Indexed OCR Text

Pages 221-240

اعتكاف ٣٠ - ٣٢
جميعا. (١)
ولا يكلف الذي خرج لحاجة الإسراع، بل له
المشي على عادته. (٢)
ب - الخروج للأكل والشرب :
٣٠ - ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن
الخروج للأكل والشرب یفسد اعتكافه إذا كان
هناك من يأتيه به لعدم الضرورة إلى الخروج، أما
إذا لم يجد من یأتیه به فله الخروج، لأنه خروج لما
لا بد منه .
وذهب الشافعية والقاضي من الحنابلة إلى أنه
يجوز له الخروج للأكل، لأن الأكل في المسجد
يستحيا منه. وكذا للشرب إذا لم يكن في المسجد
ماء.
وخص الشافعية جواز الخروج للأکل إذا كان
اعتكافه في مسجد مطروق، أما إذا كان المسجد
مهجورا فلا يحق له الخروج. (٣).
جـ - الخروج لغسل الجمعة والعيد :
٣١ - ذهب المالكية إلى أن للمعتكف الخروج
لغسل الجمعة والعيد ولحر أصابه فلا يفسد
الاعتكاف خلافا للجمهور. (٤)
وصرح الشافعية والحنابلة بأنه لا يجوز الخروج
لغسل الجمعة والعيد، لأنه نفل وليس بواجب
(١) مغني المحتاج ٤٥٧/١، وكشاف القناع ٣٥٦/٢، وبلغة
السالك ٥٤٦/١، وحاشية ابن عابدين ٤٤٥/٢
(٢) المجموع ٦/ ٥٠٢
(٣) مغني المحتاج ٤٥٧/١، وابن عابدين ٤٤٨/٢ - ٤٤٩،
والمغني ١٩٣/٣ ط الرياض، وبلغة السالك ١/ ٥٤٠
(٤) بلغة السالك ٥٤٦/١
وليس من باب الضرورة. فإن اشترط ذلك
جاز. (١)
د - الخروج لصلاة الجمعة :
٣٢ - من وجبت عليه الجمعة، وكان اعتكافه
متتابعا، واعتكف في مسجد لا تقام فيه الجمعة فهو
آثم، ويجب عليه الخروج لصلاة الجمعة، لأنها
فرض.
فإذا خرج للجمعة فقد ذهب الحنفية والحنابلة
إلى أن خروجه للجمعة لا يفسد اعتكافه، لأنه
خروج لما لابد منه، كالخروج لقضاء الحاجة .
وبه قال سعيد بن جبير والحسن البصري
والنخعي وأحمد وعبدالملك بن الماجشون وابن
المنذر.
وذهب المالكية في المشهور عندهم والشافعية إلى
أن خروج المعتكف لصلاة الجمعة يفسد اعتكافه
وعليه الاستئناف، لأنه يمكنه الاحتراز من
الخروج، بأن يعتكف في المسجد الجامع، فإذا لم
يفعل وخرج بطل اعتكافه، واستثنى الشافعية ما لو
شرط الخروج في اعتكافه لصلاة الجمعة، فإن
شرطه يصح، ولا يبطل اعتكافه بخروجه. (٢)
وذهب الحنفية إلى أن الخروج لصلاة الجمعة
یکون وقت الزوال، ومن بعد مسجد اعتكافه خرج
(١) الفتاوى الهندية ١٦/١، وابن عابدين ١٣٣/٢، وبلغة
السالك ١٣٨/١، والمقنع ٦٢/١، ومغني المحتاج ٢٥٧/١ -
٢٥٨
أما الخروج لغسل التنظف إذا احتاج إليه فاللجنة تری أنه لا
ينبغي أن يعتبر مما ينافي الاعتكاف.
(٢) ابن عابدين ٤٤٥/٢، وبلغة السالك ١/ ٥٤٠، وكشاف
القناع ٣٥٧/٢، والمجموع ٥١٤/٦، ومغني المحتاج ١/ ٤٥٧
والدسوقي ٥٤٣/١
- ٢٢١ -

اعتكاف ٣٣ - ٣٤
في وقت يدركها. أما الحنابلة فإنهم قالوا بجواز
التبکیر إلیھا.
واتفقوا على أن المستحب بعد صلاة الجمعة
التعجيل بالرجوع إلى مكان الاعتكاف. لكن لا
يجب عليه التعجيل لأنه محل للاعتكاف، وكره
تنزيها المكث بعد صلاة الجمعة لمخالفة ما التزمه بلا
ضرورة. (١)
هـ - الخروج لعيادة المرضى وصلاة الجنازة:
٣٣ - اتفق الفقهاء على عدم جواز الخروج لعيادة
المريض وصلاة الجنازة لعدم الضرورة إلى
الخروج، إلا إذا اشترط الخروج لهما عند الحنفية
والشافعية والحنابلة .
ومحل ذلك ما إذا خرج لقصد العيادة وصلاة
الجنازة. أما إذا خرج لقضاء الحاجة ثم عرج على
مريض لعيادته، أولصلاة الجنازة، فإنه يجوز بشرط
ألا يطول مكثه عند المريض، أو بعد صلاة الجنازة
عند الجمهور، بأن لا يقف عند المريض إلا بقدر
السلام، لقول عائشة رضي الله عنها: ((إنْ كنت
أدخل البيت للحاجة، والمريض فيه فما أسأل عنه
إلا وأنا مارة)).(٢)
وفي سنن أبي داود مرفوعا عنها: أنه عليه
الصلاة والسلام ((کان یمر بالمريض، وهو معتكف،
فيمر كما هوولا يعرج يسأل عنه)). (٣)
(١) ابن عابدين ٤٤٥/٢ - ٤٤٦، وكشاف القناع ٣٥٧/٢
(٢) الأثر عن عائشة رضي الله عنها ((إن كنت أدخل البيت
للحاجة ... )) أخرجه مسلم (صحيح مسلم ١/ ٢٤٤ ط عيسى
الحلبي).
(٣) حديث عائشة ((أنه عليه الصلاة والسلام كان يمر
بالمريض ... )) أخرجه أبو داود وضعفه ابن حجر في التلخيص
(سنن أبي داود ٨٣٦/٢ ط استانبول، والتلخيص الحبير
٢١٩/٢)
فإن طال وقوفه عرفا، أو عدل عن طريقه وإن
قل لم يجز، وعند أبي يوسف ومحمد لا ينتقض
الاعتكاف إذا لم یکن أکثر من نصف النهار. (١)
أما المالكية فإنهم مع الجمهور في فساد
الاعتكاف لخروج عيادة المريض وصلاة الجنازة،
إلا أنهم أوجبوا الخروج لعيادة أحد الأبوين
المريضين أو كليهما ، وذلك لبرهما فإنه آكد من
الاعتكاف المنذور، ويبطل اعتكافه به
ویقضیه . (٢)
و - الخروج في حالة النسيان :
٣٤ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الخروج من
المسجد عمدا أوسهوا يبطل الاعتكاف. وعللوا
ذلك بأن حالة الاعتكاف مذكرة، ووقوع ذلك
نادر، وإنما يعتبر العذر فیما یغلب وقوعه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم البطلان إذا
خرج ناسيا، (٣) لقول النبي وآله: ((عفي لأمتي عن
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). (٤)
(١) مغني المحتاج ٤٥٨/١، ونهاية المحتاج ٢٢٣/٣، والبحر
الرائق ٣٢٥/٢ - ٣٢٦، والمغني ١٩٥/٣ - ١٩٦، والمجموع
٥١٠/٦
(٢) الدسوقي مع الشرح الكبير ٥٤٣/١، ٥٤٨
(٣) الفتاوى الهندية ٢١٢/١، والحطاب ٢/ ٤٥٧، والدسوقي
٥٤٥/١، وابن عابدين ٢/ ٤٤٧، والمجموع ٦/ ٥٢٠ -
٥٢١، وكشاف القناع ٣٥٨/٢، والطحطاوي على الدر
١/ ٤٧٥، والطحاوي على مراقي الفلاح ص ٣٨٤
(٤) حديث: ((عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا
عليه ... )). أخرجه ابن ماجة من حديث أبي ذر الغفاري
مرفوعا بلفظ ((إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استکرهوا علیه».
قال الحافظ البوصيري : إسناده ضعيف، كما أخرجه
ابن ماجة عن طريق الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس بلفظ =
- ٢٢٢ -

اعتكاف ٣٥ - ٣٧
ز - الخروج لأداء الشهادة :
٣٥ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الخروج لأجل
الشهادة مفسد للاعتكاف.
وصرح المالكية بأن من وجبت عليه شهادة، بألا
یکون هناك غيره، أولا یتم النصاب إلا به، لا
نخرج من المسجد لأدائها، بل يجب أن يؤديها في
المسجد إما بحضور القاضي، أو تنقل عنه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يلزمه الخروج
لأداء الشهادة متى تعينت عليه ويأثم بعدم
الخروج، وكذلك التحمل للشهادة إذا تعين،
فيجوز له الخروج ولا يبطل اعتكافه بذلك
الخروج، لأنه خروج واجب (١) على الأصح عند
الشافعية، أما إذا لم تتعين عليه، فيبطل اعتكافه
بالخروج.
= ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» قال
الحافظ البوصيري: إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع،
والظاهر أنه منقطع بدليل زيادة عبيد بن عمير في الطريق
الثاني. وأخرجه الحاكم عن طريق الأوزاعي عن عطاء بن أبي
رباح عن عبيد بن عمير عن ابن عباس رضي الله عنهما بهذا
المعنى وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه وسكت عنه الذهبي.
قال ابن أبي حاتم في علله: سألت أبي عن حديث رواه
الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس عن
النبي# ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
عليه)» وعن الوليد عن نافع عن ابن عمر مثله، وعن الوليد عن
ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن عامر مثله، فقال أبي: هذه
أحاديث منكرة كأنها موضوعة، ولا يصح هذا الحديث، ولا
یثبت إسناده.
(سنن ابن ماجة ٦٥٩/١ ط عيسى الحلبي، والمستدرك
١٩٨/٢ نشر دار الكتاب العربي، ونصب الراية ٦٥/٢ - ٦٦
ط دار المأمون).
(١) المجموع ٦/ ٥١٤ - ٥١٥، وابن عابدين ٢/ ٥٤٧، وكشاف
القناع ٣٥٧/٢، والدسوقي مع الشرح الكبير ٥٤٣/١.
ح - الخروج للمرض :
المرض على قسمين :
٣٦ - المرض اليسير الذي لا تشق معه الإقامة في
المسجد کصداع وحمی خفيفة وغير هما لا يجوز معه
الخروج من المسجد إذا كان اعتكافه منذورا
متتابعا، فإن خرج فسد اعتكافه لأنه غير مضطر
إليه.
٣٧ - أما المرض الشديد الذي يتعذر معه البقاء في
المسجد، أولا يمكن البقاء معه في المسجد، بأن
يحتاج إلى خدمة أو فراش أو مراجعة طبيب، فقد
ذهب الحنفية إلی أن خروجه مفسد لاعتكافه،
ففي الفتاوى الهندية: إذا خرج ساعة بعذر المرض
فسد اعتكافه. هكذا في الظهير ية. علما بأن
مذهب أبي يوسف ومحمد اعتبار نصف النهار كما
تقدم .
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا يبطل ولا
ينقطع به التتابع، ويبني على ما مضى إذا شفي،
وهو الأصح عند الشافعية. وکذلك إذا كان المرض
مما يتلوث به المسجد كالقيء ونحوه فإنه لا ينقطع به
التتابع .
أما الخروج حالة الإغماء فإنه لا يقطع
الاعتكاف في قولهم جمیعا، لأنه لم يخرج باختياره.
قال الكاساني : وإن أغمي عليه أياما، أو
أصابه لمم (جنون) فسد اعتكافه، وعلیه إذا برأ أن
يستقبل، لأنه لزمه متتابعا.
وعند الشافعية أن المرض والإغماء يحسبان من
الاعتكاف (١)
(١) المجموع ٥١٦/٦ - ٥١٧، وكشاف القناع ٣٥١/٢، ٣٥٧ -
٣٥٨، والفتاوى الهندية ٢١٢/١، والدسوقي مع الشرح
الکبیر ٥٥١/١ - ٥٥٢
- ٢٢٣ -
:

اعتكاف ٣٨ - ٤٢
وفي معنى المرض هذا، الخوف من لص أو
حريق عند الشافعية . (١)
ط - الخروج لانهدام المسجد :
٣٨ - إذا انهدم المسجد فخرج منه ليقيم اعتكافه في
مسجد آخر صح ذلك عند الحنفية استحسانا،
وكذلك عند غيرهم. (٢)
ي - الخروج حالة الإكراه :
٣٩ - اتفق الفقهاء على أن الخروج بسبب الإِكراه
لحكومة لا يفسد الاعتكاف قبل تمام الاعتكاف.
إلا أن الحنفية أطلقوا القول بأن الإِكراه لا يفسد
الاعتكاف إذا دخل المعتكف مسجدا اخر من
ساعته. وهذا استحباب منهم، أما إذا لم يدخل
مسجدا آخر، فيبقى الحكم على أصل القياس وهو
البطلان . (٣)
ك - خروج المعتكف بغير عذر :
٤٠ - تقدم أن خروج المعتکف إن کان بعذر طبيعي
أو شرعي جازله الخروج على خلاف في ذلك.
أما إذا خرج المعتكف بدون عذر فسد اعتكافه -
حسب اعتبار الفقهاء للعذر وعدمه ۔ ولو کان زمن
الخروج یسیرا، إلا عند أبي يوسف ومحمد من
الحنفية، فإنهما قيدا زمن المفسد بأكثر من نصف
النهار. (٤)
(١) مغني المحتاج ٤٥٨/١
(٢) الإِنصاف ٣٧٧/٣، والمجموع ٦/ ٥٢٢ -٥٢٣، والفتاوى
الهندية ٢١٢/١، والقوانين الفقهية ٨٥
(٣) الفتاوى الهندية ٢١٢/١، ومغني المحتاج ١/ ٤٥٨،
والدسوقي ٥٤٩/١، وكشاف القناع ٣٥٧/٢
(٤) تبيين الحقائق ٣٥١/١، وابن عابدين ١٣٣/٢ ط بولاق.
ل - حد الخروج من المسجد :
٤١ - حد الخروج من المسجد أن يخرج بجميع
جسده، فإن خرج ببعضه لم يضر، لقول عائشة
رضي الله عنها: ((كان رسول الله {# يدني إليّ
رأسه وأنا في حجرتي، فأرجّل رأسه وأنا
حائض)). (١)
م - ما يعتبر من المسجد وما لا يعتبر :
٤٢ - اتفق الفقهاء على أن المراد بالمسجد الذي
يصح فيه الاعتكاف، ما كان بناء معدا للصلاة
فيه .
أما رحبة المسجد، وهي ساحته التي زيدت
بالقرب من المسجد لتوسعته، وكانت محجرا عليها،
فالذي يفهم من كلام الحنفية والمالكية والحنابلة في
الصحيح من المذهب أنها ليست من المسجد،
ومقابل الصحيح عندهم أنها من المسجد، وجمع
أبو يعلى بين الروايتين بأن الرحبة المحوطة وعليها
باب هي من المسجد. وذهب الشافعية إلى أن
رحبة المسجد من المسجد، فلو اعتكف فيها صح
اعتكافه، وأما سطح المسجد فقد قال ابن قدامة:
يجوز للمعتكف صعود سطح المسجد، ولا نعلم فيه
خلافا .
أما المنارة فإن كانت في المسجد أو بابها فيه فهي
من المسجد عند الحنفية والشافعية والحنابلة.
(١) حديث عائشة رضي الله عنها ((كان رسول الله {# يدني إلىّ
رأسه ... )) أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له (فتح الباري
٢٧٢/٤ ط السلفية، وصحيح مسلم ٢٤٤/١ ط عيسى
الحليي).
وانظر كشاف القناع ٢/ ٣٦٠، ومغني المحتاج ١/ ٤٥٧،
وبلغة السالك ١/ ٥٤٠، وابن عابدين ١٣٣/٢ ط بولاق.
- ٢٢٤ -

اعتكاف ٤٣ - ٤٥
وإن کان بابها خارج المسجد أو في رحبته فهي
منه، ويصح فيها الاعتكاف عند الشافعية.
وإن كان بابها خارج المسجد فيجوز أذان
المعتكف فيها، سواء أكان مؤذنا أم غيره عند
الحنفية، وأما عند الشافعية فقد فرقوا بين المؤذن
الراتب وغيره، فيجوز للراتب الأذان فيها وهو
معتكف دون غيره، قال النووي: وهو
الأصح.(١)
الثالث من المفسدات - الجنون :
٤٣ - إذا طرأ على المعتكف الجنون، وكان زمنه
قليلا فإنه لا يفسد الاعتكاف في قول الفقهاء
جميعا. أما إذا طال الجنون فالجمهور على أنه لا
يقطع الاعتكاف، ومتى أفاق بنى. وذهب الحنفية
إلى أن القياس سقوط القضاء قياسا على سقوط
قضاء الصوم إذا جُنَّ، إلا أن الاستحسان أنه
يقضي إذا طال جنونه سنة فأكثر، وجه الاستحسان
أن سقوط القضاء في صوم رمضان إنما كان لدفع
الحرج، لأن الجنون إذا طال قلما يزول، فيتكرر
عليه صوم رمضان فيحرج في قضائه، وهذا المعنى
لا يتحقق في الاعتكاف. (٢)
واختلف الحنابلة فيه، هل یبنی او یبتدىء؟ بناء
على خلافهم في بطلان الصوم. (٣)
(١) ابن عابدين ٢/ ٤٤٥، والمجموع ٦/ ٥٠٦ - ٥٠٧،
والإنصاف ٣٦٤/٣ - ٣٦٥، والدسوقي ٥٤٧/١، والزرقاني
٢٢٤/٢، وكشاف القناع ٣٥٢/٢، والمغني ١٩٧/٣ ط
الریاض.
(٢) ابن عابدين ١٣٦/٢
(٣) الفروع ١٤٨/٣، والمجموع ٥١٨/٦، والدسوقي ١/ ٥٥١،
وبدائع الصنائع ١٠٧٦/٣
الرابع - الردة :
٤٤ - يبطل الاعتكاف بالردة على قولهم جميعا،
لكن إذا تاب وأسلم هل يجب استئناف
الاعتكاف؟
ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى عدم وجوب
الاستئناف بعد توبته، فيسقط عنه القضاء لما بطل
بردته، ولا يبني على ما مضى. لقوله تعالى: (قل
للذين كفروا إن يَنتهوا يُغْفَرْ لهم ما قد سَلَفَ)(١)
وقوله وَ﴾: ((الإِسلام يَحُبُّ ما كان قبله)). (٢)
ومذهب الشافعية وجوب الاستئناف. (٣)
الخامس - السكر :
٤٥ - ذهب الحنابلة إلى أن السكر بالحرام مفسد
للاعتكاف، وعليه المالكية والشافعية إذا كان
بسبب حرام. ولم يره الحنفیة مفسدا إن وقع ليلا،
أما إن كان في النهار فإنه يبطل الصوم فيبطل
الاعتكاف، لأنه كالإغماء لا يقطع التتابع. وألحق
المالكية بالسكر الحرام استعمال المخدر إذا
خدره . (٤)
(١) سورة الأنفال / ٣٨
(٢) حديث ((الإسلام يجب ما كان قبله ... )) أخرجه ابن سعد في
الطبقات من حديث الزبير بن العوام وجبير بن مطعم، وعزاه
المناوي إلى الطبراني وحكم عليه الألباني بالصحة. (فيض
القدير ١٧٩/٣ - ١٨٠ ط المكتبة التجارية، وصحيح الجامع
الصغير بتحقيق الألباني ٢/ ٤١١ نشر المكتب الإسلامي).
(٣) مغني المحتاج ٤٥٥/١، وكشاف القناع ٣٦٢/٢، وبدائع
الصنائع ١٠٧٦/٣، والشرح الكبير مع الدسوقي ٥٤٣/١
(٤) بدائع الصنائع ١٠٧٤/٣، والدسوقي مع الشرح الكبير
٥٤٤/١، ومغني المحتاج ٤٥٤/١ - ٤٥٥، وكشاف القناع
٣٦٢/٢
- ٢٢٥ -

اعتكاف ٤٦ - ٤٩
السادس : الحيض والنفاس :
٤٦ - يجب على الحائض والنفساء الخروج من
المسجد، إذ يحرم عليهما المكث فيه، ولأن الحيض
والنفاس يقطعان الصيام .
والحائض والنفساء یبنیان وجوبا وفورا - في نذر
الاعتكاف المتتابع - بمجرد زوال العذر، فإذا تأخرتا
بطل الاعتكاف. ولا يحسب زمن الحيض والنفاس
من الاعتكاف.
وأما المستحاضة ، فإنها إن أمنت التلويث لم
تخرج عن اعتكافها، فإن خرجت بطل
اعتكافها. (١)
وشرط الشافعية لعدم انقطاع الاعتكاف
بالحیض والنفاس ألا تكون مدة الاعتكاف بحیث
تخلو عن الحيض، فإن كانت مدة الاعتكاف بحيث
تخلو عن الحيض انقطع التتابع في الأظهر، لإِمكان
الموالاة بشروعها عقب الطهر، والقول الثاني:
لا ينقطع، لأن جنس الحيض مما يتكرر في الجملة،
فلا يؤثر في التتابع كقضاء الحاجة.
وقال الحنابلة : تخرج المرأة للحیض والنفاس
إلى بيتها إن لم يكن للمسجد رحبة على تفصيل
ینظر في کتبهم. (٢)
ما یباح للمعتكف وما یکره له :
٤٧ - كره العلماء للمعتكف فضول القول والعمل
(١) بلغة السالك مع الشرح الصغير ٥٤٨/١، ومغني المحتاج
٤٥٥/١، ٤٥٨، وابن عابدين ١٣٣/٢ ط بولاق، والإنصاف
٣٧٤/٣، وكشاف القناع ٣٥٨/٢، وحاشية الطحطاوي على
الدر المختار ٤٧٣/١
(٢) مغنى المحتاج ٤٥٥/١، ٤٥٨، والإنصاف ٣٧٤/٣
مع اختلافهم فيما يعتبر مكروها أومباحا على
التفصيل التالي :
أ - الأكل والشرب والنوم :
يباح للمعتكف الأكل والشرب والنوم في
المسجد في قولهم جميعا.
وزاد المالكية أن اعتكاف من لا يجد من يأتيه
بحاجته من الطعام والشراب مكروه. أما النوم
للمعتكف فمحله المسجد، لأن خروجه للنوم لیس
بعذر، ولم يذكر أحد أن الخروج للنوم جائز. (١)
ب - العقود والصنائع في المسجد :
٤٨ - يباح عقد البيع وعقد النكاح والرجعة،
وبذلك صرح الحنفية والشافعية إذا احتاج إليه
لنفسه أو عياله، فلو لتجارة كره، وعند الحنابلة لا
يجوز للمعتكف البيع والشراء إلا لما لابد له منه
خارج المسجد من غير وقوف لذلك.
أما إذا خرج لأجلها فسد اعتكافه في قولهم
جميعا.
وعند المالكية يجوز أن ینکح لنفسه، وأن ینکح
من في ولايته في مجلسه داخل المسجد بغير انتقال
ولا طول مدة، وإلا كره. (٢)
وصرح الحنفية بأن إحضار المبيع في المسجد
مكروه تحريما، لأن المسجد محرز عن مثل ذلك. (٣)
٤٩ - وذهب المالكية إلى كراهة الكتابة للمعتكف
(١) حاشية ابن عابدين ٤٤٨/٢، والدسوقي ٥٤٧/١ - ٥٤٨،
وكشاف القناع ٣٥٦/٢، ومغني المحتاج ٤٥٧/١ - ٤٥٨
(٢) ابن عابدين ٤٤٨/٢ - ٤٤٩، والدسوقي ٥٤٨/١، ومغني
المحتاج ٤٥٢/١، وكشاف القناع ٢/ ٣٦٢، والمغني ٢٠٩/٣
ط الرياض.
(٣) ابن عابدين ٢/ ٤٤٩
- ٢٢٦ -

اعتكاف ٥٠-٥١
وإن کان مصحفا أو علما إن کثر، ولا بأس بالیسیر
وإن کان ترکه أولى .
وعن ابن وهب أنه يجوز له كتابة المصحف
للثواب لا للأجرة، بل ليقرأ فيه وينتفع من كان
محتاجا .
وذهب الشافعية إلى أنه لا يكره للمعتكف
الصنائع في المسجد كالخياطة والكتابة ما لم يكثر
منها، فإن أكثر منها كرهت لحرمته، إلا كتابة
العلم، فلا يكره الإِكثار منها، لأنها طاعة لتعليم
العلم .
أما إذا احترف الخياطة والمعاوضات من بيع
وشراء بلا حاجة فتكره وإن قلت. (١)
وقال الحنابلة : يحرم التكسب بالصنعة في
المسجد، كالخياطة وغيرها والكثير والقليل
والمحتاج وغيره سواء. (٢)
جـ - الصمت :
٥٠ - ذهب الحنفية إلى أن الصمت مكروه تحريما
حالة الاعتكاف إن اعتقده قربة، أما إذا لم يعتقده
قربة فلا، لحديث ((من صمت نجا)) (٣) ويجب
الصمت عن الغيبة وإنشاد الشعر القبيح وترويج
سلعة وغير ذلك.
الدسوقي ٥٤٨/١، ومغني المحتاج ١/ ٤٥٢
(١)
(٢) الإنصاف ٣٨٦/٣
(٣)
حديث ((من صمت نجا ... )) أخرجه الترمذي من حديث
عبد الله بن عمرو مرفوعا وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه
إلا من حديث ابن لهيعة، وأبو عبد الرحمن الحبلى هو
عبد الله بن يزيد. وأورده المنذري في الترغيب والترهيب
وقال: رواه الترمذي وقال: حديث غريب. والطبراني
ورواته ثقات (سنن الترمذي ٤/ ٦٦٠ ط استانبول،
والترغيب والترهيب ٥/ ١٧٠ ط مطبعة السعادة).
وقال الحنابلة : إن التقرب بالصمت لیس من
شريعة الإِسلام. قال ابن عقيل: يكره الصمت
إلى الليل .. وقال الموفق والمجد: ظاهر الأخبار
تحريمه، وجزم به في الكافي، قال في الاختيارات:
والتحقيق في الصمت أنه إن طال حتى تضمن ترك
الكلام الواجب صار حراما، وكذا إن تعمد
بالصمت عن الكلام المستحب، والكلام المحرم
يجب الصمت عنه، وفضول الكلام ينبغي الصمت
عنها، وإن نذر الصمت لم یف به، حديث علي
قال: ((حفظت من النبي و لو أنه قال: ((لا صمات
يوم إلى الليل)). (١)
د - الكلام :
٥١ - ينبغي للمعتكف ألا يتكلم إلا بخير، وأن
يشتغل بالقرآن والعلم والصلاة على رسول الله اله
والذكر، لأنه طاعة في طاعة، وكتدريس سيرة
الرسول عليه الصلاة والسلام وقصص الأنبياء
وحکایات الصالحین.
قال الحنفية : يكره للمعتكف تحريما التكلم إلا
بخير، وهو ما لا إثم فيه .
(١) ابن عابدين ٤٤٩/٢، وكشاف القناع ٣٦٢/٢ - ٣٦٣
وحدیث ((لا صمات یوم إلى الليل ... )) أخرجه أبو داود من
حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال المنذري: في
إسناده محمد بن المدني الجاري، قال البخاري: يتكلمون
فيه، وقال ابن حبان: يجب التنكب على ما أخذه من
الروايات. وذكر العقيلي هذا الحديث وذكـ أن هذا الحديث لا
يتابع عليه يحيى، قال صاحب عون المعبود: وقد روي هذا
الحديث من رواية جابر بن عبدالله وأنس بن مالك. وليس
فيهما شيء يثبت. ونقل المناوي عن النووي قوله: إسناده
حسن (عون المعبود ٣/ ٧٤ ط الهند، وفيض القدير ٦/ ٤٤٤
ط المكتبة التجارية).
- ٢٢٧ -

اعتكاف ٥١ - ٥٢، اعتمار، اعتمام
وعند المالكية أن الاشتغال بغير الذكر والتلاوة
والصلاة مكروه، أما هذه الثلاثة ففعلها مستحب.
وقال الحنابلة : يستحب له اجتناب ما لا يعنيه
من جدال ومراء وكثرة كلام وغيره، لقوله عليه
الصلاة والسلام («من حسن إسلام المرء تركه ما
لا يعنيه))، (١) لأنه مكروه في غير الاعتكاف ففيه
أولی .
روی الخلال عن عطاء قال: «كانوا يكرهون
فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام :
ما عدا كتاب الله أن تقرأه، أو أمرا بمعروف، أو
نهیا عن منكر، أو تنطق في معيشتك بما لابد لك
منه». (٢)
ويكره عند المالكية والحنابلة للمعتكف
الاشتغال بتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ونحو
ذلك من غير العبادات التي يختص نفعها به، لأن
النبي وَّير كان يعتكف، فلم ينقل عنه الاشتغال
بغير العبادات المختصة به .
وعند ابن وهب من المالكية، وأبي الخطاب من
الحنابلة استحباب ذلك لأنه من أنواع البر إذا قصد
الطاعة لا المباهاة. (٣)
(١) حديث: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ... ))
أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا
وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن
أبي هريرة عن النبي ◌َ# إلا من هذا الوجه. وأخرجه مالك
والترمذي عن طريقه من حديث علي بن الحسين مرسلا. قال
محقق الموطأ محمد فؤاد عبدالباقي: والحديث حسن بل صحيح
(تحفة الأحوذي ٦/ ٦٠٦ - ٦٠٩ نشر المكتبة السلفية، والموطأ
للإِمام مالك ٢/ ٩٠٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) ابن عابدين ٤٤٩/٢ - ٤٥٠، والدسوقي ٥٤٨/١، والجمل
٣٦٤/٢، وكشاف القناع ٣٦٢/٢
(٣) الدسوقي ٥٤٨/١، وكشاف القناع ٣٦٣/٢ - ٣٦٤
هــ الطيب واللباس
٥٢ - يجوز للمعتكف أن يتطيب بأنواع الطيب في
ليل أو نهار عند المالكية والشافعية، سواء أكان رجلا
أم امرأة عند المالكية، وهو المشهور في مذهبهم.
وكذا يجوز عند المالكية والشافعية أخذ الظفر
والشارب، وقيد المالكية الجواز بكونه خارج المسجد
إذا خرج لعذر.
أما حلق الرأس ، فقال المالكية : يكره مطلقا
إلا أن يتضرر.
وزاد الشافعية التصريح بجواز لبس الثياب
الحسنة، لأصل الإِباحة.
وقال الحنابلة : يستحب للمعتكف ترك لبس
رفيع الثياب، والتلذذ بما يباح له قبل الاعتكاف،
ويكره له الطيب. قال أحمد: لا يعجبني أن
یتطيب. (١)
اعتمار
انظر : عمرة.
اعتمام
انظر : عمامة .
(١) الدسوقي ٥٤٩/١، ومغني المحتاج ٤٥٢/١، وكشاف
القناع ٣٦٤/٢
- ٢٢٨ -

اعتناق ، اعتیاد ، اعتیاض ١ - ٢
اعتناق
انظر : معانقة، اعتقاد.
اعتياد
انظر : عادة.
اعتیاض
التعريف :
١ - الاعتياض لغة : أخذ العوض، والاستعاضة:
طلب العوض. (١)
ولا يخرج الاستعمال الفقهي عن ذلك، وقد
يطلق الفقهاء الاستعاضة على أخذ العوض.
الحكم الإجمالي :
٢ - الاعتياض نوع من التصرفات المشروعة على
سبيل الجواز في الجملة إذا كان صادرا ممن هو أهل
للتصرف فیما يجوز له التصرف فيه، إلا فيما يخالف
الشرع، أو مايتعلق به حق الغير. ودليل ذلك قوله
تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم
(١) المصباح المنير، ومختار الصحاح (عوض)
بالباطل إلا أن تكون تجارةٌ عن تراضٍ منكم)(١)
وقوله تعالى: (فإِن أَرضعْن لكمْ فَآتوهُنْ
أجورهن)،(٢) وقوله تعالى: (فلا جُناح عليهما فيما
افتَدَتْ به)(٣) وقوله تعالى: (فکاِبوهم إن عَلِمْتم
فيهم خيرا)، (٤) وقول النبي لاغير: ((الصلح جائز
بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل
حراما)). (٥)
والحكمة تقتضي ذلك للتعاون، ولتعلق حاجة
الإنسان بما في يد صاحبه ولا يبذله له بغير عوض،
ومراعاة حاجة الناس أصل في شرع العقود. (٦)
وقد تعرض له الأحكام التكليفية، فیکون واجبا
(١) سورة النساء / ٢٩
(٢) سورة الطلاق / ٦
(٣) سورة البقرة / ٢٢٩
(٤) سورة النور / ٣٣
(٥) حديث ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل
حراما)». أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث عمرو بن عوف
المزني، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه
الحاكم وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد
نوقش الترمذي في تصحيحه هذا الحدیث، لأن في إسناده كثير بن
عبدالله وهو ضعيف جدا، كما أن في إسنادي الحاكم وابن حبان
کثیر بن زيد، وكثير هذا ضعفه النسائي ومشاه غيره.
قال الشوكاني بعد أن ذكر طرق الحديث المختلفة: لا يخفى أن
الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض فأقل أحوالها أن
یکون المتن الذي اجتمعت عليه حسنا (تحفة الأحوذي ٤/ ٥٨٤،
٥٨٥ نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن ماجة ٧٨٨/٢ ط عيسى
الحلبي، والمستدرك ٤٩/٢، وموارد الظمآن ص ٢٩١ نشر دار
الكتب العلمية، ونيل الأوطار ٣٧٨/٥، ٣٧٩ ط دار الجيل).
(٦) منتهى الإرادات ٢/ ١٤٠، ٣٥٠، ١٠٧/٣ ومنح الجليل
٤٦٢/٢، ٧٣٦/٣، وبداية المجتهد ٢/ ٦٦ ط الحلبي ثالثة،
والبدائع ١٧٤/٤، والمبسوط ٧٥/١٥، والاختيار ٣٥/٤،
والمغني ٣/ ٥٦٠، ونهاية المحتاج ٣/ ٣٦٤، وقليوبي ٣٠٧/٣،
والفواكه الدواني ٣١٢/٢
- ٢٢٩ -

اعتیاض ٣ - ٥
كما إذا أخرج الولي أو الوصي أو الناظر شيئا مما
بيدهم، فيجب عليهم الاعتياض عنه، لمنعهم من
التبرع.(١)
وقد یکون مندوبا كالاستجابة حالف علیه فيما
لا ضرر فيه، لأن إبرار القسم مندوب.(٢) وقد
يكون حراما كأخذ ثمن الخمر، والخنزير، ومهر
البغي، وحلوان الكاهن، وكأخذ الأجرة على
المعاصي. (٣) وهكذا كل معاوضة خالفت أمر
الشارع.
وكأخذ بدل الخلع إن عضلها الزوج، أي
ضايقها بدون سبب من جهتها لتختلع منه . (٤)
مايجري فيه الاعتیاض وأسبابه :
٣ - الاعتياض يجري في كل ما يملكه الإنسان من
عين، أودين، أومنفعة، أوحق إذا كان ذلك
موافقا للقواعد العامة للشرع.
والأصل في الأعواض وجوبها بالعقود فإِنها
أسبابها، والأصل ترتب المسببات على أسبابها .
والاعتیاض یتم بواسطة عقد بين طرفين وهو
ما يسمى بعقود المعاوضات التي يتم العقد فيها على
الملك كالبيع، أو على المنفعة كالإِجارة والجعالة،
ومن ذلك مايتم ضمن عقود أخرى، كالصلح
بأقسامه المعروفة، وكهبة الثواب.
ويلحق بذلك الإسقاط بعوض، كالخلع.
وكتابة العبد، والاعتياض عن الحقوق التي ليست
بعين ولا دين ولا منفعة كحق القصاص.
(١) حاشية الدسوقي ٣/ ٣٠٠، ٣٠١، والمهذب ٣٣٥/١
(٢) منح الجليل ٢/ ٤٦٢
(٣) ابن عابدين ٤/ ٦، والشرح الصغير ٤/ ١١
.
(٤) الاختيار ٣/ ١٥٧
يقول القرافي: تصرفات المكلفين إما نقل أو
إسقاط أو ... الخ.
والنقل ينقسم إلى ماهو بعوض في الأعيان
كالبيع والقرض، أو في المنافع كالإِجارة، ويندرج
فيها المساقاة والقراض والمزارعة والجعالة، وإلى
ماهو بغير عوض كالهدايا والوصايا ... الخ.
والإسقاط إما بعوض كالخلع والعفو على مال
والكتابة، أو بغير عوض كالإِبراء من الديون ...
الخ. (١)
أقسام المعاوضات :
٤ - المعاوضات قسمان :
أ-معاوضات محضة، وهي مايقصد فيها المال من
الجانبين، والمراد بالمال ما يشمل المنفعة، كالبيع
والإِجارة، وهذه العقود يفسد العقد فيها بفساد
العوض .
ب - معاوضات غير محضة، وهي ما يقصد فيها
المال من جانب واحد كالخلع. وهذه لا يفسد العقد
فيها بفساد العوض. (٢)
ولكل عقد من عقود المعاوضات - سواء أكانت
محضة أم غير محضة - أركانه وشرائطه الخاصة وتنظر
في أبوابها .
شرائط إجمالية للاعتياض :
٥ - في الجملة يجب أن يتوافر في عقود المعاوضات
المحضة مايأتي :
(١) الذخيرة ص ١٥١، ١٥٢ نشر وزارة الأوقاف بالكويت،
والمنثور في القواعد ٢٢٧/٣، ٢٢٨ نشر وزارة الأوقاف
بالكويت.
(٢) المنثور في القواعد ٤٠٣/٢، ١٨٥/٣، ١٨٦، وإعلام
الموقعين ٤/٢
- ٢٣٠ -

اعتیاض ٥ - ٧
أ - أن يكون محل العقد مما يمكن تطبيق مقتضى
العقد علیه، ويصلح لاستیفائه منه، فلا يجوز
الاعتیاض عما لا يصلح محلا للعقد، كالميتة والدم،
ولا عن المعدوم كنتاج النتاج، ولا عن المباحات
كالكلأ، ولا الإِجارة على المعاصي وهكذا.
ب - أن يكون محل العقد خاليا من الغرر الذي
یؤدي إلی النزاع والخلاف، فلا يجوز عقد اعتیاض
على الجمل الشارد، والسمك في الماء، والطير في
الهواء، وهكذا.
جـ- أن یکون العقد خالیا من الربا.
والعوض والمعوض فيما مرّ سواء. (١)
ولا يخلو الأمر عند تفصيل ذلك وتطبيقه على
الفروع والجزئيات من اختلاف الفقهاء وتشعب
آرائهم فيه، يقول الكاساني: العوض في
المعاوضات المطلقة قد یکون عینا، وقد یکون دینا،
وقد يكون منفعة، إلا أنه يشترط القبض في بعض
الأعواض في بعض الأحوال دون بعض. (٢)
فمثلا صفة الجودة في الأموال يجوز الاعتیاض
عنها، لكن ذلك ساقط في الأموال الربوية تعبدا (٣)
لما ورد من قوله مثل: ((جيدها ورديئها سواء)) (٤)
(١) البدائع ١٣٨/٥ ومابعدها، وابن عابدين ٥/٤، ٦ والهداية
٦١/٣، ٢٣١، ٢٤٠، وبداية المجتهد ٢/ ١٢٥ ط الحلبي
ثالثة، ومنح الجليل ٢/ ٤٧٨، ٤٧٩، ٣/ ٧٧٨ ومابعدها،
والمهذب ٢٦٨/١ وما بعدها، ٤٠١، والمغني ٢٢١/٤ -٢٨٣،
ومنتهى الإرادات ٢/ ٣٥١
(٢) البدائع ٤٢/٦
(٣) البدائع ٤٦/٦، والمغني ٤/ ٤٢
(٤) حديث: ((جيدها ورديئها سواء)). أورده الزيلعي في نصب
الراية واستغربه وقال: ومعناه یؤخذ من إطلاق حديث أبي
سعيد. وحديث أبي سعيد الخدري أخرجه البخاري بلفظ
((أن رسول الله # استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر-
فبقيت متقومة في غيرها على الأصل.
٦ - أما في المعاوضات غير المحضة، فإنه يتسامح
فيها مالا يتسامح في غيرها، ومن أمثلة ذلك:
أ - ماجاء في شرح منتهى الإرادات: يصح الخلع
على مالا يصح مهرا لجهالة أوغرر، لأن الخلع
إسقاط حقه من البضع، والإسقاط يدخله
المسامحة. ومثل ذلك في منح الجليل. (١)
ب - ماجاء في العناية بهامش تكملة فتح القدير:
ليس من شرط العوض في الهبة أن يساوي
الموهوب، بل القليل والكثير، الجنس وخلافه
سواء، لأنها ليست بمعاوضة محضة فلا يتحقق فيها
الربا. (٢)
وفي الدسوقي على الشرح الكبير: هبة الثواب
تجوز مع جهل عوضها وجهل أجله. (٣)
جـ - ما قاله ابن القاسم: الكتابة بالغرر جائزة،
كآبق وشارد وثمر لم يبد صلاحه. (٤)
٧ - في الاعتياض عن الحقوق يجب مراعاة الآتي :
أ - لا يجوز الاعتياض عن حق الله سبحانه وتعالى،
کحد الزنی وشرب الخمر. (٥)
ب - لا يجوز الاعتياض عن حق الغير كنسب
=جنیب، فقال رسول الله ﴾: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله
يارسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين
بالثلاثة، فقال رسول الله (#: لا تفعل،بع الجمع بالدرهم ثم
ابتع بالدراهم جنییا)). (نصب الراية ٤/ ٣٧، وفتح الباري
٣٩٩/٤، ٤٠٠ ط السلفية).
(١) منتهى الإرادات ١١٢/٣ ومنح الجليل ١٨٤/٢
(٢) العناية بهامش فتح القدير ٧/ ٥٠٤
(٣) الدسوقي ١١٦/٤
(٤) منح الجليل ٤ / ٦٠٧
(٥) الهداية ٣/ ١٩٤، وكشاف القناع ٣/ ٤٠٠، ٤٠١
- ٢٣١ -

اعتیاض ٨ ، أعجمي ١ - ٣
الصغير. (١)
جـ - يرى جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية
والحنابلة) أنه لا يجوز الاعتياض عن الحقوق التي
ثبتت لإِزالة الضرر، وهي ما تسمى عند الحنفية
بالحقوق المجردة، كحق الشفعة، وهبة الزوجة
ليلتها لإحدى ضرائرها. ويجوز ذلك عند
المالكية. (٢) (ر: إسقاط).
مواطن البحث :
٨ - الاعتياض يأتي في كثير من أبواب الفقه،
كالبيع، والإِجارة، والصلح، والهبة، والخلع .
أعجمي
التعريف :
١ - الأعجمي هو من لا يفصح، سواء أكان من
العجم أم من العرب. أما العجمي فهو من كان
من غير جنس العرب، سواء أكان فصيحا أم غير
فصيح، وأصل الكلمة: الأعجم، وهو من لا
يفصح وإن كان عربيا، فياء النسبة في الأعجمي
للتوكيد. وجمعه أعجميون، وغالبا مايطلق على
غير العربي ممن ينطق بلغات أخرى من اللغات
(١) الهداية ١٩٤/٣، والبدائع ٤٨/٦، ٤٩
(٢) ابن عابدين ١٤/٤، ١٥، وأشباه ابن نجيم / ٢١٢، وكشاف
القناع ٤٠١/٣، ونهاية المحتاج ٢١٧/٥، ٣٨٢/٦، ومنتهى
الإرادات ١٠٢/٣، وفتح العلي المالك ٣٠٧/١، ٣١٣
المختلفة في العالم. (١) ولا يخرج استعمال الفقهاء
عن هذين المعنيين اللغويين.
٢ - الألفاظ ذات الصلة :
أ - الأعجم :
من معاني الأعجم أيضا: من لا ينطق من
إنسان أو حيوان. ومؤنثه عجماء.
ب - اللحّان :
وهو العربي الذي يميل عن جهة الاستقامة في
الكلام. (٢)
الحكم الإجمالي :
٣ - جمهور الفقهاء على أن الأعجمي إن كان يحسن
العربية فإنه لا يجزئه التكبير بغيرها من اللغات،
والدليل أن النصوص أمرت بذلك اللفظ،وهو
عربي، وأن النبي ونَ﴿ لم يعدل عنها.
وقال أبوحنيفة يجزئه ولو كان يحسنها، لقوله
تعالى: (وذَكَر اسمَ ربِّه فصلى)(٣) وهذا قد ذكر
اسم ربه، ولکن یکره له ذلك.
أما إن كان الأعجمي لا يحسن العربية، ولم
يكن قادرا على النطق بها، فإنه يجزئه عند جمهور
الفقهاء التكبير بلغته بعد ترجمة معانيها بالعربية
على ماصرح به الشافعية والحنابلة، أيا كانت تلك
اللغة، لأن التكبير ذكر الله تعالى، وذكر الله تعالى
يحصل بكل لسان، فاللغة غير العربية بديل
لذلك. ويلزمه تعلم ذلك.
(١) المصباح المنير، والمغرب مادة: (عجم).
(٢) الكليات لأبي البقاء، ولسان العرب المحيط مادة: (لحن).
(٣) سورة الأعلى / ١٥
- ٢٣٢ -

أعجمي ٤ - ٥ ، أعذار ، إعذار ١
ومذهب المالكية، وهو وجه عند الحنابلة، أنه إذا
عجز عن التكبير بالعربية سقط عنه، ويكتفي منه
بنية الدخول في الصلاة .(١) وعلى هذا الخلاف
جميع أذكار الصلاة من التشهد والقنوت والدعاء
وتسبیحات الركوع والسجود.
٤ - أما قراءة القرآن، فالجمهور على عدم جوازها
بغير العربية خلافا لأبي حنيفة، والمعتمد أنه رجع
إلی قول صاحبیه. ودليل عدم الجواز قوله تعالى :
(إنّا أَنزلناه قُرآنًا عَرَبيا)،(٢) ولأن القرآن معجز لفظه
ومعناه، فإِذا غیرّ خرج عن نظمه، فلم يكن قرآنا
وإنما يكون تفسيرا له. هذا في الصلاة، وكذلك
الحكم في غيرها فلا يسمى قرآنا مايقرأ من ترجمة
معانيه.(٣)
والتفصيل في مصطلحي: (صلاة) و(قراءة).
مواطن البحث :
٥ - يفصل الفقهاء ذلك عند الكلام عن تكبيرة
الإِحرام وقراءة القرآن في الصلاة، ويتكلمون عن
الطلاق بغير العربية في بابه، وعن الشهادة
بالأعجمية في الشهادة.
(١) الفتاوى الهندية ٦٩/١ ط المكتبة الإسلامية، والحطاب
٥١٥/١ ط النجاح، والدسوقي ٢٣٣/١، والقليوبي ١٦٣/١ -
١٦٨ ط الحلبي، والمغني ١/ ٤٦٢ ط الرياض.
(٢) سورة يوسف / ٢
(٣) الفتاوى الهندية ٦٩/١، والحطاب ٢٣٧/١، والقليوبي
١٥١/١، والمغني ٤٨٦/١
أعذار
انظر : عذر.
إعذار
التعريف :
١ - من معاني الإِعذار لغة: المبالغة، يقال: أعذر
في الأمر، إذا بالغ فيه، وفي المثل: أعذر من أنذر،
يقال ذلك لمن يحذَّر أمرا يخاف، سواء حَذِرَ أم لم
يَحْذَر، وأعذر أيضا: صارذا عذر، قيل: ومنه
قولهم: أعذر من أنذر. وعذَرْتُ الغلام والجارية
عذرا: ختنته فهو معذور، وأعذرته لغة فیه،
والإِعذار أيضا: طعام يتخذ لسرور حادث،
ويقال: هو طعام الختان خاصة، وهو مصدر مسمى
به، يقال: أعذر إعذارا: إذا صنع ذلك الطعام .
ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن المعاني
السابقة .
قال ابن سهل: والإِعذار : المبالغة في العذر،
ومنه أعذر من أنذر، أي قد بالغ في الإِعذار من
تقدم إليك فأنذرك، ومنه إعذار القاضي إلى من
ثبت عليه حق يؤخذ منه، فيعذر إليه فيمن شهد
علیه بذلك . (١)
(١) المصباح المنير، وتبصرة الحكام هامش فتح العلي المالك ١٤٦/١،
وتهذيب الفروق ٤/ ١٢٩
- ٢٣٣ -

إعذار ٢ - ٩
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإنذار :
٢ - الإِنذار: الإِبلاغ، وأكثر ما يستعمل في
التخويف كقوله تعالى: (وَأَنْذِرْهم يومَ الآزِفَةٍ)(١)
أي خوفّهم عذاب هذا اليوم.(٢) فيجتمع مع
الإِعذار في أن كلا منهما إبلاغ مع تخويف إلا أن في
الإِعذار المبالغة .
ب - الإِعلام:
٣ - الإِعلام: مصدر أعلم. يقال أعلمته الخبر:
أي عرفته إياه، فهو يجتمع مع الإِعذار في أن في کل
منهما تعريفا، إلا أن في الإِعذار المبالغة .
جـ - الإبلاغ :
٤ - الإِبلاغ : مصدر أبلغ، والاسم منه البلاغ،
وهو بمعنى الإِيصال. يقال: أبلغته السلام: أي
أوصلته إياه. فهو يجتمع مع الإِعذار في أن في کل
منهما إيصالا لما يراد، لكن الإِعذار ينفرد بالمبالغة.
د - التحذير :
٥ - التحذير: التخويف من فعل الشيء. يقال:
حذرته الشيء فحذره: إذا خوفته فخافه، فهو
يجتمع مع الإِعذار في التخويف، وينفرد الإِعذار
بأنه لقطع العذر. (٣)
هـ - الإمهال :
٦ - الإِمهال لغة: مصدر أمهل، وهو التأخير. ولا
يخرج معناه في الاصطلاح عن ذلك. والفرق بينه
وبين الإِعذار: أن الإِعذار قد يكون مع ضرب مدة
وقد لا يكون. والإِمهال لا يكون إلا مع ضرب
(١) سورة غافر / ١٨
(٢) المصباح المنير مادة : (نذر).
(٣) المصباح المنير.
مدة. (١) كما أن الإِمهال لا تلاحظ فيه المبالغة.
و - التلوم :
٧ - التلوم لغة: الانتظار والتمكث، والمعنى
الاصطلاحي لا يخرج عن ذلك، إذ يراد به عند
الفقهاء عدم الفورية في الأمر، بل يطلق الانتظار في
کل أمر بما يناسبه . (٢)
والكلام في هذا البحث خاص بالإِعذار بمعنى
المبالغة في قطع العذر. أما بمعنى الختان أو الطعام
المصنوع لسرور حادث فينظر الكلام فيهما تحت
عنواني: (ختان، ووليمة).
حکمه التكليفي :
٨ - مواطن الإِعذار متعددة، ولیس ها حكم واحد
يجمعها، لكنه في الجملة مطلوب، ويختلف حكمه
بحسب مايتعلق به، فمن الفقهاء من يراه واجبا في
بعض المواطن، ومنهم من يراه مستحبا، ومنهم من
منعه على نحو مايأتي .
دليل المشروعية :
٩ - الأصل في مشروعية الإِعذار قوله تعالى في
سورة الإِسراء: (وما كُنا معذّبين حتى نَبْعَثَ
رسولا)(٣) وقوله تعالى في سورة النمل في قصة
الهدهد: (لِأُعَذِّبَنَّه عذابا شديدا أو لَأَذْبَحَتَّه أو
لیأتینی پسلطانٍ مُبِينٍ) (٤) وجه الاستدلال بالأولى :
أن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم
والإِنذار، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق
(١) المصباح المنير .
(٢) المصباح المنير .
(٣) سورة الإسراء / ١٥
(٤) سورة النمل / ٢١
- ٢٣٤ -

إعذار ١٠ - ١٢
للعذاب .
ووجه الاستدلال بالثانية: أن فیھا دليلا على
أن الإِمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ
العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم،
لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه.(١).
الإِعذار في الردة (الاستتابة):
١٠ - الردة : الرجوع عن الإِسلام قولا أو فعلا
على خلاف وتفصیل فیما یکون ردة أولا يكون،
ينظر تحت عنواني: (إسلام، ردة).
حكم الإِعذار إلى المرتد :
١١ - مذهب الحنفية، وقول للشافعية، ورواية عن
الإِمام أحمد أن استتابة المرتد مستحبة وليست
واجبة، فقد قال الحنفية: من ارتد عُرِضَ عليه
الإِسلام استحبابا على المذهب،وتكشف شبهته
ويحبس وجوبا، وقيل: ندبا ثلاثة أيام يعرض عليه
الإِسلام في كل يوم منها إن طلب المهلة ليتفكر، فإِن
لم يطلب مهلة بعد عرض الإِسلام عليه وكشف
شبهته قتل من ساعته، إلا إذا رجي إسلامه فإنه
يمهل، قيل: وجوبا، وقيل: استحبابا، وهو
الظاهر.
وإذا ارتد ثانيا ثم تاب ضربه الإِمام وخلى
سبيله، وإن ارتد ثالثا ضربه الإِمام ضربا وجيعا
وحبسه حتى تظهر عليه آثار التوبة، ويرى أنه
مخلص ثم يخلى سبيله، فإِن عاد فعل به هكذا.
لكن نقل ابن عابدين عن آخر حدود الخانية
(١) تفسير القرطبي ٢٣١/١٠ - ٢٣٢، ١٨٩/١٣، وتهذيب
الفروق ٤/ ١٢٩
معزيا للبلخي مايفيد قتله بلا استتابة، حديث:
((مَنْ بَدّل دينه فاقتلوه)) (١) ، وكره تنزيها قتله قبل
العرض علیه، فإِن قتله قبل العرض فلا ضمان،
لأن الكفر مبیح للدم.
واستدل القائلون بعدم وجوب الاستتابة بأن
النبي ◌َ ◌ّم قال: ((مَنْ بَدّل دينه فاقتلوه)) ولم يذكر
استتابته .
ومذهب المالكية، والمعتمد عند الشافعية،
والمذهب عند الحنابلة. أن المرتد لا يقتل حتى
يستتاب وجوبا، ومدة الاستتابة عند المالكية
والحنابلة، وفي قول للشافعية ثلاثة أيام بلياليها، وفي
قول ابن القاسم من المالكية، أنه يستتاب ثلاث
مرات في يوم واحد، قال المالكية: والأيام الثلاثة،
هي من يوم الثبوت لا من يوم الكفر، ولا يحسب
يوم الرفع إلى الحاكم، ولا يوم الثبوت إن كان الثبوت
بعد طلوع الفجر، ولا يعاقب بجوع ولا عطش ولا
بأي نوع من أنواع العقاب، وإن لم يعد بالتوبة فإِن
تاب ترك، وإن لم يتب قتل، وفي قول عند
الشافعية: أن المرتد يقتل في الحال بلا استتابة.
دليل القائلين بالوجوب :
١٢ - احتج القائلون بوجوب الاستتابة بأن النبي
مسيّ أمر أن يستتاب(٢) المرتد، وبما روى الامام
(١) حديث: ((من بدل دينه فاقتلوه)). أخرجه البخاري (فتح
الباري ٦/ ١٤٩ ط السلفية).
(٢) حديث: ((أن النبي ## أمر أن يستتاب المرتد)). أخرجه
الدار قطني (١١٩/٣ - ط دار المحاسن) عن جابر بلفظ:
((ارتدت امرأة عن الإِسلام: فأمر رسول الله ﴿ أن يعرضوا
عليها الإِسلام)» وضعفه ابن حجر في التلخيص (٤ / ٤٩ - ط
دار المحاسن).
- ٢٣٥ -

إعذار ١٣ - ١٤
مالك في الموطأ عن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله
ابن عبد القاري عن أبيه أنه قدم على عمر رجل من
قبل أبي موسى فقال له عمر: هل من مغربة خبر؟
قال : نعم. رجل كفر بعد إسلامه، فقال:
ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال
عمر: فهلا حبستموه ثلاثا، فأطعمتموه رغيفا كل يوم
واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله، اللهم إني
لم أحضر،ولم أرض إذ بلغني.
ولو لم تجب استتابته لما برىء من فعلهم، ولأنه
أُمکن استصلاحه فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه
كالثوب النجس، وأما الأمر بقتله في قوله ولقد: ((من
بدل دينه فاقتلوه)) فالمراد به قتله بعد الاستتابة. (١)
الإِعذار إلى المرتدة :
١٣ - مذهب الشافعية والحنابلة أنه لا فرق بين
الرجال والنساء في وجوب قتل المرتد أو المرتدة بعد
الاستتابة إن لم يرجعوا إلى الإِسلام على التفصيل
السابق في وجوب الإِعذار أو استحبابه. روي ذلك
عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما، وبه قال الحسن
والزهري والنخعي ومكحول وحماد والليث
والأوزاعي مستدلين بقوله قال: «من بدل دينه
فاقتلوه))، وروي عن علي والحسن وقتادة أنها
تسترق ولا تقتل، لأن أبابكر استرق نساء
بني حنيفة .
ومذهب الحنفية: أنها تجبر على الإِسلام
بالحبس والضرب ولا تقتل، لقول النبي وَالر: ((لا
(١) الدر المختار ورد المحتار ٢٨٦/٣، والشرح الكبير والدسوقي
٤/ ٣٠٤، وقليوبي وعميرة ٤/ ١٧٧، والمغني ١٢٤/٨ - ١٢٥
تقتلوا امرأة)) (١)، ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي فلا
تقتل بالطارىء.
والمالكية تفصيل إذ قالوا: إنها تقتل إن لم
ترجع إلى الإِسلام، لكن تستبرأ قبل القتل
بحیضة،خشية أن تكون حاملا، فإِن حاضت أيام
الاستتابة انتظر تمامها فينتظر أقصر الأجلين، فإن
ظهر بها حمل أُخرت حتى تضع. (٢)
ومقتضى ماذكر أن المرتدة تستتاب عند الأئمة
الثلاثة، فإِن رجعت إلى الإِسلام وإلا قتلت، وأن
مذهب الحنفية جبرها على العودة إلى الإِسلام
بالحبس والضرب.
الإِعذار في الجهاد :
١٤ - الحربيون هم الكفار الذين يقيمون ببلاد
الكفر، ولا صلح لهم مع المسلمين. (٣) فهؤلاء هم
الذين يحاربون باتفاق الفقهاء، لقوله تعالى:
(وقاتِلُوهم حتى لا تكونَ فِتْنَةٌ ويكونَ الدِّينُ كلَّه
لِلّه). (٤) وشرط محاربتهم بلوغ الدعوة إليهم فلا
تجوز محاربتهم قبل ذلك، وهو أمر أجمع عليه
المسلمون، لقوله تعالى: (وما كُنّا معذٌبین حتى
(١) حديث: ((لا تقتلوا امرأة)). أخرجه البخاري من حديث ابن
عمر رضي الله عنهما بلفظ ((وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي
رسول الله ◌َ، فنهى رسول الله﴾ عن قتل النساء
والصبيان)). (فتح الباري ١٤٨/٦ - ط السلفية).
(٢) قليوبي وعميرة ٤ / ١٧٧، والمغني ١٢٣/٨ - ط الرياض،
والشرح الكبير ٣٠٤/٤، ومعين الحكام / ٢٢٨. وترى اللجنة
أن قواعد المذاهب الأخرى لا تأبى مثل ذلك، وترى أنه ينبغي
التحقق من خلو المرأة من الحمل قبل إقامة الحد عليها.
(٣) المصباح المنير .
(٤) الأنفال / ٣٩
- ٢٣٦ -

إعذار ١٤
نبعثَ رسولا)(١) ولكن هل يجب تكرار دعوتهم إذا
تكررت محاربتهم؟ فالجمهور على أنه لا يجب تكرار
دعوتهم، بل یستحب.
قال الكاساني: وأما بيان ما يجب على الغزاة
الافتتاح به حالة الوقعة ولقاء العدو،فإن الأمر فیه لا
يخلومن أحد وجهين: إما أن تكون الدعوة قد
بلغتهم، وإما أن تكون لم تبلغهم، فإن كانت
الدعوة لم تبلغهم فعليهم الافتتاح بالدعوة إلى
الإِسلام باللسان، لقول الله تبارك وتعالى: (آدعُ
إلى سبيلِ ربِّكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحَسَنَةِ وجادِلهُمْ
بالتي هي أَحْسنٌ) (٢) ولا يجوزلهم القتال قبل
الدعوة، لأن الإِيمان وإن وجب عليهم قبل بلوغ
الدعوة بمجرد العقل، فاستحقوا القتل بالامتناع،
لكن الله تبارك وتعالى حرم قتالهم قبل بعث
الرسول عليه الصلاة والسلام، وبلوغ الدعوة
إياهم فضلا منه ومنّة، قطعا لمعذرتهم بالكلية، وإن
كان لا عذر لهم في الحقيقة،لما أقام سبحانه وتعالى
من الدلائل العقلية التي لو تأملوها حق التأمل
ونظروا فيها لعرفوا حق الله تبارك وتعالى عليهم،
لكن تفضل عليهم بإرسال الرسل صلوات الله
وسلامه عليهم أجمعين، لئلا يبقى لهم شبهة عذر
فيقولون: (ربَّنَا لولا أَرْسَلتَ إِلينا رسولا فَتَبَعَ
آياتِك)(٣) وإن لم يكن لهم أن يقولوا ذلك في
الحقيقة لما بينا، ولأن القتال مافرض لعينه، بل
للدعوة إلى الإِسلام.
والدعوة دعوتان : دعوة بالبنان وهى القتال،
(١) سورة الإسراء / ١٥
(٢) سورة النحل / ١٢٥
(٣) سورة طه / ١٣٤
ودعوة بالبيان وهي اللسان، وذلك بالتبليغ،
والثانية أهون من الأولى، لأن في القتال مخاطرة
الروح والنفس والمال، وليس في دعوة التبليغ شيء
من ذلك، فإذا احتمل حصول المقصود بأهون
الدعوتين لزم الافتتاح بها، هذا إذا كانت الدعوة لم
تبلغهم. فإن كانت قد بلغتهم جاز لهم أن يفتتحوا
القتال من غير تجديد الدعوة، لما بينا أن الحجة
لازمة، والعذر في الحقيقة منقطع، وشبهة العذر
انقطعت بالتبليغ مرة، لكن مع هذا الأفضل ألا
يفتتحوا القتال إلا بعد تجديد الدعوة لرجاء الإِجابة
في الجملة، وقد روي أن رسول الله پٹټ لم یکن
يقاتل الكفرة حتى يدعوهم إلى الإِسلام. (١) فيما
كان دعاهم غير مرة. دل أن الافتتاح بتجديد
الدعوة أفضل، ثم إذا دعوهم إلى الإِسلام فإن
أسلموا كفوا عنهم القتال، لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا لا إله
إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا
بحقها)» (٢) وقوله عليه الصلاة والسلام ((من قال:
(١) حديث: ((أن رسول الله ◌َلة لم يكن يقاتل الكفرة حتى يدعوهم
إلى الإِسلام)) أخرجه أحمد والطبراني بلفظ ((ما قاتل رسول الله
(* قوما حتى يدعوهم)) قال أحمد شاكر محقق المسند: إسناده
صحيح. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه أحمد
وأبو يعلى والطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح
(مسند أحمد بن حنبل بتحقيق أحمد شاكر ٣/ ٢٠٥٥، ٢١٠٥
ط دار المعارف بمصر، والمعجم الكبير للطبراني ٩٥/١١،
١٣٢ ط الوطن العربي، ومجمع الزوائد ٣٠٤/٥ نشر مكتبة
القدس).
(٢) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله
... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٢٨٨ - ط السلفية)
ومسلم (١٣٣٧/٣ ط الحلبي).
- ٢٣٧ -

إعذار ١٤ - ١٦
لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله))(١) فإن أبوا
الإِجابة إلى الإِسلام دعوهم إلى الذمة إلا مشركي
العرب والمرتدين (لأنه لا يقبل منهم إلا الإِسلام)
فإن أجابوا كفوا عنهم، وإن أبوا استعانوا بالله
سبحانه وتعالى على قتالهم.
وذهب المالكية في المشهور إلى أنهم يدعون
الدعوة أم لا، ما لم يعاجلونا
وجوبا سواء بلغتهم
بالقتال أو يكون الجيش قليلا، قالوا: ومن هذا
القبيل كانت إغارة سراياه عليه الصلاة والسلام .
وللحنابلة تفصيل بينه ابن قدامة بقوله: أهل
الكتاب والمجوس لا يدعون قبل القتال، لأن
الدعوة قد انتشرت وعمت، فلم يبق منهم من لم
تبلغه الدعوة إلا نادرا بعيدا. وأما عبدة الأوثان فإن
من بلغته الدعوة منهم لا يدعون، وإن وجد منهم
من لم تبلغه الدعوة دعي قبل القتال، قال أحمد :
كان النبي ◌َّه يدعو إلى الإِسلام قبل أن يحارب
حتى أظهر الله الدين وعلا الإِسلام، ولا أعرف
اليوم أحدا يدعى، قد بلغت الدعوة كل أحد،
فالروم قد بلغتهم الدعوة وعلموا مایراد منهم، وإنما
كانت الدعوة في أول الإِسلام، وإن دعا فلا
بأس. (٢)
(١) حديث: ((من قال لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله))
أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن
قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على
الله)) (فتح الباري / ١٢/ ٢٧٥ ط السلفية)، وصحيح مسلم
(٥٢/١ ط الحلبي).
(٢) بدائع الصنائع ٧/ ١٠٠ نشر دار الكتاب العربي، والزرقاني
١١١/٣، وقليوبي وعميرة ٢١٨/٤، والدسوقي ١٧٦/٢،
والمغني ٣٦١/٨ - ٣٦٢
الإِعذار إلى البغاة :
١٥ - البغاة: هم الخارجون على الإِمام الحق
بتأويل،ولهم مَعَةٌ. (١) وقد اتفق المالكية والشافعية
والحنابلة على أنه لا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم
الإِمام أمينا فطنا ناصحا يسألهم ماينقمون، فإِن
ذكروا مظلمة أو شبهة أزالها، فإِن أصروا بعد
الإِعذار نصحهم، بأن يعظهم ويأمرهم بالعودة
إلى طاعته، فإِن استمهلوه اجتهد في الإِمهال،
وفعل مارآه صوابا .
وهذا كله مالم يعاجلوا بالقتال، فإِن عاجلوا
قوتلوا .
وقال الحنفية: إنَّ دعوتهم إلى طاعة الإِمام
وكشف شبهتهم أمر مستحب وليس واجبا، ولو
قاتلهم بلا دعوة جاز. (٢)
الإعذار في الدعوى :
١٦ - المدعى عليه هو کل من توجه علیه حق، إما
ءِ
بإِقرار، إن كان ممن يصح إقراره، وإما بالشهادة
عليه بعد عجزه عن دفع الدعوى وبعد الإِعذار إليه
قبل الحكم، وإما بالشهادة عليه مع يمين
الاستبراء، إن كان الحق على ميت أو على
غائب، وإما بلدده وتغيبه عن حضور مجلس الحكم
وقيام البينة علیه، وإما بالشهادة علیه ولدده عن
الجواب عن الدعوى.
والمقضى عليهم أنواع: منهم الحاضر المالك
(١) ابن عابدين ٤٢٧/٣، والشرح الكبير ٢٩٨/٤، وقليوبي
وعميرة ٤ / ١٧٠، والمغني ٨ / ١٠٧
(٢) حاشية الدردير ٢٩٩/٤، وقليوبي وعميرة ١٧١/٤، والمغني
١٠٧/٨، وابن عابدين ٤٢٩/٣
- ٢٣٨ -

إعذار ١٦ - ١٧
أمره، ومنهم الغائب الصغير المحجور عليه، ومنهم
السفيه المولى عليه، ومنهم الورثة المدعى عليهم في
مال الميت وفيهم الصغير والكبير. (١)
فإِذا كان المدعى عليه حاضرا بمجلس
القضاء، وادعيت الدعوى وكانت مستوفية
الشروط، طلب القاضي من المدعى عليه الجواب
عنها، وسار القاضي فيها حسبما هو مدون في كتب
الفقهاء .
فإِن أقر المدعى عليه بالحق المدعى، فهل يحكم
القاضي بمقتضى الإِقرار حالا ، أو أنه يجوز له أن
يتخذ إجراء آخر جائزا أو واجبا؟
قال الجمهور، وهو المنصوص عن أحمد:
يقضى على المدعى عليه بإقراره من غير أمر آخر
كالإِعذار ونحوه. (٢)
وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: لابد
للحكم بمقتضى الإِقرار أن يشهد على الإِقرار
شاهدان .
وفي المذاهب تفصيلات في الإِعذار إلى الغائب
عن مجلس القضاء، في حكم الإِعذار وفي وقته، وفي
المسافة التي يعذر إليه فيها، وفي المدعى عليه الذي
يمتنع الإِعذار إليه .
وفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة على أنه
لا يقضى على الغائب عن مجلس القضاء إلا بعد
الإعذار.
وقال الشافعية: يقضي عليه. وتختلف المذاهب
(١) تبصرة الحكام ٧٢/١
(٢) ابن عابدين ٦٨٨/٤، وقليوبي وعميرة ٢/٣
في زمن الإِعذار وكيفيته. (١)
ما يسقط به الإِعذار:
١٧ - قال المالكية : كل من قامت عليه بينة بحق
من معاملة أو نحوها، أو دعوى بفساد أوتعد أو
غصب، فلابد من الإِعذار إليه قبل الحكم، إلا أن
يكون من أهل الفساد الظاهر، أومن الزنادقة
المشهورين بما ينسب إليهم، فلا يعذر إليهم فيما
شهد به عليهم. كما حدث بالنسبة لأبي الخير
الزنديق، لما شهد عليه ثمانية عشر شاهدا أمام
قاضي الجماعة منذر بن سعيد بأنه يصرح بالكفر
والانسلاخ من الإِيمان، فأشار بعض العلماء بأن
يعذر إليه فيما شهد به عليه، وأشار قاضي الجماعة
وبعض اخر من العلماء بأنه يقتل بغير إعذار، لأنه
ملحد كافر، وقد وجب قتله بدون ماثبت عليه
فقتل بغير إعذار، فقيل لأحدهم أن يذكر لهم وجه
الحكم، فذكر أن الذي اعتمد عليه في الفتيا بالقتل
بدون إعذار أن مذهب مالك قطع الإِعذار عمن
استفاضت عليه الشهادات في الظلم، وعلى
مذهبه في السّلّابة والمغيرين وأشباههم، إذا شهد
عليهم المسلوبون والمنتهبون أن تقبل شهادتهم
عليهم - إذا كانوا من أهل القبول - بدون إعذار.
وكذلك لا يعذر في مثل رجل يتعلق برجل، وجرحه
يدمي، فيصدق بقوله. وفي التي تتعلق بالرجل في
(١) ابن عابدين ٤/ ٥٢٠، والفتاوى الطرطوسية/ ٣١٣، وتبصرة
الحكام ٧٣/١، ١٣٩، والمغني ٩/ ٥٥، ٦١، وقليوبي وعميرة
٣٠٨/٤
وترى اللجنة أن هذه التفصيلات هي من قبيل الأوضاع
الزمنية التي تتغير بتغير الظروف والملابسات بما يحقق اطمئنان
القاضي إلى أن كلا من الخصمين قد أخذ حقه في المرافعة.
- ٢٣٩ -
:

إعذار ١٨ - ٢٠
المكان الخالي وقد فضحت نفسها بإِصابته ها،
فتصدق بفضيحة نفسها. ومثل هذا كثير .
واستدلوا على ذلك بأن الرسول و ﴿ قال: ((إنما أنا
بشرٌ، وإنكم تختصمون إليَّ، فلعل بعضَكم أن
يكون أَلْنَ بحجتِه من بعضٍ، فأقضي له على
نَحْوِ ما أسمعُ منه» (١) وهذا الحديث هو الأصل في
هذا الباب ولا إعذار فیه. وکذلك کتاب عمر بن
الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وإلى
أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم، وهما أيضا
ملاذ الحكام في الأحكام، ولا إعذار منهما ولا إقالة
من حجة ولا كلمة، غير أن الإِعذار فیما يتحاكم
فیه الناس من غير أسباب الدیانات استحسان من
الأئمة، فأما في إقامة الحدود في الإلحاد والزندقة
وتكذيب القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام فلم
یرد فیه شيء عندهم. قالوا: وما يمتنع فيه الإِعذار
كثير (٢) ولم يعثر على أقوال في المذاهب الأخرى
في مثل هذا.
التأجيل في الإِعذار :
١٨ - الإِعذار يكون إلى المدعي، فيقول له
القاضي : أبقيت لك حجة؟ وقد يكون إلى المدعى
علیه، فيسأله القاضي : ألك دفع فیما ادعي به
عليك؟ فإِذا أعذر القاضي إلى من توجه الإِعذار
إليه، سواء أكان مدعيا أم مدعی علیه. وقال:
نعم، وسأله التأجیل، ضرب له أجلا بحسب تلك
الواقعة حسب اجتهاده في بلوغ من أجل له
(١) حدیث: ((إنما أنا بشر وإنکم تختصمون إلي ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٨٨/٥ - ط السلفية) ومسلم
(١٣٣٧/٣ ط الحلبي).
(٢) تبصرة الحكام ١/ ١٥٠ - ١٥٢
الوصول إلى قصده بغیر إضرار بخصمه، فإِن کان
التأجيل للمدعى عليه، وأتى بدفع فيما شهد به
عليه، وسأل المدعي التأجيل أيضا، وزعم أن له
دفعا فيما جاء به المدعی علیه، ضرب له أجلا
أيضا، وتلوّم عليه (انتظر) حتى يتبين الحق، ويظهر
عجز أحدهما، فيقضي على نحوماثبت. (١)
والحكم كذلك في جميع المذاهب.
آجال مقدرة من الشارع :
١٩ - هناك آجال لا يدخلها اجتهاد الحاكم،بل هي
مقدرة بالشرع لأجل الإِعذار، منها: تأجيل
العنين، وسبق تفصيله في (أجل) ويأتي في (عنة).
إعذار المولي :
٢٠ - فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة، عرفوا
الإِيلاء بأنه: الحلف على ترك الزوج وطء زوجته
أكثر من أربعة أشهر.
وعرفه الحنفية بأنه : الحلف على ترك وطء
الزوجة أربعة أشهر فأكثر، فالخلاف بينهم وبين
غيرهم في أقل المدة التي يحلف على الترك فيها،
فعند الجمهور أكثر من أربعة أشهر، وعند الحنفية
أربعة أشهر، والإِعذار عند الجمهور أن المولي يقفه
(يحضره) القاضي بعد تمام الأشهر الأربعة، إذا
رافعته امرأته فيأمره بالفیئة، فإن أبى أمره بالطلاق،
ولا تطلق بمضي المدة، وهذا هورأي سعيد بن
المسب وعروة ومجاهد وإسحق وأبي عبيد وابن
المنذر. (٢)
(١) تبصرة الحكام ١/ ١٥٠ - ١٥٢
(٢) حاشية الدسوقي ٤٢٦/٢ - ٤٣٦، وتبصرة الحكام ١/ ١٥٤ ،
وقليوبي وعميرة ٨/٤-١٢، والمغني ٢٩٨/٧، ٣١٨ -
٣١٩ ط الریاض.
- ٢٤٠ -