Indexed OCR Text

Pages 221-240

تحسین ٢٢ - ٢٥
تحسين المخطوبة :
٢٢ - لا تمنع المرأة المخطوبة من تحسين هيئتها
ولبسها عند رؤية الخاطب لها من غير ستر عيب
ولا تدلیس ولا سرف. (١)
تحسين المصحف :
٢٣ - تحسین المصحف مندوب، ویکون ذلك
بتحسین خطه، وتعشيره، وكتابة أسماء سوره في
أول كل سورة وعدد آياتها، وتشكيله وتنقيطه،
وعلامات وقوفه، وتجلیده.
وتفصيل ذلك في الكلام عن المصحف. (٢)
تحسین الذبح :
٢٤ - اتفق الفقهاء على ندب تحسين ذبح
الحيوان تحسينا يؤدي إلى إراحة الحيوان المذبوح
بقدر المستطاع، فاستحبوا أن يحد الشفرة قبل
الذبح. (٣) وكرهوا الذبح بآلة كالّة، لما في الذبح
بها من تعذيب للحیوان(٤) ولحدیث شداد بن
أوس رضي الله عنه: «شْتانِ حفظتُهما عن رسول
(١) مواهب الجليل ٤٠٥/٣
(٢) تفسير القرطبي ٦٣/١، ٦٤، والمدخل لابن الحاج
٧٧/١، و٨٧/٤
(٣) حاشية الجمل على شرح المنهاج ٢٣٦/٥ طبع دار إحياء
التراث العربي ببيروت، ونيل الأوطار ٢١٢/٥، طبع دار
الجيل.
(٤) شرح منتهى الإرادات ٣/ ٤٠٨
اللّهَ وَِّ قال: إنَّ الله كتبَ الإِحسانَ على كل
شيء، فإِذا قَتَلْتُمْ فَأحسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتُم
فأحْسِنُوا الذُّبْحَةَ، ولَيُحِدَّ أحدُكم شفرته ولُرُحْ
ذبيحته».(١)
ويندب عدم شحذ السكين أمام الذبيحة،
ولا ذبح واحدة أمام أخری، کما یندب عرض
الماء عليها قبل ذبحها. وأن يكون الذبح في
العنق ◌ِمَا قَصُرَ عنقُه، وفي اللبَّة ◌ِمَا طال عنقُه
كالإِبل والنعام والإِوز لأنه أسهل لخروج
الروح.
وإمرار السكين على الذبيحة برفق وتحامل
یسیر ذهابا وإيابا .
وأن لا يكون الذبح من القفا، وأن لا يقطع
أعمق من الودجين والحلقوم، ولا يكسر العنق،
ولا يقطع شيئا منها قبل أن تزهق نفسها. (٢)
وكذلك يندب تحسين القتل في القصاص أو
الحد، للحديث المتقدم.
تحسين المبيع :
٢٥ - يعتبر تحسين المبيع مباحا مالم يكن فيه ستر
(١) حديث: ((إن الله كتب الإِحسان على كل شيء ... ))
أخرجه مسلم (١٥٤٨/٣ - ط الحلبي).
(٢) حاشية الجمل ٥/ ٢٣٥ ومابعدها، وشرح المنهاج
٢٣٤/٥، والمغني ٥٧٨/٨، والمحلى ٧/ ٤٤٤ الطبعة
المنيرية .
- ٢٢١ -

تحسین ٢٦ - ٢٨
عيب، أو تغریر للمشتري، أو تحسین مؤقت لا
يلبث أن يزول، فإِذا ظهر العيب الذي أخفي
بالتحسین ثبت للمشتري خیار العیب. (١)
وتفصيل ذلك في (بيع، غرر، خيار
العيب).
تحسين المطالبة بالدين :
٢٦ - يندب تحسين المطالبة بالدين، ويكون
تحسینہا :
بالسماحة بالمطالبة: لقول رسول الله وعليه :
((رحم الله رجلا سَمْحاً إذا باعَ، وإذا اشترى،
وإذا اقْتَضَى)). (٢) وأن تكون المطالبة في وقت
يظن فيه اليسر: فقد قدم سعيد بن عامربن
حذيم على عمر بن الخطاب فلما أتاه علاه عمر
بالدرة، فقال سعيد: يا أمير المؤمنين سبق
سيلُك مطرَك، إن تعاقبْ نَصْبِرِ، وإن تعفُ
نَشْكر، وإنْ تَسْتعتب نعتب، فقال عمر: ما
على المسلم إلا هذا، مالكَ تُبْطىء بالخراج؟
قال سعيد: أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على
(١) الفتاوى الهندية ٣/ ٤٣ - ٥٠، والزيلعي ٤ /٣٥، ٤١،
٧٤، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٣٢/١، ومواهب الجليل
٤ / ٤٣٧، والمغني ٤/ ١٥٧، ١٦٠، ١٦٧، والمدخل لابن
الحاج ٤/ ٢٨، ٢٩، ومعالم القربة في أحكام الحسبة
للقرشي ص ٩٢، ١٣٦، ونهاية الرتبة للشیزري ص ٣٤،
٦٥
(٢) حديث: ((رحم الله رجلا سمحا إذا باع ... )) أخرجه
البخاري (٢٠٦/٤ - الفتح - ط السلفية).
· أربعة دنانير، فلسنا نزيدهم على ذلك، ولکنا
نؤ خرهم إلی غلاتهم، فقال عمر: لا عزلتك ما
حييتُ. (١)
تحسين الميت والكفن والقبر :
٢٧ - يندب تحسين هيئة الميت، ففي تبيين
الحقائق: فإذا ماتَ شد لحیاه، وغمضت عيناه،
لأن فيه تحسينه، إذ لوترك على حاله لبقي فظيع
المنظر، ثم يغسل. (٢)
٢٨ - ويستحب تحسين كفن الميت، لأن الكفن
للميت بمثابة اللباس للحي، ولما رواه جابر
رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه وَلـ ((إذا كفن
أحدُكم أخاه فليحسنْ كَفَنَّه)). (٣)
ويكون تحسين الكفن بثلاثة أمور: تحسين
ذات الكفن، وتحسين صفة الكفن، وتحسين
وضعه على الميت.
أ - أما تحسين ذات الكفن: فقد صرح
المالكية بأن المیت یکفن بمثل ما كان يلبسه في
الجمع والأعياد في حياته - وهو يلبس لها أحسن
(١) الأموال لأبي عبيد ص ٤٣، والمغني ٨/ ٥٣٧، والمدخل
لابن الحاج ١/ ٦٩
(٢) تبیین الحقائق ٢٣٥/١
(٣) حديث: ((إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)) أخرجه
مسلم (٢/ ٦٥١ - ط الحلبي).
- ٢٢٢ -

تحسین ٢٩
ثيابه ۔ ویقضی بذلك عند اختلاف الورثة فيه،
إن لم یکن علیه دین.(١)
ب - أما تحسين صفة الكفن: فإنه يستحب
البياض في الكفن لحديث ابن عباس رضي الله
عنهما مرفوعا: ((البسوا من ثيابكم البياض، فإِنها
من خیر ثیابکم، وکفنوا بها موتاكم))(٢) والجدید
أفضل من القديم، على خلاف في ذلك بين
الفقهاء. (٣)
جـ - أما تحسين كيفية الكفن: فيتمثل بأن
تجعل أحسن اللفائف بحيث تظهر للناس،
فيظهر حسن الكفن. (٤)
٢٩ - ويندب تحسين القبر، ويكون تحسينه
بمايلي :
أ - حفره لحدا إن أمكن، وبناء اللحد،
وأفضل مايبنى به اللحد اللبن، ثم الألواح، ثم
القرميد، ثم القصب. (٥).
ب - أن يكون عمقه بقدر قامة - وهي
(١) مواهب الجليل ٢١٨/٢
(٢) حديث: ((البسوا من ثيابكم البياض ... )) أخرجه أبوداود
(٣٣٢/٤ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (٤ /١٨٥ - ط
دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) سبل السلام ٩٦/٢، وتبيين الحقائق ٢٣٨/١، والمغني
٤٦٤/٢، وكفاية الأخيار ١/ ٣٢٠، وشرح منتهى
الإرادات ٣٣٤/١
(٤) المغني ٢/ ٤٦٤ وما بعدها، والمدخل لابن الحاج ٣/ ٢٤١
ومابعدها، وسبل السلام ٢/ ٩٦
(٥) مواهب الجليل ٢/ ٢٣٤
مايقرب من ثلاثة أذراع - وأن يكون واسعا
بحیث لا يضيق بالميت.
جـ - فرش أرضه بالرمل إن كانت الأرض
صخرية أو كان هناك سبب آخر لذلك.
د - أن يعلو عن الأرض مقدار شبر،
ويكون مسطحا أومسنّما على خلاف بين
الفقهاء فيما هو الأفضل.
هـ ـ أن يعلم عند رأس الميت بحجر.
وليس من المستحسن - بل هو مكروه -
تخصيص القبور وتطيينها والبناء عليها. (١)
19
(١) المدخل لابن الحاج ٢٥٨/١، ومواهب الجليل ٢٣٤/٢،
وكفاية الأخيار ٣٢٤/١، وشرح منتهى الإرادات ٣٤٩/١
ومابعدها، وحاشية ابن عابدين ١/ ٦٠١ و٢٦٩/٥
و٤٤١، وحاشية قليوبي ٣٥١/١
- ٢٢٣ -

تحسینیات ١ - ٢
تحسینیات
التعريف :
١ - التحسينيات في اللغة: مأخوذة من مادة
الحسن، والحُسْن في اللغة بالضم: الجمال.
وجاء في الصحاح أنه ضد القبح. والتحسين:
التزيين. (١)
وأما التحسينيات في اصطلاح الأصوليين:
فهي مالا تدعو إليها ضرورة ولا حاجة، ولکن
تقع موقع التحسين والتيسير ورعاية أحسن
المناهج في العادات والمعاملات. (٢)
ومن أمثلتها: تحريم الخبائث من القاذورات
والسباع حثا على مكارم الأخلاق. (٣)
ومن أمثلتها أيضا: اعتبار الولي في النكاح
صيانة للمرأة عن مباشرة العقد، لكونه مشعرا
بتوقان نفسها إلى الرجال، فلا يليق ذلك
(١) الصحاح والقاموس ولسان العرب والمصباح، مادة:
«حسن)) .
(٢) المستصفى ١ /٢٨٦، ٢٩٠ ط الأميرية، والإِحكام
للآمدي ٤٩/٣ ط صبيح، والموافقات للشاطبي ٢/ ١١ ط
دار المعرفة .
(٣) مسلم الثبوت ٢/ ٢٦٣ ط الأميرية.
بالمروءة، ففوض ذلك إلى الولي حملا للخلق
على أحسن المناهج. (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أالضروريات :
٢ - الضروريات يعرف معناها في اللغة من
معنى مادة ضرّ، والضرّ في اللغة: خلاف
النفع، وضرّه وضارّه معناهما واحد، والاسم
الضرر. وقال الأزهري : كل ماكان سوء حال
وفقرا وشدة في بدن فهو ضُرّ بالضم، وماكان ضدّ
النفع فهو بفتحها . (٢)
وأما عند الأصوليين: فهي الأمور التي لا بد
منها في قيام مصالح الدين والدنيا،وهي حفظ
الدين، والعقل، والنسل، والمال، والنفس.
وهي أقوى مراتب المصالح (٣) بحيث إذا
فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل
على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى
فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.
ومن هنا يتبين الفرق بين الضروريات
والتحسينيات، إذ التحسينيات هي الأخذ بها
يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال
المدنسات التي تأنفها العقول الراجحة.
(١) روضة الناظر ص ٧٦ - ٨٧ ط السلفية.
(٢) الصحاح والقاموس والمصباح، مادة: ((ضرر)).
(٣) الموافقات ٨/٢ - ١١ ط دار المعرفة. والمستصفى
٢٨٧/١ ط الأميرية.
- ٢٢٤ -

تحسینیات ٣ - ٥
ب - الحاجيات :
٣ - يعرف معناها في اللغة من معنى الحاجة،
وهي : الاحتياج. (١)
وأما عند الأصوليين: فهي التي يحتاج إليها،
ولكنها لا تصل إلى حدّ الضرورة، فإِذا لم تراع
دخل على المكلفين على الجملة الحرج
والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي
المتوقع في المصالح العامة .
وتأتي في المرتبة الثانية بعد الضروريات، أما
التحسينيات فتأتي في المرتبة الثالثة . (٢)
أقسام التحسينيات :
٤ - تنقسم التحسينيات إلى قسمين:
الأول : ماكان غير معارض للقواعد
الشرعية، كتحريم تناول القاذورات، فإن نفرة
الطباع منها معنى يناسب حرمة تناولها حثا على
مکارم الأخلاق.
الثاني : ماكان معارضا للقواعد كالكتابة،
فإِنها غیر محتاج إليها، إذ لو منعت ماضر، لكنها
مستحسنة في العادة للتوسل بها إلى فك الرقبة
من الرق، وهي خارمة لقاعدة امتناع بيع
الشخص بعض ماله ببعض آخر، إذ ما يحصله
(١) انظر معنى مادة: ((حوج)) في القاموس والصحاح
والمصباح.
(٢) جمع الجوامع ٢/ ٢٨١ ط الحلبي، والموافقات ١٠/٢ -
١١ ط دار المعرفة .
المكاتب في قوة ملك السيد له بأن يعجز
نفسه. (١)
الأحكام الإجمالية :
أ - المحافظة عليها :
٥ - التحسينيات من الأمور التي قصد الشارع
المحافظة عليها، لأنها وإن كانت أدنى مراتب
المصالح إلا أنها مكملة للحاجيات التي هي
أعلى منها في المنزلة، والحاجيات بدورها مكملة
للضروريات التي هي أصل لهما، وأيضا فإن ترك
التحسينيات يؤدي في النهاية إلى ترك
الضروريات، لأن المتجرِّىء على ترك الأخف
بالإِخلال به معرّض للتجرّؤ على ماسواه،
ولذلك لو اقتصر المصلي على ماهو فرض في
الصلاة لم یکن في صلاته مايستحسن. وأيضا
فإِن التحسينيات بالنسبة للحاجيات - التي هي
آكد منها - كالنفل بالنسبة إلى ماهو فرض، وكذا
الحاجيات مع الضروريات، فستر العورة
واستقبال القبلة بالنسبة إلى أصل الصلاة
کالمندوب إلیه، والمندوب إلیه بالجزء ینتهض أن
يصير واجبا بالكل، فالإِخلال بالمندوب مطلقا
يشبه الاخلال بركن من أركان الواجب. (٢)
,
(١) جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢ ط الحلبي،
وإرشاد الفحول ٢١٦ - ٢١٧ ط الحلبي.
(٢) انظر ما قاله الشاطبي في المسألة الرابعة من المسائل التي
ذكرها في النوع الأول من كتابه الموافقات ١٦/٢ - ٢٥ ط
دار المعرفة .
- ٢٢٥ -

تحسینیات ٦ - ٧
ب - تعارض التحسينيات مع غيرها :
٦ - التحسینیات وإن كانت مكملة للحاجيات
التي هي أصل لها، إلا أنه يشترط في المحافظة
عليها باعتبارها مكملة: ألا تعود على أصلها
بالإِبطال، فإِذا كانت المحافظة عليها تؤدي إلى
ترك ماهو أعلى منها فإِنها تترك، ومثل ذلك
الحاجيات مع الضروريات، لأن كل تكملة
يفضى اعتبارها إلى إبطال أصلها لا يلتفت
إلیھا لوجهين :
أحدهما: أن في إبطال الأصل إبطال
التكملة، لأن التكملة مع ماكملته كالصفة مع
الموصوف، فإِذا كان اعتبار الصفه يؤدي إلى
ارتفاع الموصوف لزم من ذلك ارتفاع الصفة
أيضا، فاعتبار هذه التكملة على هذا الوجه
مؤد إلى عدم اعتبارها، وهذا محال لا يتصور،
وإذا لم يتصور لم تعتبر التكملة، واعتبر الأصل
من غیر مزید .
الثاني: أنا لو قدرنا تقديرا أن المصلحة
التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية،
لكان حصول الأصلية أولى لما بينهما من
التفاوت .
وبيان ذلك أن حفظ النفس مهم كلي،
وحفظ المروءات مستحسن، فحرّمت
النجاسات حفظا للمروءات، وإجراء لأهل
المروءات على محاسن العادات، فإِن دعت
الضرورة إلى إحياء النفس بتناول النجس كان
تناوله أولى . (١)
هذا وقد ذكر الشيخ عزالدين بن عبدالسلام
في قواعده: أن المصالح إذا تعارضت حصلت
العليا منها، واجتنبت الدنيا منها فإِن الأطباء
يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما،
ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين ولا يبالون
بفوات أدناهما، فإِن الطب كالشرع، وضع
لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد
المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من
ذلك وجلب ما أمكن جلبه من ذلك، فإن تعذر
درء الجميع أو جلب الجميع، فإن تساوت الرتب
تخير، وإن تفاوتت استعمل الترجيح عند عرفانه
والتوقف عند الجهل به. (٢)
جـ ـ الاحتجاج بها :
٧ - ذكر الغزالي في المستصفى : أنه لا يجوز
الحكم بالتحسينيات بمجردها إن لم تعتضد
بشهادة أصل، إلا أنها قد تجري مجرى وضع
الضرورات، فلا يبعد أن يؤدي إليها اجتهاد
مجتهد، فحينئذ إن لم يشهد الشرع برأي فهو
(١) الموافقات ١٣/٢ - ١٦ ط دار المعرفة.
(٢) قواعد الأحكام / ٤ ط العلمية .
- ٢٢٦ -

تحسینیات ٧، تحصّن ١ - ٢
کالاستحسان فإن اعتضد بأصل فذاك قیاس.
ومثل التحسينيات في هذا الحاجيات. (١)
وتفصيله في الملحق الأصولي.
تحصّن
التعريف :
١ - من معاني التحصن في اللغة والاصطلاح:
الدخول في الحصن والاحتماء به، وفي
القاموس: الحصن، كل موضع حصين لا
يتوصل إلى مافي جوفه، وفي المصباح: هو المكان
الذي لا يقدر علیه لارتفاعه، والجمع حصون.
وحصّن القرية تحصينا بنى حولها ما يحصنها من
سور أو نحوه .
ويستعمل التحصن أيضا بمعنى : التعفف
عن الريب، ومنه قيل للمتعففة (حَصَان)(١).
قال الله تعالى: ﴿ولا تُكْرِهوا فتياتِكم على
البِغَاءِ إِنْ أَرَدْن تَحَصُّنا ... ﴾(
الحكم الإجمالي ومواطن البحث:
٢ - التحصن من الكفار المحاربين - إن جاءوا
(١) المستصفى ٢٩٣/١ - ٢٩٤ ط الأميرية، وروضة الناظر
ص ٨٧ ط السلفية .
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح مادة: ((حصن))
وشرح فتح القدير ٤/ ٢٨٤ ط الأميرية بمصر، الطبعة
الأولى، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١٤٣/٥ ط دار
إحياء التراث العربي.
(٢) سورة النور / ٣٣
- ٢٢٧ -

تحصّن ٣ - ٤، تحصين، تحقق
لقتال المسلمين - جائز شرعا، سواء أكان
المسلمون في الحصن أقل من نصف الكفار أو
أکثر، وذلك لیلحقهم مدد وقوة من بلاد
المسلمين المجاورة ليشدوا أزرهم، فيكثر
عددهم ويخشاهم عدوهم، ولا يلحق المسلمين
بتحصنهم إثم الفرار من الزحف، لأن الإِثم
منوط بمن فرّ بعد لقاء المحاربين غير متحرف
لقتال، ولا متحيزا إلى فئة، وإن لقوهم خارج
الحصن فلهم التحيز إلى الحصن، لأنه بمنزلة
التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة، وهذا بلا
خلاف. (١)
وإن كان الكفار المحاربون في بلادهم
مستقرين غير قاصدين الحرب، فحينئذ ينبغي
للمسلمين أن يحتاطوا بإِحكام الحصون والخنادق
وشحنها بمكافئين لهم، وتقليد ذلك للمؤتمنين
من المسلمين والمشهورين بالشجاعة .. (٢)
والتفصيل موطنه مصطلح: (جهاد).
٣ - ويجوز أيضا للمسلمين التحصن بالخنادق كما
فعل رسول الله (8# في غزوة الخندق حينما جاء
الأحزاب لقتاله حول المدينة. (٣) وإليه يشير قوله
(١) المغني لابن قدامة ٨/ ٤٨٦ ط مكتبة الریاض بالرياض،
والخرشي ١١٣/٣ ط دار صادر / بيروت، ونهاية المحتاج
٦٢/٨ ط الحلبي بمصر.
(٢) نهاية المحتاج ٤٢/٨، وروضة الطالبين ١٠/ ٢٠٨ ط
المكتب الإسلامي.
(٣) حديث: «تحصن رسول الله ﴾ بالخندق ومشاركته إياهم))
أخرجه البخاري (الفتح ٧/ ٣٩٩ ط السلفية)
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُوا اذكروا نعمةَ الله
عليكم إذْ جاءتْكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً
وجنوداً لم تَرَوْها، وكان الله بما تعملون بصيرا:
إذْ جاءوكم مِنْ فوقِكم ومِنْ أسفلَ منكم وإذْ
زَاغَتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ وَتَظُنُّونَ
بالله الظنونا﴾(١) وقد شارك رسول الله صل﴾ في
حفر الخندق بنفسه مع أصحابه .
٤ - ومثل التحصن بالحصون والخنادق:
التحصن بكل مايحمى المسلمين من مفاجأة
العدولهم من الوسائل التي تتنوع بحسب أنواع
الخطر. وهذا يختلف باختلاف العصور
والأمكنة . (٢)
تحصین
انظر : إِحصان، جهاد .
تحقق
انظر : تثبت .
(١) سورة الأحزاب / ٩ - ١١
(٢) البداية والنهاية للحافظ ابن كثير ٩٢/٤ - ١١، والروض
الأنف لابن هشام ٢/ ٢٥٨ - ٢٦٦، وتفسير القرطبي
١٤/ ١٢٨ - ١٣٣ ط دار الكتب المصرية، وتفسير روح
المعاني ٢٠/ ١٥٥ ومابعدها، وفتح الباري ٣٩٢/٧
- ٢٢٨ -

تحقیر ١ - ٢
تحقیر
التعريف :
١ - من معاني التحقير في اللغة: الإذلال
والامتهان والتصغير. وهو مصدر حقر،
والمحقَّرات: الصغائر. ويقال: هذا الأمر مَحْقَرة
بك: أي حقارة .
والحقير : الصغير الذليل. تقول: حقر
حقارة، وحقره واحتقره واستحقره: إذا
استصغره ورآه حقيرا. وحقره: صيره حقيرا،
أو نسبته إلى الحقارة .
وحَقُر الشيء حقارة: هان قدره فلا يعبأ به،
فهو حقير. (١)
وهو في الاصطلاح لا يخرج عن هذا.
الحكم الإجمالي :
للتحقير أحكام تعتريه :
٢ - فتارة يكون حراما منهيا عنه: كما في تحقير
المسلم للمسلم استخفافا به وسخرية منه
وامتهانا لكرامته. وفي هذا قول الله تبارك
(١) الصحاح، ولسان العرب، والمصباح المنير، ومختار
الصحاح مادة: ((حقر)).
وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخرْ قومٌ من
قومٍ عسی أن یکونوا خیرا منهم، ولا نساءٌ من
نسناءٍ عسى أن يَكُنَّ خيرا منهن، ولا تَلْمِزُوا
أنفسَكم ولا تَنَابَزُوا بالألقابِ بئس الاسمُ
الفسوقُ بعد الإِيمانِ ومن لم يتبْ فأولئك هم
الظالمون﴾(١) ونحوها من الآيات.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله قال: ((لا تحاسدوا ولا
تَنَاجشوا ولا تَبَاغضوا ولا تدابروا، ولا يَبِعْ
بعضُكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله
إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله
ولا يحقره. التقوى ههنا. ويشير إلى صدره
ثلاث مرات. بحسب امرىء من الشر أن يحقرَ
أخاه المسلم. كلُّ المسلمِ على المسلم حرامٌ
دُمُّه ومالُه وعرضُه))(٢).
وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي
وَلّ قال: ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرةٍ
من كِبْ. فقال رجل: إن الرجلَ يحب أن يكون
تُوبُه حسنا ونعلُه حسنة. قال: إن الله جميلٌ
يحب الجمال. الكبر بَطَر الحق وغَمْطُ الناس))
وفي رواية ((وغمص الناس))(٣)، وبطر الحق: هو
(١) سورة الحجرات / ١١
(٢) حديث: ((لا تحاسدوا ولا تناجشوا ... )) أخرجه مسلم.
(١٩٨٦/٤ - ط الحلبي).
(٣) حديث: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه .... )) أخرجه
مسلم (٩٣/١ - ط الحلبي).
- ٢٢٩ -

تحقير ٢ - ٤
دفعه وإبطاله، والغمط والغمص معناهما واحد،
وهو: الاحتقار. (١)
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : ﴿بئس
الاسمُ الفسوقُ بعد الإِيمان﴾ قيل معناه: من
لقب أخاه أو سخر به فهو فاسق(٢).
قال ابن حجر الهيتمي : السخرية:
الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب
والنقائص یوم یضحك منه، وقد یکون بالمحاكاة
بالفعل أو القول أو الإِشارة أو الإِيماء، أو
الضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط، أو
على صنعته، أو قبيح صورته. (٣)
فمن ارتكب شيئا من التحقير مما هو ممنوع
کان قد ارتكب محرما يعزر علیه شرعا تأديبا له.
وهذا التعزير مفوض إلى رأي الإِمام، وفق
مايراه في حدود المصلحة وطبقا للشرع، كما هو
مبين في مصطلح (تعزير)، لأن المقصود منه
الزجر، وأحوال الناس فيه مختلفة، فلكل
مایناسبه منه . (٤)
وهذا إن قصد بهذه الأمور التحقير. أما إن
(١) الأذكار للنووي ٣١١ - ٣١٢
(٢) القرطبي ٣٢٨/١٦
(٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢٢/٢ دار المعرفة.
(٤) ابن عابدين ١٧٧/٣ - ١٧٩، والشرح الكبير ٣٢٧/٤ -
٣٣٠، والشرح الصغير ٤٦٢/٤، ٤٦٦، والمهذب في فقه
الإِمام الشافعي ٢٧٣/٢ - ٢٧٥، وكشاف القناع عن متن
الإقناع ٦/ ١٢١ - ١٢٤ م النصر الحديثة.
قصد التعليم أو التنبيه على الخطأ أو نحو ذلك -
ولم يقصد تحقيرا - فلا بأس به، فيعرف قصده
من قرائن الأحوال.
٣ - هذا وقد يصل التحقير المحرم إلى أن يكون
ردة، وذلك إذا حقر شیئا من شعائر الإِسلام،
كتحقير الصلاة والأذان والمسجد والمصحف
ونحو ذلك، قال الله تعالى في وصف المنافقين
﴿ولئن سألتهم لَیقولُنَّ إنما كنا نخوضُ ونلعبُ
قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟
لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾(١)، وقال
تعالى فيهم أيضا: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة
اتخذوها هُزُوا وَلَعِبَا﴾(٢). ونقل في فتح العلي
المالك: إن رجلا كان يزدري الصلاة، وربما
ازدرى المصلين وشهد عليه ملأ كثير من
الناس، منهم من زكي ومنهم من لم يزك. فمن
حمله على الازدراء بالمصلين لقلة اعتقاده فيهم
فهو من سباب المسلم، فیلزمه الأدب على قدر
اجتهاد الحاكم. ومن يحمله على ازدراء العبادة
فالأصوب أنه ردة، لإظهاره إياه وشهرته به، لا
زندقة، ويجري عليه أحكام المرتد(٣).
٤ - وقد يكون التحقير واجبا: كما هو الحال
(١) سورة التوبة / ٦٥، ٦٦
(٢) سورة المائدة / ٥٨
(٣) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك
للعلامة الشيخ محمد علیش ٢/ ٢٦٠ - ٢٦٣
- ٢٣٠ -

تحقير ٥ - ٦
فيمن فرضت عليه الجزية من أهل الكتاب.
لقوله تعالى: ﴿قاتِلوا الذين لا يُؤْمنون بالله ولا
باليومِ الآخرِ ولا يحرِّمون ماحرّم الله ورسولُه ولا
يَدِينون دينَ الحقِّ من الذين أوتوا الكتاب حتى
يُعْطُوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغرون﴾(١) أي
ذلیلون حقیر ون مهانون.
وقد اختلف الفقهاء فيما يحصل به الصَّغَار
عند إعطائهم الجزية. انظر مصطلح (أهل
الذمة، وجزية).
التعزير بما فيه تحقير:
٥ - من ضروب التعزير: التوبيخ، وهو نوع من
التحقير. واستدل الفقهاء على مشروعية
التوبيخ في التعزير بالسنة فقد، روى أبوذر
رضي الله عنه أنه سابّ رجلا فعیرّه بأمه، فقال
الرسول و # («يا أبا ذر: أَعَيَرْتَه بأمه؟ إنك امرؤ
فيك جاهليةٌ))(٢). وقال رسول الله وَل: ((لَيُّ
الواجد يُحِلُّ عرضَه وعقوبَتَه))(٣).
وقد فسر النیل من العرض بأن يقال له مثلا :
يا ظالم. يا معتدي. وهذا نوع من التعزير
(١) سورة التوبة / ٢٩
(٢) حديث: ((يا أباذر أعيرته بأمه ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١/ ٨٤ - ط السلفية).
(٣) حديث: ((لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)) أخرجه أبوداود
(٤٥/٤ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في الفتح
(٦٢/٥ - ط السلفية).
بالقول، وقد جاء في تبصرة الحكام لابن
فرحون: وأما التعزير بالقول فدلیله ماثبت في
سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول اللّه ◌َيّ أتي برجل قد شرب فقال:
((اضربوه(١)) فقال أبوهريرة فمنا الضارب بيده،
ومنا الضارب بنعله، والضارب بثوبه . وفي رواية
((بكّتوه)) فأقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت الله؟
ماخشيت الله؟ ما استحييت من رسول اللّه وَ ل؟
وهذا التبكيت من التعزير بالقول. (٢)
(ر: تعزير).
٦ - قد يكون التحقير بالفعل: كما هو الحال في
تجريس شاهد الزور، فإن تجريسه هو إسماع
الناس به، وهو تشهیر، وإذا كان تشهیرا كان
تعزيرا. فقد ورد في التتار خانية في التشهير
بشاهد الزور: قال أبو حنيفة في المشهور: يطاف
به ويشهر ولا يضرب، وفي السراجية: وعليه
الفتوى. وفي جامع العتابى : التشهير أن يطاف
به في البلد وينادى عليه في كل محلة: إن هذا
شاهد الزور فلا تشهدوه. وذكر الخصاف في
كتابه أنه يشهر على قولهما بغير الضرب، والذي
روي عن عمر أنه کان یسخم وجهه فتأويله عند
(١) حديث: ((أتي برجل قد شرب .... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١٢/ ٦٦ - ط السلفية) والرواية الأخرى لأبي داود
(٤/ ٦٢٠ - ط عزت عبيد دعاس).
(٢) ابن عابدين ١٨٢/٣، وتبصرة الحكام ٢/ ٢٠٠، ومعين
الحكام للطرابلسي ص ٢٣١
- ٢٣١ -
:

تحقير ٦، تحقيق المناط ١
السرخسي أنه بطريق السياسة إذا رأى
المصلحة، وعند الشيخ الإِمام أنه التفضيح
والتشهير، فإِنه یسمی سوادا.
ونقل عن شریح رحمه الله أنه کان یبعث
بشاهد الزور إلی سوقه إن کان سوقیا، وإلی
قومه إن كان غير سوقي بعد العصر أجمع ما
كانوا، ويقول آخذه: إن شريحا يقرأ عليكم
السلام ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور
فاحذروه وحذروا الناس منه .(١)
(١) ابن عابدين ١٩٢/٣، والهداية ٣/ ١٣٢ ط مصطفى
البابي الحلبي، وابن عابدين ٣٩٥/٤، والاختيار شرح
المختار ٣٩/٢ ط الحلبي ١٩٣٦، والمهذب في فقه الإمام
الشافعي ٢/ ٣٣٠، والمغني لابن قدامة ٢٥٩/٩ - ٢٦٠ م
الرياض الحديثة .
تحقيق المناط
التعريف :
١ - حقق الأمر : تيقنه أو جعله ثابتا لازما.
والمناط : موضع التعليق .
ومناط الحكم عند الأصوليين: علته
وسببه . (١)
وتحقيق المناط عند الأصوليين: هو النظر
والاجتهاد في معرفة وجود العلة في آحاد الصور،
بعد معرفة تلك العلة بنص أو إجماع أو
استنباط، فإِثبات وجود العلة في مسألة معينة
بالنظر والاجتهاد هو تحقيق المناط.
فمثال ما إذا كانت العلة معروفة بالنص :
جهة القبلة، فإِنها مناط وجوب استقبالها، وهي
معروفة بالنص، وهو قوله تعالی : ﴿وحيثما كنتم
فَلُّوا وجوهكم شَطْرَهُ﴾(٢) وأما كون جهة ماهي
جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد
والنظر في الأمارات .
(١) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والمعجم الوسيط مادة:
((حقق)» و«ناط)).
(٢) سورة البقرة / ١٤٤
- ٢٣٢ -

تحقيق المناط ٢، تحكيم ١
ومثال ما إذا كانت العلة معلومة بالإجماع :
العدالة، فإِنها مناط وجوب قبول الشهادة، وهي
معلومة بالإِجماع، وأما كون هذا الشخص عدلا
فمظنون بالاجتهاد .
ومثال ما إذا كانت العلة مظنونة بالاستنباط :
الشدة المطربة، فإِنها مناط تحريم الشرب في
الخمر، فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق
المناط، وسمي تحقيق المناط، لأن المناط وهو
الوصف علم أنه مناط، وبقي النظر في تحقيق
وجوده في الصورة المعينة . (١)
الحكم الإجمالي :
٢ - تحقيق المناط مسلك من مسالك العلة،
والأخذ به متفق عليه. وقد يعتبر تحقيق المناط
من قياس العلة.
وقال الغزالي : هذا النوع من الاجتهاد لا
خلاف فيه بين الأمة، والقياس مختلف فيه،
فکیف یکون هذا قياسا؟(٢).
وتحقيق المناط يحتاج إليه المجتهد والقاضي
والمفتي في تطبيق علة الحكم على آحاد الوقائع .
وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصولي.
(١) الأحكام للآمدي ٣/ ٦٣، والمستصفى للغزالي ٢/ ٢٣٠،
٢٣١، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٢٢
(٢) إرشاد الفحول / ٢٢٢، والمستصفى ٢/ ٢٣١، وروضة
الناظر ص ١٤٦، وجمع الجوامع ٢/ ٣٤١
تحکیم
التعريف :
١ - التحكيم في اللغة: مصدر حکمه في الأمر
والشيء، أي: جعله حكما، وفوض الحكم
إليه .
وفي التنزيل العزيز: ﴿فلا ورِبِّك لا يُؤْمِنونَ
حتى يُحَكِّمُوك فيما شَجَرَ بينهم﴾(١).
وحكّمه بينهم : أمره أن يحكم بينهم. فهو
خَگم، ومحكّم.
وأما الحديث الشريف: ((إن الجنة
للمحكَّمين))(٢) فالمراد به الذين يقعون في يد
العدو، فيخيرون بين الشرك والقتل،
فيختارون القتل ثباتا على الإِسلام.
وفي المجاز: حكمت السفيه تحكيها: إذا
أخذت على يده، أو بصرته ماهو عليه. ومنه
قول النخعي رحمه الله تعالى: حكم اليتيم كما
تحكم ولدك . أي: امنعه من الفساد كما تمنع
(١) سورة النساء / ٦٥
(٢) حديث: ((إن الجنة للمحكمين)) أورده ابن الأثير في النهاية
(٤١٩/١ - ط الحلبي) ولم يعزه لأحد.
- ٢٣٣ -

تحکیم ٢ - ٣
ولدك. وقيل: أراد حكمه في ماله إذا صلح كما
تحكم ولدك. (١)
ومن معاني التحكيم في اللغة: الحكم.
يقال: قضی بین الخصمین، وقضی له، وقضی
عليه . (٢)
وفي الاصطلاح: التحكيم: تولية الخصمين
حاكما يحكم بينهما. (٣)
وفي مجلة الأحكام العدلية: التحكيم عبارة
عن اتخاذ الخصمين حاكما برضاهما لفصل
خصومتھما ودعواهما .
ويقال لذلك: حَكُم بفتحتين، ومُكّم بضم
الميم، وفتح الحاء، وتشديد الكاف المفتوحة . (٤)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القضاء :
٢ - من معانيه في اللغة: الحكم، وهو في
اصطلاح الفقهاء: تبيين الحكم الشرعي
والإِلزام به، وفصل الخصومة .
(١) القاموس المحيط، وتاج العروس، ولسان العرب،
ومعجم مقاييس اللغة، والمغرب، وأساس البلاغة،
والنهاية في غريب الحديث، ومفردات الراغب، والمعجم
الوسيط .
(٢) لسان العرب والقاموس المحيط.
(٣) الدر المختار للحصكفي ٤٢٨/٥، مع حاشية ابن عابدين
ط البابي الحلبي، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن
نجيم ٧/ ٢٤ ط - دار المعرفة بيروت.
(٤) مجلة الأحكام العدلية م ١٧٩٠
وعلى هذا فكل من التحكيم والقضاء وسيلة
لفض النزاع بين الناس وتحديد صاحب الحق،
ولهذا اشترط الفقهاء في كل منهما صفات
متماثلة. كما سنرى بعد قليل(١).
إلا أن بينهما فوارق جوهرية تتجلى في أن
القضاء هو الأصل في هذا المقام، وأن التحكيم
فرع، وأن القاضي هو صاحب ولاية عامة، فلا
يخرج عن سلطة القضاء أحد، ولا يستثنى من
اختصاصه موضوع.
أما تولية الحكم فتكون من القاضي أومن
الخصمين وفق الشروط والقيود التي توضع له،
مع ملاحظة أن هناك أمورا ليست محلا
للتحکیم، کما سنرى.
ب - الإصلاح :
٣ - الإصلاح في اللغة: نقيض الإِفساد. يقال:
أصلح: إذا أتى بالخير والصواب. وأصلح في
عمله، أو أمره: أتی بما هو صالح نافع.
وأصلح الشيء: أزال فساده.
وأصلح بينهما، أو ذات بينهما، أو مابينهما:
أزال مابينهما من عداوة ونزاع برضا الطرفين.
وفي القرآن المجيد: ﴿وإنْ طائفتانٍ من
(١) مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى ٤٥٣/٦ - المكتب
الإِسلامي بدمشق، وبدائع الصنائع ٧/ ٢ ط الجمالية،
ومغنى المحتاج ٣٧٢/٤
- ٢٣٤ -

؟
تحكيم ٤ - ٦
المؤمنين اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بِينَهما، فإِنْ بَغَتْ
إحداهما على الأخرى فقاتِلوا التي تبغي حتى
تَفِيء إلى أمرِ اللّه، فإِن فاءَتْ فأصلِحوا بينهما
بالعدلِ وأَقْسِطَوا إنّ اللّه يُحِبُّ المقسِطين﴾(١).
فالإصلاح والتحكيم يفض بهما النزاع، غير
أن الحكم لابد فيه من تولية من القاضي أو
الخصمين، والإِصلاح يكون الاختيار فيه من
الطرفين أو من متبرع به .
الحكم التكليفي :
التحکیم مشروع. وقد دل على ذلك الکتاب
والسنة والإِجماع(٢).
٤ - أما الكتاب الكريم فقوله تعالى: ﴿وإنْ
خِفْتُم شِقاق بينهما فابعثُوا حكما من أهلِه وحكما
من أهلها، إنْ يريدا إصلاحا يُوَفِّقِ الله
1 :
بينهما﴾(٣).
قال القرطبي: إن هذه الآية دليل إثبات
التحكيم (٤).
٥ - وأما السنة المطهرة، فإِن رسول الله وليه
رضي بتحكيم سعد بن معاذ رضي الله عنه في
(١) سورة الحجرات / ٩
(٢) مجمع الأنهر ٢/ ١٧٣، وشرح العناية ٤٩٨/٥
(٣) سورة النساء / ٣٥
(٤) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٥/ ١٧٩ ط دار الكتب
المصرية .
أمر اليهود من بني قريظة، حين جنحوا إلى ذلك
ورضوا بالنزول على حكمه.(١)
وإن رسول اللّه ◌َ﴾ رضي بتحكيم الأعور بن
بشامة في أمر بني العنبر، حين انتهبوا أموال
الزكاة . (٢)
وفي الحديث الشريف أن أبا شريح هانيء بن
يزيد رضي الله عنه لما وفد إلى رسول الله مَاير مع
قومه، سمعھم یکنونه بأبي الحكم. فقال له
رسول الله وَله: ((إن الله هو الحَكَمُ. وإليه
الحُكْم، فلم تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي
إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم،
فرضي كلا الفريقين. فقال رسول الله رَله: ما
أحسن هذا. فما لك من الولد؟ قال: لي
شريح، ومسلم، وعبدالله. قال: فما أكبرهم؟
قلت: شريح. قال: أنت أبوشريح. ودعا له
ولولده»(٣).
٦ - أما الإِجماع، فقد كان بين عمر وأبي بن
كعب رضي الله عنهما منازعة في نخل، فحكما
(١) تحكيم سعد بن معاذ في أمر اليهود. أخرجه البخاري
(الفتح ١٦٥/٦ - ط السلفية).
(٢) حديث: ((أن رسول الله # رضي بتحكيم الأعور بن
بشامه)) أخرجه ابن شاهين في الصحابة، وفي إسناده
جهالة. (الإصابة لابن حجر ٥٥/١ - نشر الرسالة).
(٣) حديث: ((إن الله هو الحكم)) أخرجه أبوداود (٢٤٠/٥ - ط
عزت عبيد دعاس) والنسائي (٢٢٦/٨ - ط المكتبة
التجارية) وجامع الأصول (٣٧٣/١) وإسناده حسن.
- ٢٣٥ -

تحکیم ٧ -٨
بينهما زيد بن ثابت رضي الله عنه.(١)
واختلف عمر مع رجل في أمر فرس اشتراها
عمر بشرط السوم، فتحاكما إلى شريح. (٢)
كما تحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن
مطعم رضي الله عنهم، (٣) ولم يكن زيد ولا
شريح ولا جبير من القضاة .
وقد وقع مثل ذلك لجمع من كبار الصحابة،
ولم ينكره أحد فكان إجماعا . (٤)
٧ - وبناء على ذلك ذهب الفقهاء إلى جواز
التحكيم . (٥)
إلا أن من الحنفية من امتنع عن الفتوى
بذلك، وحجته: أن السلف إنما يختارون
للحکم من كان عالما صالحا دینا، فیحکم بما
یعلمه من أحكام الشرع، أو بما أدى إليه اجتهاد
المجتهدين. فلوقيل بصحة التحكيم اليوم
(١) المبسوط ٦٢/٢١، وفتح القدير ٤٩٨/٥، والمغني
١٠/ ١٩٠، وكشاف القناع ٣٠٣/٦
(٢) المغني ١٠/ ١٩٠، وطلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية
ص ١٤٦
(٣) المغني ١٠/ ١٩٠، وكشاف القناع ٣٠٣/٦، وأسنى
المطالب ٤ / ٦٧
(٤) المبسوط ٢١/ ٦٢، وشرح العناية ٤٩٨/٥، ومغني
المحتاج ٣٧٨/٤، ونهاية المحتاج ٢٣٠/٨
(٥) فتح القدير ٤٩٨/٥، وبدائع الصنائع ٣/٧، ومواهب
الجليل ١١٢/٦، وتبصرة الحاكم ٤٣/١، والشرح الكبير
١٣٥/٤، ونهاية المحتاج ٢٣٠/٨، والمغني ١٩٠/١٠،
ومطالب أولي النهى ٦/ ٤٧١
لتجاسر العوام، ومن کان في حكمهم إلى
تحکیم أمثالهم، فيحكم الحكم بجهله بغیر
ماشرع الله تعالى من الأحكام، وهذا مفسدة
عظيمة، ولذلك أفتوا بمنعه. (١)
وقال أصبغ من المالكية: لا أحب ذلك، فإِن
وقع مضی .
ومنهم من لم يجزه ابتداء. (٢)
ومن الشافعية من قال بعدم الجواز، ومنهم
من قال بالجواز إذا لم يكن في البلد قاض. ومنهم
من قال بجوازه في المال فقط. (٣)
ومهما يكن فإِن جواز التحكيم هو ظاهر
مذهب الحنفية والأصح عندهم، والأظهر عند
جمهور الشافعية. وهو مذهب الحنابلة .
أما المالكية: فظاهر كلامهم نفاذه بعد
الوقوع . (٤)
٨ - وطرفا التحكيم هما الخصمان اللذان اتفقا
على فض النزاع به فيما بينهما، وكل منهما يسمى
المحكّم بتشديد الكاف المكسورة.
(١) حاشية ابن عابدين ٤٣٠/٥
(٢) التاج والإكليل ٦/ ١١٢، ومواهب الجليل ٦/ ١١٢،
وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣٥
(٣) روضة الطالبين ١٢١/١١، ونهاية المحتاج ٢٣٠/٨ -
٢٣١، ومغني المحتاج ٤/ ٣٧٩
(٤) حاشية ابن عابدين ٥/ ٤٣٠، والعقود الدرية ٣١٩/١،
والروضة ١٢١/١١، وكشاف القناع ٣٠٨/٦، ومواهب
الجليل ٦/ ١١٢، وحاشية الدسوقي ١٣٥/٤
- ٢٣٦ -

تحكيم ٩ - ١١
وقد یکون الخصمان اثنین، وقد یکونان أکثر
من ذلك.(١)
٩ - والشرط في طرفي التحكيم الأهلية
الصحيحة للتعاقد التي قوامها العقل، إذ بدونها
لأ يصح العقد.(٢)
ولا يجوز لوكيلٍ التحكيمُ من غیر إذن
موكله، وكذلك الصغيرُ المأذون له في التجارة
من غير إذن وليه، ولا يجوز التحكيم من عامل
المضاربة إلا بإذن المالك، ولا من الولي والوصي
والمحجور عليه بالإِفلاس إذا كان ذلك يضر
بالقاصر أو بالغرماء . (٣)
شروط المحكّم :
١٠ - أ - أن يكون معلوما. فلوحكم الخصمان
أول من يدخل المسجد مثلا لم يجز بالإجماع، لما
فيه من الجهالة، (٤) إلا إذا رضوا به بعد العلم،
فیکون حينئذ تحکیما لمعلوم .
١١ - ب - أن يكون أهلا لولاية القضاء. وعلى
ذلك اتفاق المذاهب الأربعة، على خلاف فيما
بينها في تحديد عناصر تلك الأهلية . (٥).
(١) حاشية ابن عابدين ٤٢٨/٥، وفتح الوهاب ٢٠٨/٢
(٢) البحر الرائق ٧/ ٢٤، وتنوير الأبصار ٤٢٨/٥
(٣) ابن عابدين ٥/ ٤٣٠، والفتاوى الهندية ٣/ ٢٧١، ومغني
المحتاج ٣٧٩/٤، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٣٠
(٤) البحر الرائق ٢٦/٧، والفتاوى الهندية ٢٦٩/٣
(٥) البحر الرائق ٢٤/٧، وبدائع الصنائع ٣/٧، ومواهب=
والمراد بأهلية القضاء هنا: الأهلية المطلقة
للقضاء، لا في خصوص الواقعة موضوع
النزاع .
وفي قول للشافعية: إن هذا الشرط يمكن
الاستغناء عنه عندما لا يوجد الأهل لذلك.
ومنهم من قال بعدم اشتراطه مطلڤا، ومنهم من
قید جواز التحکیم بعدم وجود قاض، وقيل :
يتقيد بالمال دون القصاص والنكاح، أي إثبات
عقد النكاح.
وفي قول للحنابلة: إن المحكم لا تشترط فيه
كل صفات القاضي .
وثمة أحكام تفصيلية لهذا الشرط يرجع إليها
في مبحث (دعوى) و(قضاء).
وذهب الحنفية إلى أن أهلية القضاء يجب أن
تكون متحققة في المحكم من وقت التحكيم إلى
وقت الحكم. (١) ومن ذلك: أنه يشترط في
المحكم: الإِسلام، إن كان حكما بين مسلمين،
أو كان أحدهما مسلما، أما إذا كانا غير مسلمين
فلا يشترط إسلام المحكم. وعلة ذلك أن غير
المسلم أهل للشهادة بين غير المسلمين، فيكون
= الجليل ١١٢/٦، وتبصرة الحكام ١/ ٤٣، ومغني
المحتاج ٣٧٨/٤، والكافي ٤٣٦/٣، والمغني ١٩٠/١٠
(١) مغني المحتاج ٣٧٨/٤ - ٣٧٩، ونهاية المحتاج ٢٣٠/٨،
وفتح الوهاب ٢٠٨/٢، وحاشية الباجوري ٣٩٦/٢،
وكشاف القناع ٣٠٦/٦، والبحر الرائق ٢٤/٧، وفتح
القدير ٥/ ٤٩٩
- ٢٣٧ -
٨

تحکیم ١٢ - ١٤
تراضى الخصمين عليه كتولية السلطان إياه .
ومعلوم أن ولاية غير المسلم الحكم بين غير
المسلمين صحيحة. وكذلك التحكيم.
ولو كانا غير مسلمين، وحَكَّما غير مسلم
جاز. فإِن أسلم أحد الخصمين قبل الحكم لم
ينفذ حكم الحكم على المسلم، وينفذ له.
وقيل: لا ينفذ له أيضا.
١٢ - أما المرتد فتحكيمه عند أبي حنيفة رضي
الله عنه موقوف، فإن عاد إلى الإِسلام صح،
وإلا بطل. وعند أبي يوسف ومحمد جائز في كل
حال.
وعلی ذلك فلو حکم مسلم ومرتد رجلا،
فحكم بينهما، ثم قتل المرتد، أو لحق بدار
الحرب، لم يجز حكمه عليهما. (١)
١٣ - ورتبوا على ذلك آثارا تظهر في بعض
الصور التفريعية ... من ذلك أن الخصمين لو
حگّما صبیا فبلغ، أو غير مسلم فأسلم، ثم
حکم، لم ينفذ حکمه.
ولو حكما مسلما، ثم ارتد لم ينفذ حكمه
أيضا، وكان في ردته عزله. فإِذا عاد إلى
الإِسلام فلابد من تحکیم جدید .
ولو عمي المحگم، ثم ذهب العمى، وحكم
لم يجز حکمه.
أما إن سافر أو مرض أو أغمي عليه، ثم قدم
(١) حاشية ابن عابدين ٤٣٨/٥، والبحر الرائق ٢٤/٧،
والفتاوى الهندية ٢٦٨/٣ - ٢٦٩، وفتح القدير ٥٠٢/٥.
من سفره أو برىء وحكم جاز، لأن ذلك لا
يقدح بأهلية القضاء.
ولو أن حكما غير مسلم، حكمه غير
المسلمين، ثم أسلم قبل الحكم، فهو على
حكومته، لأن تحكيم غير المسلمين للمسلم
جائز ونافذ .
ولو أن أحد الخصمين وكل الحكم بالخصومة
فقبل، خرج عن الحكومة على قول أبي
يوسف، ولم يخرج عنها على قول الإِمام ومحمد .
وقد قال بعض العلماء: إنه يخرج عنها في قول
الکل .(١)
١٤ - جـ - أن لا يكون بين المحكم وأحد
الخصمين قرابة تمنع من الشهادة. وإذا اشترى
المحكم الشيء الذي اختصما إليه فیه، أو
اشتراه ابنه أو أحد ممن لاتجوز شهادته له، فقد
خرج من الحكومة .
وإن حكّم الخصم خصمه، فحكم لنفسه،
أو علیها جاز تحكيمه ابتداء، ومضى حكمه إن
لم يكن جَوْرا بينا، وهو مذهب الحنفية والحنابلة .
أما المالكية فلهم في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز مطلقا، سواء أكان
الخصم المحكم قاضيا أم غيره.
الثاني : أنه لا يجوز مطلقا للتهمة .
(١) البحر الرائق ٢٤/٧ - ٢٥، وابن عابدين ٤٣١/٥، وفتح
القدير ٩٩/٥، والفتاوى الهندية ٢٦٨/٣، ٢٦٩
- ٢٣٨ -

تحكيم ١٥ - ١٨
الثالث: التفرقة بین أن یکون المحکم قاضیا
أو غيره، فإِن کان الخصم المحکم قاضیا لم يجز،
وإن لم یکن قاضیا جاز.
والقول الأول هو المعتمد، وبه أخذ
الحنابلة . (١)
مخل التحكيم :
اختلف الفقهاء فيما يصلح أن يكون محلا
للتحکیم .
١٥ - فعند الحنفية لا يجوز التحكيم في الحدود
الواجبة حقا لله تعالى باتفاق الروايات.
وحجتهم: أن استيفاء عقوبتها مما يستقل به
ولي الأمر. وأن حُكْم المحكم ليس بحجة في
حق غير الخصوم، فكان فيه شبهة. والحدود
تدرأ بالشبهات.
وما اختاره السرخسي من جواز التحكيم في
حد القذف فضعيف. لأن الغالب فيه حق الله
تعالى، فالأصح في المذهب عدم جواز التحكيم
في الحدود كلها . (٢)
١٦ - أما القصاص، فقد روي عن أبي حنيفة
(١) البحر الرائق ٢٨/٧، وفتح القدير ٥٠٢/٥، والفتاوى
الهندية ٣٧٩/٤، ومغني المحتاج ٣٧٩/٤، والتاج
والإكليل لمختصر خليل بهامش مواهب الجليل ٦/ ١١٢ ،
وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١٣٥/٤، ومطالب
أولي النهى ٦/ ٤٧٢، وكشاف القناع ٣٠٣/٦
(٢) البحر الرائق ٧/ ٢٦، وبدائع الصنائع ٣/٧
أنه لا يجوز التحکیم فیه.
واختاره الخصاف، وهو الصحيح من
المذهب، لأن التحكيم بمنزلة الصلح.
والإِنسان لا يملك دمه حتى يجعله موضعا
للصلح.
وما روي من جوازه في القصاص قياسا على
غيره من الحقوق فضعيف رواية ودراية، لأن
القصاص ليس حقا محضا للإِنسان - وإن كان
الغالب فيه حقه - وله شبه بالحدود في بعض
المسائل.(١)
١٧ - ولا يصح التحكيم في ما يجب من الدية
على العاقلة، لأنه لا ولاية للحكمين على
العاقلة، ولا يمكنهما الحُكْم على القاتل وحده
بالدية، لمخالفته حكم الشرع الذي لم يوجب
الدية على القاتل وحده دون العاقلة، إلا في
مواضع محددة - كما لو أقر بالقتل خطأ -(٢)
وللتفصيل انظر مصطلح (دية، عاقلة).
أما في تلك المواضع المحددة، فإِن التحكيم
جائز ونافذ. (٣)
١٨ - ولیس للحگم أن یحکم في اللعان كما ذكر
البرجندي، وإن توقف فيه ابن نجيم. وعلة
(١) البحر الرائق ٢٦/٧، وبدائع الصنائع ٣/٧،
والفتاوى الهندية ٢٦٨/٣
(٢) البحر الرائق ٢٦/٧، وبدائع الصنائع ٣/٧
(٣) البحر الرائق ٢٦/٧
- ٢٣٩ -

تحکیم ١٩ - ٢١
ذلك أن اللعان يقوم مقام الحد. (١)
وأما فيما عدا ما ذکر آنفا، فإِن التحكيم جائز
ونافذ. (٢)
ولیس للمحگّم الحبس، إلا مانقل عن صدر
الشريعة من جوازه. (٣)
١٩ - وأما المالكية، فإن التحكيم عندهم جائز
إلا في ثلاثة عشر موضعا هي :
الرشد، وضده، والوصية، والحبس
(الوقف)، وأمر الغائب، والنسب، والولاء،
والحد، والقصاص، ومال اليتيم، والطلاق،
والعتق، واللعان. لأن هذه مما يختص بها
القضاء. (٤)
وسبب ذلك أن هذه الأمور إما حقوق يتعلق
بها حق الله تعالى، كالحد والقتل والطلاق، أو
حقوق لغير المتحاكمين، كالنسب، واللعان.
وقد وضع ابن عرفة حدا لما يجوز فيه
التحكيم. فقال: ظاهر الروايات أنه يجوز
التحكيم فيما يصح لأحدهما ترك حقه فيه.
(١) حاشية الدرر ٣٣٦/٢، وحاشية الطحطاوي ٢٠٨/٣
(٢) الدر المختار ٥/ ٤٣٠، والفتاوى الهندية ٢٦٨/٣
(٣) البحر الرائق ٦/ ٣٠٨، ٢٨/٧، والدر المختار ٤٣٢/٥،
وصدر الشريعة ٢/ ٧٠
(٤) حاشية الدسوقي ١٣٦/٤، وتبصرة الحكام ١/ ٤٣ - ٤٤
وقال اللخمي وغيره: إنما يصح في الأموال،
وما في معناها . (١)
٢٠ - وأما الشافعية فإِن التحكيم عندهم لا يجوز
في حدود اللّه تعالى. إذ ليس فيها طالب معين،
وعلى هذا المذهب.
ولو حگم خصمان رجلا في غیر حد الله تعالی
جاز مطلقا بشرط أهلية القضاء. وفي قول:
لا يجوز.
وقيل: بشرط عدم وجود قاض بالبلد .
وقيل: يختص التحكيم بالأموال دون
القصاص والنكاح ونحوهما. (٢)
٢١ - وأما الحنابلة: فقد اختلفوا فيما يجوز فيه
التحكيم .
ففي ظاهر كلام أحمد أن التحكيم يجوز في
كل ما يمكن أن يعرض على القاضي من
خصومات، كما قال أبوالخطاب، يستوي في
ذلك المال والقصاص والحد والنكاح واللعان
وغيرها، حتى مع وجود قاض، لأنه كالقاضي
ولا فرق. وقال القاضي أبو يعلى بجواز
التحكيم في الأموال خاصة. وأما النكاح
والقصاص والحد فلا يجوز فيها التحكيم، لأنها
(١) تبصرة الحكام ٤٢/١، والشرح الكبير ١٣٦/٤
(٢) روضة الطالبين ١٢١/١١، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٣٠،
ومغني المحتاج ٤/ ٣٧٨، ٣٧٩
- ٢٤٠ -