Indexed OCR Text

Pages 101-120

البيع الفاسد ١٠ - ١٢
البيع. فإذا قال: بعتك شاة من هذا القطيع، أو
ثوبا من هذا العدل فسد البيع، لأن الشاة من
القطيع أو الثوب من العدل مجهول جهالة
مفضية إلى المنازعة، لفحش التفاوت بین شاة
وشاة، وثوب وثوب فیوجب الفساد. لكن إذا
عين البائع شاة أو ثوبا وسلمه إليه، ورضي به
جاز، ويكون ذلك ابتداء بيعا بالمراضاة . (١)
ولوباع شيئا بعشرة دراهم، وفي البلد نقود
مختلفة، انصرف إلى النقد الغالب، فيصح
العقد، لكنه إذا كان في البلد عدة نقود غالبة
فالبیع فاسد، لأن الثمن مجهول إذ البعض ليس
بأولى من البعض. (٢)
١٠ - وإذا كان البيع فيه أجل، يشترط لصحته
أن یکون الأجل معلوما، فإن کان مجهولا يفسد
البيع، سواء أكانت جهالة الأجل فاحشة،
كهبوب الريح ونزول المطر وقدوم فلان وموته
ونحو ذلك، أم متقاربة كالحصاد والدیاس
والنيروز والمهرجان وقدوم الحاج ونحوذلك،
لأن الأول فيه غرر الوجود والعدم، والنوع الثاني
مما يتقدم ويتأخر فيؤدي إلى المنازعة، فيوجب
فساد البيع. (٣)
جـ - البيع بالإكراه :
١١ - الإِكراه إذا كان ملجئا، أي بالتهديد
(١) البدائع ١٥٦/٥، ١٥٨، والفتاوى الهندية ٣/٣
(٢) المراجع السابقة .
(٣) البدائع ١٧٨/٥، والاختيار ٢٦/٢، وابن عابدين
١٠٦/٤
بإتلاف النفس أو العضومثلا، يعدم الرضا
ويفسد الاختيار، فيبطل عقد البيع وسائر العقود
بغير خلاف .
أما الإِكراه غير الملجىء، كالتهديد بالحبس
والضرر اليسير، فيفسد البيع عند الحنفية
ولا يبطله، فيثبت به الملك عند القبض،
وينقلب صحيحا لازما بإجازة المكرَه، لأن
الإِكراه غير الملجىء لا يعدم الاختيار (الذي
هو: ترجيح فعل الشيء على تركه)، وإنما يعدم
الرضا (الارتياح إلى الشيء)
والرضا ليس ركنا من أركان البيع، بل هو
شرط من شروط صحته. (١) كما هو مفصل في
بحث (إكراه).
وكذلك بيع المضطر فاسد، كما إذا اضطر
شخص إلى بيع شيء من ماله ولم یرض
المشتري إلا بشرائه بأقل من ثمن المثل بغبن
فاحش. (٢)
د - الشرط المفسد :
١٢ - من شروط صحة البيع أن يكون خاليا عن
الشروط المفسدة، وهي أنواع .
منها مافي وجوده غرر، نحوما إذا اشتری ناقة
على أنها حامل، لأن الشرط يحتمل الوجود
والعدم ولا يمكن الوقوف عليه للحال، لأن
عِظَم البطن والتحرك يحتمل أن يكون لعارض،
فکان في البيع بهذا الشرط غرر یوجب فساده، لما
(١) ابن عابدين ٤/ ٤، ٥
(٢) ابن عابدين ٤ /١٠٦
- ١٠١ -

البيع الفاسد ١٢ - ١٤
روي عن النبي ◌َّه: ((أنه نهى عن بيع الحصاة
وعن بيع الغرر)).(١)
ويروي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أن
البيع بهذا الشرط جائز، لأن كونها حاملا بمنزلة
شرط كون العبد كاتبا أو خياطا ونحو ذلك، وذا
جائز، فكذا هذا.
وقد ألحق بعض الفقهاء بهذا المثال شراء بقرة
على أنها حلوب، أو قمرية على أنها تصوت، أو
كبشا على أنه نطاح، أو ديكا على أنه مقاتل،
فالبيع فاسد عند أبي حنيفة، وهو إحدى
الروايتين عن محمد، لأنه شرط فيه غرر. (٢)
وفي الموضوع أمثلة خلافية يرجع إليها في
مظانها .
ومن الشروط الفاسدة التي تفسد العقد: كل
شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للبائع أو
للمشتري، ولیس بملائم ولا مما جرى به
التعامل بين الناس. نحو: إذا باع دارا على أن
یسکنها البائع شهرا ثم يسلمها إليه، أو أرضا.
على أن يزرعها سنة، أودابة على أن يركبها
شهرا، أو ثوبا على أن يلبسه أسبوعا، فالبيع في
كل هذه الصور فاسد، لأن زيادة المنفعة
المشروطة في البيع تكون ربا، لأنها زيادة
(١) حديث: ((نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر)).
أخرجه مسلم ١١٥٣/٣ ط الحلبي.
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع لعلاء الدين الكاساني
١٦٩/٥، ١٧٠
لا يقابلها عوض في عقد البيع، والبيع الذي فيه
ربا فاسد. وكذا مافيه شبهة الربا، فإنها مفسدة
للبيع. (ر: ربا).
ومن الشروط المفسدة: شرط خيار مؤبد في
البیع، وكذلك شرط خیار مؤقت بأجل مجهول
جهالة فاحشة، كهبوب الريح ومجيء المطر
مثلا، وتفصيله في مصطلح: (شرط). (١)
هـ- اشتمال العقد على التوقيت :
١٣ - من شروط صحة البيع: ألا يكون العقد
مؤقتا، فإن أقّته فالبيع فاسد، لأن عقد البيع
عقد تمليك العين، وعقود تمليك الأعيان لا
تصح مؤقتة، ولهذا عرف بعض الفقهاء البيع
بأنه: عقد معاوضة مالية يفيد ملك عين على
التأبيد. (٢)
وللتفصيل ينظر مصطلح: (أجل، تأقيت).
و - اشتمال العقد على الربا :
١٤ - من شروط صحة البيع: الخلوعن الربا،
لأن البيع الذي فيه ربا فاسد عند الحنفية، لأن
الربا حرام بنص الكتاب الكريم. قال الله
تعالى: ﴿وأحلَّ اللّه البيعُ وحرَّمَ الربا﴾. (٣)
(١) البدائع ١٦٨/٥، ١٦٩، ١٧٠، ١٧٤
(٢) الفتاوى الهندية ٠ ٣/٣، والبدائع ١١٨/٦، ومغني المحتاج
٣/٢
(٣) سورة البقرة / ٢٧٥
- ١٠٢ -

البيع الفاسد ١٥ - ١٧
وكذلك يشترط أن يكون البيع خاليا عن
شبهة الربا، واحتمال الربا. قال الكاساني :
حقیقة الربا كما هي مفسدة للبيع، فاحتمال الربا
مفسد له أيضا، ولأن الشبهة ملحقة بالحقيقة في
باب الحرمات احتياطا، وأصله ماروي عن
رسول الله وَل﴾: ((الحلال بين والحرام بين، فدع
مايريبك إلى ما لا يريبك))(١)
ز - البيع بغرر :
١٥ - الغرر هو خطر حصول الشيء أو عدم
حصوله، فإذا كان الغرر في أصل المبيع، بأن
يكون محتملا للوجود والعدم، كبيع الثمار قبل أن
تخلق، وبيع الطير في الهواء قبل أن يصطاد،
فالعقد باطل، وإن کان في أوصافه کبيع الرطب
على النخل بتمر مقطوع فالعقد فاسد عند
.. (٢)
الحنفية لجهالة قدر المبيع
وتفصيله في مصطلح : (غرر)
ح - بيع المنقول قبل قبضه :
١٦ - من اشترى عينا منقولة لا يصح بيعه لها
قبل قبضها من البائع الأول، لما روي أن
(١) بدائع الصنائع ١٨٣/٥، ١٩٣، ١٩٨
وحديث: ((الحلال بين والحرام بين فدع مايريبك إلى
ما لا يريبك)) أخرجه الطبراني في الأوسط وحسنه الهيثمي
في المجمع ٤ / ٧٤ ط القدسي
(٢) الاختيار ٢٤/٢، وابن عابدين ٤/ ١٠٧
النبي ﴾ (( نهى عن بيع الطعام حتى
يقبض)). (١)
ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود
عليه، لأنه إذا هلك قبل القبض يبطل البيع
الأول، فينفسخ الثاني، لأنه بناء على الأول،
وسواء أباعه من بائعه الأول أومن غيره.
وكذلك لوقبض نصف المبيع المنقول الذي
اشتراه، فأشرك رجلا فيما اشتراه جاز فيما
قبض، ولم يجز فيما لم يقبض، لأن الإِشراك نوع
بيع والمبيع منقول، فلم يكن غير المقبوض محلا
له شرعا، فلم يصح في غير المقبوض، وصح في
قدر المقبوض. (٢) (ر: قبض).
تجزؤ الفساد :
١٧ - الأصل اقتصار الفساد على قدر المفسد،
فالصفقة إذا اشتملت على الصحيح والفاسد
يقتصر الفساد فيه على قدر المفسد، ويصح في
الباقي، وهذا متفق عليه بين فقهاء الحنفية إذا
کان الفساد طارئا .
وقد ورد في صور بيع العينة : ما لوباع شيئا
بعشرة ولم يقبض الثمن، ثم اشتراه بخمسة لم
يجز، أما إذا اشترى ذلك الشيء مضموما إليه
غيره فيصح.
(١) حديث: ((نهى عن بيع الطعام حتى يقبض ... )) أخرجه
البخاري. (الفتح ٤ /٣٤٩ ط السلفية).
(٢) البدائع ٥/ ١٨٠، ١٨١، والفتاوى الهندية ٣/٣
- ١٠٣ -

البيع الفاسد ١٧ - ١٨
جاء في الهداية: أن من اشترى سلعة
بخمسمائة، ثم باعها وأخرى معها بخمسمائة
من البائع قبل نقد الثمن، فالبيع جائز في التي لم
يشترها من البائع، ولا يجوز في الأخرى لأنه
لابد أن يجعل الثمن بمقابلة التي لم يشترها،
فيكون مشتريا للأخرى بأقل مما باع قبل نقد
الثمن، وهو فاسد بشبهة الربا. (١)
أما إذا كان الفساد مقارنا للعقد فكذلك
الحكم عند أبي يوسف ومحمد، لأنهما لا يفرقان
بين الفساد الطارىء والفساد المقارن.
وقال أبو حنيفة: متى فسد العقد في البعض
بمفسد مقارن يفسد في الكل(٢) لأنه إذا كان
الفساد مقارنا يصير قبول العقد في الفاسد شرط
قبول العقد في الآخر، وهذا شرط فاسد، فيؤثر
في الكل، ولم يوجد هذا المعنى في الفساد
الطارىء، فاقتصر الفساد فيه على قدر المفسد.
وعلی ذلك إذا اشتری دینارا بعشرة دراهم
نسيئة، ثم نقد بعض العشرة دون البعض في
المجلس فسد الكل عند أبي حنيفة، لأن الفساد
مقارن للعقد، فيؤ ثر في فساد الكل. وعندهما
يصح بقدر ماقبض ويفسد في الباقي، بناء على
اقتصار الفساد على قدر المفسد. (٣)
(١) الفتح مع الهداية / ٧١ - ٧٣، وابن عابدين ٤/ ١١٦
(٢) ابن عابدين ٦/٥
(٣) البدائع ٢١٧/٥، ٢٥٠، ٢٥١، والفتح والعناية على
الهداية ٧٣/٦
أمثلة للبيع الفاسد :
١٨ - ذكر الحنفية في كتبهم - بعد بيان البيع
الباطل - أمثلة عن البيع الفاسد، وذلك بناء
على أصلهم من التفرقة بينهما، ومن أمثلة البيع
الفاسد :
بیع ماسکت فیه عن الثمن، کبیعه بقیمته،
وذراع من ثوب يضره التبعيض، وبيع الملامسة
والمنابذة(١) لحديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال: ((نهى رسول الله وَ له عن الملامسة
والمنابذة))(٢) وبيع اللبن في الضرع، والصوف
على الظهر، واللحم في الشاة، وجذع في
سقف، وثوب من ثوبین إذا لم يشترط فيه خيار
التعیین .
أما اللبن في الضرع فللجهالة واختلاط المبيع
بغيره، وكذا الصوف على الظهر، ولاحتمال
وقوع التنازع، وقد ((نهى النبي بَّ عن بيع لبن
في ضرع، وسمن في لبن)). (٣)
(١) الملامسة: أن يلمس كل منهما ثوب صاحبه بغير تأمل ليلزم
الملامس البيع من غير خيار له عند الرؤية .
والمنابذة : أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر
ولا ينظر إلى ثوب صاحبه على أن يجعل النبذ بيعا، وهذه
.كانت بيوعا يتعارفونها في الجاهلية (ابن عابدين ٤/ ١٠٩)
(٢) حديث: ((نهى عن الملامسة والمنابذة. أخرجه مسلم
(١١٥١/٣ ط الحلبي)، والبخاري. (الفتح ٣٥٩/٤ ط
السلفية)
(٣) حديث: ((نهى عن بيع لبن في ضرع وسمن في لبن٪
أخرجه الدارقطني (١٤/٣ ط دار المحاسن)، =
- ١٠٤ -

البيع الفاسد ١٨ - ١٩
وأما اللحم في الشاة والجذع في السقف فلا
يمكن تسليمه إلا بضرر لا يستحق عليه.
وكذلك ذراع من ثوب وحلية في سيف، وإن
قلعه وسلمه قبل نقض البيع جاز. (١)
ولوباع عينا على أن يسلمها إلى رأس الشهر
فهو فاسد، لأن تأجيل الأعيان باطل، إذ
لا فائدة فيه، لأن التأجيل شرع في الأثمان
تيسيرا على المشتري، ليتمكن من تحصيل
الثمن، وأنه معدوم في الأعيان فكان شرطا
فاسدا.
ومن البيع الفاسد: بيع المزابنة والمحاقلة، (٢)
لنهي النبي وَلله عنهما، (٣) ولشبهة الربا فيهما. ولو
باع على أن يقرض المشتري دراهم أو ثوبا على
أن یخیطه البائع فالبيع فاسد، لأنه ێ (نهى عن
بيع وشرط))، وهذا شرط لا يقتضيه العقد
ولا يلائمه، وفيه منفعة لأحد العاقدين فيفسد
العقد .
= والبيهقي (٥/ ٣٤٠ ط دائرة المعارف العثمانية). وقال
البيهقي : تفرد برفعه عمر بن فروخ وليس بالقوي، ورواه
موقوفا. وكذا صوب الدارقطني وقفه على ابن عباس.
(١) الاختيار ٢/ ٢٣، ٢٤، وابن عابدين ٤ / ١٠٦ - ١١٠
(٢) المزابنة: بيع الثمر على النخل بتمر على الأرض كيلا
حزرا .
والمحاقلة: بيع الحنطة في سنبلها بمثلها من الحنطة كيلا
حزرا (ابن عابدين ١١٩/٤)
(٣) حديث: ((نهى عن المزابنة والمحاقلة ... )) أخرجه
البخاري. (الفتح ٤ / ٣٨٤ ط السلفية)
والبيع إلى النيروز والمهرجان وصوم
النصاری وفطر اليهود إذا جهل المتبایعان ذلك
فاسد، وكذلك البيع إلى الحصاد والقطاف
والدياس وقدوم الحاج لجهالة الأجل، وهي
تفضي إلى المنازعة، وإن أسقط الأجل قبل
حلوله جاز البيع عند فقهاء الحنفية، خلافا لزفر
حيث قال: الفاسد لا ينقلب صحيحا. (1)
١٩ - هذا، ومن أمثلة البيع الفاسد التي ذكرها
الحنفية: البيع بالخمر والخنزير، أو بيعهما
مقايضة بالعين، فإذا قوبلا بالعين كما إذا
اشترى الثوب بالخمر، أوباع الخمر بالثوب
فالبيع فاسد، أما إن قوبلا بالدين كالدراهم
والدنانير فالبيع باطل .
ووجه الفرق كما ذكره المرغيناني: أن الخمر
والخنزير مال عند أهل الذمة، إلا أنه غير
متقوم، لأن الشرع أمر بإهانته وترك إعزازه، وفي
ملکه بالعقد إعزاز له، وهذا لأنه متی اشتراها
بالدراهم فالدراهم غير مقصودة، لكونها وسيلة
لما أنها تجب في الذمة، وإنما المقصود الخمر،
فسقط التقوم أصلا فبطل العقد، بخلاف
مشتري الثوب بالخمر لأن فيه إعزازا للثوب دون
الخمر. وكذا إذا باع الخمر بالثوب فيكون العقد
.(١) ابن عابدين ١٠٦/٤، ١٠٩، ١١٠، ١١٩، ١٢٢
- ١٠٥ -

البيع الفاسد ٢٠ - ٢١
فاسدا، لأنه يعتبر شراء الثوب بالخمر، لكونه
مقايضة . (١).
٢٠ - وهناك صور أخرى اختلف فقهاء الحنفية
في اعتبارها بيعا فاسدا أوبيعها باطلا، كبيع
الحمل، وبيع الطير في الهواء، والسمك في
البحر قبل اصطيادهما لو قوبلا بالعرض، وبيع
ضربة القانص والغائص. (٢) وبيع لؤلؤ في
صدف، وكذلك بيع الآبق، واللبن في
(٣)
الضرع .
آثار البيع الفاسد :
٢١ - تقدم أنه لا فرق بين بيع البيع الفاسد
والبيع الباطل عند جمهور الفقهاء (المالكية
والشافعية والحنابلة) في الجملة، فكلاهما غير
منعقد، فلا اعتبار بالبيع الفاسد شرعا، كما أنه
لا اعتبار بالبيع الباطل عندهم. (٤)
ولما قال خلیل في مختصره: وفسد منهي عنه،
فسّره الدردير بقوله: أي بطل، أي لم ينعقد،
(١) الهداية مع الفتح ٤٥/٦، ٤٦، وابن عابدين ٤/ ١٠٤،
١٠٦
(٢) القانص أن يقول: بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشبكة مرة
بکذا.
والغائص أن يقول: أغوص غوصة فما أخرجته من اللآلى
فلك بکذا. (ابن عابدين ٤ / ١٠٩)
(٣) ابن عابدين ١٠٧/٤، ١٠٩، ١١٢ والاختيار ٢٤/٢
(٤) حاشية الدسوقي ٥٤/٣، وحاشية الجمل ٣/ ٨٥، والمنثور
للزركشي ٧/٣
سواء أكان عبادة، کصوم يوم العيد، أم عقدا،
كنكاح المريض والمحرم، وكبيع ما لا يقدر على
تسليمه، أو مجهول، لأن النهي يقتضي
الفساد. (١).
وكتب على نص خليل الدسوقي قوله: أي
منهي عن تعاطيه. وهذه قضية كلية شاملة
للعبادات والمعاملات، وهي العقود. (٢)
وصرح الشافعية بأنه لو حذف المتعاقدان
المفسد للعقد، ولو في مجلس الخيار، لم ينقلب
صحيحا، إذ لا عبرة بالفاسد. (٣) وهذا يعني أن
الفاسد عندهم لا تلحقه الإِجازة، کالباطل عند
الحنفية. (٤) وقد أخذ القليوبي والجمل وغيرهما
على الإِمام النووي - رحمه الله تعالى - أنه أهمل
هنا فصلا في حكم البيع الفاسد والمقبوض
بالشراء الفاسد، وذكروا أحكامه مختصرة . (٥)
أما الحنفية فيفرقون بين البيع الفاسد والبيع
الباطل، ويعتبر ون الفاسد منعقدا خلافا
للباطل فإنه غير منعقد، وله أحكام سبقت في
مصطلحه .
(١) الشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي عليه ٣/ ٥٤
(٢) حاشية الدسوقي في الموضع نفسه.
(٣) حاشية الجمل على شرح المنهج ٣/ ٨٥
(٤) رد المحتار ٤/ ١٢٤
(٥) حاشية القليوبي ٢/ ١٨١، وحاشية الجمل على شرح
المنهج ٣ / ٨٤
- ١٠٦ -

البيع الفاسد ٢٢ - ٢٣
أما البيع الفاسد فله أحكام نجملها
فيما يلي:
أولا - انتقال الملك بالقبض:
٢٢ - البيع الفاسد يفيد الملك بقبض المشتري
المبيع بإذن البائع صريحا أو دلالة عند الحنفية،
كما إذا قبضه في المجلس وسكت البائع، فيجوز
للمشتري التصرف في المبيع، ببيع أوهبة أو
صدقة أو إجارة ونحو ذلك، إلا الانتفاع. (١)
قال ابن عابدين : إذا ملکه تثبت له كل
أحكام الملك إلا خمسة: لا يحل له أكله،
ولا لبسه، ولا وطؤها - إن كان المبيع أمة - ولا
أن يتزوجها منه البائع، ولا شفعة لجاره لو
عقارا . (٢)
ودليل جواز التصرف في المبيع فاسدا حديث
عائشة رضي الله عنها، حيث ذكرت لرسول الله
* أنها أرادت أن تشتري بريرة، فأبى مواليها
أن يبيعوها إلا بشرط: أن يكون الولاء لهم،
فقال لها:((خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن
الولاء لمن أعتق، فاشترتها مع شرط الولاء
لهم)). (٣) فأجاز العتق مع فساد البيع بالشرط.
(١) البدائع ٥/ ٣٠٤، والزيلعي ٤ / ٦٤، ٦٥، وابن عابدين
١٢٤/٤
(٢) ابن عابدين ٤/ ١٢٤
(٣) حديث عائشة ((إنما الولاء ... )). أخرجه البخاري.
(الفتح ٣٧٦/٤ ط السلفية)، ومسلم (١١٤٥/٣ ط
الحلبي)
ولأن ركن التمليك، وهو قوله: بعت
واشتريت، صدر من أهله، وهو المكلف
المخاطب مضافا إلى محله وهو المال عن ولاية،
إذ الكلام فيهما، فينعقد لكونه وسيلة إلى
المصالح، والفساد لمعنى يجاوره، كالبيع وقت
النداء، والنهي لا ينفي الانعقاد بل يقرره، لأنه
يقتضي تصور المنهي عنه والقدرة عليه، لأن
النهي عما لا يتصور، وعن غير المقدور قبيح، إلا
أنه يفيد ملكا خبيثا لمكان النهي. (١)
واشترطوا لإِفادة البيع الفاسد الملك
شرطين :
أحدهما: القبض، فلا يثبت الملك قبل
القبض، لأنه واجب الفسخ رفعا للفساد، وفي
وجوب الملك قبل القبض تقرر الفساد.
والثاني: أن يكون القبض بإذن البائع، فإن .
قبض بغير إذن لا يثبت الملك. (٢)
٢٣ - هذا، واختلف علماء الحنفية في كيفية
حصول الملك والتصرف في المبيع بيعا فاسدا .
قال بعضهم: إن المشتري يملك التصرف فيه
باعتبار تسليط البائع له، لا باعتبار تملك العين،
ولهذا لا يجوز أكل طعام اشتراه شراء فاسدا.
وذهب بعضهم إلى أن جواز التصرف بناء على
ملك العین، واستدلوا بما إذا اشتری دارا بشراء
(١) الاختيار لتعليل المختار للموصلي ٢٢/٢
(٢) البدائع ٣٠٤/٥
- ١٠٧ -

البیع الفاسد ٢٤ - ٢٦
فاسد وقبضها، فبیعت بجنبها دار، له أن
يأخذها بالشفعة لنفسه، ولم يملكها لما استحق
الشفعة. لكن لا تجب فيه شفعة للشفيع وإن
كان يفيد الملك، لأن حق البائع لم ينقطع. (١)
أي لأن لكل من البائع والمشتري الفسخ.
انتقال الملك بالقيمة لا بالمسمى :
٢٤ - اتفق الحنفية على أن حصول الملك
بالقبض في البيع الفاسد في مقابل قيمة المبيع،
لا الثمن المسمى الذي اتفق عليه الطرفان.
وذلك لأن العقد منهي عنه، والتسمية فاسدة فلا
يجب المسمى، والمعتبر في القيمة يوم القبض
عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويوم الإِتلاف
عند محمد. (٢)
ثانيا : استحقاق الفسخ :
٢٥ - البيع الفاسد، مع كونه غير مشروع
بوصفه، فالفساد مقترن به، ودفع الفساد
(١) البناية على الهداية ٦/ ٣٧٧، والزيلعي ٦٢/٤، والبدائع
٣٠٤/٥، وابن عابدين ٤/ ١٢٤
(٢) الفرق بين الثمن والقيمة: أن الثمن ماتراضى عليه
العاقدون، سواء زاد على القيمة أو نقص. والقيمة: ماقوم
به الشيء بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقصان. (ابن
عابدين ٥١/٤، ٥٢، والاختيار ٢٣/٢، والزيلعي
٦٢/٤، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٧، والجمل ٨٥/٣،
والشرح الكبير مع المغني ٥٦/٤، وكشاف القناع
١٩٧/٣)
واجب فيستحق فسخه، ولأن الفاسد يفيد ملكا
خبيثا مکان النهي، فکان لكل واحد منهما حق
الفسخ، إزالة للخبث ودفعا للفساد. ولأن من
أسباب البيع الفاسد اشتراط الربا وإدخال
الآجال المجهولة ونحو ذلك، وهذه معصية
والزجر عن المعصية واجب، واستحقاق الفسخ
يصلح زاجرا عن المعصية، لأنه إذا علم أنه
يفسخ، فالظاهر أنه يمتنع عن المباشرة كما علله
الفقهاء. (١)
ولا يشترط في فسخه قضاء قاض، لأن
الواجب شرعا لا يحتاج إلى القضاء. (٢) ولكن لو
أصرا على إمساك المبيع بيعا فاسدا وعلم بذلك
القاضي فله فسخه جبرا عليهما، حقا
للشرع. (٣)
شروط الفسخ :
٢٦ - الفسخ مشروط بما يلي:
أ - أن يكون بعلم المتعاقد الآخر، ولا يشترط
رضاه، ونقل الكاساني عن الكرخي أن هذا
الشرط من غير خلاف: ثم نقل عن
الأسبيجابي أنه شرط عندهما خلافا
(١) الاختيار لتعليل المختار للموصلي ٢/ ٢٢، وابن عابدين
١٢٥/٤، والبدائع للكاساني ٣٠٠/٥
(٢) الدر المختار بهامش رد المحتار ٤ /١٢٥
(٣) الدر المختار ١٢٥/٤
- ١٠٨ -

البيع الفاسد ٢٧ - ٢٨
لأبي یوسف، وأن الخلاف فيه کالخلاف في خیار
الشرط والرؤية .
ب - أن يكون المبيع قائما في يد أحدهما.
جـ- أن لا یعرض له ما يتعذر به الرد. (١)
من يملك الفسخ :
٢٧ - الفسخ إما أن يكون قبل القبض أو بعده:
أ - فإن كان الفسخ قبل القبض، فلكل من
المتعاقدین الفسخ بعلم صاحبه من غیر رضاه،
لأن البيع الفاسد قبل القبض لا يفيد الملك،
فكان الفسخ قبل القبض بمنزلة الامتناع من
القبول والإِيجاب، فیملکه كل واحد منهما، لكنه
- کما یقول الزیلعي ۔ یتوقف علی علمه، لأن
فیه إلزام الفسخ له، فلا يلزمه بدون علمه. (٢)
ب - وإن كان الفسخ بعد القبض: فإما أنيكون
الفساد راجعا إلى البدلين أو إلى غيرهما:
(١) فإن کان الفساد في صلب العقد، بأن كان
راجعا إلى البدلين: المبيع والثمن، كبيع درهم
بدرهمين، وكالبيع بالخمر والخنزير، فكذلك
الحكم، ينفرد أحدهما بالفسخ، لأن الفساد
الراجع إلى البدل راجع إلى صلب العقد، فلا
يمكن تصحيحه، لأنه لا قوام للعقد إلا
بالبدلين، فكان الفساد قويا، فيؤثر في صلب
(١) بدائع الصنائع ٣٠٠/٥، وابن عابدين ١٥٢/٤، وحاشية
الجمل على شرح المنهج ٣/ ٨٤، وكشاف القناع ١٩٨/٣
(٢) تبيين الحقائق ٤/ ٦٤
العقد، بعدم لزومه في حق المتعاقدين جميعا.
(٢) وإن كان الفساد غير راجع إلى البدلین،
كالبيع بشرط زائد، كالبيع إلى أجل مجهول، أو
بشرط فيه نفع لأحدهما:
- فالاسبيجابي قرر أن ولاية الفسخ لصاحب
الشرط، بلا خلاف، لأن الفساد الذي لا يرجع
إلى البدل، لا يكون قويا فيحتمل السقوط،
فيظهر في حق صاحب الشرط، فلا يلزمه .
- وذكر الكرخي خلافا في المسألة:
ففي قول أبي حنيفة وأبي يوسف: لكل منهما
الفسخ، لعدم اللزوم، بسبب الفساد.
وفي قول محمد: الفسخ لمن له منفعة
الشرط، لأنه القادر على تصحيح العقد بإسقاط
المفسد، فلوفسخه الآخر، لأبطل حقه عليه،
وهذا لا يجوز. (١)
طريق فسخ البيع الفاسد :
٢٨ - يفسخ العقد الفاسد بطريقين :
الأول : بالقول، وذلك بأن يقول من يملك
الفسخ: فسخت العقد، أو رددته، أو
نقضته، فینفسخ بذلك، ولا يحتاج إلى قضاء
ولا رضا البائع، سواء أكان قبل القبض أم
بعده، لأن استحقاق الفسخ ثبت رفعا للفساد،
(١) رد المحتار ١٢٥/٤، والبدائع ٣٠٠/٥، وتبيين الحقائق
٤/ ٦٤
- ١٠٩ -

البيع الفاسد ٢٩ - ٣٠
ورفع الفساد حق لله تعالى، فيظهر في حق
الکافة، ولا يتوقف على قضاء ولا رضاء. (١)
الثاني : بالفعل، وذلك بأن يرد المبيع على
بائعه بأي وجه، بهبة أو صدقة، أو إعارة، أو
بيع أو إجارة، فإذا فعل ذلك، ووقع المبيع في يد
بائعه - حقيقة، أو حكما كالتخلية - فهو متاركة
للبيع، وبرىء المشتري من ضمانه. (٢)
ما يبطل به حق الفسخ :
٢٩ - لا يسقط حق الفسخ بصريح الإِبطال
والإسقاط، بأن يقول: أسقطت، أو: أبطلت،
أو: أوجبت البيع، أو ألزمته، لأن وجوب الفسخ
ثبت حقا لله تعالى، دفعا للفساد، وماثبت
حقا لله تعالى خالصا، لا يقدر العبد على
إسقاطه مقصودا، كخيار الرؤية .
لكن قد يسقط بطريق الضرورة، بأن
یتصرف العبد في حق نفسه مقصودا، فیتضمن
ذلك سقوط حق الله عز وجل، بطريق
الضرورة.
وإذا بطل حق الفسخ لزم البيع، وتقرر
الضمان، وإذا لم يبطل لا يلزم البيع، ولا يتقرر
الضمان .
وفيما يلي أهم صور ذلك .
(١) البدائع ٣٠٠/٥
(٢) بدائع الصنائع ٣٠٠/٥، والدر المختار ورد المحتار
٤/ ١٢٥
الصورة الأولى : التصرف القولي في المبيع
بیعا فاسدا .
٣٠ - أطلق الحنفية القول بأنه يبطل حق الفسخ
بكل تصرف يخرج المبيع عن ملك المشتري(١)
لتعلق حق العبد به. (٢) وهذا التعليل هو الذي
أصله المالكية، وذلك كما لو جعل المبيع مهرا، أو
بدل صلح، أو بدل إجارة. وعللوه قائلين:
لخروجه عن ملكه بذلك. (٣)
أو وهبه وسلمه، لأن الهبة لا تفيد الملك إلا
بالتسليم بخلاف البيع .
أو رهنه وسلمه، لأن الرهن لا يلزم بدون
التسليم.
أو وقفه وقفا صحيحا، لأنه استهلكه حین
وقفه وأخرجه عن ملكه. (٤)
أو أوصی به ثم مات، لأنه ينتقل من ملكه
إلى ملك الموصى له، وهو ملك مبتدأ، فصار
کما لو باعه .
أو تصدق به وسلمه أيضا، لأنه لا يخرج عن
ملك المتصدق بدون تسليم . (٥)
وكذا العتق، فقد استثنوه لقوته وسرايته
وتشوف الشارع إليه. (٦)
(١) رد المحتار ٤ /١٢٦ نقلا عن الوقاية.
(٢) الدر المختار ١٢٧/٤، والشرح الكبير ٣/ ٧٤
(٣) تبيين الحقائق ٦٤/٤، والدسوقي ٧٤/٣
(٤) الاختيار ٢/ ٢٢، ٢٣، وابن عابدين ١٢٦/٤
(٥) الدر المختار ورد المحتار عليه ١٢٦/٤، ١٢٧
(٦) الاختيار ٢/ ٢٢، ٢٣، وابن عابدين ١٢٦/٤
- ١١٠ -

البيع الفاسد ٣١ - ٣٣
٣١ - ففي هذه الصور كلها، ينفذ البيع
الفاسد، ويمتنع فسخه وذلك:
أ - لأن المشتري ملكه، فملك التصرف فيه.
ب - ولأنه تعلق حق العبد بالعقد الثاني، ونقض
العقد الأول ماكان إلا لحق الشرع، وحق العبد
عند معارضة حق الله تعالی یقدم بإذنه تعالى ،
لغناه سبحانه وتعالى وسعة عفوه، وفقر العبد
دائما إلى ربه .
جـ ـ ولأن العقد الأول مشروع بأصله
لا بوصفه، والثاني مشروع بأصله ووصفه، فلا
يعارضه مجرد الوصف .
د - ولأن البيع الثاني حصل بتسليط من جهة
البائع الأول، لأن التمليك منه - مع الإذن في
القبض - تسليط على التصرف، فلا يتمكن من
الاسترداد من المشتري الثاني، وإلا کان ساعيا
في نقض ماتم من جهته، ويؤدي إلى
المناقضة . (١)
٣٢ - استثنى الحنفية من ذلك: الإِجارة.
فقرروا أنها لا تمنع من فسخ البيع الفاسد، لأن
الإِجارة تفسخ بالأعذار، ورفع الفساد من
الأعذار، بل لا عذر أقوى من الفساد، كما يقول
الكاساني. (٢)
(١) الهداية وفتح القدير ٩٨/٦، و٩٩، وانظر تبيين الحقائق
٤/ ٦٥،٦٤
(٢) بدائع الصنائع ٣٠١/٥، وانظر الدر المختار ورد المحتار
عليه ٤ / ١٢٧
ولأنہا ۔ کما يقول المرغیناني - تنعقد شيئا
فشيئا، فیکون الرد امتناعا. (١)
ونص الحنفية على أنه إذا زال المانع من
ممارسة حق الفسخ - كما لورجع الواهب بهبته،
أو افتكّ الراهن رهنه - عاد الحق في الفسخ، لأن
هذه العقود لم توجب الفسخ من کل وجه في حق
الكل .
لكن يشترط أن يكون ذلك قبل القضاء
بالقيمة أو المثل، لا بعده، لأن قضاء القاضي
بذلك يبطل حق البائع في العين، وينقله إلى
القيمة أو المثل بإذن الشرع، فلا يعود حقه إلى
العين وإن ارتفع السبب، كما لوقضى على
الغائب بقيمة المغصوب بسبب فقده مثلا، ثم
وجد المغصوب . (٢)
الصورة الثانية : الأفعال التي ترد على المبيع
بیعا فاسدا :
٣٣ - ومنها البناء والغرس، فلو بنى المشتري في
الأرض التي اشتراها شراء فاسدا بناء أو غرس
شجرا :
فذهب أبو حنيفة إلى أنه يمتنع الفسخ بالبناء
والغرس، وذلك لأنهما استهلاك عنده، لأنه
يقصد بهما الدوام، وقد حصلا بتسليط من
البائع، فينقطع بهما حق الاسترداد، كالبيع.
(١) الهداية وشروحها ٥/ ١٠٠
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٤/ ١٢٧، ١٢٨
- ١١١ -

البيع الفاسد ٣٤ - ٣٦
وذهب الصاحبان إلى أن البناء والغرس
لا يمنعان من الفسخ، وللبائع أن ينقضهما
ويسترد المبيع، وذلك لأن حق الشفعة - مع
ضعفه - لا يبطل بالبناء والغرس، فهذا
أولى . (١)
٣٤ - ومما يمنع الفسخ الزيادة في المبيع أو النقص
منه .
أ - أما الزيادة : فقد قرر الحنفية ان كل زيادة
متصلة بالمبيع، غير متولدة منه، كما لو كان المبيع
قماشا فخاطه، أو ثوبا فصبغه، أو قمحا
فطحنه، أو قطنا فغزله، ففي هذه الصور كلها
وأمثالها يمتنع الفسخ، وتلزم المشتري قيمة
المبيع
وأما الزيادة المتصلة المتولدة كسمن
المبيع، والزيادة المنفصلة المتولدة كالولد،
والزيادة المنفصلة غير المتولدة كالكسب
والهبة، فإنها لا تمنع الفسخ. (٢)
ب - وأما نقص المبيع، فقد قرروا أنه إذا نقص
في يد المشتري، لا يبطل حقه في الرد،
ولا يمتنع الفسخ. لكن إن نقص وهو في يده
بفعله، أو بفعل المبيع نفسه، أوبآفة سماوية
یأخذه البائع منه، ویضمنه أرش النقصان. ولو
(١) الدر المختار ورد المحتار ١٣١/٤، وتبيين الحقائق مع
حاشية الشلبي ٤/ ٦٥
(٢) الدر المختار ورد المحتار ١٣١/٤
نقص وهو في يد المشتري بفعل البائع، اعتبر
البائع بذلك مستردا له. ولو نقص بفعل
أجنبي، خير البائع بأخذه من المشتري أو من
الجاني.(١)
٣٥ - وقد وضع الزيلعي من الحنفية ضابطا لما
يمتنع به من الأفعال حق الاسترداد والفسخ،
فقال: إن المشتري متى فعل بالمبيع فعلا،
ينقطع به حق المالك في الغصب، ينقطع به حق
المالك في الاسترداد، كما إذا كان حنطة
فطحنها . (٢)
ثالثا (من أحكام البيع الفاسد): حکم الربح في
البدلين بالبيع الفاسد:
٣٦ - صرح فقهاء الحنفية بأنه يطيب للبائع
ماربح في الثمن، ولا یطیب للمشتري ماربح في
المبيع، فلو اشترى من رجل عينا بالبيع الفاسد
بألف درهم مثلا وتقابضا، وربح كل واحد منهما
فیما قبض، يتصدق الذي قبض العين بالربح،
لأنها تتعين بالتعيين، فتمكن الخبث فيها،
ویطیب الربح للذي قبض الدراهم، لأن النقد
لا يتعين بالتعيين. (٣)
(١) المرجع السابق .
(٢) تبيين الحقائق ٤ / ٦٥
(٣) تنبيه: في تعيين النقد في البيع الفاسد عند الحنفية روايتان،
لکن لو اتجر من قبض الدراهم في البیع الفاسد، وربح في
العقد الثاني، يطيب له الربح رواية واحدة لعدم تعين النقد
في العقد الثاني. (انظر ابن عابدين ٤ /١٢٩)
- ١١٢ -

البيع الفاسد ٣٧ - ٣٨
ومفاد هذا الفرق: أنه لوكان بيع مقايضة
(أي بيع عين بعين) لا يطيب الربح لهما، لأن
كلا من البدلین مبيع من وجه، فتمكن الخبث
فيهما معا. (١)
رابعا : قبول البيع الفاسد للتصحيح :
٣٧ - البيع الفاسد إما أن يكون الفساد فيه
ضعيفا أو قويا :
أ - فإذا كان الفساد ضعيفا، وهو ما لم يدخل في
صلب العقد، فإنه يمكن تصحیحه كما في البيع
بشرط خیار لم یوقّت، أو وقت إلى وقت مجهول
کالحصاد والدیاس، وکما في البيع بثمن مؤجل
إلى أجل مجهول مثلا، فإذا أسقط الأجل مَنْ له
الحق فيه قبل حلوله، وقبل فسخه، جاز البيع
لزوال المفسد، ولو كان إسقاط الأجل بعد
الافتراق على ماحرره ابن عابدين کذلك سائر
البياعات الفاسدة تنقلب جائزة بحذف المفسد،
فبیع جذع في سقف فاسد، وکذلك بيع ذراع
من ثوب وحلية في سیف، لأنه لا يمكن تسليم
المبيع إلا بضرر لا يستحق عليه، لكنه إن قلعه
وسلمه قبل نقض البیع جاز، وليس للمشتري
الامتناع. وبيع ثوب من ثوبين فاسد لجهالة
المبيع، لكنه لو قال: علی ان یأخذ أيهما شاء جاز
لعدم المنازعة. (٢) وإن باع بشرط أن يعطيه
(١) ابن عابدين ١٢٩/٤
(٢) البدائع ١٧٨/٥، وابن عابدين ١١٩/٤، والاختيار
٢٥/٢، ٢٦
المشتري رهنا، ولم يكن الرهن معينا
ولا مسمی، فالبیع فاسد، لكن إذا تراضیا علی
تعيين الرهن في المجلس، ورفعه المشتري إليه
قبل أن يتفرقا، أو عجل المشتري الثمن يبطل
الأجل، فيجوز البيع استحسانا لزوال
الفساد. (١)
هذا كله عند أكثر فقهاء الحنفية، خلافا لزفر
حيث قال: البيع إذا انعقد على الفساد لا يحتمل
الجواز بعد ذلك برفع المفسد، لما فيه من
الاستحالة .
ب - أما إذا كان الفساد قويا، بأن يكون في
صلب العقد، وهو البدل أو المبدل، فلا يحتمل
الجواز برفع المفسد اتفاقا، كما إذا باع عينا بألف
درهم ورطل من خمر، فحط الخمر عن
المشتري، فهذا البيع فاسد ولا ينقلب
صحيحا . (٢)
خامسا : الضمان إذا هلك المبيع :
٣٨ - لا يختلف الفقهاء في أن المبيع بیعا فاسدا،
إذا هلك وهو في ید المشتري، ثبت ضمانه علیه،
وذلك برد مثله إن كان مثليا - مكيلا أو موزونا أو
معدودا - ورد قيمته إن كان قيميا، بالغة
مابلغت، سواء أكانت أكثر من الثمن أم أقل منه
أم مثله .
(١) الفتاوى الهندية ١٣٣/٣
(٢) البدائع ١٧٨/٥
- ١١٣ -

البيع الفاسد ٣٩ - ٤٠
وتجب القيمة في القيمي، عند جمهور الحنفية
يوم القبض، لأنه به يدخل في ضمانه، فهو اليوم
الذي انعقد به سبب الضمان.(١)
وعند محمد تعتبر قيمته يوم الإِتلاف
(الهلاك)، لأنه بالإِتلاف يتقرر المثل أو القيمة(١)
٣٩ - أما لو نقص المبيع بیعا فاسدا في يد
المشتري، فالنقص مضمون عليه على النحو
التالي :
أ - لو نقص في يد المشتري بفعل المشتري، أو
المبيع نفسه، أوبآفة سماوية، أخذه البائع مع
تضمين المشتري أرش النقصان.
ب۔ ولو نقص بفعل البائع، صاربذلك مستردا
للمبيع، حتى لوهلك عند المشتري ولم يوجد
منه حبس عن البائع، هلك على البائع .
جـ - ولو نقص بفعل أجنبي ، خير البائع :
- فإن شاء أخذه من المشتري، ثم يرجع
المشتري على الجاني.
- وإن شاء اتبع الجاني، وهو لا يرجع على
المشتري .(٢)
سادسا : ثبوت الخيار فيه :
٤٠ - نص الحنفية على أن خيار الشرط یثبت في
البيع الفاسد، كما يثبت في البيع الجائز حتى لو
(١) الدر المختار ١٢٥/٤، وكفاية الطالب ١٤٨/٢
(٢) رد المحتار ١٢٥/٤
(٣) رد المحتار
باع عبدا بألف درهم ورطل من خمر، على أنه
بالخيار، فقبضه المشتري بإذن البائع، وأعتقه في
الأيام الثلاثة لا ينفذ إعتاقه، ولولا خيار الشرط
للبائع لنفذ إعتاق المشتري بعد القبض. قال
ابن عابدين: ومفاده صحة إعتاقه بعد مضي
المدة، لزوال الخيار، وهو ظاهر.
وكما يثبت خيار الشرط في المبيع بیعا فاسدا،
يثبت فيه خيار العيب، وللمشتري بعد قبضه
أن يرده بالعيب بقضاء وبغير قضاء. (١)
22
(١) الفتاوى الهندية ٣٩/٣، ورد المحتار ١٢٤/٤، ١٢٦
- ١١٤ -

بيع الفضولي ١ - ٢
بيع الفضولي
التعريف :
١ - البيع في اللغة: مبادلة شيء بشيء.
وفي الشرع هو: مبادلة المال المتقوّم بالمال
المتقوم تمليكا وتملكا(١)
والفضولي لغة : مَنْ يشتغل بما لا يعنيه.
وأما في الاصطلاح فهو: من لم یکن وليا
ولا أصيلا ولا وكيلا في العقد. (٢)
وجاء في العناية: أن الفُضولي بضم الفاء
لا غير، والفَضل: الزيادة، وغلب استعمال
الجمع (فضول) بدلا من المفرد (فَضْل) فيما
لا خير فيه. وقيل: لمن يشتغل بما لا يعنيه
فضولي، وهو في اصطلاح الفقهاء : من ليس
بوکیل. (٣)
وجاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق :
وفي حاشية ابن عابدين أن الفضولي: هو من
(١) لسان العرب، والقاموس المحيط، والصحاح، والمصباح
المنير مادة: ((فضل))، والتعريفات للجرجاني.
(٢) المصباح مادة: ((فضل))، والتعريفات للجرجاني.
(٣) العناية على الهداية صدر هامش فتح القدير ٣٠٩/٥ ط
الأميرية، والمصباح مادة: ((فضل))
يتصرف في حق الغير بغير إذن شرعي،
كالأجنبي يزوج أويبيع. ولم ترد النسبة إلى
الواحد وهو الفضل، وإن كان هو القياس، لأنه
.صار بالغلبة كالعلم لهذا المعنى، فصار
کالأنصاري والأعرابي . (١)
هذا، ولفظ الفضولي عند الفقهاء يتناول كل
من يتصرف بلا ملك ولا ولاية ولا وكالة،
كالغاصب إذا تصرف في المغصوب بالبيع أو
غيره، والوكيل إذا باع أو اشترى أو تصرف
مخالفا لما أمره به موكله، فهو أيضا يعتبر بهذه
المخالفة فضولیا، لأنه تجاوز الحدود التي قیده بها
موكله .
الحكم التكليفي :
٢ - الفقهاء الذين يرون أن بيع الفضولي باطل
مقتضى مذهبهم حرمة الإقدام على بيع
الفضولي لأنه تسبب للمعاملات الباطلة. أما
من رأى صحته - وهم الحنفية والمالكية - فقد
صرح المالكية بأن بيع الفضولي بلا مصلحة
للمالك حرام، أما إن باع للمصلحة كخوف
تلف أو ضیاع فغیر حرام، بل ربما کان مندوبا .
ولم نجد للحنفية تصريحا بالحكم التكليفي .
(١) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١٠٣/٤ ط دار المعرفة،
وحاشية ابن عابدين ١٣٥/٤ ط المصرية.
- ١١٥ -

بيع الفضولي ٣ - ٥
الحكم الإجمالي :
٣ - للفقهاء في بيع الفضولي اتجاهان من حيث
الجملة .
أحدهما : يجيز البيع ويوقف نفاذه على إجازة.
المالك .
والثاني : يمنع البيع ويبطله.
وأما الشراء، فإن منهم من يجيزه ويجعله
موقوفا على الإِجازة كالبيع، ومنهم من لا يجعله
کذلك، ومنهم من یذکر فیه تفصيلا .
الأدلة :
٤ - استدل القائلون بجواز بيع الفضولي بقوله
تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾(١) وفي
هذا إعانة لأخيه المسلم. (٢)
واستدلوا أيضا بحديث عروة بن أبي الجعد
البارقي، وهو أن النبي وُلّ ((أعطاه دينارا
ليشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع
إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له
بالبر كة في بیعه، وکان لو اشترى التراب لربح
فیه)). (٣)
وبحديث حكيم بن حزام وهو أن النبي #
(١) سورة المائدة/ ٢
(٢) المجموع ٢٦٢/٩ ط السلفية، والفروق للقرافي ٣/ ٢٤٤
ط دار المعرفة .
(٣) حديث: ((عروة بن أبي الجعد ... )) أخرجه البخاري.
(فتح الباري ٦٣٢/٦ ط الرياض).
بعثه ليشترى له أضحية بدینار، فاشترى
أضحية، فأربح فيها دينارا، فاشترى أخرى
مكانها، فجاء بالأضحية والدينار إلى
رسول الله وَلّ فقال: ((ضحّ بالشاة وتصدق
بالدینار)». (١)
فهذا رسول الله وسل ◌ّر أجاز هذا البيع، ولو كان
باطلا لرده، وأنكر على من صدر منه، وأيضا
فإن هذا تصرف تمليك، وقد صدر من أهله
فوجب القول بانعقاده، إذ لا ضرر فيه للمالك
مع تخییره، بل فیه نفعه، حیث يكفى مؤنة
طلب المشتري وقرار الثمن (أي المطالبة)
وغيره، وفيه نفع العاقد لصون كلامه عن
الإلغاء، وفيه نفع المشتري لأنه أقدم عليه
طائعا، فثبتت القدرة الشرعية تحصيلا لهذه
الوجوه . (٢)
٥ - واستدل القائلون بعدم الجواز بما روي عن
حكيم بن حزام قال: سألت رسول اللّه الخيل :
فقلت: يأتيني الرجل فيسألني من البيع ماليس
(١) تبيين الحقائق ١٠٣/٤ ط دار المعرفة، والمجموع ٢٦٢/٩
ط السلفية، وسنن البيهقي ٦/ ١١٣ ط الأولى.
وحديث حكيم بن حزام ((ضح بالشاة ... )) أخرجه
الترمذي (٤ / ٤٧ تحفة الأحوذي) وقال: لا نعرفه إلا من
هذا الوجه، وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من
حکیم بن حزام
(٢) فتح القدير ٥/ ٣١٠ ط الأميرية، والبحر الرائق ٦/ ١٦٠
ط العلمية، وتبيين الحقائق ١٠٣/٤، ١٠٤ ط دار المعرفة
- ١١٦ -

بيع الفضولي ٥ - ٧
عندي، أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال:
((لا تبع ماليس عندك)). (١)
واستدلوا أيضا بحديث عمرو بن شعيب
قال: حدثني أبي عن أبيه حتى ذكر عبدالله
ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ولم
قال: «لا يحل سلف وبیع، ولا شرطان في بيع،
ولا ربح ما لم يُضمن، ولا بيع ماليس
عندك)). (٢)
وبما روى أيضا عن عمروبن شعيب عن أبيه
عن جده أن النبي صَ ل قال: ((لا طلاق إلا فيما
تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما
تملك)»(٣)
فهذه الأحاديث تدل على أن بيع الفضولي
باطل، لأنه تصرف بلا ملك ولا إذن ولا ولاية
ولا وكالة.
(١) تحفة الأحوذي ٤/ ٤٣٠ ط الثانية، والمجموع ٩/ ٢٦٢ ط
السلفية، وكشاف القناع ١٥٧/٣ ط النصر.
وحديث حكيم بن حزام ((لا تبع ماليس عندك .. ))
أخرجه الترمذي (٤٣٠/٤ تحفة الأحوذي) وحسنه .
(٢) تحفة الأحوذي ٤/ ٤٣١ - ٤٣٢ ط الثانية.
وحديث عمرو بن شعيب (( لا يحل سلف وبيع ... ))
أخرجه الترمذي ٥٣٥/٣ ط الحلبي. وقال: حسن
صحیح.
(٣) المجموع ٢٦٢/٩ - ٢٦٣ ط السلفية.
وحديث عمرو بن شعيب ((لا طلاق إلا فيما تملك ... ))
أخرجه أبوداود (٣/ ٦٤٠ ط عزت عبيد دعاس)،
والترمذي (٨٦٨/٣ ط الحلبي). واللفظ لأبي داود، وقال
الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا
الباب
وأيضا فإنه باع ما لا يقدر على تسليمه فلم
يصح ، كبيع الآبق والسمك في الماء والطير في
الهواء . (١)
وفيما يلي تفصيل المذاهب في تصرف
الفضولي :
(أ) تصرف الفضولي في البيع :
٦ - اتفق الفقهاء على أن من شروط البيع: أن
یکون المبيع مملوکا للبائع، أوله عليه ولاية أو
وكالة تجيز تصرفه فيه، واتفقوا أيضا على صحة
بيع الفضولي، إذا كان المالك حاضرا وأجاز
البيع، لأن الفضولي حينئذ یکون کالوکیل .
واتفقوا أيضا على عدم صحة بيع الفضولي
إذا كان المالك غير أهل للإِجازة، كما إذا كان
صبيا وقت البيع .
٧ - ومحل الخلاف في بيع الفضولي إذا كان
المالك أهلا للتصرف وبیع مالهوهو غائب، أو
کان حاضرا وبيع ماله وهو ساکت، فهل يصح
بيع الفضولي أو لا يصح؟
ذهب الحنفية والمالكية، والشافعي في
القديم، وهو أحد قوليه في الجديد، وأحمد في
إحدى الروايتين عنه: إلى أن البيع صحيح،
إلا أنه موقوف على إجازة المالك.
(١) مغني المحتاج ٢/ ١٥ ط الحلبي، والمجموع ٩/ ٢٦١ -
٢٦٤ ط السلفية .
- ١١٧ -

بيع الفضولي ٨ - ٩
وذهب الشافعي في القول الثاني من الجديد،
وأحمد في الرواية الأخرى عنه: إلى أن البيع
باطل. (١)
٨ - وهذا كله من حيث الإِجمال فقط، وذلك
لأن الحنفية يذكرون شروطا لنفاذ بيع الفضولي،
وهي عبارة عن بقاء الملك، ويتحقق ببقاء
العاقدين: البائع والمشتري، وبقاء المعقود عليه
بلا تغيير، لأن الإِجازة تصرف في العقد، فلابد
من قيامه، وذلك بقيام العاقدين ومحل العقد،
كما هو الحال في إنشاء العقد. واشترطوا أيضا أن
لا يبيع الفضولي الشيء على أنه لنفسه. وأما
الثمن فإنهم اشترطوا قيامه إن كان عرضا، لأن
العرض يتعين بالتعيين فصار كالمبيع، ولم
یشترطوا قیام الثمن إن کان دینا .
واشترطوا أيضا: بقاء المالك الأول، وهو
المعقود له مع علمه بحال المبيع وقت الإِجازة من
وجوده أو عدمه، لأن العقد موقوف على
(١) بدائع الصنائع ٥/ ١٤٧ ط الجمالية، وتبيين الحقائق
١٠٢/٤، ١٠٣ ط دار المعرفة، وابن عابدين ٤/ ١٣٦،
وفتح القدير ٣٠٩/٥ ط الأميرية، وحاشية الدسوقي
١٢/٢ ط الفكر، ومواهب الجليل ٢٦٩/٤، ٢٧٠ ط
النجاح، والخرشي ١٨/٥ ط دار صادر، وروضة الطالبين
٣٥٣/٣ ط المكتب الإسلامي، وتحفة المحتاج ٢٤٦/٤،
٢٤٧ ط دار صادر، والمجموع ٩/ ٢٥٩ ط السلفية،
وكشاف القناع ١٥٧/٣ ط النصر، والإنصاف ٢٨٣/٤ ط
التراث، والفروع ٢ /٤٦٦ - ٤٦٧ ط الأولى المنار.
إجازته، فلا ينفذ بإجازة غيره، فلومات المالك
لم ينفذ بإجازة الوارث، سواء أكان الثمن دينا أم
عرضا. (١)
ولو لم يعلم المالك حال المبيع وقت الإِجازة
من بقائه أو عدمه جاز البيع في قول أبي يوسف
أولا، وهو قول محمد، لأن الأصل بقاؤه. ثم
رجع أبو يوسف وقال: لا يصح مالم يعلم المالك
قيام المبيع عند الإِجازة، لأن الشك وقع في شرط
الإِجازة، فلا يثبت مع الشك. (٢)
٩ - وإذا أجاز المالك صار المبيع ملكا للمشتري
والثمن مملوكا له أمانة في يد الفضولي، فلوهلك
لا يضمنه كالوكيل، فإن الإجازة اللاحقة بمنزلة
الوكالة السابقة، من حيث إنه بها صار تصرفه
نافذا، ولذا يسمى هذا النوع من الإِجازة
(إجازة عقد)
هذا إذا كان الثمن دينا، فإن كان عينا بأن
باع الفضولي ملك غيره بعرض معين بيع
مقايضة، اشترط قيام الأربعة المذكورة، وهي :
العاقدان والمبیع ومالکه الأول، وخامس وهو
ذلك الثمن العرض، وإذا أجاز مالك المبيع
(١) مجمع الأنهر ٢/ ٩٤ - ٩٥ ط العثمانية، والبحر الرائق
١٦٠/٦ ط العلمية، وجامع الفصولين ٢٣٠/١ ط
بولاق.
(٢) العناية مع فتح القدير ٣١٣/٥ ط الأميرية، وتبيين الحقائق
١٠٦/٤ ط دار المعرفة، والبحر الرائق ٦/ ١٦٠ ط
العلمية .
- ١١٨ -

بيع الفضولي ١٠ - ١٢
- والثمنُ عرض - فالفضولي يكون ببيع مال
الغير مشتريا للعرض من وجه، والشراء
لا يتوقف إذا وجد نفاذا، فينفذ على الفضولي،
فيصير مالكا للعرض، والذي تفيده الإِجازة أنه
أجاز للفضولي أن ينقد ثمن مااشتراه من ذلك
العرض من ماله، ولذا تسمى إجازة العقد،
كأنه قال: اشتر هذا العرض لنفسك، وانقده
ثمنه من مالي هذا قرضا علیك، فإن کان مثليا
فعليه مثله، وإن كان قیمیا کثوب فقيمته.
فيصير مستقرضا للثوب. والقرض وإن لم يجز في
القيميات لكن ذلك إذا كان قصدا. وهنا إنما
يثبت ضمنا مقتضى لصحة الشراء، فيراعى فيه
شرائط صحة المقتضي، وهو الشراء لا غير. (١)
١٠ - وصرح الحنفية بأن للفضولي أن يفسخ قبل
إجازة المالك، دفعا للحوق الضرر عن نفسه،
لأن حقوق البيع ترجع إليه، بخلاف الفضولي
في النكاح، لأنه معبر محض. (٢)
١١ - وذكر الحنفية أيضا أن الفضولي بعد
الإِجازة یصیر حکمه حکم الوکیل، حتى لو
حط من الثمن ثم أجاز المالك البيع يثبت البيع
والحط، سواء علم المالك الحط أولم يعلم، إلا
أنه إذا علم بالحط بعد الإِجازة يثبت له الخيار.
(١) مجمع الأنهر ٩٥/٢، ٣١٢ ط العثمانية.
(٢) مجمع الأنهر ٢/ ٩٥ ط العثمانية، وفتح القدير ٣١٢/٥ ط
الأميرية .
ووجهه كما في جامع الفصولين أنه يصير بالإِجازة
كوكيل، ولو حطه الوكيل لا يتمكن الموكل من
مطالبة المشتري به، كذا هذا. (١)
١٢ - واشترط المالكية لصحة بيع الفضولي ثلاثة
شروط :
أحدها : أن لا يكون المالك حاضرا مجلس
البیع، ولکنه حاضر في البلد، أو غائب عنه غيبة
قریبة، لا بعیدة بحیث یضر الصبر إلی قدومه أو
مشورته. فإن كان حاضرا مجلس العقد وسكت
لزمه البيع، وللبائع الثمن، فإن مضی نحو عام
ولم يطالب بالثمن فلا شيء له على البائع، (٢)
ولا يعذر بجهل في سكوته إذا ادعاه. ومحل
مطالبة المالك للفضولي بالثمن مالم يمض عام،
فإن مضى العام وهو ساكت سقط حقه في
الثمن. هذا إن بیع بحضرته، أما إن بيع في
غيبته فله نقض البيع إلى سنة ، فإن مضت
سقط حقه في النقض.
ولا يسقط حقه في الثمن ما لم تمض مدة
الحيازة، وهي عشرة أعوام . (٣)
ثانيها: أن يكون في غير الصرف، وأما فيه
فإنه يفسخ .
(١) جامع الفصولين ١/ ٢٣١ ط الأميرية.
(٢) الزرقاني ١٩/٥ ط الفكر
(٣) الشرح الكبير ٣/ ١٢ ط الفكر، والشرح الصغير ٢٦/٣ ط
دار المعارف
- ١١٩ -

بيع الفضولي ١٣ - ١٤
ثالثها : أن يكون في غیر الوقف، وأما فيه
فباطل لا يتوقف على رضا واقفه، وإن كان
الملك له. (١)
١٣ - وذكر المالكية أيضا أن للمالك نقض بيع
الفضولي، غاصبا أو غيره إن لم يفت، فإن فات
بذهاب عينه فقط، فعليه الأكثر من ثمنه
وقيمته . (٢)
وقالوا : إن للمشتري من الفضولي الغلة
قبل علم المالك، إذا كان المشتري غير عالم
بالتعدي، أو كانت هناك شبهة تنفي عن البائع
التعدي، لكونه حاضنا للأطفال مثلا كالأم تقوم
بهم وتحفظهم، أو لكونه من سبب المالك أي من
ناحیته ممن یتعاطی أموره، ويزعم أنه وکیل، ثم
يقدم المالك وینکر ونحوذلك. ويدل له مسألة
اليمين: أن لا يبيع لفلان، فباع لمن هو من
سببه. (٣)
وتذكر كتب المالكية أيضا حكما آخر فرعوه
على الجواز لم يصرح به غيرهم، وهو حكم
قدوم الفضولي على البيع، فقد ذكر الدسوقي
(١) الزرقاني ١٩/٥ ط الفكر.
(٢) الزرقاني ١٩/٥ ط الفكر، والدسوقي ١٢/٣ ط الفكر،
وجواهر الإكليل ٢/ ٥ ط دار المعرفة .
(٣) الخرشي مع حاشية العدوي ١٨/٥ ط صادر، والزرقاني
١٩/٥ ط الفكر، والدسوقي مع الشرح الكبير ١٢/٣ ط
الفکر.
في حاشيته: أنه قد قيل بمنعه، وقيل: بجوازه،
وقيل بمنعه في العقار والجواز في العروض . (١)
١٤ - هذا والقول ببطلان بيع الفضولي عند
الشافعية هو الصحيح المنصوص عليه في
الجديد، وبه قطع صاحب المهذب وجماهير
العراقيين، وكثيرون، أو الأكثرون من
الخراسانيين كما جاء في المجموع.
وأما القول بانعقاده موقوفا على إجازة المالك
فهو القول القديم الذي حكاه الخراسانيون
وجماعة من العراقيين، منهم المحاملي في اللباب
والشاشي وصاحب البيان.
وأما قول إمام الحرمين: إن العراقيين لم
يعرفوا هذا القول، وقطعوا بالبطلان، فمراده
متقدموهم كما جاء في المجموع. ثم إن كل من
حکاه إنما حکاه عن القديم خاصة، وهو نص
للشافعي في البويطي، وهو من الجديد، قال
الشافعي في آخر باب الغصب من البويطي : إن
صح حديث عروة البارقي، فکل من باع أو
أعتق ملك غيره بغير إذنه ثم رضي، فالبيع
والعتق جائزان. هذا نصه، وقد صح حدیث
عروة البارقي السابق نصه، فصار للشافعي
قولان في الجديد أحدهما موافق للقديم. (٢)
(١) الدسوقي ١٢/٣ ط الفكر، والفروق للقرافي ٢/ ٢٤٤ ط
دار المعرفة .
(٢) المجموع ٩/ ٢٥٩ ط السلفية، ومغني المحتاج ١٥/٢=
- ١٢٠ -