Indexed OCR Text

Pages 121-140

بطلان ٢٧ - ٢٨
أيضا مذهب الحنفية والمالكية في الجملة على
مايستفاد من أقوالهم، مع الاختلاف فیمن یعتبر
أهلا للإِذن، ومن لا يعتبر كالسفيه، ومع
الاختلاف أيضا في العقود المضمونة في
صحيحها، أو غير المضمونة كالرهن
والعارية . (١)
ويعتبر أبوحنيفة المبيع في البيع الباطل إذا
قبضه المشتري أمانة، ولا ضمان عليه لو هلك،
لأن العقد إذا بطل بقي مجرد القبض بإِذن
المالك، وهو لا یوجب الضمان إلا بالتعدي،
والقائلون بالضمان يعللون ذلك بأنه لا يكون
أدنى من المقبوض على سوم الشراء. (٢)
ويفرق المالكية في العقد الفاسد بین ماقبض
علی جهة التملك فیکون مضمونا، وماقبض
على جهة الأمانة فلا ضمان فيه.
جاء في الفواكه الدواني : کل مبيع فاسد
قبضه المبتاع قبضا مستمرا بعد بت البيع فضمانه
من المبتاع من يوم قبضه، لأنه قبضه على جهة
التملك، لا على جهة الأمانة. (٣)
ومثل ذلك في الشرکة : لو اشترك من لا يعتبر
(١) القواعد والفوائد الأصولية ص١١٢، والهداية ٤/ ١٣٤،
وأشباه ابن نجيم ص٣٣٧، وجامع أحكام الصغار
١٧٢/١، والبدائع ١٧٣/٥، وفتح القدير والعناية
والكفاية عليه ٥/ ٤٩٠، وابن عابدين ٤ / ٤٠
(٢) ابن عابدين ١٠٥/٤، والبدائع ٣٠٥/٥، وينظر جامع
الفصولیین ٨١/٢
(٣) الفواكه الدواني ٢/ ١٢٩
إذنه، كصبي غير مأذون أو سفيه، فلا
ضمان .(١)
أثر البطلان في النكاح :
٢٨ - من القواعد العامة عند الجمهور أنه لا
فرق بين الباطل والفاسد، ويتابعهم الحنفية في
ذلك في باب النكاح على ماعرف من القواعد
العامة عندهم.
إلا أن الفقهاء يعبرون عن النكاح غير
الصحيح بالباطل أحيانا، وبالفاسد أحيانا
أخرى. ويريدون بهما ماقابل الصحيح.
لكنهم يقصدون بالفاسد ماكان مختلفا في
فساده بین المذاهب، کالنكاح بدون شهود،
حيث يجيز المالكية العقد بدونه، وإن كانوا
يشترطون الإشهاد قبل الدخول، ويجيزه أيضا
أبو ثور وجماعة. وكنكاح المحرم بالحج، والنكاح
بدون ولي، حيث يجيزهما الحنفية. وکنكاح
الشغاريصححه الحنفية ويلغون الشرط،
ويوجبون مهر المثل لكل من المرأتين.
ويقصدون بالباطل: ماكان مجمعا على
فساده بين المذاهب، كنكاح الخامسة، أو
المتزوجة من الغير، أو المطلقة ثلاثا، أو نكاح
المحارم . (٢)
(١) الدسوقي ٣٤٨/٣
(٢) بدائع الصنائع ٣٣٥/٢، وفتح القدير ١٤٧/٤، وابن
عابدين ٢/ ٣٥٠، ٣٥١، ٦٠٧، ٦٠٨، وحاشية =
- ١٢١ -

بطلان ٢٨ - ٢٩
والنكاح الباطل أو الفاسد واجب الفسخ عند
الجميع بالنسبة للمتفق على فساده، وعند
القائلین بالفساد بالنسبة للمختلف فيه، إلا إذا
حکم حاکم بصحته، فلا ینقض حکمه.
والتفريق في المتفق علی فساده لیس طلاقا
بالإِجماع، وإنما هو فسخ أومتاركة، وأما
المختلف فيه، ففي اعتبار التفريق طلاقا أم لا
اختلاف الفقهاء. (١) ر: (طلاق - فرقة -
فسخ).
ولا حكم للنكاح الباطل أو الفاسد قبل
الدخول في الجملة علی ماسیعرف، لأنه لیس
بنكاح حقيقة، لانعدام ملك منافع البضع
بالعقد الباطل أو الفاسد.
أما بعد الدخول فيتعلق بالفاسد بعض
الأحكام، لاعتباره منعقدا ضرورة في حق
المنافع المستوفاة . (٢)
وفيمايلي بيان أهم الأحكام التي تتعلق به :
= الدسوقي ٢٤١/٢ - ٢٤٨، وجواهر الإكليل ٢٨٥/١،
ومنح الجليل ٤٩/٢ - ٥٢، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٢٠،
والمهذب ٣٦/٢، ٦٣، ومغني المحتاج ١٤٧/٣، ١٤٨،
والمغني ٦/ ٤٥٤ - ٤٥٦، ومنتهى الإرادات ٨٢/٣، ٨٣،
٢١٧
(١) ابن عابدين ٢/ ٣٥١، والفتاوى الهندية ٢٧٩/١، ٣٣٠،
والبدائع ٢٦٣/٢، والفواكه الدواني ٣٥/٢، والقوانين
الفقهية ص ١٤٠، والمهذب ٣٦/٢، ٤٧، وروضة
الطالبين ٥١/٧، ومنتهى الإرادات ٨٤/٣، والمغني
٤٥٠/٦
(٢) بدائع الصنائع ٣٣٥/٢
أ - المهر :
٢٩ - لا يستحق المهر في النكاح الفاسد مطلقا ۔
سواء اتفق على فساده أم لا - إذا حصل التفريق
قبل الدخول باتفاق في الجملة، أو قبل الخلوة
فيما اختلف فيه، وذلك عند الحنابلة . (١)
هذا مع استثناء بعض المسائل التي يثبت فيها
نصف المهر قبل الدخول، ومن ذلك مايقوله
المالكية من أن سبب الفساد إذا لم يؤثر خللا في
المهر، كنكاح المحرم بالحج، ففيه نصف
الصداق بالطلاق، وجميعه بالموت .
وكذلك النكاح الفاسد عند المالكية لوقوع
صداقه أقل من الصداق الشرعي، وامتنع
الزوج من إتمامه (وهو مايسمى بنكاح
الدرهمين، لأنهما أقل من الصداق الشرعي)
ففيه نصف الدرهمين بفسخه قبل الدخول. (٢)
ومن ذلك ما إذا ادعى الزوج قبل الدخول
رضاعا محرما بلا بينة، وكذبته الزوجة، فإنه
يفسخ، وعليه نصف الصداق كما يقول المالكية
والحنابلة . (٣)
ويتفق الفقهاء على وجوب المهرفي
(١) بدائع الصنائع ٣٣٥/٢، وفتح القدير ٢٤٣/٣،
والفتاوى الهندية ١/ ٣٣٠، والدسوقي ٢/ ٢٤٠، والمنثور
في القواعد ٩/٣، ومنتهى الإرادات ٨٣/٣، والمغني
٤٥٥/٦
(٢) جواهر الإكليل ٢٨٥/١، ومنح الجليل ٣٥/٢
(٣) جواهر الإكليل ٢٨٥/١، والمغني ٧/ ٥٦٠، ومنتهى
الإرادات ٢٤٣/٣
- ١٢٢ -

بطلان ٢٩ - ٣٠
النكاح الفاسد مطلقا بالدخول (أي بالوطء)
لما روي عن النبي وَلغم أنه قال: ((أيُّما امرأةٍ
أنکحتْ نفسها بغير إذنٍ وليِّها فنکاحُها باطلٌ،
فإِن دَخَلَ بها فلها مهرُ مثلها))(١) جعل النبي ◌َّ
لها مهر المثل فيما له حكم النكاح الفاسد، وعلقه
بالدخول، فدل أن وجوبه متعلق به. وعند
الحنابلة يجب المهر كذلك في النكاح المختلف فيه
بالخلوة. قال في منتهى الإِرادات: نصا لما في
حديث عائشة رضي الله عنها من قوله ﴿ * :
((فلها المهر بما استحل من فرجها))(٢)
إلا أن ابن قدامة ذكر في المغني أن الخلوة في
النكاح الفاسد لا يجب بها شيء من المهر، وإنما
یوجبه الوطء ولم یوجد، ثم قال: وقد روي عن
أحمد مايدل على أن الخلوة فیہ کالصحيح،
فیتقرر به المھر کالصحیح، والأول أولى. ویری
المالكية أن المتلذذ بها من غير وطء تعوض وجوبا
بالاجتهاد، سواء أکان النكاح مختلفا فیه أم
متفقا على فساده. (٣)
(١) حديث: ((أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها ... ))
أخرجه أبوداود (٥٦٦/٢ - ط عزت عبید دعاس) وأحمد
(٤٧/٦ - ط اليمنية) وحسنه الترمذي (٤٠٨/٣ - ط
الحلبي).
(٢) حديث: ((فلها المهر بما استحل من فرجها ... )) تقدم
تخريجه آنفاً.
(٣) بدائع الصنائع ٣٣٥/٢، وفتح القدير ٢٤٣/٣،
وابن عابدين ٢/ ٣٥٠، ٣٥١، وحاشية الدسوقي
٢٤٠/٢، ٢٤١، ٣١٧، وجواهر الإكليل ٢٨٥/١،
ومنح الجليل ٣٥/٢، ٥١، ٥٢، والمهذب ٣٦/٢، =
واختلف الفقهاء في الواجب من المهر، هل
هو المسمى أو مهر المثل؟
فعند الحنفية - غير زفر - لها الأقل من مهر
مثلها ومن المسمى. وعند المالكية لها المسمى،
وإن لم یکن مسمی ۔ کنکاح الشغار- فلها مهر
المثل. وعند الشافعية وزفر من الحنفية لها مهر
المثل. وعند الحنابلة لها المسمى في الفاسد ومهر
المثل في الباطل. (١)
وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في (مهر،
صداق، نكاح).
ب - العدة والنسب :
٣٠ - اتفق الفقهاء على وجوب العدة وثبوت
النسب بالوطء في النكاح المختلف فيه بين
المذاهب، کالنكاح بدون شهود، أوبدون
ولي، وكنكاح المحرم بالحج، ونكاح الشغار.
ويزيد الحنابلة ثبوتهما بالخلوة ، لأن النكاح
المختلف فيه ينفذ بحكم الحاكم فأشبه الصحيح.
ويتفقون كذلك على وجوب العدة وثبوت
النسب في النكاح المجمع على فساده بالوطء
كنكاح المعتدة، وزوجة الغير والمحارم إذا كانت
هناك شبهة تسقط الحد، بأن كان لا يعلم بالحرمة
٦٣، وروضة الطالبين ٤٢/٧، ٥١، ونهاية المحتاج
=
٢٢٠/٦، والمنثور ٩/٣، ومنتهى الإِرادات ٣/ ٨٣، ونيل
المآرب ٢/ ٢٠٠، والمغني ٧٢٧/٦
(١) المراجع السابقة.
- ١٢٣ -

بطلان ٣٠، بعض
ولأن الأصل عند الفقهاء:أن كل نكاح يدرأ فيه
الحد فالولد لاحق بالواطىء.
أما إذا لم تكن هناك شبهة تسقط الحد،بأن
کان عالما بالحرمة،فلا يلحق به الولد عند
الجمهور، وكذلك عند بعض مشايخ الحنفية،
لأنه حیث وجب الحد فلا یثبت النسب. وعند
أبي حنيفة وبعض مشاريخ الحنفية يثبت النسب
لأن العقد شبهة. وروي عن أبي يوسف ومحمد
أن الشبهة تنتفي إذا كان النكاح مجمعا على
تحريمه والمنكوحة محرَّمة على التأبيد،كالأم
والأخت، وعلى ذلك فلا يثبت النسب عندهما
في المحرّمة على التأبيد، فقد ذكر الخير الرملي في
باب المهر عن العيني ومجمع الفتاوى أنه يثبت
النسب عند أبي حنيفة خلافا هما، إلا أنه روي
عن محمد أنه قال سقوط الحد عنه لشبهة حكمية
فیثبت النسب.
هذا بالنسبة للنسب في النكاح المجمع على
تحريمه مع العلم بالحرمة .
وأما بالنسبة للعدة، فعند المالكية والحنابلة
والقائلين من الحنفية بثبوت النسب فإن العدة
تجب وتسمى استبراء.
ولا تجب عند الشافعية وبعض الحنفية
القائلين بعدم ثبوت النسب.(١)
(١) البدائع ٣٣٥/٢، ٣٥/٧، ٣٦، وابن عابدين ٢/ ٣٥٠،
٣٥١، ٣٥٢، ٦٠٧، ٦٠٨، ١٥٣/٣، ١٥٤، وفتح
القدير ٢٤٣/٣ - ٢٤٥ و١٤٧/٤
=
هذا مع اختلافهم في العدة وهل تعتبر من
وقت التفريق أو من آخر الوطآت.
وهل تتداخل العدد أو لا تتداخل، بل
تستأنف.
وهل يعتبر النسب من وقت الدخول أومن
وقت العقد.
وهل تثبت بالنكاح الباطل حرمة المصاهرة أو
لا تثبت. وهل یثبت به الإِرث أولا يثبت؟
ففي كل ذلك تفصيلات كثيرة تنظر في
مواضعها .
بعض
انظر : بعضية .
= و٥ /٤٠ - ٤٢، والفتاوى الهندية ٢٧٩/١، ٢٨٠،
والزيلعي ١٥٣/٢، وحاشية الدسوقي ٢١٩/٢، ٤٧١،
٤٧٥، وجواهر الإكليل ٣٨٦/١، ومنح الجلیل ٣٧٥/٢،
٣٨١، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٤٠، ونهاية
المحتاج ١١٩/٧، ١٢٠، ١٦٨، وشرح روض الطالب
١٢١/٣، ١٥٠، وروضة الطالبين ٤٢/٧، ٥١،
٩٤/١٠، ومغني المحتاج ٣/ ١٤٧، ١٤٨، والمهذب
١٤٦/٢، ١٥١، ٢٦٩، والوجيز ١١/٢، وأشباه
السيوطي ص٥٠٧، والمنثور في القواعد ٣٢٩/٣، والمغني
٤٥٥/٦، ٤٥٦، ٥٧٧، ٤٥٠/٧، ٤٨٤، ومنتهى
الإرادات ٢١٦/٣، ٢١٧
- ١٢٤ -

..
بعضية ١ - ٣
بعضية
التعريف :
١ - البعضية: مصدر صناعي من البعض،
وبعض الشيء: الطائفة منه، وبعضهم يقول:
الجزء منه، والجمع: أبعاض.
قال ثعلب: أجمع أهل النحو على أن
البعض: شيء من شيء، أوشيء من أشياء،
وهذا يتناول مافوق النصف، كالثمانية، فإِنه
يصدق عليه أنه شيء من العشرة، ويتناول
أيضا ما دون النصف.
وبعضت الشيء تبعيضا: جعلته أبعاضا
متمايزة. (١)
وفي الاصطلاح لا يخرج عن معناه
اللغوي . (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - من الألفاظ ذات الصلة ((الجزئية
والفرعية)) وهذه الألفاظ متقاربة، لأن الجزئية
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: ((بعض).
(٢) نهاية المحتاج ٣٦٣/٨، ومغني المحتاج ٤٩٩/٤، والإقناع
١١٦/٢
من الجزء، والجزء من الشيء: الطائفة منه.(١)
والفرعية من الفرع وهو مايتفرع من أصله. (٢)
الحكم الإجمالي :
ورد استعمال الفقهاء لهذا المصطلح في كتب
الفقه في مواطن أهمها مايأتي :
في الطهارة :
٣ - اختلف الفقهاء في القدر الواجب في مسح
الرأس، فذهب الأحناف إلى أنه يجب مسح
مقدار الناصية، وهو ربع الرأس.
وذهب المالكية والحنابلة إلی أنه يجب مسح
جميع الرأس.
وذهب الشافعية إلى أنه يكفي مايقع عليه
اسم المسح من الرأس، وإن قل. (٣)
وتفصيل ذلك في مصطلح (وضوء).
واختلف الفقهاء كذلك فيمن لم يجد من الماء
إلا ما يكفي بعض أعضائه. فذهب الأحناف
والمالكية وأكثر العلماء إلى أنه يترك الماء الذي لا
یکفي إلا لبعض أعضائه ویتیمم، وهذا أحد
وجهين عند الحنابلة، وذهب الشافعية في
الأظهر إلى أنه يلزمه استعماله، ثم يتمم، وهو
(١) المصباح المنير مادة: ((جزا)).
(٢) المصباح المنير مادة: ((فرع)).
(٣) الهداية مع فتح القدير ١/ ١٠، وكشاف القناع ٩٨/١،
والمغني ١٢٥/١، والمجموع ٣٩٩/١
- ١٢٥ -

بعضية ٤
الوجه الثاني عند الحنابلة. (١)
وتفصيل ذلك في مصطلح: (تيمم).
في الصلاة :
٤ - اتفق الفقهاء على أن من لم يجد إلا مايستر
به بعض عورته لزمه ستره. (٢) وأبعاض الصلاة
في اصطلاح الشافعية: هي السنن التي تجبر
بسجود السهو، وهي القنوت في الصبح، أو في
وتر نصف رمضان، والقيام له، والتشهد الأول،
وقعوده، والصلاة على النبي وَلقر على الأظهر.
وسمیت أبعاضا، لأنها لما تأكدت بالجبر
بالسجود أشبهت الأبعاض الحقيقية، وهي
الأركان. (٣)
وماعداها من السنن یسمی هيئات لا تجبر
بسجود السهو، ولا يشرع لها.
ويتميز البعض من الهيئة عند الشافعية بعدة
أمور.
أولها : أن البعض يجبر بسجود السهو
بخلاف الهيئة، فإنها لا تجبر بسجود السهو،
لعدم وروده فیھا .
ثانيها : أن البعض سنة مستقلة وليست
(١) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ١٢٥/١، ومواهب
الجليل ٣٣٢/١، وقليوبي وعميرة ٨٠/١، والمغني
٢٤٢/١
(٢) مواهب الجليل ٣٣٢/١، وحاشية ابن عابدين ٢٨٩/١،
والمحلي مع القليوبي ١٧٨/١، وكشاف القناع ٢٧١/١
(٣) شرح المنهاج بحاشية القليوبي ١٩٦/١ - ١٩٧
تابعة لغيرها، بخلاف الهيئات، فإنها ليست
مستقلة، بل هي تابعة للأركان،كالتكبيرات
والتسبيحات والأدعية الواقعة إما في القيام، أو
الركوع، أو الاعتدال منها، أو السجود، أو
الجلوس بين السجدتين.
ثالثها : الأبعاض لها محل خاص بها من
الصلاة لا يشاركها غيرها، بخلاف الهيئات
فليس لها محل خاص بها، بل تقع في داخل
الأركان،كما ذكرنا آنفا.
رابعها : أن الأبعاض لا یطلب الإِتیان بها
خارج الصلاة إلا الصلاة على النبي ◌َّر،
بخلاف الهيئات، فالتكبيرات والتسبيحات
وغيرها من الأذكار مطلوبة في الصلاة وخارج
الصلاة .
ويكره ترك البعض عمدا عند الشافعية، ولا
تبطل الصلاة به، ويسجد للسهو ندبا بتركه،
كما يسجد كذلك بتركه نسيانا في المعتمد
عندهم، لأن الخلل حاصل في الحالتين، بل
خلل العمد أكثر، فكان للجبر أحوج.
والمرجوح لديهم أنه إن ترك عمدا فلا يسجد
لتقصيره بتفويت السنة على نفسه، بخلاف
الناسي فإِنه معذور، فناسب أن يشرع له
الجبر.(١)
(١) تحفة المحتاج ٣/٢، ١٧٠، ١٧٣، ومغني المحتاج
١٤٨/١، ٢٠٦، والجمل على شرح المنهج ١/ ٤٤٦
- ١٢٦ -

بعضية ٥ - ٧
ويقابل البعض عند الحنفية والحنابلة
الواجب، وهو عند الحنفية: مالا تفسد الصلاة
بتركه، ولكن يجب إعادتها في العمد والسهوإن
لم يسجد للسهو في حالة النسيان، وإن لم يعدها
يكون آثما، وتصح صلاته في الحالتين.
وتبطل صلاته إذا ترك الواجب عمدا عند
الحنابلة، ويجب سجود السهو عند الفریقین إذا
ترك الواجب نسيانا. (١) أما المالكية فيرون أن
الأبعاض سنة کالشافعية، وإن لم يسموها بهذا
الاسم. كما أن سجود السهو سنة عندهم
كذلك(٢) (ر: صلاة).
في الزكاة :
٥ - لا يعطى من تلزم المزكي نفقته بزوجيةٍ أو
بعضية، كالأبناء والبنت،من سهم الفقراء
والمساكين، بلا خلاف بين الفقهاء في ذلك، فيما
إذا كان المزكي يجب عليه الإنفاق. (٣)
في زكاة الفطر :
٦ - لو وجد بعض الصاع من الفطرة فهل يلزمه
إخراجه؟
ذهب الحنفية إلى أن الفطرة لا تجب إلا على
(١) حاشية ابن عابدين ٣٠٦/١، ٤٩٥، والمغني لابن قدامة
٦/٢، ٢٧، ٣٦
(٢) القوانين الفقهية ص ٦٦، ٦٩، ٧٠
(٣) الإقناع ١١٦/٢، والمجموع ١٧٨/٦، والمغني ٢/ ٤٨٢
من ملك نصاب الزكاة، فضلا عن مسكنه
وثيابه وأثاثه ومايحتاجه. (١)
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم
اشتراط ملك نصاب الزكاة، واتفقوا على أن
من ملك صاعا زائدا عن قوت يوم وليلة وجب
علیه إخراجه. أما من ملك بعض صاع،
فذهب المالكية إلى أنه يجب إخراجه،وهو إحدى
الروايتين عن أحمد، وذهب الشافعية إلى أنه
يجب إخراج بعض الصاع في الأصح محافظة
على الواجب قدر الإمكان. (٢)
راجع مصطلح: (زكاة).
في الطلاق والظهار والعتق :
٧ - أجمع الفقهاء على أن الطلاق أو الظهار لا
يتبعض ولا يتجزأ، فإِن قال لزوجته: أنت طالق
بعض طلقة أو نصفَها أو جزأها تقع طلقة
كاملة. (٣) كما اتفقوا على أنه إذا أضاف الطلاق
أو الظهار إلى بعض زوجته يلزمه الطلاق أو
الظهار، إن كان ذلك البعض جزءا شائعا
كنصفها أو ثلثها، أما إذا أسند الطلاق أو الظهار
(١) الهداية مع فتح القدير ٢٩/٢ - ٣٠
(٢) الزرقاني ٢/ ١٨٦، والمغني ٧٥/٣، والمحلي مع قليوبي
وعميرة ٣٥/٢
(٣) حاشية ابن عابدين ٥١٥/٢، والقوانين الفقهية ص
٢٣٣، ومغني المحتاج ٢٩٨/٣، وکشف المخدرات ص
٣٩١
- ١٢٧ -

بعضية ٨ - ٩
إلى جزء معين(١) ففي ذلك تفصيل وخلاف
يرجع إليه في مصطلح: (طلاق وظهار).
والكلام في تبعیض العتق يرجع إليه في
مصطلح: (عتق).
في الشهادة :
٨ - ترد شهادة الابن لأبيه بعلة البعضية، وهو
قول جماهير العلماء، أما شهادة الابن على أبيه
فهي مقبولة عند عامة أهل العلم، وإنما ردوا
شهادة الابن لأبيه لأن بينهما بعضية، فكأنه
یشهد لنفسه أو علیھا .(٢)
راجع مصطلح: (شهادة).
العتق بالبعضية :
٩ - ذهب الشافعية إلى أن من ملك أحد أصوله
أو فروعه عتق عليه. أما الأحناف والحنابلة فقد
وسعوا دائرة العتق وقالوا: إن العلة هنا
المحرمية، فمن ملك ذا رحم محرم عتق عليه.
(١) الزرقاني شرح مختصر خليل ١٠٩/٤، والخرشي
١٠٥/٤، وفتح القدير ٥٢/٣ - ٥٤، ٢٢٨، ٢٢٩،
٣٦١، والمغني ٧/ ٢٤٢ - ٢٤٦، وكشاف القناع ٥١٥/٤
و٣٦٩/٥، ٣٧٠، والمحلي شرح المنهاج ٣٣٤/٣،
٤/ ١٥، ٢٤، ٣٥١
(٢) فتح القدير ٦/ ٣٠، والخرشي ٧/ ١٧٩، والمحلي على
المنهاج ٣٢٢/٤، والوجيز ٢/ ٢٥٠، والمغني ١٩١/٩،
١٩٢
وذهب المالكية إلى أنه يعتق بنفس الملك
الأبوان وإن علوا، والولد وإن سفل، وأخ
وأخت شقيقان أو لأب أولأم. (١)
راجع مصطلح: (عتق).
ece
er
(١) فتح القدير ٣٧/٣، وحاشية ابن عابدين ٩/٣،
والدسوقي على الشرح الكبير ٣٦٦/٤، ونهاية المحتاج
٦٣/٨، والتحفة ٣٦٦/١٠
- ١٢٨ -

بغاء ١ - ٢
تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَا﴾ فستأتي الإِشارة
إليه .(١)
حكم أخذ البغي مهرا :
٢ - نهى النبي وَل عن مهر البغي، لحديث ابن
مسعود قال: ((نهى رسولُ اللهِ﴿ عن ثَمَنِ
الكلْبِ، ومهرِ الْبَغِيِّ، وحُلْوانِ الكاهن))(٢) فإِن
من البغايا من كن يأخذن عوضا عن البغاء،
ومن ذلك ما روى مجاهد في قوله تعالى :
﴿ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاءِ﴾ قال: كانوا
يأمرون ولائدهم فيباغين، فكن يفعلن ذلك
فیصین، فیأتینهم بكسبهن. وكانت لعبدالله بن
أَبيّ بن سلول جارية كانت تباغي، فكرهت
ذلك، وحلفت ألا تفعله، فأكرهها، فانطلقت
فباغت ببرد أخضر، فأتتهم به، فأنزل الله
الآية. (٣)
والمراد بمهر البغي : ماتُؤْجِّر به المرأة نفسها
على الزنى، ولا خلاف بين العلماء في تحريمه.
وتفصيل بقية الأحكام المتعلقة بالبغاء محلها
مصطلح: (زنى).
(١) روح المعاني ١٥٦/١٨، والقرطبي ١٢ / ٢٥٤، وأحكام
القرآن لابن العربي ٢/ ١٣٧٤، تفسير الطبري ٣/١٨
(٢) حديث: ((نهى رسول الله﴾ عن ثمن الكلب ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٤٢٦/٣ - سلفية)، ومسلم
(١١٩٨/٣ - ط الحلبي).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٣٧٤/٢، وأحكام القرآن
للکیافراس ٤/ ٢٩٧، وصحیح الترمذي ٦٧/٥، وسنن
ابن ماجة ٧٣٠/٢
بِغاء
التعريف :
١ - البغاء مصدر: بغت المرأة تبغي بغاء،
بمعنى : فجرتَ، فهي بغي، والجمع بغايا،
وهو وصف مختص بالمرأة، ولا يقال للرجل :
بغي . (١)
ويعرف الفقهاء البغاء بأنه: زنى المرأة. أما
الرجل فلا يسمى زناه بغاء. والمراد من بغاء المرأة
هو خروجها تبحث عمن يفعل بها ذلك الفعل،
سواء أكانت مكرهة أم غير مكرهة، ويفهم ذلك
من كلام العلماء في تفسير قوله تعالى :
﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكم على البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ
تحصُّنَا﴾(٢) وقد ذكرت کتب التفسير سبب نزول
هذه الآية، وهو أنه كان لعبدالله بن أُبَيِّ بن
سلول جوار، وکان یکرههن على ذلك الفعل،
فقد سمي فعلهن وهن مكرهات عليه بغاء،
فإطلاق هذا الاسم علیه مع رضاهن یصح، بل
أولى، وبالنسبة للقيد الذي في الآية وهو قوله
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح، ومحيط
المحيط، القاموس المحيط مادة: ((بغی)).
(٢) سورة النور / ٣٣
- ١٢٩ -

بغاة ١ - ٢
بُغاة
التعريف :
١ - يقال في اللغة: بغى على الناس بغيا: أي
ظلم واعتدى، فهوباغ والجمع بغاة، وبغى :
سعى بالفساد، ومنه الفئة الباغية . (١)
والفقهاء لا يخرجون في الجملة عن هذا
المعنى إلا بوضع بعض قيود في التعريف. فقد
عرفوا البغاة بأنهم: الخارجون من المسلمين عن
طاعة الإِمام الحق بتأويل، ولهم شوكة .
ويعتبر بمنزلة الخروج: الامتناع من أداء الحق
الواجب الذي يطلبه الإِمام، كالزكاة.
ويطلق على من سوى البغاة اسم (أهل
العدل) وهم الثابتون على موالاة الإِمام. (٢)
(١) المصباح ولسان العرب مادة: ((بغى)).
(٢) القرطبي ٣١٦/٦، وروح المعاني ٢٠٦/ ١٥٠، ومعالم
التنزيل بهامش ابن كثير ١٥/٨، وحاشية ابن عابدين
٣٠٨/٣، والهداية والفتح ٤٠٨/٤، وحاشية الشلبي على
تبيين الحقائق ٢٩٣/٣، والشرح الصغير ٤٢٦/٤،
ومواهب الجليل ٢٧٨/٦، والتاج والإكليل ٦/ ٢٧٦،
ومنهاج الطالبين وحاشية قليوبي ٤/ ١٧٠، وكشاف القناع
١٥٨/٦
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الخوارج :
٢ - يقول الجرجاني: هم الذين يأخذون العشر
من غير إذن السلطان. (١)
وهم في الأصل كانوا في صف الإِمام علي
رضي الله عنه في القتال، وخرجوا عليه لما قَبِلَ
التحكيم. قالوا: لم تحكّم وأنتَ على حق.
ويقول ابن عابدين : إنهم يرون علي بن أبي
طالب رضي الله عنه على باطل بقبوله
التحکیم، ویوجبون قتاله، ويستحلون دماء
أهل العدل، ويَسْبون نساءهم وذراريهم، لأنهم
في نظرهم كفار. (٢)
وأكثر الفقهاء يرون أنهم بغاة، ولا يرون
تکفیرهم، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى
أنهم كفار مرتدون. وقال ابن المنذر: لا أعلم
أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم. وذكر
ابن عبد البر أن الإِمام عليا رضي الله عنه سُئل
عنهم: أكفارُهم؟ قال: من الكفر فروا. قيل:
فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا
قليلا. قيل فما هم؟ قال: هم قوم أصابتهم
فتنة، فَعَمُوا وصمّوا، وبغوا علينا، وقاتلوا
فقاتلناهم. وقال لهم: لكم علينا ثلاث: لا
نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله،
ولا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم الفيء مادامت
(١) التعريفات للجرجاني ص ٩١
(٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣١٠، والبدائع ٧/ ١٤٠
- ١٣٠ -

بغاة ٣ - ٤
أيديكم معنا. (١) ويقول الماوردي: إن تظاهر
الخوارج باعتقادهم، وهم على اختلاط بأهل
العدل، جاز للإِمام أن يعزّرهم. (٢)
وتفصيل الكلام في مصطلح (فرق).
ب - المحاربون :
٣ - المحاربون: لفظ مشتق من الحرابة مصدر
حرب، وحربه يجربه: إذا أخذ ماله، والحارب :
الغاصب الناهب. (٣)
وعبر عنها الحنفية والشافعية والحنابلة: بقطع
الطريق. وقالوا: إنه الخروج على المارة لأخذ
المال على سبيل المغالبة، على وجه يمنع المارة
من المرور، فينقطع الطريق، سواء أكان القطع
من جماعة أم واحد، بعد أن يكون له قوة
القطع، وسواء أكان القطع بسلاح أم بغيره من
العصا والحجر ونحوذلك. وتسمى الحرابة
بالسرقة الكبرى.
أما كونها سرقة، فباعتبار أن قاطع الطريق
يأخذ المال خفية عن عين الإِمام الذي عليه
حفظ الأمن. وأما كونها كبرى، فلأن ضرره
يعم، حيث يقطع الطريق على الجماعة بزوال
الأمن. (٤)
(١) المغني ١٠٥/٨ - ١٠٧
(٢) الأحكام السلطانية ص ١٥٨
(٣) لسان العرب مادة: ((حرب)).
(٤) البحر الرائق ٥/ ٧٢، والبدائع ٧/ ٩٠، وحاشية الشلبي
على تبيين الحقائق ٣/ ٢٣٥، ومواهب الجليل ٦/ ٩١٤،
والشرح الصغير ٤ / ٤٩١
فالفرق بين الحرابة والبغي هو أن البغي
يستلزم وجود تأويل، أما الحرابة فالغرض منها
الإِفساد في الأرض.
الحكم التكليفي للبغي :
٤ - البغي حرام، والبغاة آثمون، ولکن لیس
البغي خروجا عن الإِيمان، لأن الله سمى البغاة
مؤمنين في قوله تعالى : ﴿وإنْ طائفتانٍ من
المؤمنينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهما، فإِنْ بَغَتْ
إحدَاهُما على الأُخْرَى فَقَاتِلوا التي تَبْغِي حتى
تَفِيْءَ إلى أَمْر الله ... ) إلى أن قال: ﴿إنّما
المؤمنونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بِينَ أَخَوَيْكم﴾، (١)
ويحل قتالهم، ويجب على الناس معونة الإِمام في
قتالهم. ومن قتل من أهل العدل أثناء قتالهم فهو
شهيد. ويسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر لله،
ويقول الصنعاني: إذا فارق أحد الجماعة ولم
يخرج عليهم ولا قاتلهم يخلى وشأنه، إذ مجرد
الخلاف على الإِمام لا يوجب قتال
المخالف. (٢)
وفي حديث رواه الحاكم وغيره قال النبي
عليه الصلاة والسلام لابن مسعود:
((ياابن مسعود: أتدري ما حكمُ الله فيمن بَغَی
من هذه الامة؟ قال ابن مسعود: الله ورسولُه
أعلمُ. قال: حكم الله فيهم ألا يُتبعَ مُذْبِرُهم،
(١) سورة الحجرات / ٩، ١٠
(٢) روح المعاني ٢٦/ ١٥١، وسبل السلام ٤٠٧/٣
- ١٣١ -

بغاة ٥
ولا يُقْتَلَ أسيرُهم، ولا يُذَفَّفَ على
جريجهم)).(١)
ویری الشافعية أن البغي لیس اسم ذم، لأن
البغاة خالفوا بتأويل جائز في اعتقادهم، لكنهم
مخطئون فيه، فلهم نوع عذر، لما فيهم من أهلية
الاجتهاد .
وقالوا : إن ما ورد في ذمهم، وما وقع في كلام
الفقهاء في بعض المواضع من وصفهم بالعصيان
أو الفسق محمول على من لا أهلية فيه
للاجتهاد، أولا تأویلله (٢)، وکذلك إن کان
تأويله قطعي البطلان .
٥ - وقد بين الفقهاء أنواع البغاة من حیث جواز
فعلهم، أو كونه صغيرة أو كبيرة كمايلي :
أ - البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا
بفاسقین، وإنما هم مخطئون في تأويلهم،
كالمجتهدين من الفقهاء، يقول ابن قدامة :
لا أعلم خلافا في قبول شهادتهم. (٣) وسيأتي
بيانه. وكذا إن تكلموا بالخروج لكن لم يعزموا
على الخروج بعد، فليس للإِمام أن يتعرض
(١) سبل السلام ٤٠٩/٣، وروح المعاني ٢٦/ ١٥١
وحديث: ((أتدري ما حكم الله فيمن بغى ... )) أخرجه
الحاكم (١٥٥/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) والبيهقي
(١٨٢/٨ - دائرة المعارف العثمانية) وقال البيهقي: تفرد به
كوثر بن حكيم وهو ضعيف.
(٢) نهاية المحتاج ٣٨٢/٧
(٣) المغني ٨/ ١١٧
لهم، لأن العزم على الجناية لم يوجد. ومثال
ذلك: ما وقع لبعض الصحابة، ممن عصى
الإِمام لا على سبيل المغالبة، من أنه مكث
أشهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه. يقول
القرطبي : ولم يوجب ذلك لعن البغاة والبراءة
منهم وتفسيقهم. (١)
ب - إن خالط البغاة أهل العدل، وتظاهروا
باعتقادهم، دون مقاتلتهم جاز للإِمام
تعزيرهم. إذ التظاهر باعتقادهم، ونشره بين
أهل العدل دون قتال يعتبر من الصغائر. (٢)
جـ ـ إذا اجتمع المسلمون على إمام،
وصاروا آمنين به، فخرج عليه طائفة من
المؤمنين، ولم يكن ذلك لظلم ظلمهم إياه،
ولكن لدعوى الحق والولاية. فقالوا: الحق
معنا، ويدعون الولاية، ولهم تأويل ومنعة، فهم
أهل بغي، فعلى كل من يقوى على القتال
مناصرة الإِمام عليهم. قال ابن عابدين: ومن
البغاة الخوارج.
ويقول ابن قدامة: إذا خرجوا على الإِمام
فهم فساق. (٣)
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣٠٩، ومواهب الجليل ٢٧٨/٦،
وحاشية الدسوقي ٢٩٨/٤، وتفسير القرطبي ٣٢١/١٦
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٥٨
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٠٩/٣، وحاشية الشلبي ٢٩٤/٣،
والمغني ١١٨/٨
- ١٣٢ -

بغاة ٦
شروط تحقق البغي:
٦ - يتحقق البغي بما يلي :
أ - أن يكون الخارجون على الإِمام جماعة من
المسلمين لهم شوكة، وخرجوا عليه بغير حق
لإرادة خلعه بتأويل فاسد. فلوخرج عليه أهل
الذمة لكانوا حربيين لا بغاة. ولو خرجت عليه
طائفة من المسلمين بغير تأويل ولا طلب إمرة
لكانوا قطاع طريق. وكذا لولم يكن لهم قوة
ومنعة، ولا يخشى قتالهم، ولو كانوا متأولين. ولو
خرجوا على الإِمام بحق - كدفع ظلم - فليسوا
ببغاة، وعلى الإِمام أن يترك الظلم وینصفهم،
ولا ينبغي للناس معونة الإِمام عليهم، لأن فيه
إعانة على الظلم، ولا أن يعينوا تلك الطائفة
الخارجة، لأن فيه إعانة على خروجهم، واتساع
الفتنة، وقد لعن الله من أيقظ الفتنة .
وأما من خرجوا على الإِمام بمنعة، بتأويل
يقطع بفساده، مستحلين دماء المسلمين
وأموالهم، مما كان قطعي التحريم، كتأويل
المرتدين، فليسوا ببغاة، لأن الباغي تأويله
محتمل للصحة والفساد، ولكن فساده هو
الأظهر، وهومتبع للشرع في زعمه، والفاسد منه
ملحق بالصحيح، إذا ضمت إليه المنعة في حق
الدفع .(١)
ب - أن يكون الناس قد اجتمعوا على إمام
(١) التاج والإكليل ٢٧٧/٦ - ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٣٨٢/٧ -
٣٨٣، وفتح القدير ٤١٤/٤
وصاروا به آمنين، والطرقات به آمنة، لأنه إذا لم
يكن كذلك يكون عاجزا، أو جائرا ظالما يجوز
الخروج عليه وعزله، إن لم يلزم منه فتنة، وإلا
فالصبر أولى من التعرض لإِفساد ذات البين.
جـ - أن يكون الخروج على سبيل المغالبة،
أي بإظهار القهر. وقيل: بالمقاتلة، وذلك لأن
من يعصي الإِمام لا على سبيل المغالبة لا يكون
من البغاة، فمن خرج عن طاعة الإِمام من غير
إظهار القهر لا يكون باغيا . (١)
د - وصرح الشافعية باشتراط أن يكون
للخارجین مطاع فیھم، یصدرون عن رأيه،
وإن لم يكن إماما منصوبا، إذ لا شوكة لمن لا
مطاع لهم.
وقيل: بل يشترط أن يكون لهم إمام
منصوب منهم .
هذا ولا يشترط لتحقق البغي انفرادهم بنحو
بلد (٢) ولكن ذلك شرط لمقاتلتهم. (٣)
(١) الشرح الصغير ٤ /٤٢٧
(٢) نهاية المحتاج ٣٨٢/٧ - ٣٨٣
(٣) راجع ما قلناه في الشروط جميعها: حاشية ابن عابدين
(٣٠٩/٣ - ٣١٠)، وفتح القدير ٤٠٨/٤، وحاشية
الشلبي على تبيين الحقائق ٢٩٤/٣، والتاج والإكليل
٢٧٧/٦، ومواهب الجليل ٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨، وحاشية
الدسوقي ٢٩٩/٤، والشرح الصغير ٤٢٧/٤، والمهذب
٢١٩/٢، ومنهاج الطالبين وحاشية قليوبي ١/ ١٧٠ -
١٧١، ونهاية المحتاج ٧/ ٣٨٢ - ٣٨٣، وكشاف القناع
١٦١/٦، والمغني ٨/ ١٠٧
- ١٣٣ -

بغاة ٧ - ٩
الإِمام الذي يعتبر الخروج عليه بغيا:
٧ - من اتفق المسلمون على إمامته وبیعته،
وثبتت إمامته، وجبت طاعته ومعونته، ومثله من
ثبتت إمامته بعهد إمام قبله إليه، إذ الإِمام يصير
إماما بالمبایعة أو بالاستخلاف ممن قبله. ولو
خرج رجل على الإِمام فقهره، وغلب الناس
بسیفه، حتی أذعنوا له وتابعوه، صار إماما يحرم
قتاله والخروج عليه. (١) وينظر للتفصيل بحث
(الإمامة الكبرى).
أمارات البغي :
٨ - إذا تكلم جماعة في الخروج على الإِمام
ومخالفة أوامره، وأظهروا الامتناع، وكانوا
متحيزين متهيئين لقصد القتال، لخلع الإِمام
وطلب الإِمرة لهم، وكان لهم تأويل يبرر في
نظرهم مسلکهم دون المقاتلة، فإِن ذلك یکون
أمارة بغیھم .
وينبغي إذا ما بلغ الإِمام أمرهم، وأنهم
يشترون السلاح ويتأهبون للقتال، أن يأخذهم
ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك، ويحدثوا توبة،
دفعا للشر بقدر الإمكان. لأنه لو انتظر أن يبدءوه
بالقتال، فربما لا يمكنه الدفع، لتقوي شوكتهم
(١) المغني ١٠٧/٨، والدر المختار وحاشية ابن عابدين
٣١٠/٣، والتاج والإكليل ٦/ ٢٧٧، ومنهاج الطالبين
وحاشية قليوبي ٤/ ١٧٣ - ١٧٤
وتكثر جمعهم، خصوصا والفتنة يسرع إليها أهل
الفساد. (١) ويختلف الفقهاء في بدئهم بالقتال
على ما سيأتي بيانه.
وكذلك فإن مخالفتهم للإِمام لمنع حق الله، أو
لآدمي كزكاة، وكأداء ماعليهم مما جبوه لبيت
مال المسلمين كخراج الأرض، مع التحيز
والتهيؤ للخروج على الإِمام على وجه المغالبة،
وعدم المبالاة به، فإن ذلك يكون أمارة
بغیھم. (٢)
أما لو أظهروا رأي الخوارج، كتكفير فاعل
الكبيرة وترك الجماعات واستباحة دماء المسلمين
وأموالهم، ولكن لم يرتكبوا ذلك، ولم يقصدوا
القتال، ولم يخرجوا عن طاعة الإِمام، فإن ذلك
لا يكون أمارة البغي، حتى لو امتازوا بموضع
يتجمعون فيه، لكن إن حصل منهم ضرر
تعرضنا لهم إلى زوال الضرر. (٣)
بيع السلاح لأهل الفتنة
٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم بيع السلاح
للبغاة وأهل الفتنة، لأن هذا سد لذريعة الإِعانة
على المعصية، وكذا ماكان في معنى البيع من
(١) فتح القدير ٤١١/٤، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي
١٩٤/٣، والبدائع ٧/ ١٤٠
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ٢٩٩
(٣) نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٣، وكشاف القناع ١٦٦/٦، والمغني
١١١/٨
- ١٣٤ -

بغاة ٩ - ١٠
إجارة أو معاوضة، وقد قال الإمام أحمد :
((نهى رسول اللّه بية عن بيع السلاح في
الفتنة)). (١)
وصرح الحنفية بكراهة بيع السلاح لهم
كراهة تحريمية، لأنه إعانة على معصية، قال
الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا على البِرِّ والتقوى،
ولا تَعَاوَنُوا على الإِثْمِ والعُدْوان﴾(٢) ولأن
الواجب أخذ سلاحهم بما أمكن، حتى لا
يستعملوه في الفتنة، فمنع بيعه لهم أولى .
والذي يكره هوبيع السلاح نفسه المعد
للاستعمال. وإن لم يُدْر أن طالب السلاح من
أهل الفتنة لا یکره البيع له، لأن الغلبة في دار
الإِسلام لأهل الصلاح، والأحكام تبنى على
الغالب.
وأما مالا يقاتل به إلا بصنعة كالحدید، فلا
يكره بيعه، لأن المعصية تقع بعين السلاح،
بخلاف الحديد، وقاسوه على الخشب الذي
(١) الخطاب ٢٥٤/٤، ونهاية المحتاج ٣/ ٤٥٥، والمغني
٤ /٢٤٦، وإعلام الموقعين ١٥٨/٣.
وحديث: ((نهى رسول الله بحث عن بيع السلاح في
الفتنة)) أخرجه البيهقي من حديث عمران بن حصين
بإسنادين، أما الإِسناد الأول فقد قال عنه البيهقي: رفعه
وهم والموقوف أصح ... أما الإِسناد الثاني ففيه (بحر
السقاء) وقد قال عنه: ضعيف لا يحتج به (السنن الكبرى
للبيهقي ٣٢٧/٥).
(٢) سورة المائدة / ٢
يتخذ منه المعازف، فإنه لا يكره بيعه، لأن عينه
ليس منكرا، وإنما المنكر في استعماله المحظور.
والحديد وإن كان يكره تحريما بيعه لأهل الحرب،
فإنه يجوز بيعه لأهل البغي، لأنهم لا يتفرغون
لاستعمال الحديد سلاحا، لأن فسادهم في
الغالب يكون على شرف الزوال بالتوبة، أو
بتفريق جمعهم، بخلاف أهل الحرب. (١)
واستظهر ابن عابدين أن الكراهة تنزيهية،
وقال: ولم أرمن تعرض لهذا. (٢)
واجب الإِمام نحو البغاة :
أ - قبل القتال:
١٠ - ينبغي للإِمام أن يدعو البغاة الخارجين
عليه إلى العودة إلى الجماعة، والدخول في
طاعته رجاء الإِجابة، وقبول الدعوة، لعل الشر
يندفع بالتذكرة، لأنه ترجى توبتهم، ويسألهم
عن سبب خروجهم، فإِن كان لظلم منه أزاله،
وإن ذكروا علة يمكن إزالتها أزالها، وإن ذكروا
شبهة كشفها، (٣) لأن الله سبحانه بدأ الأمر
(١) تبيين الحقائق ٢٩٦/٣ - ٢٩٧، والفتح والعناية ٤ /٤١٥،
والبدائع ٧/ ١٤٠
(٢) حاشية ابن عابدين ٣١٣/٣
(٣) تبيين الحقائق ٣/ ٢٩٤، والدر وحاشية ابن عابدين
٣١١/٣، وفتح القدير ٤/ ٤١٠، والبدائع ٧ / ١٤٠،
والشرح الكبير ٢٩٩/٤، والشرح الصغير ٤٠٨/٤،
والمهذب ٢/ ٢١٩، ونهاية المحتاج ٣٨٥/٧ - ٣٨٦،
والمغني ١٠٨/٨، وكشاف القناع ١٦٢/٦
- ١٣٥ -

بغاة ١٠
بالإِصلاح قبل القتال فقال: ﴿وإنْ طائفتانٍ من
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَلُوا فَأَصْلِحُوا بينهما﴾(١) ولأن
المقصود كفهم ودفع شرهم، لا قَتْلهم. فإِذا
أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال، لما فيه
من الضرر بالفريقين. ولا يجوز قتالهم قبل ذلك
إلا أن يخاف شرهم. (٢) وإن طلبوا الإِنظار-
وكان الظاهر من قصدهم الرجوع إلى الطاعة .
أمهلهم .
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من
أحفظ عنه من أهل العلم. (٣) وقال أبو إسحاق
الشيرازي: ينظرهم إلى مدة قريبة كيومين أو
ثلاثة . (٤)
وإن أصروا على بغيهم، بعد أن بعث إليهم
أمينا ناصحا لدعوتهم، نصحهم ندبا بوعظ
ترغيبا وترهيبا، وحسن لهم اتحاد كلمة الدين
وعدم شماتة الكافرين، فإِن أصروا آذنهم
بالقتال. (٥)
وإن قاتلهم بلا دعوة جاز، لأن الدعوة
ليست بواجبة . (٦)
(١) سورة الحجرات / ٩
(٢) المغني ٨/ ١٠٨، وكشاف القناع ١٦٢/٦
(٣) المغني ١٠٨/٨
(٤) المهذب ٢/ ٢١٩
(٥) نهاية المحتاج ٣٨٦/٧
(٦) تبيين الحقائق ٢٩٤/٣، والدر وحاشية ابن عابدين
٣١١/٣
وعند المالكية: يجب إنذارهم ودعوتهم ما لم
يعاجلوه. (١)
وكون المبعوث إليهم عارفا فطنا واجب، إن
بُعِثَ للمناظرة وكشف الشبهة، وإلا
فمستحب. (٢)
وفصل الكاساني فقال: إن علم الإِمام أنهم
يجهزون السلاح ويتأهبون للقتال، فينبغي له أن
يأخذهم، ويحبسهم حتى يتوبوا، وإن لم يعلم
بذلك حتى تعسكروا وتأهبوا للقتال، فينبغي له
أن يدعوهم إلى الرجوع إلى رأي الجماعة أولا ،
فإن الإِمام عليا رضي الله عنه لما خرج عليه أهل
حَروراء، ندب إليهم عبدالله بن عباس
رضي الله عنهما ليدعوهم إلى العدل، فإِن
أجابوا كف عنهم وإن أبوا قاتلهم ... وإن
قاتلهم قبل الدعوة لا بأس بذلك، لأن الدعوة
قد بلغتهم، فهم مسلمون في دار الإِسلام. (٣)
وقد أسند النسائي في سننه الکبری إلى ابن
عباس قال: لما خرجتْ الحرورية اعتزلوا في دار،
وكانوا ستة آلاف، فقلت لعلي أمير المؤمنين:
لَعَلِّ أكلم هؤلاء القوم. قال: إني أخافهم
عليك. قلت: كلا. فلبست ثيابي، ومضيت
إليهم، حتى دخلت عليهم وهم مجتمعون.
(١) الشرح الصغير ٤٢٨/٤
(٢) نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٥
(٣) البدائع ٧/ ١٤٠
- ١٣٦ -

بغاة ١٠
وقلت: أتيتكم من عند أصحاب النبي وَلآ ،
من عند ابن عم النبي وصهره وعليهم نزل
القرآن، وهم أعرف بتأويله منكم. وليس فيكم
منهم أحد. وقلت: هاتوا ما نقمتم على
أصحاب رسول الله وخَتَنِهِ. قالوا: ثلاث. أنه
حكّم الرجال في دين الله، وقد قال الله تعالى :
﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا ◌ِله﴾(١) وأنه قاتل ولم يَسْبِ ولم
يَغْنم، فإِن كانوا كفارا فقد حلت لنا نساؤهم
وأموالهم، وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت علینا
دماؤهم. وأنه محا نفسه من أمير المؤمنين(٢) فإِن
لم يكن أمير المؤمنين فإنه يكون أمير الكافرين.
قلت: أرأيتم إن قرأت علیکم من كتاب الله،
وحدثتکم من سنة نبیه ﴾ مایرد قولكم هذا،
ترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: أما قولكم إنه
حكم الرجال في دين الله، فأنا أقرأ عليكم أن
قد صیر الله حکمه إلى الرجال في أرنب ثمنها
ربع درهم، قال الله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصيدَ
وأنتم حُرُمٌ﴾ إلى قوله ﴿يَحْكُمُ به ذَوَا عَدْلٍ
منْكم﴾(٣) وقال الله تعالى في المرأة وزوجها:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بينهما فابْعَثُوا حَكَما من أَهْلِه
(١) سورة النساء / ٣٥
(٢) الأحزاب / ٦
(٣) الفتح ٤/ ٤١٠، وانظر البدائع ٧/ ١٤٠، والمغني
١١٦/٨، والمهذب ٢/ ٢١٩، ونيل الأوطار ١٦٨/٧
وحَكَما من أَهْلِهَا﴾(١) أنشدكم الله أحُكْمُ
الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم وإصلاح ذات
البین أحق، أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟
وأما قولكم: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم،
أتسبون أمكم عائشة، فتستحلون منها
ما تستحلون من غيرها، وهي أمكم؟ لئن فعلتم
لقد کفرتم. فإن قلتم: لیست أمّنا فقد كفرتم،
لأن الله تعالى يقول: ﴿النبيُّ أَوْلَى بالمؤمنين مِنْ
أَنْفُسِهم وأزواجُه أَمَّهاتُهم﴾ .(٢)
وأما قولكم: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين.
فإن رسول الله ( # دعا قريشا يوم الحديبية،
علی أن یکتب بينه وبينهم كتابا، فقال لكاتبه :
اکتب :
((هذا ما قضى عليه محمد رسول الله)).
فقالوا: والله لوكنا نعلم أنك رسول الله
ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن
اکتب: محمد بن عبدالله.
فقال: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني.
ياعلي اكتب: محمد بن عبدالله))، فرسول الله
خير من علي، وقد محا نفسه ولم يكن محوذلك
محوا من النبوة.
فرجع منهم ألفان وبقي سائرهم،
فقوتلوا . (٣)
(١) سورة الأنعام / ٥٧
(٢) أي رضي بحذف عبارة: (أمير المؤمنين) في صك التحكيم
بينه وبين معاوية .
(٣) سورة المائدة / ٩٥
- ١٣٧ -

بغاة ١١
ويصرح الألوسي أنه يجب قبل القتال إزالة
الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة،
ودعوة البغاة إلى الرجوع إلى الجماعة والدخول
في طاعة الإِمام . (١)
ب - قتال البغاة :
١١ - إذا ما دعا الإِمام البغاة إلى الدخول في
طاعته، وکشف شبهتهم، فلم يستجيبوا وتحیزوا
مجتمعين، وكانوا متهيئين للقتال فإنه يحل
قتالهم. ولكن هل نبدؤهم بالقتال، أم لا
نقاتلهم إلا إذا أظهروا المغالبة؟ هناك اتجاهان:
الاتجاه الأول : جواز البدء بالقتال، لأنه لو
انتظرنا قتالهم ربما لا يمكن الدفع، وهو مانقله
خواهر زاده، قال الزيلعي : وهو المذهب عند
الحنفية، لأن النص جاء غير مقيد بالبداءة منهم
في قوله تعالى: ﴿فإِنْ بَغَتْ إحداهما على
الأخْرى فقاتِلوا التي تَبْغِي ... ﴾(٢) وقول علي
رضي الله عنه: سمعت رسول الله و ل# يقول:
(«سيخرج قوم في آخر الزمان، حداثُ الأسنان،
سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية،
لا يجاوز إیمانهم حناجرهم، يمرقون من الدین
كما يمرق السهم من الرميّة، فأينما لقيتموهم
فاقتلوهم، فإِن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم
القيامة))(٣)
(١) روح المعاني ١٦/ ١٥١
(٢) الحجرات / ٩
(٣) حديث: ((سيخرج قوم في آخر الزمان ... )) =
ولأن الحكم يدار على علامته، وهي هنا
التحيز والتهيؤ، فلو انتظرنا حقيقة قتالهم لصار
ذريعة لتقويتهم. فيدار الحكم على الأمارة
ضرورة دفع شرهم، ولأنهم بالخروج على
الإِمام صاروا عصاة فجاز قتالهم، إلى أن يقلعوا
عن ذلك. وما نقل عن علي رضي الله عنه من
قوله في الخوارج ((لن نقاتلكم حتى تقاتلونا))
معناه: حتى تعزموا على قتالنا. ولو أمكن دفع
شرهم بالحبس بعدما تأهبوا فعل ذلك،
ولا نقاتلهم، لأنه أمكن دفع شرهم بأهون
منه .(١)
وإلى القول بحل بدئهم بالقتال اتجه فقهاء
الحنابلة، جاء في كشاف القناع: إن أبوا الرجوع
وعظهم وخوفهم بالقتال، فإِن رجعوا إلى
الطاعة ترکھم، وإلا لزمه قتالهم إن كان قادرا،
لإِجماع الصحابة على ذلك. (٢)
الاتجاه الثاني : نقل القدوري أنه لا
يبلؤهم بالقتال حتى يبدءوه، وهو ما رواه
الكاساني والكمال. قال الكاساني: لأن قتالهم
لدفع شرهم، لا لشر شركهم، لأنهم مسلمون،
فما لم يتوجه الشر منهم لا يقاتلهم الإِمام، إذ لا
يجوز قتال المسلم إلا دفعا، بخلاف الكافر، لأن
= أخرجه البخاري (الفتح ١٢ /٢٨٣ - ط السلفية) ومسلم
(٧٤٦/٢ - ٧٤٧ - ط الحلبي).
(١) تبيين الحقائق ٣/ ٢٩٤، والفتح ٤ / ٤١١
(٢) كشاف القناع ١٦٢/٦، وانظر المغني ١٠٨/٨
- ١٣٨ -

بغاة ١٢
نفس الكفر قبيح. (١) وهو ما استظهره بعض
المالكية، وهو مذهب الشافعية، وقول أحمد بن
حنبل. لأن عليا رضي الله عنه أمر أصحابه ألا
يبدءوا من خرجوا عليه بالقتال. وإن أمكن
دفعهم دون القتل لم يجز القتل. ولا يجوز قتالهم
قبل ذلك إلا أن يخاف شرهم كالصائل. وقال
ابن تيمية: ((الأفضل تركه حتى يبدءوه »
أي القتال . (٢)
المعاونة في مقاتلة البغاة :
١٢ - من دعاه الإِمام إلى مقاتلة البغاة افترض
عليه إجابته، لأن طاعة الإِمام فيما ليس بمعصية
فرض.
قال ابن عابدين: يجب على كل من أطاق
الدفع أن یقاتل مع الإِمام، إلا إن كان سبب
الخروج ظلم الإِمام بما لا شبهة فيه، إذ يجب
معونتهم لإِنصافهم إن كان ذلك ممكنا. ومن لم
يكن قادرا لزم بيته. وعليه يحمل ما روي عن
جماعة من الصحابة أنهم قعدوا في الفتنة، وربما
کان بعضهم في تردد من حل القتال.
وما روي عن أبي حنيفة من قوله: ((إذا
(١) البدائع ٧/ ١٤٠، والفتح ٤/ ٤١٠
(٢) حاشية الدسوقي ٢٩٩/٤، وكشاف القناع ٦/ ١٦٢،
والمغني ١٠٨/٨، والمهذب ٢١٩/٢، ٢٢٢، ونهاية
المحتاج ٣٨٣/٧
وقعت الفتنة بين المسلمین، فالواجب على كل
مسلم أن يعتزل الفتنة، ويقعد في بيته)» فإِنه
محمول على ما إذا لم يكن إمام. أما ما روي من
حديث: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل
والمقتول في النار))(١) فإِنه محمول على اقتتالهما
حمية وعصبية، أو لأجل الدنيا والملك.
ولو كان السلطان ظالما، وبغت عليه طائفة
لرفع الظلم، وطلب منه ذلك فلم يستجب،
فلا ينبغي للناس معاونة السلطان ولا معاونة
البغاة. (٢) إذ غير العدل لا تجب معاونته. قال
مالك: دعه ومايراد منه، ينتقم الله من الظالم
بظالم، ثم ينتقم من كليهما. (٣) وينص الشافعية
علی من خرجوا على الإِمام۔۔ ولو جائرا - يجب
على المسلمين إعانته ممن قرب منهم، حتى
تبطل شوكتهم. (٤)
ويدل على وجوب معونة الإِمام لدفع البغاة
مارواه عبدالله بن عمرورضي الله عنهما قال:
سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((من أعطى إماما
(١) حديث: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٣١/١٣ -ط السلفية) ومسلم (٤ /٢٢١٤
- ط الحلبي).
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣١١/٣، وفتح القدير
٤١١/٤، والبدائع ٧/ ١٤٠، وحاشية الدسوقي
٣٩٩/٤، وحاشية الشبراملسي مع نهاية المحتاج
٧/ ٣٨٥، والمغني ٨/ ١٠٧، وكشاف القناع ٦/ ١٦٢
(٣) حاشية الدسوقي ٢٩٩/٤
(٤) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٣٨٥/٧
- ١٣٩ -

بغاة ١٣ - ١٤
صفقةَ يدِه وثمرة قلبه فليُطِعْه إن استطاع، فإِن
جاء آخرُ ينازعه فاضربوا عُنُقَ الآخر))(١) ولأن
كل من ثبتت إمامته وجبت طاعته. للحديث
السابق ((يخرج قوم في آخر الزمان ... )).(٢)
شروط قتال البغاة ومايتميز به :
١٣ - إذا لم يجد مع البغاة النصح، ولم يستجيبوا
للرجوع إلى طاعة الإِمام والدخول في الجماعة،
أو لم يقبلوا الاستتابة - إن كانوا في قبضة الإِمام -
ورأوا مقاتلتنا وجب قتالهم. (٣) بشرط أن
یتعرضوا لحرمات أهل العدل، أويتعطل جهاد
المشرکین بهم، أو یأخذوا من حقوق بيت المال
ما ليس لهم، أو يمتنعوا من دفع ماوجب
عليهم، أويتظاهروا على خلع الإِمام الذي
انعقدت له البيعة. على ما قاله الماوردي. وقال
الرملي: الأوجه وجوب قتالهم مطلقا، لأن
ببقائھم ۔۔ وإن لم یوجد ما ذکر- تتولد مفاسد، قد
لا تتدارك ماداموا قد خرجوا عن قبضة الإِمام
وتهيئوا للقتال. (٤)
ولو اندفع شرهم بما هو أهون وجب بقدر
ما يندفع، إذ يشترط لمقاتلتهم أن يتعين القتال
(١) حديث: ((من أعطى إماما صفقة يده ... )) أخرجه مسلم
(١٤٧٣/٣ - ط الحلبي).
.(٢) المغني ٨/ ١٠٤، ١٠٥
(٣) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣١٠، والتاج والإكليل ٢٧٨/٦،
والمغني ٨/ ١٠٥
(٤) نهاية المحتاج ٧/ ٣٨٦، والمهذب ٢/ ٢٢٢
لدفع شرهم، وإذا أمكن ذلك بمجرد القول
كان أولى من القتال.(١)
كيفية قتال البغاة :
١٤ - الأصل أن قتالهم إنما يكون درءالتفريق
الكلمة، مع عدم التأثيم، لأنهم متأولون، ولذا
فإِن قتالهم يفترق عن قتال الكفار بأحد عشر
وجها: أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم، وأن
يُكَفَّ عن مدبرهم، ولا يجهز على جريجهم، (٢)
ولا تقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى
ذراريهم، ولا يستعان عليهم بمشرك، ولا
يوادعهم على مال، ولا تنصب عليهم
العرادات (المجانيق ونحوها)، ولا تحرق
مساكنهم، ولا يقطع شجرهم. (٣)
وإذا تحيز البغاة إلى جهة مجتمعين، أو إلى
جماعة ولم یمکن دفع شرهم إلا بالقتال، حل
قتالهم حتى يتفرق جمعهم، ولو أمكن دفع
شرهم بالحبس بعدما تأهبوا فعل ذلك. إذ
الجهاد معهم واجب بقدر مایندفع به شرهم
على ماسبق. وقد قاتل علي رضي الله عنه أهل
حروراء بالنهروان بحضرة الصحابة، تصديقا
لقوله عليه الصلاة والسلام له (أنا أقاتل على
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣١٠، والمغني ١٠٨/٨، ١٠٩
(٢) وللحنفية تفصيل، وهذا سيذكر بعد.
(٣) التاج والإكليل ٢٧٧/٦، وحاشية الدسوقي ٢٩٩/٤،
وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤٢٩/٤
- ١٤٠ -