Indexed OCR Text
Pages 201-220
اعتبار٢ - ٣، اعتجار ١ - ٣
وفي الاصطلاح :
عرفه الجرجاني فقال: هو النظر في الحكم الثابت
أنه لأي معنى ثبت وإلحاق نظيره به. وهذا عين
القياس. (١)
الحكم الإجمالي :
٢ - الاعتبار بمعنى القياس مأمور به شرعا، فقد
استدل القائلون بثبوت التعبد بالقياس الشرعي
بقوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار) فقد أمرنا
اللّه بالاعتبار، والاعتبار رد الشيء إلى نظيره وهذا
هو القياس، فكان مأمورا به بهذا النص، وهناك
أدلة كثيرة على حجية القياس يرجع في بيانها
وتفصيلها والاعتراضات عليها(٢) إلى الملحق
الأصولي.
مواطن البحث :
٣ -اعتبارات الشارع في الأحكام لها مجالات
يذكرها الأصوليون بالتفصيل في: أبحاث تعريف
القياس وحكمه، وفي مسالك العلة، وفي المصالح
المرسلة وفي السببية في الحكم الوضعي، وينظر
تفصيل ذلك في الملحق الأصولي.
(١) التعريفات الجرجاني/ ٢٤ ط مصطفى الحلبي. وكشف الأسرار
٢٧٥/٣ ط دار الكتاب العربي، بيروت، والتلويح ٢/ ٥٤ ط
صبيح، ومسلم الثبوت ٢/ ٣١٢ ط بولاق.
(٢) إرشاد الفحول للشوكاني / ٢٠٠ ط مصطفى الحلبي، وشرح
البدخشي مع الأسنوي ٩/٣ ط صبيح، والتلويح ٢/ ٥٤،
ومسلم الثبوت ٣١٢/٢، وکشف الأسرار ٣/ ٢٧٥
اعتجار
التعريف :
١ - الاعتجار في اللغة : لف العمامة على الرأس
من غير إدارة تحت الحنك. سواء أأبقى طرفها على
وجهه أم لم يبقه؟ . (١)
وعرفه صاحب مراقي الفلاح من الحنفية بقوله :
هوشد الرأس بالمنديل، أو تكوير عمامته على رأسه
وترك وسطه مكشوفا - أي مكشوفا عن العمامة، لا
مكشوف الرأس، وقيل: أن ينتقب بعمامته فيغطي
أنفه. (٢)
حكمه التكليفي :
٢ - نص الحنفية صراحة على كراهة الاعتجار في
الصلاة كراهة تحريمية، وعللوا ذلك بأنه فعل ما لم
یرد عن الشرع، وقالوا: إن رسول الله (ێے نهى عن
الاعتجار في الصلاة. (٣) وورد عن الحنابلة أنه يكره
تنزيها لبس مالم يعتد لبسه في الصلاة، أوما فيه
خلاف زي البلد الذي هو فيه. فإن كان الاعتجار
غير معتاد فيكون عندهم مكروها في الصلاة كراهة
تنزيهية . (٤)
٣ - أما الاعتجار خارج الصلاة للحي أو للميت،
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة (عجر).
(٢) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي/ ١٩٢ طبع المطبعة العثمانية .
(٣) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي/ ١٩٢
(٤) مطالب أولي النهي ١/ ٣٥٠ طبع المكتب الإسلامي.
- ٢٠١ -
اعتجار ٣ - اعتداء ١ - ٣
فلم يتعرض الفقهاء - فيما نعلمه - لذلك بصراحة
ولكن الذين كرهوا العمامة للميت - كما هو الراجح
عند الحنفية - فإنهم يكرهون له الاعتجار بالعمامة
من باب أولى ، (١) وقد ذكر الفقهاء ذلك في کتاب
الجنائز، عند كلامهم على كفن الميت.
اعتداء
التعريف :
١ - الاعتداء في اللغة وفي الاصطلاح: الظلم
وتجاوز الحد. (٢) يقال: اعتدى عليه إذا ظلمه،
واعتدى على حقه أي جاوز إليه بغير حق.
الحكم الإجمالي :
٢ - الاعتداء حرام، لقوله تعالى: (ولا تعتدوا إن
الله لا يحب المعتدين). (٣)
أما مايترتب على الاعتداء من أثر، فيختلف:
فإِذا كان المعتدي حيوانا لا يثبت على صاحبه
عقوبة ولا ضمان لقوله عليه الصلاة والسلام ((جرح
العجماء جبار»، (٤) وهذا ۔ مالم یکن صاحبه متهاونا
أو معتدیا بتحريضه وإغرائه .
(١) حاشية ابن عابدين ٥٧٨/١ والفتاوى الهندية ١٥٨/١، ومراقي
الفلاح/ ٣١٦، وحاشية العدوى على الخرشي ٢/ ١٢٧
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، مادة : (عدا).
(٣) سورة البقرة/ ١٩٠
(٤) حديث: ((جرح العجماء جبار)) أخرجه البخاري ومسلم ومالك
واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (فتح
الباري ٥/ ٣٣ ط السلفية، وصحيح مسلم ١٣٣٤/٣ ط عيسى
الحلبي، والموطأ ٨٦٨/٢، ٨٦٩ ط عيسى الحلبي).
أما الإِنسان : فإِنه یفرق فیه بین الکبیر
والصغير، إذ الكبير يثبت عليه العقوبة والضمان،
أما الصغير فإنه يثبت عليه الضمان دون العقوبة،
وكل ذلك مفصل في كتاب الجنايات من كتب
الفقه .
هذا، ويختلف الحكم بحسب مايقع عليه
الاعتداء.
فإِن وقع على نفس الإِنسان أوما دونها من
جسده، فعندئذ يجب في عمده القصاص إذا
توفرت شرطه، وفي خطئه الضمان بالمال كما هو
مفصل في كتاب الجنايات.
وإن وقع على المال، فعندئذ لا يخلو الأمر من أن
یکون بطريق السرقة، وعندئذ يجب قطع اليد (ر:
سرقة).
أویکون بطريق الغصب، وعندئذ يجب الضمان
والتعزيز، كما هو مفصل في كتب الفقه في مباحث:
الغصب، والضمان، والتعزير.
وإن وقع الاعتداء على حق من الحقوق، فإِما
أن يكون حقا لله تعالى كحفظ العقيدة، والعقل،
والعرض، وأرض الإِسلام، وغير ذلك، فعقوبته
الحد أو التعزير كما هو مفصل في أبوابه.
وإما أن يكون حقا للعبد كعدم تسليم الأب ابنه
الصغير إلى أمه المطلقة، لتقوم بحضانته، ونحو
ذلك فيترتب على ذلك الإِجبار على أداء الحق أو
ضمانه مع التعزیر إن رأی الحاکم ذلك.
دفع الاعتداء :
٣ - إذا وقع الاعتداء فللمعتدى عليه أن يدفعه
ما استطاع إلى ذلك سبيلا سواء أكان هذا الدفع
ببدنه كما فصل الفقهاء ذلك في كتاب: (الصيال)
- ٢٠٢ -
اعتداد ، اعتدال ١ - ٢ اعتراف ، اعتصارا
(والجهاد) من كتب الفقه، أوبماله كما إذا صالح
المسلمون الكفار بدفع شيء من أموالهم لئلا يحتلوا
بلاد الإِسلام، کما هو مذکور في کتاب الجهاد من
كتب الفقه، وكما إذا أعطى رجل لآخر شيئا من
ماله ليدفعه عن عرضه (١). كما ذكر ذلك الفقهاء
أثناء كلامهم عن الرشوة.
ودفع الاعتداء عن المسلمين واجب على كل
مسلم قادر عليه كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب
الجهاد.
اعتداد
انظر : عدة .
اعتدال
التعريف :
١ - الاعتدال في اللغة كون الشيء متناسبا، أو
صير ورته كذلك، فإِذا مال شيء فأقمته تقول:
عدلته فاعتدل.
ولا يفرق أهل اللغة بين الاعتدال والاستقامة،
والاستواء، فهم يقولون: استقام الشيء إذا
استوی واعتدل، ويقولون أيضا استوى الشيء إذا
استقام واعتدل. (٢)
(١) مصنف عبدالرزاق ١٤٩/٨، والمحلى ١٥٨/٩، وأحكام
القرآن للجصاص ٤٣٣/٢
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، وتاج العروس، والصحاح،
المواد: عدل، قوم، سوى.
ويطلق الفقهاء كلمة الاعتدال على أثر الرفع
من الركوع أو السجود. (١)
الحكم التكليفي ومواطن البحث :
٢ - ذهب الجمهور وهورواية عن أبي حنيفة إلى أن
الاعتدال من الركوع والسجود فرض، والصحيح
عند الحنفية أنه سنة . (٢)
وقد تكلم الفقهاء عن تفصيلات تتعلق بما
يتحقق به الاعتدال، ووجوب الاطمئنان في
الاعتدال، وسنة رفع الیدین في الاعتدال، والدعاء
فیه دعاء قنوت أو غيره، كما تحدثوا عن الشك في
تمام الاعتدال، والاعتدال بغير نية الاعتدال،
کاعتدال المصلى خوفا من سبع ونحو ذلك، وعن
العجز عن الاعتدال، وعن تعمد ترك الاعتدال،
وتجد ذلك كله مبسوطا في كتاب الصلاة من كتب
الفقه .
اعتراف
انظر : إقرار .
اعتصار
التعريف :
١ - الاعتصار افتعال من العصر، ومن معانيه المنع
(١) أسنى المطالب ١٥٨/١، ومواهب الجليل ٥٢٤/١، والمغني
٥١٣/١
(٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٣١٢ ط (أ) بولاق، والطحطاوي على
مراقي الفلاح ١٤٥ - ١٤٦ ط بولاق.
- ٢٠٣ -
اعتصار ٢ ، اعتقاد ١
والحبس، ومنها استخراج عصير العنب ونحوه.
واعتصر العطية: ارتجعها. ومنه قول عمر بن
الخطاب (رضي الله عنه): ((إن الوالد يعتصر ولده
فيما أعطاه، وليس للولد أن يعتصر من والده))،(١)
فشبه أخذ المال منه باستخراجه من يده
بالاعتصار. (٢)
أما استعمال الفقهاء، فهو كما ذكره ابن عرفة من
المالكية: ارتجاع المعطي عطيته دون عوض لا بطوع
المعطي، (٣) أي بغير رضى الموهوب له. والاعتصار
شائع في عبارات المالكية، أما غيرهم فيعبرون عنه
بالرجوع في الهبة .
الحكم الإِجمالي ومواطن البحث :
٢ - جمهور الفقهاء على أن الاعتصار (الرجوع في
الهبة) ليس من حق الواهب بعد القبض إلا
للوالدين في الجملة عند المالكية والحنابلة، ولهما
وللأصول عند الشافعية.
واستدل من منع الرجوع بالحديث الثابت، وهو
قوله ◌َله: ((العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)) (٤)
واستدل للاستثناء بقوله وَله: ((لا يحل لرجل أن
(١) الأثر عن عمر رضي الله عنه ((إن الوالد يعتصر ولده .. الخ.
أخرجه البيهقي من طريق عبدالرزاق بلفظ: ((كتب عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: يقبض الرجل من ولده ما أعطاه، ما لم
يمت أو يستهلك، أو يقع فيه بين)). (السنن الكبرى للبيهقي
٦/ ١٧٩)
(٢) لسان العرب المحيط، المصباح المنير، المغرب في ترتيب المعرب
(مادة عصر)، وأثر عمر: ((إن الوالد ... )).
(٣) الخطاب ٦/ ٦٣، والشرح الصغير ١٥١/٤
(٤) حديث : «العائد في هبته کالكلب يعود في قیئه)).
أخرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا
(فتح الباري ٢/ ٣٤٥ ط السلفية).
يعطي عطية أويهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما
يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع
فيها کمثل الکلب یأکل، فإِذا شبع قاء، ثم عاد في
قیئه))(١) وما عدا الوالد ملحق به عند الشافعية،
وأما الحنفية فيرون الرجوع للواهب - مع الكراهة
التحريمية - في الهبة قبل القبض وبعده إلا لمانع.(٢)
وتفصيل ذلك في (هبة).
اعتقاد
التعريف :
١ - الاعتقاد لغة : مصدر اعتقد. واعتقدت کذا:
عقدت عليه القلب والضمير، وقيل: العقيدة،
مایدین الإنسان به. (٣)
واصطلاحا : يطلق الاعتقاد على معنيين:
الأول: التصديق مطلقا، أعم من أن يكون
جازما أو غير جازم، مطابقا أو غير مطابق، ثابتا أو
غیر ثابت.
الثاني : أحد أقسام العلم، وهو اليقين،
(١) الكافي لابن عبدالبر ٢/ ١٠٠٤ ط أولي، والإقناع في حل ألفاظ
أبي شجاع ١٠٨/٣ ط م الحلي، ومغني المحتاج ٤٠٢/٢ ط دار
إحياء التراث، وشرح منتهى الإرادات ٥٢٥/٢، والمغني
٥/ ٦٧١ ط الریاض.
وحديث: ((لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها
إلا الوالد فیما یعطی ولده .. .)) أخرجه أبوداود من حديث ابن
عمر وابن عباس رضي الله عنهم مرفوعا، وقال الحافظ ابن حجر
في الفتح: رجاله ثقات (سنن أبي داود ٨٠٨/٣ - ٨١٠ ط
استنبول، وفتح الباري ٥/ ٢١١ ط السلفية).
(٢) تحفة الفقهاء للسمر قندي ٢٣١/٣ ط دار الفكر.
(٣) المصباح المنير مادة (عقد).
- ٢٠٤ -
اعتقاد ٢ - ٧
وسيأتي تعريفه. (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاعتناق :
٢ - من معاني الاعتناق في اللغة : جعل الرجل
يديه على عنق الآخر، ومنها أخذ الأمر بجد،
واستعمل مولدا. فقيل اعتنق دینا أو نحلة .(٢) فهو
أعم من الاعتقاد.
ب - العلم :
٣ - يطلق العلم على معان: منها الإِدراك مطلقا،
تصورا كان أو تصديقا، يقينيا أو غير يقيني. وبهذا
المعنى يكون العلم أعم من الاعتقاد مطلقا.
ومن معاني العلم اليقين، وبهذا المعنى يكون
العلم أخص من الاعتقاد بالمعنى الأول، ومساويا
له بالمعنى الثاني، أي اليقين. (٣)
جـ - اليقين :
٤ - اليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع
الثابت، أي الذي لا يقبل التشكيك . (٤) ويعرفه
بعضهم بأنه علم يورث سكون النفس وثلج الصدر
بما علم، بعد حيرة وشك.(٥) واليقين أخص من
العلم، ومن الاعتقاد.
(١) كشاف اصطلاحات الفنون ٤/ ٩٥٤
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط في المادة.
(٣) المصباح المنير، والتعريفات للجرجاني / ١٣٥، والفروق في
اللغة / ٧٣، واصطلاحات الفنون للتهانوي ص ١٠٥٥
(٤) اصطلاحات الفنون للتهانوي ص ١٥٤٦
(٥) جمع الجوامع ١٥٣/١، والمصباح المنير، والتعريفات للجرجاني
في المادة، والفروق في اللغة ٩١ - ٩٣، واصطلاحات الفنون
للتهانوي ٤ / ٩٥٤
د - الظن :
٥ - الظن : هو إدراك الطرف الراجح مع احتمال
النقيض، وقد يستعمل في اليقين والشك، تجوزا.
فالظن مباین للاعتقاد بمعنى اليقين. (١)
الحكم الإجمالي :
٦ - يعرض لحكم الاعتقاد وجوه :
أ - بالنسبة للصحة والفساد: ينقسم إلى قسمين:
صحيح وفاسد(٢) فالاعتقاد الصحيح، هو
ماطابق الواقع، كاعتقاد أن صلاة الضحى
مندوبة. والاعتقاد الفاسد هو غير المطابق للواقع،
كاعتقاد الفلاسفة أن العالم قديم.
ب - بالنسبة للحل والحرمة: لا يجوز اعتقاد
حكم من الأحكام الخمسة على غير ماهو عليه من
فرضية أوسنية أو إباحة أو كراهة أو تحريم، فاعتقاد
إباحة المباح واجب مثلا، فلو اعتقده على غير ماهو
عليه فذلك خطأ. ويتعلق الإِثم بذلك الخطأ في
الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وماعداها
فيعذر بالجهل والخطأ فيها، إذا أخطأ في الاجتهاد،
أو أخطأ مقلده تبعا له.
أثر الاعتقاد في التصرفات :
٧ - مايعتقده المكلف قربة أو مباحا فإذا هو
بخلافه، كمن فعل فعلا يظنه قربة أو مباحا وهو من
المفاسد في نفس الأمر، وکالحاکم إذا حکم بما
اعتقده حقا بناء على الحجج الشرعية، أو كمن
(١) المراجع السابقة.
(٢) جمع الجوامع ١/ ١٥٢، أشرف المقاصد ١٢ ط الخيرية، وكشاف
اصطلاحات الفنون للتهانوي ٤/ ٩٥٤ ط خياط.
- ٢٠٥ -
اعتقاد ٨ ، اعتقال ، اعتكاف ١
يصلي على مرتد يعتقده مسلما، فهذا خطأ معفو
عنه، یثاب فاعله علی قصده، دون فعله، وكذلك
كل ماكان حقا لله تعالى .
أما إذا قصد إغاثة الجائع، فأعطاه طعاما
فاسدا، معتقدا أنه صحیح، فمات منه، وكذلك
إذا وطيء أجنبية يعتقدها زوجته فإِنه لا يأثم،
ويلزمه ضمان ما أتلف، ويلزمه مهر المثل في الوطء
في بعض الصور. وتختلف الأجور باختلاف رتب
المصالح، فإذا تحققت الأسباب والشرائط والأركان
في الباطن، فإِن ثبت هذا في الظاهر- يترتب على
ذلك ثواب الآخرة، وإن ثبت في الظاهر مايخالف
الباطن أثيب المكلف على قصد العمل الحق، ولا
يثاب على عمله، لأنه خطأ، ولا ثواب على
الخطأ، ولأنه مفسدة ولا ثواب على المفاسد.(١)
الهزل والاعتقاد :
٨ - الهازل لا يدخل في اعتقاد بهزله، ولا يخرج منه
بهذا الهزل. إلا أن المسلم يكفر بالهزل بالكفر، لا
لتبدل الاعتقادات، بل لأن الهزل استخفاف
بالدين، لقوله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا
نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم
تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) (٢)
وللتفصيل يرجع الى مصطلح (استخفاف)
و(ردة).
(١) قواعد الأحكام العز بن عبدالسلام ٢٣/١، ١١١ ط التجارية،
والإِيمان لابن تيمية ٣٩
(٢) مسلم الثبوت ١٩٣/١، والإعلام بقواطع الإِسلام ٢/ ٤١،
والمغني ٨/ ١٥٠ ط السعودية، والحطاب ٢٨٧/٦، والصارم
المسلول ٥٤٦، والآية من سورة التوبة/ ٦٥، ٦٦
اعتقال
انظر : احتباس ، أمان.
اعتكاف
التعريف :
١ - الاعتكاف لغة: الافتعال، من عكف على
الشيء عكوفا وعكفا. من بابي : قعد، وضرب.
إذا لازمه وواظب عليه، وعكفت الشيء: حبسته.
ومنه قوله تعالى : (هم الذين كفروا وصدوكم
عن المسجد الحرام والهديّ معكوفا أن يبلغ
محله). (١)
وعكفته عن حاجته: منعته. (٢)
والاعتكاف : حبس النفس عن التصرفات
العادية .
وشرعا : اللبث في المسجد على صفة مخصوصة
بنية . (٣)
(١) سورة الفتح / ٢٥
(٢) المصباح المنير مادة : (عكف).
(٣) البجيرمي على المنهج ٢/ ٥٩١ ط المكتبة الإسلامية، وفتح القدير
٣٠٥/٢ ط دار إحياء التراث، وانظر الفتاوى الهندية ٢١١/١،
والمغني ٢/ ١٨٣، والشرح الصغير ٧٢٥/١ ط دار المعارف،
والإفصاح ١/ ١٧٠.
- ٢٠٦ -
اعتكاف ٢ - ٦
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الخلوة :
٢ - الخلوة من خلا المكان، إذا لم یکن فیه أحد، ولا
شيء فيه، وهو خال، ومنه خلوة الرجل بنفسه إذا
انفرد.
والاعتكاف قد يكون مع الآخرين بنفس المكان
المعد لذلك، فالمعتكف قد ینفرد بنفسه، وقد لا
ینفرد.
ب - الرباط والمرابطة :
٣ - الرباط هو: الحراسة بمحل خيف هجوم العدو
منه، أو المقام في الثغور لإِعزاز الدین ودفع الشرعن
المسلمين. (١)
والاعتکاف یکون في الثغور وغيرها، والرباط
لا يكون إلا في الثغور، ويكون في المسجد وغيره.
جـ- الجوار :
٤ - الجوار هو: الملاصقة في السكنی، (٢) ويسمى
الاعتكاف جوارا، لقول عائشة رضي الله عنها عن
اعتكاف رسول الله : ((وهو مجاور في
المسجد)). (٣)
وعن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا: ((كنت
أجاور هذه العشر۔ یعني الأوسط ۔ ثم قد بدا لي أن
أجاور هذه العشر الآواخر، فمن كان اعتكف معي
(١) جواهر الإكليل ١٥٨/١، ٢٤٥ ط دار المعرفة، وابن عابدين
٢١٧/٣ ط بولاق
(٢) المصباح المنير .
(٣) كشاف القناع ٢/ ٣٤٧ ط الرياض. وحديث عائشة رضي الله
عنها. أخرجه البخاري (فتح الباري ٤/ ٢٧٣ ط السلفية)
فلیثبت في معتكفه». (١)
قال مالك: (٢) الاعتكاف والجوار سواء إلا من
نذر، مثل جوار مکة، يجاور النهار، وينقلب الليل
إلى منزله، قال: فمن جاور مثل هذا الجوار الذي
ينقلب فيه الليل إلى منزله، فليس عليه في جواره
صیام.
فالجوار على هذا أعم من الاعتكاف، لأنه
يكون في المسجد وغيره، ويكون مع الصيام
وبدونه .
حكمة الاعتكاف :
٥ - الاعتكاف فيه تسليم المعتكف نفسه بالكلية
إلى عبادة الله تعالى طلب الزلفى، وإبعاد النفس
من شغل الدنيا التي هي مانعة عما يطلبه العبد من
القربى / وفيه استغراق المعتكف أوقاته في الصلاة
إما حقيقة أو حكما، لأن المقصد الأصلي من شرعية
الاعتكاف انتظار الصلاة في الجماعات، وتشبيه
المعتكف نفسه بالملائكة الذين لا يعصون الله
ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل
والنهار لا يفترون. (٣)
حكمه التكليفي :
٦ - الاعتكاف سنة ، ولا يلزم إلا بالنذر، لكن
(١) حديث: «كنت أجاور هذه العشر ... )) أخرجه البخاري
ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا (فتح
الباري ٤/ ٥٩ ط السلفية، وصحيح مسلم ٨٢٤/٢ ط عيسى
الحلبي.
(٢) المدونة ٢٣٢/١ ط دار صادر ..
(٣) الفتاوى الهندية ٢١٢/١، الطحاوي على مراقي الفلاح ٣٨٧
ط الأميرية. والآية من سورة الأنبياء/ ٢٠
- ٢٠٧ -
اعتكاف ٦ - ٨
اختلف الفقهاء في مرتبة هذه السنية.
فقال الحنفية : إنه سنة مؤكدة في العشر الأواخر
من رمضان، ومستحب فيما عدا ذلك.
وفي المشهور عند المالكية، أنه مندوب مؤكد
ولیس بسنة .
وقال ابن عبد البر : إنه سنة في رمضان ومندوب
في غيره.
وذهب الشافعية إلى أنه سنة مؤكدة، في جميع
الأوقات، وفي العشر الأواخر من رمضان آكد اقتداء
برسول الله وَلخير، وطلبا لليلة القدر.
وقال الحنابلة : إنه سنة في كل وقت، وآكده في
رمضان، وآكده في العشر الأخير منه.
قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن
الاعتكاف سنة، لا يجب على الناس فرضا، إلا أن
يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا، فيجب
عليه .
سومما يدل على أنه سنة فعل النبي صلجزر، ومداومته
عليه تقربا إلى الله تعالى، وطلبا لثوابه، واعتكاف
أزواجه معه وبعده.
*) أما أن الاعتكاف غیر واجب فلأن أصحاب
النبي ◌ّ﴾ لم يلتزموا الاعتكاف كلهم، وإن صح
عن کثیر من الصحابة فعله،
وأيضا فإن النبي ټ لم يأمر أصحابه بالاعتكاف
إلا من أراده، لقول النبي ◌َّر: ((من كان اعتكف
معي ، فليعتكف العشر الأواخر)) (١) - أي من شهر
رمضان - ولو كان واجبا لما علقه بالإِرادة.
ويلزم الاعتكاف بالنذر، لقول النبي مل *:
(١) حديث: ((من كان اعتكف معي ... )). أخرجه البخاري
(فتح الباري ٤ / ٢٧١ ط السلفية).
((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) (١)
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: يارسول الله :
إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال
النبي : ((أوف بنذرك)). (٢)
أقسام الاعتكاف :
٧ - ينقسم الاعتكاف إلى واجب، ومندوب عند
الجمهور، وزاد الحنفية المسنون. (٣)
أ - الاعتكاف المندوب :
وهو أن ينوي الاعتكاف تطوعا لله تعالى. وأقله
لحظة، أوساعة، أويوم، أويوم وليلة حسب
اختلاف الفقهاء.
وهو سنة في كل وقت، ویسن ألا ینقص عن يوم
وليلة .
ب - الاعتكاف الواجب :
٨ - لا يجب الاعتكاف إلا بالنذر عند الجمهور
منجزا أو معلقا، وبالشروع في الاعتكاف المسنون
عند المالكية، ومقابل الظاهر عند الحنفية، وسيأتي
في (ف/ ١٣)
وهل يشترط التلفظ بالنذر أم يكفي النية في
القلب؟
صرح الجميع بوجوب التلفظ بالنية، ولا يكفي
(١) حديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه ... )). أخرجه
البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا (فتح الباري
٥٨١/١١ ط السلفية).
(٢) المغني ٣/ ١٨٤٠ ط الرياض، والروضة ٣٨٩/٢، والجمل
على شرح المنهج ٢/ ٣٥٥، وكشاف القناع ٣٤٨/٢،
والفتاوى الهندية ٢١١/١، والدسوقي ٥٤١/١. وحديث
«أوف بنذرك ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٤/ ٢٧٤
ط السلفية).
(٣) ابن عابدين ٢/ ٤٤٢ ط الحلبي.
- ٢٠٨ -
اعتكاف ٩ - ١٢
نية القلب.(١)
جـ ـ الاعتكاف المسنون :
٩ - زاد الحنفية قسما ثالثا للاعتكاف، وهو ما أطلقوا
عليه ((سنة مؤكدة)) أي سنة كفاية في العشر الأخير
من شهر رمضان، فإذا قام بها بعض المسلمين سقط
الطلب عن الباقين، فلم يأثموا بالمواظبة على
الترك بلا عذر، ولو كان سنة عين لأثموا بترك السنة
المؤكدة إثما دون إثم ترك الواجب. (٢)
أركان الاعتكاف :
١٠ - أركان الاعتكاف عند الجمهور أربعة :
وهي المعتكف، والنية ، والمعتكف فيه، واللبث
في المسجد.
وذهب الحنفية إلى أن ركن الاعتكاف هو اللبث
في المسجد فقط، والباقي شروط وأطراف لا
أركان، وزاد المالكية ركنا آخر وهو: الصوم. (٣)
المعتكف :
١١ - اتفق الفقهاء على أنه يصح الاعتكاف من
الرجل والمرأة والصبي المميز، واشترطوا لصحة
الاعتكاف الواجب والمندوب ما يلي:
(١) الإِسلام : فلا يصح الاعتكاف من
الكافر، لأنه ليس من أهل العبادة.
(١) ابن عابدين ٢/ ٤٤١، وكشاف القناع ٢/ ٣٦٠، والروضة
٣٩٥/٢، والشرح الكبير ٥٤١/١، والفروع ١٦٢/٣،
والزرقاني ٢/ ٢٢٢، ومغني المحتاج ١/ ٤٥٥
(٢) حاشية ابن عابدين ٢/ ٤٤٢ ط الحلبي.
(٣) ابن عابدين ١٢٨/٢ - ١٢٩ ط بولاق، والروضة ٣٩١/٢
وكشاف القناع ٣٤٧/٢، وحاشية العدوي على شرح
أبي الحسن ٤٠٩/١
(٢) العقل .
(٣) التمييز : فلا يصح الاعتكاف من المجنون
والسكران والمغمى عليه ومن غير المميز، إذ لا نية
لهم، والنية في الاعتكاف واجبة.
أما الصبي العاقل المميز فيصح منه الاعتكاف،
لأنه من أهل العبادة، كما يصح منه صوم التطوع.
(٤) النقاء من الحيض والنفاس، فلا يصح
الاعتكاف من الحائض والنفساء، لأنهما ممنوعتان
عن المسجد، ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد.
(٥) الطهارة من الجنب : فلا يصح الاعتكاف
من الجنب، لأنه ممنوع من اللبث في المسجد. (١)
اعتكاف المرأة :
١٢ - يصح اعتكاف المرأة باتفاق الفقهاء بالشروط
المتقدمة، ويشترط للمتزوجة أن يأذن لها زوجها،
لأنها لا ينبغي ها الاعتكاف إلا بإذنه ۔أي يصح من
غير إذنه مع الإِثم في الافتيات عليه - فإن أذن لها
الزوج بالاعتكاف واجبا أو نفلا، فلا ينبغي له أن
يطأها، فإن منعها زوجها بعد إذنه لها لا يصح
منعه. هذا قول الحنفية. (٢)
وذهب المالكية إلى أنه لا يحق للزوج أن يمنع
زوجته بعد إذنه لها بالاعتكاف المنذور، سواء
أدخلت في العبادة أم لم تدخل، إلا إذا كان النذر
مطلقا غير مقيد بأيام معینة، فإن للزوج حينئذ أن
يمنع زوجته من الاعتكاف حتى ولو دخلت في
(١) نيل المآرب ٢٨٣/١ ط الفلاح، والشرح الصغير ٧٢٥/١ ط
دار المعارف، وبدائع الصنائع ١٠٨/٢، وكشاف القناع
٣٤٧/٢ ط النصر الحديثة، ونهاية المحتاج ٣٥٤/٢
(٢) ابن عابدين ٢/ ٤٤١
- ٢٠٩ -
اعتكاف ١٢ - ١٣
العبادة، ومن باب أولى ما إذا نذرت بغير إذنه معينا
أو غير معين.
أما إذا أذن لها في الاعتكاف بدون نذر، فلا
يقطعه عليها إن دخلت في الاعتكاف، فإن لم
تدخل فيه کان له منعها . (١)
والاعتكاف للمرأة مکر وه تنزيها عند الحنفية،
وجعلوه نظير حضورها الجماعات. (٢)
وقال الشافعية : لا يجوز اعتكاف المرأة إلا بإذن
زوجها، لأن التمتع بالزوجة من حق الزوج، وحقه
على الفور بخلاف الاعتكاف. نعم إن لم تفوت
الزوجة على زوجها منفعة، كأن حضرت المسجد
بإذنه، فنوت الاعتكاف فإنه يجوز.
ويكره عندهم اعتكاف المرأة الجميلة ذات الهيئة
قياسا على خروجها لصلاة الجماعة .
وللزوج إخراج زوجته من الاعتكاف المسنون
سواء أكان الاعتكاف بإذنه أم لا، واستدل البهوتي
الحنبلي بحديث: ((لا تصوم المرأة وزوجها شاهد
يوما من غير رمضان إلا بإذنه))، وقال: وضرر
الاعتكاف أعظم. (٣)
وكذا يجوز للزوج إخراجها من الاعتكاف
المنذور إلا إذا أذن لها بالاعتكاف وشرعت فيه،
(١) الدسوقي ٥٤٥/١
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ٣٨٢
(٣) كشاف القناع ٣٤٩/٢، ٣٥٠ ط الرياض.
وحديث: ((لا تصوم المرأة وزوجها شاهد ... )). أخرجه
الترمذي بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا
وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح وأصله، في
صحيح مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: ((لا تصم المرأة
وبعلها شاهد إلا بإذنه)» تحفة الأحوذي ٣/ ٤٩٥ نشر السلفية،
وصحيح مسلم ٢/ ٧١١ ط عيسى الحلبي.
سواء أكان زمن الاعتكاف معينا أم كان متتابعا أم
لا . أو إذا کان الإذن أو الشروع في زمن الاعتكاف
المعين أو أذن في الشروع فيه فقط وكان الاعتكاف
متتابعا، وذلك لإِذن الزوج بالشروع مباشرة أو
بواسطة، لأن الإِذن في النذر المعين إذن في الشروع
فيه، والمعين لا يجوز تأخيره، والمتتابع لا يجوز
الخروج منه، لما فيه من إبطال العبادة الواجبة بلا
عذر. (١)
والحنابلة كالشافعية فيما تقدم، إلا في مسألة
اعتكاف المرأة الجميلة، فلم يذكروا أنه
مکروه. (٢)
وإذا اعتكفت المرأة استحب لها أن تستتر بخباء
ونحوه، لفعل عائشة وحفصة وزينب في عهده
۵﴾، وتجعل خباءها في مكان لا يصلي فيه الرجال،
لأنه أبعد في التحفظ لها. نقل أبو داود عن أحمد
قوله: ((يعتكفن في المسجد، ويضرب لهن فيه
بالخيم)). (٣)
ولا بأس أن يستتر الرجال أيضا، لفعله وَلخر،
ولأنه أخفى لعملهم. ونقل إبراهيم: لا. إلا لبرد
شدید. (٤)
النية في الاعتكاف :
١٣ - النية ركن للاعتكاف عند المالكية والشافعية
والحنابلة، وشرط له عند الحنفية، وذلك لأن
الاعتكاف عبادة مقصودة، فالنية واجبة فيه، فلا
(١) مغني المحتاج ٤٥٤/١، وأسنى المطالب ٤٣٦/١
(٢) كشاف القناع ٣٤٩/٢ - ٣٥٠
(٣) مسائل الإِمام أحمد ١/ ٩٦ ط دار المعرفة.
(٤) كشاف القناع ٣٥١/٢
- ٢١٠ -
اعتكاف ١٣ - ١٤
يصح اعتكاف بدون نية. سواء أكان الاعتكاف
مسنونا أم واجبا، كما يجب التمييز بين نية الفرض
والنفل في الاعتكاف، ليتميز الفرض من
السنة. (١)
وإذا نوى الاعتكاف المسنون، ثم خرج من
المسجد، فھل یحتاج إلی تجدید نیته إذا رجع؟
ذهب الحنفية في الظاهر من المذهب، والشافعية
والحنابلة إلى أنه إذا خرج من الاعتكاف المسنون
فقد انقطع اعتكافه، وإذا رجع فلابد من تجديد نية
اعتكاف مندوب آخر، لأن الخروج من المسجد مُنْهٍ
للاعتكاف المندوب، لا مبطل له.
وذهب المالكية ، وهو مقابل الظاهر عند الحنفية
إلى أن المندوب يلزمه إذا نواه قليلا كان أو كثيرا
بدخوله معتكفه، لأن النقل يلزم كمالُهُ بالشروع
فیه، فإن لم يدخل معتكفه فلا يلزمه ما نواه .
فإذا دخل ثم قطع لزمه القضاء وإن اشترط
عدم القضاء.
والظاهر من مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة
أنه لا يلزمه الإتمام ولا قضاء عليه. (٢)
مكان الاعتكاف :
أ - مكان الاعتكاف للرجل :
١٤ - أجمع الفقهاء على أنه لا يصح اعتكاف
(١) ابن عابدين ٢/ ٤٤١ ط مصطفى الحلبي، وبلغة السالك
٥٣٩/١ ط عيسى الحلبي، والروضة ٣٩٥/٢، والجمل
٣٥٧/٢، وكشاف القناع ٣٥١/٢
(٢) ابن عابدين ٢/ ٤٤١، ٤٤٥ ط الحلبي، الشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي ٥٤٦/١، ٥٥٢، والروضة ٣٩٥/٢،
وكشاف القناع ٢/ ٣٥٠، وكفاية الطالب مع حاشية العدوي
٣٥٨/١، وبلغة السالك ٥٤٢/١ ط عيسى الحلبي.
الرجل والخنثى إلا في مسجد، لقوله تعالى: ((وأنتم
عاكفون في المساجد))(١) وللاتباع، لأن النبي ◌َليل
لم يعتكف إلا في المسجد.
واتفقوا على أن المساجد الثلاثة أفضل من
غيرها، والمسجد الحرام أفضل، ثم المسجد
النبوي، ثم المسجد الأقصى .
واتفقوا على أن المسجد الجامع يصح فيه
الاعتكاف، وهو أولى من غيره بعد المساجد
الثلاثة، ويجب الاعتكاف فيه إذا نذر الاعتكاف
مدة تصادفه فيها صلاة الجمعة، لئلا يحتاج
إلى الخروج وقت صلاة الجمعة، إلا إذا اشترط
الخروج لها عند الشافعية. (٢)
ثم اختلفوا في المساجد الأخرى التي يصح فيها
الاعتكاف.
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لا يصح
الاعتكاف إلا في مسجد جماعة.
وعن أبي حنيفة أنه لا يصح الاعتكاف إلا في
مسجد تقام فيه الصوات الخمس، لأن الاعتكاف
عبادة انتظار الصلاة، فيختص بمکان یصلی فیه،
وصححه بعضهم .
وقال أبويوسف ومحمد: يصح في كل مسجد
وصححه السروجي .
وعن أبي يوسف أنه فرق بين الاعتكاف
الواجب والمسنون، فاشترط للاعتكاف الواجب
مسجد الجماعة، وأما النفل فيجوز في أي مسجد
(١) سورة البقرة / ١٨٧
(٢) ابن عابدين ٢/ ٤٤١ ط الحلبي، وحاشية العدوي مع شرح
أبي الحسن ١/ ٤١٠، والمجموع ٤٨٣/٦، ومغني المحتاج
١/ ٤٥٠ وكشاف القناع ٣٥١/٢ -٣٥٢، والروضة ٣٩٨/٢
- ٢١١ -
اعتكاف ١٥ - ١٦
کان.
ويعني الحنفية بمسجد الجماعة ما له إمام
ومؤذن، أدیت فيه الصلوات الخمس أولا .
واشترط الحنابلة لصحة الاعتكاف في المسجد
أن تقام الجماعة في زمن الاعتكاف الذي هو فيه،
ولا يضر عدم إقامتها في الوقت الذي لا يعتكف
فيه، وخرج من ذلك المرأة والمعذور والصبي ومن هو
في قرية لا يصلي فيها غيره، لأن الممنوع ترك
الجماعة الواجبة، وهي منتفية هنا. (١)
والمذهب عند المالكية والشافعية أنه يصح
الاعتكاف في أي مسجد كان. (٢)
ب - مكان اعتكاف المرأة :
١٥ - اختلفوا في مكان اعتكاف المرأة :
فذهب الجمهور والشافعي في المذهب الجديد
إلى أنها كالرجل لا يصح اعتكافها إلا في المسجد،
وعلى هذا فلا يصح اعتکافها في مسجد بیتها، لما
ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن
امرأة جعلت عليها (أي نذرت) أن تعتكف في
مسجد بيتها، فقال: ((بدعة، وأبغض الأعمال إلى
الله البدع)). (٣) فلا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه
الصلاة. ولأن مسجد البيت ليس بمسجد حقيقة
ولا حكما، فيجوز تبدیله، ونوم الجنب فيه، وكذلك
(١) ابن عابدين ١٢٩/٢ ط بولاق، وكشاف القناع ٣٥١/٢
(٢) حاشية العدوي مع شرح أبي الحسن ١/ ٤١٠، والمجموع
٤٨٦/٦، ومغني المحتاج ١/ ٤٥٠
(٣) الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه البيهقي بلفظ: ((إن
أبغض الأمور إلى الله البدع، وإن من البدع الاعتكاف في
المساجد التي في الدور» .
(السنن الكبرى للبيهقي ٣١٦/٤ ط الهند).
لو جاز لفعلته أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن -
ولو مرة تبیینا للجواز.
وفي المذهب القديم للشافعي : أنه يصح
اعتکاف المرأة في مسجد بیتھا، لأنه مکان صلاتها.
قال النووي : قد أنكر القاضي أبو الطيب
وجماعة هذا القديم. وقالوا: لا يجوز في مسجد بيتها
قولا واحدا وغلطوا من قال: فيه قولان.
وذهب الحنفية إلى جواز اعتكاف المرأة في
مسجد بيتها، لأنه هو الموضع لصلاتها، فيتحقق
انتظارها فيه، ولو اعتكفت في مسجد الجماعة جاز
مع الكراهة التنزيهية، والبيت أفضل من مسجد
حيها، ومسجد الحي أفضل لها من المسجد
الأعظم.
ولیس للمرأة أن تعتکف في غير موضع صلاتها
من بيتها .
وإن لم يكن لها في البيت مكان متخذ للصلاة
لا يجوز لها الاعتكاف في بيتها، وليس لها أن تخرج
من بيتها الذي اعتكفت فيه اعتكافا واجبا
عليها. (١)
اللبث في المسجد :
١٦ - اللبث في المسجد هو ركن الاعتكاف عند
الجميع. (٢)
وقد اختلف الفقهاء في مقدار اللبث المجزىء في
الاعتكاف المسنون.
(١) تبيين الحقائق ١/ ٣٥٠، وابن عابدين ٢/ ١٢٩ ط بولاق،
وحاشية العدوي ١/ ٤١٠، والمجموع ٤٨٤/٦، ومغني
المحتاج ٤٥١/١ والروضة ٣٩٨/٢، وكشاف القناع ٣٥٢/٢
(٢) ابن عابدين ٢/ ٤٤١، والروضة ٢/ ٣٩١، وبلغة السالك
٥٣٨/١، وكشاف القناع ٣٤٧/٢
- ٢١٢ -
اعتكاف ١٦ - ١٧
فذهب الحنفية إلى أن أقله ساعة (١) من ليل أو
نهار عند محمد، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة،
لبناء النفل على المسامحة، وبه يفتي.
وهو المذهب عند الحنابلة. قال في الإِنصاف:
أقله إذا كان تطوعا أو نذرا مطلقا ما يسمى به
معتكفا لابثا. قال في الفروع: ظاهره ولو لحظة،
والمذهب ما تقدم.
والمستحب عندهم ألا ینقص الاعتكاف عن
يوم وليلة، خروجا من خلاف من يقول: أقله
ذلك.
واختلف المالكية في أقل المكث في المسجد.
فذهب بعضهم إلى أنه يوم وليلة، سوی وقت
خروجه لما يتعين عليه الخروج لأجله، من البول
والغائط والوضوء وغسل الجنابة، والمقصود بليلة
اليوم: الليلة التي قبله.
وذهب آخرون إلى أن أقله یوم فما فوقه إذا كان
دخوله في الاعتكاف مع الفجر، باعتبار أن أول
اليوم الفجر.
وعند الشافعية لا يقدر اللبث بزمان، بل
اشترطوا في اللبث أن یکون قدرا یسمی عکوفا
وإقامة، ولو بلا سکون بحیث یکون زمنه فوق زمن
الطمأنينة في الركوع ونحوه، فیکفي التردد فیه لا
المرور بلا لبث.
ويندب عندهم أن يكون يوما، لأنه لم يرد أن
(١) الساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمن لا جزء من أربع
وعشرين. ابن عابدين مع الدر المختار ٤٤٤/٢
النبي * اعتكف أقل من يوم، (١) ولا أحد من
الصحابة .
الصوم في الاعتكاف :
١٧ - اختلف العلماء في الصوم في الاعتكاف،
فمنهم من رآه واجبا، ومنهم من استحبه، إلا إن
نذره مع الاعتكاف فیجب، وفيما يلي تفصيل حكم
الصوم في الاعتكاف غير المنذور فيه الصوم:
أ - القول الأول بوجوب الصوم مع الاعتكاف:
لا يصح الاعتكاف إلا بصوم، وبه قال
أبو حنيفة في رواية الحسن عنه، ومن مشايخ الحنفية
من اعتمد هذه الرواية، وهو مذهب المالكية، وبه
قال ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير
والزهري والأوزاعي والثوري، وهو قول قدیم
محکي عن الشافعي، قالوا : لا يصح الاعتكاف إلا
بصوم. قال القاضي عياض: وهو قول جمهور
العلماء.
والصوم عند المالكية ركن للاعتكاف كالنية
وغيرها.
واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها عن
النبي وسلم أنه قال: ((لا اعتكاف إلا بصيام)) (٢)
(١) ابن عابدين ٤٤١/٢ ط الحلبي، وبلغة السالك مع الحاشية
٥٣٨/١ - ٥٣٩، والدسوقي مع الشرح الكبير ٢/ ٥٤١،
وكفاية الطالب ٣٥٤/١ - ٣٥٥، والروضة ٣٩١/٢، وحاشية
الجمل ٣٦١/٢ - ٣٦٢، وكشاف القناع ٣٤٧/٢
(٢) حديث: ((لا اعتكاف إلا بصيام ... )) أخرجه الدارقطني
والحاكم والبيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه
سويد بن عبد العزيز. قال عنه البيهقي : سويد ضعيف لا
يقبل ما تفرد به. وروي عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها
موقوفا بلفظ: ((من اعتكف فعليه الصيام)). ورواه أبو داود
بطريق آخر من حديث عائشة رضي الله عنها مطولا أنها . =
- ٢١٣ -
٠٠
اعتكاف ١٧ - ١٨
وبأن النبي بَليز «اعتكف هو وأصحابه رضي الله
عنهم صياما في رمضان))، وعن ابن عمر
- رضي الله عنهما - عن عمر أنه ((سأل النبي ◌َّر عن
اعتكاف عليه فأمره أن يعتكف ويصوم)) (١) والذي
ذكر عن أبي حنيفة في رواية الحسن عنه في وجوب
الصوم مطلقا مع الاعتكاف لم يكن هو المعتمد في
المذهب كما في الدر المختار وحاشية ابن عابدين
والفتاوى الهندية وغيرها، فإنهم قالوا: إن الصوم
ليس بشرط في الاعتكاف المندوب، كما في ظاهر
الرواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف
ومحمد. (٢)
ب - القول الثاني : أفضلية الصوم مع الاعتكاف.
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يشترط
الصوم للاعتكاف مطلقا، سواء أكان واجبا أم
مندوبا، فالصوم ليس شرطا للاعتكاف عندهم ولا
= قالت: ((السنة على المعتكف ... ولا اعتكاف إلا بصوم ... ))
قال أبو داود: غير عبدالرحمن بن إسحاق لا يقول فيه ((قالت
السنة)».
( سنن الدارقطني ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠ ط شركة الطباعة الفنية
المتحدة، والسنن الكبرى للبيهقي ٣١٧/٤ ط الهند،
والمستدرك ١/ ٤٤٠، وعون المعبود ٣١٠/٢ -٣١١ ط الهند،
ونيل الأوطار ٢٦٧/٤ ط المطبعة العثمانية).
(١) حديث عمر رضي الله عنه: ((أنه سأل النبي ◌َلز عن اعتكاف
عليه ... )) أخرجه أبو داود والدارقطني واللفظ له. وقال
الدارقطني : تفرد به ابن بديل عن عمرو، وهو ضعيف
الحديث، كما ضعفه ابن حجر في الفتح.
(عون المعبود ٣١١/٢ ط الهند، وسنن الدارقطني ٢/ ٢٠٠
ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، وفتح الباري ٤/ ٢٧٤ ط
السلفية).
(٢) ابن عابدين ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣، وبدائع الصنائع ١٠٥٧/٣،
الفتاوى الهندية ٢١١/١، والمجموع ٤٨٥/٦، والشرح الكبير
مع حاشية الدسوقي ٥٤٢/١
رکنا فيه .
وبه قال الحسن البصري وأبو ثور وداود
وابن المنذر، وهو مروي عن علي وابن مسعود. إلا
أنهم صرحوا بأن الاعتكاف مع الصوم أفضل من
الاعتکاف بدونه، فلو اعتکف صائما ثم أفطر عامدا
بغير عذر لا يبطل اعتكافه، ولا شيء عليه،
لصحة اعتكافه بغير صوم، واحتجوا لما ذهبوا إليه
بحديث عائشة: ((أن النبي وفر اعتكف العشر
الأول من شوال)) (١) رواه مسلم، وهذا يتناول
اعتكاف يوم العيد، ويلزم من صحته أن الصوم
ليس بشرط، واحتجوا أيضا بحديث عمر رضي الله
عنه أنه نذر أن يعتكف ليلة، فقال له النبي صار:
((أوف بنذرك)). (٢)
نية الصوم للاعتكاف المنذور :
١٨ - اختلف الحنفية والمالكية في الصوم الواجب
مع الاعتكاف، فذهب الحنفية إلى أن الاعتكاف
الواجب لا يصح إلا بصوم واجب، ولا يصح مع
صوم التطوع، فلو نذر اعتكاف شهر رمضان لزمه
وأجزأه صوم رمضان عن صوم الاعتكاف، فإن لم
يعتكفه قضى شهرا متتابعا غيره، لأنه التزم
الاعتكاف في شهر بعينه. وقد فاته، فيقضيه متتابعا
بصوم مقصود، فلم يجز في رمضان آخر، ولا في
واجب آخر، سوى قضاء رمضان الأول، لأنه
خلف عنه .
وعلى هذا فلوصام تطوعا، ثم نذر اعتكاف
(١) حديث: ((أن النبي ﴿ اعتكف العشر الأول ... )) أخرجه
مسلم (صحيح مسلم ٢/ ٨٣١ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث ((أوف بنذرك)). سبق تخريجه (ف / ٦)
- ٢١٤ -
اعتكاف ١٩ - ٢١
ذلك اليوم لم يصح الاعتكاف، لعدم استيعاب
الاعتكاف للنهار.
مثاله : لو أصبح صائما متطوعا، أوغير ناوٍ
للصوم، ثم قال: لله علي أن اعتكف هذا اليوم،
لا يصح، وإن كان في وقت تصح منه نية الصوم،
لعدم استيعاب النهار بالاعتكاف، وعدم استيعابه
بالصوم الواجب.
وعند أبي يوسف أقله أكثر النهار، فإن كان قاله
قبل نصف النهار لزمه، فإن لم يعتكفه قضاه. (١)
وذهب المالكية إلى أن الاعتكاف بقسميه
الواجب والمسنون يصح بأي صوم کان سواء قید
بزمن کرمضان، أو سبب ككفارة ونذر، أو أطلق
کتطوع، فلا يصح الاعتكاف من مفطر، ولو
لعذر، فمن لا يستطيع الصوم لا يصح
اعتكافه. (٢)
نذر الاعتكاف :
١٩ - إذا نذر الاعتكاف لزمه أداؤه، سواء أكان
منجزا أم معلقا، وينقسم إلى متتابع وغير متتابع،
أو نذر مدة معينة .
أ - النذر المتتابع
٢٠ - وذلك كأن ينذر عشرة أيام متتابعة، أو شهرا
متتابعا مثلا، فإنه يلزمه متتابعا في قولهم جميعا، (٣)
فلو أفسده وجب استثناؤه بفوات التتابع.
(١) حاشية ابن عابدين ٢/ ١٢٠، ١٢١ ط بولاق، والفتاوى
الهندية ٢١١/١
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ٥٤٢
(٣) كشاف القناع ٢/ ٣٤٨، وبلغة السالك ٥٤٢/١
ب - النذر المطلق والمدة المعينة :
٢١ - وهو أن ينذر اعتكاف يوم أو أيام غير متتابعة،
فإن نوى أياما غير متتابعة، فإنها تلزمه متتابعة عند
الحنفية، وعلله في المبسوط بأن إيجاب العبد معتبر
بإيجاب الله تعالى، وما أوجب الله تعالى متتابعا إذا
أفطر فيه يوما لزمه الاستقبال، كصوم الظهار
والقتل. والإِطلاق في الاعتكاف كالتصريح
بالتتابع، بخلاف الإِطلاق في نذر الصوم، والفرق
بینھما أن الاعتكاف يدوم بالليل والنهار، فكان
متصل الأجزاء، وما كان متصل الأجزاء لا يجوز
تفريقه إلا بالتنصيص عليه، بخلاف الصوم، فإنه
لا يوجد ليلا، فكان متفرقا، وما كان متفرقا في
نفسه لا يجب الوصل فيه إلا بالتنصيص. وكذلك
عند المالكية إلا إذا نذرها متفرقة فتجب متفرقة، ولا
يلزمه التتابع.
أما الشافعية فإن النذر المطلق عندهم لا يلزم فيه
التتابع، فيجوز أداؤه مفرقا. (١)
وعلى هذا لو خرج من معتکفه خلال أيام النذر
المطلق، إن لم يعزم على العود احتاج إلى استئناف
نية الاعتكاف، سواء أخرج لتبر زام لغيره، لأن ما
مضی عبادة تامة، وهو یرید اعتکانا جديدا، فإن
عزم على العود كانت هذه العزيمة قائمة مقام
النية، وهو الصواب كما في المجموع. (٢)
(١) كشاف القناع ٣٤٩/٢، وبلغة السالك ٥٤٢/١، ومغني
المحتاج ٤٥٣/١، وابن عابدين ١٣١/٢، والفتاوى الهندية
٢١٤/١، ومغني المحتاج ١/ ٤٥٤، وحاشية العدوي مع شرح
أبي الحسن ٤٠٩/١، وابن عابدين ٢/ ١٣٣ ط بولاق،والبحر
الرائق ٣٢٩/٢ ط العلمية.
(٢) مغني المحتاج ٤٥٣/١ - ٤٥٤، والمقنع ٢٨٢/١، وكشاف
القناع ٢/ ٣٥٥
- ٢١٥ -
اعتكاف ٢٢ - ٢٣
أما إذا نوى مدة معينة فكذلك عند الحنفية
والمالکیة، وعند الشافعية لا يلزمه التتابع، لكن إن
خرج لغير قضاء الحاجة احتاج إلى استئناف النية .
وعند الحنابلة أن تعیین مدة للاعتكاف کشھر
بعینه يلزمه التتابع، وإن نذر شهرا مطلقا لزمه،
ولهم قولان في التتابع وعدمه. أحدهما كالحنفية،
والثاني كالشافعية اختارها الآجري وصححها
ابن شهاب وغيره.
ونص صاحب كشاف القناع على وجوب
التتابع .(١)
والتتابع عند الشافعية في النذر المطلق أفضل من
التفريق .
وعند الشافعية والحنابلة : لو نذر يوما لم يجز فيه
التفريق .
ولو نذر يوما من وسط النهار لزمه الاعتكاف من
ذلك الوقت إلى مثله ليتحقق مضي یوم من ذلك
الوقت. وأما اللیل فلا يلزمه بنذر اعتکاف النهار
لأنه لیس من الیوم عندهما .
وقال الشافعية : يدخل الليل مع اليوم
بالنية . (٢)
وإذا نذر اعتكاف شهر بعينه وأطلق لزمه ليلاً
ونهارا، تاما كان الشهر أو ناقصا ويجزئه الناقص بلا
خلاف عند الشافعية . (٣)
زمن دخول الاعتكاف الواجب :
٢٢ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه
يدخل معتكفه إذا نوى يوما قبل الفجر، وعند
(١) مغني المحتاج ١/ ٤٥٣، وكشاف القناع ٣٥٥/٢
(٢) حاشية الجمل ٣٦٥/٢ - ٣٦٦ وكشاف القناع ٣٥٤/٢
(٣) المجموع ٤٩٣/٦، وكشاف القناع ٢/ ٣٥٤
الشافعية والحنابلة إذا نوی لیلا قبل غروب
الشمس، لأن الحنفية والمالكية لا يصح عندهم نذر
اللیل وحده، لأنه لا صيام فيه، لكن لو نذر ليلة أي
ليلة كانت عند المالكية لزمته مع نهارها، لأن أقله
يوم وليلة.(١)
والليل تابع للنهار إذا نذر أياما متتابعة، كمن
نذر اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان. (٢)
نذر الصوم مع الاعتكاف المنذور :
٢٣ - سبق أن الحنفية والمالكية لا يصح عندهم
الاعتكاف الواجب والمسنون إلا بصوم واختلفوا في
المندوب .
أما نذر الصوم مع الاعتكاف ففيه أوجه عند
الشافعية والحنابلة :
أ - اتفقوا على أنه إذا نذر صوما واعتكافا لا يلزمه
الجمع بينهما .
ب - اتفقوا على أنه إذا نذر أن يعتكف صائما
لزماه .
جـ ـ واختلفوا فيما إذا نذر أن يصوم معتكفا.
فالصحيح عند الشافعية والحنابلة أنهما يلزمانه.
وفرقوا بين الصورة الثالثة والثانية بأن الصوم
يصح وصفا للاعتكاف، والاعتكاف لا يصح وصفا
للصوم. (٣)
(١) كشاف القناع ٣٥٤/٢، ٣٥٥، وابن عابدين ٤٤٣/٢،
وبدائع الصنائع ٣/ ١٠٦٠، والمجموع ٤٩٤/٦، وبلغة
السالك ٥٤١/١ - ٥٤٢
(٢) ابن عابدين ٢/ ٤٥٢، وبلغة السالك ٥٣٩/١، وكشاف
القناع ٣٥٥/٢، والمجموع ٤٩٢/٦
(٣) كشاف القناع ٣٤٨/٢ -٣٤٩، ومغني المحتاج ٤٥٣/١،
والفروع ١٦٢/٣
- ٢١٦ -
اعتكاف ٢٤ - ٢٥
نذر الصلاة في الاعتكاف :
٢٤ - ذهب الشافعية إلى أن من نذر أن يعتكف
مصلیا فالصلاة لا تلزمه.
وعند الحنابلة يلزمه الجمع بينهما، لقوله آلات :
(ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على
نفسه)). (١) والاستثناء من النفي إثبات، وتقاس
الصلاة على الصوم، ولأن كلا من الصلاة والصوم
صفة مقصودة في الاعتكاف فلزمت بالنذر، لكن
لا يلزمه أن يصلي جمیع الزمان، ويكفيه ركعة أو
ركعتان بناء على ما لو نذر الصلاة وأطلق. (٢)
هذا ولم أرللحنفية والمالكية نصا في هذه المسألة
والظاهر عدم الوجوب. والله أعلم.
نذر الاعتكاف في مكان معين :
٢٥ - اتفق الفقهاء على أنه إذا نذر الاعتكاف في
أحد المساجد الثلاثة - المسجد الحرام، ومسجد
النبي ◌َّل، والمسجد الأقصى - لزمه النذر وعليه
الوفاء، ولا يجزئه الاعتكاف في غيرها من المساجد،
لفضل العبادة فيها على غيرها، فتتعين بالتعيين.
وأفضلها المسجد الحرام، ثم مسجد النبي
(١) حديث ((ليس على المعتكف صيام ... )) أخرجه الحاكم من
حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعا وقال: هذا حديث
صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط مسلم
وعارض هذا ما لم يصح.
وأخرجه الدارقطني والبيهقي بنفس الإسناد ورجحا وقفه .
(المستدرك ٤٣٩/١ نشر دار الكتاب العربي، وسنن
الدارقطني ١٩٩/٢ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة، والسنن
الكبرى للبيهقي ٣١٩/٤ ط الهند، ونيل الأوطار ٢٦٨/٤ ط
المطبعة العثمانية المصرية).
(٢) كشاف القناع ٣٤٩/٢، ومغني المحتاج ٤٥٣/١
* ، ثم المسجد الأقصى.
وإلحاق غير الثلاثة بها ممتنع لثبوت فضلها على
غيرها بالنص، قال عليه الصلاة والسلام: ((صلاة
في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا
المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل
من مائة ألف صلاة فيما سواه)).(١)
وورد أن الصلاة بالمسجد الأقصى بخمسمائة
صلاة. (٢)
فإذا عين الأفضل في نذره لم يجزئه الاعتكاف فيما
دونه، لعدم مساواته له .
فإن عين بنذره المسجد الحرام لا يجزئه في مسجد
النبي وَل﴿ ولا المسجد الأقصى.
وإن عين مسجد النبي ◌َّو لا يجزئه المسجد
الأقصى، والعكس صحيح، فإن عين المسجد
الأقصى جاز في مسجد النبي ◌َّ، وفي المسجد
الحرام، وإن عين مسجد النبي جاز في المسجد
الحرام. (٣)
(١) حديث: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة ... ))
أخرجه ابن ماجة من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا. وقال
الحافظ البوصيري في الزوائد: إسناد حديث جابر صحيح
ورجاله ثقات (سنن ابن ماجة ١/ ٤٥٠ ط عيسى الحلبي)
وأخرج البخاري الشطر الأول منه بلفظ ((صلاة في مسجدي
هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (فتح الباري ٦٣/٣ ط
السلفية).
(٢) حديث: ((أن الصلاة بالمسجد الأقصى ... )» أورده المنذري
في الترغيب والترهيب وعزاه إلى الطبراني وابن خزيمة والبزار
من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. ولفظ البزار ((فضل
الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة، وفي
مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة»
قال البزار: إسناده حسن.
(الترغيب والترهيب ٣/ ٥٢ ط مطبعة السعادة).
(٣) كشاف القناع ٢/ ٣٥٣، ومغني المحتاج ٤٥١/١
٠٠٠م
- ٢١٧ -
اعتكاف ٢٦
وأما إذا نذر الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة
فهل يلزم؟
ذهب المالكية وهو المذهب عند الشافعية
والصحیح عند الحنابلة إلى أنه لا يلزمه، وله فعله
في غيره. (١)
وأما إذا كان المسجد يحتاج إلى شد الرحال إليه
فيخير عند الحنابلة، وهو قول للمالکیة بین الذهاب
وعدمه عند القاضي أبي يعلى وغيره، واختار
بعضهم الإِباحة في السفر القصير، ولم يجوزه
ابن عقيل والشيخ تقي الدين ابن تيمية، وكذلك
يخير على الصحيح من المذهب إن كان لا يحتاج
إلى شد رحل بين الذهاب وغيره. لكن قال في
الواضح: الوفاء أفضل، قال في الفروع: وهذا
أظهر. (٢)
الاشتراط في الاعتكاف :
٢٦ - ذهب الجمهور إلى جواز الشرط وصحته في
الاعتكاف الواجب.
وذهب المالكية وهو مقابل الأظهر عند
الشافعية: إلى إلغاء الشرط.
إلا أن الجمهور اختلفوا فيما يصح أن يدخل
تحت الشرط أو لا يدخل. (٣)
فقال الحنفية : لو اشترط وقت النذر أن يخرج
لعيادة مريض وصلاة جنازة وحضور مجلس علم
(١) جواهر الإكليل ١٥٨/١، والإنصاف ٣٦٦/٣ - ٣٦٧
(٢) الإنصاف ٣٦٨/٣، والدسوقي ٥٤٧/١ ط دار الفكر.
(٣) حاشية الطحطاوي على الدر ١/ ٤٧٦، ومغني المحتاج
٤٥٧/١، والمغني ١٩٤/٣ - ١٩٥ ط الفجالة، والقوانين
الفقهية ٨٥ ط دار القلم ، وكشاف القناع ٢/ ٣٥٩
جاز ذلك. وهذا على قول الإمام أبي حنيفة، أما
على قول الصاحبين فالأمر أوسع. أما المالكية فقد
قالوا في المعتمد: لو اشترط المعتكف لنفسه سقوط
القضاء عنه - على فرض حصول عذر أو مبطل - لا
ينفعه اشتراط سقوط القضاء، وشرطه لغو، ويجب
عليه القضاء إن حصل موجبه، واعتكافه صحيح.
ولهم قول آخر بأنه لا ینعقد، وقول ثالث بالتفصيل
بين الاشتراطات قبل الدخول في الاعتكاف فلا
ينعقد الاعتكاف، أو بعد الدخول فيلغو
الشرط.(١)
وقال الحنابلة وهو الأظهر عند الشافعية: إن
الاعتكاف لزم بالتزامه فيجب بحسب ما التزمه.
فإذا اشترط المعتكف الخروج لعارض مباح
مقصود غير مناف للاعتكاف صح الشرط.
فإن اشترطه لخاص من الأغراض، كعيادة
المرضی خرج له دون غيره، وإن کان غيره أهم
منه. وإن اشترطه لأمر عام کشغل پعرض له خرج
لکل مهم ديني کالجمعة والجماعة، أو دنيوي مباح،
كاقتضاء الغريم، فليس له الخروج لأجل الحرام.
وخرج بقوله ((مقصود)) ما لوشرطه، أو لغير
مقصود کنزهة أو فرجة، كإتيان أهله، فإذا اشترط
الخروج لشيء من ذلك فإنه لا ينعقد نذره.
وقال الحنابلة : لو اشترط الخروج للبيع والشراء
أو الإِجارة، أو التكسب بالصناعة في المسجد لم
يصح الشرط بلا خلاف.
ولو قال : متی مرضت أو عرض لي عارض
خرجت فله شرطه على الصحيح من المذهب.
ر
(١) الدسوقي ٥٥٢/١، وبلغة السالك ٥٤٩/١
- ٢١٨ -
اعتكاف ٢٧
ومحل ذلك في الاعتكاف المتتابع عند الشافعية،
ولا يلزمه تدارك ما فاته، فكأنه قال: نذرت هذا
أ الشهر إلا كذا. فيكون المنذور شهرا، والمشروط
مستثنى منه .
أما عند الحنابلة فإن فائدة الشرط عندهم سقوط
القضاء في المدة المعينة .
أما لونذر شهرا متتابعا، فلا يجوز الخروج منه
إلا لمرض، وعليه قضاء زمن المرض، لإِمكان حمل
شرطه هنا على نفي التتابع فقط، فنزل على
الأقل، ويكون الشرط قد أفاد هنا البناء مع سقوط
القضاء. (١)
ما يفسد الاعتكاف :
يفسد الاعتكاف ما يلي :
الأول - الجماع ودواعيه :
٢٧ - اتفق الفقهاء على أن الجماع في الاعتكاف
حرام ومبطل له، لیلا کان أو نهارا، إن كان عامدا.
وكذا إن فعله ناسيا لاعتكافه عند الجمهور، لقوله
تعالى: (ولا تُباشِروهُنّ وأنتم عاكِفون في
المساجدٍ). (٢)
وذهب الشافعية إلى أن حرمة الجماع وإفساده
للاعتكاف لا يكون إلا من عالم بتحريمه ذاكر
للاعتكاف، سواء أجامع في المسجد أم خارجه عند
خروجه لقضاء الحاجة أونحوها، لمنافاته العبادة
البدنية. والبطلان إنما هو بالنسبة للمستقبل، أما ما
مضى فإنه لا يبطل في الجملة، على خلاف
(١) الإنصاف ٣٧٦/٣، ومغني المحتاج ٤٥٧/١
(٢) سورة البقرة/ ١٨٧
وتفصیل یعرف في كتب الفقه.
وأما دواعي الجماع كاللمس والقبلة، فإنها تفسد
الاعتكاف عند الحنفية والحنابلة، وهو الأظهر
للشافعیة إذا أُنزل، فإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه،
والقولان الآخران للشافعية أنه يبطل مطلقا،
وقيل: لا يبطل.
قال المالكية : إنه إذا قبّل وقصد اللذة، أولمس،
أو باشر بقصدها، أو وجدها بطل اعتكافه،
واستأنفه من أوله، فلو قبل صغيرة لا تشتهى، أو
قبل زوجته لوداع أورحمة، ولم يقصد لذة ولا وجدها
لم يبطل. ثم إن اشتراط الشهوة في القبلة إذا كانت
في غير الفم، وأما إذا كانت فيه فلا تشترط الشهوة
على الظاهر، لأنه يبطله من مقدمات الوطء
ما يبطل الوضوء.
وقد نصوا على تحريم الوطء في المسجد مطلقا
لكرامته، ووطء المعتكفة مفسد لاعتكافها. (١)
وذهب الجمهور إلى أن الجماع المفسد
للاعتكاف المنذور المتتابع من المعتكف الذاكر له
العالم بتحريمه لا تلزمه الكفارة.
قال ابن المنذر : أكثر أهل العلم على أنه لا
كفارة عليه، وهو قول أهل المدينة والشام والعراق.
قال الماوردي هو قول جميع الفقهاء إلا الحسن
البصري والزهري، فقالا: عليه كفارة الواطىء في
صوم رمضان .
وعن الحسن رواية أخرى هي أنه يعتق رقبة،
فإن عجز أهدى بدنة، فإن عجز تصدق بعشرين
(١) الدسوقي مع الشرح الكبير ١/ ٥٤٤، ومغني المحتاج
٤٥٢/١، وبدائع الصنائع ١٠٧١/٣ - ١٠٧٢، وكشاف
القناع ٣٦١/٢
- ٢١٩ -
اعتكاف ٢٨ - ٢٩
صاعا من تمر. (١) وقال القاضي أبو يعلى: هي
كفارة الظهار، وقال أبو بكر: هي كفارة يمين.
الثاني - الخروج من المسجد :
٢٨ - اتفق الفقهاء على أن الخروج من المسجد
للرجل والمرأة (وكذلك خروج المرأة من مسجد بيتها
عند الحنفية) إذا كان لغير حاجة فإنه يفسد
الاعتكاف الواجب، وألحق المالكية وأبو حنيفة - في
رواية الحسن عنه - بالواجب الاعتكاف المندوب
أيضا، سواء أكان الخروج يسيرا أم كثيرا.
أما إذا كان الخروج لحاجة فلا يبطل الاعتكاف
في قولهم جميعا إلا أنهم اختلفوا في الحاجة التي لا
تقطع الاعتكاف ولا تفسده (٢) على النحو التالي:
أ - الخروج لقضاء الحاجة والوضوء والغسل
الواجب :
٢٩ - اتفق الفقهاء على أنه لا يضر الخروج لقضاء
الحاجة والغسل الذي وجب مما لا يفسد
الاعتكاف. لكن إن طال مكثه بعد ذلك فسد
اعتكافه .
قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن
للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول،
لأن هذا مما لابد منه، ولا يمكن فعله في المسجد،
فلوبطل الاعتكاف بخروجه له لم يصح لأحد
(١) المجموع ٦/ ٥٢٧، والإنصاف ٣/ ٣٨٠ -٣٨١، وتبيين
الحقائق ٥٢/١، وابن عابدين ١٣٥/٢ ط بولاق، والدسوقي
٥٤٥/١، والمغني ٢٩٨/٣ ط الرياض.
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٥٤٣/١، وتبيين الحقائق
١/ ٣٥٠، وابن عابدين ٢/ ٤٤٥، وكشاف القناع ٣٥٦/٢،
والروضة ٢/ ٤٠٤، وبدائع الصنائع ١٠٧١/٣
الاعتكاف، ولأن النبي {#ے کان یعتکف، وقد
علمنا أنه كان يخرج لحاجته.
وروت عائشة أن النبي # ((كان لا يدخل
البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا)) (١)
وله الغسل والوضوء والاغتسال في المسجد إذا لم
يلوث المسجد عند الحنفية والحنابلة .
وعند الشافعية إن أمكنه الوضوء في المسجد لا
يجوز له الخروج في الأصح، والثاني يجوز. (٢)
وذهب المالكية إلى كراهة دخول منزل أهله وبه
أهله - أي زوجته - إذا خرج لقضاء الحاجة، لئلا
يطرأ عليه منهما ما يفسد اعتكافه. (٣)
أما إذا كان له منزلان فيلزمه أقربهما عند الشافعية
والحنابلة، واختلف الحنفية في ذلك. (٤)
وإذا كانت هناك میضاة محتشم منها لا يكلف
التطهر منها، ولا يكلف الطهارة في بيت صديقه، لما
في ذلك من خرم المروءة، وتزيد دار الصديق بالمنة
بها.
أما إذا كان لا يحتشم من الميضأة فيكلفها. (٥)
وألحقوا بالخروج لما تقدم الخروج للقيء وإزالة
النجاسة، فلا يفسد الاعتكاف أيضا في قولهم
(١) حديث عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي # كان لا يدخل
البيت ... )). أخرجه البخاري ومسلم (فتح الباري ٢٧٣/٤
ط السلفية وصحيح مسلم ٢٤٤/١ ط عيسى الحلبي).
(٢) ابن عابدين ٤٤٥/٢، ٤٤٦، وكشاف القناع ٢/ ٣٥٦،
ومغني المحتاج ٤٥٧/١، والمجموع ٦/ ٥٠١، ٥٠٣، وبلغة
السالك ٥٤٤/١
(٣) الشرح الصغير مع بلغة السالك ٥٤٤/١
(٤) المجموع ٦/ ٥٠١، وكشاف القناع ٢/ ٣٥٦
(٥) مغني المحتاج ١/ ٤٥٧، وكشاف القناع ٣٥٦/٢، وابن
عابدين ٤٤٥/٢
- ٢٢٠ -