Indexed OCR Text
Pages 101-120
بطالة ٤ - ٥ ((إنَّ الله يحبُّ المؤمنَ المحترفَ)). (١) ومر عمر رضي الله عنه بقوم فقال: ((ما أنتم؟ قالوا متوكلون. قال: لا بل أنتم مُتَاكُلُون، إنما المتوكل من ألقى حبَّ في الأرض، وتوكل على ربِّه)). فليس في طلب المعاش والمضي في الأسباب على تدبير الله ترك التفويض، والتوکل إنما هو بالقلب، وترك التوکل یکون إذا غفل عن الله، واعتمد على الأسباب ونسي مسببها، وكان عمر رضي الله عنه إذا نظر إلى ذي سيما سأل: أَلَهُ حِرْفة؟ فإن قيل: لا، سقط من عینه. (٢) العبادة ليست مسوغا للبطالة : ٤ - يرى الفقهاء : أن العبادة ليست مسوغا للبطالة، وأن الإِسلام لا يقر البطالة من أجل الانقطاع للعبادة، لأن في هذا تعطيلا للدنيا التي أمر الله عباده بالسعي فيها، قال تعالى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِها وَكُلُوا من رِزْقِه﴾(٣) وقال ص ٦٣٣ - ط السلفية) من حديث عمرو بن أمية. وقال العراقي: إسناده جيد. فيض القدير (٨/٢ - ط المكتبة التجارية). (١) الحديث سبق تخريجه (ف/ ٢). (٢) فيض القدير ٢٩٠/٢، ٢٩١ برقم ١٨٧٣. والمحترف: المتكلف في طلب المعاش بنحو صناعة أو زراعة أو تجارة، وذا لا ينافي التوكل. (٣) سورة الملك / ١٥ جل شأنه ﴿يا أيها الذين آمَنُوا إذا نُودي للصلاةِ من يومِ الجُمُعَةِ فاسْعَوا إلى ذكر الله وذَرُوا البيعَ﴾ وأعقبها بقوله ﴿فإذا قُضِيتِ الصلَةُ فانْتَشِرُوا في الأرضِ وابْتَغَوا من فَضْلِ الله﴾(١) وورد أن النبي وَل﴾ مر على شخص، قالوا له عنه أنه كان يقوم الليل ويصوم النهار، وهو منقطع للعبادة انقطاعا كليا، فسأل رسول الله وَُّ عَمِّن يَعُوله؟ فقالوا: كُلُّنا. فقال: عليه الصلاة والسلام ((گُلُّكُم أفضلُ منه)).(٢) أثر البطالة في طلب المتعطل نفقة له: ٥ - أجمع الفقهاء على أن نفقة الابن المتعطل عن العمل - مع قدرته علی الکسب ـ لا تجب على أبيه، لأن من شروط وجوبها: أن يكون عاجزا عن الكسب، والعاجز عن الكسب هو من لا يمكنه اكتساب معيشته بالوسائل المشروعة المعتادة، والقادر غنى بقدرته، ویستطیع أن یتکسب بها وينفق على نفسه، ولا يكون في حالة ضرورة يتعرض فيها للهلاك. (٣) (١) سورة الجمعة / ١٠ (٢) حديث: ((كلكم أفضل منه ... )) أخرجه ابن قتيبة في عيون الأخبار (٢٦/١ - ط مطبعة دار الكتب المصرية) من حديث مسلم بن يسار وإسناده ضعيف لإِرساله. (٣) حاشية ابن عابدين ٢/ ٦٧٠ وما بعدها ط دار إحياء التراث العربي بيروت، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٥١٨/٢، ٥٢٤ ط عيسى الحلبي بمصر، ونهاية المحتاج ٧/ ٢٠١، ٢٠٩ ط المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع ٤٧٦/٥، ٤٨١ ط مكتبة النصر الحديثة. - ١٠١ - بطالة ٦ - ٧، بطانة ١ - ٢ أثر البطالة في استحقاق الزكاة : ٦ - إن القادر على الكسب مكلف بالعمل ليكفي نفسه بنفسه، أما العاجز عن الكسب لضعف ذاتي، كالصغر والأنوثة والعته والشيخوخة والمرض إذا لم یکن عنده مال موروث يسد حاجته، كان في كفالة أقاربه الموسرین، وإذا لم يوجد له شخص یکفله بما يحتاجه فقد حل له الأخذ من الزكاة، ولا حرج عليه في دين الله.(١) وتفصيله في مصطلح: (زكاة). رعاية الدولة والمجتمع للمتعطلين بعدم وجود عمل : ٧ - صرح الفقهاء بأن على الدولة القيام بشئون فقراء المسلمين من العجزة واللقطاء والمساجين الفقراء، الذین ليس لهم ماینفق علیهم منه ولا أقارب تلزمهم نفقتهم، فيتحمل بيت المال نفقاتهم وكسوتهم، ومايصلحهم من دواء وأجرة علاج وتجهيز ميت ونحوها. (٢) وللتفصيل (ر: بيت المال). (١) البدائع ٤٨/٢، والخرشي ٢١٥/٢، والمجموع ١٩٢/٦، والمغني ٢/ ٥٢٥، والأموال لأبي عبيد ص ٥٥٦ (٢) القليوبي ٢٩٢/٢، و١٢٥/٣، و٢١١/٤، ٢١٤، والمقنع ٣٠٣/٢، وكشاف القناع ٢٣٤/١ بطانة التعريف : ١ - البطانة: بطانة الثوب، وهي: ما يجعل وقاء له من الداخل، وهي خلاف الظهارة. وبطانة الرجل: خاصته، وأبطنت الرجل: جعلته من خواصك، وفي الحديث: ((مابَعَثَ الله من نبي، ولا استخلفَ مِنْ خَليفةٍ إلا كانتْ له بِطانْتَان: بطانةٌ تأمره بالمعروفِ وَتَحِضُّه عليه، وبطانةٌ تأمُرُه بالشرِّ وتحضُّه عليه، فالمعصومُ من عَصَمَهُ الله تعالى))(١) وهو مصدر سميّ به الواحد والجمع . والبطانة اصطلاحا: خاصة الرجل المقربون الذین یفضي إلیهم بأسراره. (٢) الألفاظ ذات الصلة : أ - الحاشية : ٢ - الحاشية: هي واحدة حواشي الثوب. (١) حديث: ((ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٨٩/١٣ - ط السلفية). (٢) ترتيب القاموس مادة: ((بطن)). - ١٠٢ - بطانة ٣ - ٥ وتطلق على صغار الإِبل. وعلى مايكتب على جوانب صفحات الكتاب. وفي الاصطلاح: أهل الرجل من غير أصوله وفروعه كالإِخوة والأعمام . (١) ب - أهل الشورى : ٣ - الشورى: اسم مصدر من التشاور. وأهل الشورى: هم أهل الرأي الذين يقدمون المشورة لمن يستشيرهم، وقد يكونون من بطانة الرجل أو غيرهم من ذوي الرأي. (٢) ما يتعلق بالبطانة من أحكام: أولا : البطانة بمعنى خاصة الرجل. اتخاذ البطانة الصالحة : ٤ - لما كانت الشورى من قواعد الشريعة، ومن لوازم الحكم في الإِسلام، وأن العادة جارية بأن الإِنسان يطمئن إلى بطانته، فإنه يجب على ولاة المسلمين أن يتخذوا بطانة صالحة، من أهل التقوى والأمانة، وممن يخشى الله . قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ومشاورة وجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ومشاورة وجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يفعلون بمصالح البلاد (١) الصحاح. (٢) القرطبي ٤/ ٢٤٩ وعمارتها . (١) وجاء في كتاب ((الأحكام السلطانية)) للماوردي في معرض عد واجبات الإِمام: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال، لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة . (٢) وفي الأثر الصحيح: ((إذا أراد الله بالأمير خيراً جَعَلَ له وزيرَ صِدْقٍ، إن نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وإنْ ذَكَرَ أعانه، وإن أرادَ غیرَ ذلك جَعَلَ له وزیر سُوءٍ: إن نَسِيَ لم يُذَكِّرْهُ، وإن ذكر لم يُعِنْه)). (٣) وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله (لحوم أنه قال: ((ما بعثَ الله من نبي ولا استخلفَ من خليفةٍ إلا كانت له بطانتان: بطانةٌ تأمُرُه بالخير وتحضه عليه، وبطانةٌ تأمُرُه بالشروتحضُّه عليه، فالمعصوم من عصمه الله تعالى)) . (٤) اتخاذ بطانة من دون المؤمنين : ٥ - لا خلاف بين علماء الإِسلام في أنه لا يجوز لأولياء أمور المسلمين أن يتخذوا بطانة من الكفار (١) تفسير القرطبي ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ (٢) الأحكام السلطانية للماوردي: ١٢ - ١٣ (٣) حديث: ((إذا أراد الله بالأمير خيرا .... )) أخرجه أبوداود (٣٤٥/٣ - ط عزت عبيد دعاس) وجوَّد إسناده النووي في رياض الصالحين (ص ٣١٧ - ط الرسالة): (٤) الحديث: سبق تخريجه (ف/ ١). - ١٠٣ - بطانة ٥ والمنافقين، يطلعونهم على سرائرهم، ومايضمرونه لأعدائهم، ويستشير ونهم في الأمور، لأن هذا من شأنه أن يضر مصلحة المسلمين، ويعرّض أمْنَهم للخطر، وقد ورد التنزيل بتحذير المؤمنين من موالاة غيرهم ممن يخالفونهم في العقيدة والدين، وقال عز من قائل: ﴿يا أيها الذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكم لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا ، وَدُّوا ماعَنتم قدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أقْوَاهِهِم وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبرُ، قَدْ بَيَّا لكم الآياتِ إنْ كُنْتُم تَعْقِلون﴾ .(١) وقال: ﴿يا أيها الذين آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعدوَّكم أولياءَ تُلْقُون إليهم بالمودةِ وقدْ كَفَروا بما جَاءَكم من الحقِّ يُخْرِجُونَ الرسولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنوا بالله ربّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُم ◌ِهادا في سَبِيلِي وابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي، تُسِرُون إليهم بالموَدَّةِ وأَنَا أَعْلَمُ بما أَخْفَيْتُم وما أعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهَ مِنْكم فقدْ ضَلِّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. (٢) ونهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ بطانة من دون المؤمنين، يطلعونهم على سرائرهم، ويكشفون لهم عورات المسلمين. بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَتَّخِذُوا الكافرينَ أولیاءً مِنْ دُونِ المؤمنینَ﴾(٣) وفي معنی ذلك آيات كثيرة. وقد تقدم الحديث في شأن (١) سورة آل عمران / ١١٨ (٢) سورة الممتحنة / ١ (٣) سورة النساء / ١٤٤ بطانة السوء. وقال ابن أبي حاتم: قيل لعمر بن الخطاب: رضي الله عنه: إن هنا غلاما من أهل الحيرة حافظا كاتبا، فلو اتخذته كاتبا؟ قال: اتخذتُ إذن بطانةً من دون المؤمنین.(١) قال ابن كثير : في الأثر مع هذه الآية دليل على أنه لا يجوز استعمال أهل الذمة في الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دخائل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب. (٢) وقال السيوطي نقلا عن الكيا الهراسي: في قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بطانةً من دُونِكم﴾ فيه دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمر المسلمين. (٣) وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: أكد الله سبحانه وتعالى الزجر عن الركون إلى الكفار وهو متصل بماسبق من قوله: ﴿يا أيها الذينِ آمنوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقا من الذين أوتوا الكتابَ يَرُدُّوكم بعد إيمانكم كافرين﴾، (٤) ونهى المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم. ثم بين الله المعنى الذي من (١) أثر عمر بن الخطاب ... أخرجه ابن أبي حاتم کما في تفسير ابن كثير (١٠١/٢ - ١٠٢ ط دار الأندلس). (٢) تفسير ابن كثير ٣١٣/١ (٣) الإكليل للسيوطي ص : ٥٦ (٤) سورة آل عمران / ١٠٠ - ١٠٤ - بطانة ٦ - ٧ أجله نهى عن المواصلة فقال: ﴿لا يَالُونكم خبالا﴾ يعني لا یتر کون الجهد في إفسادكم، أي أنهم وإن لم يقاتلوكم فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة . (١) وروي أن أبا موسى الأشعري استکتب ذمیا، فعنفه عمر رضي الله عنهما وتلا عليه هذه الآية. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال أيضا: لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. ثانيا : البطانة في الثوب : الصلاة على ثوب بطانته نجسة : ٦ - ذهب المالكية والشافعية وأبوحنيفة والحنابلة ومحمد بن الحسن إلى أنه تصح الصلاة على بساط ظاهره طاهر، وبطانته نجس. لأنه لیس حاملا ولا لابسا، ولا مباشرا للنجاسة، فأشبه مالو صلی علی بساط طرفه نجس، أو مفروش على نجس. وذهب أبویوسف من الحنفية إلى أنه لا يصح الصلاة عليه، نظرا لاتحاد المحل، فاستوى ظاهره وباطنه. (٢) (١) تفسير القرطبي ١٧٨/٤ - ١٧٩ (٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٤٢٠ - ٤٢١، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ١٢٩، ومغني المحتاج ١/ ١٩٠، والمغني لابن قدامة ٢/ ٥٧، وشرح الزرقاني ١/ ٩ حكم لبس الرجل ثوبا بطانته من حرير: ٧ - ذهب الفقهاء إلى أنه يحرم على الرجل لبس ثوب بطانته من حرير، لحديث عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﴿ل﴾: ((لا تَلْبِسُوا الحريرَ، فإِنه من لَبِسَهُ في الدنيا لم يَلْبَسْه في الآخرة».(١) وفي كشاف القناع، بعد بيان تحريم الحرير على الرجال والاستدلال بالحديث، قال: ولو كان الحرير بطانةٌ، لعموم الخبر، لكن قید المالکیة حرمة المبطن بالحریر بها إذا کان کثیرا، كما قال القاضي أبوالوليد. وهو مكروه عند الحنفية كما جاء في ابن عابدين نقلا عن الهندية، وقال في تعليله: لأن البطانة مقصودة. (٢) والكراهة حيث أطلقت عند الحنفية فهي لكراهة التحريم. وتفصيله في مصطلح (حریر). (١) الحديث: ((لا تلبسوا الحرير .... )) أخرجه البخاري (الفتح ٢٨٤/١٠ - ط السلفية) ومسلم (٣/ ١٦٤٢ - ط الحلبي). (٢) حاشية ابن عابدين ٢٢٤/٥، والخطاب ٥٠٥/١، والمجموع ٤٣٨/٤، وكشاف القناع ٢٨١/١ - ١٠٥ - بطلان ١ - ٢ بطلان التعريف : ١ - البطلان لغة: الضياع والخسران، أوسقوط الحكم. يقال: بطل الشيء يبطل بطلا وبطلانا بمعنى : ذهب ضياعا وخسرانا، أو سقط حكمه، ومن معانيه: الحبوط.(١) وهو في الاصطلاح يختلف تبعا للعبادات والمعاملات. ففي العبادات: البطلان: عدم اعتبار العبادة حتی کأنها لم تکن. كما لوصلى بغير وضوء. (٢) والبطلان في المعاملات يختلف فيها تعريف الحنفية عن غيرهم، فهو عند الحنفية: أن تقع على وجه غير مشروع بأصله ولا بوصفه، وينشأ عن البطلان تخلف الأحكام كلها عن التصرفات، وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة لتلك الأحكام التي تترتب عليها، فبطلان المعاملة لا يوصل إلى المقصود الدنيوي أصلا، (١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: (بطل)، والتلويح على التوضيح ٢١٥/١ (٢) جمع الجوامع ١٠٥/١، ودستور العلماء ٢٥١/١، وكشف الأسرار ٢٥٨/١ لأن آثارها لا تترتب عليها. (١) وتعريف البطلان عند غير الحنفية هو تعريف الفساد بعينه، وهو: أن تقع المعاملة على وجه غير مشروع بأصله أو بوصفه أو بهما. الألفاظ ذات الصلة : أ - الفساد : ٢ - الفساد: مرادف للبطلان عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) فكل من الباطل والفاسد يطلق على الفعل الذي يخالف وقوعه الشرع، ولا تترتب عليه الآثار، ولا يسقط القضاء في العبادات . وهذا في الجملة، ففي بعض أبواب الفقه يأتي التفريق بين البطلان والفساد، كالحج والعارية والكتابة والخلع، (٢) وسيأتي بيان ذلك. أما عند الحنفية، فالفساد یباین البطلان بالنسبة للمعاملات، فالبطلان عندهم: مخالفة الفعل للشرع لخلل في ركن من أركانه أو شرط (١) كشف الأسرار ٢٥٨/١، ٢٥٩، والمستصفى للغزالي ٢٥/٢، والأسنوي على البيضاوي ٥٨/١، والبدخشي ٥٧/١، والتلويح على التوضيح ١٢٣/٢، وكشاف اصطلاحات الفنون ١٤٨/١، ودرر الحكام الكتاب الأول ص ٩٤ مادة: ١١٠، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٩٧، ومنح الجليل ٢/ ٥٥٠، وجمع الجوامع ١/ ١٠٥ (٢) جمع الجوامع ١٠٥/١، والمنثور في القواعد للزركشي ٧/٣، وأشباه السيوطي ص ٣١٢، والقواعد والفوائد الأصولية ص ١١٠ - ١٠٦ - بطلان ٣ - ٥ من شرائط انعقاده. أما الفساد فهو: مخالفة الفعل للشرع في شرط من شروط صحته، ولو مع موافقة الشرع في أركانه وشرائط انعقاده. (١) ب - الصحة : ٣ - الصحة في اللغة. بمعنى: السلامة فالصحیح ضد المريض. وفي الاصطلاح: وقوع الفعل موافقا للشرع باستجماع الأركان والشروط. وأثره في المعاملات: ترتب ثمرة التصرف المطلوبة منه عليه، كحل الانتفاع في البيع، والاستمتاع في النكاح. وأثره في العبادات هو سقوط القضاء بفعل العبادة. (٢) جـ - الانعقاد : ٤ - الانعقاد: يشمل الصحة، ويشمل الفساد عند الحنفية، فهو ارتباط أجزاء التصرف شرعا. أو هو: تعلق كل من الإيجاب والقبول بالآخر (١) التلويح على التوضيح ١٣٢/٢، ودرر الحكام ٩٣/١م ١٠٨، والأحكام للآمدي ٦٧/١ -٦٨، وكشف الأسرار ٢٥٨/١، والبدخشي ١/ ٥٧ - ٥٨، وجمع الجوامع ١٠٠/١-١٠١ (٢) التلويح على التوضيح ٩٣/١، ٢١٩، ١٢٣/٢، وكشف الأسرار ٢٥٩/١، ٢٧٠، ٢٧١، وابن عابدين ٢/ ٩٧، ٢٧٣/٥، وشرح المجلة للأتاسي ص ٧٤، والذخيرة ص ٦٢، وإعلام الموقعين ٣/ ١١٠ - ١١١ على وجه مشروع، يظهر أثره في متعلقهما. فالعقد الفاسد منعقد بأصله، ولكنه فاسد بوصفه. وهذا عند الحنفية. فالانعقاد ضد البطلان . (١) عدم التلازم بين بطلان التصرف في الدنيا وبطلان أثره في الآخرة: ٥ - لا تلازم بين صحة التصرف أوبطلانه في أحكام الدنيا، وبين بطلان أثره في الآخرة، فقد يكون محكوما عليه بالصحة في الدنيا، لاستكماله الأركان والشروط المطلوبة شرعا، لكن اقترن به من المقاصد والنيات مايبطل ثمرته في الآخرة، فلا یکون له علیہ ثواب، بل قد يلزمه الإِثم، ودليل ذلك قول النبي قال : (إنّمَا الأعمالُ بالنياتِ، وإنّما لكلِّ امرىءٍ مانَوَى، فَمَنْ كانت هِجْرتُه إلى دُنيا يُصِيبُها أو إلى امرأةٍ ینکِحها فهجرته إلى ماهاجرَ الیه»(٢) وقد يصح العمل ويستحق عامله الثواب، ولكن يتبعه صاحبه عملا یبطله، فالمنّ والأذى يبطل أجر (١) التلويح على التوضيح ١٢٣/٢، ودرر الحكام ٩٢/١ م ١٠٤، وفتح القدير ٤٥٦/٥ ط دار إحياء التراث، وحاشية ابن عابدين ٧/٤، والمنثور في القواعد ٣٠٣/٢ (٢) حديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء مانوى ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٩/١ - ط السلفية) ومسلم (١٥١٥/٣ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري. - ١٠٧ - : بطلان ٦ - ٧ الصدقة، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكمِ بالمنِّ والأذى﴾(١) وقال: ﴿يَا أيها الذينَ آمَنوا أَطِيعُوا اللهَ وأطيعُوا الرسولَ ولا تُبطِلُوا أَعْمَالَكم).(٢) ٦ - ويوضح الشاطبي ذلك فيقول: (٣) يراد بالبطلان إطلاقان : أحدهما: عدم ترتب آثار العمل عليه في الدنيا، كما نقول في العبادات: إنها غير مجزئة ولا مبرئة للذمة ولا مسقطة للقضاء، فهي باطلة بهذا المعنى لمخالفتها لما قصد الشارع فيها. وقد تكون باطلة خلل في بعض أركانها أو شروطها، ککونها ناقصة ركعة أو سجدة. ونقول أيضا في العادات: إنها باطلة، بمعنى عدم حصول فوائدها بها شرعا، من حصول إملاك واستباحة فروج وانتفاع بالمطلوب. والثاني : أن يراد بالبطلان عدم ترتب آثار العمل عليه في الآخرة، وهو الثواب. فتكون العبادة باطلة بالإِطلاق الأول، فلا يترتب عليها جزاء، لأنها غير مطابقة لمقتضى الأمربها، (١) سورة البقرة / ٦٤ م (٢) سورة محمد / ٣٣ (٣) الموافقات للشاطبي ١/ ٢٩٢، والمنح ٨٩/١ كالمتعبد رثاء الناس، فهي غير مجزئة(١) ولا یترتب علیھا ثواب، وقد تكون صحيحة بالإِطلاق الأول، ولا يترتب عليها ثواب أيضا، كالمتصدق بالصدقة يتبعها بالمن والأذى، وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تُبْطِلوا صَدَقاتِكم بالمنِّ والأذى، كالذي يُنْفِقُ مالَه رِئَاءَ الناس ﴾(٢) الحكم التكليفي للإقدام على تصرف باطل مع العلم وعدمه : ٧ - الإِقدام على فعل باطل - مع العلم ببطلانه - حرام، ويأثم فاعله، لارتكابه المعصية بمخالفته المشروع، لأن البطلان وصف للفعل الذي يقع مخالفا للشرع، وسواء أكان ذلك في العبادات، كالصلاة بدون طهارة، والأكل في نهار رمضان، أم كان ذلك في المعاملات، كبيع الميتة والدم والملاقيح والمضامين، وكالاستئجار على النوح، وكَرَهْن الخمر عند المسلم ولو كانت لذمي، وماشابه ذلك، أم كان في النكاح، (١) عدم إجزاء العبادة لأجل الرياء أمر مختلف فيه، ففي ابن عابدين ٢٧٣/٥، أن من صلى رياء وسمعة تجوز صلاته في الحكم (الدنيوي) لوجود الشرائط والأركان، ولكن لا يستحق الثواب، قال الفقيه أبوالليث في النوازل: قال بعض مشايخنا: الرياء لا يدخل في شيء من الفرائض، وهذا هو المذهب المستقيم. (٢) سورة البقرة / ٢٦٤ - ١٠٨ - بطلان ٨ - ٩ کنكاح الأم والبنت. وهذا الحكم يشمل الفاسد أيضا عند الحنفية، فإِنه وإن كان يفيد بعض الأحكام - كإفادته الملك بالقبض في البيع مثلا - إلا أن الإقدام عليه حرام، ويجب فسخه حقا لله تعالى ءِ دفعا للفساد، لأن فعله معصية، فعلى العاقد التوبة منه بفسخه . ويستثنى من حكم الإِقدام على التصرف الباطل حالة الضرورة، كالمضطر يشتري الميتة . (١) هذا فيمن يقدم على الباطل مع علمه ببطلانه . ٨ - وأما الإقدام على التصرف الباطل مع عدم العلم، فهذا يشمل الناسي والجاهل. والأصل بالنسبة للجاهل: (٢) أنه لا يجوز له أن یقدم على فعل حتی یعلم حكم الله فیه، فمن باع وجب عليه أن يتعلم ماشرعه الله في (١) جمع الجوامع ١٠٥/١، ١٠٦، ١٠٧، والتلويح على التوضيح ٢١٦/١ -٢٢١، والموافقات للشاطبي ٣٣٣/٢ - ٣٣٧، وابن عابدين ٥/٤، ٩٩، وبدائع الصنائع ٣٠٠/٥، ٣٠١، ٣٠٥، ١٩٠/٤، والمستصفى للغزالي ٢٥/٢ - ٣٠، وكشف الأسرار ٢٥٧/١ - ٢٦١، وروضة الناظر ص ١١٣، ومغني المحتاج ٣٠/٢، ونهاية المحتاج ٤٢٩/٣، والمنثور في القواعد للزركشي ٣٥٢/١ -٣٥٥، وأشباه السيوطي ص ٣١٢، والمغني ٥/ ٥٥٠، ومنتهى الإرادات ٢٣٢/٢، وجواهر الإكليل ٧٨/٢، ١٤٥، والدسوقي ٣/ ٥٤ (٢) الفروق للقرافي ١٤٨/٢ الفرق ٩٣، والذخيرة ١٣٣/١ البيع، ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ماشرعه الله في الإِجارة، ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في هذه الصلاة، وهكذا في كل مايريد الإقدام عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما ليس لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾(١) فلا يجوز الشروع في شيء حتی یعلم حكمه، فيكون طلب العلم واجبا في كل مسألة. وترك التعلم معصية يؤاخذ بها. أما المؤاخذة بالنسبة للتصرف الذي وقع باطلا مع الجهل، فقد ذكر القرافي في الفروق: أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة، فعفا عن مرتكبها، وأخذ بجهالات، فلم يعف عن مرتكبها. (٢) وانظر للتفصيل مصطلح (جهل، نسيان). الإِنكار على من فعل الباطل : ٩ - إن كان الفعل متفقا على بطلانه، فإنكاره واجب على مسلم. أما إن كان مختلفا فيه، فلا إنكار فیه . قال الزركشي : الإِنکار من المنکِر إنما يكون فيما اجتمع علیه، فأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد (١) سورة الإسراء/ ٣٦ (٢) الفروق للقرافي ٢/ ١٤٩، ١٥٠، ١٥١، والمنثور ١٥/٢، ٢١٨/٣، ٣١٥، والأشباه لابن نجيم ص ٣٠٢، والأشباه للسيوطي ص ٢٠٧، ٢٢٠ ط عيسى الحلبي. - ١٠٩ - بطلان ١٠ ولا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين السلف في الفروع، ولا ينكر أحد على غيره أمرا مجتهدا فيه، وإنما ينكرون ما خالف نصا، أو إجماعا قطعيا أوقياسا جليا، وهذا إذا كان الفاعل لا یری تحریمه، فإن کان یراه فالأصح الإِنکار. (١) وفي كل ذلك خلاف وتفصیل يرجع إليه في (إنكار، أمر بالمعروف، اجتهاد، تقليد، اختلاف، إفتاء، رخصة). الاختلاف في التفريق بين البطلان والفساد، وسبب ذلك : ١٠ - يرى المالكية والشافعية والحنابلة أنه لا فرق بين البطلان والفساد في التصرفات، سواء أكان ذلك في العبادات، كالصلاة مع ترك ركن من أركانها، أو شرط من شروطها، أم كان ذلك في النكاح، کالعقد علی إحدی المحارم، أم کان في المعاوضات، كبيع الميتة والدم، والشراء بالخمر، والبيع المشتمل على الربا، فكل من البطلان والفساد يوصف به الفعل الذي يقع على خلاف ماطلبه الشارع، ومن أجل هذه (١) المنثور في القواعد للزركشي ١٢٧/٢ - ١٢٨، ١٤٠، ورفع الملام في مجموع الفتاوى ٢٧٨/١٩ ومابعدها، والذخيرة ص ١٣٣، ١٣٩ - ١٤١، وفتح العلي المالك ٦٠/١ -٦٥، والتقرير والتحبير ٣٤٩/٣، وإرشاد الفحول ص ٢٧١، والموافقات للشاطبي ٤/ ١٣٣، ١٤٠ - ١٤٧ المخالفة لم يعتبره، ولم يرتب عليه أي أثر من الآثار التي تترتب على الفعل الصحيح. فالجمهور يطلقونهما، ويريدون بهما معنى واحدا، وهو: وقوع الفعل على خلاف ماطلبه الشارع، سواء أكان هذا الخلاف راجعا إلى فوات ركن من أركان الفعل، أم راجعا إلى فوات شرط من شروطه. (١) أما الحنفية فإنهم ـ على المشهور عندهم، وهو المعتمد - يوافقون الجمهور في أن البطلان والفساد مترادفان بالنسبة للعبادات. أما بالنسبة للمعاملات، فإنهم يخالفون الجمهور، فيفرقون بينهما، ويجعلون للفساد معنى يخالف معنى البطلان، ويقوم هذا التفريق على أساس التمييز بين أصل العقد ووصفه. فأصل العقد هو أركانه وشرائط انعقاده، من أهلية العاقد ومحلية المعقود عليه وغيرهما، كالإيجاب والقبول ... وهكذا. أما وصف العقد، فهي شروط الصحة، وهي العناصر المكملة للعقد، کخلوه عن الربا، وعن شرط من الشروط الفاسدة، وعن الغرر والضرر. وعلى هذا الأساس يقول الحنفية: إذا حصل خلل في أصل العقد - بأن تخلف ركن من أركانه، أو شرط من شروط انعقاده - كان العقد (١) حاشية الدسوقي ٣/ ٥٤، ونهاية المحتاج ٤٢٩/٣، وشرح منتهى الإِرادات ٢/ ٤٢٢ - ١١٠ - بطلان ١١ - ١٢ باطلا، ولا وجود له، ولا يترتب عليه أي أثر دنيوي، لأنه لا وجود للتصرف إلا من الأهل في المحل، ويكون العقد فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة فحسب، إما لانعدام محل التصرف كبيع الميتة والدم، أولانعدام أهلية المتصرف كالبيع الصادر من المجنون أو الصبي الذي لا يعقل. أما إذا كان أصل العقد سالما من الخلل، وحصل خلل في الوصف، بأن اشتمل العقد على شرط فاسد، أو ربا، فإن العقد يكون فاسدا لا باطلا، وتترتب عليه بعض الآثار دون بعض.(١) ١١ - والسبب في هذا الاختلاف بين الجمهور والحنفية، يرجع إلى اختلاف هؤلاء الفقهاء في أثر النهي إذا توجه إلى وصف من أوصاف العمل اللازمة له، كالنهي عن البيع المشتمل على الربا أو شرط فاسد . فالجمهور يقولون: إنه يقتضي بطلان كل من الوصف والأصل، كأثر النهي المتوجه إلى ذات الفعل وحقيقته، ويطلقون على الفعل المنهي عنه لوصفٍ لازم له اسمَ الفاسد أو الباطل، ولا يرتبون عليه أي أثر من الآثار (١) الأشباه لابن نجيم ٣٣٧، وابن عابدين ٩٩/٤، وبدائع الصنائع ٢٩٩/٥ وما بعدها، والزيلعي ٤/ ٦٣، وكشف الأسرار ٢٥٩/١ المقصودة منه، ولهذا كان البيع المشتمل على الربا، أو على شرط فاسد، أو نحو هذا من قبيل الباطل عندهم أو الفاسد. والحنفية يقولون: إنه يقتضي بطلان الوصف فقط، أما أصل العمل فهوباق على مشروعيته بخلاف النهي المتوجه إلى ذات الفعل وحقيقته، ويطلقون على الفعل المنهي عنه لوصفٍ لازم له اسم الفاسد لا الباطل، ويرتبون عليه بعض الآثار دون بعض، ولهذا كان البيع المشتمل على الربا، أو على شرط فاسد ونحوهما من قبيل الفاسد عندهم، لا من قبيل الباطل. ١٢ - وقد استدل كل من الفريقين لما ذهب إليه بأدلة كثيرة، أهمها ما يأتي : أما الجمهور فقد استدلوا بقول النبي رقمالطيار : ((مَن أحدثَ في أمرنا ما ليس مِنه فهو رَدٌ)(١) فإنه يدل على أن العمل متى خالف أمر الشارع صار غير معتبر في نظره، فلا تترتب عليه الأحكام التي يقصدها منه، سواء أكانت المخالفة راجعة إلى ذات العمل وحقيقته، أم إلى وصف من الأوصاف اللازمة له. وأما الحنفية فإنهم استندوا إلى أن الشارع قد وضع العبادات والمعاملات أسبابا لأحكام (١) حديث: ((من أحدث في أمرنا ماليس منه فهورد)). أخرجه البخاري (الفتح ٣٠١/٥ - ط السلفية)، ومسلم (١٣٤٣/٣ - ط الحلبي). - ١١١ - بطلان ١٢ - ١٤ تترتب عليها، فإِذا نهى الشارع عن شيء منها لوصف من الأوصاف اللازمة له، كان النهي مقتضيا بطلان هذا الوصف فقط، لأن النهي متوجه إليه، فيقتصر أثره عليه، فإذا لم يكن وجود هذا الوصف مخلا بحقيقة التصرف الموصوف به، بقيت حقيقته قائمة، وحينئذ يجب أن يثبت لكل منهما مقتضاه. فإِذا كان المنهي عنه بیعا مثلا، ووجدت حقيقته بوجود رکنه ومحله، ثبت الملك به نظرا لوجود حقيقته، ووجب فسخه نظرا لوجود الوصف المنهي عنه، وبذلك يمكن مراعاة الجانبين، وإعطاء كل منهما حكمه اللائق به. إلا أن العبادات لما كان المقصود منها الامتثال والطاعة، ولا يتحقق هذا إلا إذا لم تحصل فيها مخالفة ما، لا في الأصل ولا في الوصف، كانت مخالفة أمر الشارع فيها مقتضية للفساد والبطلان، سواء أكانت هذه المخالفة راجعة إلى ذات العبادة، أم إلى صفة من صفاتها اللازمة . (١) بقي بعد ذلك أن نذكر أن الجمهور وإن كانوا لا يفرقون بين الفاسد والباطل - على ما جاء في قواعدهم العامة - إلا أنه يتبين وجود الخلاف في (١) جمع الجوامع ١/ ١٠٥، والمستصفي للغزالي ٢٦/٢، ٢٧، وروضة الناظر ص ١١٣، والمنثور في القواعد ٣١٣/٣، وكشف الأسرار ٢٥٨/١، ٢٥٩، والتلويح على التوضيح ٢١٦/١ ومابعدها، وأصول السرخسي ١/ ٨٥ ومابعدها، ومسلم الثبوت وشرح فواتح الرحموت ٤٠٣/١ كثير من أبواب الفقه، كما يؤخذ من نصوصهم، غير أنهم اعتبر وا ذلك استثناء من القاعدة العامة كما يقول الشافعية، أو للتفرقة في مسائل الدليل كما يقول الحنابلة والمالكية، وتفصيل ذلك في كل باب من أبواب الفقه ينظر في مواضعه . تجزؤ البطلان : ١٣ - المراد بتجزئ البطلان: أن يشتمل التصرف على ما يجوز ومالا يجوز، فيكون في شق منه صحيحا، وفي الشق الآخر باطلا . ومن هذا النوع مايسمى بتفريق الصفقة. وهي الجمع بين ما يجوز ومالا يجوز في عقد واحد . وأهم الصور الواردة في ذلك ما جاء في البيع وهي . ١٤ - عقد البيع إذا كان في شق منه صحيحا،وفي الشق الآخر باطلا، كبيع العصير والخمر صفقة واحدة، وكذلك بيع المذكاة والميتة، فالصفقة كلها باطلة، وهذا عند الحنفية والمالكية - غدا ابن القصار منهم - وهو أحد قولي الشافعية (وادعى في المهمات أنه المذهب)، وفي رواية عن الإِمام أحمد. وذلك لأنه متى بطل العقد في البعض بطل في الكل، لأن الصفقة غير متجزئة، أو لتغليب الحرام على الحلال عند اجتماعهما، أو لجهالة الثمن . - ١١٢ - بطلان ١٥ - ١٦ والقول الآخر للشافعية - قالوا: وهو الأظهر - والرواية الثانية عن الإِمام أحمد، وقول ابن القصار من المالكية: أنه يجوز تجزئة الصفقة، فيصح البيع فيما يجوز، ويبطل فيما لا يجوز، لأن الإِبطال في الكل لبطلان أحدهما ليس بأولى من تصحيح الكل لصحة أحدهما، فيبقيان على حکمهما، ويصح فيما يجوز ويبطل فيما لا يجوز. وقال أبو يوسف ومحمد من الحنفية: إن عَيْنَ ابتداء لكل شق حصته من الثمن، فعند ذلك نعتبر الصفقة صفقتين مستقلتين، تجوز فيهما التجزئة، فتصح واحدة، وتبطل الأخرى. وإذا كان العقد في شق منه صحيحا، وفي الشق الآخر موقوفا، کالجمع بين مايملكه وما يملكه غيره، وبيعهما صفقة واحدة، فإِن البيع يصح فيهما ويلزم في ملكه، ويقف اللازم في ملك الغير على إجازته. وهذا عند المالكية والحنفية عدا زفر، وهو مبني عند الحنفية على قاعدة عدم جواز البيع بالحصة ابتداء، وجواز ذلك بقاء. وعند زفر: يبطل الجميع، لأن العقد وقع على المجموع، والمجموع لا يتجزأ. وعند الشافعية والحنابلة يجري الخلاف السابق، لأن العقد الموقوف عندهم باطل في الأصح. ١٥ - كذلك تجري التجزئة في النكاح، فلو جمع في عقد النكاح بين من تحل ومَنْ لا تحل، کمسلمة ووثنية، صح نكاح الحلال اتفاقا، وبطل في من لا تحل. أما لوجمع بين خمس، أو بين أختين في عقد واحد فإِنه يبطل في الكل، لأن المحرّم الجمع، لا إحداهن أو إحداهما فقط، وإنما يجري خلاف الفقهاء فيما لو جمع بين أمة وحرة معا في عقد واحد، فعند الحنفية يبطل فيهما، وعند المالكية صح نكاح الحرة، وبطل نكاح الأمة على المشهور، وهو أظهر الروايتين عند الحنابلة والأظهر عند الشافعية . (١) والحكم في سائر عقود المعاملات كالإِجارة وغيرها كالحكم في البيع في الجملة، وقد عقد الفقهاء فصلا لتفريق الصفقة وما يجري مجراها من تصرفات. انظر (تفريق الصفقة). بطلان الشيء يستلزم بطلان مافي ضمنه ومابني عليه : ١٦ - من القواعد الفقهية التي ذكرها ابن نجيم في الأشباه: (٢) إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه، ثم قال: وهو معنى قولهم: إذا بطل المتضمَّن (بالكسر) بطل المتضمّن (بالفتح) (١) الأشباه لابن نجيم ١١٣، ١١٤، والبدائع ١٤٥/٥، وابن عابدين ١٠٤/٤، والاختيار ٢٣/٢، وجواهر الإكليل ٦/٢، والقوانين الفقهية ص ١٧٢، والدسوقي ٢٦٦/٢، والأشباه للسيوطي / ١٢٠، ١٢١، ١٢٢، والمنثور في القواعد ٣٨٢/١، ونهاية المحتاج ٤٦١/٣، وروضة الطالبين ٣/ ٤١٠، والمغني ٢٦١/٤، ٥٨٣/٦، ومنتھی الإِرادات ٢/ ١٥٣ (٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ٣٩١ نشر دار ومكتبة الهلال بیروت. - ١١٣ - بطلان ١٧ وأورد لذلك عدة أمثلة منها : أ - لو قال: بعتك دمي بألف، فقتله وجب القصاص، ولا يعتبر مافي ضمنه من الإِذن بقتله . ب - التعاطي ضمن عقد فاسد أو باطل لا ینعقد به البیع .(١) جـ- لو أبرأه أو أقر له ضمن عقد فاسد فسد الإِبراء. د - لو جدد النكاح لمنکوحته بمهر لم يلزمه، لأن النكاح الثاني لم يصح، فلم يلزم مافي ضمنه من المهر. إلا أن أغلب كتب الحنفية تُجري القاعدةَ على الفساد لا على البطلان، لأن الباطل معدوم شرعا أصلا ووصفا، والمعدوم لا يتضمن شیئا، أما الفاسد فهو فائت الوصف دون الأصل، فلم يكن معدوما بأصله فصح أن يكون متضمنا، فإِن فسد المتضّمِّن فسد المتضمَّن. (٢) ١٧ - هذا والمذاهب الأخرى - وهي التي لا (١) المقصود بالتعاطي هنا تسليم المعقود عليه، فلو اتفق شخص مع صانع على أن يصنع له شيئا، ولم يحدد أجلا للتسليم، كان العقد فاسدا، ومن ثم فلا يترتب على التسليم بعد ذلك أثر - يراجع شرح الأشباه والنظائر لابن نجیم ص ٥٩٢ (٢) حاشية ابن عابدين ٣٩/٤، ٤٠، وحاشية الشلبي على الزيلعي ١٢/٤، وفتح القدير وهوامشه ٥/ ٤٩٠ نشر دار إحياء التراث العربي، والبحر الرائق ٣٢٧/٥، والاختيار ٧/٢، والبدائع ١٧٣/٥ تفرق بين البطلان والفساد - تسير على هذا النهج، واستثنوا من ذلك صورا. ففي كتب الشافعية: الفاسد من العقود المتضمنة للإذن ، ءِ إذا صدرت من المأذون، صحت،كما في الوكالة المعلقة إذا أفسدناها فتصرف الوكيل، صح لوجود الإِذن، والوكيل بالبيع مع شرط عوض فاسد للوكيل، فالإذن صحيح والعوض فاسد.(١) وفي القواعد لابن رجب الحنبلي: (٢) العقود الجائزة كالشركة والمضاربة والوكالة لا يمنع فسادها نفوذ المتصرف فيها بالإِذن. ثم يفرِّق بين الإِذن في البيع - وهو عقد تمليك - وبین الإذن في العقود الجائزة، فيقول: البيع وضع لنقل الملك لا للإذن وصحة التصرف فيه تستفاد من الملك لا من الإِذن، بخلاف الوكالة فإنها موضوعة للإِذن . ويقول ابن قدامة: (٣) إذا تصرف العامل في المضاربة الفاسدة نفذ تصرفه، لأنه أذن له فيه، فإذا بطل العقد بقي الإِذن، فملك به التصرف. وقواعد المالكية لا تأبى ذلك. (٤) (١) المنثور في القواعد ١٥/٣، ٤٠٩/٢، ونهاية المحتاج ٢٢٨/٥، ٢٢٩، والجمل ٥١٧/٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١١٩ ط مصطفى الحلبي. (٢) القواعد لابن رجب / ٦٤، ٦٥، ٦٦ (٣) المغني ٧٢/٥ (٤) الكافي لا بن عبد البر ٢/ ٧٧٧ - ١١٤ - بطلان ١٨ - ١٩ هذه هي قاعدة التضمن. لكن هناك قاعدة أخرى شبيهة بها، وهي : إذا سقط الأصل سقط الفرع، ومنها: التابع يسقط بسقوط المتبوع، وقد مثل الفقهاء لذلك بقولهم : لو أبرأ الدائن المدين من الدين، فكما أنه يبرأ المدين يبرأ منه الكفيل أيضا، لأن المدين في الدين أصل، والكفيل فرع. (١) تصحيح العقد الباطل : ١٨ - تصحيح العقد الباطل يمكن تصويره بصورتين : الأولى : إذا ارتفع مايبطل العقد فهل ينقلب صحيحا؟ الثانية : أن تؤدي صيغة العقد الباطل إلى معنى عقد آخر صحيح. ١٩ - أما الصورة الأولى: فإِن الحنفية والشافعية والحنابلة لا يصير العقد الباطل صحيحا عندهم إذا ارتفع مايبطله . وعلى ذلك: لا يجوز بيع الدقيق في الحنطة، والزيت في الزيتون، واللبن في الضرع، والبذر في البطيخ، والنوى في التمر، لأنه لا يعلم وجوده فهو كالمعدوم، حتى لوسلم اللبن أو الدقيق أو العصير لا ينقلب صحيحا، لأن المعقود عليه (١) أشباه ابن نجيم / ١٢١، ودرر الحكام ٥٨/١ م ٥٠، وأشباه السيوطي/ ١٣٢ ط عيسى الحلبي، والدسوقي ٣٣٦/٣، وكشاف القناع ٣٨٧/٣ كالمعدوم حالة العقد، ولا يتصور انعقاد العقد بدونه، فلم ينعقد أصلا، فلا يحتمل التصحيح. (١) أما الجمهور (وهم لا يفرقون في الجملة بين الفاسد والباطل) فالحكم عند الشافعية والحنابلة كالحنفية، لا ينقلب العقد الباطل صحيحا برفع المفسد . ففي كتب الشافعية: لوحذف العاقدان المفسِد للعقد، ولو في مجلس الخيار، لم ينقلب العقد صحيحا، إذا لا عبرة بالفاسد. (٢) وفي منتهى الإِرادات: الفاسد لا ينقلب صحیحا . أما المالكية: فإنهم يوافقون الجمهور في هذا الحكم، إلا في البيع بشرط لا يؤدي إلى الإِخلال بشيء من شروط الصحة، فإن العقد ينقلب صحيحا إذا أسقط الشرط، وذلك كبيع الثنيا، وهو أن يبتاع السلعة على أن البائع متى رد الثمن فالسلعة له، وكالبيع بشرط السلف، فإن البيع عندهم يكون فاسدا، لكنه ينقلب صحيحا إن حذف الشرط. (٣) (١) ابن عابدين ١٠٨/٤، ١١٣، والزيلعي ٤/ ٤٧ - ٥٠، وفتح القدير ٥٢/٦ نشر دار إحياء التراث، والبدائع ١٣٩/٥ (٢) نهاية المحتاج ٤٣٤/٣، ٤٣٥، وروضة الطالبين ٤١٠/٣، ومغني المحتاج ٤٠/٢، وحاشية الجمل ٨٤/٣، ٨٥ (٣) المغني ٢٥٩/٤ ط الرياض، وشرح منتهى = - ١١٥ - بطلان ٢٠ - ٢٢ ٢٠ - أما الصورة الثانية: وهي تحول العقد الباطن إلى عقد آخر صحيح، فيكاد الفقهاء يتفقون على أنه متى أمكن تحويل العقد الباطل إلى عقد آخر صحيح - لتوفر أسباب الصحة فيه - صح ذلك، سواء أكانت الصحة عن طريق المعنى عند بعض الفقهاء، أم عن طريق اللفظ عند البعض الآخر، نظرا لاختلافهم في قاعدة: هل العبرة بصيغ العقود أو معانيها . (١) ٢١ - ومن أمثلة ذلك مايأتي : المضاربة، وهي : أن يدفع شخص إلى آخر ماله لیتجر فیه، ویکون الربح بينهما بحسب مايتفقان، ویسمی القائم بالتجارة مضاربا، فلو شرط في عقد المضاربة الربح كله للمضارِب لم یکن مضاربة، ولکن یکون قرضا، تصحيحا للعقد، لأنه لوبقي مضاربة لكان باطلا، لأن المضارِب لا يملك رأس مال المضاربة حتى یکون الربح کله له، فجعل قرضا،نظرا للمعنى، ليصح العقد. وكذلك لوشرط الربح كله لرب المال، اعتبر الإرادات ٢/ ٢٥٠، ومنح الجليل ٢/ ٥٧٠، ٥٧١، = ٥٧٢، وينظر مع ذلك الموافقات للشاطبي ١/ ٢٩٤، ٢٩٥ (١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١٨/١، ١٩ مادة (٣)، والأشباه لابن نجيم ص ٢٠٧، والأشباه للسيوطي ص١٨٤ وما بعدها ط عيسى الحلبي، والمنثور في القواعد ٣٧١/٢، وإعلام الموقعين ٣/ ٩٥ نشر دار الجيل، والقواعد لابن رجب ص٤٩، والاختيار ٤٩/٣ العقد في هذه الحالة إيضاعا، تصحيحا للعقد، وفي هذه الحالة يكون المضارِب وكيلا متبرعا لصاحب المال. نص على ذلك فقهاء الحنفية. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة، وصححوا الوكالة إذا عقدت بلفظ الحوالة، والحوالة إذا عقدت بلفظ الوكالة، لاشتراكهما في المعنى، حیث قالوا: إنْ أحال من لیس علیه دین رجلا على رجل آخر مدين له، لم يكن هذا التصرف حوالة، بل وكالة تترتب عليه أحكامها، وإن أحال من عليه دينٌ صاحبَ الدين على رجل ليس له عليه دين، لم يجعل هذا التصرف حوالة، بل اقتراضا. وإن کان الذي أحاله لا دین له علیه اعتبر وكالة في الاقتراض. وفي الفقه الشافعي : إذا وهب شخص لآخر شيئا بشرط الثواب، اعتبر هذا التصرف بيعا بالثمن لا هبة، في أصح الأقوال. (١) الباطل لا يصير صحيحا بتقادم الزمان أو بحكم الحاكم : ٢٢ - التصرفات الباطلة لا تنقلب صحيحة بتقادم الزمان. ولو حكم حاكم بنفاذ التصرفات (١) الاختيار ٣/ ٢٠، والشرح الصغير، وبلغة السالك ٢٤٩/٢ (طبع الحلبي)، والمغني ٤/ ٥٧، ٣٥/٥، ومنتهى الإِرادات ٣٢٨/٢، ٢٥٩، والمنثور في القواعد ٣٧٣/٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٨٤ - ١١٦ - بطلان ٢٣ الباطلة، فإن ثبوت الحق وعودته یعتبر قائما في نفس الأمر، ولا يحل لأحد الانتفاع بحق غيره نتيجة تصرف باطل مادام يعلم بذلك. فإِنّ حكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا . هذا هو الأصل. والقضاة إنما يقضون بحسب مایظهر لهم من أدلة وحجج یبنون عليها أحکامهم، وقد تکون غير صحيحة في نفس الأمر.(١) ولذلك يقول النبي و985 فيما روت أم سلمة عنه: ((إنما أنا بَشَر، وإنكم تَخْتَصِمُون إليّ، ولعل بعضَكم أن يكونَ أَخَنَ بحجته من بعضٍ ، فَأَقْضِي له بما أَسْمَعُ، وأظنُّه صادقا، فمنْ قَضَيْتُ له پِشيءٍ من حقِّ أخيه فلا يأخذْ منه شيئا، فإنما أقطعُ له قِطْعَةً من النار)). (٢) ٢٣ - ومضي فترة من الزمن على أي تصرف، مع عدم تقدم أحد إلى القضاء بدعوى بطلان هذا التصرف، ربما يعني صحة هذا التصرف أو رضى صاحب الحق به. ومن هنا نشأ عدم سماع الدعوى بعد مضي مدة معينة، يختلف الفقهاء في تحديدها بحسب الأحوال، وبحسب الشيء المدعى به، وبحسب القرابة وعدمها، ومدة (١) التبصرة بهامش فتح العلي المالك ١/ ٧٥ نشر دار المعرفة، والمهذب ٣٤٣/٢، والمغني ٩/ ٥٩ (٢) حديث: ((إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر ... )) أخرجه البخاري (الفتح ١٥٧/١٣ - ط السلفية)، ومسلم (١٣٣٧/٣ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري. الحيازة، لكن مضي المدة التي تمنع سماع الدعوى لا أثر له في صحة التصرف، إن كان باطلا. يقول ابن نجيم: (١) الحق لا يسقط بتقادم الزمان، قذفا أو قصاصا أو لعانا أو حقا للعبد . ويقول: (٢) ينفذ قضاء القاضي في المسائل المجتهد فيها، إلا في مسائل منها: لوقضى ببطلان الحق بمضي المدة، أو بصحة نكاح المتعة، أوبسقوط المهر بالتقادم. وفي التكملة لابن عابدين: من القضاء الباطل: القضاء بسقوط الحق بمضي سنين. ثم يقول: عدم سماع الدعوى بعد مضي ثلاثين سنة، أوبعد الاطلاع على التصرف، ليس مبنيا على بطلان الحق في ذلك، وإنما هو مجرد منع للقضاء عن سماع الدعوى، مع بقاء الحق لصاحبه ،حتى لو أقر به الخصم يلزمه. (٣) وفي منتهى الإرادات: تقبل الشهادة بحد قديم على الصحيح، لأنها شهادة بحق، فجازت مع تقادم الزمان . (٤) والمالکیة ۔ وإن کانوا یشترطون لعدم سماع الدعوى حيازة الشيء المدعي به مدة تختلف بحسبه من عقار وغیرہ ۔ إلا أن ذلك مقید بکون (١) الأشباء لابن نجیم ص ٢٢٢ (٢) الأشباء لابن نجیم ص ٢٣٢ (٣) التكملة لابن عابدين ٣٤٦/١، ٣٤٧ (٤) منتهى الإرادات ٥٣٦/٣ - ١١٧ - بطلان ٢٣ - ٢٤ المدعي حاضرا مدة حيازة الغير، ويراه يقوم بالهدم والبناء والتصرف وهو ساکت. أما إذا كان ينازعه فإِن الحيازة لا تفيد شيئا مهما طالت المدة، وفي فتح العلي المالك: (١) رجل استولى على أرض بعد موت أهلها بغير حق، مع وجود ورثتهم، وبناها ونازعه الورثة، ولم يقدروا على منعه لکونه من رؤساء بلدتهم، فهل لا تعتبر حيازته ولو طالت مدتها؟ أجيب: نعم. لا تعتبر حيازته ولو طالت مدتها .... سمع يحيى من ابن القاسم: من عرف بغصب أموال الناس لا ينتفع بحيازته مال غيره في وجهه، فلا يصدق فیما يدعيه من شراء أو عطية، وإن طال بيده أعواما إن أقربأصل الملك لمدعيه، أو قامت له به بینة. قال ابن رشد: هذا صحیح لا خلاف فيه، لأن الحيازة لا توجب الملك، وإنما هي دليل عليه توجب تصديق غير الغاصب فيما ادعاه مَنْ تصير إليه، لأن الظاهر أنه لا يجوز أخذ مال أحد،وهو حاضر لا یطلبه ولا يدعیه، إلا وقد صار إلى حائزة إذا حازه عشرة أعوام ونحوها . وتنظر تفصيلات ذلك في (دعوى. تقادم. حيازة). وبالنسبة للعبادات: فمن المقرر أن من بطلت عبادته، فإن ذمته تظل مشغولة بها حتى يقضيها . (١) فتح العلي المالك ٢/ ٣٢١ نشر دار المعرفة. آثار البطلان : تختلف آثار البطلان بالنسبة للتصرفات، وبيان ذلك فيما يلي: أولا - بالنسبة للعبادات : ٢٤ - بطلان العبادات يترتب عليه عدة آثار منها : أ - استمرار انشغال الذمة بالعبادة (١) إلى أن - تؤدى إن كانت العبادة ليس لها وقت محدد كالزكاة، وعبر بعض الفقهاء فيها بالإِعادة. (٢) - أو تقضى، إن كانت العبادة لا يتسع وقتها لمثلھا کرمضان. - أو تعاد، إن كان وقتها يتسع لغيرها معها كالصلاة . فإن خرج الوقت كانت قضاء. (٣) - أو يؤتى بالبدل، كالظهر لمن بطلت جمعته. (٤) ب - العقوبة الدنيوية في بعض العبادات كالكفارة على من تعمد الإفطار في رمضان. (٥) (١) دستور العلماء ١/ ٢٥١، وجمع الجوامع ١٠٥/١، وكشف الأسرار ٢٥٨/١ (٢) البطلان في الزكاة مقصود به عدم الإجزاء، كعدم النية التي هي شرط فيها. فواتح الرحموت ٨٦/١، والمستصفى ٩٤/١، ٩٥، وبدائع الصنائع ٤٠/٢ - ٤٣، والهداية ١١٤/١ (٣) التلويح ١٦١/١ وما بعدها، وجمع الجوامع ١/ ١٠٩ - ١١٨، والبدخشي ٦٤/١ (٤) المغني ٣٣٢/٢، وجواهر الإكليل ١/ ٩٧ (٥) البدائع ٩٨/٢، ١٠٣، والفواكه الدواني ١/ ٣٦٣، ٣٦٥، والمهذب ١/ ١٩٠، ومنتهى الإرادات ٤٥١/١ - ١١٨ - بطلان ٢٥ جـ ــ وجوب الانقطاع عن المضي في الصلاة إذا بطلت لا في الصيام والحج، إذ يجب الإمساك في الصوم في رمضان، والمضي في الحج الفاسد، مع القضاء فيهما . (١) د - حق استرداد الزكاة إذا أعطيت لغير مستحق . (٢) وفي كل ماسبق تفصيل ينظر في أبوابه . ثانيا : أثر البطلان في المعاملات : ٢٥ - العقد الباطل في اصطلاح الحنفية لا وجود له إلا من حيث الصورة، فليس له وجود شرعي، ومن ثَمّ فهو عدم، والعدم لا ينتج أثرا . (٣) وهو منقوض من أساسه، ولا يحتاج لحكم حاكم لنقضه. (٤) ولا تلحقه الإِجازة، لأنه غیر منعقد أصلا فهو معدوم، والإِجازة لا تلحق المعدوم، لأنه مُتَلاشٍ . (٥) (١) البدائع ١٠٢/٢، ١٠٣، ٢١٨، وجواهر الإكليل ١٩٢/١، والمنثور ١٨/٣، ١٩، ومنتهى الإرادات ٣١/٢ (٢) البدائع ٢/ ٤٠ - ٤٣، وجواهر الإكليل ١/ ١٤٠، ١٤١، والمهذب ١٨٢/١، ونيل المآرب ٢٦٦/١ (٣) بدائع الصنائع ٣٠٥/٥، وابن عابدين ٢٨/٥، وحاشية الدسوقي ٥٤/٣، ومنتهى الإرادات ١٩٠/٢ (٤) الدسوقي ٧١/٣، والمغني ٦ / ٦٦٦ (٥) ابن عابدين ٧/٤، والبدائع ١٧٧/٤، ٢٧١/٥، ومنح الجليل ٥٧٢/٢، وكشاف القناع ١٥٧/٣، وقليوبي ١٦٠/٢ ولا يملك بالعقد الباطل مايملك بغيره، وإذا حدث فیه تسلیم یجب الرد. ففي البيع الباطل لا ينتقل الملك بالقبض ولذا يجب الرد. يقول ابن رشد من المالكية: اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة - وهي الباطلة عند الحنفية - إذا وقعت ولم تَفُتْ، حكمها الرد، أي أن يرد البائع الثمن، ويرد المشتري المثمن.(١) ولا يملك المصالح ماصالح به في الصلح الباطل، ويرجع الدافع بما دفع. (٢) ولا يملك الموهوب له الهبة في الهبة الباطلة . (٣) ولا يملك المرتهن حبس المرهون في الرهن الباطل . (٤) ولا يملك المكاتب حريته في الكتابة الباطلة . (٥) وفي الإِجارة الباطلة التي ليست محلا (١) البدائع ٥/ ٣٠٥، وأشباه ابن نجيم ص٣٣٧، وبداية المجتهد ١٩٣/٢، ونهاية المحتاج ٣٦٤/٣، ومنتهى الإرادات ١٩٠/٢ (٢) أشباه ابن انجيم / ٣٣٧، وجواهر الإكليل ١٠٣/٢، والمغني ٤/ ٥٥٠، ومنتهى الإرادات ٢٦٤/٢. (٣) الدسوقي ٩٨/٤، ٩٩، والمهذب ٤٥٥/١، ومنتهى الإرادات ٢/ ٥١٩ (٤) أشباه ابن نجيم ص٣٣٧، وجواهر الإكليل ٢/ ٨٠، والمغني ٤ / ٤٤٠ (٥) أشباه ابن نجيم / ٣٣٨، والبدائع ١٣٧/٤، ونهاية المحتاج ٣٩٦/٨، والقواعد والفوائد الأصولية/ ١١١ - ١١٩ - بطلان ٢٦ - ٢٧ للإِجارة، لا تملك الأجرة ويجب ردها، لأن أخذها حرام، وتعتبر من أكل الأموال بالباطل. (١) ولا يملك الاستمتاع بالبضع والانتفاع به في النكاح الباطل(٢) وهكذا الحكم في كل العقود الباطلة على وجه الإِجمال، مع تفصيلات تنظر في مواضعها . لكن وجود العقد الباطل كصورة قد ينتج أثرا، وذلك إذا حدث فيه تسليم وامتنع الرد للفوات، فهل یکون فیه الضمان أولا يكون. وبيان ذلك فيما يلي: الضمان : ٢٦ - رغم أن جمهور الفقهاء لا يفرقون في قواعدهم العامة بين الباطل والفاسد إلا أنه بالنسبة لبعض الأحكام نجد التفريق بينهما. والضمان مما يفترقان فيه وبيان ذلك فيمايلي: في قاعدة عند الشافعية والحنابلة أن کل عقد اقتضى صحيحه الضمان بعد التسليم كالبيع ففاسده کذلك يقتضى الضمان، وإن اقتضى صحيحة عدم الضمان كالقراض ففاسده كذلك لا يقتضى الضمان. لكن عدم اقتضاء الضمان مقيد بما إذا كان (١) أشباه ابن نجيم ص٣٣٧، ومنتهى الإرادات ٢/ ٣٥٩، ومنح الجلیل ٧٧٨/٣، وقليوبي ٨٦/٣ (٢) المغني ٤٥٦/٦، والبدائع ٣٣٥/٢، ومنح الجليل ٩/٢ القبض صحيحا، بأن كان الإِذن في قبضه صادرا من أهله، ویکون وضع اليد عليه في هذه الحالة صحيحا، وحينئذ فلا ضمان مع فساد القبض . أما إذا لم يوجد إذن أصلا، أو صدر ولم یکن صحيحا، لكونه من غير أهله، أو في ظل الإِکراه، فإن القبض یکون باطلا، وحينئذ يجب الضمان مطلقا، سواء أکان صحیحہ لا ضمان فیه، أم كان فيه الضمان. جاء في نهاية المحتاج: فاسد كل عقد صدر من رشید کصحيحه،في الضمان وعدمه، لأن العقد إن اقتضى صحيحه الضمان بعد التسليم كالبيع والإِعارة ففاسده أولى . وإن اقتضى صحيحه عدم الضمان كالرهن، والهبة من غير ثواب، والعين المستأجرة، ففاسده كذلك لا يقتضي الضمان. (١) ومثل ذلك في حاشية الجمل وغيرها من كتب الشافعية . (٢) ٢٧ - واعتبار عدم الضمان مع البطلان في عقود التصرفات والأمانات لوجود الإِذن الصادر من أهله، والضمان إن کان الإِذن من غير أهله، هو (١) نهاية المحتاج ٢٢٨/٥، ٢٢٩، ٢٧٤/٤، ٢٧٥، والجمل على المنهج ٥١٧/٣، وأشباه السيوطي / ٣٠٩ ط عيسى الحلبي، وأسنى المطالب ٤٧٩/٤، وشرح منتهى الإِرادات ٣٢٦/٢، والمغني ٤٢٥/٤ و٥/ ٧٣، والقواعد لابن رجب/ ٦٧، ١٥٣ (٢) الجمل على شرح المنهج ٣/ ٢٩١ - ١٢٠ -