Indexed OCR Text

Pages 81-100

نبعيض ١٦ - ١٧
الاخر مجاوزا إلى جانب الباب ففيه قولان
عندهم :
الجديد: أنه لا يعتد بذلك الشوط.
والقديم : يعتد به.
وعند الحنابلة احتمالان، وأما لو حاذى
بجمیع البدن بعض الحجر دون بعضه أجزأه،
كما يجزئه أن يستقبل في الصلاة بجميع بدنه
بعض الكعبة . (١)
التبعيض في النذور :
١٦ - من نذر صلاة نصف ركعة أو صيام بعض
يوم: فذهب الحنفية ماعدا محمدا وزفر،
والمالكية ماعدا ابن الماجشون، وهو وجه عند
الشافعیة: إلی أنه يجب تکمیله، والتکمیل في
الصوم يكون بصيام يوم كامل .
وفيه وجه ضعيف عند الشافعية : أنه يكفيه
إمساك بعض يوم، بناء على أن النذر ينزل على
أقل مايصح من جنسه، وأن إمساك بعض اليوم
صوم. واختلفوا في الصلاة أيضا. فذهب
أبو حنيفة وأبويوسف، وهو رواية عن الحنابلة،
وقول عند الشافعية: إلى أنه لا يجزئه إلا
ركعتان .
ونقل الجرهزي في شرح الفرائد البهية: أن
هذا هو المعتمد والموافق للقاعدة، وهي : مالا
(١) روضة الطالبين ٣/ ٨٠، والمغني ٣٧١/٣
يقبل التبعیض فاختيار بعضه کاختیار کله،
وإسقاط بعضه كإسقاط كله. ولأن أقل الصلاة
الواجبة بالشرع ركعتان، فوجب حمل النذر
عليه .
وذهب المالكية، وهو قول عند الحنابلة الى
أنه يجزئه ركعة واحدة، لأن أقل الصلاة ركعة.
وذهب الشافعية في الأصح، وابن الماجشون
من المالكية، ومحمد وزفر من الحنفية إلى أنه في
هذه الحالة: أي إذا نذر صلاة نصف ركعة ، أو
صيام بعض يوم لا ينعقد نذره، فلا يلزمه شيء
ولا يجب الوفاء به . (١)
ولتفصيل ذلك كله يرجع إلى مصطلح
(نذر، أيمان).
التبعيض في الكفارة :
١٧ - اختلف الفقهاء في جواز التبعيض في
الكفارة: فذهب المالكية والشافعية، وهو وجه
عند الحنابلة: إلى أنه لا يجوز تبعيض الكفارة،
فلا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويصوم شهرا،
ويصوم شهرا أو يطعم ثلاثين مسكينا، أو يكفر
عن يمينه بإطعام خمسة مساكين وكسوة خمسة،
لأن ماجاز فيه التخيير لا يجوز فيه التبعيض، إلا
(١) الحطاب ٤٥١/٢، وروضة الطالبين ٣٠٥/٣، ٣١٣،
والمغني ٩/ ١١، والأشباه للسيوطي ص١٤٤
- ٨١ -

تبعيض ١٨ - ٢٠
أن يكون الحق لمعين ورضي تبعيضه، والحق
هنا لله تعالى .(١)
وذهب الحنفية، وهو المشهور عند الحنابلة
إلى جواز التبعيض في الكفارة .
قال الحنابلة: إن أطعم خمسة مساکین وکسا
خمسة مطلقا جاز، لأنه أخرج من المنصوص
عليه بعدة الواجب، فأجزأه كما لو أخرجه من
جنس واحد. وأما عند الحنفية فيجزئه ذلك عن
الإطعام إن كان الإِطعام أرخص من الكسوة،
وإن كان على العكس فلا يجوز. هذا في إطعام
الإِباحة (التمكين من التناول دون التزود) أما
إذا ملكه الطعام فيجوز ويقام مقام الكسوة . (٢)
التبعيض في البيع
١٨ - يجوز التبعيض في البيع إذا لم يكن فيه ضرر
يرجع على أحد المتبايعين في القبض والتسليم ،
أو لا يفضي إلى الجهالة والمنازعة، ولا خلاف في
هذا. واختلف الفقهاء في الآثار التي تترتب
على وقوع التبعيض، وفيما يلي بيان ذلك :
يختلف حكم التبعيض باختلاف كون العقد
وقع على مثلي كالمكيل، أو الموزون، أو
المذروع، أو قيمي .
(١) الحطاب ٣/ ٢٧٤، وروضة الطالبين ٣١٠/٨، والمنثور في
القواعد للزركشي ٢٥٥/١
(٢) ابن عابدين ٣/ ٦١، والمغني ٨ / ٧٥٩، وقواعد ابن رجب
٢٢٩
١٩ - فإن کان العقد قد وقع على مثلي (مكيل أو
موزون) ولم یکن في تبعیضه ضرر، كمن باع
صبرة على أنها مائة قفيز بمائة درهم، وهي أقل
أو أكثر. فذهب الحنفية إلى أن للمشتري أن
يأخذ الأقل بحصته أويفسخ، وهو مذهب
المالكية والشافعية، وأحد الوجهين عند
الحنابلة، لتفريق الصفقة، ولأنه وجد المبيع
ناقصا فكان له الفسخ كغير الصبرة، وكنقصان
الصفة .
والوجه الثاني للحنابلة : أنه لا خيار له، لأن
نقصان القدرليس بعيب في الباقي من الكيل
بخلاف غيره.
ثم التخيير عند النقصان في المثلي عند
الحنفية مقيد بما إذا لم يقبض كل المبيع أو بعضه،
فإن قبض أي بعد العلم بالنقص لا يخير، بل
يرجع بالنقصان. وأيضا هو مقيد بعدم كونه
مشاهدا للمبيع حيث ينتفي التغرير.
وأما الموزون الذي في تبعیضه ضرر، كما لو
باع لؤلؤة على أنها تزن مثقالا فوجدها أكثر
سلمت للمشتري، لأن الوزن فيما يضره
التبعيض وصف بمنزلة الذرعان في الثوب . (١)
وللتفصيل ر: (خيار).
٢٠ - وإن كان العقد قد وقـ ع على مذروع :
(١) ابن عابدين ٣٠/٤، ومجلة الأحكام العدلية ٢٢٤/٢،
٢٢٥، ومنح الجليل ٢ / ٦٩٤
- ٨٢ -

تبعيض ٢٠ - ٢١
كمن باع ثوبا على أنه مائة ذراع مثلا فبان أنه
أقل، فعند الحنفية، وفي قول للمالكية، وهو قول
أصحاب الشافعي أيضا: أخذ المشتري الأقل
بكل الثمن أو ترك، وإن بان أكثر أخذ الأكثر
قضاء بلا خيار للبائع، لأن الذرع في القيميات
وصف لتعيبه بالتبعيض. بخلاف القدر في
المثليات من مكيل أوموزون، والوصف لا
يقابله شيء من الثمن إلا إذا كان مقصودا
بتناول المبيع له، كأن يقول في بيع المذروع: كل
ذراع بدرهم . (١)
والقول الثاني عند المالكية : إن کان الناقص
یسیرا لزمه الباقي بما ینوبه من الثمن، وإن كان
کثیرا کان خیرا في الباقي بین أخذه بما ینوبه أو
رده .
وعند الحنابلة في صورة الزيادة روايتان :
إحداهما: البيع باطل، والثانية : البيع
صحيح، والزيادة للبائع، ويخير بين تسليم
المبيع زائدا وبين تسليم المائة، فإِن رضي بتسليم
الجمیع فلا خیار للمشتري، وإن أبی تسليمه
زائدا، فللمشتري الخيار بين الفسخ، والأخذ
بجميع الثمن المسمى وقسط الزائد.
وكذلك في صورة النقصان أيضا روايتان عند
الحنابلة. إحداهما: البيع باطل، والثانية: البيع
(١) ابن عابدين ٣٠/٤، والدسوقي ١٣٥/٣، ومنح الجليل
٥٠٥/٢
صحيح، والمشتري بالخيار بين الفسخ والإِمساك
بقسطه من الثمن.
وقال أصحاب الشافعي : ليس له إمساكه
إلا بكل الثمن أو الفسخ، بناء على قولهم: إن
المعیب لیس لمشتر یه إلا الفسخ، أو إمساكه بکل
الثمن . (١)
التبعيض في القيميات :
٢١ - أما التبعيض في الأعيان الأخرى فذكر
" صاحب روضة الطالبين: أنه لوباع
جزءا شائعا من سيف أو إناء ونحوهما صح وصار
مشتركا، ولو عين بعضه وباعه لم يصح، لأن
تسليمه لا يحصل إلا بقطعه، وفيه نقص
وتضییع للمال.
وكذلك لوباع جزءا معينا من جدار أو
أسطوانة، فإِن کان فوقه شيء لم يصح، لأنه لا
يمكن تسليمه إلا بهدم مافوقه، وإن لم يكن فوقه
شيء، فإِن كان قطعة واحدة تتلف كلية
بالتبعيض لم يجز، وإن كانت لا تتلف جاز. (٢)
وقواعد المذاهب الأخرى تقضي بما ذهب
إليه الشافعية .
(١) ابن عابدين ١٠٩/٤، وروضة الطالين ٣٥٧/٣، والمغني
٤/ ١٤٤، ١٤٦، ١٤٧، ومنح الجليل ٢ / ٦٩٤ - ٥٠٥
(٢) روضة الطالبين ٤/ ٣٠، والدسوقي ١٣/٣، ١٤، ١٣٥،
ومنح الجليل ٢/ ٦٩٤
- ٨٣ -

تبعیض ٢٢ - ٢٣
التبعيض في خيار العيب : .
٢٢ - إذا اشترى شيئين صفقة واحدة فوجد
بأحدهما عيبا، وكانا مما ينقصهما التفريق، ففيه
روايتان عند الحنابلة :
إحداهما: ليس له إلا ردهما، أو أخذ الأرش
مع إمساكهما، وهو ظاهر قول الشافعي، وقول
أبي حنيفة فيما قبل القبض، لما فيه من
التشقیص على البائع فلم یکن له ذلك.
والثانية: له رد المعيب وإمساك الصحيح،
وهو قول أبي حنيفة فيما بعد القبض. (١)
وذهب المالكية إلى جواز رد المعيب،
والرجوع بحصته من الثمن، إذا كان الثمن عينا
أو مثليا، فإِن كان سلعة فإِنه يرجع بما ينوب
السلعة المعيبة من قيمة السلعة التي هي الثمن،
لضرر الشركة، وهذا إذا لم تكن السلعة المعيبة
وجه الصفقة . (٢)فإن کانت فليس للمشتري إلا
رد الجميع أو الرضى بالجميع. (٣)
التبعيض في الشفعة :
٢٣ - قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه
من أهل العلم على أن أحد الشفيعين لوترك
(١) ابن عابدين ٩٣/٤، وروضة الطالبين ٤٨٩/٣، والمغني
٤ / ١٧٧، ١٧٩
(٢) ((وجه الصفقة)) عند المالكية: هو الذي يقابله من الثمن
اکثر من النصف .
(٣) الحطاب ٤ / ٤٩٥
شفعته، لم يكن للآخر إلا أخذ الجميع أو ترك
الجميع، وليس له أخذ البعض، وهذا قول
مالك والشافعي وأصحاب الرأي، لأن في أخذ
البعض إضرارا بالمشتري بتبعيض الصفقة
علیه، والضرر لا يزال بالضرر.
وكذا لوكان الشفيع واحدا لم يجزله أخذ
بعض المبيع لذلك. فإِن فعل سقطت شفعته،
لأنها لا تتبعض، فإِذا سقط بعضها سقط جميعها
کالقصاص.(١)
والأصل في هذا الباب عند الشافعية قاعدة
«مالا يقبل التبعیض یکون اختیار بعضه کاختیار
كله، وإسقاط بعضه كاسقاط كله)). (٢)
وقاعدة ((ماجاز فيه التخيير لا يجوز فيه
التبعيض)) قال القاضي حسين في فتاويه:
والشفيع مخير بين الأخذ بالشفعة، والترك، فلو
أراد أخذ بعض الشفعة فليس له ذلك. (٣)
وكذلك إذا وجد الشفيع بعض ثمن الشقص
لا يأخذ قسطه من المثمن (المبيع) طبقا لقاعدة
((إن بعض المقدور عليه لا يجب قطعا)). (٤)
(١) بدائع الصنائع ٢٥/٥، والفروق للكرابيسي ١١٩/٢،
والخطاب ٣٢٧/٥، ٣٢٨، وروضة الطالبين ١٠٦/٥،
والمغني ٣٦٦/٥
(٢) المنثور في القواعد للزركشي ٣/ ١٥٣
(٣) المنثور في القواعد للزركشي ٢٥٦/١
(٤) المنثور في القواعد للزركشي ٢٣١/١
- ٨٤ -

تبعیض ٢٤ - ٢٥
ثم هذا كله إن كان المبيع بعضه غير متميز
عن البعض، أما إن كان متميزا عن البعض،
بأن اشترى دارين صفقة واحدة، فأراد الشفيع
أن يأخذ إحداهما دون الأخرى، وكان شفيعا
لهما أو لإِحداهما دون الأخرى. فاختلف الأئمة
على آراء وأقوال. (١) موطنها كتاب (الشفعة).
التبعيض في السلم:
٢٤ - أجمع الفقهاء على وجوب تسليم رأس مال
السلم في مجلس العقد، فلو تفرقا قبل قبضه
بطل العقد عندهم. وأما لوتفرقا قبل قبض
بعضه، فعند الحنفية والشافعية والحنابلة: يبطل
فيما لم يقبض. وحكي ذلك عن ابن شبرمة،
والثوري .
وأما الحكم في المقبوض، فذهب الحنفية
والحنابلة إلى أنه يصح بقسطه، وعند الشافعية
طريقان، وكلام الخرقي من الحنابلة يقتضي ألا
يصح، لقوله: ويقبض الثمن كاملا وقت السلم
قبل التفرق.
واشترط المالكية تسليم رأس المال في مجلس
العقد، فإن تأخر بعضه انفسخ كله. (٢)
(١) بدائع الصنائع ٢٩/٥، والخطاب ٣٢٧/٥، ٣٢٨
(٢) ابن عابدين ٢٠٨/٤، ٢٠٩، والحطاب ٤/ ٥١٤،
وروضة الطالبين ٣/ ٤٢١، ٤٢٢، ٣/٤، والمغني
٣٢٨/٤، ونيل المآرب ٣٦٥/١
وأما التبعيض في المسلم فيه بالإِقالة في
بعضه: فذهب الحنفية والشافعية، وهو رواية
عن أحمد إلى أنه لا بأس بها، لأن الإِقالة
مندوب إليها، وكل معروف جاز في الجميع جاز
في البعض کالإِبراء. وروي ذلك عن ابن عباس
وعطاء وطاوس وحميد بن عبد الرحمن وعمروبن
دینار والحكم والثوري .
وذهب أحمد في رواية أخرى إلى أنها
لا تجوز.
ورويت كراهتها عن ابن عمر وسعيد بن
المسيب والحسن وابن سيرين والنخعي، وسعيد
ابن جبير، وربيعة، وابن أبي ليلى
وإسحاق. (١)
وأما لو انقطع بعض المسلم فيه عند المحل،
والباقي مقبوض أو غير مقبوض، ففيه خلاف
وتفصيل ينظر في باب ( السلم). (٢)
التبعيض في القرض :
٢٥ - اتفق الفقهاء على جواز التبعيض في
الإقراض.
نقل ابن عابدين عن جامع الفصولین قوله :
يحتمل أن يكون الإقراض بعد إفرازه أو قبله،
فإِن قرض المشاع جائز بالإجماع .
(١) المغني ٣٣٦/٤
(٢) روضة الطالبين ١٢/٤، ٤٢٢/٣، والمغني ٣٢٧/٤.
وابن عابدين ٤/ ٢٠٩
- ٨٥ -

تبعیض ٢٦ - ٢٨
وأما التبعيض في إيفاء القرض كأن يشترط
أن يوفيه أنقص مما أقرضه. فذهب الحنابلة إلى
أنه لا يجوز، سواء أکان مما يجري فيه الربا أم لا ،
وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، لأن
القرض يقتضي المثل، فشرط النقصان يخالف
مقتضاه، فلم يجز كشرط الزيادة .
وفي الوجه الثاني للشافعية يجوز، لأن القرض
جعل للرفق بالمستقرض، وشرط النقصان
لا يخرجه عن موضوعه. (١)
٢٦ - وأما تعجيل بعض الدين المؤجل من قبل
المدین في مقابل تنازل الغريم عن بعض الدين،
فلا يجوز عند جمهور الفقهاء، لكن إن تنازل
المقروض بلا شرط ملفوظ أو ملحوظ عن بعض
الحق فهو جائز. ر: مصطلح (أجل)
(ف: ٨٩).
التبعيض في الرهن :
٢٧ - ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى
جواز التبعیض في الرهن، فيجوز رهن بعض
المشاع عندهم، رَهَنَه عند شريكه أو غيره، قَبِلَ
القسمة أم لم يقبلها، وسواء أكان الباقي من
المشاع للراهن أم لغيره. (٢)
(١) ابن عابدين ٣٥٣/٣، والمغني ٤/ ٣٥٧
(٢) الحطاب ٢/٥، وروضة الطالبين ٣٨/٤، والمغني
٣١٦/٤
وذهب الحنفية إلى أنه لا يصح رهن المشاع
مطلقا، سواء أكان مقارنا كنصف دار، أم
طارئا: كأن يرهن الجميع ثم يتفاسخا في
البعض، وفي رواية عن أبي يوسف أن الطارىء
لا يضر، والصحيح الأول، وسواء أكان من
شريكه أم غيره، وسواء أكان مما يقسم أم لا .
فالأصل عند الحنفية: أنه لا يجوزرهن
المشاع، فلا يجوز التبعیض فیه، ويستثنى من
هذا الأصل الصور التالية :
أ -إذا کانت عینا بينهما، رهناها عند رجل
بدین له علی کل واحد منهما رهنا واحدا .
ب - إذا ثبت الشيوع فيه ضرورة، كما لو جاء
بثوبین، وقال خذ أحدهما رهنا والآخر بضاعة
عندك، فإِن نصف كل منهما يصير رهنا بالدين،
لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر، فيشيع
الرهن فيهما بالضرورة، فلا يضر. (١)
٢٨ - أما حق الوثيقة في الرهن وهو الحبس
للتوثق، فلا يتبعض بأداء بعض الدین، لأن
الدین یتعلق بالرهن جمیعه، فیصیر محبوسا بكل
الحق، وبكل جزء منه، لا ينفك منه شيء حتى
يقضي جمیع الدین، سواء أكان مما يمكن قسمته
أم لا يمكن.
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من
أهل العلم على أن من رهن شيئا بمال فأدى
(١) ابن عابدين ٣١٥/٥، ٣١٧
- ٨٦ -

تبعيض ٢٩ - ٣١
بعض المال، وأراد إخراج بعض الرهن أن ذلك
ليس له، ولا يخرج شيء حتی یوفیه آخر حقه أو
يبرئه من ذلك، كذلك قال مالك، والثوري،
والشافعي، وإسحاق، وأبوثور، وأصحاب
الرأي. لأن الرهن وثيقة بحق فلا يزول إلا
بزوال جميعه كالضمان والشهادة. (١)
وكذلك إن تلف بعض الرهن وبقي بعضه
فباقيه رهن بجميع الحق. (٢)
وفي الموضوع تفصيل ينظر في باب (الرهن).
التبعيض في الصلح :
٢٩ - اتفق الفقهاء على جواز التبعيض في
الصلح، فالصلح مبناه على التبعيض إذا وقع
علی جنس المدعی وکان أقل منه، وفي ذلك
خلاف وتفصيل تبعا لكون المدعى عينا أو دینا
ينظر في مصطلح: (صلح).
التبعيض في الهبة :
٣٠ - اتفق المالكية والشافعية والحنابلة على
جواز التبعيض في الهبة مطلقا، وهو المذهب عند
الحنفية فيما لا يقبل القسمة، فتصح هبة المشاع
عند الأئمة الثلاثة مطلقا، وعند الحنفية تصح
(١) ابن عابدين ٣٢١/٥، وروضة الطالبين ١٠٩/٤، والمغني
٤/ ٣٩٩، ٣٦٧/٥، ٣٧٣، ٦٥٥/٥
(٢) نيل المآدب ٣٧٣/١
هبة المشاع الذي لا يمكن قسمته إلا بضرر،
بألا یبقی منتفعا به بعد أن يقسم، کبیت وحمام
صغيرين. وأما هبة المشاع الذي يمكن قسمته
بلا ضرر فلا تصح هبته مشاعا، ولو كان
لشريكه، وذلك لعدم تصور القبض الكامل .
وقيل: يجوز لشريكه، وهو المختار عندهم. (١)
وإن وهب واحد لاثنين شيئا مما ينقسم يجوز
عند الحنابلة، وأبي يوسف ومحمد من الحنفية،
وهووجه للشافعية أيضا. وذهب الإِمام
أبو حنيفة، وهو وجه آخر للشافعية إلى عدم
جوازه. (٢)
وفي الموضوع فروعات كثيرة تفصيلها في باب
الهبة من كتب الفقه .
التبعيض في الوديعة :
٣١ - اتفق الفقهاء على أن التبعيض في الوديعة
بإنفاق بعضها أو استهلاكه موجب للضمان .
واختلفوا في أخذ بعض الوديعة، ثم ردها أو
رد مثلها .
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من
استودع شیئا فأخذ بعضه لزمه ضمان ما أخذه،
فإِن رده أو مثله لم يزل الضمان عنه.
وقال مالك: لا ضمان علیه إذا رده أو مثله.
(١) ابن عابدين ٤/ ٥١٠، والحطاب ٩/ ٦٠، وروضة
الطالبين ٣٦٧/٥، ٣٧٣
(٢) المغني ٥/ ٦٥٥، وروضة الطالبين ٣٧٣/٥
- ٨٧ -

تبعيض ٣٢ - ٣٣
وذهب الحنفية إلى أنه إن لم ينفق ما أخذه
ورده لم يضمن، وإن أنفقه ثم رده أو مثله
ضمن. (١)
التبعيض في الوقف :
٣٢ - ذهب الشافعية والحنابلة والمالكية في ظاهر
المذهب، وأبوحنيفة وأبويوسف إلى جواز
التبعيض في الوقف، سواء فيما يقبل القسمة أو
لا يقبلها، فيجوز وقف المشاع كنصف دار. (٢)
وذهب محمد بن الحسن من الحنفية إلى عدم
جواز وقف المشاع إذا كان مما يقبل القسمة،
وبناه على أصله في أن القبض شرط، وهو لا
يصح في المشاع. وأما مالا يقبلها كالحمام
والرحى، فيجوز وقفه مشاعا عنده أيضا، إلا في
المسجد والمقبرة، لأن بقاء الشركة يمنع
الخلوص لله تعالى. (٣)
وينظر تفصيل ذلك في باب (الوقف).
التبعيض في الغصب :
٣٣ - يرتب الفقهاء على تبعيض المال المغصوب
بتلف بعضه أو تعييبه أحكاما مختلفة :
(١) ابن عابدين ٤٩٨/٤، والحطاب ٢٥٣/٥، وروضة
الطالبين ٦/ ٣٣٩، والمغني ٦/ ٤٠٠
(٢) ابن عابدين ٣٧٣/٣، والحطاب ١٨/٦، وروضة
الطالبين ٣١٤/٥، والمغني ٥٣٨/٥، ٦٤٣
(٣) ابن عابدين ٣٧٣/٣، والمغني ٦٤٣/٥، ٢٦٠/٥، ٣٦١
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الجزء
الغائب مضمون بقسطه من أقصى القيم من
يوم الغصب إلى يوم التلف، والنقص الحاصل
بتفاوت السعر في الباقي المردود غير مضمون
عند الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة فيما
لا ینقصه التبعیض، وأما فیما ینقصه - كأن
يكون ثوبا ينقصه القطع - فإنه يلزمه أرش
النقص .
وذهب الحنفية إلى أنه إن تعيب المال
المغصوب باستهلاك بعضه كقطع يد الشاة خير
المالك بين ترك المغصوب للغاصب وأخذ قيمته،
وبين أن يأخذ المغصوب ويضمنه النقصان.
بخلاف قطع طرف دابة غير مأكولة إذا اختار
ربها أخذها، لا یضمنه شيئا، وإلا غرمہ کمال
القيمة، لأنه فوت جميع منافعها فصار كما لو
قتلها . (١)
وأما المالكية فقد فصلوا الكلام في وجوب
الضمان في الجناية على بعض السلعة
المغصوبة: فالتعدي على بعض السلعة
المغصوبة إن فوت المغصوب یضمن جمیعه،
كقطع ذنب دابة ذي هيبة، أو أذنها، وكذا
مركوب كل من يعلم أن مثله لا يركب مثل
ذلك، ولا فرق بين المركوب والملبوس، كقلنسوة
القاضى وطيلسانه، وإن لم يفوته، فإن كان
(١) ابن عابدين ١٢٣/٥، والفروق للكرابيسي ٨/٢
- ٨٨ -

تبعیض ٣٤ - ٣٥
التعدي يسيرا، ولم يبطل الغرض منه لم يضمن
بذلك، وكذلك إذا كان التعدي كثيرا، ولم
يبطل الغرض المقصود منه، فإن حكمه حكم
اليسير . (١)
وينظر تفصيل الكلام في هذا الموضوع في
باب (الغصب).
التبعيض في القصاص :
٣٤ - اتفق الفقهاء على أن القصاص مما لا
يتبعض بالتبعيض، ثم اختلفوا في التفاصيل :
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن
مستحق القصاص إذا عفا عن بعض القاتل
كان عفوا عن كله، وكذا إذا عفا بعض الأولياء ،
صح العفو، وسقط القصاص كله، ولم يبق
لأحد إليه سبيل. وإليه ذهب عطاء والنخعي،
والحكم، وحماد، والثوري، وروي معنى ذلك
عن عمر وطاوس والشعبي .
لما روى زيد بن وهب «أن عمر أتي برجل
قتل قتيلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت
امرأة المقتول، وهي أخت القاتل : قد عفوت
عن حقي، فقال عمر: ((الله أكبر! عتق
القتيل)).
وفي رواية عن زيد قال: دخل رجل على
امرأته، فوجد عندها رجلا فقتلها، فاستعدی
إخوتها عمر، فقال بعض إخوتها: قد تصدقت.
فقضى لسائرهم بالدية . (١)
وذهب المالكية إلى أن عفوبعض الورثة
لا يسقط القود، إلا أن يكون العافي مساويا لمن
بقي في الدرجة أو أعلى منه، فإن كان أنزل
درجة لم يسقط القود بعفوه. فإن انضاف إلى
الدرجة العليا الأنوثة كالبنات مع الأب أو الجد،
فلا عفو إلا باجتماع الجميع، فإِن انفرد الأبوان
فلا حق للأم في عفو ولا قتل. (٢)
وذهب بعض أهل المدينة، وقيل : هورواية
عن مالك إلى أن القصاص لا يسقط بعفو
بعض الشركاء، لأن النفس قد تؤخذ ببعض
النفس بدليل قتل الجماعة بالواحد. (٣)
التبعيض في العفو عن القذف:
٣٥ - اختلف الفقهاء في جوازه :
فذهب الشافعية في الأصح، وهو المذهب
عند الحنابلة، والمتبادر من أقوال المالكية (مالم
يبلغ الإِمام) إلى عدم جواز التبعيض في حد
القذف، فإِذا عفا بعض الورثة، أو بعض
مستحقي حد القذف يكون لمن بقي استيفاء
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٢٤٧، وروضة الطالبين ٢٣٩/٩.
٢٤٢. والمغني ٧/ ٧٤٣ ومابعدها، والمنثور في القواعد
للزركشي ١٥٣/٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص
١٤٣. والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٨٩
(٢) الخطاب ٦/ ٢٥٣
(٣) المغني ٧ / ٧٤٣
(١) الخطاب ٥/ ٢٩٣
- ٨٩ -

تبعيض ٣٦ - ٣٨
جمیعه لأن المعرة عنه لم تزل بعفو صاحبه، ولیس
للعافي الطلب به، لأنه قد أسقط حقه .
وكذلك بالعفو عن بعضه لا يسقط شيء
منه .
ومقابل الأصح عند الشافعية جواز
التبعيض، ووجهه أن حد القذف جلدات
معروفة العدد، ولا ريب في أن الشخص لو عفا
بعد جلد بعضها، سقط مابقي منها، فكذلك
إذا أسقط منها في الابتداء قدرا معلوما، وعلى
هذا لوعفا بعض مستحقي حد القذف عن حقه
يسقط نصيب العافي، ويستوفي الباقي، لأنه
متوزع .
وهناك وجه ثالث للشافعية: أن يسقط جميع
الحد كالقصاص.(١)
وأما الحنفية فلا یتأتی عندهم هذا، لأن
الغالب في حد القذف عندهم حق الله، فلا
يسقط كله ولا بعضه بالعفو بعد ثبوته، وكذا إذا
عفا قبل الرفع إلى القاضي . (٢)
تبعيض الصداق :
٣٦ - اتفق الفقهاء على جواز أن يكون بعض
الصداق معجلا وبعضه مؤ جلا، لأنه عوض في
(١) الحطاب ٣٠٥/٦، وروضة الطالبين ٣٢٦/٨، والمغني
٢٣٤/٨٠، والأشباه والنظائر للسيوطي ص١٤٤
(٢) ابن عابدين ١٧٣/٣
عقد معاوضة، فجاز ذلك فيه كالثمن. (١) وانظر
مصطلح (أجل، مهر).
وأما تنصيف الصداق بالطلاق قبل الدخول
والخلوة، وكيفية ذلك ففيه أوجه وتفصيل يذكر
في مواطنه، وانظر مصطلح (مهر).
التبعيض في الطلاق :
٣٧ - اتفق الفقهاء على أن الطلاق لا یتبعض،
وإليه ذهب الشعبي والحارث العكلي،
والزهري، وقتادة، وأبو عبيد، وأهل الحجاز،
والثوري، وأهل العراق، وذلك لأن ذكر بعض
مالا يتبعض ذكر لجميعه، فذكر بعض الطلاق
كذكر كله، وجزء الطلقة ولو من ألف جزء
تطليقة. وهذا الحكم ثابت سواء أبهم : بأن
قال: أنت طالق بعض طلقة. أو بينَّ فقال:
أنت طالق نصف طلقة، أوربع طلقة،
وهكذا، لأن ذكر مالا يتبعض ذكر لجمیعه .
التبعيض في المطلقة :
٣٨ - إذا أضاف الطلاق إلى جزء منها: سواء
أضافه إلى بعضها شائعا وأبهم فقال: بعضك
وجزؤك طالق. أو نص على جزء معلوم
(١) ابن عابدين ٣٥٨/٢، ٣٥٩، والمغني ٦ / ٦٩٣، ٦٩٤،
والخطاب ٥٠٩/٣، ٥١٣، ٥١٤، وروضة الطالبين
٧/ ٢٥٩، وأسنى المطالب ٢٠٢/٣
- ٩٠ -

تبعيض ٣٩ - ٤٠
کالنصف والربع، أو أضافه إلى عضو: باطنا
كان كالكبد والقلب، أو ظاهرا كاليد والرجل،
طلقت كلها عند الأئمة الثلاثة وزفر من
الحنفية .
وأما الحنفية - ماعدا زفر - ففرقوا بين إضافة
الطلاق إلی جملتها، أو إلی مایعبر به عنها
كالرقبة، أو العنق أو الروح، أو البدن أو
الجسد، أو إلی جزء شائع کنصفها أو ثلثها،
وبين إضافته إلى ما يعبر به عن الجملة كاليد
والرجل حيث تطلق في الحالة الأولى دون
الثانية . (١)
والتبعيض في الطلاق من فروع قاعدة ((مالا
يقبل التبعیض فاختيار بعضه کاختیار کله،
وإسقاط بعضه کإسقاط كله)).
التبعيض في الوصية :
٣٩ - اتفق الفقهاء على جواز التبعيض في
الوصية، إذا كانت الوصية بجزء شائع. كمن
أوصی بجزء أو سهم من ماله، فالبیان إلى
الورثة يقال لهم: أعطوه شيئا، لأنه مجهول
يتناول القليل والكثير، والوصية لا تمتنع
(١) ابن عابدين ٤٣٥/٢، ٤٣٦، ٤٣٧، والخطاب ٤ / ٦٢،
٦٥، وروضة الطالبين ٦٣/٨، ٦٤، ٨٥، ٨٦، والمغني
٢٤٢/٧، ٢٤٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ٧٤
بالجهالة. ومثله الحظ، والشقص، والنصيب،
والبعض (لأن الوصية حقيقتها تصرف المالك في
جزء من حقوقه). (١)
كذلك إن كانت الوصية بجزء معين: كمن
أوصى بقطنه لرجل، وبحبه لآخر، أو أوصى
بلحم شاة معينة لرجل وبجلدها لآخر، أو
أوصى بحنطة في سنبلها لرجل، وبالتبن لآخر.
جازت الوصية لهما، وعلى الموصى لهما أن يدوسا
الحب، أويسلخا الشاة، أو يحلجا القطن. ولو
كانت الشاة حية فأجرة الذبح على صاحب
اللحم خاصة، لأن التذكية لأجل اللحم
لا الجلد. (٢)
وفي المغني: إذا أوصى لرجل بخاتم ولآخر
بفصہ صح، ولیس لواحد منهما الانتفاع به إلا
بإذن صاحبه، وأيهما طلب قلع الفص من الخاتم
أجيب إليه، وأخبر الآخر عليه. (٣)
التبعيض في العتق :
٤٠ - من أعتق عبدا مملوكا، فإما أن يكون باقيه
له أو لغيره:
(١) ابن عابدين ٤٢٩/٥، والخطاب ٣٦٤/٦، وروضة
الطالبين ١١٢/٦، والمغني ٦/ ٦٣، ٦٤
(٢) ابن عابدین ٤٢٩/٥
(٣) ابن عابدين ٤٢٥/٥، والحطاب ٣٧٢/٦، والمغني
٦٤/٦، وروضة الطالبين ٦/ ١٥٠
- ٩١ -

تبعيض ٤١
ففي الحالة الأولى :
ذهب المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد
وأبو يوسف من الحنفية إلى أن الإِعتاق لا يتجزأ
ولا يتبعض بالتبعيض، لأن من خصائصه
السراية، فمن أعتق بعض مملوك له، فإنه
يسري العتق إلی باقيه .
وكذلك من أعتق جزءا معينا كرأسه أو ظهره
أو بطنه، أو جزءا مشاعا كنصفه، أو جزءا من
ألف جزء، عتق الرقيق كله. (١)
وذهب أبوحنيفة إلى أن الإِعتاق يتجزأ،
سواء كان باقيه له، أو كان مشتركا بينه وبين
غيره، وسواء كان المعتق معسرا أو موسرا . (٢)
٤١ - وفي الحالة الثانية: وهي ما إذا كان العبد
مشتركا، وأعتق أحد الشریکین حصته أو
بعضها، فاختلف الفقهاء تبعا لكون المعتق
موسرا أو معسرا :
فروي عن ابن مسعود وعلي وابن عباس
رضي الله عنهم: عتق ماعتق ويبقى الباقي
رقيقا. (٣) وبه قال البتي: واستدل بما روى
(١) بدائع الصنائع ٨٦/٤، وفتح القدير ٢٥٥/٤، وابن
عابدين ١٥/٣، والحطاب ٣٣٦/٦، وروضة الطالبين
١١٠/١٢، ١١١، وكشاف القناع ٥١٥/٤، ٥١٦،
والمغني ٣٣٥/٩، ٣٣٦
(٢) فتح القدير ٣٥٥/٤، وبدائع الصنائع ٨٦/٤، وابن
عابدين ٣/ ١٥
(٣) بدائع الصنائع ٨٦/٤، والمغني ٣٣٦/٩
ابن التلب عن أبيه «أن رجلا أعتق نصيبا له في
مملوك فلم يضمنه النبي وَط®)).(١)
وذهب المالكية والشافعية، وهو ظاهر المذهب
عند الحنابلة إلى أن المعتق إن كان موسرا عتق
کله، وعليه قيمة باقیه لشریکه، وإن كان معسرا
عتق نصيبه فقط ولا يسرى إلى باقية ولو أيسر
بعده. (٢) لما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى
عنهما أن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((من أعتق شقصا له من
عبد أو شرکا، أو قال: نصیبا، وكان له مايبلغ
ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق، وإلا فقد عتق منه
ماعتق)) . (٣)
وهذا قول إسحاق، وأبي عبيد وابن المنذر
وابن جرير.
وذهب أبویوسف ومحمد، وهو رواية عن أحمد
إلى أنه ليس للشريك إلا الضمان مع اليسار
والسعاية مع الإِعسار، وهو قول ابن شبرمة،
وابن أبي ليلى، والأوزاعي. (٤) لما روى
(١) حديث: ((أن رجلا أعتق نصيا له ... )) أخرجه أبوداود
٤ / ٢٥٩ ط عزت عبيد دعاس وحسنه ابن حجر في الفتح
١٥٩/٥ ط السلفية
(٢) الحطاب ٦/ ٣٣٦، وروضة الطالبين ١١٢/١٢، وكشاف
القناع ٥١٥/٤، ٥١٦، والمغني ٩/ ٣٤١، ٣٣٦
(٣) حديث: (( من أعتق شقصا له من عبد أو شركسا
نصيبا ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٣٢/٥ ط السلفية)
ومسلم (٣/ ١٢٨٦ ط الحلبي) من حديث ابن عمر.
(٤) فتح القدير ٢٦٠/٤، وبدائع الصنائع ٨٦/٤، والمغني
٣٤١/٩
- ٩٢ -

تبعيض ٤١، تبعية ١ - ٢
أبو هريرة قال: قال رسول اللّه وَ ل: ((من أعتق
شقيصا له في عبد مملوك فعليه أن يعتقه كله إن .
كان له مال، وإلا استسعى العبد غير مشقوق
علیه»(١)
وقال أبو حنيفة: إن كان المعتق موسرا
فشریکه بالخيار، إن شاء أعتق وإن شاء ضمن
المعتق قیمة نصیبه، إذا لم یکن بإذنه، فإن كان
بإذن الشریك فلا ضمان علیه له، وإن شاء
استسعى العبد.(٢)
وقال بعضهم یعتق کله، وليس للشريك إلا
الضمان، وهو منقول عن زفر وبشر المريسي. (٣)
(١) حديث: ((من أعتق شقيصا له في عبد مملوك، فعليه أن
یعتقه کله إن كان له مال .. .» أخرجه أبو داوود (٤ / ٢٥٤
ط عزت عبيد دعاس) وأصله في صحيح البخاري (الفتح
١٥٦/٥ ط السلفية)
(٢) فتح القدیر ٤/ ٢٥٩
(٣) بدائع الصنائع ٨٦/٤، وفتح القدير ٤/ ٢٦٣
تبعية
التعريف :
١ - التبعية : كون الشيء مرتبطا بغيره بحيث لا
ينفك عنه .
والتابع: هو التالي الذي يتبع غيره، كالجزء
من الكل، والمشروط للشرط.
ولا يخرج الاستعمال الاصطلاحي عن
.(١)
الاستعمال اللغوي .
أقسام التبعية :
التبعية قسمان :
٢ - القسم الأول: ما اتصل بالمتبوع فيلحق به
لتعذر انفراده عنه .
ومن أمثلة هذا القسم: ذكاة الجنين فإِنها
تحصل بذكاة أمه تبعالها، عند الجمهور
والصاحبين من الحنفية، خلافا للإِمام أبي
حنيفة. (٢) وذلك بشروط وتفصيل ينظر في
مصطلح: (ذبائح).
(١) انظر في لسان العرب مادة: ((تبع))، والصحاح وتاج
العروس، والمصباح المنير، والكليات ٢/ ١٠٤ - ١٠٥ ط
دار الكتب الثقافية - دمشق، والحموي على ابن نجيم
١/ ١٥٤ ط العامرة.
(٢) ابن عابدين ٣/ ١٤، ١٩٣/٥، وجواهر الإكليل
٢١٦/١ ط. دار المعرفة، والدسوقي مع الشرح الكبير
١١٤/٢ ط. الفكر، وحاشية البيجرمي على الخطيب
٤/ ٢٥٥ ط. دار المعرفة، وكشاف القناع ٦/ ٢٠٩ - ٢١٠
- ٩٣ -

تبعية ٣ - ٤
ومن أمثلة هذا القسم أيضا: الحمل، فإِنه
لا یفرد في البيع، بل يتبع الأم بلا خلاف.(١)
٣ - القسم الثاني: ما انفصل عن متبوعه
والتحق به . .
ومن أمثلة هذا القسم: الصبي إذا أسرمعه
أحد أبويه، وهذه المسألة على ثلاثة أحوال:
الأولى : أن يسبى الصبي منفردا عن أبويه،
فيصير مسلما إجماعا، لأن الدين إنها يثبت له
تبعا، وقد انقطعت بتبعيته لأبويه لانقطاعه
عنهما .
الثانية: أن یسبی مع أبویه، فإِنه یکون علی
دينهما (تبعا) وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك
والشافعي، وأحمد .
الثالثة: أن یسبی مع أحد أبويه، فإنه يتبعه
عند أبي حنيفة والشافعي .
وقال مالك: إن سبي مع أبيه يتبعه، وإن
سبي مع أمه فهو مسلم، لأنه لا يتبعها في
النسب، فكذلك في الدین .
وقال الحنابلة : من سبي من أولاد الكفار مع
أحد أبويه فإِنه يحكم بإسلامه. (٢)
(١) الحموي على ابن نجيم ١/ ١٥٤ ط العامرة، والخرشي
٧١/٥ ط. دار صادر، والدسوقي ٥٧/٣ ط. الفكر،
والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١١٧ ط. العلمية، والمنثور
١/ ٢٣٤ ط. الأولى، وكشاف القناع ١٦٦/٣ ط النصر.
(٢) المغني ٤٢٦/٨، والدسوقي ١٨٤/٢، ٢٠٠ و٣٠٥/٤
ومن أمثلته أيضا: ولد المسلم، فإنه يتبعه في
: الإِسلام، وإن كانت أمه كافرة اتفاقا. (١)
أحكام التبعية
٤ - التبعية يتعلق بها جملة من الأحكام، ترجع
كلها إلى قاعدة فقهية واحدة، وهي (التابع
تابع) ومعنى كون التابع تابعا: هو أن ماكان تبعا
لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم، بل يدخل في
الحکم مع متبوعه، فإِذا بیع حيوان في بطنه جنين
دخل الجنين في البیع تبعا لأمه، ولا يجوز إفراده
بالبيع، ومثل هذا الصوف على الغنم، واللبن
في الضرع. ومن ذلك مالو كان التابع شيئا لا
يقبل الانفكاك عن متبوعه، بأن كان في حكم
الجزء، كالمفتاح من القفل، فإنه يدخل في البيع
تبعا له، أو كان شيئا جرى في عرف البلد أنه من
مشتملاته، فإنه يدخل في البيع من غير ذكر.
فمثلا بيع الدار يدخل فيه المطبخ، وفي بيع
حديقة زيتون تدخل أشجار الزيتون . (٢)
(١) ابن عابدين ٣/ ٢٥٢ ط. المصرية، وحاشية الدسوقي مع
الشرح الكبير ٤ /٣٠٨ ط. الفكر، والمنثور ٢٣٩/١ ط.
الأولى، والمغني ١٣٩/٨ ط الرياض.
(٢) الحموي على ابن نجيم ١٥٤/١ ط. العامرة، وشرح
مجلة الأحكام العدلية للأتاسي ١٠٧/١ ط. حمص،
والفروق مع تهذيب الفروق والقواعد السنية ٢٨٣/٣،
٢٨٧، الفرق التاسع والتسعون والمائة ط. دار المعرفة،
والأشباه والنظائر للسيوطي/ ١١٧ ط .=
- ٩٤ -

تبعية ٥ - ٦
هذا، وقد فرّع الفقهاء من الحنفية والشافعية
على قاعدة: (أن التابع تابع) عددا من القواعد
ذكرها الزركشي في المنشور، والسيوطي وابن
نجيم في كتابيهما الأشباه والنظائر، وقد أشار
إليها القرافي في الفروق في الفرق التاسع
والتسعين بعد المائة ، الذي فرّق فيه بين قاعدة
مايتبع العقد عرفا وما لا يتبعه. وتلك القواعد
الفرعية هي :
أ - التابع لا يفرد بالحكم :
٥ - المراد بالتابع الذي لا يفرد بالحكم عن
متبوعه هو الذي لا يوجد مستقلا بنفسه، بل
یکون وجوده تبعا لوجود متبوعه، بأن یکون جزءا
أو كالجزء منه، فحينئذ لا يصلح أن يكون محلا
مستقلا في العقد ليتعلق به الحکم، کاجنین في
بطن الحيوان، فإِنه لا يصح بيعه منفردا عن
أمه، وکحق الشرب فإِنه لا يصح بيعه منفردا.
عن الأرض. (١)
وكمن باع دارا بحقوقها، فإِن البيع يتناول
أرضها وبناءها وما هو متصل بها مما هو من
مصلحتها، كالأبواب المنصوبة، دون غيره مما
= العلمية، والمجموع للنووي ٩/ ٣٢٤ ط. السلفية،
والمغني ٨٨/٤ ط. الرياض.
(١) الحموي على ابن نجيم ١/ ١٥٤، وشرح مجلة الأحكام
العدلية للأتاسي ١/ ١٠٧، وتهذيب الفروق والقواعد
السنية ٢٨٨/٣، والأشباه والنظائر للسيوطي / ١١٧
ليس من مصالحها، كالكنز والأحجار المدفونة،
لأن ذلك مودع فيها للنقل عنها، فأشبه الفرش
والستور. (١)
واستثنى الفقهاء من ذلك صورا يستقل
التابع فيها بالحكم عن متبوعه، ومن تلك
الصور: إفراد الحمل بالوصية دون أمه بشرط أن
يولد حيا. لأقل من ستة أشهر، وهذا القدر
مجمع عليه، وأما إن أتت به لأكثر من ستة
أشهر، (٢) ففيه تفصيل وخلاف يرجع إليه في
مصطلح (وصية، ثبوت النسب، والميراث).
ب - من ملك شيئا ملك ماهو من ضروراته :
٦ - تتناول هذه القاعدة الأصول التي تدخل في
البيع والشراء من غير ذكر، وتلك الأصول
تدخل تحت أصلين:
الأول : كل ماكان في الدار من بناء وغيره
يتناوله اسم البيع عرفا، مثل ملحقات الدار
كالمطبخ والحجارة المثبتة في الأرض والدار لا
المدفونة .
الثاني : ماكان متصلا اتصال قرار، كالشجر
(١) المغني ٨٨/٤
(٢) حاشية ابن عابدين ٤١٨/٥، والدسوقي ٣٧٥/٤ -
٣٧٦ ط الفكر، وجواهر الإكليل ٣١٧/٢ ط. دار
المعرفة. وحاشية قليوبي ١٥٧/٣ - ١٥٨ ط الحلبي،
وكشاف القناع ٣٥٦/٤ ط النصر.
- ٩٥ -

تبعية ٧
فإنه يدخل في بيع الأرض عند الحنفية والمالكية
بلا ذكر، وعلى أحد الوجهين عند الحنابلة، وهو
أيضا نص الشافعي في البيع، ونص في الرهن
على عدم الدخول فيما لورهن الأرض وأطلق .
وأما الأصحاب فلهم فيما نص عليه الإِمام
الشافعي في البيع والرهن طرق، أصحها عند
جمهور أصحاب الشافعي : تقرير النصين (أي
دخول الشجر والبناء في البيع عند الإطلاق،
وعدم دخولهما في الرهن). والثاني: فیھما قولان،
والثالث: القطع بعدم الدخول فيهما، قاله ابن
سريج، واختاره الإِمام والغزالي. (١)
جـ ـ التابع يسقط بسقوط المتبوع :
٧ - هذه القاعدة ذكرها الزركشي في المنثور
والسيوطي وابن نجيم في كتابيهما. (٢)
ومرادهم بالتابع الذي يسقط بسقوط متبوعه
ذلك التابع الذي يتبع غيره في الوجود، ومن
الفروع التي تذكرها كتب القواعد لهذه
القاعدة: أن من فاتته صلاة في أيام الجنون،
وقیل بعدم وجوب القضاء، فإنه لا يستحب له
(١) شرح مجلة الأحكام العدلية ١/ ١١١ - ١١٢، والفروق
٢٨٣/٣، وروضة الطالبين ٥٣٦/٣ - ٥٣٧، والمغني
٤/ ٨٦ -٨٨
(٢) المنثور ٢٣٥/١ ط. الأولى، والأشباه والنظائر
للسيوطي / ١١٨، والحموي على ابن نجيم ١/ ١٥٥
قضاء سننها الراتبة، لأن الفرض سقط فكذا
تابعه .
ومن فاته الحج بعدم الوقوف فتحلل بأفعال
العمرة، فلا يأتي بالرمي والمبيت، لأنهما تابعان
للوقوف وقد سقط .
ومما خرج عن هذه القاعدة: الأخرس
العاجز عن التلفظ بالتكبير، فإنه يلزمه تحريك
لسانه، عند الحنفية والشافعية، وعند القاضي
من الحنابلة، ولا يلزمه ذلك عند المالكية وعند
الحنابلة على الصحیح، بل تکفیه النية، ویکبر
بقلبه، لأن تحريك اللسان للعاجز عن النطق
عبث كما قال الحنابلة، بل قال ابن تيمية : ولو
قيل ببطلان الصلاة بذلك لكان أقوى. (١)
ومما خرج عنها أيضا: إمرار الموسى على
رأس الأقرع للتحلل بالحلق، فإِنه واجب على
. المختار عند الحنفية، وواجب أيضا عند
المالكية، لأن الحلق عبادة تتعلق بالشعر فتنتقل
إلى البشرة عند عدمه، وقال الشافعية بالندب،
والحنابلة بالاستحباب . (٢)
(١) الحموي على ابن نجيم ١٥٥/١، والزرقاني ١/ ١٩٥ ط.
الفكر، والدسوقي ٢٣٣/١، وجواهر الإكليل ٤٦/١،
وروضة الطالبين ٢٢٩/١ ط. المكتب الإسلامي،
والإِنصاف ٤٣/٢ ط. التراث، وكشاف القناع
٣٣١/١ ط. النصر، والمغني ٤٦٣/١
(٢) الحموي على ابن نجيم ١٥٥/١، والدسوقي ٤٦/٢،
والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١١٨، والإنصاف ٣٩/٤
- ٩٦ -

تبعية ٧ - ٨
ومما خرج عنها في غير العبادات: مالو أقر
أحد الورثة بوارث ثالث مشارك لهما في الميراث لم
يثبت النسب بالإِجماع، لأن النسب لا يتبعض
فلا يمكن إثباته في حق المقردون المنكر،
ولا يمكن إثباته في حقهما، لأن أحدهما منكر،
ولم توجد شهادة يثبت بها النسب، ولكنه يشارك
المقر في الميراث في قول أكثر أهل العلم، لأنه أقر
بسبب مال لم يحكم ببطلانه، فلزمه المال. (١)
هذا، وذكر السيوطي وابن نجيم قاعدة
أخرى قريبة من هذه القاعدة، وهي قولهم
(الفرع يسقط إذا سقط الأصل) وجاء في شرح
المجلة: أن هذه القاعدة مطردة في المحسوسات
والمعقولات. فالشي الذي يكون وجوده أصلا
لوجود شيء آخر يتبعه في الوجود، يكون ذلك
فرعا مبتنیا علیه، کالشجرة إذا ذوت ذوى
ثمرها، وكالإِيمان بالله تعالى أصل وجميع
الأعمال فروعه، فإِذا سقط الإِيمان - والعياذ بالله
تعالى - حبطت الأعمال، لأن اعتبارها مبني
عليه .
ومن فروعها قولهم: إذا برىء الأصيل بريء
الضامن، أي الكفيل لأنه فرعه بخلاف
العكس. (٢)
(١) الموسوعة الفقهية ٦/ ٧٥، مصطلح إقرار، ف ٦٢، وانظر
المراجع المغني ٥/ ١٩٧ - ١٩٩ وابن عابدين ٤ /٤٦٦
والدسوقي ٤١٥/٣ والمهذب ٣٥٢/٢ و٣٥٣
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١١٩، والحموي على =
وقد ثبت الفرع وإن لم يثبت الأصل، کما لو
ادعى الزوج الخلع، وأنكرت الزوجة، ثبتت
البينونة بلا خلاف، لأنه مقر بما يوجبها، وإن لم
يثبت المال الذي هو الأصل. (١)
د - يغتفر في التوابع مالا يغتفر في غيرها :
٨ - هذه القاعدة ذكرها السيوطي وابن نجيم،
وقريب منها قولهم: يغتفر في الشيء ضمنا مالا
يغتفر فيه قصدا، وقولهم : يغتفر في الثواني مالا
يغتفر في الأوائل، وقولهم: أوائل العقود تؤكد بما
لا يؤكد بها أواخرها، وإنما اغتفر في ذلك لأنه قد
يكون للشيء قصدا شروط مانعة، وإذا ثبت
ضمنا أو تبعا لشيء آخر يكون ثبوته ضرورة ثبوته
لمتبوعه أو ماهو في ضمنه. (٢)
ومن فروع هذه القاعدة: أن النسب لا يثبت
ابتداء بشهادة النساء، أما لوشهدن بالولادة
على الفراش يثبت النسب تبعا، حتى لو كانت
الشاهدة في الولادة القابلة وحدها . (٣)
= ابن نجيم ١٥٥/١، وشرح مجلة الأحكام العدلية
للأتاسي ١١٥/١
(١) الحموي على ابن نجيم ١٥٥/١، وجواهر الإكليل
٣٣٦/١، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١١٩، وكشاف
القناع ٢٣٠/٥
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٢٠ - ١٢١ ط العلمية،
والحموي على ابن نجيم ١/ ١٥٦، وشرح مجلة الأحكام
١٣١/١
(٣) ابن عابدين ٦٢٦/٢، والدسوقي ١٨٨/٤، والأشباه
والنظائر للسيوطي ص ١٢٠، وكشاف القناع ٤٣٦/٦
- ٩٧ -

تبعية ٨ - ١٠
وبما خرج عن هذه القاعدة مما هو عكسها:
أن الفاسق يجوز تقليده القضاء إذا ظن صدقه،
لكن إذا قلد عدل ففسق في أثناء قضائه استحق
العزل، وهو ظاهر مذهب الحنفية، وقيل: إنه
ينعزل بفسقه، لأن عدالته في معنى المشروطة،
فقد جاز تقليده ابتداء ولم يجز انتهاء في ولايته،
فلما زالت عدالته زالت ولا یته. (١)
وذكر المالكية في هذه المسألة: أن غير العدل
لا یصح قضاؤه ولا ینفذ حکمه، لکن قال
مالك: لا أرى خصال القضاة تجتمع اليوم في
أحد، فإِن اجتمع منها خصلتان في واحد وهي
العلم والورع وليّ.
وقال القرافي: إن لم يوجد عدل ولي أمثل
الموجودین .
وأما الشافعية والحنابلة فلا يصح عندهم
تولية الفاسق القضاء. (٢)
وعند الشافعية: إن تعذر جمع الشروط في
رجل فولى سلطان له شوكة فاسقا نفذ قضاؤه
للضرورة، لئلا تتعطل مصالح الناس. (٣)
وقال العزبن عبد السلام : لما كان تصرف
القضاة أعم من تصرف الأوصياء (الذين
(١) الهداية وفتح القدير ٥/ ٤٥٤، ٤٥٥ ط بولاق:
١٣١٦ هـ، وشرح مجلة الأحكام ١/ ١٣٤
(٢) الدسوقي ١٢٩/٤، وجواهر الإكليل ٢٢١/٢ ط دار
المعرفة
(٣) انظر شرح المحلي على المنهاج وحاشيتي القليوبي وعميرة
٢٩٧/٤
يشترط فيهم العدالة) وأخص من تصرف الأئمة
(وفي اشتراط العدالة فيهم اختلاف) اختلف في
إلحاقهم بالأئمة، فمنهم من ألحقهم بالأئمة،
لأن تصرفهم أعم من تصرف الأوصياء، ومنهم
من ألحقهم بالأوصياء، لأن تصرفهم أخص من
تصرف الأئمة . (١)
هـ - التابع لا يتقدم على المتبوع:
٩ - من فروع هذه القاعدة: أنه لا يصح تقدم
المأموم على إمامه في تكبيرة الافتتاح، ولا في
غيرها من الأركان، لحديث: ((إنما جعل الإِمام
ليؤتم به، فإِذا كبر فكبروا ... )) الخ
الحديث. (٢)
و۔ التابع لا یکون له تابع :
١٠ - من فروع هذه القاعدة: لوقطع شخص
الأصابع وحدها في جناية وجبت الدیة، فإن
قطع اليد من الكوع لم يلزمه أكثر من الدية،
ويجعل الكف تبعا للأصابع، وإن قطع زيادة
(١) قواعد الأحكام ٦٨/١
(٢) الحموي على ابن نجيم ١/ ١٥٥ ط، العامرة، وابن
عابدين ٣٠٢/١ - ٣٠٣، وجواهر الإكليل ١/ ٨٢،
وروضة الطالبين ٣٦٩/١ - ٣٧٣، والمنثور ٢٣٦/١،
والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١١٩ - ١٢٠، والإنصاف
٢٣٤/٢ ط. التراث، وكشاف القناع ٤٦٤/١ - ٤٦٥.
وحديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإِذا كبر فكبر وا
... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢ /٥٨٤ ط السلفية).
- ٩٨ -

تبعية ١٠ - ١١
على ذلك لم يجعل تبعا. بل يلزمه للزيادة
حكومة عدل على قدرها، لأن التابع لا يكون
له تابع . (١) .
ومما خرج عنها توكيل الوكيل غيره دون
الرجوع إلى موكله، فقد ذكر الحنفية أن للوكيل
أن يوكل في حقوق العقد فيما ترجع الحقوق فيه
إلیه، لأنه أصيل فيها، فله أن یوكل فيها بلا إذن
موکله .
وفرق المالكية بين الوكيل المفوض وغير
المفوض، وذكروا أن الوكيل المفوض له أن يوكل
على الأظهر، وأما غير المفوض فليس له أن
يوكل فيما وكل فيه بلا إذن، إلا في حالتين:
إحداهما: ألا يليق الفعل به .
والثانية : أن يكثر بحيث يتعذر عليه القيام به
وحده .
وذکر الشافعية: أن الوکیل لو وگّل فيما وكل
فیه، وسكت عنه موكله، نطر: إن كان أمرا
يتأتى له الإِتيان به، لم يجز أن يوكل فيه، وإن لم
یتأت منه، لكونه لا يحسنه، أولا يليق بمنصبه،
فله التوكيل على الصحيح، لأن المقصود من
مثله الاستنابة .
(١) المنثور ١/ ٢٣٧ ط الأولى، وابن عابدين ٣٧١/٥ ط.
المصرية، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٧٠ ط. دار المعرفة،
وروضة الطالبين ٢٨٢/٩ ط المكتب الإسلامي، وكشاف
القناع ٦/ ٤٦ ط. النصر.
والمذهب الذي عليه الأصحاب عند الحنابلة
أن الوكيل لا يجوز له أن يوكل فيما يتولى مثله
بنفسه، ونقل عن الإِمام أحمد الجواز. (١)
وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح:
(وكالة).
ز - العبرة بنية المتبوع لا التابع:
١١ - فمن كان تابعا لغيره، كالزوجة التابعة
لزوجها، والجندي التابع لقائده، فإِن المعتبر في
السفر الذي يبيح لهما القصر والفطرنية المتبوع
دون التابع، لأن نية المتبوع تنسحب على
التابع، فیعطی حکمه، فتتبع المرأة زوجها،
والجندي قائده، هذا عند الحنفية، والحنابلة .
وأما الشافعية: فهم كالحنفية والحنابلة في
جعلهم نية الزوجة تابعة لنية الزوج، وخالفوهم
في نية الجندي فلم يجعلوها تابعة لنية الأمير ،
لأنه لیس تحت يده وقهره. (٢)
وأما المالكية فلم يتعرضوا لهذه المسألة فيها
اطلع عليه من مراجع. (٣)
(١) ابن عابدين ٤/ ٤١٠، وجواهر الإكليل ١٢٨/٢ - ١٢٩،
وروضة الطالبين ٣١٣/٤ - ٣١٤، والإنصاف ٣٦٢/٥
(٢) ابن عابدين ٥٣٣/١ -٥٣٤، وروضة الطالبين ٣٨٦/١،
وكشاف القناع ١/ ٥٠٥
(٣) مواهب الجليل ١٣٩/٢ - ١٥٨ ط النجاح، والمدونة
١١٨/١ -١٢٣ ط دار صادر، والدسوقي ٣٥٨/١ -
٣٧٣ ط الفكر، وجواهر الإكليل ٨٨/١ -٩٣ ط=
- ٩٩ -

تبعية ١٢ - ١٣
ح - ما دخل في البيع تبعا لا حصة له من الثمن :
١٢ - وذلك كالأوصاف التي تدخل في البيع بلا
ذكر، كبناء وشجر في الأرض، وأطراف في
الحيوان، وجودة في الكيلي والوزني، فإن هذه
الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن قبل
القبض، كما في جامع الفصولین، أو إلا إذا ورد
عليها القبض كما في شرح الأسبيجابي. وقد
وضع محمد رحمه الله أصلا لهذا، وهو: كل شيء
إذا بعته وحده لا يجوز بيعه، وإذا بعته مع غيره
جاز، فإِذا استحق ذلك الشيء قبل القبض،
كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بجميع
الثمن، وإن شاء ترك.
وكل شيء إذا بعته وحده جاز بيعه، فإِذا بعته
مع غيره فاستحق، كان له حصة من الثمن.
:
والحاصل أن ما يدخل في البيع تبعا إذا
استحق بعد القبض كان له حصة من الثمن،
فيرجع على البائع بحصته، وإن استحق قبل
القبض، فإن كان لا يجوز بيعه وحده كالشرب،
فلا حصة له من الثمن، فلا يرجع بشيء، بل
يخير بين الأخذ بكل الثمن أو الترك، وإن جاز
بیعه وحده کالشجر کان له حصة من الثمن،
فيرجع بها على البائع .
= دار المعرفة، والعدوي على الرسالة ٣٢١/١ -٣٢٥ ط
دار المعرفة .
ثم إن محل دخول التابع في البيع مالم يذكر،
فإن ذكر كان مبيعا قصدا، حتى لوفات قبل
القبض بآفة سماوية تسقط حصته من الثمن. (١)
وللتفصیل ینظر مصطلح (بيع).
ط ـ التابع مضمون بالاعتداء:
١٣ - من فروع هذه القاعدة أن من جنى على
امرأة حامل فأسقطت ففيه الغرة. (٢)
ومن ذلك منافع المغصوب وغلته، فإِنها
مضمونة على الغاصب تبعا للمغصوب عند
المالكية والشافعية والحنابلة خلافا للحنفية. (٣)
(١) شرح مجلة الأحكام العدلية للأتاسي ٢/ ١٥١ - ١٥٣
(٢) ابن عابدين ٥/ ٣٧٧ ط المصرية.
(٣) ابن عابدين ٥/ ١٢٠ ط. المصرية، وجواهر الإكليل
٢/ ١٥٠ - ١٥١ ط دار المعرفة، وروضة الطالبين ١٣/٥ -
١٥ ط. المكتب الإسلامي. وكشاف القناع ١١١/٤ ط
النصر .
- ١٠٠ -