Indexed OCR Text
Pages 21-40
اقتداء ١٠ - ١١
ب - عدم التقدم على الإِمام :
١٠ - يشترط لصحة الاقتداء ألا يتقدم المقتدي
إمامه في الموقف عند جمهور الفقهاء: (الحنفية
والشافعية والحنابلة) لحديث: ((إنما جُعِلَ الإِمامُ
لِيُؤْتَمَّ به))(١) والائتمام الاتباع، والمتقدم غير تابع،
ولأنه إذا تقدم الإِمام يشتبه عليه حال الإِمام،
ويحتاج إلى النظر وراءه في كل وقت ليتابعه، فلا
يمكنه المتابعة .
وقال مالك : هذا ليس بشرط، ويجزئه التقدم
إذا أمكنه متابعة الإمام، لأن الاقتداء يوجب
المتابعة في الصلاة، والمكان ليس من الصلاة. لكنه
يندب أن يكون الإِمام متقدما على المأموم، ويكره
التقدم على الإِمام ومحاذاته إلا لضرورة. (٢)
والاعتبار في التقدم وعدمہ للقائم بالعقب، وهو
مؤخر القدم لا الكعب، فلوتساويا في العقب
وتقدمت أصابع المأموم لطول قدمه لم يضر. وكذلك
إذا كان المأموم طويلا وسجد قدام الإِمام، إذا لم
تكن عقبه مقدمة على الإِمام حالة القیام، صحت
الصلاة، أما لو تقدمت عقبه وتأخرت أصابعه
فيضر، لأنه يستلزم تقدم المنكب، والعبرة في
التقدم بالآلية للقاعدين ، وبالجنب
للمضطجعين. (٣)
(١) حديث: ((إنما جعل الإِمام ... )) أخرجه البخاري (٢/ ١٧٣ -
الفتح - ط السلفية) ومسلم (٣٠٨/١ - ط الحلبي).
(٢) البدائع ١٤٥/١، ١٥٨، ١٥٩، وابن عابدين ١/ ٣٥٠،
والشرح الصغير ٤٥٧/١، والفواكه الدواني ٢٤٦/١، ومغني
المحتاج ٢٤٥/١، وأسنى المطالب ٢٢١/١، ٢٢٢، والمغني
٢١٤/٢، وكشاف القناع ٤٨٥/١ - ٤٨٦
(٣) نفس المراجع السابقة .
١١ - فإذا كان المأموم امرأة أو أكثر من واحد يقف
خلف الإِمام، وإذا كان واحدا ذکرا ۔ ولو صبيا -
يقف علی یمین الإِمام مساويا له عند الجمهور،
وذهب الشافعية ومحمد بن الحسن إلى أنه يستحب
تأخره عن الإِمام قليلا.(١)
وصرح الحنفية بأن محاذاة المرأة للرجال تفسد
صلاتهم. يقول الزيلعي الحنفي : فإن حاذته امرأة
مشتهاة في صلاة مطلقة - وهي التي لها ركوع
وسجود - مشتر کة بينهما تحريمة وأداء في مكان واحد
بلا حائل، ونوى الإِمام إمامتها وقت الشروع
بطلت صلاته دون صلاتها، لحديث: ((أخِّروهنّ
من حيث أَخَّرَهُنَّ اللهُ)(٢) وهو المخاطب به دونها،
فيكون هو التارك لفرض القيام، فتفسد صلاته
دون صلاتها. (٣)
وجمهور الفقهاء : ( المالكية والشافعية والحنابلة)
يقولون: إن محاذاة المرأة للرجال لا تفسد الصلاة،
ولكنها تكره، فلو وقفت في صف الرجال لم تبطل
صلاة من يليها ولا من خلفها ولا من أمامها، ولا
صلاتها، كما لو وقفت في غير الصلاة، والأمر في
الحديث بالتأخير لا يقتضي الفساد مع عدمه. (٤)
هذا ، وفي الصلاة حول الكعبة في المسجد
(١) فتح القدير ٣٠٧/١، ومغني المحتاج ٢٤٦/١، والزيلعي
١٣٦/١
(٢) حديث: ((أخروهن من حيث أخرهن الله ... )) من حديث
ابن مسعود موقوفا علیه. أخرجه عبدالرزاق (٣/ ١٤٩ - ط
المكتب الإسلامي) وصححه ابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٠ - ط
السلفية).
(٣) الزيلعي ١٣٨/١، وفتح القدير ٣١٢/١، ٣١٣
(٤) جواهر الإكليل ٧٩/١، ٣٣١، ومغني المحتاج ٢٤٥/١،
٢٤٦، وكشاف القناع ٤٨٨/١
- ٢١ -
اقتداء ١٢ - ١٣
الحرام يشترط لصحة الاقتداء عند الجمهور عدم
تقدم المأموم على الإمام في نفس الجهة، حتى إذا
تقدمه في غير جهتهما لم يضر اتفاقا. (١) وتفصيل
هذه المسألة وكيفية الصلاة داخل الكعبة يرجع فيه
إلى مصطلحي: (صلاة الجماعة، واستقبال
القبلة).
ج - ألا يكون المقتدي أقوى حالا من الإِمام :
١٢ - يشترط لصحة الاقتداء عند جمهور الفقهاء
(الحنفية والمالكية والحنابلة) ألا يكون المقتدي أقوى
حالا من الإِمام، فلا يجوز اقتداء قارىء بأميّ، ولا
مفترض بمتنفل، ولا بالغ بصبي في فرض، ولا
قادر علی رکوع وسجود بعاجز عنهما، وكذلك لا
یصح اقتداء سالم بمعذور، کمن به سلس بول،
ولا مستور عورة بعار عند الحنفية والحنابلة، ويكره
ذلك عند المالكية . (٢)
وقد ذكر الحنفية في ذلك قاعدة فقالوا: الأصل
أن حال الإِمام إن كان مثل حال المقتدي أو فوقه
جازت صلاة الكل، وإن كان دون حال المقتدي
صحت صلاة الإِمام. ولا تصح صلاة المقتدي.
إلا إذا كان الإِمام أميا والمقتدي قارئا، أو كان الإِمام
أخرس فلا يصح صلاة الإِمام أيضا . (٣) وقد توسع
الحنفية في تطبيق هذا الأصل على كثير من
(١) الزيلعي ١٣٦/١، ومغني المحتاج ٢٤٦/١، وقليوبي
٢٣٧/١، ٢٣٨، وكشاف القناع ٤٨٦/١، وبلغة السالك
٤٥٧/١
(٢) ابن عابدين ٣٨٩/١، والهندية ٨٥/١، ٨٦، والدسوقي
٣٢٢/١، ٣٢٩، ٣٣٣، وكشاف القناع ٤٧٦/١، ٤٨٠ -
٤٨٤
(٣) الفتاوى الهندية ٨٩/١
المسائل، ووافقهم المالكية والحنابلة في هذه القاعدة
مع خلاف وتفصيل في بعض المسائل. وخالفهم
الشافعية في أکثر المسائل کما سيأتي بيانه عند
الكلام في: (اختلاف صفة الإِمام والمقتدي).
د - اتحاد صلاتي المقتدي والإِمام:
١٣ - يشترط في الاقتداء اتحاد صلاتي الإِمام
والمأموم سببا وفعلا ووصفا، لأن الاقتداء بناء
التحريمة على التحريمة، فالمقتدي عقد تحريمته
لما انعقدت له تحریمة الإمام، فکل ما تنعقد له
تحريمة الإِمام جاز البناء عليه من المقتدي، وعلى
ذلك فلا تصح ظهر خلف عصر أو غيره ولا
عكسه، ولا تصح صلاة ظهر قضاء خلف ظهر
أداء، ولا ظهرين من يومين مختلفين، كظهريوم
السبت خلف ظهر الأحد الماضیین، إذ لابد من
الاتحاد في عین الصلاة وصفتها وزمنها، وهذا عند
جمهور الفقهاء: (الحنفية والمالكية والحنابلة) وذلك
قوله عليه السلام: ((إنما جُعِلَ الإِمامُ ليُؤْتَمِّ به فلا
تختلفوا علیه».(١)
وقال الشافعية : من شروط صحة القدوة توافق
نظم صلاتيهما في الأفعال الظاهرة، ولا يشترط
اتحاد الصلاتين. وعلى ذلك تصح قدوة من يؤدي
الصلاة بمن يقضيها، والمفترض بالمتنفل، ومؤدي
الظهر بالعصر، وبالمعكوس. أي القاضي
بالمؤدي، والمتنفل بالمفترض، وفي العصر بالظهر،
نظرا لا تفاق الفعل في الصلاة وإن اختلفت النية.
(١) البدائع ١٣٨/١، وابن عابدين ١/ ٣٧٠ - ٣٩٦، والهندية
٨٥/١، والدسوقي ٣٣٩/١، وجواهر الإكليل ١/ ٨٠،
وكشاف القناع ٤٨٤/١ - ٤٨٥. والحديث سبق تخريجه ف/ ١١
- ٢٢ -
اقتداء ١٤ - ١٦
وكذا يجوز الظهر والعصر بالصبح والمغرب،
وتجوز الصبح خلف الظهر في الأظهر عند
الشافعية، وله حينئذ الخروج بنية المفارقة أو
الانتظار ليسلم مع الإِمام وهو الأفضل. (١) لكن
الأولى فيها الانفراد.
فإِن اختلف فعلهما کمکتوبة وکسوف أو جنازة،
لم يصح الاقتداء في ذلك على الصحيح، لمخالفته
النظم، وتعذر المتابعة معها. (٢)
أما اقتداء المتنفل خلف المفترض فجائزعند
جميع الفقهاء. (٣)
هـ - عدم الفصل بين المقتدي والإِمام :
١٤ - يشترط لصحة الاقتداء ألا يكون بين المقتدي
والإِمام فاصل کبیر.
وهذا الشرط محل اتفاق بين فقهاء المذاهب في
الجملة، وإن اختلفوا في بعض الفروع والتفاصيل
على النحو التالي:
بُعْد المسافة :
١٥ - فرّق جمهور الفقهاء بين المسجد وغير المسجد
فيما يتعلق بالمسافة بين الإمام والمقتدي، فقال
الحنفية والشافعية والحنابلة: إذا كان المأموم یری
الإِمام أو من وراءه، أويسمع التكبير وهما في
مسجد واحد صح الاقتداء، وإن بعدت
(١) مغني المحتاج ٢٥٣/١، ٢٥٤، ونهاية المحتاج ٢٠٥/٢ - ٢٠٧،
٢١١
(٢) المراجع السابقة .
(٣) ابن عابدين ١/ ٣٧٠، والدسوقي ٣٣٩/١، وكشاف القناع
٤٨٤/١، ومغني المحتاج ١/ ٢٥٣
المسافة . (١) أما في خارج المسجد فإذا كانت المسافة
قدر ما يسع صفين فإِنها تمنع من صحة الاقتداء عند
الحنفية، إلا في صلاة العيدين، وفي صلاة الجنازة
خلاف عندهم. (٢) ولا يمنع الاقتداء بعد المسافة
في خارج المسجد إذا لم يزد عن ثلاثمائة ذراع عند
الشافعية. (٣) واشترط الحنابلة في صحة الاقتداء
خارج المسجد رؤية المأموم للإِمام أو بعض من
وراءه. فلا يصح الاقتداء إن لم ير المأموم أحدهما،
وإن سمع التكبير، ومهما كانت المسافة . (٤)
ولم يفرق المالکیة بین المسجد وغیره ولا بین قرب
المسافة وبعدها، فقالوا بصحة الاقتداء إذا أمكن
رؤية الإِمام أو المأموم أو سماع الإِمام ولو
بمسمع. (٥)
وجود احائل، وله عدة صور :
١٦ - الأولى: إن كان بين المقتدي والإِمام نهر كبير
تجري فيه السفن (ولو زورقا عند الحنفية) لا يصح
الاقتداء، وهذا باتفاق المذاهب، وإن اختلفوا في
تحديد النهر الكبير والصغير. فقال الحنفية
والحنابلة: النهر الصغير هو ما لا تجري فيه السفن،
وقال المالكية: هوما لا يمنع من سماع الإِمام، أو
بعض المأمومين، أورؤية فعل أحدهما. وقال
الشافعية: هو النهر الذي يمكن العبور من أحد
(١) الفتاوى الهندية ٨٨/١، ومغني المحتاج ٢٤٨/١، وكشاف
القناع ١/ ٤٩١
(٢) الفتاوى الهندية ١/ ٨٧
(٣) مغني المحتاج ١/ ٢٤٩
(٤) كشاف القناع ١/ ٤٩١
(٥) الدسوقي ١/ ٣٣٧. والمراد بالمسمع: من يبلغ عن الإِمام
الحاضر، فليس منه الائتمام بمجرد سماع صوت الإمام المنقول
بالمذياع لعدم تحقق الاجتماع.
- ٢٣ -
اقتداء ١٧ - ١٩
طرفيه إلى الآخر من غير سباحة بالوثوب فوقه، أو
المشي فيه، وفي حكمه النهر المحوج إلى سباحة
عند الشافعية على الصحيح.(١)
١٧ - الثانية : يمنع من الاقتداء طريق نافذ يمكن
أن تجري فيه عجلة، وليس فيه صفوف متصلة عند
الحنفية والحنابلة. (٢) قال الحنفية: لوكان على
الطريق مأموم واحد لا يثبت به الاتصال،
وبالثلاث يثبت، وفي المثنى خلاف. (٣)
ولا يضر الطريق إذا لم يمنع من سماع الإِمام أو
بعض المأمومين أورؤية فعل أحدهما عند المالكية،
وهو الصحيح عند الشافعية، ولهذا صرحوا بجواز
صلاة الجماعة لأهل الأسواق وإن فرقت الطرق
بينهم وبين إمامهم. والرواية الثانية عند الشافعية
يضر، لأنه قد تكثر فيه الزحمة فيعسر الاطلاع على
أحوال الإِمام . (٤)
هذا، وأجاز أكثر الفقهاء الفصل بطريق في
صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الخوف ونحوها،
والتفصيل في مواضعها.
١٨ - الثالثة : صرح الحنفية والشافعية، وهو رواية
عن الحنابلة، بأنه إذا كان بين الإمام والمأموم جدار
كبير أوباب مغلق يمنع المقتدي من الوصول إلى
إمامه لو قصد الوصول إليه لا يصح الاقتداء،
ويصح إذا كان صغيرا لا يمنع، أو كبيرا وله ثقب
(١) ابن عابدين ٣٩٣/١، وكشاف القناع ٢٩٢/١، والدسوقي
٣٣٦/١، ومغني المحتاج ٢٤٩/١
(٢) ابن عابدين ٣٩٣/١، ومراقي الفلاح ص ١٥٩، ١٦٠،
وكشاف القناع ١/ ٤٩٢
(٣) الهندية ٨٧/١
(٤) الدسوقي ٣٣٦/١، ومغني المحتاج ٢٤٩/١
لا یشتبه علیه حال الإِمام سماعا أو رؤ یة، لما روي
أن النبي ﴿ («كان يصلي في حجرة عائشة رضي الله
عنها والناس في المسجد يصلون بصلاته)). (١)
قال الشافعية: فإِن حال ما يمنع المرورلا
الرؤية كالشباك أويمنع الرؤية لا المرور كالباب
المردود فوجهان.
وعلى هذا الاقتداء في المساكن المتصلة بالمسجد
الحرام وأبوابها من خارجه صحيح، إذا لم يشتبه
حال الإِمام لسماع أورؤية، ولم يتخلل إلا الجدار،
كما ذكره شمس الأئمة فيمن صلى على سطح بيته
المتصل بالمسجد أو في منزله بجنب المسجد وبينه
وبين المسجد حائط مقتدياً بإمام في المسجد وهو
يسمع التكبير من الإِمام أو من المكبر تجوز صلاته.
ويصح اقتداء الواقف على السطح بمن هو في
البيت، ولا يخفى عليه حاله. (٢)
ولم يفرق المالكية، وهو رواية عند الحنابلة بین ما
إذا كان الجدار كبيرا أو صغيرا، فقالوا بجواز
الاقتداء إذا لم يمنع من سماع الإِمام أوبعض
المأمومين أو رؤية فعل أحدهما. (٣)
و- اتحاد المكان :
١٩ - يشترط لصحة الاقتداء أن يجمع المقتدي
والإِمام موقف واحد، إذ من مقاصد الاقتداء
(١) حديث: ((كان النبي 18 يصلي في حجرة عائشة .. )) أخرجه
البخاري (الفتح ٢١٣/٢ - ط السلفية).
(٢) الفتاوى الهندية ١/ ٨٧، ومراقي الفلاح ص ١٦٠، ومغني
المحتاج ١/ ٢٥٠، وحاشية القلیوبي ٢٤٢/١، ٢٤٤
(٣) الإتصاف ٢٩٥/٢ - ٢٩٧، والدسوقي ٣٣٦/١
- ٢٤ -
اقتداء ٢٠ - ٢٢
اجتماع جمع في مکان، کما عهدعلیه الجماعات في
الأعصر الخالية، ومبنى العبادات على رعاية
الاتباع فيشترط ليظهر الشعار. (١) وللفقهاء في
تطبيق هذا الشرط تفصيل، وفي بعض الفروع
خلاف كالآتي :
أولا - الأبنية المختلفة :
٢٠ - تقدم مايتعلق بالأبنية المنفصلة.
ثانيا - الاقتداء في السفن المختلفة :
٢١ - يشترط في الاقتداء ألا يكون المقتدي في سفينة
والإِمام في سفينة أخرى غير مقترنة بها عند
الحنفية، وهو المختار عند الحنابلة، لاختلاف
المكان، ولو اقترنتا صح اتفاقا، للاتحاد الحكمي .
والمراد بالاقتران: مَمَاسّة السفينتين، وقيل
ربطهما . (٢)
وتوسع المالكية في جواز اقتداء ذوي سفن
متقاربة، ولم يشترطوا ربط السفينتين، ولا الماسّة،
ولم يحددوا المسافة حيث قالوا: جاز اقتداء ذوي
سفن متقاربة في المرسی بإمام واحد في بعضها
يسمعون أقواله أو أقوال من معه في سفینته من
مأمومين، أويرون أفعاله أو أفعال من معه في
سفينته من مأمومين. وكذلك لو كانت السفن سائرة
على المشهور، لأن الأصل السلامة من طروء
مایفرِّقها من ربح أو غيره.
لكنهم نصوا على استحباب أن يكون الإِمام في
(١) نهاية المحتاج ٢/ ١٩١، ومغني المحتاج ٢٤٨/١
(٢) مراقي الفلاح ص ١٦٠، وشرح منتهى الإرادات ١/ ٦٩٤
السفينة التي تلي القبلة . (١)
وقال الشافعية : لو كانا في سفينتين صح اقتداء
أحدهما بالآخر وإن لم تكونا مكشوفتين، ولم تربط
إحداهما بالأخرى، بشرط ألا تزيد المسافة على
ثلاثمائة ذراع، وعدم الحائل، والماء بينهما كالنهر بين
المكانين، (٢) بمعنى أنه يمكن اجتيازه سباحة ولم
يشترطوا الالتصاق ولا الربط، خلافا للحنفية،
والمختار عند الحنابلة .
ثالثا : علو موقف المقتدي على الإِمام أو عكسه :
٢٢ - يجوز أن يكون موقف المأموم عاليا - ولو بسطح
- عن الإِمام عند الحنفية والحنابلة، وهو رأي
المالكية في غير صلاة الجمعة. فصح اقتداء من
بسطح المسجد بالإِمام الذي يصلي بالمسجد،
لإمكان المتابعة .
ويكره أن يكون موقف الإِمام عاليا عن موقف
المأموم. (٣)
ولم يفرق الشافعية بين ارتفاع موقف الإمام
والمأموم، فشرطوا في هذه الحال، محاذاة بعض بدن
المأموم بعض بدن الإِمام، والعبرة في ذلك بالطول
العادي، وقال النووي يكره ارتفاع المأموم على
إمامه حیث أمكن وقوفهما بمستوی واحد، وعكسه
كذلك، إلا لحاجة تتعلق بالصلاة، كتبليغ يتوقف
عليه إسماع المأمومين وتعليمهم صفة الصلاة،
(١) جواهر الإكليل ١/ ٨١، والدسوقي ٣٣٦/١
(٢) القليوبي ٢٤٣/١
(٣) ابن عابدين ٣٩٤/١ - ٣٩٥، والدسوقي ٣٣٦/١، والمغني
٢٠٦/٢، ٢٠٩
- ٢٥ -
اقتداء ٢٣ - ٢٤
فيستحب ارتفاعهما لذلك، تقديما لمصلحة
الصلاة.(١)
وهذا الكلام في البناء ونحوه .
أما الجبل الذي يمكن صعوده كالصفا أو المروة
أو جبل أبي قبيس فالعبرة فيه بالمسافة التي سبق
القول فيها وهي ثلاثمائة ذراع.
فالاقتداء فيه صحيح وإن كان المأموم أعلى من
الإمام .
ز - عدم توسط النساء بين الإِمام والمأموم :
٢٣ - يشترط لصحة الاقتداء عند الجمهور عدم
توسط النساء، فإِن وقفت المرأة في صف الرجل
كره، ولم تبطل صلاتها، ولا صلاة من يليها، ولا
من خلفها. لأنها لو وقفت في غير صلاة لم تبطل
صلاته، فكذلك في الصلاة، وقد ثبت أن عائشة
رضي الله عنها «کانت تعترض بين يدي رسول الله
﴿* نائمةً وهو يصلي)». والنهي للكراهة، ولهذا لا
تفسد صلاتہا فصلاة من یلیھا أولی. وهکذا إن
كان هناك صف تام من النساء، فإنه لا يمنع اقتداء
من خلفهن من الرجال. (٢)
وذهب الحنفية إلى أنه يشترط لصحة الاقتداء
ألا يكون بين المقتدي والإِمام صف من النساء بلا
حائل قدر ذراع، وبهذا قال أبوبكر من الحنابلة،
(١) القليوبي ٢٤٣/١، ونهاية المحتاج ١٩٨/٢
(٢) جواهر الإكليل ٧٩/١، والدسوقي ٣٣٢/١، ومغني المحتاج
٢٤٥/١، ٢٤٦، والمغني لابن قدامة ٢٠٤/٢، وكشاف القناع
٤٨٨/١.
وحديث اعتراض عائشة ... أخرجه البخاري (الفتح
٥٨٨/١ - ط السلفية).
والمراد بالصف عند الحنفية مازاد على الثلاث، وفي
رواية المراد بالصف الثلاث، وعلى هذا قالوا:
(١) المرأة الواحدة تفسد صلاة ثلاثة، واحد عن
بمینها وآخر عن يسارها وآخر خلفها، ولا تفسد أکثر
من ذلك .
(٢) والمرأتان تفسدان صلاة أربعة من الرجال،
واحد عن يمينهما، وآخر عن يسارهما، وصلاة اثنين
خلفهما.
(٣) وإن کن ثلاثا أفسدن صلاة واحد عن
يمينهن، وآخر عن يسارهن وثلاثة ثلاثة إلى آخر
الصفوف.
وهذا جواب ظاهر الرواية .
وفي رواية الثلاث کالصف، تفسد صلاة كل
الصفوف خلفهن إلى آخر الصفوف، لأن الثلاثة
جمع كامل.
وفي رواية عن أبى يوسف أن الثنتين كالثلاث .
وفي رواية أخرى جعل الثلاث كالاثنتين. (١)
ح - العلم بانتقالات الإِمام :
٢٤ - يشترط في الاقتداء علم المأموم بانتقالات
الإِمام، بسماع أورؤية للإِمام أو لبعض المقتدين
به، لئلا يشتبه على المقتدي حال الإِمام فلا يتمكن
من متابعته، فلو جهل المأموم أفعال إمامه الظاهرة
كالركوع والسجود، أو اشتبهت عليه لم تصح
صلاته، لأن الاقتداء متابعة، ومع الجهل أو
الاشتباه لا تمكن المتابعة، وهذا الشرط متفق عليه
(١) الفتاوى الهندية ٨٨/١، وابن عابدين ٣٩٣/١، والزيلعي
١٣٨/١، ١٣٩
- ٢٦ -
اقتداء ٢٥
عند الفقهاء. (١)
زاد الحنفية : وكذا علمه بحال إمامه من إقامة أو
سفر قبل الفراغ أوبعده، وهذا فيما لوصلى
الرباعية ركعتين في مصر أو قرية. (٢)
هذا، وقد تقدم أن الحنابلة لا يجوزون الاقتداء
خارج المسجد بالسماع وحده. بل يشترطون في
إحدى الروايتين رؤية المأموم للإِمام أو بعض
المقتدين به، لقول عائشة لنساء كن يصلين في
حجرتها: ((لا تصلين بصلاة الإِمام فإِنكن دونه في
حجاب)) ولأنه لا يمكنه المتابعة في الغالب.
وأما على الرواية الأخرى فالحنابلة يكتفون
بالعلم بانتقالات الإِمام بالسماع أو بالرؤية. (٣)
ط - صحة صلاة الإمام:
٢٥ - يشترط لصحة الاقتداء صحة صلاة الإِمام،
فلوتبين فسادها لا يصح الاقتداء، قال الحنفية: لو
تبين فساد صلاة الإِمام، فِسْقاً منه، أو نسيانا لمضي
مدة المسح، أو لوجود الحدث أو غير ذلك، لم تصح
صلاة المقتدي لعدم صحة البناء، وكذلك لو كانت
صحيحة في زعم الإِمام فاسدة في زعم المقتدي
لبنائه على الفاسد في زعمه. (٤)
والمراد بالفسق هنا: الفسق الذي يخل بركن أو
شرط في الصلاة، كأن يصلي وهو سكران، أوهو
(١) ابن عابدين ١/ ٣٧٠، والدسوقي ٣٣١/١، والحطاب
١٠٦/٢، ومغني المحتاج ٢٤٨/١، ونهاية المحتاج ٢/ ١٩١،
وكشاف القناع ١/ ٤٩١
(٢) ابن عابدين ٣٧٠/١
(٣) كشاف القناع ١/ ٤٩٢
(٤) ابن عابدين ١/ ٣٧٠
محدث متعمدا .
أما الفسق في العقيدة، أوبارتكاب المحرمات،
فهي مسألة خلافية، وقد شدد فيها الإِمام أحمد،
وقال: إنه إذا کان داعيا إلى بدعته، وعلم بذلك
المقتدي، فعليه إعادة الصلاة، حتى لوعلم بذلك
بعد الصلاة، وهذه الرواية المعتمدة في المذهب.
أما إذا كان لا يدعو إلى بدعته، وهو مستور
الحال، فالظاهر أنه لا إعادة علی من اقتدى به،
وفي رواية: عليه الإِعادة.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصلاة خلف
الفاسق مكروهة، ولا إعادة فيها. لحديث: ((صلوا
خلف من قال لا إله إلا الله)). ولأن ابن عمر كان
يصلي خلف الحجاج. وأن الحسن والحسین كانا
يصليان خلف مروان ووراء الوليد بن عقبة . (١)
ومثله ماذهب إليه المالکیة حیث قالوا: لا يصح
الاقتداء بإمام تبين في الصلاة أو بعدها أنه كافر، أو
امرأة، أو مجنون، أو فاسق (علی خلاف فيه) أو
ظهر أنه محدث، إن تعمد الحدث أو علم المؤتم
بحدثه في الصلاة أو قبلها، أو اقتدى به بعد العلم
ولو ناسيا. (٢)
وكذا قال الشافعية : لا يصح اقتداؤه بمن یعلم
بطلان صلاته، کمن علم بکفره أو حدثه أو نجاسة
ثوبه، لأنه ليس في صلاة فكيف يقتدي به، وكذا
(١) شرح الدردير ٣٢٦/١ و٣٢٧ والمغني ١٨٥/٢ - ١٨٨.
وحديث: ((صلوا خلف من قال لا إله إلا الله ... )) أخرجه
الدار قطني (١ / ٥٦ ط دار المحاسن) وضعفه ابن حجر في
التلخيص (٢/ ٣٥ ط دار المحاسن) والأثر عن ابن عمر أنه كان
يصلي خلف الحجاج. أخرجه ابن أبي شيبة (٣٧٨/٢ ط الدار
السلفية).
(٢) جواهر الإكليل ٧٨/١، والدسوقي ٣٢٦/١، ٣٢٧
- ٢٧ -
اقتداء ٢٥ - ٢٧
لا يصح الاقتداء بإمام يعتقد المقتدي بطلان
صلاته.(١)
وصرح الحنابلة بأنه لا يصح الاقتداء بكافر ولو
بدعة مکفرة، ولو أسرّه وجهل المأموم کفره ثم تبین
له. وکذلك من ظن کفره أو حدثه، ولوبان خلاف
ذلك فیعید المأموم، لاعتقاده بطلان صلاته. (٢)
لكن المالكية قالوا: لو علم المقتدي بحدث
إمامه بعد الصلاة فلا بطلان. (٣) كما أن الحنابلة
صرحوا بأنه لو صلی خلف من يعلمه مسلما، فقال
بعد الصلاة: هو كافر، لم يؤثر في صلاة المأموم لأنها
كانت محكوما بصحتها . (٤)
وأما الإِمام فلو أخطأ أو نسي لم يؤاخذ بذلك
المأموم، كما في البخاري وغيره، أن النبي وَلايز قال:
(أئمتكم يُصَلّون لكم ولهم، فإِن أصابوا فلكم
ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم)). فجعل خطأ
الإِمام على نفسه دونهم، وقد صلی عمر وغيره من
الصحابة رضي الله عنهم وهو جنب ناسيا للجنابة،
فأعاد ولم يأمر المأمومين بالإِعادة، وهذا مذهب
جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد في المشهور
عنه .
وكذلك لو فعل الإِمام مایسوغ عنده، وهوعند
المأموم يبطل الصلاة، مثل أن يفتصد ويصلي ولا
يتوضأ، أويمس ذكره، أويترك البسملة، وهو
يعتقد أن صلاته تصح مع ذلك، والمأموم يعتقد أنها
لا تصح مع ذلك، فجمهور العلماء على صحة
(١) مغني المحتاج ١/ ٢٣٧
(٢) كشاف القناع ١/ ٤٧٥، ٤٧٦
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٢٧/١
(٤) كشاف القناع ٤٧٥/١
صلاة المأموم، كما هو مذهب مالك وأحمد في أظهر
الروایتین، بل في أنصهما عنه. وهو أحد الوجهین في
مذهب الشافعي، اختاره القفال وغيره. (١)
واستدل الإِمام أحمد لهذا الاتجاه بأن الصحابة -
رضوان الله عليهم - کان يصلي بعضهم خلف
بعض على اختلافهم في الفروع. وأن المسائل
الخلافية لا تخلو إما أن يصيب المجتهد فیکون له
أجران: أجر اجتهاده وأجر إصابته، أو أن يخطىء
فله أجر واحد وهو أجر اجتهاده، ولا إثم عليه في
الخطأ . (٢)
أحوال المقتدي :
٢٦ - المقتدي إما مدرك، أو مسبوق، أولاحق،
فالمدرك:من صلى الركعات کاملة مع الإمام، أي
أدرك جميع ركعاتها معه، سواء أأدرك معه التحريمة
أو أدركه في جزء من ركوع الركعة الأولى إلى أن
قعد معه القعدة الأخيرة، وسواء أسلم معه أم
قبله. (٣)
والمدرك يتابع إمامه في أفعاله وأقواله، إلا في
حالات خاصة تذكر في كيفية الاقتداء.
٢٧ - والمسبوق: من سبقه الإِمام بكل الركعات بأن
اقتدى بالإِمام بعد ركوع الأخيرة، أو ببعض
الركعات. (٤) وقد اختلفوا في حكمه، فقال
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢٣/ ٣٥٢، ٣٧٢.
وحديث: أئمتكم يصلون لكم ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٢/ ١٨٧ - ط السلفية).
(٢) المغني ٢/ ١٩٠ و١٩١
(٣) ابن عابدين ٣٩٩/١
(٤) كشاف القناع ١/ ٤٦١، والفتاوى الهندية ١/ ٩١، وابن عابدين
٤٠٠/١
- ٢٨ -
اقتداء ٢٧ - ٢٨
أبوحنيفة والحنابلة :ما أدركه المسبوق فهو آخر صلاته
قولا وفعلا، فإِن أدركه فيما بعد الركعة الأولى
كالثانية أو الثالثة لم يستفتح، ولم يستعذ، وما يقضيه
فهو أول صلاته، يستفتح فيه، ويتعوذ، ويقرأ
الفاتحة والسورة كالمنفرد، لما روي عن النبي ◌َ ﴾.
قال: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا))(١)
والمقضي هو الفائت، فیکون علی صفته، لكن لو
أدرك من رباعية أو مغرب ركعة، تشهد عقب قضاء
رکعة أخرى عند الحنابلة كما قال به سائر الفقهاء،
غير أبي حنيفة، لئلا يلزم تغيير هيئة الصلاة، لأنه
لو تشهد عقب ركعتين لزم قطع الرباعية على وتر،
والثلاثية شفعا، ومراعاة هيئة الصلاة ممكنة، وقال
أبو حنيفة: لو أدركه في ركعة الرباعي يقضي ركعتين
بفاتحة وسورة ثم یتشهد، ثم يأتي بفاتحة خاصة،
ليكون القضاء بالهيئة التي فاتت. (٢)
وقال الشافعية: ما أدركه المسبوق مع الإِمام فهو
أول صلاته، وما یفعله بعد سلام إمامه آخرها،
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فما أدركتم فصلوا،
وما فاتكم فأتموا))(٣) وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد
أوله، وعلى ذلك إذا صلى مع الإِمام الركعة الثانية
من الصبح، وقنت الإِمام فيها يعيد في الباقي
القنوت، ولو أدرك ركعة من المغرب مع الإِمام
تشهد في الثانية . (٤)
(١) حديث: ((ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا .. )) أخرجه
البخاري (الفتح ١١٦/٢ - ط السلفية) ومسلم (١/ ٤٢١ - ط
الحلبي).
(٢) ابن عابدين ١/ ٤٠١، وكشاف القناع ١/ ٤٦١، ٤٦٢
(٣) حديث: ((فما أدركتم فصلوا ... )) أخرجه البخاري (١١٦/٢ -
الفتح - ط السلفية) ومسلم (١/ ٤٢٧ - ط الحلبي).
(٤) مغني المحتاج ١/ ٢٦٠
وذهب المالكية، وأبويوسف ومحمد من الحنفية،
وهو المعتمد في المذهب، أن المسبوق يقضي أول
صلاته في حق القراءة، وآخرها في حق التشهد،
فمدرك ركعة من غير فجريأتي بركعتين بفاتحة
وسورة وتشهد بينهما، وبرابعة الرباعي بفاتحة فقط،
ولا يعقد قبلهما، فهو قاض في حق القول عملا
برواية: «ومافاتکم فاقضوا» لكنه بانٍ علی صلاته
في حق الفعل عملا برواية: ((وما فاتكم فأتموا))
وذلك تطبيقا لقاعدة الأصوليين: (إذا أمكن الجمع
بين الدليلين مجمعَ) فحملنا رواية الإتمام على
الأفعال، ورواية القضاء على الأقوال. (١)
٢٨ - واللاحق: هو من فاتته الركعات كلها أو بعضها
بعد اقتدائه بعذر، كغفلة وزحمة، وسبق حدث
ونحوها، أوبغير عذر کان سبق إمامه في رکوع أو
سجود، كما عرفه الحنفية، وهو المتخلف عن الإمام
بركن أو أكثر، كما عبر عنه غير الحنفية.
وحکم اللاحق عند الحنفية کمؤتم، لا يأتي
بقراءة ولا سجود سهو، ولا يتغير فرضه بنية إقامة،
ويبدأ بقضاء مافاته بعذر، ثم يتابع الإِمام إن لم
يكن قد فرغ، عكس المسبوق. (٢)
وقال الجمهور: (المالكية والشافعية والحنابلة)
إن تخلف عن الإمام بركعة فأكثر بعذر، من نوم أو
غفلة، تابع إمامه فيما بقي من صلاته، ويقضي
ماسبقه الإِمام به بعد سلام الإِمام كالمسبوق، وإن
تخلف بركنين بغير عذر بطلت صلاته عندهم.
وكذلك لو تخلف برکن واحد عمدا عند المالكية،
(١) ابن عابدين ٤٠١/١، والدسوقي ٣٤٦/١
(٢) الفتاوى الهندية ١/ ٩١، وابن عابدين ٤٠٠/١
- ٢٩ -
اقتداء ٢٩
وهو رواية عند الشافعية، ولا تبطل في الأصح
عندهم.
وإن تخلف بركن أوركنين لعذر فإن المأموم يفعل
ماسبقه به إمامه ویدرکه إن أمكن، فإِن أدركه فلا
شيء عليه، وإلا تبطل هذه الركعة فيتداركها بعد
سلام الإِمام. (١) وهذا في الجملة، وفي المسألة
تفصیل، وفي بعض الفروع خلاف يرجع إليه في
مصطلح (لاحق).
كيفية الاقتداء
أولا - في أفعال الصلاة :
٢٩ - الاقتداء في الصلاة هو متابعة الإِمام، والمتابعة
واجبة في الفرائض والواجبات من غير تأخير
واجب، مالم يعارضها واجب آخر، فإِن عارضها
واجب آخر فلا ينبغي أن يفوّته، بل يأتي به ثم
يتابعه، لأن الإتيان به لا يفوت المتابعة بالكلية،
وإنما يؤخرها، وتأخير أحد الواجبين مع الإتيان بهما
أولی من ترك أحدهما بالکلیة، بخلاف ما إذا كان
مايعارض المتابعة سنة، فإنه يترك السنة ويتابع
الإِمام بلا تأخير، لأن ترك السنة أولى من تأخير
الواجب.
وعلى ذلك فلورفع الإِمام رأسه من الركوع أو
السجود قبل أن يتم المأموم التسبيحات الثلاث
وجب متابعته، وكذا عكسه . بخلاف سلام
الإِمام أو قيامه لثالثة قبل إتمام المأموم التشهد، فإِنه
لا یتابعه، بل یتم التشهد لوجوبه. (٢)
(١) جواهر الإكليل ١/ ٦٩، ٧٠، ومغني المحتاج ٢٥٦/١،
وكشاف القناع ٤٦٦/١، ٤٦٧، والمغني لابن قدامة ١/ ٥٢٧
(٢) ابن عابدين ٣٣٣/١
هذا، ومقتضى الاقتداء والمتابعة ألّ يحصل فعل
من أفعال المقتدي قبل فعل الإِمام، وقد فصل
الفقهاء بين الأفعال التي يسبب فيها سبق المأموم
فعل إمامه أو مقارنته له بطلان الاقتداء، وبين
غيرها من الأفعال، فقالوا: إن تقدم المأموم إمامه
في تكبيرة الإحرام لم يصح الاقتداء أصلا، لعدم
صحة البناء، وهذا باتفاق المذاهب. (١)
وجمهور الفقهاء : (المالكية والشافعية والحنابلة،
وهو رواية عن أبي يوسف من الحنفية) على أن
مقارنة المأموم للإِمام في تكبيرة الإحرام تضر
بالاقتداء وتبطل صلاة المقتدي، عمدا کان أو
سهوا، لحديث: ((إنما جُعِل الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فلا
تختلفوا عليه، فإِذا كَبَّ، فكبروا، وإذا رَكَع
فاركعوا))(٢)
لكن المالکیة قالوا: إن سبقه الإمام ولوبحرف
صحت، إن ختم المقتدي معه أوبعده، لاقبله. (٣)
واشترط الشافعية، وهو المفهوم من كلام
الحنابلة، تأخر جميع تكبيرة المقتدي عن تكبيرة
الإِمام . (٤)
ولا تضر مقارنة تكبيرة المقتدي لتكبير الإمام
عند أبي حنيفة، حتى نقل عنه القول بأن المقارنة
هي السنة، قال في البدائع : ومنها (أي من سنن
الجماعة) أن يكبر المقتدي مقارنا لتكبير الإِمام فهو
أفضل باتفاق الروايات عن أبي حنيفة .. لأن
(١) البدائع ١/ ٢٠٠، ومغني المحتاج ٢٥٨/١، والدسوقي
١/ ٣٤٠، ٣٤١، وكشاف القناع ٤٦٥/١، ٤٦٦
(٢) الحديث: تقدم تخريجه ف/ ١٠ .
(٣) الدسوقي ١/ ٣٤٠، ٣٤١
(٤) مغني المحتاج ٢٥٥/١ - ٢٥٧، وكشاف القناع ٤٦٥/١
- ٣٠ -
اقتداء ٢٩ - ٣١
الاقتداء مشاركة، وحقيقة المشاركة المقارنة، إذ بها
تتحقق المشاركة في جميع أجزاء العبادة. (١)
واتفق الفقهاء على أن المقتدي يتابع الإِمام في
السلام، بأن يسلم بعده، وصرح الحنفية: أنه لو
سلم الإِمام قبل أن يفرغ المقتدي من الدعاء الذي
يكون بعد التشهد، أو قبل أن يصلي على النبي
*، فإِنه يتابع الإِمام في التسليم. أما عند
الجمهور فلوسلم الإِمام قبل أن يصلي المأموم على
النبي ګې فإنه يصلي علیه، ثم يسلم من صلاته،
لأن الصلاة على النبي ول# من أركان الصلاة. ولو
سلم قبل الإِمام سهوا فإِنه یعید، ويسلم بعده، ولا
شيء عليه، أما إن سلم قبل الإِمام عمدا فإِنه
تبطل صلاته عند الجمهور، إلا أن ينوي المفارقة
عند بعض الشافعية .
أما مقارنة المقتدي للإِمام في السلام فلا تضر
عند جمهور الفقهاء، إلا أنها مكروهة عند الشافعية
والحنابلة، أما المالكية فقالوا: مساواته للإِمام تبطل
الصلاة. (٢)
ولا تضر مقارنة المأموم للإِمام في سائر الأفعال،
كالركوع والسجود مع الكراهة أو بدونها على
خلاف بين الفقهاء، فإن تقدمه في رکوع أو سجود
ينبغي البقاء فيهما حتى يدركه الإِمام، ولو رفع
المقتدي رأسه من الركوع أو السجود قبل الإِمام
ينبغي أن يعود ولا يعتبر ذلك رکوعین أو سجودین
اتفاقا، وفي المسألة تفصيل ينظر في (صلاة). (٣)
(١) البدائع ١/ ٢٠٠
(٢) البدائع ١/ ٢٠٠، وابن عابدين ٣٣٣/١، ونهاية المحتاج
٢١٢/٢ - ٢١٧، ومغني المحتاج ٢٥٥/١، ٢٥٧، والدسوقي
٣٤١/١ - ٣٤٢، وكشاف القناع ٤٦٥/١
(٣) نفس المراجع.
ثانيا - الاقتداء في أقوال الصلاة :
٣٠ - لا يشترط لصحة الاقتداء متابعة الإِمام في
سائر أقوال الصلاة غير تكبيرة الإِحرام والسلام،
كالتشهد والقراءة والتسبيح، فيجوز فيها التقدم
والتأخر والموافقة . (١)
اختلاف صفة المقتدي والإمام
:
أ - اقتداء المتوضىء بالمتيمم :
٣١ - يجوز اقتداء المتوضىء بالمتيمم عند جمهور
الفقهاء. (المالكية والحنابلة وأبي حنيفة وأبي
يوسف)، لما ورد في حديث عمرو بن العاص أنه
«بعثه النبي {﴾ أميرا على سرية، فأجنب، وصلى
بأصحابه بالتيمم لخوف البرد، وعلم النبي # فلم
يأمرهم بالإِعادة». (٢)
واستدل الحنفية للجواز كذلك على أصلهم بأن
التيمم يرفع الحدث مطلقا من كل وجه، ما بقي
شرطه، وهو العجز عن استعمال الماء، ولهذا تجوز
الفرائض المتعددة بتيمم واحد عندهم .
(٣)
وكره المالكية اقتداء المتوضىء بالمتيمم، كما أن
الحنابلة صرحوا بأن إمامة المتوضىء أولى من إمامة
المتیمم، لأن التیمم لا یرفع الحدث، بل یستباح به
(١) مغني المحتاج ١٦٣/١، ٢٥٥، والفتاوى الهندية ٩٠/١، ٩١،
والدسوقي ٣٤١/١، والاختيار ٥٠/١، وجواهر الإكليل
١/ ٥٠، وكشاف القناع ٤٦٥/١
(٢) حديث عمرو بن العاص ((أنه بعثه النبي ﴾ ... )). أخرجه
أبو داود (٣٣٤/١ ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (١/ ١٧٧ ط
دائرة المعارف العثمانية) وقواه ابن حجر في الفتح (٤٥٤/١ - ط
السلفية).
(٣) فتح القدير ١/ ٣٢٠، وابن عابدين ٣٩٥/١، وجواهر الإكليل
٢٦/١، وكشاف القناع ١/ ٤٧٤
- ٣١ -
اقتداء ٣٢ - ٣٤
الصلاة للضرورة . (١)
وقال الشافعية: لا يجوز الاقتداء بمن تلزمه
الإعادة كمتيمم بمتيمم، ولو كان المقتدي مثله،
أما المتيمم الذي لا إعادة عليه فيجوز اقتداء
المتوضیء به، لأنه قد أتی عن طهارته ببدل مغن
عن الإعادة. (٢)
وقال محمد بن الحسن من الحنفية : لا يصح
اقتداء المتوضىء بالمتيمم مطلقا في غير صلاة
الجنازة، للزوم بناء القوي على الضعيف. (٣)
اقتداء الغاسل بالماسح
٣٢ - اتفق الفقهاء على جواز اقتداء غاسل بماسح
على خف أو جبيرة، لأن الخف مانع سراية الحدث
إلی القدم، وما حل بالخف یرفعه المسح، فهوباق
علی کونه غاسلا، كما علله الحنفية، ولأن صلاته
مغنية عن الإِعادة لارتفاع حدثه، لأن المسح یرفع
الحدث كما وجهه الآخرون. (٤)
اقتداء المفترض بالمتنفل :
٣٣ - جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية وهو المختار
عند الحنابلة) على عدم جواز اقتداء المفترض
بالمتنفل، لقوله وَلير: ((إنما جُعل الإِمامُ ليؤتم به،
فلا تختلفوا عليه))(٥) ولقوله عليه السلام: ((الإِمامُ
(١) الخطاب ٣٤٨/١، وكشاف القناع ٤٧٤/١
(٢) مغني المحتاج ٢٣٨/١، ٢٤٠
(٣) ابن عابدين ٣٩٥/١
(٤) ابن عابدين ٣٩٦/١، ومغني المحتاج ١/ ٢٤٠، ونهاية المحتاج
١٦٨/٢، والخطاب ٣٦٨/١، وجواهر الإكليل ٢٤/١،
وكشاف القناع ١/ ١١٠، ٤٨٤
(٥) حديث: ((إنما جعل الإمام ... )) سبق تخريجه ف/ ١٠.
ضامن))(١) ومقتضى الحديثين ألا يكون الإِمام
أضعف حالا من المقتدي، ولأن صلاة المأموم لا
تؤدى بنية الإِمام، فأشبهت صلاة الجمعة خلف
من يصلي الظهر. (٢)
وقال الشافعية، وهو الرواية الثانية عند
الحنابلة: يصح اقتداء المفترض بالمتنفل بشرط
توافق نظم صلاتيهما، لما ورد في الصحيحين: ((أن
معاذا كان يصلي مع النبي # عشاء الآخرة، ثم
يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة)). (٣)
فإِن اختلف فعلهما كمكتوبة وکسوف أو جنازة،
لم يصح الاقتداء في ذلك على الصحيح لمخالفته
النظم وتعذر المتابعة . (٤)
٣٤ - ويتفرع على هذه المسألة اقتداء البالغ
بالصبي في الفرض، فإنه لا يجوز عند جمهور
الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة)(٥) لقول
الشعبي : لا يؤم الغلام حتی یحتلم. ولأنه لا يؤمن
من الصبي الإِخلال بشرط من شرائط الصلاة. (٦)
وقال الشافعية: يصح اقتداء البالغ الحربالصبي
(١) حديث: ((الإِمام ضامن ... )) أخرجه أبوداود (٣٥٦/١ ط
عزت عبيد دعاس) وصححه المناوى في الفيض (١٨٢/٣ ط
المكتبة التجارية).
(٢) فتح القدير ٣٢٤/١، ٣٢٥، والدسوقي ٣٢٩/١، وجواهر
الإكليل ٧٦/١، وكشاف القناع ٤٨٤/١، والمغني لابن قدامة
٢٢٦/٢
(٣) حديث: ((أن معاذا كان يصلي مع النبي ◌َّر عشاء الآخرة ... ))
أخرجه البخاري (١٩٢/٢ - الفتح - ط السلفية).
(٤) مغني المحتاج ٢٥٣/١، ٢٥٤، ونهاية المحتاج ١٦٨/٢، والمغني
لابن قدامة ٢٢٦/٢
(٥) الزيلعي ١/ ١٤٠، وفتح القدير ٣١٠/١، ٣١١، والدسوقي
٣٢٩/١، والمغني لابن قدامة ٢٢٨/١، وكشاف القناع ١/ ٤٨٠
(٦) قول الشعبي: ((لا يؤم الغلام حتى يحتلم ... )) أخرجه ابن أبي
شيبة (٣٤٩/١ - ط السلفية).
- ٣٢ -
٢
اقتداء ٣٥ - ٣٧
المميز، ولو كانت الصلاة فرضا، للاعتداد
بصلاته، (١) لأن عمرو بن سلمة ((كان يؤم قومه
على عهد رسول الله# وهو ابن ست أو سبع
سنين)). (٢) لكنهم صرحوا بكراهة الاقتداء بالصبي
المميز.
هذا في صلاة الفريضة، أما في النافلة فجاز
اقتداء البالغ بالصبي عند بعض الحنفية، وهو
المشهور عند المالكية، ورواية عند الحنابلة. وفي
المختار عند الحنفية، ورواية عند المالكية والحنابلة:
لا يجوز لأن نفل الصغیر دون نفل البالغ، حیث لا
يلزمه القضاء بالإِفساد، ولا يبنى القوي على
الضعيف، كما علله الحنفية . (٣)
اقتداء المفترض بمن يصلي فرضا آخر :
٣٥ - جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة)
على أنه لا يجوز اقتداء مفترض بمن يصلي فرضا
آخر غير فرض المأموم، فلا يصح اقتداء من يصلي
ظهراً خلف من يصلي عصرا أو غيره، ولا
عكسه، ولا اقتداء من يصلي أداء بمن يصلي
قضاء، لأن الاقتداء بناء تحريمة المقتدي على
تحريمة الإِمام، وهذا يقتضي اتحاد صلاتيهما، كما
سبق في شروط الاقتداء.
ويجوز ذلك عند الشافعية إذا توافق نظم
صلاتيهما في الأفعال الظاهرة، فيصح اقتداء من
يصلي فرضا من الأوقات الخمسة بمن يصلي فرضا
(١) نهاية المحتاج ١٦٨/٢
(٢) حديث: ((كان عمرو بن سلمة يؤم قومه .... )) أخرجه
البخاري (٢٢/٨ الفتح - ط السلفية).
(٣) الزيلعي ١/ ١٤٠، والدسوقي ٣٣٩/١، والمغني لابن قدامة
٢٢٩/١
آخر منهما أداء وقضاء، مع تفصيل ذكر في
موضعه . (١)
اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه :
٣٦ - يجوز اقتداء المقيم بالمسافر في الوقت وخارج
الوقت باتفاق الفقهاء، فإذا أتم الإِمام المسافر
صلاته يقول للمصلين خلفه: أتموا صلاتكم فإِني
مسافر. فيقوم المقتدي المقيم ليكمل صلاته.
ويعتبر في هذه الحالة كالمسبوق عند أكثر الفقهاء.
كذلك يجوز اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت بلا
خلاف، وحينئذ يجب عليه إتمام صلاته أربعا
متابعة للإِمام. (٢) أما اقتداء المسافر بالمقيم خارج
الوقت فلا يجوز في صلاة رباعية عند الحنفية، لأن
المسافر بعد فوات الوقت تقرر أن فرضه ركعتان
فيكون اقتداء مفترض بمتنفل في حق قعدة أو قراءة
باقتدائه في شفع أول أو ثان. (٣)
اقتداء السليم بالمعذور :
٣٧ - يرى جمهور الفقهاء: (الحنفية والحنابلة،
ومقابل الأصح عند الشافعية) أنه لا يجوز اقتداء
السلیم بالمعذور، کمن به سلس البول، واستطلاق
البطن، وانفلات الريح، وكذا الجرح السائل،
والرعاف، والمستحاضة، لأن أصحاب الأعذار
(١) فتح القدير ٢٢٤/١، وابن عابدين ٣٩٠/١، والدسوقي
٣٣٣/١، ٣٣٩، وجواهر الإكليل ١/ ٨٠، وكشاف القناع
١/ ٤٨٥، والمغني لابن قدامة ٢٢٧/٢، ومغني المحتاج
٢٥٢/١، ونهاية المحتاج ٢/ ٢٠٥، ٢٠٧
(٢) الفتاوى الهندية ٨٥/١، وجواهر الإكليل ١ / ٨٧ - ٩٠،
وكشاف القناع ١/ ٤٧٤، ومغني المحتاج ٢٦٩/١
(٣) ابن عابدين ٣٩١/١
- ٣٣ -
اقتداء ٣٨ - ٣٩
يصلون مع الحدث حقيقة، لكن جعل الحدث
الموجود في حقهم كالمعدوم، للحاجة إلى الأداء فلا
يتعداهم، لأن الضرورة تقدر بقدرها، ولأن
الصحيح أقوى حالا من المعذور، ولا يجوز بناء
القوي على الضعيف، ولأن الإِمام ضامن،
بمعنى أنّه تضمن صلاته صلاة المقتدي، والشيء
لا یتضمن ماهو فوقه .(١)
وقال الشافعية في الأصح: يصح اقتداء السليم
بصاحب السلس، والطاهرة بالمستحاضة غير
المتحيرة، لصحة صلاتهم من غير إعادة. (٢)
وجواز اقتداء السليم بالمعذور هو قول المالكية في
المشهور، لأنه إذا عفي عن الأعذار في حق صاحبها
عفي عنها في حق غيره. لكنهم صرحوا بكراهة
إمامة أصحاب الأعذار للأصحاء. (٣)
وقد نَقَّل في التاج والإكليل عن المالكية في جواز
أو عدم جواز اقتداء السليم بالمعذور قولین. واستدل
للجواز بأن عمر کان إماما وأخبر أنه يجد ذلك (أي
سلس المذي) ولا ينصرف(٤)
ويجوز اقتداء صاحب العذر بمثله مطلقا، أي
ولو اختلف العذر، أو إن اتحد عذرهما على تفصيل
يذكر في مصطلح (عذر).
اقتداء المكتسي بالعاري :
٣٨ - صرح جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
(١) فتح القدير ٣١٨/١، والزيلعي ١/ ١٤٠، والفتاوى الهندية
٨٤/١، ومغني المحتاج ٢٤١/١، وكشاف القناع ٤٧٦/١،
والمغني لابن قدامة ٢٢٥/٢
(٢) مغني المحتاج ٢٤١/١
(٣) جواهر الإكليل ٧٨/١، والدسوقي ٣٣٠/١
(٤) التاج والإكليل بهامش الخطاب ٢/ ١٠٤
والحنابلة، وهو مقابل الأصح عند الشافعية) بعدم
صحة اقتداء المكتسي (أي مستور العورة)
بالعاري، لأن المقتدي أقوى حالا من الإِمام،
فيلزم اقتداء القوى بالضعيف.
ولأنه تارك لشرط يقدر عليه المأموم، فأشبه
اقتداء المعافی بمن به سلس البول. (١)
حتى إن المالكية قالوا: إن وجدوا ثوبا صلوا به
أفذاذا لا یؤمهم به أحد. (٢)
وذهب الشافعية في الأصح إلى جواز اقتداء
المستور بالعاري، بناء على أصلهم في جواز اقتداء
السليم بالمعذور. (٣)
أما اقتداء العاري بالعاري فيجوز عند عامة
الفقهاء، إلا أن المالكية قيدوا الجواز بما إن اجتمعوا
بظلام، وإلا تفرقوا وصلوا أفذادا متباعدين. (٤)
اقتداء القارىء بالأمّي :
٣٩ - لا يجوز اقتداء القارىء بالأمي عند جمهور
الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة، والجديد من
مذهب الشافعية) لأن الإِمام ضامن ويتحمل
القراءة عن المأموم، ولا يمكن ذلك في الأمي،
لعدم قدرته على القراءة، ولأنهما تاركان لشرط
يقدران عليه بتقديم القارىء، والمراد بالأمي هنا
عند الفقهاء: من لا يحسن القراءة التي تتوقف
عليها الصلاة .
ويجوز اقتداء القارىء بالأمي في القديم من
(١) ابن عابدين ١/ ٣٧٠، والمغني لابن قدامة ٢٢٥/٢
(٢) المواق على هامش الخطاب ١/ ٥٠٧
(٣) مغني المحتاج ١/ ٢٤١
(٤) نفس المراجع .
- ٣٤ -
اقتداء ٤٠
مذهب الشافعية، في الصلاة السرية دون
الجهرية، وذهب المزني إلى صحة الاقتداء به
مطلقا . (١)
وجمهور العلماء على بطلان صلاة القارىء إذا
اقتدى بالأمّي، لعدم صحة بناء صلاته على صلاة
الأمي، كذلك تبطل صلاة الأمي الذي أمّ
القارىء عند الحنفية والمالكية والشافعية في الجديد
لفقد شرط يقدران عليه. (٢)
أما الحنابلة فقد فصلوا في الموضوع فقالوا: إن
أم أمي أمیا وقارئا، فإِن کانا عن يمينه، أو كان
الأمي عن يمينه والقارىء عن يساره صحت صلاة
الإِمام والأمي المأموم، وبطلت صلاة القارىء
لاقتدائه بأمي . وإن كانا خلفه، أو القارىء وحده
عن يمينه، والأمي عن يساره فسدت صلاة
القارىء لاقتدائه بالأمي، وتبطل صلاة الأمي
المأموم(٣) لكونه فذا خلف الإمام أو عن يساره،
وذلك مبطل للصلاة عندهم.
هذا ، ويجوز اقتداء الأمي بمثله بلا خلاف عند
الفقهاء. (٤)
اقتداء القادر بالعاجز عن ركن :
٤٠ - لا يجوز اقتداء من يقدر على ركن، كالركوع
أو السجود أو القيام، بمن لا يقدر عليه عند المالكية
(١) فتح القدير ٣١٩/١، والدسوقي ٣٢٨/١، وجواهر الإكليل
٧٨/١، وكشاف القناع ٤٨١/١، ومغني المحتاج ٢٣٩/١،
٢٤٢
(٢) المراجع السابقة .
(٣) كشاف القناع ١/ ٤٨١
(٤) نفس المراجع .
والحنابلة، وهو قول محمد من الحنفية، لأن الإِمام
عجز عن ركن من أركان الصلاة فلم يصح الاقتداء
به كالعاجز عن القراءة إلا بمثله، ولعدم جواز
اقتداء القوى بالضعيف كما مر، إلا أن الحنابلة
استثنوا إمام الحي المرجوزوال علته، وفي هذه
الحالة يصح أن يصلي المقتدرون وراءه جلوسا أو
قیاما عندهم. (١)
ويجوز اقتداء قائم بقاعد يركع ويسجد عند
أبي حنيفة وأبي يوسف، وجاز ذلك عند الشافعية
ولو لم يكن القاعد قادرا على الركوع أو السجود، (٢)
لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي وَّة ((صلى
آخِرَ صلاتِهِ قاعدا والقومُ خلفه قيامٌ)). (٣)
واختلفوا في اقتداء المستوي خلف الأحدب،
فقال الحنفية والشافعية بجوازه، وقیده بعض
الحنفية بألا تبلغ حدبته حد الركوع، ويميز قيامه
عن ركوعه، وقال المالكية بجوازه مع الكراهة،
ومنعه الحنابلة مطلقا.
أما إذا كان الإِمام يصلي بالإِيماء فلا يجوز اقتداء
القائم أو الراكع أو الساجد خلفه عند الجمهور
(الحنفية عدا زفر، والمالكية والحنابلة) خلافا
للشافعية الذين قاسوا المضطجع والمستلقي على
القاعد.
(١) الدسوقي ٣٢٨/١، والخطاب ١٩٧/٢، وجواهر الإكليل
٧٨/١، وكشاف القناع ٤٧٧/١، والمغني ٢/ ٢٢٣، وابن
عابدين ٣٩٦/١
(٢) الهداية مع الفتح ٣٢١/١، وابن عابدين ٣٩٦/١، ومغني
المحتاج ١/ ٢٤٠
(٣) حديث عائشة: ((أن النبي (8# صلى آخر صلاته ... ))
أخرجه البخاري (١٦٦/٢ - الفتح ط السلفية).
- ٣٥ -
اقتداء ٤١ - ٤٢
ويجوز اقتداء المومي بمثله عند الجمهور خلافا
المالكية في المشهور، لأن الإيماء لا ينضبط، فقد
يكون إيماء المأموم أخفض من إيماء الإمام، وقد
يسبقه المأموم في الإِيماء، وهذا يضر. (١)
الاقتداء بالفاسق :
٤١ - الفاسق : مَنْ فَعَل كبيرة، أو داوم على
صغيرة. (٢) وقد صرح الحنفية والشافعية بجواز
الاقتداء بالفاسق مع الكراهة، أما الجواز فلما ورد في
الحديث: ((صَلُّوا خلف كل بَزّ وفاجر))، (٣) ولما رواه
الشيخان أن ابن عمر ((كان يصلي خلف الحجاج
على ظلمه)). (٤) وأما الكراهة فلعدم الوثوق به في
المحافظة على الشروط. (٥)
وقال الحنابلة - وهو رواية عند المالكية - :
لا تصح إمامة فاسق بفعل، کزاٍ وسارق وشارب
خمرونمام ونحوه، أو اعتقاد، كخارجي أورافضي
ولو كان مستورا. لقوله تعالى : (أَفَمَنْ كان مؤمنا
(١) فتح القدير ١/ ٢٢٠، وابن عابدين ٣٩٦/١، والدسوقي
٣٢٨/١، ومغني المحتاج ١/ ٣٤٠، والمغني لابن قدامة
٢٢٣/٢، ٢٢٤، وكشاف القناع ٤٧٦/١، ٤٧٧
(٢) ابن عابدين ٣٧٦/١، وقليوبي ٢٢٧/٣، وكشاف القناع
٤٧٥/١
(٣) حديث: ((صلوا خلف كل بر وفاجر)) أخرجه أبو داود (٣٩٨/١
- ط عزت عبيد دعاس) والدارقطني (٢/ ٥٦ - دار المحاسن)
واللفظ له، وأعله ابن حجر بالانقطاع (التلخيص ٣٥/٢ - دار
المحاسن).
(٤) حديث: أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج ... أخرجه ابن
أبي شيبة (٣٧٨/٢ - ط السلفية).
(٥) الفتاوى الهندية ١/ ٨٥، وابن عابدين ٣٧٦/١، ونهاية المحتاج
١٧٤/٢
کمَنْ کان فاسقا لا یستوون)،(١) ولما روي عن جابر
مرفوعا: ((لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلا، ولا أعرابي
مهاجرا، ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان يخاف
سوطه وسيفه)). (٢)
وفصل المالكية في الرواية الأخرى المعتمدة بين
الفاسق بجارحة كزان وشارب خمر، وبين من يتعلق
فسقه بالصلاة، كان يقصد بتقدمه الکبرْ ، أو يخل
بركن أو شرط، أوسنة عمدا، فقالوا بجواز الاقتداء
بالأول دون الثاني. (٣)
وهذا كله في الصلوات الخمس، أما في الجمع
والأعياد فيجوز الاقتداء بالفاسق اتفاقا، لأنهما
يختصان بإمام واحد، فالمنع منهما خلفه يؤدي إلى
تفویتھما دون سائر الصلوات . (٤)
الاقتداء بالأعمى والأصم والأخرس :
٤٢ - لا خلاف بين الفقهاء في صحة الاقتداء
بالأعمى والأصم، لأن العمى والصمم لا يخلان
بشيء من أفعال الصلاة، ولا بشروطها. لكن
الحنفية والحنابلة صرحوا بكراهة إمامة الأعمى ، كما
صرح المالكية بأفضلية إمامة البصير المساوي
للأعمى في الفضل، لأنه أشد تحفظا من
(١) سورة السجدة / ١٨
(٢) كشاف القناع ١/ ٤٧٤ .
وحديث: ((لا تؤمن امرأة رجلا ... )) أخرجه ابن ماجه
(٣٤٣/١ - ط الحلبي) قال ابن حجر: فيه حميد بن محمد العدوى
عن علي بن زيد بن جدعان، والعدوى اتهمه وكيع بوضع
الحديث وشيخه ضعيف (التلخيص ٣٢/٢ ط دار المحاسن).
(٣) الدسوقي ٣٢٦/١، وجواهر الإكليل ٥٨/١
(٤) المراجع السابقة .
- ٣٦ -
اقتداء ٤٣
النجاسات. (١)
وقال الشافعية : الأعمى والبصير سواء
لتعارض فضليهما، لأن الأعمى لا ينظر مايشغله
فهو أخشع، والبصير ينظر الخَبَثَ فهو أقدر على
تجنبه، وهذا إذا كان الأعمى لا يتبذل، أما إذا
تبذل أي ترك الصیانة عن المستقدرات، کان لبس
ثياب البذلة، كان البصير أولى منه.(٢)
أما الأخرس فلا يجوز الاقتداء به، لأنه يترك
أركان الصلاة من التحريمة والقراءة. حتى إن
الشافعية والحنابلة صرحوا بعدم جواز الاقتداء
بالأخرس، ولو كان المقتدي مثله، (٣) وصرح
الحنفية أن الأخرس أسوأ حالا من الأمي، لقدرة
الأمي على التحريمة دون الأخرس، فلا يجوز
اقتداء الأمي بالأخرس، ويجوز العكس . (٤)
الاقتداء بمن يخالفه في الفروع :
٤٣ - لا خلاف بين الفقهاء في صحة الاقتداء بإمام
يخالف المقتدي في الفروع، إذا كان الإِمام يتحامى
مواضع الخلاف، بأن يتوضأ من الخارج النجس
من غير السبيلين كالفصد مثلا، ولا ينحرف عن
القبلة انحرافا فاحشا، ويراعى الدلك والموالاة في
الوضوء، والطمأنينة في الصلاة.(٥)
وكذلك يصح الاقتداء بإمام مخالف في المذهب
(١) ابن عابدين ٣٩٩/١، والدسوقي ٣٣٣/١، وكشاف القناع
٤٧٦/١، والمغني لابن قدامة ٢/ ١٩٥
(٢) مغني المحتاج ١/ ٤٤١
(٣) الشرواني على التحفة ٢٨٥/٢، وكشاف القناع ١/ ٤٧٦،
والمغني لابن قدامة ٢/ ١٩٤
(٤) ابن عابدين ٣٩٩/١
(٥) الفتاوى الهندية ٨٤/١، وابن عابدين ٣٧٨/١، ٣٧٩، =
إذا كان لا يعلم منه الإتيان بها يفسد الصلاة عند
المقتدي بيقين، لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم
من المسلمين لم يزل بعضهم يقتدي ببعض مع
اختلافهم في الفروع، ولما فيه من وحدة الصف
وقوة المسلمين.
أما إذا علم المقتدي أن الإِمام أتى بمانع لصحة
الصلاة في مذهب المأموم، وليس مانعا في مذهبه،
كترك الدلك والموالاة في الوضوء، أو ترك شرطا في
الصلاة عند المأموم، فقد صرح المالكية والحنابلة -
وهو رواية عند الشافعية - بصحة الاقتداء، لأن
المعتبر في شروط الصلاة مذهب الإِمام لا المأموم،
مالم يكن المتروك ركنا داخلا في الصلاة عند
المالكية، كترك الرفع من الركوع.
وفي الأصح عند الشافعية لا يصح الاقتداء
اعتبارا بنية المقتدي، لأنه يعتقد فساد صلاة إمامه،
فلا يمكن البناء عليه .
وقال الحنفية: إن تيقن المقتدي ترك الإِمام
مراعاة الفروض عند المقتدي لم يصح الاقتداء،
وإن علم تركه للواجبات فقط يكره، أما إن علم
منه ترك السنن فينبغي أن يقتدي به، لأن الجماعة
واجبة، فتقدم على ترك كراهة التنزيه، وهذا بناء
على أن العبرة لرأي المقتدي - وهو الأصح - وقيل :
الرأي الإمام، وعليه جماعة. قال في النهابة : وهو
الأقیس، وعلیه فیصح الاقتداء، وإن كان الإِمام لا
يحتاط. (١).
= والدسوقي ٣٣٣/١، وجواهر الإكليل ١/ ٨٠، ومغني المحتاج
٢٣٨/١، وكشاف القناع ٤٧٨/١
(١) ابن عابدين ٣٧٨/١
- ٣٧ -
اقتداء ٤٤ ، اقتراض ، اقتصار ١ - ٣
الاقتداء في غير الصلاة
٤٤ - الاقتداء في غير الصلاة - بمعنى التأسي
والاتباع - يختلف حکمه باختلاف المقتدي به،
فالاقتداء بالنبي ﴿ في أمور الدين وما يتعلق
بالشريعة واجب أو مندوب (بحسب حكم ذلك
الفعل)، والاقتداء بأفعاله رَال# الجبليّة حكمه
الإباحة، والاقتداء بالمجتهد فیما اجتهد فيه من
المسائل الفقهية مطلوب لمن ليس له أهلية الاجتهاد
عند الأصولیین. (١)
وتفصيل هذه المسائل في الملحق الأصولي،
وانظر مصطلحي (اتباع، وتأسی).
اقتراض
انظر : استدانة.
اقتصار
التعريف :
١ - الاقتصار على الشيء لغة : الاكتفاء به،
وعدم مجاوزته، وقد ورد استعمال الاقتصار بهذا
المعنى في بعض فروع الشافعية، كقولهم في كفاية
الرقيق: ولا يكفي الاقتصار على ستر العورة، قال
(١) المستصفى للغزالي ٢/ ٣٥٤، ٣٨٩، والتقرير والتحبير
٣١٢/٢، وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ٢/ ١٨٠،
١٨١، ٢١٤، ٢١٥، والأحكام للآمدي ١٦٧/٣، ١٧٠
الغزالي: ببلادنا احترازا عن بلاد السودان. وفي
الاستنجاء قال المحلي: وجمعهما (الماء والحجر) بأن
يقدم الحجر أفضل من الاقتصار على أحدهما.
والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على
الحجر، لأنه يزيل العين والأثر بخلاف الحجر. (١)
وقد جاء استعمال ((الاقتصار)) في المثالين
السابقين بمعناه اللغوي ((الاكتفاء)).
ولتمام الفائدة يراجع مصطلح: (استناد).
والاقتصار عند الفقهاء هو أن يثبت الحكم عند
حدوث العلة لا قبل الحدوث ولا بعده، کما في
الطلاق المنجز، وعرفه صاحب الدر المختار بأنه:
ثبوت الحكم في الحال، ومثل له ابن عابدين:
بإنشاء البيع والطلاق والعتاق وغيرها، (٢)
والتعريفان متقاربان .
ويتضح أن المعنى الاصطلاحي لم يخرج عن
المعنى اللغوي للاقتصار، لأن ثبوت الحكم في
الحال يعني الاكتفاء بالحال وعدم مجاوزته، لا إلى
الماضي ولا إلى المستقبل.
٢ - ويلاحظ في تعريف ((الاقتصار)) الأمور التالية:
أ - أنه أحد الطرق التي يثبت بها الحكم.
ب - ثبوت الحكم عن طريق الاقتصار يكون في
الحال، أي لا قبله ولا بعده.
جـ- أنه إنشاء ولیس بخبر.
د - أنه إنشاء منجز لا معلق.
الألفاظ ذات الصلة :
٣ - يتضح معنى الاقتصار من ذكر بقية الطرق التي
(١) لسان العرب مادة: (قصر)، والمحلي بهامش القليوبي ١/ ٤٢
(٢) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢/ ٤٤٤، وحاشية
الطحطاوي ٢/ ٢١
- ٣٨ -
اقتصار ٤ - ٦
يثبت بها الحكم وتعريفها، وهي ألفاظ ذات صلة
بالاقتصار.
قال الحصكفي : اعلم أن طرق ثبوت الأحكام
أربعة: الانقلاب، والاقتصار، والاستناد،
والتبیین. (١)
الانقلاب :
٤ - الانقلاب: صیر ورة مالیس بعلة علة، کما إذا
علق الطلاق بالشرط، كأن يقول الرجل لامرأته :
أنت طالق إن دخلت الدار، فإن ((أنت طالق)) علة
لثبوت حکمه، وهو الطلاق، لكنه بالتعليق على
الدخول لم ينعقد علة إلا عند وجود شرطه، وهو
الدخول، فعند وجود الشرط ينقلب ماليس بعلة
علة. (٢) ويتبين من تعريف الانقلاب أنه يتفق مع
الاقتصار في أنهما إنشاء لا خبر، إلا أنهما يختلفان في
أن الاقتصار منجز، والانقلاب معلق.
الاستناد :
٥- الاستناد : ثبوت الحكم في الحال، ثم يستند
إلى ماقبله بشرط بقاء المحل كل المدة، كلزوم
الزكاة حين الحول مستندا لوجود النصاب،
وکالمضمونات تملك عند أداء الضمان مستندا إلى
وقت وجود السبب. (٣)
(١) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٢/ ٤٤٣، والأشباه والنظائر
لابن نجيم ٣١٤ - ٣١٥
(٢) الدر المختار ٤٤٣/٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣١٤
(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣١٤، والدر المختار مع حاشية
ابن عابدين ٢/ ٢٤، وحاشية الطحطاوي ٢/ ١٢١، وحاشية
الحموي على الأشباه والنظائر ٢/ ١٥٦ - ١٥٧
فالأثر الرجعي هنا واضح، بخلاف الاقتصار
فليس فيه أثر رجعي .
الفرق بين الاستناد والاقتصار : (١)
٦ - الاستناد أحد الطرق الأربعة التي تثبت بها
الأحكام، وقد تبين من خلال تعريفه أن الاستناد
له أثر رجعي بخلاف الاقتصار.
جاء في المدخل الفقهي العام:
في الاصطلاح القانوني الشائع اليوم في عصرنا
یسمی انسحاب الأحكام على الماضي أثرا رجعیا،
ويستعمل هذا التعبير في رجعية أحكام القوانين
نفسها كما في آثار العقود على السواء. فيقال: هذا
القانون له أثر رجعي، وذاك لیس له، كما يقال: إن
بيع ملك الغير بدون إذنه إذا أجازه المالك يكون
إجازته أثر رجعي، فیعتبر حکم العقد ساریا منذ
انعقاده لا منذ إجازته، وليس في لغة القانون اسم
لعدم الأثر الرجعي .
أما الفقه الإسلامي فيسمي عدم رجعية الآثار
اقتصارا، بمعنى أن الحكم يثبت مقتصرا على
الحال لا منسحبا على الماضي.
ويسمي رجعية الآثار استنادا، وهو اصطلاح
المذهب الحنفي، ويسميه المالكية ((انعطاف)). (٢) ثم
أضاف صاحب المدخل :
وتارة يكون الانحلال مقتصرا ليس له انعطاف
(١) هذه التفرقة بين الاستناد والاقتصار، والمقارنة بالقانون مستمدة
من المدخل الفقهي العام للاستاذ الشيخ مصطفى الزرقا،
واللجنة ترى أنه استقراء دقيق واستنتاج مقبول مرجعه كتب
الفقه القديمة .
(٢) المدخل الفقهي العام ١/ ٥٣٣ - ٥٣٤ بتصرف.
- ٣٩ -
اقتصار ٧ - ٩
وأثر رجعي، وإنما يسري حكمه على المستقبل فقط
من تاريخ وقوعه، وذلك في العقود الاستمرارية
كالشركة وكالإجارة.
فالفسخ أو الانفساخ يقطعان تأثير هذه العقود
بالنسبة إلى المستقبل، أما مامضى فيكون على
حكم العقد، وكذا انحلال الوكالة بالعزل لا
ينقض تصرفات الوكيل السابقة. (١)
ثم يستحسن التمييز في تسمية انحلال العقد
بين حالتي الاستناد والاقتصار، فيقترح تسمية
الحل والانحلال في حالة الاستناد: فسخا
وانفساخا، وفي حالة الاقتصار: إنهاء وانتهاء. (٢)
٧ - هذا، ولم نر التصريح بهذين المصطلحين في
مذهب غير الحنفية، إلا أن الشافعية فرقوا بين
حالتين في الفسخ.
قال الإِمام السيوطي في كتابه الأشباه
والنظائر: (٣) الفسخ هل یرفع العقد من أصله، أو
من حينه؟ يمكن أن نفهم من قول السيوطي هذا
أنهم فرقوا بين مايرفع العقد من أصله وبين مايرفع
العقد من حينه، فيصدق على الأول الاستناد عند
الحنفية، وعلى الثاني الاقتصار عندهم أيضا.
فقد فرق السيوطي هنا بين ماله أثر رجعي،
وبین ما ليس له أثر رجعي .
٨ - وقد مثلوا لما يرفع العقد من حينه بمايلي:
أ - الفسخ بخيار العيب، والتصرية ونحوهما،
والأصح أنه من حينه.
ب - فسخ البيع بخيار المجلس أو الشرط فيه
(١) المرجع السابق : ص ٥٣٤
(٢) المدخل الفقهي العام: ٥٣٥
(٣) الأشباه والنظائر ٣١٧ - ٣١٨
وجهان، أُصحهما في شرح المهذب من حينه.
جـ- الفسخ بالفلس من حينه قطعا.
هـ - الرجوع في الهبة من حينه قطعا.
و- فسخ النكاح بأحد العيوب، والأصح: أنه
من حينه .
ز- فسخ الحوالة : انقطاع من حينه.
٩ -ومثّل لما يرفع العقد من أصله أيضا بقولهم: إذا
کان رأس مال السلم في الذمة، وعین في المجلس،
ثم انفسح السلم بسبب يقتضيه ورأس المال باق،
فهل يرجع إلى عينه أو بدله؟ وجهان: الأصح
الأول. قال الغزالي: والخلاف يلتفت الى أن
الْمُسْلَم فيه إذا رُدَّ بالعيب هل يكون نقضا للملك في
الحال، أو هو مبينّ لعدم جريان الملك؟.
ومقتضى هذا التفريع: أن الأصح هنا، أنه رفع
للعقد من أصله، ويجري ذلك أيضا في نجوم
الكتابة (أقساطها)، وبدل الخلع إذا وجد به عيبا
فرده .
لكن في الكتابة يرتد العتق لعدم القبض المعلق
عليه.
وفي الخلع: لا يرتد الطلاق بل یرجع إلى بدل
البضع.(١)
هذا ما ذهب إليه الإِمام السيوطي في الأشباه
والنظائر، في أن الفسخ یرفع العقد من أصله حینا
ومن حینه حینا آخر.
إلا أننا حينها نرجع إلى الروضة نجد الإِمام
النووي یرجح أن الفسخ یرفع العقد من حینه، وأن
الرفع من الأصل ضعيف. (٢)
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ٣١٧ - ٣١٨
(٢) الروضة ٤٨٩/٣
- ٤٠ -