Indexed OCR Text

Pages 221-240

إيقاف ، إيلاء ١
إيقاف
عن
انظر : وقف
إيلاء
التعريف :
١ - الإِيلاء في اللغة معناه: الحلف مطلقا، سواء
أكان على ترك قربان الزوجة أم على شيء آخر،
مأخوذ من آلى على كذا يولي إيلاء وألية: إذا
حلف على فعل شيء أو تركه.
كان الرجل في الجاهلية إذا غضب من زوجته
حلف ألا يطأها السنةَ والسنتين، أو ألا يطأها أبدا،
ويمضي في يمينه من غير لوم أو حرج، وقد تقضي
المرأة عمرها كالمعلقة، فلا هي زوجة تتمتع بحقوق
الزوجة، ولا هي مطلقة تستطيع أن تتزوج برجل
آخر، فیغنیها الله من سعته.
فلما جاء الإِسلام أنصف المرأة، ووضع للإِيلاء
أحكاماً خففت من أضراره، وحدد للمولي أربعة
أُشهر، وألزمه إما بالرجوع إلى معاشرة زوجته،
وإما بالطلاق عليه .
قال الله تعالی : ﴿للذین یُؤْلُون من نسائهم
تَرَبُّصُ أربعة أشهرٍ فإِنْ فاءوا فإِنّ الله غفورٌ رحيمٌ،
وإِنْ عَزَمُوا الطلاقَ فَإِنّ الله سميعٌ عليمٌ﴾ . (١)
(١) سورة البقرة / ٢٢٦، ٢٢٧
والإِيلاء في الاصطلاح - يعرفه الحنفية - أن
يحلف الزوج بالله تعالى، أو بصفة من صفاته التي
يحلف بها، ألا یقرب زوجته أربعة أشهر أو أكثر، أو
أن يعلق على قربانها أمرا فيه مشقة على نفسه،
وذلك كأن يقول الرجل لزوجته: والله لا أقربك
أربعة أشهر، أو ستة، أو يقول: والله لا أقربك
أبدا، أومدة حياتي، أو والله لا أقربك ولا یذکر
مدة، وهذه صورة الحلف بالله تعالى، أما صورة
التعليق، فهو أن يقول: إن قربتك فلله علي صيام
شهر، أوحج، أو إطعام عشرين مسكينا، ونحو
ذلك مما یکون فیه مشقة على النفس، فإِذا قال
الزوج شيئا من هذا اعتبر قوله إيلاء. أما إذا امتنع
الرجل من قربان زوجته بدون یمین، فإِنه لا یکون
إيلاء، ولو طالت مدة الامتناع حتى بلغت أربعة
أشهر أو أكثر، بل يعتبر سوء معاشرة يتيح لزوجته
طلب الفرقة عند بعض الفقهاء، إذا لم يكن هناك
عذر يمنع من قربانها. وكذلك لوحلف الزوج
بغير الله تعالی کالنبي والولي ألا يقرب زوجته،
فإِنه لا يكون إيلاء، لأن الإِيلاء يمين، والحلف
بغير الله تعالى ليس يمينا شرعا، لقول النبي أل * :
((من كانَ حالفا فَلْيَحْلِفْ بالله أو لِيَصْمُت)).(١)
ومثل هذا لو علق الرجل على قربان زوجته أمرا
ليس فيه مشقة على النفس، كصلاة ركعتين أو
إطعام مسكين، لا يكون إيلاء.
وكذلك لو كانت المدة التي حلف على ترك
قربان الزوجة فيها أقل من أربعة أشهر لا يعتبر
(١) حديث: ((من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)). أخرجه
البخاري (الفتح ٥٣٠/١٢ - ط السلفية) ومسلم (١٢٦٧/٣ -
ط الحلبي).
- ٢٢١ -

إيلاء ١ - ٣
إيلاء، وذلك لقول الله تعالى: ﴿للذین یُؤلون من
نسائهم تَرَبُّصُ أربعةِ أشهرٍ﴾ فإنه سبحانه ذکر
للإِيلاء في حكم الطلاق مدة مقدرة هي أربعة
أشهر، فلا یکون الحلف على ما دونها إيلاء في حق
هذا الحكم.
وقد وافق الحنفية - في أن الإِيلاء يكون
بالحلف بالله تعالى وبالتعليق - المالكيةُ، والشافعي
في الجدید، وأحمد بن حنبل في رواية .
وخالف في ذلك الحنابلةُ في الرواية المشهورة،
فقالوا: الإِيلاء لا يكون إلا بالحلف بالله تعالى،
أما تعليق الطلاق أو العتق أو المشي إلى بيت الله
تعالی علی قربان الزوجة فإنه لا یکون إيلاء. لأن
الإِيلاء قَسَم، والتعليق لا يسمى قسما شرعا
ولا لغة، ولهذا لا يؤتى فيه بحرف القسم،
ولا يجاب بجوابه، ولا يذكره أهل العربية في باب
القسم، وعلى هذا لا يكون إيلاء. (١)
وحجة الحنفية ومن وافقهم: أن تعليق مايشق
على النفس يمنع من قربان الزوجة خوفا من
وجوبه، فيكون إيلاء كالحلف بالله تعالى،
والتعليق - وإن كان لا يسمى قسما شرعا ولغة -
ولکنه یسمی حلفا عرفا. (٢)
ومذهب الحنفية أن الإِيلاء يكون بالحلف على
ترك قربان الزوجة أربعة أشهر أو أكثر.
وذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة)(٣)
(١) بدائع الصنائع ١٧١/٣، والخرشي ٣/ ٢٣٠، والشرح الكبير
وحاشية الدسوقي ٢/ ٤٢٧، ومغني المحتاج ٣٤٤/٣، والمغني
لابن قدامة ٧/ ٢٩٨
(٢) المراجع السابقة .
(٣) الخرشي ٣/ ٢٣٠، والشرح الكبير ٤٢٨/٢، ومغني المحتاج
٣٤٣/٣، والمغني لابن قدامة ٧/ ٣٠٠
إلی أن الإِيلاء لا يكون إلا بالحلف على ترك قربان
الزوجة أكثر من أربعة أشهر، وسيأتي ذكر هذه
الآراء وأدلتها في الكلام عن مدة الإِيلاء.
٢ - والحكمة في موقف الشريعة الإِسلامية من
الإِيلاء هذا الموقف: أن هجر الزوجة قد يكون من
وسائل تأديبها، کما إذا أهملت في شأن بيتها أو
معاملة زوجها، أو غير ذلك من الأمور التي
تستدعي هجرها، عَلّها تثوب إلى رشدها ويستقيم
حالها، فيحتاج الرجل في مثل هذه الحالات إلى
الإِيلاء، يقوي به عزمه على ترك قربان زوجته
تأديبا لها ورغبة في إصلاحها، أو لغير ذلك من
الأغراض المشروعة .
فلهذا لم تبطل الشريعة الإسلامية الإِيلاء جملة،
بل أبقته مشروعا في أصله، ليمكن الالتجاء إليه
عند الحاجة .
ركن الإيلاء :
٣ - ركن الإِيلاء الذي يتوقف تحقق الإِيلاء على
وجوده هو: اللفظ، أوما يقوم مقام اللفظ على
التفصيل والخلاف المتقدم.
والذي يقوم مقام اللفظ: الكتابة المستبينة،
وهي الكتابة الظاهرة التي يبقى أثرها، كالكتابة
على الورق ونحوه. أما الكتابة غير المستبينة، وهي
التي لا يبقى أثرها، كالكتابة على الهواء، أو على
الماء فلا تقوم مقام اللفظ في ذلك، ولا يصح بها
الإِيلاء.
ومثل الكتابة في ذلك الإِشارة عند العجز عن
النطق بالعبارة، کالأخرس ومن في حکمه. فإذا
کان للأخرس إشارة مفهمة، يعرف المتصلون به أن
- ٢٢٢ -

إيلاء ٤ - ٥
المراد بها الحلف على الامتناع من قربان الزوجة
أربعة أشهر أو أكثر، صح الإِيلاء بها، كما يصح
طلاقه وسائر تصرفاته . (١)
شرائط الإيلاء
:
٤ - شرائط الإِيلاء كثيرة ومتنوعة، منها ما يشترط
في ركن الإيلاء، ومنها ما يشترط في الرجل والمرأة
معا، ومنها ما يشترط في الرجل المولي، ومنها ما
يشترط في المدة المحلوف عليها .
وفيما يلي بیان کل نوع منها:
أ - شرائط الركن :
يشترط في ركن الإِيلاء، وهو صيغته، ثلاث
شرائط :
الشريطة الأولى :
٥ - أن يكون اللفظ صالحا للدلالة على معنى
الإِيلاء، وذلك بأن تكون مادة اللفظ دالة على منع
الزوج من قربان زوجته دلالة واضحة عرفا، مثل
قول الرجل لزوجته: والله لا أواقعك، أو
لا أجامعك، وما أشبه ذلك.
وينقسم اللفظ الصالح للدلالة على الإِيلاء
ثلاثة أقسام على ماهو مذهب الحنفية والحنابلة:
الأول : صريح، وهو ما دل على الوطء لغة
وعرفا.
وحكم هذا النوع أنه يعتبر إيلاء متی صدر عن
قصد إلى التلفظ به بدون توقف على النية، ولو
قال الزوج: إنه لم يرد الإِيلاء لا يعتبر قوله لا ديانة
ولا قضاء، لأن اللفظ لا يحتمل غير الإِيلاء، فإِرادة
معنى آخر خلافه تكون إرادة محضة بدون لفظ يدل
عليها، فلا تعتبر .
الثاني : ما يجري مجرى الصريح، وهو
مايستعمل في الجماع عرفا، كلفظ القربان
والاغتسال، وذلك كأن يحلف الرجل ألا يقرب
زوجته، وبه ورد القرآن الكريم قال تعالى :
﴿وَلا تَقْرَبُوهن حتى يَطْهُرْن﴾ . (١)
وكذلك لو حلف ألا يغتسل منها، لأن
الاغتسال منها لا يكون إلا عن الجماع عادة.
وحكم هذا النوع أنه يعتبر إيلاء في القضاء من
غير توقف على النية، وعلى هذا لوقال الزوج
لزوجته: والله لا أقربك، ثم ادعى أنه لم يقصد
بهذا اللفظ الجماع، لا يقبل منه هذا الادعاء في
القضاء، ويقبل منه ديانة، أي فيما بينه وبين الله
تعالى، لأن اللفظ الذي ورد في عبارته يحتمل
المعنى الذي ادعاه، وإن كان خلاف الظاهر، فإذا
نواه فقد نوی معنی يحتمله اللفظ، فتكون إرادته
صحيحة، إلا أنه لما كان المعنى الذي أراده يخالف
المعنى الظاهر من ذلك اللفظ لم يقبل منه ما ادعاه
قضاء، وقبل منه ديانة .
الثالث: الكناية، وهو ما يحتمل الجماع وغيره،
ولم يغلب استعماله في الجماع عرفا، كما إذا حلف
الرجل: ألا يمس جلده جلد زوجته، أو ألا يقرب
فراشها، أو ألا يجمع رأسَه ورأسها وسادةٌ.
وحكم هذا النوع: أنه لا يعتبر إيلاء إلا بالنية،
فإِذا قال الزوج: أردت ترك الجماع كان موليا، وإن
قال: لم أرد ترك الجماع لم يكن موليا، لأن هذه
(١) الخرشي ٢٢٩/٣
(١) سورة البقرة / ٢٢٢
- ٢٢٣ -

إيلاء ٦ - ٧
الألفاظ تستعمل في الجماع وفي غيره استعمالا واحداً
فلا يتعين الجماع إلا بالنية .
ومذهب الشافعية، وهو ظاهر ما قاله المالكية :
أن الألفاظ في ذلك تنقسم إلى صريحة وكناية
فقط. (١)
الشريطة الثانية :
٦ - أن تكون الصيغة دالة على الإِرادة الجازمة
للحال، ويتحقق هذا الشرط بخلو الصيغة من كل
كلمة تدل على التردد أو الشك. وألا تكون
مشتملة على أداة من الأدوات الدالة على التأخير
والتسويف، كحرف السين أوسوف، لأن التردد
کالرفض من حيث الحكم، والتأخير وعد بإنشاء
التصرف في المستقبل، وليس إنشاء له في الحال،
فالإرادة في التصرف غير موجودة في الحال، ولا
يوجد التصرف إلا بإرادة إنشائه في الحال.
فمن يقول لزوجته: والله سأمنع نفسي من
مواقعتك، أو سوف أمنع نفسي من معاشرتك،
لا يكون موليا لأن هذه الصيغة لا تدل على إرادة
منع نفسه من المواقعة في الحال، وإنما تدل على أنه
سيفعل ذلك في المستقبل.
هذا، ومما ينبغي التنبيه له هنا أن اشتراط الجزم
في الإِرادة للحال لا ينافي جواز أن تكون الصيغة
معلقة على حصول أمر في المستقبل، أو مضافة إلى
زمن مستقبل، وذلك لأن الإِرادة في الإِيلاء المعلق
والمضاف مقطوع بها، لا تردد فيها، غاية الأمر أن
(١) البدائع ٣/ ١٦٢، وابن عابدين ٢/ ٨٤٥، والمغني ٣١٥/٧،
٣١٦، والدسوقي على الشرح الكبير ٤٢٧/٢، وشرح المنهاج
١٠/٤
الإِيلاء المعلق لم يحصل الجزم به من قبل المولي في
الحال، بل عند وجود المعلق عليه، والإِيلاء
المضاف مجزوم به في الحال، غير أن ابتداء حكمه
مؤخر إلى الوقت الذي أضيف إليه، وأن التعليق
والإِضافة قد صدرا بإرادة جازمة في الحال.
الشريطة الثالثة: صدور التعبير عن قصد :
٧ - يتحقق هذا الشرط بإِرادة الزوج النطق بالعبارة
الدالة على الإِيلاء أو ما يقوم مقامها، فإِذا اجتمع
مع هذه الإرادة رغبة في الإِيلاء وارتياح إليه كان
الإِيلاء صادرا عن رضى واختيار صحيح، وإن
وجدت الإِرادة فقط، وانتفت الرغبة في الإِيلاء
والارتیاح إلیه لم يتحقق الرضی ، وذلك كأن يكون
الزوج مكرها على الإِيلاء من زوجته بتهديده
بالقتل أو الضرب الشديد أو الحبس المديد، فيصدر
عنه الإِيلاء خوفا من وقوع ما هدد به لو امتنع، فإِن
صدور الصیغة من الزوج في هذه الحال یکون عن
قصد وإرادة، لكن ليس عن رضى واختيار
صحيح. والإِيلاء في هذه الحال - حال الإِكراه -
غير صحيح عند المالكية والشافعية والحنابلة،
مستندین في ذلك إلى ما روي عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما أن النبي وَله قال: ((إن الله
وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
عليه))، (١) وإلى حديث عائشة رضي الله عنها أن
رسول الله وَل﴿ قال: ((لا طلاقَ ولا عتاقَ في
(١) حديث: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
عليه)) أخرجه ابن ماجة (٦٥٩/١ - ط الحلبي) وغيره من طرق
كثيرة ذكرها السخاوي في المقاصد ص ٢٢٩ - ٢٣٠ ط السعادة.
ثم قال: مجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلا.
- ٢٢٤ -

إيلاء ٨ - ٩
إغلاق))(١) والإغلاق: الإكراه، لأن المكره یغلق
عليه أمره، ويقفل عليه رأيه وقصده، وإلى أن
المكره يحمل على النطق بالعبارة بغير حق فلا
يترتب عليها حكم، كنطقه بكلمة الكفر إذا أكره
عليها. (٢)
أما عند الحنفية فإِيلاء المكره معتبر، وتترتب
عليه آثاره التي سيأتي بيانها، لأن الإِيلاء عندهم
من التصرفات التي تصح مع الإكراه، نصوا على
ذلك في باب الأيمان والطلاق، وأن الإِيلاء يمين في
أول الأمر، وطلاق باعتبار المآل، فینطبق علیه ما
يقرر في بابي الأيمان والطلاق.
وقد استندوا في ذلك إلى قياس المكره على
الهازل، لأن كلا منهما تصدر عنه صيغة التصرف
عن قصد واختیار، لكنه لا یرید حکمها، وطلاق
الهازل ويمينه معتبران، فكذلك المكره. (٣)
٨ - ولو صدرت صيغة الإِيلاء من الزوج، لكنه لم
يرد موجبها، بل أراد اللهو واللعب - وهذا هو الهازل
- فإن الإِيلاء يكون معتبرا عند الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة وغيرهم من أهل العلم، (٤)
-
(١) حديث: ((لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ... )). أخرجه ابن ماجة
(٦٦٠/١ - ط الحلبي) والحاكم (١٩٨/٢ - ط دائرة المعارف
العثمانية) وصححه، ورده الذهبي بقوله: محمد بن عبيدي لم
يحتج به مسلم، وقال أبوحاتم: ضعيف.
(٢) الخرشي ١٧٣/٣، والشرح الكبير ٢/ ٣٦٧، ومغني المحتاج
٢٨٩/٣، والمغني لابن قدامة ١١٨/٧
(٣) فتح القدير ٣٩/٣، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٦٥٠، ٦٥٢،
والبدائع ١٠٠/٣
(٤) البدائع ٣/ ١٠٠، والشرح الكبير ٣٦٦/٢، ومغني المحتاج
٢٨٨/٣، والمغني لابن قدامة ٥٣٥/٦
لقول النبي ﴿: «ثلاث جِدّهن جد، وهَزْلهن
جدُّ: النكاحُ والطلاقُ والرجعةُ))(١)
ولأن الهازل قاصد للسبب، وهو الصيغة غير
ملتزم لحكمه، وأن ترتب الأحكام على أسبابها
موكول إلى الشارع لا إلى المتصرف.
٩ - ولو أراد الزوج أن يتكلم بغير الإِيلاء، فجرى
على لسانه الإِيلاء من غير قصد أصلا - وهو
المخطىء - فمذهب الشافعية والحنابلة عدم اعتبار
إيلاء المخطىء، لأن التصرف إنما يعتبر إذا قصد
اللفظ الذي يدل عليه وأرید حکمه الذي يترتب
علیه، أو قصد اللفظ وإن لم يرد حكمه،
والمخطىء. لم يقصد اللفظ الدال على الإِيلاء ولا
حکمه، فلا يكون الإِيلاء الصادر منه معتبرا. (٢)
وذهب الحنفية في المخطىء إلى أن إيلاءه
لا یعتبر دیانة، ويعتبر قضاء. ومعنى اعتباره في
القضاء دون الديانة: أنه إذا لم يعلم بالإِيلاء إلا
الزوج، کان له أن يعاشر زوجته من غير حرج
ولا كفارة عليه في ذلك، وإذا مضت مدة الإِيلاء
لا يقع الطلاق، وإذا سأل فقیها عما صدر منه جاز
له أن یفتیه بأن لا شيء عليه، متی علم صدقه فیما
يقول. فإِذا تنازع الزوجان ورفع الأمر إلى القاضي
حکم بلزوم الكفارة بالحنث إذا اتصل بزوجته قبل
مضي المدة، وبوقوع الطلاق إذا مضت المدة بدون
معاشرة، كما هو مذهب الحنفية، لأن القاضي يبني
(١) منتقي الأخبار مع شرح نيل الأوطار ٢٤٩/٦
وحديث: ((ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد ... )). أخرجه
أبوداود (٦٤٤/٢ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في
التلخيص (٣/ ٢١٠ - ط دار المحاسن).
(٢) مغني المحتاج ٣/ ٢٨٧، والمغني لابن قدامة ٦/ ٢٣٥
- ٢٢٥ -

إيلاء ١٠
أحكامه على الظاهر، والله يتولى السرائر. ولو قبل
في القضاء دعوی أن ماجری علی لسانه لم یکن
مقصودا، وإنما المقصود شيء آخر لا نفتح الباب
أمام المحتالين الذين يقصدون النطق بالصيغة
الدالة على الإِيلاء، ثم يدعون أنه سبق لسان. (١)
ویری المالکیة۔ کما یؤخذ من كلامهم في
الطلاق - أنه إذا ثبت أن الزوج لم يقصد النطق
بصيغة الإِیلاء، بل قصد أن يتكلم بغير الإِيلاء،
فزلّ لسانه، وتكلم بالصيغة الدالة على الإِيلاء
لا يكون إيلاء في القضاء، كما لا يكون إيلاء في
الدیانة والفتوى. (٢)
ويتضح مما تقدم الفرق بين الخطأ: والهزل
والإِكراه، وهو أنه في الخطأ لا تكون العبارة التي
نطق بها الزوج مقصودة أصلا، بل المقصود عبارة
أخری، وصدرت هذه بدلا عنها. وفي الهزل:
تكون العبارة مقصودة، لأنها برضى الزوج
واختياره، ولکن حكمها لا یکون مقصودا، لأن
الزوج لا يريد هذا الحكم، بل يريد شيئا آخر هو
اللهو والعب. وفي الإِكراه: تكون العبارة صادرة
عن قصد واختيار، ولکنه اختیار غير سليم، لوجود
الإكراه، وهو يؤثر في الإِرادة، وجعلها لا تختارما
ترغب فيه وترتاح إليه، بل تختار ما يدفع الأذى
والضرر.
أحوال صيغة الإيلاء :
١٠ - الصيغة التي ينشىء الزوج الإِيلاء بها تارة
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٥٥٦، ٦٥٧، والفتاوى الهندية ٣٣٠/١
(٢) الشرح الكبير ٣٦٦/٢
تصدر خالية من التعليق على حصول أمر في
المستقبل، ومن الإِضافة إلى زمن مستقبل، وتارة
تصدر مشتملة على التعليق على حصول أمر في
المستقبل، أو الإِضافة إلى زمن مستقبل.
فإِذا صدرت الصيغة، وكانت خالية من التعليق
والإِضافة، كان الإِيلاء منجزا. وإن صدرت،
وكانت مشتملة على التعليق على حصول أمر في
المستقبل، كان الإِيلاء معلقا. وإن صدرت وكانت
مضافة إلى زمن مستقبل، كان الإِيلاء مضافا.
وعلى هذا فالإِيلاء المنجزهو: ما كانت صيغته
مطلقة غير مضافة إلى زمن مستقبل، ولا معلقة
على حصول أمر في المستقبل، ومن أمثلة التنجيز
أن يقول الرجل لزوجته: والله لا أقربك خمسة
أشهر، وهذا يعتبر إيلاء في الحال، وتترتب عليه
آثاره بمجرد صدوره.
والإِيلاء المعلق هو: ما رتب فيه الامتناع عن
قربان الزوجة على حصول أمر في المستقبل بأداة
من أدوات الشرط، مثل (إن) و(إذا) و(لو) و(متى)
ونحوها، وذلك کان یقول الرجل لزوجته: إن
أهملت شئون البيت، أو يقول ها: لو کلمت فلانا
فوالله لا أقربك.
وفي هذه الحال، لا يعتبر ما صدر عن الرجل
إيلاء قبل وجود الشرط المعلق عليه، لأن التعليق
يجعل وجود التصرف المعلق مرتبطا بوجود الشرط
المعلق عليه، ففي المثال المتقدم لا يكون الزوج
موليا قبل أن تهمل المرأة في شئون البيت، أوتكلم
ذلك الشخص، فإِذا أهملت شئون البيت أو كلمته
صارموليا، واحتسبت مدة الإِيلاء من وقت الإهمال
أو التكليم فقط، لا من وقت قول الزوج.
- ٢٢٦ -

إيلاء ١٠ - ١١
والإيلاء المضاف هو: ما كانت صيغته مقرونة
بوقت مستقبل یقصد الزوج منع نفسه من قربان
زوجته عند حلول هذا الوقت، ومثاله: أن يقول
الرجل لزوجته: والله لا أقربك من أول الشهر
الآتي، أو يقول لها: والله لا أقربك من غد.
وفي هذه الحال، يعتبر ما صدر عن الرجل إيلاء
من وقت صدور اليمين، ولكن الحكم لا يترتب
عليه إلا عند وجود الوقت الذي أضيف إليه
الإِيلاء، لأن الإِضافة لا تمنع انعقاد اليمين سببا
لحكمه، ولكنها تؤخر حكمه إلى الوقت الذي
أضيف إليه، ففي قول الرجل لزوجته:
والله لا أقربك من أول الشهر القادم يعتبر الزوج
مولیا من زوجته من الوقت الذي صدرت فيه هذه
الصيغة، ولهذا لو كان الرجل قد حلف بالله تعالى
ألا یولي من زوجته حکم بحثه في هذه، وإن لم يحن
الوقت الذي أضيفت إليه اليمين، ووجب عليه
كفارة يمين بمجرد صدور الصيغة المضافة، لكن لو
اتصل بزوجته قبل مجيء الشهر الذي أضاف
الإِيلاء إلیه لا يحكم بحثنه ووجوب كفارة اليمين
عليه، كما أن مدة الإِيلاء لا تحتسب إلا من أول
الشهر الذي أضاف الإِيلاء إليه .
وإنما صح تعليق الإِيلاء وإضافته لأنه یمین،
واليمين من التصرفات التي تقبل الإِضافة
والتعليق . (١)
ولم نعثر على كلام المالكية والشافعية في قبول
الإِيلاء للإِضافة. (٢)
(١) البدائع ١٦٥/٣
(٢) الروضة ٢٤٤/٨، الخرشيء ٤/ ٩٠
أما الحنابلة فقد أوردوا من تطبيقات الإِيلاء
ما يدل على قبول الإِيلاء للإِضافة .(١)
ب - ما يشترط في الرجل والمرأة معا:
١١ - يشترط لصحة الإِيلاء في الرجل والمرأة معا
قيام النكاح بينهما حقيقة أوحكما عند حصول
الإِيلاء أو إضافته إلى النكاح.
أما قيام النكاح حقيقة، فيتحقق بعقد الزواج
الصحيح، وقبل حصول الفرقة بين الرجل
وزوجته، سواء أدخل الرجل بزوجته أم لم يدخل.
وأما قيامه حكما، فيتحقق بوجود العدة من
الطلاق الرجعي، لأن المرأة بعد الطلاق الرجعي
تكون زوجة من كل وجه ما دامت العدة، فتكون
محلا للإِيلاء، كما تكون محلا للطلاق، فإِذا أقسم
الزوج ألا يقرب زوجته التي طلقها طلاقا رجعيا
مدة تستغرق أربعة أشهر فأكثر كان مولیا، فإِن
مضت أربعة أشهر والمرأة لا تزال في العدة، بأن
كانت حاملا، أو كانت غير حامل وكان طهرها بين
الحيضتين يمتد طويلا، فعند المالكية والشافعية
والحنابلة يؤمر الرجل بالفيء، فإِن لم يفء طلق
عليه القاضي إن امتنع عن الطلاق، على
ما سيأتي في الكلام عن أثر الإِيلاء بعد انعقاده.
وعند الحنفية تقع عليها طلقة أخرى. (٢)
(١) كشاف القناع ٥/ ٣٥٩ ط النصر، ومطالب أولي النهى ٥/ ٤٩٩
- ط المكتب الإسلامي، والإنصاف ١٧٦/٩ ط التراث، ومنتهى
الإِرادات ٢/ ٣٢٠ ط دار العروبة.
(٢) الهداية وفتح القدير ١٩٤/٣، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٨٤٢،
والبدائع ١٧١/٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
٤٢٧/٢، ومغني المحتاج ٣٤٩/٣، والمغني لابن قدامة ٣١٣/٧
- ٢٢٧ -

إيلاء ١١ - ١٢
أما إذا كانت العدة من طلاق بائن، فإِن المرأة في
أثنائها لا تكون محلا للإيلاء، سواء أكان بائنا بينونة
صغری، أم بائنا بینونة کبری، لأن الطلاق البائن
بنوعيه يزيل رابطة الزوجية، ولا يبقي من آثار
الزواج شیئا سوی العدة ومايتعلق بها من أحكام،
فيحرم على المطلق قربان المطلقة طلاقا بائنا ولو
كانت العدة قائمة، فإِذا حلف الرجل ألا يقرب
زوجته التي طلقها طلاقا بائنا كانت يمينه لغوا في
حكم البر، حتى لومضت أربعة أشهر فأكثر ولم
یقربها لم يقع عليها طلاق ثان .
أما في حكم الحنث فإنها معتبرة، ولهذا لوعقد
علیھا، ثم وطئها حنث في يمينه، ووجبت عليه
كفارة الحنث في الیمین، لعدم الوفاء بموجبها، وهو
عدم قربانها، أي أن حلفه لم ینعقد إیلاء، ولكنه
انعقد یمینا .
ومثل هذا لوقال لامرأة أجنبية:
والله لا أقربك، وأطلق في يمينه، أوقال: أبدا،
ثم تزوجها فإنه لا يعتبر موليا في حكم البر، لعدم
قیام النكاح حقیقة ولا حكما عند الحلف، حتى لو
مضت أربعة أشهر بعد الزواج، ولم يقربها لا يقع
عليها شيء، لأن النكاح لم يكن قائما عند حصول
اليمين، لكن لوقربها بعد الزواج أو قبله لزمته
الكفارة، لانعقاد اليمين في حق الحنث، لأنه لا
يشترط في انعقاده في حق الحنث قیام النكاح،
بخلاف انعقاده في حق البر، فإنه يشترط فيه قيام
النكاح. (١)
وأما إضافة الإِيلاء إلى النكاح، فصورته أن
يقول الرجل لامرأة أجنبية: إن تزوجتك فوالله لا
أقربك، ثم يتزوجها فإِنه یصیر مولیا، وهذا عند
الحنفية والمالكية الذين أجازوا إضافة الطلاق أو
تعليقه على النكاح، (٢٣) وحجتهم في ذلك: أن
المعلق بالشرط كالمنجز عند وجود الشرط، والمرأة
عند وجود الشرط زوجة، فتكون محلا للإِيلاء
المضاف إلى النكاح، كما تكون محلا للطلاق.
وقال الشافعية والحنابلة: لا يصح الإِيلاء
المضاف إلى النكاح، لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذين
يُؤْلون من نسائهم تَرَبُّصُ أربعةٍ أشهر﴾ فإِنه
سبحانه جعل الإِيلاء من الزوجة، والمرأة التي
يضاف الإِيلاء منها إلى نكاحها ليست زوجة عند
حصول الإِيلاء، فلا یکون الإِيلاء منها صحيحا،
ولأن الإِيلاء حكم من أحكام النكاح، وحكم
الشيء لا يتقدمه، كالطلاق والقسم، ولأن المدة
تضرب للمولي لقصده الإِضرار بیمینه، وإذا كانت
اليمين قبل النكاح لم يتحقق هذا القصد، فأشبه
الممتنع بغير يمين. (٢)
١٢ - والخلاف بين الفقهاء في صحة تعليق الطلاق
والإِيلاء بالنكاح وعدم صحته مبني على اختلافهم
في التعليق وأثره في التصرف المعلق. فعند الحنفية :
التعليق يؤخر انعقاد التصرف المعلق سببا لحكمه
حتى يوجد المعلق عليه. فالتصرف المعلق لا وجود
له عند التكلم بالصيغة، وإنما يوجد عند وجود
المعلق عليه .
وعند الشافعية ومن وافقهم: التعليق لا يؤخر
انعقاد التصرف سببا لحكمه، وإنما يمنع ترتب
(١) البدائع ١٧١/٣، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٨٤٣، والشرح
الكبیر ٢/ ٣٧٠، والخرشي ١٧٦/٣
(٢) مغني المحتاج ٢٩٢/٣، والمغني لابن قدامة ٣١٢/٧
(١) البدائع ٨٧١/٣
- ٢٢٨ -

إيلاء ١٣
الحكم عليه حتى يوجد الشرط المعلق عليه .
فعندهم التصرف المعلق على شرط موجود عند
التكلم بالصيغة، غير أن حکمه لا يترتب عليه إلا
عند وجود الشرط المعلق عليه.
وبناء على هذا: من قال لامرأة أجنبية: إن
تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها وقع الطلاق عند
الحنفية ومن معهم، لأن الشرط لصحة الطلاق أن
تكون المرأة محلا للطلاق عند وجوده، والطلاق
المعلق لا يوجد في رأيهم إلا عند تحقق الشرط،
وعند تحقيق الشرط تكون المرأة محلا للطلاق، إذ
هي في ذلك الوقت زوجة، فيقع عليها الطلاق.
وعند الشافعية ومن وافقهم: لا يقع الطلاق،
لأن الطلاق المعلق ینعقد سببا لحكمه عند التكلم
به، والمرأة في ذلك الوقت لم تکن زوجة، فلم
تتحقق المحلية التي هي شرط وقوع الطلاق، فلا
يقع الطلاق. وأن الإِيلاء كالطلاق في هذا
الحكم. (١)
جـ - ما يشترط في المولي :
١٣ - يشترط في الرجل لكي يكون إيلاؤه صحيحا
مايأتي :
أولا : البلوغ، بظهور العلامات الطبيعية أو
بالسن، فإِيلاء الصبي لا ينعقد(٢) (ر: مصطلح:
بلوغ).
ثانيا: العقل، فلا يصح الإِيلاء من المجنون
والصبي الذي لا يعقل، ولا من المعتوه. لأن المعتوه
(١) التحرير مع شرح التيسير ١٧٨/١ ومابعدها.
(٢) البدائع ٣/ ١٠٠، والخرشي ٢٢٩/٣، ومغني المحتاج
٣٤٣/٣، والمغني لابن قدامة ٣١٤/٧
قد لا یکون عنده إدراك ولا تمییز فیکون کالمجنون،
وقد يكون عنده إدراك وتمييز ولكنه لا يصل إلى
درجة الإِدراك عند الراشدين العاديين كالصبي
المميز، والصبي المميز لا يصح منه الإِيلاء،
فكذلك المعتوه . (١)
ومثل المجنون في الحكم الأشخاص التالي
ذکرهم :
(١) المدهوش، وهو الذي اعترته حالة انفعال
لا يدري فيها ما يقول أو يفعل، أو يصل به
الانفعال إلى درجة يغلب معها الخلل في أقواله
وأفعاله .
فإِذا صدر الإِيلاء من الزوج، وهو في هذه الحال
لا یعتبر، وإن کان یعلمه ویریده، لأن هذا العلم
وهذه الإِرادة غير معتبرين، لعدم حصولهما عن
إدراك صحيح، كما لا يعتبر ذلك من الصبي
المميز. (٢)
(٢) المغمى عليه والنائم، فالمغمى عليه في حكم
المجنون، ومثله النائم، لأنه لا إدراك عنده
ولا وعي، فلا يعتد بالإِيلاء الذي يصدر عنه كما
لا يعتد بطلاقه.
(٣) السكران، وهو الذي صار عقله مغلوبا من
تأثیر المسکر، حتى صاريهذي ويخلط في كلامه،
ولا یعي بعد إفاقته ما کان منه في حال سكره، وقد
اتفق الفقهاء على أن إيلاء السكران لا يعتبر إذا
کان سکره من طريق غير محرم، كما لوشرب المسكر
للضرورة، أو تحت ضغط الإكراه، لأن السكران
لا وعي عنده ولا إدراك كالمجنون والنائم، بل أشد
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٦٥٩، والمغني لابن قدامة ٣١٤/٧
(٢) البدائع ٣/ ١٠٠، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٦٥٩
- ٢٢٩ -

إيلاء ١٣ - ١٤
حالا من النائم، إذ النائم ينتبه بالتنبيه، أما
السكران فلا ينتبه إلا بعد الإفاقة من السكر، فإذا
لم يعتبر الإيلاء الصادر من النائم، فلا يعتبر
الإِيلاء الصادر من السكران بالطريق الأولى .
واختلفوا فيما إذا كان السكر بطريق محرم، وذلك
بأن یشرب المسكر باختياره، وهویعلم أنه مسکر،
من غير ضرورة حتى يسكر، فقال بعضهم: يعتبر
إيلاؤه، وهو قول جمهور الحنفية ومالك والشافعي
وأحمد في رواية عنه، لأنه لما تناول المحرم باختياره
يكون قد تسبب في زوال عقله، فيجعل موجودا
عقوبة له وزجرا عن ارتكاب المعصية . (١)
وقال بعضهم: لا يعتبر إيلاؤه، وهو قول زفر
من الحنفية واختاره الطحاوي والكرخي، وهو أيضا
قول أحمد في رواية أخرى عنه، وهو منقول عن
عثمان بن عفان وعمر بن عبدالعزيز. وحجتهم في
ذلك: أن صحة التصرف تعتمد على القصد
والإِرادة الصحيحة، والسكران قد غلب السكر
على عقله، فلا يكون عنده قصد ولا إرادة
صحيحة، فلا يعتد بالعبارة الصادرة منه، كما
لا يعتد بالعبارة الصادرة من المجنون والمعتوه والنائم
والمغمى عليه.
والشارع لم يترك السكران بدون عقوبة على
سکره، حتی نحتاج إلى عقوبة أخری ننزلها به،
خصوصا إذا كانت هذه العقوبة الأخرى لا تقتصر
على الجاني، بل تتعداه إلى غيره من الزوجة
والأولاد.
(١) الهداية وفتح القدير ٣/ ٤٠، والبدائع ٩٩/٣، والخرشي
١٧١/٣، ١٧٢، ومغني المحتاج ٢٧٩/٣، والمغني لابن قدامة
١١٤/٧
وأساس هذا الاختلاف هو الاختلاف في اعتبار
طلاقه وعدم اعتباره: فمن قال باعتبار طلاقه قال
باعتبار إیلائه، ومن قال بعدم اعتبار طلاقه قال
بعدم اعتبار إيلائه، لأن الإِيلاء كطلاق معلق عند
بعضهم، وسبب للطلاق عند آخرین، فیکون له
حکمه .(١)
د - ما يشترط في المدة المحلوف عليها:
١٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الإِيلاء لابد له
من مدة يحلف الزوج على ترك قربان زوجته فيها .
لكنهم اختلفوا في مقدار هذه المدة. فقال الحنفية:
إن مدة الإِيلاء أربعة أشهر أو أكثر، وهو قول عطاء
والثوري ورواية عن أحمد.
فلو حلف الرجل على ترك قربان زوجته أقل من
أربعة أشهر لا یکون إيلاء، بل یکون یمینا. فإذا
حنث بالوطء قبل مضي أربعة أشهر لزمته كفارة
یمین .
وعلى هذا لو حلف الزوج: ألا يطأ زوجته أكثر
من أربعة أشهر كان إيلاء باتفاق الفقهاء، وكذلك
لو حلف: ألا يقرب زوجته، ولم يذكر مدة،أو قال:
أبدا، فإنه يكون إيلاء بالاتفاق أيضا. أما لو حلف
ألا یقرب زوجته أربعة أشهر فإِنه یکون إيلاء عند
الحنفية، ولا يكون إيلاء عند المالكية والشافعية
والحنابلة. ولو حلف: ألا يقرب زوجته أقل من
أربعة أشهر فإنه لا يكون إيلاء عند الجميع. (٢)
(١) نفس المراجع .
(٢) البدائع ١٧١/٣، والهداية وفتح القدير ٣/ ١٨٣، وحاشية ابن
عابدين ٢/ ٤٨٥، والخرشي ٣/ ٢٣٠، ومغني المحتاج
٣٤٣/٣، والمغني لابن قدامة ٧/ ٣٠٠
- ٢٣٠ -

إيلاء ١٥ - ١٦
وقد احتج الحنفية ومن وافقهم بأن الإِيلاء له
حكمان: أحدهما: الحنث إذا وطىء الرجل زوجته
قبل مضي أربعة أشهر، وثانيهما: وقوع الطلاق إن
لم يطأ زوجته قبل مضي هذه المدة. وهذا يفيد أن
الأربعة الأشهر هي المدة المعتبرة في الإِيلاء، فلا
يكون الحلف على ما دونها إيلاء، كما لا يتوقف
الإِيلاء على الحلف على أكثر منها، وبأن الإِيلاء
هو اليمين التي تمنع قربان الزوجة خوفا من لزوم
الحنث، فلو كان الحلف على ترك قربان الزوجة
أقل من أربعة أشهر، لأمكن الزوج بعد مضي هذه
المدة أن يجامع زوجته من غير أن يلزمه الحنث في
يمينه، فلا يكون هذا إيلاء.(١)
واحتج المالكية ومن معهم بأن المولي یوقف بعد
مضي أربعة أشهر، يخير بين الفىء (وهو الرجوع
عن اليمين بالفعل أو القول) والتطليق، فلابد أن
تكون المدة على ترك قربان الزوجة فيها أكثر من
أربعة أشهر، ولو كانت أربعة أشهر أو أقل منها
لانقضى الإِيلاء بانقضائها، ولا تصح المطالبة من
(٢)
غير الإِيلاء. (٢)
١٥ - إذا فقد الإِيلاء شرطا من الشرائط التي تقدم
بيانها، فهل يكون لليمين مفعولها الذي وضعت
لإفادته شرعا؟
ءِ
ذلك يتوقف على الشرط الذي لم يتحقق، فإن
كان من شرائط الصيغة ترتب على فقده عدم اعتبار
الیمین أصلا، بحيث لا يترتب على مخالفة موجبها
الحنث ووجوب الكفارة أو لزوم ما رتبه عليها.
(١) البدائع ٣/ ١٧١، والمغني لابن قدامة ٧/ ٣٠٠
(٢) جواهر الإكليل ٣٦٨/١
وكذلك لو كان الشرط الذي لم يتحقق من الشرائط
التي تعود إلى الرجل كالبلوغ أو العقل، لأنه
لا اعتبار لما يصدر عن الصبي قبل البلوغ، ولا لما
يصدر عن المجنون ومن في حکمه.
أما لو كان من الشرائط التي تعود إلى الرجل
والمرأة معا، وهو قيام النكاح حين الإِيلاء، فإن
فقده لا يعطل مفعول اليمين، بل تبقى في حق
الحنث، فلو قال رجل لامرأة أجنبية: والله لا أطأُكِ
مدة أربعة أشهر، ثم وطئها قبل مضي أربعة
أشهر، وجبت عليه كفارة اليمين المبينة في كتب
الفقه، حتى لو كان الوطء بعد العقد عليها .
أما في حق الطلاق، فإِن فقد الشرط يبطل
اليمين بالنسبة له، ولهذا لا يقع الطلاق بمضي
أربعة أشهر، لعدم انعقاد الإِيلاء في حق الطلاق
لانعدام المحلية .
ومثل هذا يقال في حال عدم توافر شرائط المدة
المحلوف عليها، فإِن مفعول اليمين يبقى. ولو
نقصت المدة التي حلف الرجل على ترك قربان
الزوجة فیھا عن أربعة أشهر۔ عند من یری أنها
لا تكون أقل من ذلك - وحتى لووطىء زوجته في
أثناء المدة التي حلف على ترك قربانها فيها، وجبت
عليه الكفارة . (١)
أثر الإِيلاء بعد انعقاده
١٦ - إذا تحقق ركن الإِيلاء وتوافرت شرائطه ترتب
عليه أحد أثرين :
(١) البدائع ١٧١/٣، والهداية وفتح القدير ٣/ ١٩٤، والدر المختار
مع حاشية ابن عابدين ٢/ ٨٥١، ومغني المحتاج ٣/ ٣٤٤
- ٢٣١ -

إيلاء ١٧
أولهما: يترتب عليه في حالة إصرار الزوج على
عدم قربان زوجته التي آلى منها، حتى تمضي أربعة
أُشهر من تاريخ الإیلاء.
وثانيهما: يترتب عليه في حالة حنثه في اليمين
التي حلفها. (١)
أ - حالة الإِصرار :
١٧ - إذا أصر المولي على ترك قربان زوجته التي
حلف ألا يقربها كان أصراره هذا داعيا إلى الفرقة
بينه وبين زوجته، لأن في هذا الامتناع إضرارا
بالزوجة، فحماية لها من هذا الضرر، يكون لها
الحق في مطالبته بالعودة إلى معاشرتها. فإِن لم يعد
إلى معاشرتها حتى مضت أربعة أشهر فهل يقع
الطلاق بمجرد مضیها؟
يرى المالكية والشافعية والحنابلة: أن الطلاق
لا يقع بمضي أربعة أشهر، بل للزوجة أن ترفع
الأمر إلى القاضي، فيأمر الزوج بالفيء، أي
الرجوع عن موجب يمينه، فإِن أبى الفيء أمره
بتطليقها، فإن لم يطلق طلقها عليه القاضي . (٢)
ويرى فقهاء الحنفية أن الطلاق يقع بمجرد
مضي أربعة أشهر، ولا يتوقف على رفع الأمر إلى
القاضي، ولا حكم منه بتطليقها. وذلك جزاء
للزوج على الإضرار بزوجته وإيذائها بمنع حقها
المشروع .
والحكمة الشرعية في إمهاله هذه المدة المحافظة
(١) البدائع ١٧٦/٣
(٢) الخرشي ٢٣٨/٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
٤٣٦/٢، ومغني المحتاج ٣٤٨/٣ وما بعدها، والمغني لابن قدامة
٣١٨/٧ ومابعدها .
على علاقة الزوجية ومعالجة بقائها بما هو غالب
علی طبائع الناس، فإِن البعد عن الزوجة مثل هذا
الزمن فيه تشويق للزوج إليها، فيحمله ذلك على
وزن حاله معها وزنا صحيحا، فإِذا لم تتأثر نفسه
بالبعد عنها، ولم يبال بها سهل عليه فراقها، وإلا
عاد إلى معاشرتها نادما على إساءته مصرا على
حسن معاشرتها. وكذلك المرأة فإِن هجرها من
وسائل تأديبها، فقد تكون سببا في انصراف الزوج
عنها بإِهمالها في شأن زينتها، أو بمعاملتها إياه
معاملة توجب النفرة منها، فإِذا هجرها هذه المدة
كان هذا زاجرا لها عما فرط منها. (١)
وسبب الخلاف بین الجمهور وبین الحنفية يرجع
إلى اختلافهم في المراد من الترتيب الذي تدل عليه
(الفاء)) في قول الله تعالى: ﴿للذين يُؤْلون من
نسائهم تَرَبُّص أربعة أشهر فإِنْ فاءوا فإِنّ الله غفور
رحيم﴾(٢) أهو الترتيب الحقيقي وهو الترتيب
الزماني. أي أن زمن المطالبة بالفيء أو الطلاق
عقب مضي الأجل المضروب، وهو الأربعة
الأشهر أوهو الترتيب الذكري لا الزمني، فتفيد
ترتيب المفصل على المجمل، وعليه يكون الفيء
بعد الإِيلاء خلال الأجل المضروب لا بعده، فإِذا
انقضى الأجل بدون فيء فيه وقع الطلاق بمضیه؟
فبالأول قال الجمهور، وبالثاني قال الحنفية .
فمعنى الآية على رأي الحنفية: أن للأزواج الذين
يحلفون على ترك وطء زوجاتهم انتظار أربعة
أشهر، فإِن فاءوا قبل مضي هذه المدة، وعادوا إلى
وطئهن، فإن ذلك یکون توبة منهم عن ذلك
(١) البدائع ١٧٦/٣
(٢) سورة البقرة / ٢٢٨
- ٢٣٢ -

إيلاء ١٧ - ١٨
الذنب الذي ارتكبوه، والذي یترتب عليه الإِضرار
بزوجاتهم وإيقاع الأذى بهن، والله يغفره لهم
بالکفارة عنه، وإن أصروا على تنفیذ یمینهم وهجر
زوجاتهم، فلم يقربوهن حتى انقضت المدة
المذكورة، وهي أربعة أشهر، فإن ذلك يكون
إصرارا منهم على الطلاق، فيكون إيلاؤهم
طلاقا، فتطلق منهم زوجاتهم بمجرد انقضاء هذه
المدة من غير حاجة إلى تطليق منهم أو من
القاضي، جزاء لهم على ضرر زوجاتهم.
ومعنى الآية على رأي الجمهور: أن الأزواج
الذين يحلفون على ترك قربان زوجاتهم يمهلون
أربعة أشهر، فإن فاءوا ورجعوا عما منعوا أنفسهم
منه بعد مضي هذه المدة فإن الله غفوررحيم لما
حدث منهم من اليمين والعزم على ذلك الضرر،
وإن عزموا على الطلاق بعد انقضاء المدة فإِن الله
سميع لما يقع منهم من الطلاق، عليم بما يصدر
عنهم من خير أو شر، فيجازيهم عليه.
ومما استدل به لمذهب الجمهور ما رواه الدارقطني
في سننه عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال:
سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي بَّر عن
رجل يولي من امرأته قالوا: ((ليس عليه شيء حتى
تمضي أربعة أشهر، فيوقف، فإِن فاء وإلا
طلق)) . (١)
(١) منتقى الأخبار مع شرح نيل الأوطار ٦/ ٢٧٢، الطبعة الثالثة
(١٣٨٠ هـ) - (١٩٦١) مصطفى البابي الحلبي.
وحديث أبي صالح: ((سألت اثني عشر رجلا من أصحاب
النبي ... )). أخرجه الدارقطني (٤/ ٦١ - ط دار المحاسن)
وإسناده صحيح. (فتح الباري ٩/ ٤٢٩ - ط السلفية)
نوع الطلاق الذي يقع نتيجة للإيلاء :
١٨ - إذا وقع الطلاق نتيجة للإِيلاء، سواء أكان
وقوعه بمضي المدة عند من يقول بذلك من
الفقهاء، أم كان وقوعه بإيقاع الزوج، بناء على أمر
القاضي له بالطلاق، أو بإيقاع القاضي عند امتناع
الزوج من الطلاق عند من لا يقول بوقوع الطلاق
بمضي المدة من الفقهاء، فإِنه يكون طلاقا بائنا
عند الحنفية، وهو المنصوص عن أحمد في فرقة
الحاكم. (١) لأنه طلاق لدفع الضرر عن الزوجة،
ولا يندفع الضرر عنها إلا بالطلاق البائن، إذ لو
كان رجعيا لاستطاع الزوج إعادتها فلا تتخلص من
الضرر. ولأن القول بوقوع الطلاق رجعيا يؤدي
إلى العبث، لأن الزوج إذا امتنع عن الفيء
والتطليق يقدم إلى القاضي لیطلق علیه، ثم إذا
طلق عليه القاضي يراجعها ثانيا، فيكون ما فعله
القاضي عبثا، والعبث لا يجوز.
وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى: إن
الطلاق الواقع بالإِيلاء طلاق رجعي ما دامت المرأة
قد دخل بها الزوج قبل ذلك، لأنه طلاق لامرأة
مدخول بها من غير عوض ولا استيفاء عدد،
فيكون رجعيا كالطلاق في غير الإِيلاء.
ولم يشترط الشافعية والحنابلة شيئا لصحة
الرجعة من المولي، إلا أنهم قالوا: إنه إذا ارتجعها
- وقد بقيت مدة الإِیلاء - ضربت له مدة أخری،
فإن لم يفء طلق عليه القاضي لرفع الضرر عن
المرأة.
واشترط المالكية لصحة الرجعة انحلال اليمين
عنه في العدة بالوطء فيها، أو بتكفير ما يكفر، أو
(١) البدائع ١٧٧/٣، والمغني لابن قدامة ٧/ ٣٣١
- ٢٣٣ -

إيلاء ١٩ - ٢١
بتعجيل الحنث في العدة، فإِذا لم ينحل الإِيلاء بوجه
من هذه الوجوه فإِن الرجعة تكون باطلة لا أثر
لها. (١)
ب - حالة الحنث أو الفيء :
١٩ - المقصود بالحنث عدم الوفاء بموجب الیمین،
وهو ذلك الوفاء المكروه الذي يتحقق بامتناع الزوج
من وطء زوجته التي آلى منها قبل أن تمضي المدة
التي حلف ألا يقربها فيها، فإِذا كانت المدة التي
حلف ألا يقرب زوجته فيها أكثر من أربعة أشهر،
کخمسة أشهر (مثلا) ثم قربها قبل أن تمضي هذه
المدة، کان حانثا في یمینه، حیث أنه لم يعمل
بمقتضاها، وهو الامتناع من قربان الزوجة مدة
خمسة أشهر. والحنث في الیمین وإن كان غير
مرغوب فيه شرعا، لكنه في الإِيلاء مستحب، لأن
فيه رجوعا عن إيذاء الزوجة والإِضراربها، فهو
ماينطبق عليه قول النبي وَّةٍ: ((مَنْ حَلَفَ على
يمينٍ فرأى غيرَها خيرا منها فَلْيَأْتِ الذي هو خيرٌ،
ولیکفر عن یمینه». (٢)
أما الفيء فمعناه في الأصل: الرجوع، ولذلك
يسمى الظل الذي يكون بعد الزوال فيئا، لأنه
رجع من المغرب إلى المشرق. والمراد منه هنا:
رجوع الزوج إلى جماع زوجته الذي منع نفسه منه
باليمين عند القدرة عليه، أو الوعد به عند العجز
عنه. ووجود الفيء لا يترتب عليه الحنث في اليمين
(١) مغني المحتاج ٣/ ٣٥١، والخرشي ٢٣٨/٣، ٢٤٠، والمغني
لابن قدامة ٣٣١/٧
(٢) حديث: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ... ))
أخرجه مسلم (١٢٧٢/٣ - ط الحلبي).
إلا إذا كان بالجماع، لأنه هو المحلوف علی تركه،
أما لو کان الفيء بالقول۔ کما سیأتي - فلا يترتب
عليه الحنث، بل تبقى اليمين قائمة منعقدة حتى
يوجد الجماع، فإِن حصل منه قبل مضي المدة التي
حلف الزوج على ترك وطء زوجته فيها حنث
وانحلت اليمين، ومن هذا يبين أن الفيء يكون
وجوده سببا في انحلال الإِيلاء وارتفاعه، وإنه إن
كان بالفعل انحل الإِيلاء وارتفع في حق الطلاق
والحنث جميعا، وإن كان بالقول انحل الإِيلاء في
حق الطلاق، وبقي في حق الحنث، حتى لووجد
الجماع في الزمن الحلوف على تركه فيه وجبت
الكفارة وانحل الإِيلاء بالنسبة للحنث أيضا.
انحلال الإيلاء
لانحلال الإيلاء سببان: الفيء، والطلاق.
حالة الفيء :
٢٠ - الفيء ــ كما تقدم - هو أن يرجع الزوج إلى
معاشرة الزوجة التي آلى منها، بحيث تعود الحياة
الزوجية بينهما إلى ما كنت عليه قبل الإِيلاء.
وللفيء طريقان: إحداهما أصلية، والأخرى
استثنائية .
أما الأصلية: فهي الفيء بالفعل.
وأما الاستثنائية: فهي الفيء بالقول.
أ - الطريق الأصلية في الفيء: الفيء بالفعل :
٢١ - المراد بالفعل الذي يكون فيئا وينحل به
الإِيلاء: إنما هو الجماع، ولا خلاف في هذا لأحد
من الفقهاء.
- ٢٣٤ -
1

إيلاء ٢٢ - ٢٤
قال ابن المنذر: أجمع کل من نحفظ عنه من
أهل العلم على أن الفيء الجماع، ولا يكون ما دون
الجماع فيئا.
وينبني على الفيء بالفعل انحلال الإِيلاء،
ولزوم مقتضي اليمين، لأنه بالجماع يتحقق
الحنث، واليمين لا يبقى بعد الحنث، إذ الحنث
يقتضي نقض اليمين، والشيء لا يبقى مع وجود
ماینقضه . (١)
٢٢ - فإِن كانت اليمين قسما بالله تعالى أو بصفة من
صفاته التي يحلف بها، كعزة الله وعظمته وجلاله
وكبريائه، لزمته كفارة يمين في قول أكثر أهل
العلم، وعند بعض العلماء لا تجب عليه الكفارة.
وإن كانت اليمين بتعليق شيء على قربان
الزوجة لزمه ما التزمه من ذلك، فإِن كان المعلق
على القربان طلاقا أو عتقا وقع الطلاق والعتق
وقت حصول الفيء، لأن الطلاق والعتق متى علق
حصوله على حصول أمر في المستقبل، ووجد المعلق
عليه ،وقع الطلاق وثبت العتق بمجرد وجوده، كما
هو مذهب الفقهاء.
وإن كان المعلق على القربان صلاة أو صياما أو
حجا أو صدقة، فإما أن یعین لأدائه وقتا أولا يعين.
فإِن عین للأداء وقتا کان يقول: إن قربت زوجتي
مدة خمسة أشهر فعلي صلاة مائة ركعة في يوم كذا
(مثلا) لزمته الصلاة في الوقت الذي عينه. وإن لم
يعين للأداء وقتا وجب عليه فعل ما التزمه في أي
وقت أراد، ولا إثم عليه في التأخير، وإن كان
الأفضل الأداء في أول وقت يمكنه الأداء فیه خوفا
من انتهاء الأجل قبل أن يؤدي ما وجب عليه .
(١) البدائع ٣/ ١٧٣، ١٧٨، والمغني لابن قدامة ٧/ ٣٢٤
ب - الطريق الاستثنائية في الفيء: الفيء بالقول:
٢٣ - إذا آلى الرجل من زوجته كان الواجب شرعا
عليه أن يفيء إليها بالفعل، فإِن لم يقدر على
الفيء بالفعل لزمه الفيء بالقول. كأن يقول:
فئت إلى زوجتي فلانة، أورجعت عما قلت، أو
متی قدرت جامعتها، وما أشبه ذلك من كل ما يدل
علی رجوعه عما منع نفسه منه باليمين.
والحكمة في تشريع الفيء بالقول: أن الزوج لما
آذى زوجته بالامتناع عن قربانها، وعجز عن
الرجوع، وكان في إعلانه الوعد به إرضاء لها لزمه
هذا الوعد، ولأن المقصود بالفيئة ترك الإِضرار
الذي قصده الزوج بالإِيلاء، وهذا يتحقق بظهور
عزمه على العود إلى معاشرتها عند القدرة.(١)
شرائط صحة الفيء بالقول :
٢٤ - لا يصح الفيء بالقول إلا إذا توافرت فيه
الشرائط الآتية :
الشريطة الأولى: العجز عن الجماع، فإن كان
الزوج قادرا على الجماع لا يصح منه الفيء
بالقول، لأن الفيء بالجماع هو الأصل، إذ به يندفع
الظلم عن الزوجة حقيقة، والفيء بالقول خلف
عنه، ولا عبرة بالخلف مع القدرة على الأصل،
كالتيمم مع الوضوء.
والعجز نوعان: عجز حقيقي وعجز حكمي .
والعجز الحقيقي، مثل أن يكون أحد الزوجين
مريضا مرضا يتعذر معه الجماع، أو تكون المرأة
صغيرة لا يجامع مثلها، أو تكون رتقاء: وهي التي
يكون بها انسداد موضع الجماع من الفرج، بحيث
(١) البدائع ١٧٣/٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
٤٣٨/٢، ومغني المحتاج ٣/ ٣٥٠، والمغني لابن قدامة ٣٢٧/٧
- ٢٣٥ -

إيلاء ٢٤
لا يستطاع جماعها، أو يكون الزوج مجبوبا: وهو
الذي استؤصل منه عضو التناسل، أويكون عنينا:
وهو من لا يقدر على الجماع مع وجود عضو التناسل
لضعف أو كبر سن أو مرض، أويكون أحد
الزوجین محبوسا حبسا يحول دون الوصول إلى
الجماع، أو يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها
في مدة الإیلاء.(١)
والعجز الحكمي، هو عندما يكون المانع عن
الجماع شرعیا، كأن تكون المرأة حائضا عند انقضاء
مدة التربص (هذا عند الفقهاء الذين يقولون
بالفيء بعد انقضاء مدة الإِيلاء) أويكون الزوج
محرما بالحج وقت الإِيلاء من زوجته، وبینه وبین
التحلل من الإحرام أربعة أشهر (وهذا عند الفقهاء
الذين يقولون: الفيء لا يكون إلا في مدة
الإِيلاء).
فإِن كان العجز حقيقيا انتقل الفيء من الفعل
إلى القول بالاتفاق، وإن كان العجز حكميا انتقل
الفيء من الفعل إلى القول أيضا عند المالكية
والحنابلة وفي قول مرجوح للشافعية. ولا ينتقل عند
أبي حنيفة وصاحبيه والشافعي. وصرح الشافعية
بأنه يطالب بالطلاق. (٢)
وحجة القائلين بالانتقال: أن العجز الحكمي
كالعجز الحقيقي في أصول الشريعة، كما في الخلوة
بالزوجة، فإِنه يستوي فيها المانع الحقيقي والمانع
الشرعي في المنع من صحة الخلوة، فكذلك الفيء
في الإِيلاء يقوم فيه العجز الحكمي مقام العجز
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ٨٥٢
(٢) البدائع ٣/ ١٧٤، والخرشي على مختصر خليل ٢٣٩/٣، ومغني
المحتاج ٣/ ٣٥٠، والمغني لابن قدامة ٣٢٨/٧
الحقيقي في صحة الفيء بالقول بدلا من الفيء
بالفعل.
وحجة القائلين بعدم الانتقال: أن الزوج قادر
على الجماع حقيقة، والامتناع عنه إنما جاء بسبب
منه، فلا يسقط حقا واجبا عليه. وأيضا: فإِن
الزوج هو المتسبب باختياره فيما لزمه بطريق محظور
فلا يستحق التخفيف. (١)
الشريطة الثانية: دوام العجز عن الجماع إلى أن
تمضي مدة الإِيلاء، فلو كان الزوج عاجزا عن
الجماع في مبدأ الأمر، ثم قدر عليه في المدة بطل
الفيء بالقول، وانتقل إلى الفيء بالجماع، حتى لو
ترك الزوجة ولم يقربها إلى أن مضت أربعة أشهر
بانت منه عند الحنفية. وذلك لما سبق من أن الفيء
باللسان بدل عن الفيء بالجماع، ومن قدر على
الأصل قبل حصول المقصود بالبدل بطل حكم
البدل، كالمتيمم إذا قدر على الماء قبل أداء
الصلاة .
وإذا آلى الرجل من زوجته وهو صحيح، ثم
مرض، فإن مضت عليه مدة وهو صحيح يمكنه
الجماع فیھا،فلا يصح فیئه بالقول، لأنه كان قادرا
على الجماع مدة الصحة، فإِذا لم يجامع مع القدرة
علیه یکون قد فرط في إيفاء حق زوجته، فلا يعذر
بالمرض الحادث. أما إذا لم تكن مضت عليه مدة -
وهو صحیح یمکنه الجماع فیھا۔ فإِن فيئه بالقول
يكون صحيحا، لأنه إذا لم يقدر على الجماع في مدة
الصحة لقصرها، لم يكن مفرطا في ترك الجماع،
فکان معذورا .
(١) فتح القدير ١٦٩/٣، والمغني ٣٢٨/٧
- ٢٣٦ -

إيلاء ٢٤ - ٢٥
هذا ما صرح به الحنفية، (١) وهو مايفهم من
عبارات المذاهب الأخرى.
الشريطة الثالثة: قيام النكاح وقت الفيء
بالقول، وذلك بأن يكون الفيء حال قيام
الزوجية، وقبل حصول الطلاق البائن من الزوج.
أما لو آلى الرجل من زوجته، ثم أوقع عليها طلاقا
بائنا، وفاءً بالقول لم يكن ذلك فيئا، وبقي الإِيلاء،
لأن الفيء بالقول حال قيام النكاح إنما يرفع الإِيلاء
في حق حكم الطلاق، لإِيفاء حق الزوجة بهذا
الفيء، والمطلقة بائنا ليس لها الحق في الجماع،
حتی یکون الرجل مضرا بها بالامتناع عن جماعها،
ووقوع الطلاق بالإيلاء كان لهذا السبب، ولم
يوجد، فلا يقع عليها طلاق بمضي المدة، لكن
يبقى الإِيلاء، لأنه لم يوجد مايرفعه وهو الحنث،
ولهذا لوتزوجها ومضت مدة الإِيلاء بعد الزواج
من غير فيء وقع عليها الطلاق عند الحنفية، وأمر
بالفيء إليها أو طلاقها عند الجمهور، وهذا بخلاف
الفيء بالفعل، فإِنه يصح بعد زوال النكاح وثبوت
البينونة بسبب آخر، كالخلع أو الطلاق على مال،
فإِنه بالفيء بالفعل - وإن كان محرما - يبطل
الإِيلاء، لأنه إذا وطئها حنث في يمينه، وبالحنث
تنحل اليمين ويبطل الإِيلاء، ولكن لا ترجع المرأة
إلى عصمته، ويعتبر آثما بالوطء في عدة
البينونة . (٢)
(١) البدائع ٣/ ١٧٤، وفتح القدير ١٩٥/٣، والدر وحاشية ابن
عابدين ٢/ ٨٥٢، والدسوقي ٤٣٧/٢، والمغني ٣٢٨/٧
(٢) البدائع ٣/ ١٧٥ - ١٧٩
وقت الفيء :
٢٥ - تقدم أن المولي يلزمه شرعا أن یرفع الضرر عن
الزوجة التي آلى منها، وطريق رفع الضرر عنها
يكون بالفيء، والفيء له طريقان: إحداهما أصلية
وهي : الفعل، وثانيتهما استثنائية وهي : القول.
وسواء أكان الفيء بالفعل أم بالقول فإِن له وقتا
تختلف آراء الفقهاء فيه على الوجه الآتي :
يرى الحنفية أن الفيء يكون في مدة الإِيلاء،
وهي الأربعة الأشهر. فإِن حصل الفيء فيها،
وكان الفيء بالفعل، حنث الزوج في يمينه،
وانحل الإِيلاء بالنسبة للطلاق، حتى لومضت
أربعة أشهر لا تبين الزوجة .
وإن حصل الفيء بالقول انحل الإِيلاء في حق
الطلاق، وبقي في حق الحنث، حتى لوفاء الزوج
بالقول في المدة، ثم قدر على الجماع بعد المدة
وجامعها، لزمته الكفارة، لأن وجوب الكفارة معلق
بالحنث، والحنث هو فعل المحلوف عليه،
والمحلوف عليه هو الجماع، فلا يحصل الحنث
بدونه .
وإن لم يحصل الفيء في مدة الإِيلاء بالفعل ولا
بالقول، وقع الطلاق بمضيها عند الحنفية كما
تقدم .
ويرى المالكية والشافعية والحنابلة: أن الفىء
يكون قبل مضى الأربعة الأشهر، ویکون بعدها،
إلا أنه إن حصل الفيء قبل مضي هذه المدة
فالحكم كما سبق في الكلام على مذهب الحنفية،
وإن حصل الفيء بعد مضيها ارتفع الإِيلاء في حق
الطلاق وفي حق الحنث جميعا. وكذا إن حدد مدة
في یمینه ففاء بعد مضیھا .
- ٢٣٧ -

إيلاء ٢٦
أما إن كان الفيء قبل مضيها، فإِن الزوج
يحنث في یمینه، وتلزمہ کفارة الیمین إن کان اليمين
قسما، ویلزمه ما التزمه إن لم یکن الیمین قسما، عند
من يرى صحة الإِيلاء في حالتي القسم والتعليق.
ومنشأ الاختلاف بين الفقهاء في ذلك يرجع إلى
اختلافهم في فهم قول الله تعالى: ﴿للذين يُؤْلُون
من نسائهم تَرَبُّصُ أربعة أشهرٍ فإِنْ فاءوا فإِنّ الله
غفورٌ رحيمٌ﴾، هل الفيئة مطلوبة خارج الأربعة
الأشهر أو فيها؟ وقد بينا ذلك فيما تقدم .
حالة الطلاق :
أولا : الطلاق الثلاث :
٢٦ - إذا آلى الرجل من زوجته، وكان الإِيلاء
مطلقا عن التقييد بمدة، أو كان مؤبدا، ولم
يجامعها، بل طلقها في مدة الإِيلاء ثلاثا بكلمة
واحدة، أو طلقها طلقة واحدة - وكانت المكملة
للثلاث - ارتفع الإِيلاء في حق الطلاق عند
أبي حنيفة وصاحبيه، ومالك، وهو أظهر أقوال
ثلاثة للإِمام الشافعي . (١)
وقال أحمد وزفر من الحنفية، والشافعي في قول
ثان من أقواله الثلاثة: لا يرتفع الإِيلاء بالطلاق
الثلاث. وعلى هذا لوتزوجت المرأة رجلا آخر، ثم
عادت إلى الزوج الأول المولي منها، ومضت أربعة
أشهر من وقت زواجها به ولم يجامعها، لا يقع عليها
شيء عند أبي حنيفة وصاحبيه، ولا يطالب بالفيء
(١) البدائع ١٧٨/٣، والهداية وفتح القدير ١٨٨/٣، وحاشية ابن
عابدين ٢/ ٨٤٨، والخرشي ١٨١/٣، والشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي ٢/ ٣٧٥، ٣٧٦، ومغني المحتاج ٢٩٣/٣
أو الطلاق إن لم يفء عند مالك والشافعي في قوله
الموافق لأبي حنيفة وصاحبيه.
أما عند أحمد والشافعي (في أحد أقواله)
فللزوجة أن ترفع الأمر إلى القاضي، والقاضي
يقف الزوج، فإما أن يفيء أو يطلق، فإن لم يفعل
طلق عليه القاضي .
وعند زفر من الحنفية: يقع عليها طلاق بائن
بمضي أربعة أشهر من وقت زواجها به من غير
وقاع.
وحجة الأولين : أن الحِلَّ الثابت بالزواج الأول
قد زال بالكلية بالطلاق الثلاث، والحل الحاصل
بالزواج الثاني حل جدید، ولهذا يملك فيه الزوج
ثلاث طلقات، فصار إيلاؤه في الزواج الأول
كإِيلائه من امرأة أجنبية .
وحجة الآخرين : أن اليمين صدرت مطلقة
غير مقيدة بالحل الذي كان قائما وقت صدورها،
وعلى هذا توجد اليمين عندما يتحقق حل المرأة
للرجل، بلا فرق بين الحل الذي كان موجودا عند
صدورها، وبين الحل الذي وجد بعد زوال الحل
الأول. فإِذا عادت المرأة إلى الزوج الذي آلى منها
صدق عليه أنه ممتنع من جماع امرأته بناء على
يمينه، فيثبت له حكم الإِيلاء كما لو لم يطلق. (١)
أما الإِيلاء في حق الحنث، فإِنه باق بعد الطلاق
الثلاث عند هؤلاء الفقهاء جميعا. وعلى هذا لو
آلى الرجل من زوجته إيلاء مطلقا عن التقييد
بمدة، أو مؤ بدا،ولم يجامعھا، ثم طلقها ثلاثا،
وعادت إليه بعد أن تزوجت رجلا آخر، ثم جامعها
حنث في يمينه، ولزمته كفارة اليمين إن كانت
(١) المراجع السابقة، والمغني لابن قدامة ٣٣٥/٧
- ٢٣٨ -

إيلاء ٢٧
اليمين قسما، ولزمه ما علقه على جماعها إن لم تكن
اليمين قسما، لأن اليمين إذا كانت لها مدة فإِنها
تبقى ما بقيت هذه المدة، ولا تبطل إلا بالحنث،
وهو فعل المحلوف عليه قبل مضي مدة اليمين، أو
بمضي هذه المدة بدون حنث.
وإن كانت اليمين مطلقة لم تقيد بمدة، أو
ذكرت فيها كلمة الأبد، فإنها لا تبطل إلا بالحنث،
وهو فعل الشيء المحلوف علی تركه (وهو في الإِيلاء
الجماع) فإِذا لم يوجد الحنث فاليمين باقية.(١)
ثانيا : بقاء الإيلاء بعد البينونة بما دون الثلاث:
٢٧ - إذا آلى الرجل من زوجته، وكان الإِيلاء
مؤبدا أو مطلقا عن التوقيت، بأن قال: والله لا
أقرب زوجتي أبدا، أو قال: والله لا أقرب زوجتي ولم
یذکر وقتا، ثم أبانها بما دون الثلاث، وتزوجها بعد
ذلك، كان الإِيلاء باقيا عند الفقهاء جميعا، ما عدا
الشافعي في أحد أقواله الثلاثة، فإن الإِيلاء ينتهي
عنده بالطلاق البائن بما دون الثلاث، كما ينتهي
بالطلاق الثلاث .
وبناء على رأي الجمهور من الفقهاء في بقاء
الإِيلاء بعد البينونة بما دون الثلاث، لومضت
أربعة أشهر من وقت الزواج ولم يجامعها، وقعت
طلقة بائنة عند الحنفية. وعند المالكية والحنابلة ومن
وافقهم: يؤمر بالفيء، فإِن أبى ولم يطلق، طلق
عليه القاضي. وكذلك لو تزوجها بعدما وقع عليها
الطلاق الثاني، ومضت أربعة أشهر لم يقربها فيها
منذ تزوجها: وقعت عليها طلقة ثالثة عند أئمة
الحنفية. أما عند غيرهم فيؤمر بالفيء أو الطلاق،
(١) البدائع ١٧٩/٣، والمراجع السابقة.
فإِن لم يفء أو يطلق طلق عليه القاضي، وبهذا
تصير المرأة بائنة بينونة كبرى، ويبقى الإِيلاء في
حق الحنث باتفاق الفقهاء، وكذلك في حق الطلاق
عند أحمد وزفر من الحنفية، وينحل الإِيلاء في حق
الطلاق عند أبي حنيفة وصاحبيه ومالك على
ما تقدم.
ولو أبان الزوج زوجته التي آلى منها إيلاء مطلقا
أومؤبدا بما دون الثلاث، وتزوجت برجل آخر،
ودخل بها، ثم عادت إلى الأول عاد حكم الإِيلاء
من غير خلاف بين الجمهور من الفقهاء كما تقدم .
إنما الاختلاف بينهم فيما تعود به إلى الزوج الأول:
فعند أبي حنيفة وأبي يوسف تعود بثلاث
تطليقات، وعند مالك والشافعي وأحمد في إحدى
الروایتین عنه تعود إليه بما بقي، وهو قول محمد بن
الحسن من الحنفية . (١)
وهذا الخلاف مبني على أن الزواج الثاني هل
يهدم الطلقة والطلقتين كما يهدم الثلاث، أو
لا يهدم إلا الثلاث؟
فعند الأولين يهدم الطلقة والطلقتين كما يهدم
الثلاث، وعند الآخرين لا يهدم إلا الثلاث.
وحجة الفريق الأول: أن الزواج الثاني إذا هدم
الطلاق الثلاث، وأنشأ حلا كاملا، فأولى أن يهدم
ما دون الثلاث، ويكمل الحل الناقص.
وحجة الفريق الثاني: أن الحل الأول لا يزول
إلا بالطلاق الثلاث، فإذا طلق الرجل زوجته
واحدة أو اثنتين لم تحرم علیه، وحل له التزوج بها،
(١) فتح القدير ١٧٩/٢، والبدائع ١٢٧/٣، ١٧٨، وبداية
المجتهد لابن رشد ٧٢/٢، والخرشي ١٨١/٣، ومغني المحتاج
٢٩٣/٣، والمغني لابن قدامة ٢٦١/٧
- ٢٣٩ -

إيلاء ٢٧، إيلاج، إيلاد، إيلام ١ - ٤
فلو تزوجت بغيره ودخل بها ثم عادت إليه بعد
ذلك، عادت إليه بالحل الأول، فلا يملك عليها
إلا ما بقي من الطلاق الذي كان ثابتا له في ذلك
الحل.(١)
إيلاج
انظر : وطء
إيلاد
انظر : استيلاد، أم الولد
إيلام
التعريف :
١ - الإِيلام هو: الإِيجاع، والألم: الوجع.(٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العذاب :
٢ - العذاب: هو الألم المستمر، والألم قد يكون
حـ
(١) المراجع السابقة
(٢) لسان العرب مادة: (ألم)).
مستمرا، وقد يكون غير مستمر. وعلى هذا
فالعذاب أخص من الألم، فكل عذاب ألم، ولیس
كل ألم عذابا .
ب - الوجع :
٣ - الألم : ما يلحقه بك غيرك. والوجع: ما تلحقه
أنت بنفسك، أو يلحقه بك غيرك من الألم. وعلى
هذا فالوجع أعم من الألم. (١)
أنواع الإِيلام :
٤ - أ - ينقسم الإِيلام باعتبار محله إلى قسمين:
إيلام جسدي : وهو الواقع على جزء من أجزاء
البدن، كالإِيلام الحاصل من الضرب، أو من قطع
اليد في الحد ونحو ذلك.
وإيلام نفسي : وهو الواقع على النفس لا على
البدن، كالإِخافة والقلق والتوبيخ ونحو ذلك.
وكل من الألمين له اعتباره في الشريعة كما
سيأتي .
ب - وينقسم الإِيلام أيضا باعتبار مصدره إلى
قسمين :
إيلام صادر عن الله تعالى كالأمراض،
ونحوها .
وإيلام صادر عن العبد عمدا أو خطأ .
ولكل من الألمين أحكامه في الشريعة كما
سيأتي .
(١) الفروق لأبي هلال العسكري ص ٢٣٤ طبع دار الآفاق
بیروت .
- ٢٤٠ -