يحفظ من أمورهم،
ويجري أمورهم على ما يجب أن تجري،
ولا يخرجون عن العادة فيما جرت فيه العادة في
صنعتهم. (٣)
أمر الحاكم بخفض السعر ورفعه مجاراة لأغلب
التجار:
٢٣ - قال الباجي : السعر الذي يؤمر من حط
(١) الزيلعي ٢٨/٦، والمنتقي للباجي ١٧/٥
(٢) الاختيار ٤/ ١٦١، والهداية ٩٣/٤
(٣) کتاب التیسیر في أحكام التسعیر ص ٥٥، ٥٦
(٢) المنتقى ٥/ ١٩
- ٣٠٩ -
تسعیر ٢٤ - ٢٥
عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور
الناس، فإِذا انفرد عنهم الواحد أو العدد اليسير
بحط السعر، أمر من حطه باللحاق بسعر الناس
أو ترك البيع، وإن زاد في السعر واحد أو عدد
يسير لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره، أو
الامتناع من البيع، لأن من باع به من الزيادة
ليس بالسعر المتفق عليه، ولا بما تقام به
المبيعات، وإنما يراعي في ذلك جال الجمهور
ومعظم الناس .(١)
مخالفة التسعير :
أ - حكم البيع مع مخالفة التسعير:
٢٤ - ذهب الحنفية والحنابلة، والشافعية - في
الأصح - إلی أن من خالف التسعیر صح بيعه،
إذ لم يعهد الحجر على الشخص في ملكه أن
يبيع بثمن معين. ولكن إذا سعر الإِمام وخاف
البائع أن يعزره الإِمام لونقص عما سعره،
فصرح الحنفية أنه لا يحل للمشتري الشراء بما
سعره الإِمام، لأنه في معنى المكره، وينبغي أن
يقول: بعني بما تحب، ليصح البيع.(٢)
وصحة البيع مع مخالفة التسعير متبادر من
(١) المنتقى شرح الموطأ ١٧/٥
(٢) ابن عابدين ٢٦٥/٥، والاختيار ١٦١/٤، والفتاوي
الهندية ٢١٤/٣، والهداية ٩٣/٤، وأسنى المطالب
٣٨/٢، ومطالب أولي النهى ٣/ ٦٢، ونهاية المحتاج
٤٧٣/٣ ط مصطفى البابي، وروضة الطالبين ٤١١/٣ -
٤١٢ ومغني المحتاج ٣٨/٢ط مصطفى البابي الحلبي.
كلام المالكية أيضا، لأنهم يقولون: ومن زاد في
سعر أو نقص منه أمر بإلحاقه بسعر الناس، فإن
أبى أخرج من السوق. (١)
ومقابل الأصح عند الشافعية بطلان البيع .
لكن عند الحنابلة إن هدد المشتري البائع
المخالف للتسعير بطل البيع، لأنه صار محجورا
عليه لنوع مصلحة، ولأن الوعيد إكراه. (٢)
ب - عقوبة المخالف:
٢٥ - صرح الحنفية والمالكية والشافعية بأن
الإِمام له أن يعزر من خالف التسعير الذي
رسمه، لما فيه مجاهرةَ الإِمام بالمخالفة .
وسئل أبو حنيفة عن متولي الحسبة إذا سعر
البضائع بالقيمة، وتعدى بعض السوقية، فباع
بأكثر من القيمة، هل له أن يعزره على ذلك؟
فأجاب: إذا تعدی السوقي وباع بأكثر من
القيمة يعزره على ذلك. (٣)
وأما قدر التعزیر، وکیفیته، فمفوض إلى
الإِمام أو نائبه، وقد يكون الحبس أو الضرب،
(١) القوانين الفقهية ص ٢٦٠
(٢) أسنى المطالب ٢/ ٣٨، ومطالب أولي النهى ٣/ ٦٢،
وكشاف القناع ١٨٧/٣ط عالم الكتب.
(٣) الفتاوى الأنقروية ١/ ١٤٧ ط آستانة، والقوانين الفقهية
ص ٢٦٠، وأسنى المطالب ٣٨/٢، وروضة الطالبين
٤١١/٣، ٤١٢، والقليوبي ١٨٦/٢، وحاشية الجمل
٩٣/٣، ومغني المحتاج ٣٨/٢
- ٣١٠ -
تسعیر ٢٥ ، تسلم، تسليف ١
أو العقوبة المالية، أو الطرد من السوق وغير
ذلك.(١)
هذا كله في الحالات التي يجوز فيها التسعير .
أما حیث لا يجوز التسعیر عند من لا يراه فلا
عقوبة على مخالف التسعير. (٢)
تسليف
تسلم
انظر : تسليم
(١) القوانين الفقهية ص ٢٦٠
(٢) مطالب أولي النهى ٦٢/٣، وكشاف القناع ١٨٧/٣
التعريف :
١ - من معاني التسليف في اللغة: التقديم، وهو
مصدر سَلَف. یقال: سلفت إليه وتسلف منه
كذا واستسلف: اقترض أو أخذ السلف،
والسلف: القرض والسلم.(١)
وروي عن النبي وسلم أنه قال: ((من أسلف
فلْيسلفْ في كيلٍ معلوم، ووزن معلوم، إلى
أجل معلوم)). (٢)
والسلف في المعاملات: القرض الذي لا
منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر، وعلى
المقترض رده كما أخذه.
والسلف: نوع من البيوع يعجل فيه الثمن
وتضبط السلعة بالوصف إلى أجل معلوم .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، والصحاح، ومحيط
المحيط، ومعجم متن اللغة مادة: ((سلف)).
(٢) حديث: ((من أسلف فليسلف ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٤ /٤٢٩ - ط السلفية) من حديث ابن عباس
رضي الله عنهما.
- ٣١١ -
تسليف ٢ - ٣
اللغوي المتقدم. فقد ورد أن السلف أو السلم :
بیع شيء موصوف في الذمة، يتقدم فيه رأس
المال، ويتأخر المثمن لأجل.(١)
الحكم الإجمالي :
٢ - السلف جائز بالكتاب والسنة والإِجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا
إذا تَدَاينتم بدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّى فاكتبوه﴾(٢)
قال ابن عباس رضي الله عنهما: أشهد أن
السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله
تعالى في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ الآية. (٣)
وأما السلف الذي بمعنی السلم فقد ثبت
بالسنة والإجماع، ففي حديث ابن عباس أن
رسول الله {الچ، قدم المدينة، وهم يسلفون في
الثمار، السنة والسنتين والثلاث، فقال:
((من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم
ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) . (٤)
وأما الإِجماع، فقال ابن المنذر: أجمع كل من
(١) المغني لابن قدامة ٣٠٤/٤، ٣٠٥، والمبدع في شرح المقنع
١٧٧/٤، والمبسوط ١٢/ ١٢٤، وفتح القدير ٣٢٣/٥
(٢) سورة البقرة/ ٢٨٢
(٣) أثر ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون. أخرجه
الحاكم (٢٨٦/٢ ط دائرة المعارف العثمانية)، وصححه
ووافقه الذهبي. رواه الشافعي والطبراني والبيهقي.
(نصب الراية ٤ / ٤٤)
(٤) حديث: ((قدم المدينة وهم يسلفون ... )) تقدم تخريجه
(ف/ ١)
نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز،
ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد فجاز أن
يثبت في الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه
- لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون
إلى النفقة على أنفسهم أو على الزروع ونحوها
حتى تنضج - فجوز لهم السلم دفعا للحاجة.
وقد استثني عقد السلم من قاعدة عدم جواز
بيع المعدوم لما فيه من مصلحة للناس، رخصة
لهم وتيسيرا عليهم. (١)
وينظر التفصيل في مصطلح: (سَلَم).
٣ - والسلف - بمعنى القرض - ثابت بالكتاب
في آية المداينة السابقة، وبالسنة فيما روى
ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي وَ ل﴿ قال:
((من أقرض مرتين كان له مثل أجر أحدهما لو
تصدق به». (٢)
وأجمع المسلمون على جواز القرض، وهو
قربة مندوب إليها، مباح للمقترض، لما روى
أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي وَّ قال: ((من
(١) المبسوط ١٢/ ١٢٤ ط السعادة بمصر، وفتح القدير
٢٠٤/٦ - ٢٠٦ ط بيروت/ لبنان، ورد المحتار ٢٠٢/٤،
وبداية المجتهد ٢١٧/٢، ومغني المحتاج ٢/ ١٠٢ ط
بيروت/ لبنان، والمغني لابن قدامة ٤/ ٣٠٤، ٣٠٥ ط
الرياض، والمبدع في شرح المقنع ٧٧/٤ ط المكتب
الإسلامي.
(٢) حديث: ((من أقرض مرتين ... )) أخرجه ابن حبان في
صحيحه (ص٢٨١ - موارد الظمان - ط السلفية) من حديث
عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
- ٣١٢ -
تسليف ٣، تسليم ١
نَفَّسَ عن مؤمن کُرْبة من کُرَب الدنيا نفس الله
عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على
مُعْسِر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة .. والله في
عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)».(١)
والتفصيل موطنه مصطلح (قرض).
تسلیم
التعريف :
١ - من معاني التسليم في اللغة: التوصيل،
يقال سلّم الوديعة لصاحبها: إذا أوصلها فتسلم
ذلك، وأسلم إليه الشيء: دفعه. ومنه السَلَم،
وتسلّم الشيء: قبضه وتناوله. وسلّمت إليه
الشيء فتسلَّمه: أي أخذه. وسلّم الشيء
لفلان: أي خلّصه. وسلّمه إليه: أعطاه إياه .
وسلّم الأجير نفسَه للمستأجر: مكّنه من منفعة
نفسه حيث لا مانع. والتسليم بذل الرضى
بالحكم.
والتسليم: السلام، وسلّم المصلي: خرج
من الصلاة بقوله: السلام عليكم. وسلّم على
القوم: حياهم بالسلام، وسلّم: ألقى التحية،
وسلّم علیه: قال له: سلام عليك.(١)
ولا يخرج معنى التسليم في اصطلاح الفقهاء
عن المعاني المذكورة .
(١) الدر المختار ١٧٩/٤، وحاشية الدسوقي ٣٢٢/٣،
والمغني لابن قدامة ٣٤٦/٤ -٣٤٨ ط الرياض، ومغني
المحتاج ١١٧/٢، والمهذب ٣٠٩/١، ٣١٠.
وحديث أبي هريرة: ((من نفس عن مؤمن كربة ... ))
أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٧٤ - ط الحلبي) مرفوعا.
(١) المصباح المنير، ولسان العرب المحيط، ومعجم متن اللغة،
والصحاح مادة: ((سلم)).
- ٣١٣ -
تسليم ٢ - ٣
حكمه التكليفى :
یختلف حكم التسليم باختلاف أنواعه .(١)
أ - التسليم بمعنى التحية :
٢ - ابتداء السلام سنة مؤكدة، لقوله وقلتله :
((أَفْشوا السلام بينكم))(٢) ويستحب مراعاة
صيغة الجمع، وإن كان المسلم علیه واحدا،
أخذا بالنص الوارد في ذلك، ولأنه يقصد مع
الواحد الملائكة . (٣)
ويجب الرد إن کان السلام على واحد. وإن
سلم علی جماعة فالرد في حقهم فرض كفاية،
فإن رد أحدهم سقط الحرج عن الباقين، وإن رد
الجمیع کانوا مؤدین للفرض، سواء ردوا معا أو
متعاقبين، فإن امتنعوا كلهم أَثمِوا لخبر، ((حقُّ
المسلم على المسلم خمس: ردّ السّلام ... ))(٤)
ويشترط في ابتداء السلام رفع الصوت بقدر
ما يحصل به الإِسماع، ويجب أن يكون الرد
(١) فتح القدير ٤٦٩/٥، وابن عابدين ٢٦٥/٥، ومواهب
الجليل ٣٤٨/٣، وحاشية الجمل ١٨٤/٥ - ١٨٨،
وكشاف القناع ٢/ ١٥٢، ١٥٣
(٢) حديث: ((أفشوا السلام بينكم)). أخرجه مسلم (١ / ٧٤ -
ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) الأذكار ص ٢١٨، والجمل ١٨٤/٥
(٤) حديث: ((حق المسلم على المسلم خمس رد السلام ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ١١٢/٣ - ط السلفية) ومسلم
(٤/ ١٧٠٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه .
متصلا بالسلام، والزيادة على صيغة ابتداء
السلام في الرد أفضل، ويسن ابتداء السلام
عند الإِقبال والانصراف، (١) لخبر: ((إن أولى
الناس بالله من بدأهم بالسّلام))(٢) ولقوله ◌ِلّ:
((إذا لقي أحدكم أخاه فليسلّم عليه، فإن حالت
بینهما شجرة أو جدار أوحجر، ثم لقیه، فليسلم
عليه))(٣) (ر: سلام وتحية).
ب - التسليم للخروج من الصلاة :
٣ - التسليمة الأولى للخروج من الصلاة حال
القعود فرض عند المالكية والشافعية والحنابلة.
وزاد الحنابلة فرضية الثانية أيضا إلا في صلاة
جنازة ونافلة، لأن الجزء الأخير من الجلوس
الذي یوقع فيه السلام فرض.
ولابد من نطق: ((السلام عليكم)) بالعزبية
بتقديم ((السلام)) وتأخير ((عليكم)) وهذا للقادر
(١) فتح القدير ٥ / ٤٦٩ ومابعدها ط دار صادر، ورد المحتار
على الدر المختار ٢٦٥/٥ ومابعدها، ومواهب الجليل
٣٤٨/٣ط دار الفكر، وحاشية الجمل على شرح المنهج
١٨٤/٥ - ١٨٨، وكشاف القناع ١٥٢/٢ - ١٥٤
(٢) حديث: ((إن أولى الناس بالله ... )) أخرجه أبوداود
(٣٨٠/٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي أمامة
رضي الله عنه وحسنه ابن حجر کما في الفتوحات (٣٢٧/٥
- ط المنيرية).
(٣) حديث: ((إذا لقى أحدكم ... )) أخرجه أبو داود
(٣٨١/٥ - تحقیق عزت عبید دعاس) وصححه ابن حجر
كما في الفتوحات الربانية (٣١٨/٥ - ط المنيرية).
- ٣١٤ -
تسلیم ٣
على العربية، ولا يكفي الخروج بالنية ولا أرى بياض خده))(١) ولأنه ◌َ ل ◌ّ كان يديم ذلك
ولا يخل به وقال: ((صَلَّوا كما رأيتموني
أصلي)).(٢)
بمرادفها من لغة أخرى، وأما العاجز عن
العربية فيجب عليه الخروج بالنية قطعا، وإن
أتى بمرادفها بالعجمية صح على الأظهر،
قياسا على الدعاء بالعجمية للقادر على
العربية. والأفضل كون السلام معرفا بأل. (١)
لخبر ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم))(٢)
فقوله: ((تحليلها التسليم)) أي لا يخرج من
الصلاة إلا به، ولأن النبي ◌َّر ((كان يسلم من
صلاته عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله
حتى يُرى بياضُ خدّه الأيمن ، وعن يساره :
السلام عليكم ورحمة الله حتى يُرى بياضُ خده
الأيسر)). (٣)
ولحديث عامر بن سعد عن أبيه قال: ((كنت
أری النبي ﴾﴾ یسلم عن يمينه وعن يساره حتى
(١) حاشية الدسوقي ١/ ٢٤٠ وما بعدها، والشرح الصغير
٣١٥/١، ٣٢١، ومغني المحتاج ١٧٧/١، ١٧٨
وما بعدها، وحاشية الباجوري ١/ ١٦٣، ١٦٤ط الحلبي
بمصر، وكشاف القناع ٣٨٨/١ ومابعدها، والمغني
لابن قدامة ٥٥١/١ - ٥٥٨
(٢) حديث: ((تحريمها التكبير ... )) أخرجه الترمذي (١/ ٩ -
ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه،
وصححه ابن حجر في الفتح (٣٢٢/٢ - ط السلفية).
(٣) حديث: ((كان يسلم من صلاته عن يمينه يقول :... )).
أخرجه النسائي (٦٤/٣ - ط المكتبة التجارية) من حديث
ابن مسعود رضي الله عنه.
وأقل ما يجزىء في التسليم عند الشافعية
والحنابلة قوله: ((السلام عليكم)) مرة عند
الشافعية، ومرتين عند الحنابلة كما سبق،
وأكمله ((السلام عليكم ورحمة الله)) يمينا وشمالا
ملتفتا في الأولى حتى يُرى خده الأيمن، وفي
الثانية حتى يُرى خده الأيسر، ناويا السلام
عَمَّر عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وصالح
الجن.
وينوي الإِمام أيضا - زيادة على ماسبق -
السلام على المقتدين، وهم ينوون الرد عليه
وعلى من سلم عليهم من المؤمنين، فينويه
المقتدون عن يمين الإِمام عند الشافعية
بالتسليمة الثانية، وعن يساره بالتسليمة
الأولى. (٣) ولحديث سمرة بن جندب رضي الله
عنه قال: ((أمرنا رسول الله وَليل أن نرد على
(١) حديث سعد: ((كنت أرى النبي ◌َّ ... )). أخرجه مسلم
(٤٠٩/١ - ط الحلبي).
(٢) المغني لابن قدامة ٥٥٨/١ - ٥٥٩، ومراقي الفلاح
ص١٤٩، ١٥٠
وحديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) أخرجه البخاري
(الفتح ١١١/٢ - ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث.
(٣) مغني المحتاج ١٧٨/١
- ٣١٥ -
تسليم ٣ - ٤
الإِمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على
بعض))(١)
وقال الحنفية: الخروج من الصلاة بلفظ
السلام ليس فرضا، بل هو واجب. لأن النبي
وَّ لما علم ابن مسعود رضي الله عنه التشهد
قال له: ((إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك،
إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد
فاقعد))(٢) فلم يأمره بالخروج من الصلاة
بالسلام، وأيضا فإن الفرض في آخر الصلاة هو
القعود بمقدار التشهد عندهم. (٣) لخبر أن
رسول الله وَلّم قال: ((إذا أحدث - يعني الرجل -
وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم فقد
جازت صلاته)). (٤) والواجب عندهم
تسليمتان: الأولى عن يمينه، فيقول: ((السلام
علیکم ورحمة الله)) ویسلم عن يساره كذلك، لما
(١) حديث سمرة بن جندب: ((أمرنا رسول الله وسلم أن نرد
على الإِمام .. .)) أخرجه أبو داود (١ /٦٠٩ - تحقيق عزت
عبيد دعاس) وإسناده ضعيف (ميزان الإِعتدال للذهبي
١٢٨/٢ - ط الحلبي).
(٢) حديث: ((إذا قلت هذا فقد ... )) أخرجه أبو داود
(٥٩٣/١ - تحقيق عزت عبيد دعاس).
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٣١٤/١، ٣٥٢ - ٣٥٦،
٤٦٧/٥، والبدائع ١١٣/١، ١٦٣ الطبعة الأولى، وفتح
القدير ٢٧٥/١ - ٢٨٠، وتبيين الحقائق ١٠٤/١، ١٠٦،
١٢٤، ١٢٦ ط دار المعرفة .
(٤) حديث: ((إذا أحدث - يعني الرجل - وقد جلس ... ).
أخرجه الترمذي (٢٦١/٢ - ط الحلبي) وقال: هذا حديث
ليس إسناده بالقوى، وقد اضطربوا في إسناده
روي ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي وال
«کان یسلم عن یمینه حتی یبدو بیاض خده
وعن يساره حتى يبدو بياض خده)). (١) وينوي
في التسليمة الأولى التسليم على من على يمينه
من الرجال والنساء والحفظة، وكذلك في
الثانية .
وأقل ما يجزىء في لفظ السلام مرتين عند
الحنفية ((السلام)) دون قوله ((عليكم)). وأكمله
وهو السنة أن يقول: ((السلام عليكم ورحمة الله))
مرتين. وتنقضي الصلاة بالسلام الأول عند
الحنفية .
والتفصيل في مصطلح: (صلاة).
جـ - التسليم بمعنى التمكين من القبض:
٤ - التسليم، أو القبض معناه عند الحنفية:
التخلية أو التخلي، وهو أن يخلي البائع بين المبيع
والمشتري برفع الحائل بينهما على وجه یتمکن
المشتري من التصرف فيه، بحیث لا ينازعه فيه
غيره، وهذا يحصل بالتخلية، فيجعل البائع
مسلما للمبيع والمشتري قابضا له، فكانت
التخلية تسليما من البائع، والتخلي قبضا من
المشتري. وكذا هذا في تسليم الثمن إلى
(١) حديث: ((كان يسلم عن يمينه حتى يبدو ... )) أخرجه
النسائي (٦٣/٣ط المكتبة التجارية) من حديث ابن مسعود
وإسناده صحيح (الفتوحات الربانية ٣/ ٢٠ - ط
المنيرية).
- ٣١٦ -
تسلیم ٤ - ٥
البائع، لأن التسليم واجب، ومن عليه الواجب
لابد أن يكون له سبيل الخروج من عهدة
ماوجب عليه، والذي في وسعه هو التخلية ورفع
الموانع . (١)
والقبض يتم بطريق التخلية، وهي أن
یتمکن المشتري من المبيع بلا مانع ۔ أي بأن
يكون مفرزا ولا حائل - في حضرة البائع مع
الإِذن له بالقبض. (٢)
فقبض العقارعند الجمیع ۔ کالأرض ومافيها
من بناء ونخل ونحوهما - يكون بالتخلية بين
المبيع وبين المشتري وتمكينه من التصرف فيه،
وذلك بتسليم المفاتيح إن وجدت بشرط الفراغ
من الأمتعة، إن کان شراء العقار للسکن - عند
الحنفية والمالكية - وقبض المنقول كالأمتعة،
والأنعام والدواب بحسب العرف الجاري بین
الناس عند الإطلاق، فالثوب قبضه باحتيازه،
والحيوان بتمشيته من مكانه، وقبض الموزون
بوزنه، وقبض المكيل بكيله، إذا بيعا كيلا
ووزنا. وزاد المالكية: تفريغه في أوعية
المشتري، حتى لو هلك قبل التفريغ في أوعية
(١) البدائع ٢٤٤/٥
(٢) من قواعد الحنفية: التخلية بين المشتري والمبيع قبض، إذ
يعد ذلك قبضا، وإن لم يتم القبض حقيقة، فإذا هلك المبيع
بعد التخلية يهلك على المشتري (ر: الفوائد البهية في
القواعد الفقهية ص٦٣، وبدائع الصنائع ٢٤٤/٥ -
الطبعة الأولى، ورد المحتار ٤٣/٤ط بيروت. لبنان).
المشتري كان الضمان على البائع عندهم. (١)
وهذا: لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله بَ﴾ قال: ((إذا بِعْتَ فَكِل، وإذا
ابتعتَ فَاكْتَل))(٢) وعن النبي ◌ِ ◌ّر أنه ((نهى عن
بيع الطعام حتى يجرى فيه الصّاعان : صاع
البائع وصاع المشتري)). (٣) وإن بيع جزافا
فقبضه نقله عند الحنابلة، وعند الحنفية قبضه
بالتخلية . (٤) (ر: قبض).
التسليم في العقود يشمل مايلي :
أ - التسليم في البيع:
٥ - التسليم في البيع يكون بتسليم المبيع
والثمن، لأن المقصود من البيع لا يتحقق إلا
بذلك.(٥)
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ١٤٤، ونهاية
المحتاج ٤/ ٩٠ - ٩٥ط المكتبة الإسلامية، والمغني
لابن قدامة مع الشرح الكبير ٤/ ٢٢٠ ومابعدها ط مطبعة
المنار بمصر.
(٢) حديث: ((إذا بعت فكل ... )) أخرجه البخاري (الفتح -
٤ / ٣٤٤ - ط السلفية) من حديث عثمان رضي الله عنه .
(٣) حديث: ((نهى عن بيع الطعام حتى ... ). أخرجه ابن
ماجة (٢/ ٧٤١ - ط الحلبي) وقال عبدالحق الأشبلي:
إسناده لا يحتج به (نصب الراية ١٥/٤ - ط المجلس
العلمي).
(٤) المغني والشرح الكبير ٤/ ٢٢٠ ط المنار بمصر.
(٥) البدائع ٢٤٣/٥ وما بعدها، ورد المحتار على الدر المختار
٤٢/٤ - ٤٣ وما بعدها، والمبسوط للسرخسي ١٣/ ١٩٢
ومابعدها، والقوانين الفقهية لابن جزي ص١٦٤
- ٣١٧ -
تسلیم ٥ - ٧
ومن يجب عليه التسليم أولا ، يختلف
بحسب نوع البدلين، وهو كالآتي: إن كان
البیع بیع عین بعین، واختلفا فیمن یسلم أولا ،
يجب على العاقدين التسليم معا تحقيقا
للمساواة في المعاوضة المقتضية للمساواة عادة
المطلوبة بين العاقدين، إذ ليس أحدهما
بالتقديم أولى من الآخر، فيجعل بينهما عدل
يقبض من كل منهما ويسلم الآخر.
والحكم كذلك إن تبايعا دينا بدين، كما في
عقد الصرف، وهذا مذهب الحنفية والمالكية
والحنابلة، وأحد قولي الشافعية.(١)
وإن كان بيع عين بدين، فيجب على
المشتري عند الحنفية والمالكية، وهو القول الثاني
عند الشافعية(٢) تسلیم الثمن ۔۔ أي الدین أولا -
والمذهب عند الشافعية والحنابلة : وجوب
تسليم المبيع أولا، واستثنى الجميع من ذلك
أمرين: (٣)
أولهما: المسلم فيه لأنه دین مؤجل.
والثاني: الثمن المؤجل، فإن كان عينا أو
(١) الدر المختار ٤٢/٤، وحاشية الدسوقي ١٤٧/٣، والمغني
مع الشرح الكبير ٤/ ٢٧٠
(٢) البدائع ٥/ ٢٤٣، وابن عابدين ٤٢/٤، ٤٣، والمبسوط
للسرخسي ٢٩٢/١٣، والقوانين الفقهية لابن جزي ص
١٦٤
(٣) نهاية المحتاج ٤/ ١٠٠، ١٠١، ومغني المحتاج ٢/ ٧٤،
والدر المختار ٤٣/٤، والمغني مع الشرح الكبير ٤/ ٢٧٠ ط
المنار بمصر.
عرضا بعرض جعل بينهما عدل ۔ عند الجمهور-
فيقبض منهما، ثم يسلم إليهما، وهذا قول
الثوري وأحد قولي الشافعي، لأن تسليم المبيع
يتعلق به استقرار البيع، وتمامه فكان تقديمه
أولى، سيما مع تعلق الحكم بعينه، وتعلق حق
البائع بالذمة، وتقديم مايتعلق بالعين أولى
لتأكده .
ومذهب الحنفية أنهما يسلمان معا. (١)
ب - تسليم المعقود عليه في الربويات:
٦ - تسليم المعقود عليه في الربويات حرام، لأن
عقد الربا حرام (٢).
والتفصيل في مصطلح: (ربا).
جـ - التسليم في السلم :
٧ - اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على أن
الثمن في السلم إن كان دينا في الذمة - سواء
أکان عینا (سلعة معينة) أم نقودا ۔ فلابد من
(١) الدسوقي ١٤٧/٣، والمغني والشرح الكبير ٤/ ٢٧٠،
والدر المختار ٤/ ٤٢
(٢) البدائع ١٨٣/٥، وابن عابدين ١٨٤/٤، والمبسوط
السرخسي ١٠٩/١٢، ١١٢ ط دار المعرفة - بيروت
لبنان، وفتح القدير ١٤٦/٦ ومابعدها، والموافقات
للشاطبي ٤٢/٤ ط المكتبة التجارية بمصر، وحاشية
الدسوقي ٤٧/٣ ومابعدها، ومغني المحتاج ٢/ ٢١
ومابعدها، والمغني لابن قدامة ١/٤ ط الرياض.
- ٣١٨ -
تسليم ٧
تسليمه في مجلس العقد قبل التفرق، ولوطال
المجلس. وإذا قاما من المجلس يمشيان، ثم
قبض المسلم إليه رأس السلم بعد مسافة، فإنه
يصح إن لم يتفرقا. وكذا إذا تعاقدا ثم قام رب
السلم - المشتري - لیحضر الثمن من داره، فإن
لم يغب شخصه عن المسلم إليه ۔ البائع - يصح
وإلا فلا، لأن المسلم فيه دين في الذمة، فلو أخر
تسليم رأس مال السلم عن مجلس العقد لكان
التسليم في معنی مبادلة الدین بالدین، وقد
ر ◌َ* عن بيع الكالىء
((نهى رسول الله
بالكالىء))(١) ولأن تسمية هذا العقد دليل على
هذا الشرط، فإنه يسمى سلما وسلفا، والسلم
ينبىء عن التسليم، والسلف ينبىء عن
التقدم، فيقتضي لزوم تقديم رأس المال،
ويقدم قبضه على قبض المسلم فيه، ولأن في
السلم غررا - أي تعريضا للهلاك أو على خطر
الوجود - فلا يضم إليه غرر تأخير رأس المال.
وقال الحنابلة: يقوم مقام القبض ماكان في
معناه، كما إذا كان عند المسلم إليه أمانة أو عين
مغصوبة، فإنه يصح أن يجعلها صاحب السلم
رأس مال مادامت ملكا له، لأن ذلك في معنى
القبض .
(١) حديث: ((نهى عن بيع الكالىء بالكالىء)) أخرجه
الدار قطني (٧١/٣ - ط دار المحاسن) وأعله الشافعي كما في
التلخيص (٢٦/٣ - ط شركة الطباعة الفنية).
واشترط الشافعية أن يكون قبض رأس المال
في المجلس قبضا حقيقيا، فلا تنفع فيه الحوالة،
ولو قبضه من المحال عليه في المجلس، لأن
المحال علیه مادفعه عن نفسه إلا إذا قبضه رب
السلم وسلمه بنفسه للمسلم إلیه . (١)
ومذهب المالكية اشتراط قبض رأس المال
كله، ويجوز تأخير قبضه إلى ثلاثة أيام فأقل،
ولو بشرط في العقد سواء أكان رأس المال عينا أو
دينا، لأن السلم معاوضة لا يخرج بتأخير قبض
رأس المال عن أن يكون سلما، فأشبه مالو تأخر
إلى آخر المجلس، وكل ماقارب الشيء يعطى
حکمه، ولا یکون له بذلك حکم الکالیء،
فإن أخر رأس المال عن ثلاثة أيام: فإن كان
التأخير بشرط فسد السلم اتفاقا، سواء أكان
التأخير كثير جدا، بأن حل أجل المسلم فيه، أو لم
يكثر جدا بأن لم يحل أجله. وإن كان التأخير بلا
شرط فقولان في المدونة الكبرى لمالك بفساد
السلم وعدم فساده، سواء أكان التأخير كثيرا
جدا أم لا. والمعتمد الفساد بالزيادة عن الثلاثة
(١) البدائع ٢٠٢/٥ - ٢٠٣ - الطبعة الأولى، ورد المحتار على
الدر المختار ٤/ ٢٠٨ ط بيروت - لبنان، ومغني المحتاج
١٠٢/٢ - ١٠٣، والمهذب ٣٠٤/١، ٣٠٧، والمغني
لابن قدامة ٣٢٨/٤، وكشاف القناع ٣٠٤/٣ط
الرياض، وغاية المنتهى ٢ / ٧٩
- ٣١٩ -
تسليم ٨ - ٩
الأيام ولو قلت مدة الزيادة بغير شرط.(١) (ر:
سلم).
د - قبض المرهون :
٨ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى: أن
القبض شرط في الرهن، واختلفوا في تحديد نوع
الشرط. هل هو شرط لزوم أو شرط تمام؟
فقال جمهور الفقهاء: القبض ليس شرط
صحة، وإنما هو شرط لزوم الرهن، فلا يتم
الرهن إلا بالقبض (٢) لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ
مَقْبُوضةٌ﴾(٣) فقد علقه سبحانه وتعالى
بالقبض، فلا یتم إلا به .
وقال المالكية: لا يتم الرهن إلا بالقبض، أو
الحوز، وهو شرط تمام وليس شرط صحة أو
لزوم، فإذا عقد الرهن بالقول (الإيجاب
والقبول) لزم العقد، وأجبر الراهن على إقباضه
للمرتهن بالمطالبة به، فإن تراضى المرتهن في
المطالبة به، أورضي بتر که في يد الراهن بطل
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ١٩٥، ١٩٦ط دار
الفكر، والمنتقى على الموطأ ٤/ ٣٠٠ط السعادة بمصر،
والقوانين الفقهية لابن جزي ص١٧٧ وما بعدها ط دار
القلم - بيروت - لبنان .
(٢) الدر المختار ٣:٨/٥ وما بعدها، والبدائع ١٣٧/٦
وما بعدها، ومغني المحتاج ١٢٨/٢ والمهذب ٣١٢/١
وما بعدها، وكشاف القناع ٣/ ٣٣٠ ومابعدها، والمغني
لابن قدامة ٣٦٤/٤ ومابعدها ط الرياض.
(٣) سورة البقرة / ٢٨٣
الرهن. ودليلهم قياس الرهن على سائر العقود
المالية اللازمة بالقول. (١) لقوله تعالى: ﴿أَوْفوا
بالعُقود)، (٢) والرهن عقد فيجب الوفاء به.
(ر: رهن).
هـ - تسليم المرهون :
٩ - للمرتهن عند جمهور الفقهاء - ماعدا
الشافعية - حق الحبس الدائم للمرهون حتى
يستوفي دينه، ليضطر المدين إلى تسليم دينه،
ليتمكن من استرداد المرهون لحاجته إليه
والانتفاع به، وللمرتهن أيضا عند حلول أجل
الدين المطالبة بدينه مع بقاء الرهن تحت يده،
وعلى المرتهن تسليم المرهون لصاحبه، إما
بانتهاء أجل الدین، أو بانتهاء عقد الرهن.
وانتهاء الدين يكون بأسباب كالإِبراء من
الدين أوهبته، أووفاء الدين، أو شراء سلعة من
الراهن بالدين، أو إحالة الراهن المرتهن على
غيره.
وانقضاء عقد الرهن أو انتهاؤه يكون
بأسباب كالإِبراء والهبة ووفاء الدین ونحو ذلك،
كالبيع الجبري الصادر من الراهن بأمر
القاضي، أو من القاضي إذا أبى الراهن
البيع. (٣) والتفصيل في (رهن).
(١) بداية المجتهد ٢/ ٢٧١، والشرح الصغير ٣١٣/٣
(٢) سورة المائدة / ١
(٣) البدائع ٦/ ١٤٢ وما بعدها، وبداية المجتهد ٢/ ٢٩٧ =
- ٣٢٠ -