Indexed OCR Text
Pages 141-160
بيع الملامسة ٢ - ٤ ٢ - وفسرت الملامسة مع ذلك في الفقه بصور: أ - أن يلمس ثوبا مطويا، أو في ظلمة، ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه، اكتفاء بلمسه عن رؤيته. أویلمس کل منهما ثوب صاحبه بغير تأمل - كما يعبر الحنفية - وذلك على سبيل المشاركة من الجانبين خلافا لما أشار إليه الشيخ الدردير، وخالفه فيه الشيخ عليش وهو مأخوذ من التفسير المأثور. (١) ب - أويكون الثوب مطويا، فيقول البائع للمشتري : إذا لمسته فقد بعتكه، اكتفاء بلمسه عن الصيغة . (٢) قال في المغرب: بيع الملامسة واللماس، أن يقول لصاحبه: إذا لمست ثوبك أولمست ثوبي ، فقد وجب البيع. (٣) ج- أویبیعه شیئا على أنه متی لمسه لزم البيع، وانقطع خیار المجلس وغيره، (٤) وهو مروي عن أبي حنيفة، أو يقول المشتري كذلك. ٣ - وهذا البيع بصوره المذكورة كلها، فاسد عند عامة الفقهاء، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا، (٥) وذلك لعدم الرؤية في الصورة (١) رد المحتار ١٠٩/٤، والشرح الكبير للدردير ٥٦/٣، وشرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٦، وهو أيضا الظاهر من الشرح الكبير في ذیل المغني ٤/ ٢٩ (٢) رد المحتار ١٠٩/٤، وشرح المحلي على المنهاج ١٧٦/٢ (٣) تبيين الحقائق ٤٨/٤ (٤) المرجع السابق وشرح المحلي على المنهاج ٢/ ٧٦! (٥) المغني ٤/ ٢٧٥، والشرح الكبير في ذيله ٤/ ٢٩ الأولى، مع لزوم البيع، اكتفاء باللمس عن الرؤية. (١) ولعدم الصيغة في الصورة الثانية. كما قال الشافعية. (٢) ولتعليق التمليك على أنه متى لمسه وجب البيع، وسقط خيار المجلس في الثالثة، في تعبير الحنفية، والتملكيات لا تحتمله لأدائه إلى معنى القمار . (٣) وعلل الحنابلة الفساد بعلتين : الأولى : الجهالة . والأخرى : كونه معلقا على شرط، وهو لمس الثوب . (٤) ولعل هذا هو الغرر المقصود في تعبير ابن قدامة . وأجمل الشوكاني التعليل، بالغرر والجهالة وإبطال خيار المجلس. (٥) ٤ - هذا، ونص المالكية في فروعهم التفصيلية هنا، على أن الاكتفاء في لزوم البيع، وتحققه باللمس، من غير أن ینشر الثوب ویعلم مافیه، هو المفسد: قالوا: فلوباعه قبل التأمل فيه، على شرط أن ينظر فيه بعد ذلك، فإن أعجبه أمسكه وإلا رده، کان جائزا . (٦) (١) شرح المحلي على المنهاج ١٧٦/٢. وانظر الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٥٦ (٢) شرح المحلي على المنهاج ١٧٦/٢ (٣) شرح العناية على الهداية ٦/ ٥٥ (٤) الشرح الكبير في ذيل المغني ٤/ ٢٩ (٥) نيل الأوطار ١٥١/٥ (٦) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ٥٦ - ١٤١ - بيع المنابذة ١ - ٢ بيع المنابذة ١ - بيع المنابذة أيضا من بيوع الجاهلية. وثبت النهي عنها في صحاح الأحاديث، كما ثبت عن الملامسة، (١) وفُسِّرت في بعضها. وصورها الفقهاء فيمايأتي : أ - أن ينبذ كل واحد من المتبايعين ثوبه إلى الآخر، ولا ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه - أو ينبذه إليه بلا تأمل كما عبر المالكية -(٢) على جعل النبذ بيعا. (٣) وهذا التفسير المأثور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في رواية مسلم: ((فیکون ذلك بيعهما، من غير نظر ولا تراض)) (٤) وهو المنقول عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى. (٥) ب - أن يجعلا النبذ بيعا، اكتفاء به عن (١) راجع نصوص الأحاديث التي تقدمت في النهي عنها في بيع (الملامسة ف١) (٢) الشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٣/ ٥٦ (٣) رد المحتار ١٠٩/٤، وانظر فتح القدير ٦/ ٥٥، والشرح الکبیر للمقدسي في ذيل المغني ٤/ ٢٩ (٤) راجع نصه فيما تقدم (ف١) بيع الملامسة . (٥) تبيين الحقائق ٤٨/٤ نقلا عن المنتقى. الصيغة، فيقول أحدهما: أنبذ إليك ثوبا بعشرة، فيأخذه الآخر(١) (والصورة الأولى فيها مشاركة بخلاف هذه). جـ - أن يقول : بعتك هذا بكذا، على أني إذا نبذته إليك، لزم البيع وانقطع الخيار. (٢) د - أن يقول: أي ثوب نبذتَه إلي فقد اشتريته بكذا، وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله تعالی . (٣) هذا ولا بد أن يسبق تراوضهما على الثمن مع ذلك، وإلا كان المنع لعدم ذكر الثمن. وقد سبق عن الحنفية، أن السكوت عن الثمن مفسد للبيع، ونفیه عنه مبطل له . ٢ - وكل هذه الصور فاسدة، بلا خلاف بين أهل العلم، صرح بذلك ابن قدامة وغيره، معللین الفساد : - بالنهي في الحديث الصحيح المتقدم . - والجهالةِ، وعلل بها الحنفية والحنابلة . (٤) - وتعليقِ التمليك بالخطر، لأنه - في الصورة الأولى التي ذكرها الحنفية - في معنى: إذا نبذت (١) شرح المحلي ٢/ ١٧٦، وانظر تحفة المحتاج ٢٩٣/٤ (٢) شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٦ (٣) المغني ٢٧٥/٤، والشرح الكبير في ذيله ٢٩/٤، وانظر كشاف القناع ١٦٦/٣ (٤) رد المحتار ١٠٩/٤، وفتح القدير ٥٥/٦، والمغني ٤/ ٢٧٥ - ١٤٢ - بیع المنابذة، بيع منهي عنه ١ - ٢ إليك الثوب فقد اشتريته، والتمليكات لا تحتمله، لأدائه إلى معنى القمار.(١) - ولعدم الرؤية، أو عدم الصيغة، أو للشرط الفاسد، كما علل الشافعية. (٢) بيع منهي عنه ce (١) رد المحتار ١٠٩/٤، والعناية شرح الهداية ٦/ ٥٥، وقارن أيضا بفتح القدير في الموطن نفسه، والمغني ٤/ ٢٧٥ (٢) شرح المحلي ١٧٦/٢، وتحفة المحتاج ٢٩٣/٤، ٢٩٤ التعريف : ١ - البيع في اللغة والاصطلاح، سبق الكلام عنه في مصطلح ((بیع)). أما ((المنهي عنه)) فهو صيغة مفعول من النهي . والنهي لغة: الزجر عن الشيء، وهو: ضد الأمر. واصطلاحا: طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء. الأصل في البيع الحِل إلا لطارىء: ٢ - إن الاصل في البيع هو الإِباحة والصحة، حتى يقوم الدليل على الحظر أو الفساد. والدليل على ذلك هو قول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وأحل اللَّهُ البيعَ﴾(١) فإنه عام في إباحة جميع البيوع. ودليل العموم هو: أن لفظ البيع مفرد محلى بالألف واللام، والمفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم عند أهل (١) سورة البقرة/ ٢٧٥ - ١٤٣ - بيع منهي عنه ٣ الأصول، إذا لم يكن هناك عهد مطلقا، ولا قصد إلى إرادة الحقيقة والماهية . (١) فصار حاصل معنى الآية: أن كل بيع حلال، أخذا بعموم اللفظ. غير أن أهل العلم لم يختلفوا في أن هذه الآية، وإن كان مخرجها مخرج العموم، فقد لحقها التخصيص، لأنهم - كما يقول الرازي الجصاص، وكما سيأتي - متفقون على حظر كثير من البياعات، نحو بيع ما لم يقبض، وبيع ما ليس عند الإِنسان، وبيع الغرر، والمجاهيل، وعقد البيع على المحرمات من الأشياء. وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البیاعات، وإنما خصت منها بدلائل، إلا أن تخصيصها غير مانع من اعتبار عموم لفظ الآية، فيما لم تقم الدلالة على تخصيصه. (٢) موجب النهي : ٣ - موجب النهي عند الجمهور التحريم إلا بقرينة تصرفه عن التحريم إلى غيره، كالكراهة (١) انظر التوضيح لصدر الشريعة، بهامش شرح التلويح عليه ٥٤/١، ط محمد علي صبيح القاهرة ١٣٧٧ هـ. ١٩٥٧م (٢) أحكام القرآن لأبي بكر الرازي الجصاص ١/ ٤٦٩ ط الآستانة، سنة ١٣٣٥ هـ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٣٥٦/٣ ط دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة ١٣٨٧، ١٩٦٧م أو الإِرشاد أو الدعاء أو نحوها. (١) وهناك خلاف وتفصيل ينظر في الملحق الأصولي. وفي مصطلح: (نهي). فإذا وجدت قرينة أو دليل يصرف النهي عن التحريم، كان المراد بالنهي الكراهة. وهي لغة: ضد المحبة. واصطلاحا: تشمل : أ - المكروه تحريما، وهو ماكان إلى الحرمة أقرب، بمعنى أن يتعلق به محذور دون استحقاق العقوبة بالنار كحرمان الشفاعة، وهو المحمل عند إطلاق الكراهة ۔ عند الحنفية - لكنه عند الإمام محمد حرام ثبتت حرمته بدليل ظني. ب - كما تشمل المكروه تنزيها، وهو ماكان إلى الحل أقرب، بمعنى أنه لا یعاقب فاعله أصلا، لکن یثاب تارکە أدنی ثواب، (٢) فیکون تركه أولى من فعله. ويرادف المكروه تنزيها (خلاف الأولى) وكثيرا ما يطلقونه أيضا. فإذا ذكروا مكروها: فلابد من النظر في دلیله : (١) مسلم الثبوت في ذيل المستصفى ٣٩٦/١ ط بولاق سنة ١٣٢٢ هـ، وشرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب ٩٥/٢ ط بولاق ١٣١٦ - ١٣١٩ هـ، والإِحكام في أصول الأحكام للآمدي ٢١٥/٢، ٢٧٥، ط دار الكتب العلمية بيروت (٢) التنقيح والتوضيح مع شرح التلويح للتفتازاني ١٢٦/٢ هن - ١٤٤ - بيع منهي عنه ٤ - ٥ أ ۔ فإن كان نهيا ظنيا، يحكم بكراهة التحریم، إلا لصارف للنهي عن التحريم إلى الندب. ب - وإن لم يكن الدليل نهيا، بل كان مفيدا للترك غير الجازم، فهي تنزيهية . وبين المكروهين: تحريما وتنزيها (الإِساءة) وهي دون المكروه تحريما، وفوق المكروه تنزيها . وتتمثل بترك السنة عامدا غير مستخف، فإن السنة يندب إلى تحصيلها، ويلام على تركها، مع لحوق إثم يسير. (١) وإذا كان الحنفية قد صرحوا بأن لفظ المكروه إذا أطلق في كلامهم فالمراد منه التحريم، ما لم ينص على كراهة التنزيه. (٢) فإن المالكية نصوا على العكس، فإن الكراهة متى أطلقت لا تنصرف إلا للتنزيه. (٣) وأما الشافعية والحنابلة فإنهم يطلقون (الكراهة) على مايراد بالكراهة التنزيهية عند غيرهم. أسباب النهي عن البيع ٤ - أسباب النهي عقدية أو غير عقدية. والأسباب العقدية منها ما يتعلق بمحل العقد، ومنها ما يتعلق بلازم العقد : (١) الدر المختار ورد المحتار عليه ٨٩/١، ٣١٨، ٣١٩ ط بولاق سنة ١٢٧٢ هـ (٢) رد المحتار ١/ ١٥٠ (٣) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب ١٤٨/١، ١٤٩ ط مطبعة عيسى البابي الحلبي. القاهرة. الأسباب التي تتعلق بمحل العقد : محل العقد : هو المعقود عليه . ويشترط فيه الفقهاء جملة من الشروط : الشرط الأول مايتعلق بالمعقود عليه : ٥ - أن يكون المعقود عليه موجودا حين العقد (أي غير معدوم) فلا يقع عندهم بيع المعدوم، ويعتبر باطلا . ويتمثل هذا في البيوع الآتية: بيع المضامين، والملاقيح، وحَبَل الحبلة، وبيع الجنين في بطن أمه . والمضامين: جمع مضمون، كمجنون. وهي : ما في أصلاب الفحول، عند الجمهور وبعض المالکیة کابن جزي . (١) أما الملاقيح: فهي جمع ملقوحة وملقوح، وهي : ما في أرحام الأنعام والخيل من الأجنة. (٢) وفسر الإِمام مالك المضامين بأنها: بيع ما في بطون إناث الإِبل، وأن الملاقيح بيع مافي ظهور الفخول . (٣) (١) الدر المختار ١٠٢/٤، وفتح القدير ٦/ ٥٠، والقوانين الفقهية ص ٦٩ ١ط بيروت سنة ١٩٧٧، وشرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٦ ط الثالثة، مطبعة مصطفى البابي الحلبي. القاهرة سنة ١٣٧٥هـ ١٩٥٦م، والمغني ٤ / ٢٧٦ ، والشرح الكبير في ذيله ٢٧/٤ ط بيروت سنة ١٣٩٢هـ (٢) الدر المختار ١٠٢/٤، وفتح القدير ٦/ ٥٠، وشرح المحلي على المنهاج ٢ /١٧٦ (٣) الشرح الكبير للإِمام الدردير بحاشية الدسوقي ٣/ ٥٧ = - ١٤٥ - بيع منهي عنه ٥ - ٦ وأما بيع حبل الحبلة فهو بیع نتاج النتاج، بأن يبيع ولد ماتلده هذه الناقة أو الدابة، فولد ولدها هو نتاج النتاج. (١) ولا يختلف الفقهاء في بطلان بيع هذه الجملة من البيوع . قال ابن المنذر: وقد أجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز، (٢) وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي وخ ((نهى عن بيع المضامين والملاقيح وحبَلَ الحبلة))(٣) ولقول سعيد بن المسيب: لا ربا في الحيوان، وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة (٤) ولأن في هذا البيع غررا، فعسى أن لا تلد = ط عيسى البابي الحلبي، والمغني ٢٧٦/٤، والشرح الكبير في ذيله ٢٧/٤، وفتح القدير ٦/ ٥٠، ونصب الراية ١١،١٠/٤ (١) بدائع الصنائع ١٣٨/٥، وشرح المحلي وحاشية عميرة عليه ١٧٥/٢، ١٧٦، والمغني ٢٧٦/٤، والشرح الكبير في ذيله ٢٧/٤، والدر المختار بهامش رد المحتار عليه ١٠٢/٤ (٢) المغني ٤/ ٢٧٦ ، والشرح الكبير في ذيله ٢٧/٤ (٣) حديث ابن عباس ((نهى عن بيع المضامين والملاقيح. أخرجه الطبراني، وقال الهيثمي: فيه إسماعيل بن أبي حبيبة وثقه أحمد، وضعفه جمهور الأئمة، (مجمع الزوائد ٤/ ١٠٤ ط القدسي) (٤) فتح القدير مع شرحى العناية والكفاية ٦/ ٥٠ ط بيروت. الناقة، أو تموت قبل ذلك، فهوبيع معدوم وماله خطر المعدوم . (١). وعلله الشافعية بأنه : بيع ماليس بمملوك، ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه. (٢) وعلله الحنابلة : بالجهالة، فإنه لا تعلم صفته ولا حياته، وبأنه غير مقدور التسليم، وإذا لم يجز بيع الحمل، فأولى أن لا يجوز بيع حمله. (٣) ٦ - ومن قبيل بيع المعدوم أيضا: بيع عسبب الفحل . وقد روي في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى النبي ◌ّ ((عن ثمن عسب الفحل)) (٤) ويروي: ((عن عسب الفحل)). فقال الكاساني فيها: ولا يمكن حمل النهي على نفس العسب، وهو الضراب، لأن ذلك جائز بالإِعارة، فيحمل على البيع والإِجارة، إلا أنه حذف ذلك، وأضمره فيه، (٥) كما في قوله تعالى: ﴿واسْأل القرية﴾(٦) (١) بدائع الصنائع ٢٣٨/٥، وفتح القدير ٦/ ٥٠ (٢) شرح المنهج بحاشية الجمل ٣/ ٧٠، وانظر شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٥ (٣) المغني ٢٧٦/٤، والشرح الكبير ٢٧/٤، وكشاف القناع ١٦٦/٣ (٤) حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((نهى النبي بحث عن عسب الفحل)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٦١ ط السلفية). (٥) بدائع الصنائع ١٣٩/٥ (٦) سورة يوسف / ٨٢ - ١٤٦ - بيع منهي عنه ٧ وذكر الشافعية نحو هذا في تأويل الحديث، وطرقوا له ثلاثة أوجه من الاحتمالات، ونصوا - كغيرهم - على بطلان بيعه، وقالوا: يحرم ثمن مائه، ويبطل بيعه، لأنه غير معلوم ولا متقوم، ولا مقدور على تسليمه. (١) الشرط الثاني ما يتعلق بمحل العقد : ٧ - أن يكون المعقود عليه مالا ، بمعناه الفقهي الاصطلاحي، وهو: ما يميل إليه الطبع، ويجري فيه البذل والمنع. (٢) (ر: مصطلح : مال) فلا ينعقد بيع ماليس بمال. وذلك مثل بيع المسلم الميتةَ فإنه باطل، سواء أماتت حتف أنفها، أم ماتت بخنق ونحوه من غير تذكية، وهذا لقوله تعالى: ﴿حُرِمّتْ عليكم الميتة والدم﴾(٣) ولا يستثنى من ذلك إلا السمك والجراد، لحديث: ((أُحلّت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال)). (٤) (١) تحفة المحتاج بشرح المنهاج لابن حجر الهيثمي، بحاشيتي الشرواني والعبادي ٢٩٢/٤، وكشاف القناع ١٦٦/٣، والمغني ٤/ ٢٧٧ (٢) الدر المختار نقلا عن درر الحكام ٣/ ١٠٠ (٣) سورة المائدة/ ٣ (٤) حديث ((أحلت لنا ميتتان ودمان ... )) أخرجه ابن ماجة ١٠٧٣/٢ ط عيسى الحلبي من حديث ابن عمر مرفوعا، وصوب الدارقطني وقفه على ابن عمر، نقله ابن حجر ثم عقب عليه بقوله: الرواية الموقوفة التي صحهها أبو حاتم وغيره، هي في حكم المرفوع. (التلخيص الحبير ١/ ٢٦ ط شركة الطباعة الفنية) . أما بيع الذمي للميتة، فإن كان موتها حتف أنفها أي بغير ضرب ولا قتل - وهي : ما تنفست حتى انقضى رمقها - فهي ليست مالا بالاتفاق . وأما ما لم يمت حتف أنفه، بل مات خنقا، أو بما یدین به الذمي، وليس تذكية في شرعنا فالروايات مختلفة عند الحنفية في جواز بيعه وفي فساده: فالرواية عن أبي يوسف الجواز، والرواية عن محمد الفساد، ولا رواية في البطلان (١) وأما غير الحنفية، فلا يفرقون بین مات حتف أنفه وما ليس كذلك في بطلان البيع . قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على عدم جواز بيع الميتة أو شيء منها. (٢) ودليل التحريم حديث: ((إن الله ورسولَه حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام))(٣) ويحرم ولا ينعقد بيع الدم المسفوح، لقوله تعالى: ﴿أو دما مَسْفوحا﴾(٤) والتقييد بالمسفوحية مخرج ماسواه، فإنه يجوز بيعه، (١) الدر المختار ورد المحتار ١٠١/٤ (٢) الشرح الكبير في ذيل المغني ١٣/٤، وانظر أيضا الشرح الكبير للدردير ١٠/٣، وشرح المحلي على المنهاج ٥٧٠/٢ (٣) حديث ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة ... )) . أخرجه البخاري من حديث جابر بن عبدالله (فتح الباري ٤ / ٤٢٤ ط السلفية). (٤) سورة الأنعام / ١٤٥ - ١٤٧ - بيع منهي عنه ٧ - ٨ کالكبد والطحال، (١) وقد استثنيا من تحریم الدم، بحديث ((أحلت لنا ميتتان ودمان ... )) · الآنف الذكر، ولا خلاف في ذلك، وصرح ابن المنذر والشوكاني بإجماع أهل العلم على تحريم بيعه. (٢) وعلة تحريم بيع الميتة والدم ونحوهما عند الحنفية انتفاء المالية، وعند الآخرين نجاسة العين. (٣) ومن صور انتفاء المالية في محل العقد : بيع الحر. وکذلك البيع به، بجعله ثمنا، بإدخال الباء عليه (كأن يقول: بعتك هذا البيت بهذا الغلام، وهو حر) لأن حقيقة البيع : مبادلة مال بمال. ولم يوجد هنا، لأنه ليس بمال. (٤) وفي الوعيد الشديد على تحريم هذا البيع، ورد حديث: ((ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خَصْمُهُ خَصَمْتُه. رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا، فاستوفى منه ولم يعطه أجره)). (٥) (١) الدر المختار ١٠١/٤ (٢) الشرح الكبير في ذيل المغني ١٣/٤، ونيل الأوطار ١٤٤/٥ (٣) انظر القوانين الفقهية (١٦٣) والشرح الكبير للدردير ١٠/٣، وشرح المحلي على المنهاج ٣/ ١٥٧ (٤) الدر المختار ٤/ ١٠١، وبدائع الصنائع ١٤٠/٥ (٥) حديث ((ثلاثة أنا خصمهم ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٤٧ ط السلفية). الشرط الثالث : التقوم : ٨ - ومما يتعلق بمحل العقد - بعد كونه مالا ــ أن یکون متقوما . والتقوم عند الحنفية ضربان : عرفي: ويكون بالإِحراز، فغير المحرز، كالصيد والحشيش، ليس بمتقوم . وشرعي : ويكون بإباحة الانتفاع به، وهو المراد هنا . فما ليس بمتقوم من المال بهذا المعنى، وهو غير ماكان الانتفاع به غير مباح، يبطل بيعه. (١) ومن الفقهاء من استغنى عن المالية والتقوم، بشرطي الطهارة والنفع، كما فعل المالكية والشافعية . (٢) ومنهم من استغنى عن شرط التقوم هذا بشرط المالية، بتعريف المال عنده بأنه: مافيه منفعة غير محرمة، ويباح لغير حاجة أو ضرورة. وهؤلاء هم الحنابلة . فخرج بقيد المنفعة، ما لا منفعة فيه أصلا : كالحشرات، ومافيه منفعة محرمة كالخمر. وما مافيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب. ومافيه منفعة مباحة للضرورة، كالميتة في حال المخمصة . (٣) (١) الدر المختار ورد المحتار ١٠٣/٤ (٢) انظر القوانين الفقهية ص ١٦٣، والشرح الكبير للدردير ١٠/٣، وشرح المحلي على المنهاج ١٥٧/٢ (٣) كشاف القناع ١٥٢/٣ - ١٤٨ - : بيع منهي عنه ٩ - ١٠ ٩ - فمن أمثلة غير المتقوم: بيع الخمر والخنزير، فإنه فاسد عند جمهور الفقهاء. والمعنى فيه هو نجاسة عينه، ويلحق بهما باقي نجس العين(١)، وكذا كل مانجاسته أصلية أو ذاتية ولا يمكن تطهيره. (٢) ونقل ابن قدامة عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على القول به(٣) ودليله حديث جابر المتقدم: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)). والحنفية فرقوا بين بيع المذكورات بثمن أو بدين ثابت في الذمة، فهو باطل. وبين بيعها بأعيان أو عروض، فإن البيع يبطل في الخمر، ويفسد فيما يقابلها من العروض والأعيان. ووجه الفرق: أن المبيع هو الأصل في البيع، وليست الخمر ونحوها محلا للتمليك، فبطل البيع فيها، فكذا يبطل في ثمنها . أما إذا كان الثمن عینا، فإنه حينئذ مبيع من وجه، مقصود بالتملك، ولكن فسدت التسمية، فوجبت قيمته دون الخمر المسمى . (٥) (١) شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٧٥ (٢) الشرح الكبير للدردير ١٠/٣، وشرح الخرشي على مختصر خليل بحاشية العدوي عليه ٥/ ١٥ ط بيروت. (٣) كشاف القناع ١٥٢/٣، والشرح الكبير بذيل المغني ١٣/٤ (٤) حديث ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة ... )) سبق تخريجه (ف٧) (٥) الدر المختار ورد المحتار ١٠٣/٤، ١٠٤، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ٤٤/٤، ٤٥ ط دار المعرفة. بيروت وكذلك فرق الحنفية في بيع المذكورات بين المسلم وبين الذمي. وفي هذا يقول الكاساني: ولا ينعقد بيع الخنزير من المسلم، لأنه ليس بمال في حق المسلمين. فأما أهل الذمة، فلا يمنعون من تبايع الخمر والخنزير فيما بينهم لما يلي: أ - أما على قول بعض مشايخنا، فلأنه مباح الانتفاع به شرعا لهم، كالخل وكالشاة لنا، فکان مالا في حقهم، فيجوز بيعه. وروي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كتب إلى عشاره بالشام: أن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها. ولو لم يجز بيع الخمر منهم لما أمرهم بتوليتهم البيع . ب - وعن بعض مشايخنا: حرمة الخمر والخنزير ثابتة على العموم في حق المسلم والكافر، لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات، وهو الصحيح من مذهب أصحابنا، فكانت الحرمة ثابتة في حق المسلم والكافر، لكنهم لا يمنعون من بيعها، لأنهم لا يعتقدون حرمتها، ويتمولونها، ونحن أمرنا بتركهم ومايدينون(١) فيقول ابن عابدين - رحمه الله - معلقا على عبارة الكاساني: وظاهره الحكم بصحتها فيما بینهم، ولو بیعت بالثمن. (٢) ١٠ - ومن أمثلة غير المتقوم أيضا عند الحنفية، (١) بدائع الصنائع ١٤٣/٥ (٢) رد المحتار ٤/ ١٠٤ - ١٤٩ - بيع منهي عنه ١١ الميتة التي لم تمت حتف أنفها، بل ماتت بالخنق ونحوه، فإنها مال عند الذمي كالخمر. (١) وسبق الكلام عنها في شرط المالية : ١١ - ويتصل بغير المتقوم: المتنجس الذي لا يقبل التطهير، كالسمن والزيت والعسل واللبن والخل. والمشهور والأصح من مذهب الأكثرين من المالكية والشافعية والحنابلة: عدم جواز بيعها، لأن أكلها حرام، لأن النبي وَّ سئل عن الفأرة تموت في السمن، فقال: (( . . . وإن کان مائعا فلا تقربوه))(٢) وإذا كان حراما لم يجزبيعه لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله وَال قال: ((لعن الله اليهود، حرمت عليهم أذابوها) الشحوم، فجملوها (أي فباعوها . .. )) ولأنها نجسة، فلا يجوز بيعها، قياسا على شحم الميتة، فهي في معنى نجس العين. (٤) (١) الدر المختار ورد المحتار ١٠٣/٤. وراجع فيما تقدم (ف٧) (٢) حديث: ( وإن كان مائعا فلا تقربوه .. .)) أخرجه أبوداود : ٤/ ١٨١ تحقيق عزت عبيد دعاس من حديث أبي هريرة وإسناده صحيح كما ذكر ابن حجر (فتح الباري ١/ ٣٤٤ ط السلفية). (٣) حديث: ((لعن الله اليهود ... )) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٠٧ ط عيسى الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه . (٤) القوانين الفقهية ص ١٦٣، وشرح المحلي على المنهاج ١٥٧/٢، وكشاف القناع ١٦٥/٣، والشرح الكبير في ذیل المغني ٤/ ١٥ وقد قرر المالكية أن مشهور مذهبهم هو عدم جواز بيعها اختيارا، أما اضطرارا فيصح. (١) ومقابل المشهور رواية وقعت لمالك، هي جواز بيعه، وكان يفتي بها ابن اللباد. قال ابن رشد: والمشهور عن مالك، المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها، أن بيعه لا يجوز، والأظهر أن بيعه جائز ممن لا يغش به إذا بيّنّ، لأن تنجيسه بسقوط النجاسة فيه لا يسقط ملك ربه عنه، ولا يذهب جملة المنافع منه، ولا يجوز أن یتلف علیه، فجاز له أن یبیعه ممن یصرفه فيما کان له هو أن يصرفه فيه، وهذا في الزيت على مذهب من لا يجيز غسله. وأما على مذهب من یجیز غسله - وروي ذلك عن مالك - فسبيله في البيع سبيل الثوب المتنجس . (٢) وجعل ابن جزي قياس ابن رشد مما أجازه ابن وهب إذا بين. وأشار إلى الاختلاف في الاستصباح به في غير المساجد. (٣) وفي قول للشافعية، هو مقابل الأصح عندهم: أنه إذا أمكن تطهيره، بأن يصب عليه في إناء ماء يغلبه، ويحرك بخشبة حتى يصل إلى جميع أجزائه، جاز بيعه قياسا على الثوب (١) الشرح الكبير للدردير ١٠/٣ (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير في الموضع نفسه. (٣) القوانين الفقهية ص ١٦٣. - ١٥٠ - بيع منهي عنه ١١ المتنجس. والأصح عندهم المنع من البيع، لتعذر التطهير، لحديث الفأرة المتقدم، فإنه لو أمكن تطهيره لم يقل في الحديث: ((ألقوها وماحولها)» وفي رواية: ((فأريقوه))(١) وكذلك الخلاف عندهم في بيع الماء النجس. فيجوز عند بعضهم، الإِمكان تطهيره بالمكاثرة . وجزم بعضهم بمنع الجواز، وهو المعتمد۔کما یقول القلیوبي نقلا عن شیخه ۔ إن کان دون القلتين، وذلك نظرا إلى النجاسة الآن، فإن كان أكثر من قلتين صح عندهم. (٢) وكذلك الحنابلة الذين لم يستجيزوا بيع الدهن النجس، رووا عن الإِمام أحمد أنه يجوز بیعه لکافر یعلم نجاسته، وذلك لأنه يعتقد حله، ويستبيح أكله، ولأنه روي عن أبي موسى : لتّوا به السويق وبيعوه، ولا تبيعوه من مسلم، وبينوه. لكن الصحيح عند الحنابلة عدم الجواز لحديث ابن عباس المتقدم: ((لعن الله اليهود، حُرِّمتْ عليهم الشحوم فجملوها)»(٣) (١) شرح المحلي على المنهاج ٢/ ١٥٧، وتحفة المحتاج ٢٣٥/٤، ٢٣٦، وحاشية الشرواني عليها. وحديث ((ألقوها وما حولها ... )) وفي رواية: ((فأريقوه)». أخرجه البخاري. (فتح الباري ٦٦٨/٩ ط السلفية) من حديث عبدالله بن عباس. (٢) شرح المحلي على المنهاج وحاشية القليوبي عليه ٢/ ١٥٧ (٣) حديث (( لعن الله اليهود)) سبق تخريجه. ف/ ١٠ ولأنه لا يجوز بيعها من مسلم، فلا يجوز بيعها من كافر، كالخمر والخنزير، فإنهم يعتقدون حله، ولا يجوز بيعه لهم. ولأنه دهن نجس، فلم يجز بيعه لكافر، كشحوم الميتة .(١) ٠ هذا، وأما الثوب المتنجس أو الإِناء المتنجس ونحوهما من كل مايطهر بالغسل من المتنجسات فقد نصوا على صحة بيعه، لما أنه ينتفع به بعد التطهير، وطهارته أصلية، وإنما عرض لها نجاسة يمكن إزالتها . وقد أوجب المالكية تبيين النجاسة مطلقا، سواء أكان الثوب - مثلا - جديدا أم قديما، وسواء أكان مما يفسده الغسل أم لا، وسواء أكان المشتري يصلي أم لا، قالوا: لأن النفوس تكرهه، فإن لم یبین وجب للمشتري الخيار. (٢) أما الحنفية فقد نصوا - خلافا للأصح المشهور عند الجمهور- على جواز بيع الدهن المتنجس، وهو الذي عرضت له النجاسة، وأجازوا الانتفاع به في غير الأكل، كالاستصباح به في غير المساجد والدباغة وغيرهما. (٣) وفرقوا بين الدهن المتنجس وبين دهن الميتة، (١) الشرح الكبير في ذيل المغني ١٥/٤، وكشاف القناع ١٥٦/٣ (٢) الشرح الكبير للدردير ٣/ ١٠، وانظر شرح المحلي على المنهاج ١٥٧/٢، وكشاف القناع ٦/٣ (٣) الدر المختار ١١٤/٤ - ١٥١ - بيع منهي عنه ١٢ فإن هذا نجس، لأنه جزؤ ها، فلا یکون مالا ، فلا يجوز بيعه اتفاقا، كما لا يجوز الانتفاع به(١) واستدل له ابن عابدين - رحمه الله - بحديث: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام .. فقيل يارسول الله! أرأيت شحوم الميتة، فإنها یطلی بها السفن، ویدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام)). (٢) ١٢ - ويتصل بغير المتقوم والنجاسات والمتنجسات، بيع عظم الميتة وجلدها وصوفها وحافرها وريشها ونحوها. ومذهب الجمهور: أنه لا يجوز بيعها لنجاستها، لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾(٣) وهذه أجزاء الميتة، فتكون حراما، فلا يجوز بيعها. وقد جاء في الحديث: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» . (٤) بل نص الحنابلة على عدم جواز بيع شيء من الميتة، ولو كان ذلك لمضطر، إلا السمك والجراد والجندب، لحل أكلها . (٥) (١) رد المحتار ١١٤/٤، وانظر تبيين الحقائق ٤/ ٥١ (٢) حديث ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة ... )) سبق تخريجه (ف٧) (٣) سورة المائدة/ ٣ (٤) حديث ((لا تنتفعوا من الميتة ... )) أخرجه الترمذي (٢٢٢/٤ ط عيسى الحلبي) من حديث عبدالله بن عكيم وحسنه . (٥) انظر الشرح الكبير للدردير ٣/ ١٠ وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢٢/٣، وكشاف القناع ٣/ ١٥٥، ١٥٦ أما الحنفية ففصلوا في هذه المسألة بين غير الآدمي وبين الآدمي، وبين جلد الميتة قبل الدبغ وبين جلدها بعد الدبغ. قالوا: أ - إن جلد الميتة قبل الدبغ لا يجوز بيعه، لما روي في الحديث المتقدم آنفا: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) ولأن نجاسته من الرطوبات المتصلة به بأصل الخلقة، فصار کلحم الميتة. بخلاف الثوب النجس حیث يجوز بيعه، لأن نجاسته ليست بأصل الخلقة، فلا يمنع من جواز البيع. ب - أما بعد الدبغ فإنه يجوز بيعه والانتفاع به، لأنه طھر بالدباغ . جـ - أما العظم ونحوه، فإنه طاهر بأصل الخلقة، والقاعدة عندهم: أن كل شيء لا يسري فیه الدم لا ينجس بالموت، كالشعر والريش والوبر والقرن والحافر والعظم - كما نصوا عليه في الطهارات -(١) فيجوز بيعه والانتفاع به، ودلیلهم علی ذلك، کما ذكره الكاساني : أن الله تعالى جعل لنا هذه الأشياء، وامتنّ علينا بها من غير فصل بين الذكية والميتة، فيدل على تأكد الإِباحة، قال تعالى : ((والله جعلَ لكم من بيوتكم سَكَنا، وجَعَل لكم (١) انظر في طهارة هذه المذكورات - على سبيل المثال - مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي عليه ص٩١ ط الثالثة، بولاق سنة ١٣١٨ هـ - ١٥٢ - بيع منهي عنه ١٢ - ١٣ من جلود الأنعامِ بيوتا تَسْتَخِفّونها يومَ ظَعْنِكم ويومَ إِقامَتِكم، ومن أصوافِها وأوبارِها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾(١) ولأن حرمة الميتة ليست لموتها، فإن الموت موجود في السمك والجراد، وهما حلالان بالنص، بل لما فيها من الرطوبات السيالة والدماء النجسة، لانجمادها بالموت. ولهذا يطهر جلد الميتة بالدباغ، حتى يجوز بيعه، لزوال الرطوبة عنه، ولا رطوبة في هذه الأشياء، فلا تكون حراما. (٢) بل نص الحنفية، ومنهم الزيلعي، على أن لحوم السباع وشحومها وجلودها بعد الذكاة الشرعية هي كجلود الميتة بعد الدباغ، حتى يجوز بيعها والانتفاع بها في غير الأكل، وذلك لطهارتها بالذكاة. يستثنى من ذلك جلد الخنزير، فإنه نجس العين (وكذا لحمه وعظمه وشعره) فلا يطهر بالتذكية ولا بالدباغ. وإن خالف في ذلك - فیما سوی الخنزير - بعض الحنفية، فقرر الشرنبلالي أنه تطهّر الذكاة الشرعية جلد غير المأکول، دون لحمه، على أصح مايفتى به، ويجوز عند . أبي حنيفة وأبي يوسف بيع عظم الفيل والانتفاع به كسائر السباع. (١) سورة النحل/ ٨٠ (٢) بدائع الصنائع ١٤٢/٥، وانظر الدر المختار ورد المحتار ١١٤/٤ وعند محمد لا يجوز، وهو عنده كالخنزير. (١) أما عظم الآدمي وشعره، فوافق الحنفية الجمهور في أنه لا يباع. قال الكاساني: لا لنجاسته،لأنه طاهر في الصحیح من الرواية، لكن احتراما له، والابتذال بالبيع يشعر بالإهانة . (٢) وقد روي عن النبي ﴿ أنه قال: ((لعن الله الواصلةَ والمستوصلة))(٣) فنصّ الحنفية على أنه لا يجوز الانتفاع به للحديث المذكور. وصرحوا بأن الآدمي مکرم شرعا، وإن کان کافرا، فإيراد العقد علیه وابتذاله وإلحاقه بالجمادات إذلال له، وهو غير جائز. وبعض الآدمي في حکم كله. وصرح الكمال من الحنفية ببطلان بیعه . (٤) بيع الكلب ١٣ - ذهب الشافعية والحنابلة،وهو المشهور عند المالکیة إلى عدم صحة بیع الكلب، أيّ كلب (١) مراقي الفلاح (٩١) وهذه عبارة متن نور الإِيضاح، وانظر تبيين الحقائق وحاشية الشلبي ١/ ٥١ (٢) بدائع الصنائع ١٤٢/٥ (٣) حديث ((لعن الله الواصلة والمستوصلة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٧٨/١ ط السلفية) من حديث عبدالله بن مسعود. (٤) الدر المختار ورد المحتار ١٠٥/٤ - ١٥٣ - بيع منهي عنه ١٣ - ١٥ کان ولو کان معلما، للحديث الصحيح عن أبي جحيفة رضي الله عنه، أن رسول الله گۆ ((نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب، وکسب البغي، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصورين)) (١) ولحديث أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه، قال: ((نهى رسول الله مَّل عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن))(٢) وفرق بعض المالكية بين الكلب المأذون باتخاذه وبين غيره، فأجازوا بيع الأول، واختلفوا في الثاني. وأما الحنفية، فذهبوا إلى صحة بيع الكلب أي کلب كان حتى العقور. والتفصيل في مصطلح (كلب). أما الهر فذهب جمهور الفقهاء إلى جواز بیعه، لأنه حیوان منتفع به، وحملوا حديث جابر رضي الله عنه ((نهى رسول الله و طل عن ثمن (١) حديث: ((نهى عن ثمن الدم ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٢٦/٤ ط السلفية)) من حديث أبي جحيفة . (٢) حديث (( نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤/ ٤٢٦ ط السلفیة) ومسلم (١١٩٨/٣ ط عیسی الحلبي) من حديث أبي مسعود الأنصاري. الكلب والسنور))(١) على غير المملوك، أو على ما لا نفع فيه من الهررة، وتفصيله في مصطلح : (هـ) . بيع سباع البهائم وجوارح الطير والهوام: ١٤ - اتفقت المذاهب على عدم جواز بيع سباع البهائم والطیر، إذا كانت مما لا ينتفع به بحال. فإن كانت مما ينتفع به جاز بيعه إلا الخنزير، فإنه نجس العين، فلا يجوز الانتفاع به، فكذلك لا يجوز بيعه. (٢) لكنهم ذهبوا مذاهب في تفسير النفع الذي يجيز بيع السباع : ١٥ - فالحنفية - في ظاهر الرواية من مذهبهم - والمالكية في الراجح من المذهب، ذهبوا إلى إطلاق النفع، ولو بالجلد، وبدون تفرقة بین المعلّم وغيره. ومن نصوص الحنفية في هذا: صح بيع الكلب ولو عقورا، والفهد والفيل والقرد، والسباع بسائر أنواعها، حتى الهرة، وكذا الطيور (١) حديث: ((نهى عن ثمن الكلب .... )) أخرجه أبوداود (٧٥٤/٣ تحقیق عزت عبید دعاس) من حديث جابر بن عبدالله وأصله في صحيح مسلم (١١٩٩/٣ ط عيسى الحلبي). (٢) انظر على سبيل المثال: الدر المختار ٤/ ٢١٤، والشرح الكبير للدردير ١١/٣، وتحفة المحتاج ٢٣٨/٤، والشرح الکبیر في ذيل المغني ١٣/٤ - ١٥٤ - بيع منهي عنه ١٦ - ١٧ (أي الجوارح منها) عُلِّمت أولا، سوى الخنزير، وهو المختار، للانتفاع بها وبجلدها. (١) وعلل الزيلعي أيضا جواز بيعها بجواز الانتفاع بها شرعا، وبقبولها التعليم عادة، ثم طرح هذا الضابط قائلا فيه : وكل منتفع به شرعا، في الحال أو في المآل، وله قيمة .. جاز بيعه، وإلا فلا(٢) وقال الحصکفي : جواز البيع يدور مع حل الانتفاع . (٣) وقال البابرتي : وإذا ثبت أن مناط الحكم الانتفاع، ثبت في الفهد والنمر والذئب. بخلاف الهوام المؤذية، كالحيات والعقارب والزنابير، لأنها لا ينتفع بها. (٤) وكذا غير المؤذية من هوامّ الأرض: كالخنافس والفأرة والنمل والوزغ والقنافذ والضب، أو من البحر، كالضفدع والسرطان . (٥) ١٦ - أما مذهب المالكية فهو أن بيع الهر والسبع للجلد جائز، وأما للحم فقط، أوله وللجلد (١) الدر المختار ٢١٤/٤، وانظر بدائع الصنائع ١٤٢/٥، ١٤٣ (٢) تبيين الحقائق ٤/ ١٢٦ (٣) الدر المختار ١١١/٤ نقلا عن المجتبى. (٤) العناية شرح الهداية ٢٤٧/٦، وانظر فتح القدير في الموضع نفسه ٢٤٥/٦ ، ٢٤٦ (٥) فتح القدير ٢٤٦/٦ فمكروه. (١) وهذا مبني على حكم لحم السباع عندهم . وأما سباع الطير ذوات المخالب، فلحمها مناح عندهم، كالباز والعقاب والرخم، وكرهوا الوطواط . وأما سباع البهائم، فلهم فيها ثلاثة أقوال: الكراهة. والمنع. والتفرقة بين العادي - الذي یعدو علی الآدمي - کالأسد والفهد والنمر والذئب، فيحرم. وبین غير العادي، كالدب والثعلب والضبع والهر مطلقا، فيكره. لكن الذي في مختصر خليل كراهتها، حتى الفیل عنده - وفي عهدته، كما قالوا -(٢) ١٧ - أما الشافعية: فقد فسروا النفع بنحو الصيد والحراسة، ولو مآلا ، بأن يرجى تعلم الحیوان. أما ما لا نفع فيه فلا يصح بیعه، كالفواسق الخمس، وكذا ما لا يرجى تعلمه للصيد، لكبره مثلا. فالفهد ينتفع به للصيد، والفيل للقتال، والقرد للحراسة، والهرة الأهلية لدفع نحو فأر، والعندليب للأنس بصوته، والطاووس للأنس بلونه. (٣) وكتب الشيخ عميرة على قول النووي في منهاجه: فلا يصح بيع الحشرات وكل سبع (١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣/ ١٠، ١١ (٢) حاشية الدسوقي ١١٥/٢، ١١٧ (٣) تحفة المحتاج ٢٣٨/٤، وانظر شرح المنهج وحاشية الجمل علیه ٣/ ٢٥، ٢٦ - ١٥٥ - بيع منهي عنه ١٨ لا ينفع. مبينا خصال انتفاء النفع، بقوله: مثل: أن لا یؤ کل، ولا یصال ولا یقاتل علیه، ولا يتعلم، ولا يصلح للحمل. كما قرر أن انتفاء النفع قد يكون حساً، وقد يكون شرعا، وأن انتفاء النفع ينفي المالية، فأخذ المال في مقابلته قریب - كما نقله عن الرافعي - من أكل المال بالباطل. (١) ١٨ - أما الحنابلة فقد ذهبوا - كما في رواية عن أبي يوسف من الحنفية اعتمدها السرخسي - إلى أنه لا يصح بيع ما لا يصلح للاصطياد، ولا يقبل التعليم بحال: (أ) ومثل الحنابلة لما لا يصلح للاصطياد، بالأسد والذئب والنمر والدب، وبالرخم والحدأة والغراب الأبقع والنسر والعقعق وغراب البين، وبيضها، لأنه لا نفع فيه، فأخذ ثمنه أكل للمال بالباطل، ولأنه ليس فيها نفع مباح كالحشرات، فأشبهت الخنزير. فأما ما يصلح للاصطياد، كالفهد وكالصقر والباز، بأن كانت معلمة أو قابلة للتعليم، فإن فيها نفعا مباحا، فيصح بيعها، وبيع أولادها وفراخها، وبيضها لاستفراخه، فينتفع به مآلا . ومع ذلك نصوا على جواز بيع القرد، للحفظ لا للعب، لأن الحفظ - كما قالوا - من (١) حاشية عميرة على شرح المحلي، في ذيل حاشية القليوبي عليه ١٥٨/٢ المنافع المباحة(١) (ب) ومثل الحنفية للمروي عن أبي يوسف، بالآتي : مع التفصيل تطبيقا عليه: - الأسد، إن كان يقبل التعليم ويصطاد به، يجوز بيعه وإلا فلا . - الفهد والبازي يقبلان التعليم، فيجوز بیعھما علی کل حال. - النمر - كما يقول الكمال - لا يقبل التعليم لشراسته، فلا يجوز بيعه بحال، وكذا الكلب العقور على التخصيص عند أبي يوسف. - القرد، فیه روايتان عن أبي حنيفة: الأولى : جواز بيعه لإِمكان الانتفاع بجلده، وهي رواية الحسن عنه، وصححها الزيلعي . والأخرى : لا يجوز بيعه، لأنه للتلهي، وهو محظور، فكان بيع الحرام للحرام، وأنه لا يجوز. وصحح هذا الكاساني، وبنى عليه ابن عابدين أنه لولا قصد التلھي جاز بیعه. لكن قصد التلهي يقتضي الكراهة، لا عدم الصحة، كما قال الحصكفي .(٢) (١) كشاف القناع ١٥٣/٣، ١٥٦، والشرح الكبير في ذيل المغني ١٣/٤ (٢) بدائع الصنائع ١٤٣/٥، والهداية بشروحها، والفتح منها على التخصيص ٢٤٥/٦ - ٢٤٧، وتبيين الحقائق ٤ /١٢٦، والدر المختار ورد المحتار ١١١/٤، ٢١٤ - ١٥٦ - بيع منهي عنه ١٩ بيع آلات اللهو والمعازف : ١٩ - ذهب جمهور الفقهاء ، ومنهم الصاحبان من الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة: إلى تحريم بيع آلات اللهو المحرمة، والمعازف إلا ما جاز استعماله منها، وصرحوا بعدم صحة بيعها . (١) والتقييد بالمحرمة، لإِخراج بيع الشطرنج، الذي يقول الشافعية بحله، وطبل الغزاة ونحوه، فمن المحرمات: الطنبور، والمزمار، والشبابة (وهي الناية) والعود، والصنج والرباب . فالصاحبان من الحنفية يريان أن هذه الآلات أعدت للمعصية، فبطل تقومها، ولا ينعقد بيعها، كالخمر(٢) والمالكية قرروا أن من شروط المعقود عليه : أن یکون مما ینتفع به انتفاعا شرعیا، وإن قل كالتراب، وإن كانت المنفعة لا تجوز فهي کآلات اللهو. (٣) والشافعية قرروا أن آلة اللهو المحرمة (١) انظر على سبيل المثال: بدائع الصنائع ١٤٤/٥، والقوانين الفقهية (١٦٤) وشرح المحلي وحاشية القليوبي عليه ٢/ ١٥٨، وكشاف القناع ١٥٥/٣ (٢) الهداية وشروحها، آخر باب الغصب ٢٩٣/٨ (٣) القوانين الفقهية (١٦٤) وانظر الشرح الكبير للدردير ٣/ ١٠، وحاشية العدوي على الخرشي ١٥/٥ لا يقصد منها غير المعصية، ولا نفع بها شرعا . (١) والحنابلة قرروا أن كسر هذه الآلات لا يستوجب الضمان، وأنها كالميتات. (٢) وتحريم بيع المعازف مبني على قول الجمهور بتحريم المعازف وآلات اللهو. وذهب بعض الفقهاء إلى إباحتها إذا لم يلابسها محرم، فيكون بيعها عند هؤلاء مباحا . (٣) والتفصيل في مصطلح (معازف). ومذهب أبي حنيفة - خلافا لصاحبیه - أنه يصح بيع آلات اللهو كلها، وهو أيضا قول ضعيف عند الشافعية، مقيد بأن يمكن اعتبار مكَسَّرها مالا، ففيها نفع متوقع عندئذ. (٤) وفي الوقت الذي يرى الصاحبان أن آلات اللهو معدة للمعصية، موضوعة للفسق والفساد - كما هو تعبير الكاساني - فلا تكون أموالا فيبطل تقومها، كالخمر. يرى أبو حنيفة أنها أموال لصلاحيتها لما يحل من وجوه الانتفاع، بأن تجعل ظروفا لأشياء، ونحو ذلك من المصالح، وإن صلحت لما لا يحل فصارت كالأمة المغنية، (١) شرح المحلي على المنهاج ١٥٨/٢، وشرح المنهج بحاشية الجمل ٢٧/٣ (٢) المغني ٤٤٥/٥، ٤٤٦، وانظر كشاف القناع ١٥٥/٣ (٣) الدر المختار ١٣٥/٥، وتحفة المحتاج ٢٣٩/٤ (٤) شرح المحلي على المنهاج ١٥٨/٢ - ١٥٧ - بیع منهي عنه ٢٠ - ٢١ وهذا لأن الفساد بفعل فاعل مختار، فلا يوجب سقوط التقوم. وجواز البيع مرتب على المالية والتقوم . (١) بيع الأصنام ونحوها : ٢٠ - الخلاف المارّ بين الجمهور وبين أبي حنيفة وبعض الشافعية في بيع آلات اللهو، جارٍهنا في بيع الأصنام . ودليل الجمهور على التحريم انتفاء المنفعة المباحة شرعا، ونص حديث جابر مرفوعا ((إن الله حرّمَ بيعَ الخمر والميتة والخنزير والأصنام))(٢) ودليل أبي حنيفة والقلة من الشافعية على الجواز: الانتفاع بها بعد الكسر، فنفعها متوقع، فوجدت المالية والتقوم في المآل، وجواز البيع مرتب علیھما . وقد صرح الرافعي من الشافعية بأن الوجهين يجريان في الأصنام والصور، (٣) وكذا الشوكاني(٤) وفيما يلي بعض مايلحق بالأصنام مع بعض أحکامها : (١) بدائع الصنائع ١٤٤/٥، والهداية بشروحها ٢٩٣/٨ بتصرف وإيجاز. (٢) حديث ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ /٤٢٤ ط السلفية) من حديث جابر بن عبدالله. (٣) حاشية عميرة على شرح المحلي ١٥٨/٢ (٤) نيل الأوطار ١٤٣/٨ أول كتاب البيوع. نص الشافعية على أنه لا يصح بيع الصور والصلبان، وللحنفية قولان في الصور للصغار صحة وضمانا . (١) ونصوا على صحة بيغ النقد الذي عليه صور، وعللوه بأنها غير مقصودة منه بوجه ما. (٢) وترددوا في الصليب المتخذ من الذهب والفضة، هل يلحق بالأصنام، أو بالنقد الذي عليه صور؟ (أ) فرجحوا إلحاقه بالصنم إذا أريد به ماهو من شعارهم المخصوص بتعظيمهم. (ب) ورجحوا إلحاقه بالنقد الذي عليه صور إن أريد به ابتذاله بالاستعمال. (٣) الشرط الرابع : أن يلي البيعَ المالكُ أو من يقوم مقامه . ٢١ - نص الفقهاء على أن من شروط انعقاد البيع : أن يكون المبيع مملوكا للبائع أو موكله أو موليه، وهذا إذا كان العاقد يبيع بالأصالة أو النيابة. أما إذا كان فضوليا بأن يصرح أنه يبيع ملك غيره دون إذن، فلا يكون شرط انعقاد عند من أجاز بيع الفضولي، وتفصيله في مصطلح: ( بيع الفضولي). (١) حاشية القليوبي ٢/ ١٥٨، ورد المحتار ٤٣٧/١ (٢) تحفة المحتاج ٢٣٩/٤ (٣) المرجع السابق، وقارن بحاشية القليوبي ١٥٨/٢ - ١٥٨ - بیع منهي عنه ٢١ - ٢٢ ودليل هذا الشرط ماروي عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قلت: یارسول الله: یأتیني الرجل يسألني البيع، لیس عندي ماأبيعه، ثم أبتاعه من السوق، فقال: ((لا تبع ماليس عندك)(!) قالوا : المراد ماليس في ملكك وقدرتك. وقال البغوي: النهي في هذا الحدیث عن بيوع الأعيان التي لا يملكها(٢) وماروي أيضا في الحديث: ((نهى رسول الله ◌َ عن بيع ماليس عند الإِنسان، ورخص في السلم»(٣) ولأن البيع تمليك، فلا ينعقد فيما ليس بمملوك. (٤) وبناء عليه : لا ينعقد بيع الكلا في منابته، ولو کان في أرض مملوکة، لأنه مباح بالنص، (١) حديث: ((لا تبع ما ليس عندك) أخرجه الترمذي وحسنه من حديث حكيم بن حزام (تحفة الأحوذي ٤ / ٤٣٠ نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة). (٢) نيل الأوطار ١٥٥/٥ ط العثمانية. (٣) حديث: (( نهى عن بيع ما ليس عند الإِنسان، ورخص في السلم))، هو مركب من حديثين: الأول ((لا تبع ما ليس عندك» أخرجه الترمذي من حديث حکیم بن حزام وحسنه (تحفة الأحوذي ٤/ ٤٣٠ ط السلفية بالمدينة المنورة). وأما ترخيصه في السلم فقد ورد في صحيح البخاري (فتح الباري ٤٢٨/٤ ط السلفية)، ومسلم (١٢٢٧/٣ ط عیسی الحلبي) من حديث: ابن عباس. (٤) بدائع الصنائع ١٤٦/٥ وكذلك الماء في منابعه ما لم يحرز، وذلك لحديث: ((المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار))(١) وكذا الطير في الهواء، والسمك في الماء، كل ذلك لا ينعقد بيعه، لانعدام سبب الملك فیه، وهو الإِحراز. (٢) فإذا جُمعَ الكلأ، وصيد الطير والسمك، وحمل الماء من الينابيع والأنهار العامة ملك، وجاز بيعه. وفي هذا يروى أن النبي ◌َّ ((نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه)). (٣) ونذكر هنا فروعا فقهية تطبيقية لهذا الشرط : أ - بيع الفضولي : ٢٢ - وهو من ليس بوكيل ولا ولي عن المالك، وكذا سائر عقوده : (١) حديث ((المسلمون شركاء في ثلاث ... )) أخرجه أبوداود (٣/ ٧٥١ تحقيق عزت عبيد دعاس ) من حديث رجل من المهاجرين وإسناده صحيح (التلخيص لابن حجر ٣/ ٦٥ ط شركة الطباعة الفنية)). (٢) بدائع الصنائع ١٤٦/٥، والدر المختار ١٠٦/٤، ١٠٧، وكشاف القناع ٣/ ١٦٠، ١٦١ (٣) كشاف القناع ٣/ ١٦٠، ١٦١ وحديث ((نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه ... )) أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأحوال ص٣٠٢ ط مطبعة عبداللطيف حجازي عن عبدالله بن أبي بكر بن أبي مريم عن مشيخته، وفي إسناده جهالة بعض الرواة (الميزان للذهبي ٤٩٨/٤ ط عيسى الحلبي) وروى مسلم عن جابر قال: ((نهى رسول اللّه ◌َليل عن بيع فضل الماء ... )) (صحيح مسلم ١١٩٧/٣ ط عيسى الحلبي). - ١٥٩ - بيع منهي عنه ٢٢ - ٢٣ - فمذهب الحنابلة، والشافعي في الجديد: أنه باطل، وإن أجازه المالك بعد ذلك. للحديث المذكور سابقا ((لا تبع ما ليس عندك))(١) ولأنه تمليك ما لا يملك، وبيع ما لا يقدر على تسليمه، فأشبه بيع الطير في الهواء. (٢) - ومذهب الحنفية والمالكية، والشافعي في القديم، وروي عن أحمد أيضا: أن هذا العقد صحيح موقوف على إجازة المالك، فإن أجازه نفذ ولزم البيع، وإن لم يجزه وردّه بطل. وذلك لإطلاقات النصوص في حل البيع، من غير تفصيل بين الأصيل والوكيل، ابتداء أوبقاء وانتهاء. ولحديث عروة بن الجعد البارقي ((أن النبي صل# أعطاه دينارا ليشتري به شاة، فاشتری به شاتین، فباع إحداهما بدینار، ، ثم عاد بالدينار والشاة، فدعا له بالبر كة في بیعه))، وفي رواية أنه قال له: ((بارك الله في صفقة يمينك)). (٣) وتفصيل الكلام عن بيع الفضولي ينظر في مصطلحه . وبناء على هذا الشرط صرح الفقهاء ببطلان (١) حديث (( لا تبع ما ليس عندك)) تقدم تخريجه (ف٢١) (٢) تحفة المحتاج ٤/ ٢٤٦، ٢٤٧، والشرح الكبير في ذيل المغني ٤ / ١٦ (٣) بدائع الصنائع ١٤٩/٥، والشرح الكبير للدردير ١٢/٣، وشرح المحلي على المنهاج ١٦٠/٢، وكشاف القناع ١٥٧/٣ وحديث عروة البارقي ((بارك الله في صفقة يمينك ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٢/٦ ط السلفية). بيع مايلي : (١) بيع الوقف: وقد صرحوا ببطلانه، حتى الحنفية، وقالوا: إنه باطل لا فاسد، فلا يملك بالقبض(١) (ر مصطلح: وقف) (٢) - بيع أراضي بيت المال: فقد قرر بعض الفقهاء أنها تجري على رقبتها أحكام الوقوف المؤبدة (ر مصطلح: أرض) وأراضي الجزى (ر مصطلح: جزية). (٣) بيع المساجد، ورباع مكة، والحرم، وبقاع المناسك(٢) على خلاف وتفصيل في بعض ذلك. ر مصطلحات: (مسجد، حرم، مكة). (٤) المعادن الجارية والجامدة، في الأراضي المملوكة والمحياة. وخلاف الفقهاء معروف في جواز بيعها. ر مصطلح: (أرض، معدن، إحياء). (٥) ضربة الغائص : ٢٣ - الغائص: من يغوص لاستخراج اللآلىء من البحر، يقول: أغوص غوصة، فما أخرجته من اللآلىء فهو لك بكذا . ومثله القانص، وهو الصائد، يقول: بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشبكة مرة، بكذا(٣) وقد جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه (١) الدر المختار ورد المحتار ٣/ ٣٩٤ (٢) بدائع الصنائع ١٤٦/٥، وكشاف القناع ٣/ ١٦٠ (٣) الدر المختار ورد المحتار ١٠٩/٤، وانظر الهداية وشروحها ٥٣/٦ - ١٦٠ -