Indexed OCR Text
Pages 221-240
تركة ٢٧ - ٢٩ . الله تعالى ودين الآدمي، يتحاصون بنسبة دیونهم کمال المفلس. (١) والتفصيل في الزكاة والكفارات والحج وينظر مصطلح: (حج، ودين، وإرث). دين الآدمي : ٢٧ - دين الآدمي هو الدين الذي له مطالب من جهة العباد، فإِن إخراج هذا الدين من التركة والوفاء به واجب شرعا على الورثة قبل توزيع التركة بينهم، لقوله تعالى : ﴿مِنْ بعد وصية يُوصِي بها أودين﴾(٢) وعلى ذلك الإِجماع، وذلك حتى تبرأ ذمته من حقوق الناس، أوحتى تبرد جلدته كما جاء في الحديث الشريف. وللفقهاء تفصيل في نوع تعلق دین الآدمي بين كونه متعلقا بعين التركة أو بذمة المتوفى، وفي دين الصحة والمرض، وفي ضيق التركة عن تسديد الدين وغير ذلك مما سيأتي ... نوع التعلق : الدين الذي له مطالب من جهة العباد إما أن يتعلق بعين التركة أوْلا . (١) شرح السراجية ص ٥ وحاشية الدسوقي ٤/ ٤٥٦، وابن عابدين ٤٦٣/١، ٤٨٣، ونهاية المحتاج ٦/ ٧، ٧٦، والعذب الفائض ١٣/١، وكشاف القناع ٤٠٣/٤ - ٤٠٤ (٢) سورة النساء/ ١١ أ - الدين المتعلق بعين التركة : ٢٨ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية في الرواية المشهورة عندهم، والمالكية والشافعية) إلى أنه يبدأ من الدیون بها تعلق بعین التركة، کالدین الموثق برهن، ومن ثَمّ يجب تقديم هذه الديون على تجهيز الميت وتكفينه، لأن المورِّث في حال حياته لا يملك التصرف في الأعيان التي تعلق بها حق الغير، فأولی ألا یکون له فيها حق بعد وفاته . فإن فضل شيء من التركة بعد سداد هذا الدين جهز منه الميت، وإن لم يفضل شيء بعد سداد الدين، كان تجهيز الميت على من كانت تجب عليه نفقته في حياته . وذهب الحنابلة، والحنفية في غير المشهور إلى أنه إذا مات الإِنسان بدىء بتكفينه وتجهيزه مقدما على غيره، كما تقدم نفقة المفلس على دیون غرمائه، ثم بعد التجهيز والتکفین تقضى دیونه مما بقي من ماله.(١) ب - الديون المطلقة : ٢٩ - اتفق الفقهاء على أن الديون المطلقة، وهي التي لا تتعلق بعين من أعيان التركة تؤخر عن تجهيز الميت وتكفينه، فإن فضل شيء بعد (١) ابن عابدين ٤٦٣/٥، ٤٨٣، وشرح السراجية ص ٤، والدسوقي ٤٥٧/٤، ونهاية المحتاج ٧/٦، والعذب الفائض ١٣/١ - ٢٢١ - تركة ٣٠ - ٣١ التجهيز والتکفین دفع للدائن، واحدا کان أو أكثر بقدر حصصهم . وللتفصيل ينظر مصطلح: (دين، وإرث). جـ ــ دين الصحة ودين المرض: ٣٠ - دين الصحة: هو ماكان ثابتا بالبينة مطلقا، أي في حال الصحة أو المرض على السواء. وماكان ثابتا بالإِقرار في حال الصحة . وكذا الدين الثابت بنكول المتوفى في زمان صحته . ودین المرض: هو ماکان ثابتا بإقراره في مرضه، أوماهو في حکم المرض، کإِقرار من خرج للمبارزة، أو خرج للقتل قصاصا، أو لیرجم. ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وابن أبي ليلى إلى: أن دين الصحة ودين المرض سواء في الأداء، وهذا إن لم يكن في التر کة وفاء بهما يكون لکل دائن حصة منهما، بنسبة مقدار دینه، بلا تمییز بین ماكان منها من ديون الصحة أو دیون المرض، فهي في مرتبة واحدة. لأنه إن عرف سببها للناس فهي ديون الصحة - ووافقهم على ذلك الحنفية - وإن لم يعرف سببها فيكفي الإِقرار في إثباتها، لأن الإِقرار حجة، إلا إذا قام دليل أو قرينة على كذبه. والإِنسان وهو مريض يكون أبعد عن هواه، وأقرب إلى الله، وإلى ما يؤمر به من الصدق في حال الصحة، لأن المرض مظنة التوبة. يصدق فیه الكاذب، ویبر فيه الفاجر، وتنتفي تهمة الكذب عن إقراره، فيكون الثابت بالإقرار كالثابت بالبينة. وذهب الحنفية إلى تقديم دين الصحة على دين المرض الذي ثبت بطريق الإِقرار، ولم يعلم الناس به، لأن الإقرار في مرض الموت مظنة التبرع أو المحاباة، فيكون في حكم الوصايا التي تنفذ من الثلث، والوصايا مؤخرة عن الديون. (١) تزاحم الديون : ٣١ - إذا كانت التركة متسعة للديون كلها على اختلاف أنواعها، فلا إشکال في ذلك حينئذ، إذ يمكن الوفاء بها جميعا من التركة . أما إذا ضاقت التركة ولم تتسع لجميع الديون، فقد اختلف الفقهاء في تقديم بعضها على بعض . وقد تقدم بيان أقوال الفقهاء في تقديم الديون المتعلقة بعين التركة على غيرها، وتقديم دين الصحة على دين المرض أو عدم تقديمه . (١) ابن عابدين ٥٠١/٥، وشرح السراجية مع حاشية الفناري ص ٢٧ - ٢٨، والمبسوط ٢٣/٥ - ٢٥، والصاوي على الشرح الصغير ٦١٧/٤ وما بعدها، ومغني المحتاج ٣/٣ - ٤، وكشاف القناع ٤/ ٤٤٧، والدسوقي ٤ / ٤٥٦ - ٢٢٢ - تركة ٣٢ وللتفصيل ينظر مصطلح: (دين، ورهن، وقسمة). ثالثا : الوصية : ٣٢ - يأتي في المرتبة الثالثة تنفيذ الوصية. وقد اتفق الفقهاء على أن تنفيذ مايوصي به الميت يجىء بعد الدين وقبل أخذ الورثة أنصباءهم من التركة، لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية یوضي بها أودين﴾(١) ولا يكون تنفيذ مايوصي به من أصل المال، لأن ماتقدم من التكفين وقضاء الدين قد صار مصروفا في ضروراته التي لابد منها، والباقي هو ماله الذي كان له أن يتصرف في ثلثه. وأيضا ربما استغرق ثلث الأصل جمیع الباقي، فيؤدي إلى حرمان الورثة بسبب الوصية، وهذا سواء أكانت الوصية مطلقة أم معينة . وتقديم الوصية على الدين في الآية الكريمة لا يفيد التقديم فعلا كما تبين من قبل (ف/٢٣)، وإنما يفيد العناية بأمر وصية الميت، وإن كانت تبرعا منه، كي لا تشح نفوس الورثة بإخراجها من التركة قبل توزيعها بينهم. ومن هنا تقدم ذكرها على الدين تنبيها على أنها مثله في وجوب الأداء أو المسارعة إليه، ولذلك جيء بينهما بأو التي هي هنا للتسوية. (٢) (١) سورة النساء / ١١ (٢) الفناري على شرح السارجية ص ٤ - ٥، والدسوقي = وتقديم الوصية على حقوق الورثة ليس على إطلاقه، لأن تنفيذ الوصية مقيد بحدود الثلث، فإن کان الموصى به شيئا معینا أخذه، وإن كان بثلث أو ربع مثلا کان الموصى له شريكا للورثة في التر کة بنسبة نصيبه الموصى له به، لا مقدما عليهم. فإذا نقص المال لحقه النقص. وهذا بخلاف التجهيز والدین، فإنهما متقدمان حقا على الوصية وحقوق الورثة . ولما كانت الوصية بنسبة شائعة على سبيل المشاركة مع حقوق الورثة - فلوهلك شيء من التركة قبل القسمة فإنه يهلك على الموصى له والورثة جميعا، ولا يعطي الموصى له كل الثلث من الباقي، بل الهالك يهلك على الحقين، والباقي يبقى على الحقين، بخلاف الدين - فإنه إذا هلك بعض التر کة يستوفى كل الدين من الباقي . ثم إن طريقة حساب الوصية: أن يحسب قدر الوصية من جملة التركة لتظهر سهام الورثة، كما تحسب سهام أصحاب الفرائض أولا ليظهر الفاضل للعصبة . (١) وللفقهاء تفصيل ينظر في (وصية، وإرث). = ٤٥٨/٤، ونهاية المحتاج ٧/٦، والعذب الفائض ١٥/١، وتفسير القرطبي ٧٣/٥ - ٧٤ (١) المراجع السابقة . - ٢٢٣ - تركة ٣٣ رابعا: قسمة التركة بين الورثة : ٣٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن التركة تقسم بين الوارثين بعد أداء الحقوق المتعلقة بها . انظر مصطلح: (إرث). إلا أن الفقهاء اختلفوا فيما إذا قسمت التركة بين الورثة قبل أداء الحقوق المتعلقة بها، هل تنقضي هذه القسمة أم تلزم؟ فذهب الحنفية والمالكية إلى أن التركة المستغرقة بالدين تبقى على ملك المورث، أو هي في حكم ملكه، لأن الدين يشغلها جميعا. أما غير المستغرقة فإنها تنتقل إلى ملك الوارث من حين وفاة المورث أوينتقل الجزء الفارغ من الدین. ومن ثم لا يجوز للورثة اقتسام التركة مادامت مشغولة بالدين، وذلك لأن ملكهم لا يظهر إلا بعد قضاء الدين، لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أودين﴾(١) فإِذا قسموها نقضت قسمتهم حفظا لحق الدائنين، لأنهم قسموا مالا يملكون. قال الكاساني: الذي يوجب نقض القسمة بعد وجودها أنواع: منها ظهور دين على الميت، إذا طلب الغرماء دیونهم ولا مال للمیت سواه ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم . وإذا لم يكن الدين محيطا بالتر كة فملك الميت (١) سورة النساء / ١١ وحق الغرماء ثابت في قدر الدين من التركة على الشيوع، فيمنع جواز القسمة. وذهب بعض الحنفية إلى : جواز القسمة استحسانا، إذا كان الدين غير مستغرق للتر کة، لأنه قلما تخلو ترکة من دین یسیر . ولا تنقض القسمة أيضا إذا أبرأ الدائن الميت من الدین، أو ضمن الدين بعض الورثة برضى الدائن نفسه، أو كان في التركة من غير المقسوم مایکفي لأداء الدین. وقد جاء في مجلة الأحكام العدلية مانصه: إذا ظهردين على الميت بعد تقسيم التركة تفسخ القسمة، إلا إذا أدى الورثة الدين، أو أبرأهم الدائنون منه، أو ترك الميت مالا سوى المقسوم يفي بالدين، فعند ذلك لا تفسخ القسمة . (١) وذهب الشافعية إلى : أن ملك الورثة للتركة يبدأ من حين موت المورث، سواء أحاط الدين بالتركة أم لا . وقسمة التركة ماهي إلا تمييز وإفراز لحقوق كل من الورثة، ومن ثم فلا وجه لنقض القسمة عندهم. وإن قيل: إنها بيع ففي نقضها وجهان . وعند الحنابلة: لا تبطل القسمة بظهور دين (١) المبسوط ٥٩/١٥ - ٦٠، والبدائع ٧/ ٣٠، وتبيين الحقائق ٥٢/٥، وابن عابدين ٥/ ٧٥، ومجلة الأحكام العدلية م (١١٦١) والدسوقي ٤/ ٤٥٧ ومابعدها. - ٢٢٤ - : تركة ٣٤ - ٣٥ على الميت، لأن تعلق الدين بالتركة لا يمنع صحة التصرف فيها، لأنه تعلق بها بغير رضا الورثة . (١) وللتفصيل ينظر مصطلح: (قسمة). نقض قسمة التركة : ٣٤ - المقصود بنقض القسمة: إبطالها بعد تمامها، وتنقض قسمة التركة في الحالات التالية :- أ - الإِقالة أو التراضي على فسخ القسمة. ب - ظهور دين على الميت وقد تقدم. جـ ـ ظهور وارث أو موصى له في قسمة التراضي، لأن الوارث والموصى له شريكان للورثة في التركة . د - ظهور غبن فاحش لحق ببعض الورثة، وهو الذي لا يدخل تحت تقويم المقومين، كأن قوم المال بألف، وهويساوي خمسمائة. وتنقض هنا قسمة القاضي، لأن تصرف القاضي مقيد بالعدل ولم يوجد. وتنقض أيضا قسمة التراضي، لأن شرط جوازها المعادلة ولم توجد، فجاز نقضها. هـ - وقوع غلط في المال المقسوم. (٢) (١) المهذب ١/ ٣١٠، ٣٢٧ -٣٢٨، ونهاية المحتاج ٢٩٨/٤، والمغني ٤/ ٤٣٧، ١٢٩/٩ (٢) البدائع ٧/ ٣٠، وابن عابدين ١٦٨/٥ - ١٦٩، وتبيين الحقائق ٢٧٣/٥، ومجلة الأحكام العدلية م ١٢٥ ، = وفي جميع هذه الصورة تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح: (قسمة). التصرف في التركة : ٣٥ - تقدم خلاف الفقهاء في نفاذ أو عدم نفاذ قسمة التركة إذا كانت مستغرقة بالدين كلا أو بعضا. وإذا تصرف الورثة في التركة المدينة بالبيع أو الهبة أو بغير ذلك من التصرفات التي من شأنها أن تنقل الملكية أو ترتب عليها حقوقا عينية كالرهن، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على الوجه التالي : ذهب الحنفية والمالكية، والحنابلة في إحدى الروايتين - وهم الذين قالوا بمنع ملكية الوارث إلا بعد سداد الدين - إلى : أنه لا يجوز أي تصرف من الورثة في التركة إلا في الأحوال التالية : أ - أن تبرأ ذمة الميت من الدين قبل تصرف الورثة، إما بالأداء أو الكفالة . ب - أن يرضى الدائنون بقيام الورثة ببيع التركة لسداد ديونهم، لأن منع تصرف الورثة بالتركة كان ضمانا لحق الدائنين المتعلق بالتركة . = ١٦٠، والمهذب ٣٢٧/١، ٣١٠/٢، وبجيرمي على الخطيب ٤/ ٣٤٤، والشرح الصغير ٣/ ٦٧٧، والمغني ١٢٧/٩ - ١٢٩، وكشاف القناع ٣٧٦/٦ - ٢٢٥ - تركة ٣٦ - ٣٧ جـ ـ أن يأذن القاضي بالتصرف. وذلك لأن القاضي بما له من الولاية العامة يملك الإذن للورثة بالبيع لجميع التركة أو بعضها . (١) وأما الشافعية والحنفية في الرواية الأخرى - وهم الذين ذهبوا إلى أن ملك الوارث يبدأ من وقت وفاة المورث، سواء كانت التركة مدينة أم لا - فإنهم ذهبوا إلى أن تصرف الوارث بالبيع أو الهبة مع استغراق التركة بالدين لا ينفذ مراعاة لحق الميت، أذن الدائن أم لا ، إلا إذا كان التصرف لقضاء الدين فإنه ينفذ. (٢) وفي المسألة تفصيل يرجع فيه إلى الهبة، وإلى بيع منهي عنه، ومصطلح: (دين). تصفية التركة : ٣٦ - تقدم الكلام حول تصرف الوارثين البالغين في التركة قسمة أوبيعا، أما إذا كان الورثة أو بعضهم قُصّرا: فإن التصرف فيها یکون راجعا للوصي إن كان، أو للقاضي إن لم يكن وصي، وذلك لضمان الحقوق المتعلقة بالتركة من جهة، ولحفظ أموال الورثة الضعفاء كيلا يظلموا من غيرهم . (١) جامع الفصولين ٣٢/٢، ٣٧، والمدونة الكبرى ٢٠٧/٥، ٢٠٨ ط الساسي. (٢) حاشية البجيرمي على منهج الطلاب ٢/ ٤٠٠ ومابعدها، والمغني ٣٢٨/٤ مطابع سجل العرب، و١٠٤/١٢ وما بعدها مع الشرح الكبير. ولتفصيل هذه الأحكام ينظر (الوصية) ومصطلح: (إيصاء). التركة التي لا وارث لها: ٣٧ - اختلف الفقهاء في التركة التي لا وارث لها، أوْ لها وارث لا يرثها جميعها، فمن قال من الفقهاء بالرد قال: لا تئول التركة إلى بيت المال مادام لها وارث. ومن لا يرى الرد من الفقهاء قال: إن بيت المال يرث جميع التركة، أو مابقي بعد أصحاب الفروض. وإذا آلت التركة إلى بيت المال كانت على سبيل الفيء لا الإِرث عند الحنفية والحنابلة . وذهب المالكية والشافعية إلى أن حق بيت المال هنا هو على سبيل الميراث، أي على سبيل العصوبة . (١) وللتفصيل ينظر مصطلح: (إرث، وبيت المال). (١) ابن عابدين ٤٨٨/٥، والقليوبي ١٣٦/٣ - ١٣٧، والمغني ٦٨٤/٥، والعذب الفائض ١٩/١ - ٢٢٦ - ترميم ١ - ٢ ترميم التعريف : ١ - للترميم في اللغة معان. منها: الإصلاح. يقال: رَمت الحائط وغيره ترميما: أصلحته. ورَت الشيء أرُمّه وأرِمّه رما ومَرَمّة: إذا أصلحته . ويقال: قد رَمّ شأنُه. واسترم الحائط: أي حان له أن يُرَمّ، وذلك إذا بعد عهده بالتطيين ونحوه . والرِّم: إصلاح الشيء الذي فسد بعضه من نحو حبل يبلى فيرمه، أو دار ترم مرمة . (١) ولا يخرج في معناه الاصطلاحي عن هذا. والترمیم قد یکون بقصد التقوية، إذا كان الشيء معرضا للتلف، وقد يكون بقصد التحسين . الحكم الإجمالي : أولا : ترميم الوقف : ٢ - إذا احتاجت عين الوقف إلى ترميم، فإنه (١) المصباح المنير، والصحاح للمرعشلي، ولسان العرب، ومختار الصحاح مادة: ((رمم)). يبدأ به من غلته قبل الصرف إلى المستحقين، لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبدا، ولا تبقی دائمة إلا بعمارته، ومابقي بعد العمارة يصرف للمستحقين، هذا ما عليه الحنفية والمالكية والشافعية . وفي هذا يقول الحنفية: لوشرط الواقف تقديم العمارة، ثم الفاضل للفقراء أو للمستحقين، لزم الناظر إمساك قدر ما تحتاجه العمارة كل سنة، وإن لم يحتجه وقت الإمساك، لجواز أن يحدث في الوقف بعد التوزيع حدث يحتاج إلى ترميم ولا يجد غلة يرمم بها، بخلاف ما إذا لم يشترطه . والفرق بين الشرط وعدمه: أنه مع السكوت تقدم العمارة عند الحاجة إليها، ولا يدخر لها عند عدم الحاجة إليها. ومع الاشتراط تقدم عند الحاجة، ويدخر لها عند عدمها، ثم يفرق الباقي، لأن الواقف إنما جعل الفاضل عنها للفقراء . ولو كان الموقوف دارا، فعمارتها على من له السكنی، أي علی من يستحقها من ماله لا من الغلة، إذ الغرم بالغنم. ومفاده: أنه لو كان بعض المستحقین للسکنی غیر ساکن فیها يلزمه التعمير مع الساكنين، لأن تركه لحقه لا يسقط حق الوقف، فيعمر معهم، وإلا تؤجر حصته . ولو أبى من له السكنى، أو عجز لفقره، آجرها الحاكم منه أو من غيره، وعمرها بأجرتها - ٢٢٧ - ترميم ٣ - ٤ کعمارة الوقف، ثم يردها بعد التعمير إلى من له السكنى رعاية للحقين . ٣ - فإذا امتنع عن العمارة من ماله يؤجرها المتولي ويعمرها من غلتها، لأنها موقوفة للغلة. ولو کان هو المتولي وامتنع من عمارتها ینصب غيره ليعمرها، أو يعمرها الحاكم. ولو احتاج الخان (١) الموقوف إلى المرمة آجر بيتا أو بيتين منه وأنفق علیه، أو يؤذن للناس بالنزول فيه سنة، ويؤجر سنة أخرى، ويرم من أجرته. (٢) ويقول المالكية: إن إصلاح الوقف من غلته. فإِن شرط على المستحق إصلاحه يلغى الشرط، والوقف صحيح، ويصلح من غلته. فإن أصلح من شرط عليه الإِصلاح رجع بما أنفق لا بقيمته منقوضا . فلوشرط الواقف أن يبدأ من غلته بمنافع أهله، ويترك إصلاح ما تهدم منه، أويترك الإِنفاق علیه إذا كان حيوانا بطل شرطه، وتجب البداءة بمرمته والنفقة عليه من غلته لبقاء عینه. (٣) ولما كانت رقبة الوقف عند المالكية للواقف والغلة للموقوف علیه، یترتب على هذا أنه إذا خرب الوقف فللواقف إن کان حیا ۔ ولوارثه إن مات - منع من يريد إصلاحه إذا خرب أو احتاج (١) مكان عام لنزول المسافرين وإيواء دوابهم وبضائعهم. (٢) ابن عابدين ٣٧٦/٣ - ٣٨٢ (٣) الشرح الكبير ٨٩/٤ - ٩٢، وجواهر الإكليل ٢٠٩/٢ للإصلاح، لأنه ليس لأحد أن يتصرف في ملك غيره إلا بإذنه، ولأن إصلاح الغير مظنة لتغيير معالمه، وهذا إذا أصلحه الواقف أو ورثته، وإلا فليس لهم المنع، بل الأولى لهم تمكين من أراد بناءه إذا خرب، لأنه من التعاون على الخير. وهذا في غير المساجد، وأما هي فقد ارتفع ملکه عنها قطعا . (١) ويقول الشافعية: لوخربت الدار الموقوفة، ولم یعمرها الموقوف علیه، فإن كان للوقف مال کانت عمارته في مال الوقف، وإن لم یکن له مال ٤ أوجر وعمر من أجرته. فإِذا تعطلت منافع الوقف وكان حيوانا كخيل الجهاد، فالنفقة من بیت المال. أما عمارة الدار الموقوفة فلا تجب على أحد کالملك المطلق، بخلاف الحیوان فإِن نفقته تجب لصيانة روحه. وريع الأعيان الموقوفة على . المسجد إذا انهدم وتوقع عوده حفظ له، وإلا فإن أمكن صرفه إلى مسجد آخر صرف إليه، وإلا فمنقطع الآخر فیصرف لأقرب الناس إلى الواقف، فإِن لم يكونوا صرف إلى الفقراء والمساكين أو مصالح المسلمين. ٤ - أما غير المنهدم فما فضل من غلة الموقوف علی مصالحه یشتری بها عقار ویوقف عليه، بخلاف الموقوف على عمارته يجب ادخاره (١) الشرح الكبير ٤/ ٤٧ - ٢٢٨ - ترمیم ٥ - ٧ لأجلها، وإلا لم يعد منه شيء لأجلها، لأنه يعرض للضياع أو لظالم يأخذ. ٥ - وأما الحنابلة فيرجع عندهم إلى شرط الواقف في الإنفاق على الوقف وفي سائر أحواله، لأنه ثبت بوقفه، فوجب أن يتبع فيه شرطه. فإِن عين الواقف الإِنفاق عليه من غلته أو من غيرها عمل به رجوعا إلى شرطه، وإن لم یعینہ ۔ وکان الموقوف ذا روح کالخیل - فإِنه ینفق عليه من غلته، لأن الوقف يقتضي تحبيس الأصل وتسبيل منفعته، ولا يحصل ذلك إلا بالإِنفاق عليه فكان ذلك من ضرورته فإن لم یکن للموقوف غلة لضعف به ونحوه فنفقته على الموقوف عليه المعيّنّ، لأن الوقف عندهم يخرج من ملك الواقف إلى ملك الموقوف عليه إن كان آدميا معيّنا، مع منعه من التصرف فيه. فإن تعذر الإِنفاق من الموقوف عليه لعجزه أو غيبته ونحوهما بيع الوقف، وصرف ثمنه في عين أخرى تكون وقفا لمحل الضرورة. ولو احتاج خان مسبل إلى مرمة، أو احتاجت دار موقوفة لسكنى الحاج أو الغزاة أو أبناء السبيل ونحوهم إلى مرمة، يؤجر منه بقدر مايحتاج إليه في مرمته . ٦ - وإن كان الوقف على غير معين كالمساكين ونحوهم کالفقهاء فنفقته في بیت المال، لانتفاء المالك المعین فیه. فإن تعذر الإِنفاق علیه من بیت المال بیع وصرف ثمنه في عین أخری تکون وقفا . (١) وإن کان الوقف مما لا روح فيه كالعقار ونحوه من سلاح ومتاع وكتب، لم تجب عمارته على أحد إلا بشرط الواقف. فإِن شرط عمارته عمل بشرطه، سواء شرط البداءة بالعمارة أو تأخيرها، فيعمل بما شرط. لكن إن شرط تقديم الجهة عمل به مالم يؤد إلى التعطيل، فإِذا أدى إليه قدمت العمارة حفظا لأصل الوقف. فإِن لم یذکر البداءة بالعمارة أو تأخيرها، فتقدم على أرباب الوظائف، مالم يفض ذلك إلى تعطيل مصالحه، فيجمع بينهما حسب الإِمكان . ویصح بیع بعضه لإِصلاح باقیه، لأنه إذا جاز بيع الكل عند الحاجة فبيع البعض مع بقاء البعض أولى، إن اتحد الواقف. (٢) وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح: (وقف). ثانيا: الترميم في الإِجارة : ٧ - إذا احتاجت الدار المستأجرة للترميم. فإن عمارتها وإصلاح ماتلف منها وكل مايخل بالسكنى على المؤجّر عند الحنفية والشافعية والحنابلة .. ويقول الحنفية: إن أبى صاحبها أن يفعل كان للمستأجر أن يخرج منها، إلا أن يكون (١) نهاية المحتاج ٣٨٦/٥، ٣٩٢ - ٣٩٣، ٣٩٧ (٢) كشاف القناع ٢٦٥/٤ - ٢٦٨ م النصر الحديثة. - ٢٢٩ - ترميم ٧ - ٩ المستأجر استأجرها وهي كذلك وقد رآها لرضاه بالعيب، وأنه لا يجبر المؤجر على إصلاح بئر الماء والبالوعة والمخرج إن أبی إصلاح ذلك، لانه لا يجبر على إصلاح ملكه، فإِن فعله المستأجر فهو متبرع، وله أن يخرج إن أبى المؤجر. وعلى المستأجر إصلاح ما تلف من العين بسبب استعماله . ويقول الشافعية: إن بادر المؤجر إلى إصلاح ما تلف فلا خيار للمكتري، وإلا فله الخيار لتضرره بنقص المنفعة . والحنابلة کالشافعية في هذا، إلا أنهم قالوا: لو شرط المؤجر على المكتري النفقة الواجبة لعمارة المأجور لم يصح، لأنه يؤدي إلى جهالة الإِجارة، فلو عمر المستأجر بهذا الشرط أو عمر بإِذن المؤجر رجع عليه. وإن أنفق المستأجر من غير إذنه لم يرجع بشيء، لأنه متبرع، لكن له أخذ أعيان آلاته . وأجاز المالكية شرط المرمة للدار وتطيينها إن احتاجت على المكتري، بشرط أن يكون من كراء وجب على المكتري، إما في مقابلة سكنى مضت، أوباشتراط تعجيل الكراء، أو يجري العرف بتعجيله، لا إن لم يجب فلا يجوز. أو وقع العقد على أن ماتحتاج إليه الدار من المرمة والتطيين من عند المكتري، فلا يجوز للجهالة . (١) ترميم المستأجر من شريكين : ٨ - إذا استأجر شخص ما دارا مشتركة بين اثنين مثلا من صاحبیها، ثم احتاجت إلى مرمة، فاستأذن فیھا واحدا منهما فحسب، فأذن له دون رجوع إلى شريكه. فليس للمستأجر حق الرجوع على الشريك الآخر بما أنفقه في المرمة . فإِن کان للآذن حق الرجوع على شریکه كان للمستأجر الرجوع على آذنه بالنفقة كلا، ثم يرجع هذا على شريكه بحصته من النفقة. وإن لم يكن له حق الرجوع فإِذنه لغو في حصة شريكه، وليس للمستأجر إلا الرجوع على الآذن وحده بنسبة حصته(٢). ثالثا: ترميم الرهن : ٩- کل مايحتاج إليه لبقاء الرهن ومصلحته فهو على الراهن، لأنه باق على ملكه، وذلك مؤنة الملك. وكل ما كان لحفظه فعلى المرتهن، لأن حبسه (١) ابن عابدين ٤٩/٥، والفتاوى الهندية ٤/ ٤٧٠، ومنهاج الطالبين ٧٨/٣، وكشاف القناع ٢١/٤ ط مطبعة النصر الحديثة، والشرح الكبير ٤ / ٤٧ (٢) ابن عابدين ٣٦٧/٣ - ٣٦٨. وتفصيل ذلك يرجع إليه في بحث : ( شركة ). - ٢٣٠ - ترميم ٩، تروية له، فلو شرط منه شيء على الراهن لا يلزمه. (١) لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي و ﴿ قال: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدريشرب بنفقته، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة))(٢) والذي يركب هو الراهن، فوجب أن تكون النفقة عليه، ولأن الرقبة والمنفعة على ملكه، فكانت النفقة عليه. (٣) ويقول الحنابلة: إن مؤنة الرهن على راهنه، لما روى أبوهريرة رضي الله عنه أن النبي ﴿ ﴿ قال: ((لا يُغْلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمِه وعليه غُرْمه)) (٤) ولأنه ملك للراهن فکان علیه نفقته ومايحتاج إليه . فإن امتنع الراهن من بذل ماوجب عليه أجبره الحاكم عليه، فإن لم يفعل أخذ الحاكم (١) الاختيار شرح المختار ٢٣٧/١ مصطفى الحلبي ١٣٥٥ هـ، وابن عابدين ٣١٤/٥، وجواهر الإكليل ٨٤/٢، والشرح الكبير ٢٥١/٣ - ٢٥٢، والخرشي على مختصر خليل ٢٥٣/٥، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجلیل لشرح مختصر خلیل ٥/ ٢٥ (٢) حديث: ((الظهر يركب بنفقته .... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٤٣/٥ ط السلفية) من حديث أبي هريرة. (٣) المهذب في فقه الإِمام الشافعي ١/ ٣٢١، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ١٦٩/٢ نشر المكتبة الإسلامية. (٤) حديث: ((لا يغلق السرهن من صاحبه ... )) أخرجه البيهقي (٣٩/٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث سعيد بن المسيب مرسلا، وأعله بالإِرسال. من ماله وفعله، فإن تعذر أخْذُ ذلك من الرهنِ بيع منه فيما يجب على الراهن فعله بقدر الحاجة، لأن حفظ البعض أولى من إضاعة الكل، فإِن خيف استغراق البيع للرهن في الإِنفاق عليه بيع كله وجعل ثمنه رهنا مكانه لأنه أحظ لهما. (١) وإن أنفق المرتهن على الرهن بلا إذن الراهن، مع قدرته على استئذانه، فمتبرع حکما لتصدقه به، فلا يرجع بعوضه ولو نوی الرجوع، كالصدقة على مسكين، ولتفريطه بعدم الاستئذان. وإن تعذر استئذانه وأنفق بنية الرجوع رجع ولو لم يستأذن الحاكم، لاحتياجه لحراسة حقه. (٢) وتفصيل ذلك ینظر في (رهن). تروية انظر: يوم التروية . (١) كشاف القناع ٣/ ٣٣٩ ط مطبعة النصر الحديثة. (٢) منار السبيل في شرح الدليل ٣٥٧/١ - ٢٣١ - تریاق ١ - ٢ ترياق التعريف : ١ - الترياق بکسر فسكون، وجُوِّز ضمه وفتحه، ولکن المشهور الأول وهو معرب، ويقال بالدال والطاء أيضا: دواء يستعمل لدفع السم وهو أنواع. (١) الحكم الإجمالي : ٢ - قال الحنابلة: التر یاق دواء يتعالج به من السم، ويجعل فيه من لحوم الحيات، ولذلك لم یبیحوا أكله ولا شربه، لأن لحم الحية حرام، ولا يجوز التداوي بمحرم، لقول النبي ◌ٍَّ: (إنّ الله لم يجعل شفاءَكم فيما حَرّم عليكم))(٢) (١) عون المعبود شرح سنن أبي داود للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق ١٠/ ٣٥٠ نشر المكتبة السلفية، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمحدث علي بن سلطان محمد ٨/ ٣٦١ م إمدادية ملتان. (٢) المغني لابن قدامة ٨/ ٦٠٥ م الرياض الحديثة. وحديث: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما ... )) أخرجه الإمام احمد في كتاب الأشربة (ص ٦٣ - ط وزارة الأوقاف العراقیة). من حديث ابن مسعود وصححه ابن حجر في الفتح (٧٩/١٠ - ط السلفية). وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صل* يقول: ((ما أبالي ما أتيت إنْ أنا شربت ترياقا، أو تعلقت بتميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي))(١) والمعنى: أني إن فعلت هذه الأشياء كنت ممن لا يبالي بما فعله من الأفعال، ولا ينزجر عما لا يجوز فعله شرعا. وقال الخطابي : لیس شرب الترياق مکروها من أجل التداوي. وقد أباح رسول الله وَالو التداوي والعلاج في عدة أحاديث، ولکن من أجل مايقع فيه من لحوم الأفاعي، وهي محرمة . والترياق أنواع، فإذا لم يكن فيه من لحوم الأفاعي فلا بأس بتناوله. (٢) ومما ورد من أحاديث في التداوي والعلاج ما روي عن أسامة بن شريك رضي الله عنه. قال: كنت عند النبي وَلي وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: ((نعم يا عباد الله تداووا فإِن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد)) قالوا: ماهو؟ قال: ((الهرم)) وفي لفظ ((إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علِمَه من علمه، وجَهِلَه من جهله»(٣) (١) حديث: (ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا أو تعلقت ... )) أخرجه أبوداود (٣٤٩/١٠ - عون المعبود - ط السلفية) وأعله المنذري بضعف أحد رواته. (٢) عون المعبود في شرح سنن أبي داود ٣٤٩/١٠ - ٣٥١ (٣) الطب النبوي لابن قيم الجوزية ١٣ مؤسسة الرسالة، = - ٢٣٢ - ترياق ٢ وفي مرقاة المفاتيح: إذا لم یکن في الترياق محرم شرعا من لحوم الأفاعي والخمر ونحوه، فإنه لا یکون حراما . (١) ويتحريم لحوم الحيات يقول الحنفية والشافعية والحنابلة . (٢) وللحنفية فيما إذا جعل لحم الحيات في الترياق للتداوي - أسوة بالتداوي بالمحرم - رأیان : ظاهر المذهب: المنع. وقيل: یرخص إذا علم فيه الشفاء ولم يعلم دواء آخر، وعليه الفتوى. فإن الله تعالى قد أذن بالتداوي، وجعل لكل داء دواء، فإذا كان في ذلك الدواء ماهو محرم وعلم فيه الشفاء فقد زالت حرمة استعماله، وحل تناوله للتداوي به. وحديث: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم))(٣) معناه: نفي = وزاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية ٦٦/٣ ط مصطفى الحلبي. وحديث: ((إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه ... )) أخرجه أحمد (١/ ٣٧٧ - ط الميمنية) والحاكم (٣٩٩/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. (١) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٣٦١/٨ (٢) الاختيار شرح المختار ٣/ ١٤٧ مصطفى الحلبي ١٣٥٥ هـ، وابن عابدين ١٩٣/٥ ط دار إحياء التراث، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢٥٥/١، وروضة الطالبين ٣/ ٢٧٢ المكتب الإسلامي، والمغني ٥٨٦/٨ (٣) حديث: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)) سبق تخريجه (ص٣٣٢) الحرمة عند العلم بالشفاء. دل عليه جواز إساغة اللقمة بالخمر، وجواز شربها لإِزالة العطش، مالم يوجد ما يقوم مقامها . (١) والشافعية في التداوي به أسوة بالمحرم المخالط للدواء المنع عند البعض، والجواز عند البعض الآخر متى علم فيه الشفاء ولم يوجد غیرہ. (٢) أما المالكية فقد أباحوا أكل الحية متى ذكيت في موضع ذكاتها، وأمِنَ سمها، واحتيج لأكلها بسمها لمن ينفعه ذلك لمرضه، فإنه يجوز أكلها. (٣) ومفهوم هذا أن لحمها متى دخل في الترياق وخالطه فإنه يجوز التداوي به . وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح: (تداوي). (١) ابن عابدين ١٤٠/١، ٤٠٤/٢، ٢٤٩/٥ ط دار إحياء التراث العربي. (٢) منهاج الطالبين وحاشية قليوبي عليه ٢٠٣/٤ (٣) جواهر الإكليل ٢١٧/١، والشرح الكبير ٢/ ١١٥ - ٢٣٣ - تزاحم ١ - ٣ تزاحم التعريف : ١ - التزاحم في اللغة مصدر تزاحم، يقال: تزاحم القوم: إذا زحم بعضهم بعضا، أي تضايقوا في المجلس، أو تدافعوا في المكان الضيق.(١) والاصطلاح الشرعي لا يختلف عن هذا. الحكم التكليفي : ٢ - تحرم المزاحمة إن ترتب عليها أذى لأحد، كمزاحمة الأقوياء للضعفاء عند استلام الحجر الأسود، أو ترتب عليها أمر محظور شرعا، كمزاحمة المرأة للرجال في الطواف وعند استلام الحجر الأسود وغيره من الأماكن العامة . وقد ورد التزاحم في أمور منها : أولا: زحم المأموم : ٣ - إذا زحم المأموم وتعذر عليه السجود على الأرض متابعة للإِمام، وقدر على السجود على ظهر إنسان أودابة، فهل يلزمه السجود على (١) مختار الصحاح ومتن اللغة مادة: ((زحم)). ذلك؟ اختلف فيه الأئمة. فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى : أنه يلزمه أن يسجد علی مایمکنه السجود علیه، وإن کان علی ظهر إنسان أو قدمه، لتمكنه من المتابعة، ولخبر ((إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه))(١) فإِن لم يسجد فمتخلف عن المتابعة بغير عذر عند الأئمة المذكورين. وعند المالكية: لا يجوز السجود على ظهر الإِنسان، فإِن سجد أعاد الصلاة. ويستدلون لذلك بقول النبي وَلجر: ((مكَّن جبهتك من الأرض))(٢) ولا يحصل التمكين من الأرض في حالة السجود على ظهر إنسان . (٣) أما إذا لم يتمكن من السجود مطلقا، فهل يخرج عن المتابعة أو ينتظر؟ فيه خلاف وتفصيل ينظر في (صلاة الجماعة) و(صلاة الجمعة). (١) حديث: ((إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه ... )) ورد موقوفا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أخرجه البيهقي (١٨٣/٣ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وعزاه ابن قدامة في المغني (٢/ ٣١٤ - ط الرياض) إلى سعيد بن منصور في سننه موقوفا أيضا على عمر رضي الله عنه. (٢) حديث: ((مكن جبهتك من الأرض)) أخرجه البزار (٨/٢ - ٩ - كشف الاستار - ط الرسالة) وقال الهيثمي: رجاله موثقون (مجمع الزوائد ٢٧٥/٣ - ط القدسي). (٣) أسنى المطالب ٢٥٤/١، والمغني لابن قدامة ٣١٣/٢، والروضة ١٨/٣، والمدونة ١٤٧/١ - ٢٣٤ - تزاحم ٤ - ٦ ثانيا : التزاحم في الطواف : ٤ - إذا منعت الزحمة الطائف من تقبيل الحجر الأسود أو استلامه اقتصر على الإِشارة إليه وهذا محل اتفاق بين الفقهاء. لما روي عن النبي ◌ّلل أنه قال لعمر: رضي الله عنه ((ياعمر إنك رجل قوي، لا تؤذ الضعيف، إذا أردتَ استلام الحجر، فإِن خلا لك فاستلمه، وإلا فاستقبله وکبر))،(١). والتفصيل في مصطلح (إشارة وطواف). ثالثا : تزاحم الغرماء في مال المفلس : ٥ - إذا أقر المدين المفلس - بعد الحجر عليه لحق الغرماء - بدین قد لزمه قبل الحجر عليه، فهل يقبل في حق الغرماء الذين حجر عليه لحقهم ويزاحمهم المقَرُّله في المال، أم يبقى الدين في ذمة المحجور عليه، لئلا يتضرر الغرماء بالمزاحمة؟ ذهب الحنفية والحنابلة إلى : أنه لا يقبل إقراره في حق الغرماء، إن أقر في حال الحجر، لأن هذا الحق تعلق به حق الأولين. وعند المالكية: لا يقبل إقراره إلا ببينة. وأظهر القولين عند الشافعية أنه يقبل أيضا في حقهم ويزاحمهم في المال، كإِقرار المريض في (١) حديث: ((يا عمر إنك رجل قوي ... )) أخرجه البيهقي (٨٠/٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) من طريقين يقوى أحدهما الآخر. مرضه بدين يزاحم غرماء دين الصحة . (١) هذا إذا أقرأنه لزم الدين قبل الحجر. أما إذا لزمه بعد الحجر ففي ذلك خلاف وتفصیل یرجع إليه في مصطلح: (تفليس). تزاحم الوصايا : ٦ - ذهب الحنفية إلى أنه إذا تزاحمت الوصايا نظر فإن كانت كلها لله تعالى: فإن كانت كلها فرائض كالحج. والزكاة، أو كانت كلها واجبات كالكفارات والنذر، وصدقة الفطر، أو كانت. كلها تطوعات: كحج التطوع والصدقة على الفقراء يبدأ بما بدأ به الموصي . وإن جمعت ما ذکر کحجة الإسلام والكفارات والنذر وصدقة ء التطوع على الفقراء فيبدأ بالفرض، ثم بالواجب، ثم بالتطوع. أما إذا جمعت بين حق الله وحق العباد فإنه يقسم الثلث على جميعها. لأنها وإن كانت كلها لله في واقع الأمر فكل واحدة منها مقصودة في نفسها فتنفرد. فلوقال: ثلث مالي في الحج والزكاة ولزيد والكفارات. قسم على أربعة أسهم، ولا يقدم الفرض على حق الآدمي لحاجته. هذا إذا كان الآدمي معينا، أما إذا كان غير معين فلا يقسم بل يقدم الأقوى فالأقوى، لأن - (١) فتح القدير ٢٠٨/٨، وروضة الطالبين ١٣٢/٤ - ١٣٣، والمغني ٤ / ٤٨٦ - ٢٣٥ - تزاحم ٧ -٨ الكل يبقى حقالله تعالى، إذا لم يكن هناك مستحق معين. (١) وقال الشافعية: لا يقدم الواجب على غير الواجب سواء كان تطوعا لله أولآدمي. بل تتزاحم الوصايا فيوزع عليه وعلى غيره، ثم يكمل الواجب من صلب المال، إن لم يف الثلث، وبهذا قال: أبوالخطاب من الحنابلة. (٢) وعند الحنابلة: إن أوصي بأداء الواجب من الثلث تصح الوصية، فإِن لم تکن له وصیة غیر هذه لم تفد الوصية شیئا ویؤدی من ماله كله كما لو لم يوص. وإن أوصى لجهة أخرى قدم الواجب، وإن فضل شيء من الثلث بعد الواجب فهو للتبرع. (٣) (ر: الوصية). ٧ - وإن أوصى بشيء معين لشخص، ثم أوصی به لآخر ،فالموصى به بین الموصى له به أولا والموصى له به ثانیا، لتعلق حق کل واحد منهما على السواء، فوجب أن يشتركا كما لو جمع بينهما في الوصية . وإن أوصى لشخص بثلث ماله ثم أوصى بثلثه لآخر فالثلث بينهما إن لم يجز الورثة الثلثين، وإن أجاز الورثة أخذ كل واحد منهما ثلثه، (١) ابن عابدين ٤٢٣/٥ - ٤٢٤ (٢) مغني المحتاج ٦٧/٣، وأسنى المطالب ٣/ ٥٩، والمغني ١٢٩/٦ (٣) المغني ١٢٩/٦، ١٣٠ لتغايرهما . وكذا إن أوصى بكل ماله لشخص ثم أوصى به لآخر فهو بينهما للتزاحم. (١) وإن مات أحدهما قبل موت الموصي فكل المال للآخر، وكذا إن تأخر موتهما عن موت الموصي ورد أحدهما الوصية بعد موت الموصي لأنه اشتراك تزاحم، وقد زال بموت المزاحم ورده . (٢) هذا إذا لم يوجد مايدل على رجوع الموصي عن الوصية، فإن وجد مايدل على الرجوع عن الوصية الأولى، كأن يقول: أوصيت لفلان بما أوصيت به لفلان، فهو رجوع عن الوصية لظهوره فیه . (٣) والتفصيل في مصطلح: (وصية). خامسا : القتل بالزحام : ٨ - ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنه إذا تزاحم قوم على بئر، أوباب الكعبة، أو في الطواف، أو في مضيق، ثم تفرقوا علی قتیل لم يعرف قاتله لا یکون ذلك لوثا، وهو (١) مطالب أولي النهى ٤ / ٤٦٠ - ٤٦١، وروض الطالب ٦٤/٣، وحاشية ابن عابدين ٤٢٧/٥، وحاشية الدسوقي ٤/ ٤٢٩ (٢) المصادر السابقة . (٣) مطالب أولي النهى ٤/ ٤٦٠ - ٤٦١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤٢٩، وروض الطالب ٤ / ٤٦٠ - ٤٦١،، وحاشية ابن عابدین ٥/ ٤٧٥ - ٢٣٦ - تزاحم ٨- ٩ قول إسحاق، وروي ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما. ثم اختلفوا في ديته، فقال الحنفية والحنابلة: إن ديته في بيت المال، (١) واستدلوا بما روى سعيد بن منصور في سننه عن إبراهيم قال: قتل رجل في زحام الناس بعرفة، فجاء أهله لعمر فقال: بينتكم على من قتله. فقال علي يا أمير المؤمنين: لا يطل دم امريء مسلم، إن علمتَ قاتله، وإلا فأعط دیته من بيت المال. مواطن البحث : ٩ - يذكر الفقهاء التزاحم في صلاة الجمعة والجماعة: في حال تعذر متابعة المأموم للإِمام في انتقالاته للزحمة . وفي باب التفليس: إذا ظهر دين بعد حجر المفلس للغرماء أو طرأ التزام مالي جدید. وفي الطواف: إذا عسر عليه استلام الحجر أو تقبيله . وقال المالکیة: دمه هدر، لأنه لا یعلم له قاتل، ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة، لأن أسباب القسامة عندهم خمسة. وليس فيها التفرق في الزحام عن قتيل. (٢) وقال الشافعية: إن ذلك یکون لوثا، ولا يشترط أن تكون بينهم وبينه عداوة. وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام : ديته على من حضر لأن قتله حصل منهم، وكذا لو تزاحم قوم لا يتصور اجتماعهم على القتل في مضيق، وتفرقوا عن قتيل، فادعى الولي القتل على عدد منهم يتصور اجتماعهم فيقبل، ويمكن من القسامة. (٣) (١) المغني ٨/ ٦٩، وحاشية ابن عابدين ٤٠٦/٥ (٢) حاشية الدسوقي ٤/ ٢٨٧ (٣) روضة الطالبين ١١/١٠، ١٢، والمغني ٨/ ٦٩ - ٢٣٧ - تزكية ١ تزكية التعريف : ١ - التزكية لغة: مصدر زکی. یقال: زگی فلان فلانا: إذا نسبه إلى الزكاء، وهو الصلاح. وزكا الرجل يزكو: إذا صلح، فهو زكي والجمع أزكياء. (١) قال الراغب: أصل الزكاة النمو الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية. يقال: زكا الزرع يزكو: إذا حصل منه نمو وبركة. وقوله تعالى: ﴿أيُّها أَزْكى طعاما﴾(٢) إشارة إلى مايكون حلالا لما لا يستوخم عقباه، ومنه الزكاة لما يخرج الإِنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء، وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس أي تنميتها بالخيرات والبركات، أولهما جميعا، فإِن الخيرين موجودان فيها . وبزكاة النفس وطهارتها يصير الإِنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، - (١) المصباح. مادة (زكى)) (٢) سورة الكهف / ١٩ وفي الآخرة الأجر والمثوبة. وهو أن يتحرى الإِنسان ما فيه تطهيره، وذلك ینسب تارة إلى العبد، لكونه مكتسبا لذلك، نحو ﴿قد اُفْلَحَ من زكاها﴾(١) وتارة ينسب إلى الله تعالى لكونه فاعلا لذلك في الحقيقة نحو ﴿بل اللّه يُزَكِّي من يشاء﴾(٢) وتارة إلى النبي ولو لكونه واسطة في وصول ذلك إليهم نحو﴿تُطَهِّرهم وَتُزَكِّيهم بها﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿يتلو عليكم آياتنا ويُزَكيكم﴾(٤) وتارة إلى العبادة التي هي آلة في ذلك نحو﴿وحَنَانا من لَدُنّا وزكاة﴾(٥) ونحو ﴿لِأَهَبَ لك غُلاما زَكِيًا﴾(٦) أي مزكى بالخلقة، وذلك على طريق ماذكرنا من الاجتباء، وهو أن يجعل بعض عباده عالما وطاهر الخلق لا بالتعلم والممارسة، بل بتوفيق إلهي . وتزكية الإِنسان نفسه ضربان : أحدهما: بالفعل وهو محمود، وإليه قصد بقوله: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ وقوله ﴿قد أفلح من تَزَكّى﴾(٧) والثاني: بالقول كتزكية العدل غيره، وذلك (١) سورة الشمس / ٩ (٢) سورة النساء / ٤٩ (٣) سورة التوبة / ١٠٣ (٤) سورة التوبة / ١٥١ (٥) سورة مريم / ١٣ (٦) سورة مريم / ١٣ (٧) سورة الأعلى / ١٤ - ٢٣٨ - تزكية ١ - ٣ مذموم أن يفعل الإِنسان بنفسه، وقد نهى الله تعالی عنه فقال: ﴿فلا تُزَكُّوا أنفسكم﴾(١) ونهيه عن ذلك تأديب، لقبح مدح الانسان نفسه عقلا وشرعا، ولهذا قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقا؟ فقال: مدح الرجل نفسه . (٢) والفقهاء يعبرون عن النسبة إلى الصلاح بالتزكية أو التعديل فهما مترادفان. (٣) ويعرفون التزكية في باب القضاء بأنها : تعديل الشهود. وتزكية الرجل ماله: أن يخرج القدر الواجب عليه من الزكاة فيه . والجَرْحُ ضد التزكية، وهو في اللغة: القطع في الجسم، ومنه قولهم : جرحه بلسانه جرحا: إذا عابه وتنقصه، ومنه: جرحت الشاهد أو الراوي : إذا أظهرت فيه ما ترد به شهادته أو روايته . (٤) وقد أطلق الفقهاء علی من یبعث إليه للتحري عن الشهود (المزكي) وهو في الحقيقة يزكي ويجرح، ولكن وصف بأحسن الوصفين. (١) سورة النجم / ٣٢ (٢) المفردات في غريب القرآن ص ٢١٣ ط دار المعرفة ببيروت. (٣) تبصرة الحكام هامش فتح العلي المالك ٢٥٦/١، والبدائع ٢٧٠/٦ (٤) معين الحكام ١٠٤، ١٠٥، والمصباح. حكم التزكية : ٢ - ذهب الإِمام أبو حنيفة، وإحدى الروايتين عن الإِمام أحمد: أنه يقضى بظاهر العدالة، إلا إذا طعن الخصم في عدالة من شهد، واستثنى أبو حنيفة الحدود والقصاص، فأوجب فيهما التزكية وإن لم يطعن الخصم. وعند الإِمام أحمد في الرواية المذكورة: يستوي في ذلك الحد والمال. وقال الإِمام مالك وأبويوسف ومحمد والشافعية، والإِمام أحمد في الرواية الأخرى عنه: إن التزكية واجبة في كل الأمور، لكن ذلك مشروط بما إذا لم يعرف القاضي حال الشهود، فإِن عرف عدالتهم فلا حاجة إلى التزكية. وإن عرف أنهم مجروحون رد شهادتهم، وذلك عند جميع الفقهاء. ٣ - واستدل أصحاب القول الأول على جواز الحكم بظاهر العدالة بقول عمر: المسلمون عدول بعضهم على بعض. وبأن أعرابيا جاء إلى النبي ﴾ فشهد برؤية الهلال، فقال له النبي ((أتشهد ألا إله إلا الله؟ فقال: نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: نعم. فصام وأمر الناس بالصيام)) . (١) (١) حديث: ((أن أعرابيا جاء إلى النبي ◌َّر فشهد برؤية الهلال ... )) أخرجه الترمذي (٧٤/٣ - ٧٥ - ط الحلبي) والنسائي (١٣٢/٤ - ط المكتبة التجارية) من حديث= - ٢٣٩ - ٦ تزكية ٣ - ٤ ولأن العدالة أمر خفي سببها الخوف من الله تعالى، ودليل ذلك الإِسلام، فإِذا وجد فلیکتف به، مالم يقم على خلافه دلیل . واستدل لأبي حنيفة في استثناء الحدود والقصاص ولزوم التحري فيها وإن لم يطعن الخصم: بأن الحدود والقصاص مما يحتاط فيها وتندرىء بالشبهات بخلاف غيرها . واستدل القائلون بوجوب التزكية في كل الأمور بقوله تعالى: ﴿مِّنْ تَرْضون من الشهداء﴾(١) ولا يعلم أنه مرضي حتى نعرفه . وبأن العدالة شرط، فوجب العلم بها کالإِسلام، كما لو طعن الخصم في الشهود. أما الأعرابي المسلم، فإنه كان من أصحاب رسول الله وَلّر، وقد ثبتت عدالتهم بثناء الله تعالی علیهم، فإن من ترك دينه في زمن رسول الله إيثارا لدين الإِسلام وصحبة رسول الله وَلل ثبتت عدالته. وللأثر عن عمر رضي الله عنه أنه أتي بشاهدين، فقال لهما عمر: لست أعرفكما ولا يضركما إن لم أعرفكما، جیئا بمن یعرِّفكما، فأتيا برجل، فقال له عمر: تعرفهما؟ فقال: نعم. فقال عمر: صحبتهما في السفر الذي یتبین فیه جواهر الناس؟ قال: لا، = ابن عباس رضي الله عنهما، وحكم الترمذي والنسائي عليه بالإِرسال. (١) سورة البقرة / ٢٨٢ قال: عاملتَهما بالدنانير والدراهم التي تقطع فيها الرحم؟ قال: لا . قال: كنت جارا لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال: لا. قال: ياابن أخي لست تعرفهما. جیئا بمن يعرفكما. قال ابن قدامة: وهذا بحث يدل على أنه لا یکتفی بدونه. (١) ٤ - هذا، وقد قال علماء الحنفية: إن الخلاف بین الإِمام وصاحبیه لیس اختلافا حقیقیا، بل هو اختلاف عصر وزمان، فإن الناس في عهده کانوا أهل خير وصلاح، لأنه زمن التابعين، وقد شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام بالخيرية بقوله: ((خير الناسُ قَرْني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتُهم أيمانَهم، وأيمانُهم شهادتهم))(٢) فكان الغالب في أهل زمانه الصلاح والسداد، فوقعت الغنية عن السؤال عن حالهم في السر، ثم تغير الزمان وظهر الفساد في قرنهما، فوقعت الحاجة إلى السؤال عن العدالة. ومن العلماء من حقق الاختلاف. (٣) (١) البدائع ٦/ ٢٧٠، وابن عابدين ٤ / ٥٧، وتبصرة الحكام ٢٥٦/١، وقليوبي وعميرة ٣٠٦/٤، والمغني ٩/ ٦٣ - ٦٤ (٢) حديث: ((خير القرون قرني .... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢٤٤/١١ - ط السلفية) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه . (٣) البدائع ٦/ ٢٧٠، والمغني ٩/ ٦٤، ومعين الحكام ص ١٠٣ - ٢٤٠ -