Indexed OCR Text
Pages 101-120
أهل الأهواء ٢ - ٦
الألفاظ ذات الصلة :
أ - المبتدعة :
٢ - المبتدعة من لهم طريقة في الدين مخترعة
تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها مايقصد
بالطريقة الشرعية . (١)
ب - الملاحدة :
٣ - الملاحدة والزنادقة والدهریون - هم الذین لا
يؤمنون بالله تعالى ولا بمحمد رسول الله ﴾ .. (٢)
وعلى هذا فالفرق بينهم وبين أهل الأهواء كبير، إذ
أن أهل الأهواء من جملة المسلمين، يؤمنون بالله
تعالى وبمحمد رسول الله ﴾ . .
مناظرة أهل الاهواء وكشف شبههم :
٤ - ينبغي لعلماء المسلمين أن يأخذوا أهل الأهواء
بالحجة، ويكشفوا شبههم، ويبينوا لهم فساد
مذهبهم، وصحة مذهب أهل السنة، ليدينوا
بالحق الذي رضي الله تعالى لعباده، أوليجتنبهم
العامة، ولیس للعامة أن ینظروا في کتبھم، بل
علیهم هجرهم، فقد كان السلف ینهون عن
مجالسة أهل البدع والنظر في كتبهم والاستماع
لكلامهم.(٣)
(١) الآداب الشرعية لابن مفلح ٢٣٥/١ طبع مكتبة الرياض
الحديثة، والاعتصام للشاطبي ١/ ١٩ ط مصطفى محمد، وانظر
ابن عابدين ٣٧٧/١، ودستور العلماء ٢٣٢/١، والكليات
٤٢٢/١
(٢) ابن عابدين ٢٩٦/٣، ودستور العلماء ٢٩٦/٢
(٣) فواتح الرحموت ١٦١/١، والفتاوى الهندية ٢٧٧/٥ طبعة
بولاق الثانية سنة ١٣١٠، والآداب الشرعية ٢٣٧/١، ٢٦٣،
٢٦٨ ط مكتبة الرياض الحديثة .
هجر أهل الأهواء :
٥ - الأصل أنه يحرم هجران المسلم فوق ثلاث إلا
لوجه شرعي، لحديث رسول الله#: ((لا يَجِلُ
لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان
فَيُعْرِض هذا وَيُعْرض هذا، وخير هما الذي يبدأ
(١)
صاحبه بالسلام».
وقد اعتبر السلف وجمهور الأئمة الابتداع في
العقائد من الأسباب المشروعة للهجر، وأوجبوا
هجر أهل الأهواء من المبتدعة، الذين يجاهرون
ببدعهم أو یدعون إليها . (٢)
توبة أهل الأهواء :
أهل الأهواء على نوعين :
٦ - باطنية وغير باطنية: أما الباطنية: فهم الذين
يظهرون غير ما يبطنون، فهم يظهرون الصوم
والصلاة، ويبطنون القول بالتناسخ وحل الخمر
والزنى، والقول في محمد # بما لا يليق. وقد
اختلف العلماء في قبول توبة هؤلاء على قولين:
الأول : أنهم لا تقبل توبتهم، لأن نحلهم تبيح
لهم أن يظهروا غير ما يبطنون، والله تعالى يقول:
(إلا الذين تابوا وأصلحوا وبَيِّنُوا)(٣) وهؤلاء
الباطنية لا تظهر منهم علامة تبين رجوعهم
وتوبتهم، لأنهم كانوا مظهرين للإِسلام مسرين
للكفر، وإلى هذا ذهب علي بن أبي طالب
(١) حديث: ((لا يحل لمسلم ... )) أخرجه البخاري (٤٩٢/١٠ ط
السلفية) ومسلم (٤/ ١٩٨٤ ط الحلبي)
(٢) الشرح الصغير ٧٤٥/٤، ٧٤٦، والآداب الشرعية ٢٣٧/١،
٢٥٨، ٢٩٦، وحاشية قليوبي ٢٩٦/٣، وفتاوى ابن تيمية
١٧٤/٢٤، ١٧٥ طبع مطابع الرياض ١٣٨٢.
(٣) سورة البقرة / ١٦٠
- ١٠١ -
أهل الأهواء ٧ - ٩
وابن عمر والمالكية والحنابلة والحنفية والشافعية في
المفتى به عندهم، واللیث بن سعد وإسحاق بن
راهويه وغيرهم.
الثاني : أنهم تقبل توبتهم كسائر أهل الأهواء -
كما سيأتي - وهو أحد القولين عند الحنفية
والشافعية، ولكنها لا تقبل إن كانت بعد أخذهم.
كما يقول الحنفية.(١)
٧ - وأما غير الباطنية فهم الذين يكون سرهم
كعلانيتهم ونحوهم، وهؤلاء قد اختلف الفقهاء في
قبول توبتهم.
فالجمهور على قبول توبتهم، وإن اشترط
البعض كالمروذي تأجيلهم سنة حتى يعلم
إخلاصهم في توبتهم، أخذا من تصرف عمر بن
الخطاب مع صبيغ بن عسل التميمي حين انتظر
به سنة، فلما علم صدق توبته عفا عنه.
وذهب البعض ومنهم ابن شاقلا الحنبلي إلى أنه
لا تقبل توبتهم، واحتج لذلك بقوله : ((من
سن سُنة سیئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من
غير أن ينقص من أوزارهم شيء)).(٢) وماروى
أبو حفص العكبري بإسناده عن أنس مرفوعا
((إن الله احتجر التوبةَ على صاحب بدعة)). (٣)
(١) فتح القدير ٣٨٧/٤ طبعة بولاق الأولى سنة ١٣١٦، وحاشية
ابن عابدين ٢٩٧/٣، والفتاوى الهندية ٣٨١/٥، وحاشية
قليوبي ١٧٧/٤، وجواهر الإكليل ١/ ٢٥٦، والمغني ١٢٦/٨،
والآداب الشرعية ١٢٥/١
(٢) حديث: ((من سن سنة سيئة ... )) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٤،
٧٠٥ ط الحلبي)
(٣) الآداب الشرعية ١٢٥/١
وحديث: ((إن الله احتجر التوبة عن صاحب بدعة ... )).
أخرجه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان،
والضياء في المختارة من حديث أنس رضي الله عنه، وسكت عنه ==
والجدير بالذكر أن هذه التوبة لا يترتب عليها
من الآثار إلا الآثار الدنيوية فحسب، من حيث
استحقاقه التعزير وعدم استحقاقه، أما فيما بينه
وبین الله تعالی فإن أمره موکول إلیه، فإن كان
صادقا في توبته تجاوز الله عنه إن شاء، وإن لم يكن
صادقا في توبته، ردت وخاب وخسر.
عقوبة أهل الأهواء :
٨ - إذا كانت البدعة التي ينتحلها أهل الأهواء
مكفرة فإنهم يعاملون معاملة المرتدين، ويطبق
عليهم حد الردة.
أما إن لم تكن مكفرة فإن عقوبتهم التعزير
بالاتفاق، ويفرق بين الدعاة منهم وبين غير
الدعاة، فغير الدعاة يعزرون بالضرب أو الحبس،
أوبما يغلب على الظن أنه نافع بهم، وكره الإِمام
أحمد حبسهم، وقال: إن لهم والدات وأخوات.
أما الدعاة منهم والرؤساء فيجوز أن يبلغ بهم
التعزير إلى القتل سياسة، قطعا لدابر الإفساد في
الأرض، وعلى هذا الحنفية، وطائفة من أصحاب
الشافعي، وأصحاب أحمد، وکثیر من أصحاب
الإمام مالك رحمهم الله تعالی . (١)
شهادة أهل الأهواء :
٩ - اختلف الفقهاء في قبول شهادة أهل الأهواء
الذين لا يحكم بكفرهم، فذهب مالك وأحمد بن
= المناوي (فيض القدير ٢/ ٢٠٠ ط المكتبة التجارية) وقال
الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي
وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٨٩/١٠) وقال المنذري: إسناده حسن
(الترغيب والترهيب ٦٥/١ ط مطبعة السعادة).
(١) حاشية ابن عابدين ١٤٧/٣، ٢٩٧، والآداب الشرعية
٢٩١/١، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص٩٩ طبع بيروت دار
الكتب العربية .
- ١٠٢ -
أهل الأهواء ١٠
حنبل وشريك وأبو عبيد - القاسم بن سلام -
وأبو ثور إلی رد شهادتهم لأنهم فسقة، ولا يعذرون
بالتأويل . (١)
وذهب الحنفية والشافعية ومحمد بن أبي ليلى
وسفيان الثورى إلى قبول شهادة أهل الأهواء، إلا
الخطابية، فإنهم لا تقبل شهادتهم. (٢)
وقد فرق الشافعية في قبول شهادة أهل الأهواء
بين الدعاة وغيرهم، فقبلوا شهادة العامة منهم،
وردوا شهادة الدعاة لأنهم مفسدون في الأرض،
وقد احتج هؤلاء في قبول شهادة أهل الأهواء بأن
الهوی ناشىء عن التعمق في الدین، وذلك يصده
عن الكذب.
وإنما ردوا شهادة الخطابية منهم لأنهم يعتقدون
أُن أصحابهم لا یکذبون - أي يعتقدون ان کل من
كان على عقيدتهم لا يكذب - فإذا رأوه في قضية
شهدوا له بمجرد التصديق، وإن لم يعلموا حقيقة
الحال . (٣)
رواية أهل الأهواء للحديث :
١٠ - اختلف العلماء في قبول رواية أهل الأهواء
للحديث.
(١) الشرح الصغير ٤/ ٢٤٠، والمغني ١٦٥/٩
(٢) في كتاب الفرق بين الفرق ص ٢٥٥: أن الخطابية كلهم
حلوليون، يدعون حلول روح الإله في جعفر الصادق، وبعده
في أبي الخطاب الأسدي، قال: فهذه الطائفة كافرة من هذه
الجهة. وفي الزيلعي على الكنز (٢٢٣/٤): أنهم كانوا
يستجيزون أن يشهدوا للمدعي إذا حلف عندهم أنه محق،
ويقولون: المسلم لا یکذب، وقيل: إنهم كانوا يعتقدون أن من
ادعى منهم شيئا على غيره يجب أن يشهد له بقية شيعته.
(٣) انظر حاشية ابن عابدين ٣٧٧/١، وفواتح الرحموت شرح مسلم
الثبوت ١/ ١٤٠، وحاشية قليوبي ٣٢٢/٤، وحاشية الجمل
٣٨٦/٥ طبع دار إحياء التراث.
فقد منع الرواية عنهم ابن سيرين ومالك،
وابن عيينة والحميدي ويونس بن أبي إسحاق وعلي
ابن حرب وغيرهم. وحجة هؤلاء:
أن أهل الأهواء : إما كفار أو فساق، ولا تحل
الرواية عن هؤلاء، ولأن في ترك الرواية عنهم إهانة
لهم وهجرا، ونحن مأمورون بذلك ردعا لهم عن
الهوى، ولأن الهوى لا يؤمن معه الكذب، لاسيما
إذا كانت الرواية مما يعضد هوی الراوي .
ورخص أبو حنيفة والشافعي ويحيى بن سعيد
وعلي بن المديني وغيرهم في الرواية عن أهل
الأهواء، إذا عرفوا بالصدق ولم يتهموا بالكذب
كالخوارج، دون من يتهم من أهل الأهواء
بالكذب.
وفرق جماعة بين الداعية من أهل الأهواء
وغيره، فمنعوا الرواية عن الداعية منهم دون
غيره، ومن هؤلاء ابن المبارك وعبد الرحمن بن
مهدي، وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، حتى
قال في فواتح الرحموت: وعلى هذا أئمة الفقه
والحديث كلهم، ولأن المحاجة والدعوة إلى الهوى
سبب داع إلى التقول، فلا يؤتمن على حديثه.(١)
وفرق جماعة بين من يغلو في هواه ومن لا يغلو،
وقريب من هذا قول من يفرق بين البدع المغلظة،
كالتجهم والقدر، والبدع المخففة ذات الشبهة
كالإِرجاء. قال الإِمام أحمد بن حنبل في رواية
أبي داود: احتملوا من المرجئة الحديث، ویکتب
عن القدري إذا لم يكن داعية. (٢)
(١) فواتح الرحموت ٢/ ١٤٠
(٢) انظر: شرح علل الحديث لابن رجب ض ٨٣ ومابعدها=
- ١٠٣ -
أهل الأهواء ١١، أهل البيت ، أهل الحرب ١ - ٣
١١ - إمامة أهل الأهواء في الصلاة :
اختلف الفقهاء في الاقتداء بأهل الأهواء في
الصلاة .
فذهب الحنابلة في إحدى الروايتين عندهم إلى
أنه لا يجوز الاقتداء بأهل الأهواء مطلقا، فإن
اقتدى بهم فصلاته باطلة .
وفرقوا في رواية أخرى بين الاقتداء بالمجاهر بهواه
وبدعته الداعي إلیھا، وبین من لیس کذلك،
فأجازوا الاقتداء بالمستسر بها، وأبطلوه بالمجاهر
والداعي .(١)
وذهب المالکیة : إلى أنه إن اقتدی بأحد من
أهل الأهواء، وجبت عليه الإِعادة في الوقت، لأنه
نختلف في کفرهم. (٢)
وذهب الحنفية والشافعية إلى جواز الاقتداء
بأهل الأهواء مع الكراهة التنزيهية . (٣)
أهل البيت
انظر : آل
طبع وزارة الأوقاف العراقية، ومقدمة ابن الصلاح ص ١٠٣
طبع مطبعة الأصيل بحلب، وفواتح الرحموت ٢/ ١٤٠
(١) كشاف القناع ٤٧٤/١، والمغني ١٨٦/٢
(٢) شرح الزرقاني على خليل ١٢/٢
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٧٦/١، وأسنى المطالب ٢١٩/١.
أهل الحرب
التعريف :
١ - أهل الحرب أو الحربيون: هم غير المسلمين
الذین لم يدخلوا في عقد الذمة، ولا يتمتعون بأمان
المسلمين ولا عهدهم. (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - أهل الذمة :
٢ - أهل الذمة هم الكفار الذين أقروا في دار
الإِسلام على كفرهم بالتزام الجزية ونفوذ أحكام
الإِسلام فيهم. (٢)
ب - أهل البغي :
٣ - أهل البغي أو البغاة: هم فرقة خرجت على
إمام المسلمين لمنع حق، أو لخلعه، وهم أهل
مَنَعَةٍ . (٣)
(١) فتح القدير ٢٧٨/٤، ٢٨٤، والفتاوى الهندية ١٧٤/٢،
ومواهب الجليل ٣٤٦/٣ - ٣٥٠، والشرح الصغير ٢٦٧/٢،
وما بعدها، ونهاية المحتاج ٧/ ١٩١، ومغني المحتاج ٢٠٩/٤،
ومطالب أولي النهى ٥٠٨/٢، وكشاف القناع ٢٨/٣، والمغني
٣٥٢/٨، ٣٦١ ومابعدها.
(٢) جواهر الإكليل ١٠٥/١، وكشاف القناع ٧٠٤/١
(٣) مواهب الجليل ٢٧٦/٦، والشرح الكبير مع الدسوقي
٤/ ٣٠٠، والشرح الصغير ٤٢٦/٤، والقوانين الفقهية ص
٣٩٣، والأم ٢١٤/٤ وما بعدهاط الأزهرية، ومغني المحتاج
١٢٣/٤ وما بعدها، والمغني ١٠٤/٨ وما بعدها.
- ١٠٤ -
أهل الحرب ٤ - ٦
والبغي : هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته
في غير معصية بمغالبة، ولو تأولا. (١)
جـ ــ أهل العهد :
٤ - هم الذين صالحهم إمام المسلمين على إنهاء
الحرب مدة معلومة لمصلحة يراها، والمعاهد: من
العهد: وهو الصلح المؤقت، ويسمى الهدنة
والمهادنة والمعاهدة والمسالمة والموادعة. (٢)
د - المستأمنون :
٥ - المستأمن في الأصل: الطالب للأمان، وهو
الكافر يدخل دار الإِسلام بأمان، أو المسلم إذا
دخل دار الكفار بأمان . (٣)
انقلاب الذمي أو المعاهد أو المستأمن حربيا:
٦ - يصبح الذمي والمعاهد والمستأمن في حكم
الحربي باللحاق باختياره بدار الحرب مقيما فيها، أو
إذا نقض عهد ذمته فيحل دمه وماله، (٤) ويحاربه
(١) مواهب الجليل ٢٧٨/٦
(٢) فتح القدير ٢٩٣/٤ وما بعدها، والفتاوى الهندية ١/ ١٨١،
والخرشي ١٧٥/٣ ط الأولى، وفتح العلي المالك للشيخ عليش
٣٣٣/١، والشرح الكبير للدردير ٢/ ١٩٠، والقوانين الفقهية
ص ١٥٤، ومغني المحتاج ٤/ ٢٦٠ وما بعدها، والأم ٤/ ١١٠
وما بعدهاط الأميرية، ونهاية المحتاج ٧/ ٢٣٥، وكشاف القناع
١٠٣/٣، وما بعدها، والمغني ٨/ ٤٥٩ - ٤٦١، وزاد المعاد لابن
القيم ٧٦/٢، والمحرر في الفقه الحنبلي ٢/ ١٨٢، والاختيارات
العلمية لابن تيمية ص ١٨٨
(٣) درر الحكام ١/ ٢٦٢، وحاشية أبي السعود (فتح الله المعين) على
مثلا مسكين ٣/ ٤٤٠، والدر المختار ٢٤٧/٣ ط بولاق.
(٤) الدر المختار ورد المحتار ٢٧٥/٣، ٣٠٣، والشرح الصغير
٣١٦/٢، ومغني المحتاج ٢٥٨/٤ - ٢٦٢، والمغني ٤٥٨/٨
ومابعدها و٥٢٤ ومابعدها .
الإِمام بعد بلوغه مأمنه(١) وجوبا عند الجمهور،
وجوازا عند الشافعية .
ولا خلاف في محاربته إذا حارب المسلمين أو
أعان أهل الحرب، وللإِمام أن يبتدئه بالحرب، قال
اللّه تعالى: ﴿وإن نَکَثُوا أیمانهم من بعد عهدهم،
وَطَعَنُوا في دينكم، فقاتلوا أَئِمَّةَ الكفرِ، إِنهم لا أَيْمَانَ
لهم، لعلهم ينتهون﴾ ، (٢) وحینما نقضت قریش
صلح الحديبية، سار إليهم الرسول # عام الفتح
سنة ثمان من الهجرة، حتى فتح مكة. وعندما
نقض بنوقريظة العهد سنة خمس، قتل النبي مطلقة
رجالهم، وسبى ذراريهم، وأخذ أموالهم، وكذلك
بنو النضير لما نقضوا العهد، حاصرهم الرسول (#
سنة أربع، وأجلاهم.(٣)
وهناك اتجاهان في أسباب نقض الذمة: (٤)
الأول، مذهب الحنفية : وهو أنه لا ينتقض عهد
الذميين، إلا أن يكون لهم منعة يحاربون بها
المسلمين، ثم يلحقون بدار الحرب، أو يغلبون
على موضع، فيحاربوننا .
(١) إبلاغ المأمن: هو الإبعاد من دار الإِسلام. والمأمن: كل مكان
يأمن فيه الشخص على نفسه وماله. وإبلاغ المأمن نوع من الوفاء
بالعهد.
(٢) سورة التوبة / ١٢
(٣) انظر هذه الحوادث في سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٠ - ١٩٢، ٢٣٣ -
٢٤٠، ٣٨٧ - ٤٠٦
(٤) فتح القدير ٤/ ٣٨١ وما بعدها، ومجمع الأنهر ١/ ٥١٩، والمدونة
٢١/٣، والشرح الكبير مع الدسوقي ١٨٨/٢ ومابعدها،
والخرشي ١٤٩/٣، والفروق ١٣/٣، والأم ٤ /١٠٩ ط
الأميرية، ومغني المحتاج ٢٥٨/٤، والمهذب ٢/ ٢٥٧، والمغني
٨/ ٥٢٥، ومطالب أولي النهى ٢/ ٦٢١ - ٦٢٣، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ١٤٥، المحرر في الفقه الحنبلي ٢/ ١٨٧
- ١٠٥ -
أهل الحرب ٧ - ١٠
الثاني، مذهب الجمهور: تنتقض الذمة
بمخالفة مقتضى العهد على ما يأتي في مصطلح
(أهل الذمة).
انقلاب الحربي ذميا :
٧ - يصبح الحربي ذميا إما بالتراضي، أو بالإقامة
لمدة سنة في دار الإِسلام، أو بالزواج، أو بالغلبة
والفتح، على خلاف وتفصيل يأتي بيانه في
مصطلح (أهل الذمة).
انقلاب المستأمن إلى حربي :
٨ - المستأمن: هو الحربي المقيم إقامة مؤقتة في ديار
الإِسلام، (١) فيعود حربيا لأصله بانتهاء مدة إقامته
المقررة له في بلادنا، لکن يبلغ مأمنه لقوله تعالی :
﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين، ثم لم يَنْقُصُوكم
شيئا، ولم يُظَاهِروا عليكم أحدا، فأتِمُّوا إليهم
عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِم﴾، (٢) أو بنبذ العهد، أي نقضه
من جانب المسلمين، لوجود دلالة على الخيانة،
لقوله تعالى: ﴿وإما تَخَافَنَّ من قوم خيانةً، فانْبِذْ
إليهم على سواءٍ، إن الله لا يُحِبُّ الخائنين﴾، (٣)
وهي في أهل الهدنة أو الأمان، لا في أهل جزية،
فلا ينبذ عقد الذمة، لأنه مؤبد، وعقد معاوضة
فهو آكد من عقد الهدنة.
وقد يصبح المستأمن حربيا بنقض الأمان من
جانبه هو، أوبعودته لدار الحرب بنية الإقامة، لا
التجارة أو التنزه أو حاجة یقضیها، ثم يعود إلى دار
(١) شرح السير الكبير ٢٠٧/١، والبدائع ٢٨١/٥، و٣٢٦/٧
(٢) سورة التوبة / ٤
(٣) سورة الأنفال / ٥٨
الإِسلام، فإذا رجع إليهم ولو لغير داره، انتهى
أمانه . (١)
هذا ، وكل ما ينتقض به عهد الذمي، ينتقض
به أمان المستأمن، على حسب الاتجاهين
السابقين، لأن عقد الذمة أمان مؤ بد، وآكد من
الأمان المؤقت، ولأن المستأمن كالذمي يلتزم
بتطبيق أحكام الإِسلام.
ومن نقض أمانه بنقض العهد ینبذ إليه ويبلغ
المأمن عند الجمهور، وبخير الإِمام في شأنه
كالأسير الحربي، مِنْ قتل ومن وفداء وغيره عند
الحنابلة . (٢)
انقلاب الحربي إلى مستأمن :
٩ - يصير الحربي مستأمنا بالحصول على أمان من
کل مسلم بالغ عاقل عند الجمهور، أو حتى من مميز
عند آخرين . (٣)
دخول الحربي بلاد المسلمين بغير أمان :
١٠ - ليس لأهل الحرب دخول دار الإِسلام بغير
أمان، لأنه لا يؤمن أن يدخل جاسوسا، أو
(١) الدر المختار ورد المحتار ٣/ ٢٧٥، والمغني ٨/ ٤٠٠
(٢) المدونة ٤٢/٣، والفروق ٧٤/٣، والشرح الكبير والدسوقي
١٧٢/٢، وتحفة المحتاج ٩٨/٨، ومغني المحتاج ٢٣٨/٤،
و٢٦٢، وفتح القدير ٤/ ٣٠٠، وتصحيح الفروع ٦٦/٣،
وكشاف القناع ٣/ ١٠٠
(٣) الاتجاه الأول للجمهور: أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي
وأحمد في رواية عنه.
والاتجاه الثاني للإِمام مالك وأحمد ومحمد بن الحسن.
واللجنة ترى أن المرجع الأخیر لولي الأمر مراعیا في ذلك
مصلحة الدولة .
- ١٠٦ -
أهل الحرب ١٠
متلصصا، أولشراء سلاح، فيضر بالمسلمين. (١)
فإِن قال: دخلت لسماع كلام الله تعالى، أو
دخلت رسولا ، سواء أكان معہ کتاب أم لم یکن، أو
دخلت بأمان مسلم، صدق ولا یتعرض له،
لاحتمال ما يدعیه، وقصد ذلك يؤمنه من غیر
احتياج إلى تأمين، (٢) لقوله تعالى: ﴿وإنْ أحدٌ من
المشركين استَجَارَك فَأُجِرْهُ، حتى يسمعَ كلامَ اللهِ،
ثم أبلِغْه مَأْمَنَهُ﴾، (٣) وهذا قول الشافعية.
وقال الحنفية: إن ادعى الأمان لا يصدق فيه،
بل يطالب ببينة، لإِمكانها غالبا، ولأن الثابت
بالبينة كالثابت بالمعاينة .
وقريب من هذا قول الحنابلة: أن من دخل من
الحربيين دار الإِسلام بغير أمان، وادعى أنه
رسول، أو تاجر ومعه متاع یبیعه، قبل منه، ویحقن
دمه، إن صدقته عادة، کدخول تجارهم إلينا
ونحوه، لأن ما ادعاه ممكن، فيكون شبهة في درء
القتل، ولأنه يتعذر إقامة البينة على ذلك، فلا
يتعرض له، ولجريان العادة مجرى الشرط.
فیصدق إن كان معه تجارة يتجر بها، لأن التجارة
لا تحصل بغير مال، ويصدق مدعي الرسالة إن
کان معه رسالة يؤديها. وإن قال: أمنني مسلم،
ففيه وجهان :
(١) المغني ٨/ ٥٢٣، والمهذب ٢/ ٢٥٩
(٢) مغني المحتاج ٤/ ٢٤٣
واللجنة ترى أن هذا الأمر من الخطورة بمكان، ولا بد من
التثبت من صدق ادعائه.
(٣) سورة التوبة / ٦
أحدهما: يقبل تغليبا لحقن دمه، كما يقبل من
الرسول والتاجر.
والثاني: لا يقبل، لأن إقامة البينة عليه ممكنة.
فإن قال مسلم : أنا أمنته، قبل قوله، لأنه يملك أن
يؤمنه، فقبل قوله فيه، كالحاكم إذا قال: حكمت
لفلان علی فلان بحق . (١)
وقال المالكية: (٢) إن أخذ الحربي بأرض
الحربيين حال كونه مقبلا إلينا، أوقال: جئت
أطلب الأمان منكم، أو أخذ بأرضنا ومعه تجارة،
وقال لنا: إنما دخلت أرضكم بلا أمان، لأني ظننت
أنكم لا تتعرضون لتاجر، أو أخذ على الحدود بين
أرضنا وأرضهم، وقال ما ذکر، فيرد لمأمنه في هذه
الحالات.
فإن وجدت قرینة کذب، لم يرد لمأمنه .
أما إن دخل الحربي بلاد المسلمين بغير أمان،
ولم تتحقق حالة من الحالات السابقة، فعند
الجمهور یعتبر کالأسير أو الجاسوس، فیخیر فیه
الإِمام بين القتل والاسترقاق والمن والفداء بحسب
المصلحة. وفي قول أبي حنيفة يكون فيئا لجماعة
المسلمين. (٣)
(١) المبسوط ٩٣/١٠، ورد المحتار ٢٤٨/٣، وشرح السير الكبير
١٩٨/١، ومغني المحتاج ٤/ ٢٤٣، وكشاف القناع ٣/ ١٠٠،
والمغني ٨/ ٤٣٧، ٥٢٣.
والحنفية ومعهم الحنابلة اشترطوا لتصديق الرسول أن يكون
معه كتاب يشبه أن يكون كتاب ملیکه، وإن احتمل أنه مفتعل،
لأن الرسول آمن، كما جرى به عرف الجاهلية والإسلام. وأما
الشافعية فلم يشترطوا وجود کتاب معه، كما ذكر أعلاه.
(٢) الشرح الكبير ٢/ ١٨٦، والشرح الصغير ٢٨٩/٢
(٣) المبسوط ٩٣/١٠، وشرح السير الكبير ١٩٨/١، والفتاوى=
- ١٠٧ -
أهل الحرب ١١ - ١٢
دماء أهل الحرب وأموالهم :
١١ - الحرب - كما هو معروف - حالة عداء وكفاح
مسلح بين فريقين، تقتضي إباحة الدماء والأموال،
وهذا يقتضي بحث حالة العدو في غير حالة
العهد، وفي حالة العهد :
أ - في غير حالة العهد : الحربي غير المعاهد
مهدر الدم والمال، فيجوز قتل المقاتلين، لأن كل
من يقاتل فإنه يجوز قتله، وتصبح الأموال من
عقارات ومنقولات غنيمة للمسلمين، وتصير بلاد
العدوبالغلبة أو الفتح ملکا للمسلمين، ويكون
ولي الأمر مخيرا في الأسرى بين أمور: هي القتل،
والاسترقاق، والمن (إطلاق سراح الأسير بلا
مقابل)، والفداء (تبادل الأسرى أو أخذ المال فدية
عنهم)، وفرض الجزية على الرجال القادرين. (١)
فإِن قبلوا الجزية وعقد الإِمام لهم الذمة، أصبحوا
أهل ذمة، ويكون لهم ما للمسلمين من
الإنصاف، وعليهم ما عليهم من الانتصاف، قال
علي رضي الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون
= الهندية ١٨٦/٢، ورد المحتار ٢٤٩/٣، والشرح الكبير
١٨٦/٢، والشرح الصغير ٢٨٩/٢، والمهذب ٢٥٩/٢،
وكشاف القناع ٣/ ١٠٠، والمغني ٥٢٣/٨.
وهذه مسائل زمنية، واللجنة ترى أنه يراعى الآن ماهو
الأصلح.
(١) فتح القدير ٢٧٨/٤، وما بعدها، ٢٨٤ وما بعدها، و٣٠٣،
٣٠٦، ٣٣٨، وتبيين الحقائق ٢٤٨/٣، والدر المختار ٢٣٩/٣،
٢٤٦، والقوانين الفقهية ص ١٤٨، والشرح الصغير ٢٧٥/٢،
والأحكام السلطانية للماوردي ص ٤٦ وما بعدها، ومغني المحتاج
٢٢٢/٤ وما بعدها، و٢٣٠ وما بعدها، والمغني ٤٧٨/٨،
وما بعدها، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣١، ومسائل
الإِمام أحمد ص ٢٣٦ ومابعدها.
دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا. (١) (ر: أهل
الذمة).
ولا تتحقق هذه الأحكام إلا بمشروعية الجهاد،
كما ذكر في الفتاوى الهندية، (٢) ففيها: يشترط
لإباحة الجهاد شرطان :
أحدهما: امتناع العدوعن قبول ما دعي إليه من
الدين الحق، وعدم الأمان والعهد بيننا وبينهم.
والثاني: أن يرجو الإِمام الشوكة والقوة لأهل
الإِسلام، باجتهاده أو باجتهاد من يعتد باجتهاده
ورأيه. وإن كان لا يرجو القوة والشوكة للمسلمين
في القتال، فإِنه لا يحل له القتال، لما فيه من إلقاء
النفس في التهلكة.
ب - في حالة العهد : العهد من ذمة أو هدنة أو
أمان يعصم الدم والمال بالنسبة للحربي، فإن وجد
عهد عصم دمه وماله، وإن لم يوجد فهو على
الأصل مهدر الدم والمال. وتبحث هنا أمور:
أولا : قتل المسلم أو الذمي حربيا:
١٢ - جمهور الفقهاء(٣) على أنه لا يقتص من
(١) الأثر عن علي رضي الله عنه ((إنما بذلوا الجزية لتكون ... )) أورده
الزيلعي في نصب الراية (٣٨١/٣) واستغربه، وذكر أثرا آخر
عن علي رضي الله عنه، وعزاه إلى الشافعي والدار قطني ولفظه
«من کانت له ذمتنا قدمه کدمنا ودیته کدیتنا)» وفي إسناده
أبوالجنوب وهو ضعيف الحديث كذا قال الزيلعي.
(٢) الفتاوى الهندية ٢/ ١٧٤
(٣) البدائع ٢٣٥/٧ وما بعدها، و٢٥٢ وما بعدها، والدر المختار
٣٧٨/٥ ومابعدها، وتكملة فتح القدير ٨/ ٢٥٤ ومابعدها،
والشرح الكبير ٢٣٧/٤، و٢٤٢ وما بعدها، والقوانين الفقهية
ص ٣٤٥، وبداية المجتهد ٣٩١/٢، ومواهب الجليل ٢٣٢/٦
وما بعدها، ومغني المحتاج ٤/ ١٥ وما بعدها، والمهذب =
- ١٠٨ -
أهل الحرب ١٣
المسلم والذمي بقتل الحربي، ولو كان مستأمنا، كما
لا دية عليهما بقتل الحربي غير المستأمن، بسبب
وجود الشبهة في إباحة دم الحربي، ولكونه مباح
الدم في الأصل. وشرط القصاص ووجوب الدية :
كون المقتول معصوم الدم أو محقون الدم، أي يحرم
الاعتداء على حياته، بل لا تجب الكفارة عند
القائلين بلزومها في حالة قتل مباح الدم - كالحربي
- قتلا عمدا. (١)
ثانيا : حصول المسلم أو الذمي على شيء من مال
الحربي بمعاملة يحرمها الإِسلام:
١٣ - إذا دخل المسلم أو الذمي دار الحرب بأمان
فعاقد حربيا عقدا مثل الربا، أو غيره من العقود
الفاسدة في حكم الإِسلام، أو أخذ ماله بالميسر
ونحوه مما حرمه الإِسلام، لم يحل له ذلك عند
الجمهور، ومنهم أبويوسف من الحنفية.(٢)
واستدلوا بأن حرمة الربا ثابتة في حق المسلم
والحربي، أما بالنسبة للمسلم فظاهر، لأن المسلم
ملتزم بأحكام الإِسلام حيثما يكون، وأما بالنسبة
= ١٧٣/٢، والروضة للنووي ١٤٨/٩، و١٥٠، ١٥٦
والمغني ٧/ ٦٤٨، و٦٥٢، ٦٥٧، وكشاف القناع ٥٨٥/٥،
و٥٨٧، ٦٠٧، ومطالب أولي النهى ٦/ ٢٨٠
(١) وهم الشافعية (مغني المحتاج ١٠٧/٤، المهذب ٢١٧/٢).
(٢) المبسوط ٩٥/١٠، وشرح السير الكبير ٤ فقرة ٢٩٠٣، والرد
على سير الأوزاعي لأبي يوسف ص ٩٦، والبدائع ٥/ ١٩٢،
و٧/ ١٣٠ - ١٣٤، ورد المحتار ٣٥٠/٣، والفروق للقرافي
٢٠٧/٣، ط الحلبي، والأم ١٦٥/٤، و٢٢٢/٧ -٣٢٣ ط
الأميرية، وغاية المنتهى ٢/ ٦٤، ومطالب أولي النهى ٢/ ٥٨٢،
المغني ٤٥٨/٨
للحربي، فلأنه مخاطب بالمحرمات، قال الله
تعالى: ﴿وأُخْذِهمُ الربا وقد نُهُوا عنه﴾، (١) وآيات
تحريم الربا، مثل قوله تعالى: ﴿وَحَّمَ الربا﴾، (٢)
وسائر الآيات والأخبار الدالة على تحريم الربا،
وهي عامة تتناول الربا في كل مكان وزمان.
وذهب أبوحنيفة ومحمد إلى جواز ذلك،
مستدلين بأن المسلم يحل له أخذ مال الحربي من
غير خيانة ولا غدر، لأن العصمة منتفية عن ماله،
فإتلافه مباح، وفي عقد الربا ونحوه المتعاقدان
راضیان، فلا غدر فیه، والربا ونحوه کإتلاف
المال، وهو جائز. قال محمد في السير الكبير : وإذا
دخل المسلم دار الحرب بأمان، فلا بأس بأن يأخذ
منهم أموالهم بطیب أنفسهم بأي وجه کان، لأنه إنما
أخذ المباح على وجه عرا عن الغدر، فيكون ذلك
طیبا منه .
وأما خيانة المسلم المستأمن عندهم فمحرمة،
لأنهم إنما أعطوا الأمان للمسلم أو الذمي مشروطا
بتر که خیانتهم، وإن لم یکن ذلك مذکورا في
اللفظ، فهو معلوم في المعنى، ولذلك من جاءنا
منهم بأمان فخاننا، كان ناقضا لعهده. وإذا ثبت
هذا لم تحل للمسلم خيانة الحربيين إذا دخل دارهم
بأمان، لأنه غدر، ولا يصلح في دیننا الغدر، وقد
قال النبي ﴾: ((المسلمون عند شروطهم))(٣) فإِن
(١) سورة النساء / ١٦١
(٢) سورة البقرة / ٢٧٥
(٣) حديث: ((المسلمون عند شروطهم ... )) أخرجه الترمذي (تحفة
الأحوذي ٤/ ٥٨٥ ط السلفية) وقال: هذا حديث حسن
صحيح. وفي تصحيح الترمذي هذا الحديث نظر، فإن في إسناده
کثیر بن عبدالله بن عمرو بن عوف وهو ضعيف جدا. وله شاهد
من حديث أبي هريرة عند أحمد (٣٦٦/٢) =
- ١٠٩ -
أهل الحرب ١٤ - ١٥
خانهم، أو سرق منهم، أو اقترض شيئا، وجب
علیه رد ما أخذ إلی أربابه، فإِن جاء أربابه إلى دار
الإِسلام بأمان، أو إیمان، رده علیھم، وإلا بعث به
إليهم، لأنه أخذه على وجه حرم عليه أخذه،
فلزمه رد ما أخذ، كما لو أخذه من مال مسلم. قال
الإِمام الشافعي في الأم: (١) ومما يوافق التنزيل
والسنة ويعقله المسلمون، ويجتمعون عليه، أن
الحلال في دار الإِسلام حلال في بلاد الكفر،
والحرام في دار الإِسلام حرام في بلاد الكفر، فمن
أصاب حراما، فقد حده الله على ما شاء منه، ولا
تضع عنه بلاد الكفر شيئا.
ثالثا : إتلاف ممتلكات أهل الحرب :
أ - في حالة الأمان أو العهد :
١٤ - العهد يعصم الدماء والأموال، ویوجب
الكف عن أعمال القتال، قال بعض فقهاء
الحنفية: (٢) إذا دخل المسلم دار الحرب تاجرا
(بأمان)، فلا يحل له أن يتعرض لشيء من أموالهم
ولا من دمائهم، لأنه ضمن ألا يتعرض لهم
بالاستئمان، فالتعرض بعد ذلك یکون غدرا،
والغدر حرام، إلا إذا غدر به ملكهم، فأخذ أمواله
أو حبسه، أو فعل ذلك غير الملك بعلم الملك ولم
يمنعه، لأنهم هم الذين نقضوا العهد، بخلاف
= والحاكم (٤٩/٢) قال الشوكاني بعد أن ذكر طرق الحديث
المختلفة: لا يخفي أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها
لبعض، فأقل أحوالها أن یکون المتن الذي اجتمعت علیه حسنا
(نيل الأوطار ٣٧٨/٥، ط دار الجيل).
(١) الأم ١٦٥/٤، ٢٢٢/٧، ٣٢٣
(٢) الهداية وفتح القدير ٣٤٧/٤ وما بعدها.
الأسیر، لأنه غیر مستأمن، فیباح له التعرض للمال
والدم، وإن أطلقوه طوعا.
ب - في حالة عدم العهد والأمان :
١٥ - في حال الحرب يجوز بالاتفاق إتلاف أشجار
العدو، وذبح مواشيهم، وإتلاف سائر أموالهم إن
كان في ذلك مصلحة للمسلمين، كإتلاف
ما يتقوون به من الآليات والحصون والسلاح
والخيل، وإتلاف الشجر الذي يستترون به، أو
يعوق العمليات الحربية، أو يحتاج المسلمون لقطعه
لتوسیع طریق، أو تمکن من سد ثغرة، أو احتاجوا
إليه للأكل، أويكون الكفاريفعلون بنا ذلك،
فنفعل بهم مثله لينتهوا، فهذا يجوز بغير خلاف.
وأما إتلاف ذلك لغير مصلحة إلا لمغايظة الكفار
والإِضرار بهم والإِفساد عليهم، فقد اختلف
الفقهاء في ذلك. فذهب الحنفية والمالكية وأحمد في
رواية في الأشجار والزروع: إلى أن ذلك جائز،
لقول الله تعالى: ﴿ما قَطَعْتُم من لِينَةٍ أو تركتموها
قائمةً على أصُولها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ
الفاسقين﴾(١). وقوله تعالى: ﴿ولا يَنَالُون من عَدُو
نَيْلا إلا کُتِبَ لهم به عملٌ صالحٌ﴾(٢)، لكن قال
ابن الهمام: هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم
مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم
مغلوبون، وأن الفتح باد (أي ظاهر قريب) کره
ذلك، لأنه إفساد في غير محل الحاجة، وما أبيح إلا
لها .
(١) سورة الحشر / ٥
(٢) سورة التوبة / ١٢٠
- ١١٠ -
أهل الحرب ١٦ - ١٧
وقال الحنابلة في رواية والأوزاعي والليث
وأبوثور: لا يجوز ذلك لأنه إتلاف محض. (١)
عمل ما ينفع أهل الحرب ويقويهم
أ - الوصية لأهل الحرب :
١٦ - هناك اتجاهان في الوصية لأهل الحرب:
الاتجاه الأول: (٢) لا تصح الوصية للحربي إذا
كان في دار الحرب، لأن في ذلك قوة لهم، فالتبرع
بتمليكه المال، يكون إعانة له على الحرب، وأنه لا
يجوز، ولقوله تعالى: ﴿إنما يَنْهاكم اللَّهُ عن الذین
قاتلوكم في الدِّین، وأخرجُوكم من ديارِکم،
وظَاهَروا على إخراجِكمْ أَنْ تَوَلَوْهُم، ومن يتولهم
فأولئك هم الظالمون﴾.(٣)
فدل ذلك على أن من قاتلتا لا يحل بره، وهذا
اتجاه الحنفية والمالكية.
والاتجاه الثاني: (٤) - للشافعية في الأصح
والحنابلة - يجيز الوصية لحربي معين، لا لعامة
الحربيين، سواء أكان بدار الحرب أم بدارنا، لأنه
تصح الهبة والصدقة له، فصحت له الوصية
(١) المغني ٨/ ٤٥١ - ٤٥٥ ط الرياض، وفتح القدير ٢٨٦/٤ ط
بولاق، والشرح الكبير مع الدسوقي ١٧٧/٢، والتاج والإكليل
٣٥٥/٣، والشرح الصغير ٢٨١/٢، وبداية المجتهد ٣٠٧/١،
والأم ٢٨٧/٤، ط الأزهرية، والمهذب ٢/ ٢٥١، ومغني المحتاج
. ٢٢٣/٤، و٢٢٦ -٢٢٧، والأحكام السلطانية للماوردي ص
٤٩، وجامع الترمذي بشرح ابن العربي ٧/ ٤٠، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٣٣ وما بعدها.
(٢) البدائع ٧/ ٣٤١، التاج والإكليل مع مواهب الجليل ٦/ ٢٤
(٣) سورة الممتحنة / ٩
(٤) مغني المحتاج ٤٣/٣، والمغني ١٠٤/٦ وما بعدها، ومطالب أولي
النهى ٤ / ٤٦٧
كالذمي، وقد روي: ((أن النبي ﴾ أعطى عمر
حلة، فقال: يارسول الله، أكسوتنيها، وقد قلت في
حلة عطارد ماقلت؟ فقال رسول الله 8#1: إني لم
أكسكها لتلبسها، فكساها عمر أخا له مشركا
بمكة)). (١)
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما،
قالت: ((أتتني أمي راغبة في عهد قريش، وهي
مشركة، فسألت النبي #: أصلها؟ قال: نعم)).
زاد البخاري. قال ابن عيينة: فأنزل الله فيها:
(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في
الدين ... ) الآية، ومعنى راغبة: أي طامعة
تسألني شيئا.(٢)
فهذان فيهما صلة أهل الحرب وبرهم، ثم قد
حصل الإجماع على جواز الهبة، والوصية في معناها.
ومن أدلة الجواز: قوله تعالى: ﴿وإنْ جَاهدَاك
على أن تُشْرِكَ بي ماليس لك به علمٌ، فلا
تُطِعْهُما، وصاحبهما في الدنيا مَعْرُوفا﴾.(٣)
ب - الوقف على أهل الحرب :
١٧ - اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أنه لا يجوز
الوقف على الحربيين، والوقف باطل، لأن أموالهم
(١) حديث: ((روي أن النبي ! أعطى عمر حلة ... )) أخرجه
البخاري ومالك واللفظ له (فتح الباري ٢٩٦/١٠ ط السلفية)
والموطأ ٩١٧/٢، ٩١٨ ط الحلبي.
(٢) حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: ((أُتني أمي
راغبة ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤١٣/١٠ ط
السلفية).
(٣) سورة لقمان / ١٥
- ١١١ -
أهل الحرب ١٨ - ٢١
مباحة في الأصل، ويجوز أخذها منهم بالقهر
والغلبة، فما یتجدد لهم أولى، والوقف لا يجوز أن
يكون مباح الأخذ، لأنه تحبيس الأصل، ولأنه
يشترط في الوقف أن یکون قربة في ذاته، وعند
التصرف، والوقف على الحربي معصية وليس
قربة.(١)
جـ - الصدقة على أهل الحرب :
١٨ - اتفق الأئمة الأربعة (٢) على صحة الصدقة أو
الهبة للحربي، لأنه ثبت في السيرة أن النبي 15
((أهدی إلی أبي سفيان تمر عجوة، حین کان بمكة
محاربا، واستهداه أدما)). و«بعث بخمسمائة دينار
إلى أهل مكة حين قحطوا لتوزع بين فقرائهم
ومساكينهم)). (٣)
وفي قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُون الطعامَ على حُبِّهِ
مِسْکینا ویتیما وأسیرا، إنما نطعمكم لوجه الله،
لا نُرِيدُ منكم جَزَاءً ولا شُكُورا﴾ (٤). قال الحسن:
کان رسول الله {# یؤتی بالأسیر، فيدفعه إلى
بعض المسلمین، فیقول: ((أحسِنْ إلیه» فیکون
عنده اليومين والثلاثة، فيؤثره على نفسه . وعند
عامة العلماء: يجوز الإحسان إلى الكفار في دار
الإِسلام، وعن قتادة: كان أسيرهم يومئذ
المشرك.(٥)
(١) الفتاوى الهندية ٢٩٧/٢، والدر المختار ٣٩٥/٣، والتاج
والإكليل ٢٤/٦، ومغني المحتاج ٢/ ٣٨٠، والمغني ٥/ ٥٨٩
(٢) الفتاوى الهندية ٣٨٧/٤ وما بعدها، والشرح الصغير ٤/ ١٤١،
ومغني المحتاج ٣٩٧/٢، و٤٠٠، والمغني ٦/ ١٠٤
(٣) المبسوط ٩٢/١٠، وشرح السير الكبير ١/ ٧٠
(٤) سورة الدهر / ٨ - ١٠
(٥) تفسير الكشاف للزغشري ٢٩٦/٣، ط الحلبي.
د - توارث الذمي والحربي :
١٩ - يرى جمهور الفقهاء أن اختلاف الدارين
لا یمنع من التوارث بین الكفار، ویری بعض
الفقهاء أن اختلاف الدارين يمنع المتوارث. (١) وفي
ذلك تفصيل تقدم في (إرث ج/٣).
هـ - إرثُ المسلم الحربي، والحربيُّ المسلمَ:
٢٠ - ذهب الجمهور إلى أنه لا يرث المسلمُ كافرا،
والكفار مسلما،(٢) وفي ذلك خلاف وتفصيل يرجع
إليه في: (إرث).
و- الاتجار مع أهل الحرب :
٢١ - تدل عبارات الفقهاء على جواز الاتجار مع
الحربیین،(٣) فللمسلم أو الذمي دخول دار الحرب
بأمان للتجارة، وللحربي دخول دارنا تاجرا بأمان،
وتؤخذ العشور على التجارة العابرة عند اجتياز
حدود دار الإِسلام. ولكن لا يجوز إمداد المحاربين
بما يقويهم من السلاح والآلات والمواد التي يصنع
منها السلاح، كما لا يجوز السماح بالاتجار
بالمحظورات الشرعية كالخمور والخنازير وسائر
المنكرات، لأنها مفاسد ممنوعة شرعا، ويجب
(١) تبيين الحقائق ٦/ ٢٤٠، والدر المختار ٣/ ٢٤٧، والشرح
الصغير ٢/ ٢٩٠، والقوانين الفقهية / ٣٩٤ وما بعدها،
والبجيرمي على المنهج ٢٣٥/٣، وحاشية الشرقاوي ١٨٨/٢،
والأم ٤/ ٤، ومطالب أولي النهى ٤ / ٥٤٤
(٢) شرح السراجية ص ٢١، والقوانين الفقهية / ٣٩٤، ومغني
المحتاج ٢٤/٣ ومابعدها، والمغني ٦/ ٢٩٤
(٣) انظر مثلا المبسوط ٩١/١٠، شرح السير الكبير ٢٧٣/٣ -
٢٧٦، والشرح الصغير ٢٨٩/٢، ومغني المحتاج ٤/ ٢٣٧،
والمغني ٨/ ٤٨٩، ٥٢٢
- ١١٢ -
أهل الحرب ٢١
مقاومتها. وليس للحربي المستأمن شراء الأسلحة
من بلاد الإِسلام.(١)
وفيما عدا هذه القيود يجوز أن تظل حرية التجارة
قائمة، إلا أن المالكية انفردوا بالقول بمنع التصدير
من بلادنا، ومتاجرة المسلمين في دار الحرب إذا
کانت أحكامهم تجري على التجار، لأن في تصدير
أي شيء إليهم تقوية لهم على المسلمين، ولأن
المسلم ممنوع من الإقامة في دار الشرك، قال رسول
الله﴾: ((أنا بَرِيءٌ من كُلِّ مُسْلمٍ يُقِيْمُ بين أَظْهُرِ
المشركين)). (٢)
كما أنه لا يجوز تصدير الأطعمة ونحوها إلا إذا
كانت هناك هدنة مع العدو، أما في غير الهدنة فلا
یجوز. (٣)
والأدلة على جواز التصدير من بلادنا منها:
حديث ثمامة بن أثال الحنفي بعد أن أسلم، فإِنه
قال لأهل مكة حين قالوا له: صبوت؟ فقال:
((إني والله ما صبوت، ولكني والله أسلمت،
ـيـ
(١) الخراج لأبي يوسف ص ١٩٩، شرح السير الكبير ٣/ ١٧٧،
وحاشية الطحطاوي ٤٤٥/٢، وفتح القدير ٤/ ٣٤٧ ومابعدها،
والفتاوى الهندية ٢١٥/٢، ومغني المحتاج ٢٤٧/٤، والشرح
الكبير مع المغني ٤٠٨/١٠
(٢) حديث: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ... ))
أخرجه أبوداود (١٠٤/٣ ط عزت عبيد دعاس) والترمذي
(١٥٥/٤ ط الحلبي، وقال عبد القادر الأرناؤوط محقق جامع
الأصول: رجال إسناده ثقات ولكن صحح البخاري وأبوحاتم
وأبوداود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم،
وللحديث شاهد بمعناه (جامع الأصول ٤٤٦/٤ نشر مكتبة
الحلواني).
(٣) المدونة ١٠٢/١٠، والمقدمات الممهدات ٢٨٥/٢، وفتح العلي
المالك ٣٣١/١، ومواهب الجليل ٣/ ٣٦٤، و٣٧٩
وصدقت محمدا # وآمنت به، وأيم الله الذي
نفس ثمامة بیدہ، لا تأتیکم حبة من اليمامة ۔ وکانت
ریف مکة ۔ حتی یأذن فيها محمد ﴾، وانصرف
إلى بلده، ومنع الحمل إلى مكة، حتى جهدت
قريش، فكتبوا إلى رسول الله # يسألونه
بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة، يحمل إليهم
الطعام، ففعل رسول الله (﴿)). (١) فهذا يدل على
جواز تصدير الأطعمة ونحوها إلى الأعداء، حتى
ولو كانت حالة الحرب قائمة معهم.
ومن الأدلة أيضا الأحاديث السابقة المذكورة في
بحث الصدقة على أهل الحرب والوصية لهم (قصة
إهداء التمر لأبي سفيان، وصلة أسماء أمها
المشركة، وإطعام المسلمين الأسرى).
أما الدليل على حظر تصدير الأسلحة ونحوها،
فمنه :
حديث عمران بن حصين رضى الله عنه: ((أن
رسول الله (* نهى عن بيع السلاح في الفتنة))(٢)،
والفتنة: الحروب الداخلية، وفتنة غير المسلمين
أُشد علیھم، فكان أولی ألا يباع لهم.
وقال الحسن البصري: لا يحل لمسلم أن يحمل
إلى عدو المسلمين سلاحا يقويهم به على
المسلمين، ولا كراعا، ولا ما يستعان به على
السلاح والكراع. (٣)
(١) حديث ثمامة بن آثال الحنفي، أخرج القصة بهذا المعنى البخاري
(فتح الباري ٨٧/٨ ط السلفية)، ومسلم (١٣٨٦/٣،
١٣٨٧ ط الحلبي) والبيهقي (٣١٩/٦).
(٢) حديث عمران بن حصين رضي الأه عنه. قال البيهقي عنه:
الصواب أنه موقوف (نصب الراية ٣٩١/٣).
(٣) الخراج لأبي يوسف ص ١٩٠
- ١١٣ -
أهل الحرب ٢٢ - ٢٤
هذا وإن في بيع السلاح للأعداء تقوية لهم على
قتال المسلمين، وباعثا لهم على شن الحروب،
ومواصلة القتال لاستعانتهم به، وذلك يقتضي
المنع.
نكاح المسلم الحربية الكتابية :
٢٢ - صريح القرآن أنه يحل للمسلم التزوج بالمرأة
الکتابیة، ويدخل في ذلك الذمیات منهن، کما
تدخل الحربيات الكتابيات لا فرق بين الصنفین،
وذلك لقوله تعالى: ﴿وطعامُ الذين أوتوا الكتاب
جِلّ لكم، وطعامُكِم حِلُّ لهم، والمحصناتُ من
المؤمنات، والمحصناتُ من الذين أوتوا الكتاب من
قبلكم﴾(١) على أن في ذلك خلافا وتفصيلا يرجع
إلیه في بحث (نكاح). (٢)
النفقة على الزوجة والأقارب الحربيين
أولا : نفقة الزوجة الحربية :
٢٣ - اتفق الفقهاء(٣) على وجوب النفقة للزوجة
مطلقا، فالكتابية كالمسلمة في استحقاق النفقة
وغيرها من حقوق الزواج، سواء أكانت الزوجة في
(١) سورة المائدة / ٥
(٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٩٧، والشرح الكبير للدردير ٢/ ٢٦٧،
ومغني المحتاج ١٨٧/٣، والمغني ٥٨٩/٦ وما بعدها.
(٣) البدائع ١٦/٤، وفتح القدير ٣٢١/٣، ومواهب الجليل
١٨١/٤ وما بعدها، والشرح الصغير ٧٢٩/٢ - ٧٣٠، وبداية
المجتهد ٢/ ٥٣، والقوانين الفقهية ص ٢٢٣، والأم ٥/ ٨٧ ط
الأزهرية، ١٩٧/٥ ط الأميرية، ومغني المحتاج ١٨٨/٣،
المغني ٧/ ٥٦٣ وما بعدها، ومطالب أولي النهى ٦/ ٦١٧،
وكشاف القناع ٥/ ٥٣٢ ومابعدها.
أثناء الزواج فعلا، أم في العدة، لاشتراکهما (أي
المسلمة وغيرها) في رابطة الزوجية، وفي سبب
الاستحقاق وشرطه، فهي محبوسة على الزوج
يمنعها من التصرف والاكتساب، فوجبت نفقتها
عليه. والله تعالى أثبت للزوجة حق النفقة على
زوجها، لقوله عز وجل: ﴿لِيُنفقْ ذوسَعَةٍ من
سعته، ومن قُدِرَ عليه رِزقُه، فلْينفقْ مما آتاه اللَّهُ، لا
يكلف اللهُ نفسا إلا ما آتاها﴾(١)، ولم تفرق
النصوص بين المسلمة والكتابية. (ر: نفقة).
ثانيا : نفقة الأقارب الحربيين :
٢٤ - يرى المالكية على المشهور والشافعية(٢) أنه
تجب على الموسر المسلم نفقة أقاربه المعسرين، ولو
کانوا کفارا، أي ولو کان هناك اختلاف في الدین،
لکن بعض أصحاب هذا الاتجاه یقصرون إيجاب
النفقة على الوالدين والولد فقط، فتجب عندهم
النفقة على الولد لأبويه المعسرين فقط، كما تجب
نفقة الولد المعسر على أبيه الموسر، سواء أكان الولد
كافرا والأبوان مسلمين، أم كان الولد مسلما
والأبوان کافرين.
والشافعية يوجبون نفقة الوالد وإن علا، ونفقة
الولد وإن سفل، وإن اختلفت ملتهما.
ودليل الفريقين: وجود الموجب للنفقة، وهو
الجزئية والبعضية بين الوالد والولد، کالحكم برد
(١) سورة الطلاق / ٧
(٢) مواهب الجليل ٤/ ٢٠٩، والشرح الصغير ٢/ ٧٥٠،
وما بعدها، والأم ٥/ ١٠٠ ط الأزهرية، ومغني المحتاج ٤٤٦/٣
ومابعدها.
- ١١٤ -
أهل الحرب ٢٤، أهل الحل والعقد ١ - ٣
الشهادة بسبب الولادة. (ر: نفقة).
ويرى الحنفية والحنابلة: (١) أنه لا تجب النفقة
بسبب اختلاف الدين، فلا تجب على المسلم نفقة
أبويه الحربيين، ولا يجبر الحربي على الإنفاق على
أبيه المسلم أو الذمي، لأن استحقاق النفقة بطريق
الصلة والبر والمواساة، ولا تستحق الصلة
للحربي، للنهي عن برهم، في قوله تعالى: ﴿إنما
ينهاكم اللهُ عن الذين قاتلوكم في الدين،
وأخْرَجِوكم من ديارِكم، وظَاهُرُوا على إخراجكم،
أن تَلِّوْهُم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾(٢)،
ولأنهما غير متوارثين، فلم يجب لأحدهما على الآخر
نفقته بالقرابة .
وتختلف عن نفقة الزوجات، لأن نفقة
الزوجات عوض تجب مع الإِعسار، فلم ينافها
اختلاف الدين كالصداق والأجرة، ولأن نفقة
الوالدين صلة ومواساة كما ذكر، فلا تجب مع
اختلاف الدین، کأداء زکاته إلیه، وإرثه منه .
لكن يقول الحنابلة، والكاساني من الحنفية:
تجب النفقة بين الذمي والمستأمن، أوبين المستأمنين
في قرابة الأصول والفروع، لأن اختلاف الدين لا
يمنع من الإلزام بالنفقة في حق الولادة.
(١) الفتاوى الهندية ٤٩٩/١ - ٥٠٠، وتبيين الحقائق ٦٣/٣،
والبدائع ٣٦/٤ - ٣٧، والمغني ٧/ ٥٨٤ وما بعدها، وكشاف
القناع ٥٥٩/٥، وغاية المنتهى ٢٤٢/٣، ومسائل الإمام أحمد
ص ٢١٧
(٢) سورة الممتحنة / ٩
أهل الحل والعقد
التعريف :
١ - يطلق لفظ ((أهل الحل والعقد)) على أهل
الشوكة من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين
يحصل بهم مقصود الولاية، (١) وهو القدرة
والتمكن، وهو مأخوذ من حل الأمور وعقدها. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - أهل الاختيار :
٢ - أهل الاختيارهم الذين وكل إليهم اختيار
الإِمام. وهم جماعة من أهل الحل والعقد، وقد
یکونون جمیع أهل الحل والعقد، وقد يكونون بعضا
منهم.(٣)
ب - أهل الشورى :
٣ - المستقرىء لحوادث التاريخ يجد أن هناك فرقا
(١) كلام الفقهاء في هذا البحث مبني على قواعد المصلحة المرسلة،
لتحقيق أفضل الوجوه للسياسة الشرعية، ولا يمنع ذلك من
استنباط طرق أخرى إذا كانت تحقق المصلحة ولا تعارض أصول
الشريعة (اللجنة).
(٢) مادة ((أهل)) في لسان العرب، والمغرب، والصحاح، وتاج
العروس، والمنتقى من منهاج الاعتدال ص ٥٨ طبع المطبعة
السلفية، وتفسير الرازي ١٤٥/٩، في تفسير قوله تعالى ﴿وأولي
الأمر منكم﴾، وأسنى المطالب ٤/ ١٠٩، طبع المكتبة
الإسلامية، وحاشية القليوبي ١٧٣/٤، طبع البابي الحلبي.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨، ولأبي يعلى ص ١٠
- ١١٥ -
أهل الحل والعقد ٤ - ٦
بين أهل الشورى وأهل الحل والعقد، إذ الصفة
البارزة في أهل الشورى ((هي العلم)) لكن الصفة
البارزة في أهل الحل والعقد هي ((الشوكة)).
فقد ورد أن أبا بكر رضي الله عنه كان إذا حز به
أمر استدعى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان
وعبدالرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن کعب
وزيد بن ثابت،وكل هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي
بکر، فاستشارهم(١) في حین کان من بین الذین
تولوا بيعة أبي بكر من أهل الحل والعقد بشير بن
سعد، ولم يكن بشير من أهل الفتوى من
الصحابة، ولكنه كان مسموع الكلمة في قومه
- الخزرج - ويقال إنه أول من بايع أبا بكر الصديق
يوم السقيفة من الأنصار. (٢)
صفات أهل الحل والعقد :
٤ - لما نيط بأهل الحل والعقد عمل معين - وهو
تعيين الخلفاء - كان لابد من أن تتوفر فيهم الصفات
التالية :
أ- العدالة الجامعة لشروطها الواجبة في
الشهادات من الإسلام والعقل والبلوغ وعدم
الفسق واكتمال المروءة .
ب - العلم الذي يوصل به إلى معرفة من
يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها.
جــ الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو
للإمامة أصلح. (٣)
(١) كنز العمال ٦٢٧/٥، والمهذب للشيرازي ٢٩٧/٢
(٢) أسد الغابة، ترجمة بشير بن سعد.
(٣) حاشية قليوبي ١٧٣/٤، وأسنى المطالب ١٠٩/٤، والأحكام
السلطانية للماوردي ص ٦، ولأبي يعلى ص ٢ - ٣
د - أن يكون من ذوي الشوكة الذين يتبعهم
الناس، ويصدرون عن رأيهم، ليحصل بهم
مقصود الولاية . (١)
هـ - الإخلاص والنصيحة للمسلمين. (٢)
تعيين (أهل الاختيار) من أهل الحل والعقد:
٥ - الأصل أن أهل الحل والعقد هم كل من تتوافر
فيه الصفات السابقة، إلا أن من يباشر الاختيار
منهم هم فئة منهم في الغالب يطلق عليها أهل
الاختيار.
ويتم تعيين أهل الاختيار (وهم مجموعة من أهل
الحل والعقد) بأحد طريقين:
أ - تعيين الخليفة لهم: كما فعل عمر بن الخطاب
بتعيين ستة من أهل الحل والعقد ليختاروا واحدا
منهم خلیفة للمسلمین بعده، وكان ذلك بمحضر
من الصحابة دون نزاع.
ب - التعيين بالحضور: إذا لم يعين الخليفة
جماعة من أهل الحل والعقد فإن من يتيسر حضوره
منهم تنعقد به البيعة، ويقوم الحضور مقام
التعيين. (٣)
أعمال أهل الحل والعقد :
٦ - من ذلك :
أ - تولية الخليفة: وهذا إجماع لا خلاف فيه
(١) المنتقى من منهاج الاعتدال ص ٥١
(٢) حجة الله البالغة الدهلوي ص ٧٣٨، طبع دار الكتب الحديثة
بالقاهرة ومكتبة المثنی ببغداد.
(٣) أصول الدين لعبدالقاهر البغدادي ص ٢٠٨، طبع اسطنبول
سنة ١٣٤٦ هـ، وحاشية قليوبي ١٧٣/٤
- ١١٦ -
أهل الحل والعقد ٧، أهل الخبرة، أهل الخطة
لأحد من أهل السنة والجماعة. (١)
ب - تجديد البيعة لمن عهد إليه بالإمامة عند وفاة
الإمام، إذا كان حين عهد إليه غير مستجمع
لشروط انعقاد الإمامة، قال الماوردي: تعتبر
شروط الإمامة في المولى من وقت العهد إليه، فإن
کان صغیرا أو فاسقا وقت العهد، ثم أصبح بالغا
عدلا عند موت المولي لم تصح خلافته، حتى
يستأنف أهل الاختیار بیعته. (٢)
جـ - استقدام المعهود إليه الغائب عند موت
الإمام.(٣)
د - تعيين نائب للإِمام الذي ولي غائبا إلى أن
يقدم، قال الماوردي: إذا عهد الإمام إلى غائب،
ومات الإِمام والمعهود إليه على غيبته، استقدمه
أهل الاختيار، فإن بعدت غيبته واستضر المسلمون
بتأخير النظر في أمورهم استناب أهل الاختيار
نائبا عنه، يبايعونه بالنيابة دون الخلافة. (٤)
هـ - عزل الإِمام عند وجود ما يقتضيه وينظر في
إمامته .(*)
عدد من تنعقد بهم الإمامة من أهل الحل والعقد:
٧ - اختلف العلماء في عدد من تنعقد بهم الإمامة
من أهل الحل والعقد على مذاهب شتى. فقالت
(١) انظر المراجع السابقة، والمواقف للأيحي وشرحه للجرجاني
٣٥١/٨، طبع مطبعة السعادة بمصر ١٣٢٥، وقال الشيعة
الإميامة: يعرف الإمام بالنص.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١١
(٣) المرجع السابق .
(٤) أسنى المطالب ٤/ ١١٠، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١١
(٥) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١١، ولأبي يعلى ص ١٠
طائفة: لا تنعقد إلا بأكثرية أهل الحل والعقد من
كل بلد، ليكون الرضى به عاما، والتسليم لإمامته
إجماعا، وهو ما ذهب إليه الحنابلة، قال الإمام
أحمد: الإِمام الذي يجتمع عليه، كلهم يقول: هذا
إمام. (١).
وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به منهم
خمسة، يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم
برضى الأربعة .
والذي عليه الحنفية والشافعية أن الإمامة تنعقد
بتولية جماعة من أهل الحل والعقد دون تحديد عدد
معین. (٢)
وتفصيل ما أجمل هنا موطنه مصطلح (الإمامة
الكبرى).
أهل الخبرة
انظر : خبرة .
أهل الخطة
انظر : أهل المحلة .
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٠
(٢) الماوردي ص ٦ - ٧، وأبويعلى ص ٨، وحاشية ابن عابدين
٣٦٩/١، وحاشية قليوبي ١٧٣/٤، والشرواني على التحفة
٧٦/٩، وأصول الدين للبغدادي ص ٢٠٨
- ١١٧ -
أهل الديوان ١ - ٣
من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش
والعمال. (١)
أهل الديوان
التعريف :
١ - الديوان : لفظ فارسي معرب معناه: مجتمع
الصحف والکتاب، یکتب فيه أهل الجیش وأهل
العطية .
والديوان : جريدة الحساب ثم أطلق على
الحساب. ثم أطلق على موضع الحساب. (١)
ويسمى مجموع شعر الشاعر ديوانا، قال صاحب
التاج: فمعانيه خمسة: الكتبة، ومحلهم، والدفتر،
وكل كتاب، ومجموع الشعر.
والديوان عند الفقهاء: هو الدفتر الذي يثبت
فيه أسماء العاملين في الدولة ولهم رزق أو عطاء في
بيت المال، ويراد به أيضا المكان الذي فيه الدفتر
المذكور وكتابه.
وأهل الدیوان: هم هؤلاء الذين يأخذون رزقا
منه. (٢)
ووظيفة الديوان : حفظ ما يتعلق بحقوق الدولة
(١) لسان العرب، وتاج العروس والمصباح المنير مادة ((دون)).
وكلمة ((ديوان)» فارسية وهي في الفارسية اسم للشياطين،
سمي بها الكتاب لحذفهم بالأمور ومعرفتهم بالجلي والخفي، ثم
سمي مکان جلوسهم باسمهم (الأحكام السلطانية للماوردي ص
١٧٥).
(٢) ابن عابدين ٣٠٨/٤ ط بولاق، والمحلي على المنهاج بحاشيتي
قليوبي وعميرة ١٨٩/٣ ط الحلبي، وجواهر الإکلیل ١/ ٢٥٦،
والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٩٩ ط الحلبي.
أول من وضعالدیوان،وسبب وضعه :
٢ - أول من وضع الديوان في الدولة الإسلامية
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك ((لما قدم
عليه أبوهريرة رضي الله عنه بمال من البحرین،
فقال له عمر: ماذا جئت به؟ فقال: خمسمائة ألف
درهم. فاستكثره عمر، فقال: أتدري ما تقول؟
قال: نعم، مائة ألف خمس مرات، فقال عمر:
أطيب هو؟ فقال: لا أدري، فصعد عمر المنبر،
فحمد الله تعالی وأثنی علیه، ثم قال: أيها الناس
قد جاءنا مال کثیر، فإن شئتم کلنا لکم کیلا، وإن
شئتم عددنا لكم عدا، فقام إليه رجل فقال:
یا أمیر المؤمنین قد رأیت الأعاجم یدونون دیوانا
لهم، فدون أنت لهم دیوانا)».
وقال آخرون : بل سبب وضعه أن عمر بعث
بعثا، وکان عنده الهرمزان، فقال لعمر: هذا بعث
قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلف منهم رجل
وآجل بمكانه، فمن أین یعلم صاحبك به، فأثبت
لهم دیوانا، فسأله عن الدیوان حتی فسره له. (٢)
أصناف أهل الدیوان :
٣ - سبق أن أهل الدیوان هم من یرزقون منه، وهم
عدة أصناف منهم :
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٢٠، والأحكام السلطانية
للماوردي ص ١٧٥
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧٥، والأحكام السلطانية
لأبي يعلى ص ١٧٩
- ١١٨ -
أهل الديوان ٣ - ٤
أ - أفراد الجيش :
لابد لإِثباتهم في الديوان من شروط أوردها
الماوردي وهي :
(١) البلوغ: فإن الصبي من جملة الذراري
والأتباع، فكان عطاؤه جاريا في عطاء الذراري .
(٢) الحرية : لأن المملوك تابع لسيده، فكان
داخلا في عطائه، وخالف في هذا الشرط
أبو حنيفة، وهو رأي أبي بكر الصديق
رضي الله عنه.
(٣) الإسلام : ليدفع عن الملة باعتقاده ويوثق
بنصحه واجتهاده.
(٤) السلامة من الآفات المانعة من القتال.
(٥) أن يكون فيه إقدام على الحرب ومعرفة
بالقتال.
(٦) أن يتجرد عن كل عمل. (١)
ولا يخفى أن هذه الشروط تنظيمية قابلة للنظر
فيها بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة بما يحقق
المصلحة .
ب - ذوو الولايات ، كالولاة والقضاء والعلماء
والسعاة على المال جمعا وحفظا وقسمة ونحو ذلك،
وأئمة الصلاة والمؤذنين. (٢)
جــ ذوو الحاجات، لأثر عمر رضي الله عنه،
((ليس أحد أحق بهذا المال من أحد، إنما هو الرجل
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧٩
(٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص ٤٤
وسابقته، والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه،
والرجل وحاجته)). (١)
القول الضابط في المصارف :
٤ - قال إمام الحرمين : من يرعاه الإِمام بما في يده
من المال ثلاثة اصناف :
(١) صنف منهم محتاجون، والإِمام يبغي سد
حاجاتهم، وهؤلاء معظم مستحقي الزكوات،
الذين ورد ذكرهم في الآية ﴿إنما الصدقات للفقراء
والمساكين ... ﴾(٢)
(٢) أقوام يبغي الإِمام کفایتهم، ويدرا عنهم بالمال
الموظف لهم حاجتهم، ویتر کھم مکفیین ليكونوا
متجردين لما هم بصدده من مهم الإِسلام، وهؤلاء
صنفان :
أ - المرتزقة: وهم نجدة المسلمين وعدتهم وَوَزَرُهُم
وشوكتهم، فينبغي أن يصرف إليهم ما يرم خلتهم
ویسد حاجتهم.
ب - الذين انتصبوا لإقامة أركان الدين، وانقطعوا
بسبب اشتغالهم واستقلالهم بها عن التوصل إلى
ما یقیم أودهم ويسد خلتهم، ولولا قيامهم بما
لابسوه لتعطلت أركان الإيمان، فعلى الإمام أن
یکفیھم مؤنتهم، حتی یسترسلوا فیما تصدوا له،
وهؤلاء هم القضاة والحكام والقسام والمفتون
والمتفقهون، وکل من يقوم بقاعدة من قواعد الدين
يلهيه قيامه عما فيه سداده وقوامه .
(٣) قوم يصرف إليهم طائفة من مال بيت المال
على غناهم واستظهارهم، ولا يتوقف استحقاقهم
(١) انظر السياسة الشرعية ص ٤٥
(٢) سورة التوبة / ٦٠
- ١١٩ -
أهل الديوان ٥ - ٦ ، أهل الذمة ١
على سد حاجة، وهم بنوهاشم وبنو المطلب،
المسمون في كتاب الله: (ذوي القربى). (١)
التفاضل في العطاء بين أهل الديوان :
٥ - اختلف الصحابة رضي الله عنهم في عطاء أهل
الدیوان :
فقد كان أبوبكر الصديق وعلي رضي الله عنهما
يريان التسوية بين أهل الديوان في العطاء،
ولا يريان التفضيل بالسابقة، وإلى هذا ذهب
الشافعي ومالك.
أما عمر بن الخطاب وعثمان رضي الله عنهما فقد
كانا يريان التفضيل بالسابقة في الإِسلام، وزاد
عمر التفضيل بالقرابة من رسول الله مصير مع
السابقة في الإسلام.
وأخذ بقولهما من الفقهاء أبو حنيفة وأحمد وفقهاء
العراق. (٢)
وقد ناظر عمر أبا بكر حین سوی بین الناس
فقال: «أتسوي بین من هاجر الهجرتين وصلى إلى
القبلتين، ومن أسلم عام الفتح خوف السيف؟
فقال له أبوبكر: إنما عملوا الله وأجورهم على الله،
وإنما الدنيا دار بلاغ، فقال عمر: لا أجعل من
قاتل رسول الله (* كمن قاتل معه.))(٣)
(١) غياث الأمم ص ١٨١ وما بعدها ط دار الدعوة.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧٦، ١٧٧، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٢٢٢، والخراج لأبي يوسف ص ٤٤
ومابعدها.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٧٦ - ١٧٧
علاقة أهل الديوان بالعاقلة :
٦ - الأصل في العاقلة هم: من ينتصر بهم القاتل
من قرابة وعشيرة، وعلى هذا جرى الأمر في صدر
الإسلام، ثم مع كثرة الموالي وضعف الاهتمام
بالانتساب للقبائل، اعتبر بعض الفقهاء من
العاقلة: (الديوان) وأهل الحرفة، وأهل السوق،
وغيرهما مما يتناصر به.
ولا خلاف أن النساء والذرية - ممن له حظ في
الديوان - وكذا المجنون لاشيء عليهم من الدية.
واختلف الفقهاء هل على أهل الدیوان دية
أم لا؟
فذهب الحنفية والمالكية إلى أن الدية على أهل
الديوان، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه
لا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة. (١) وينظر
التفصيل والخلاف في مصطلح (عاقلة).
أهل الذمة
التعريف :
١ - الذمة في اللغة: الأمان والعهد، فأهل الذمة
أهل العهد، والذمي: هو المعاهد. (٢) والمراد بأهل
(١) ابن عابدين ٥/ ٤١٠ - ٤١١، والفتاوى الخانية هامش الهندية
٤٤٨/٣ ط بولاق، وجواهر الإكليل ٢/ ٢٧١، ومواهب الجليل
٢٦٦/٦، وحاشية البناني على شرح الزرقاني ٤٥/٨، والمغني
٧٨٣/٧ - ٧٨٦، ومغني المحتاج ٤/ ٩٥ وما بعدها، وبجيرمي
على الخطيب ١٠٤/٤ - ١٠٥ ط مصطفى الحلبي.
(٢) المصباح المنير ولسان العرب والقاموس مادة: ((ذمم)).
- ١٢٠ -