Indexed OCR Text

Pages 141-160

أطعمة ٥٠ - ٥٢
لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان، وسائر أجزائه
كالتابع له، ثم بين الألوسي أنه خص لحم الخنزير
بالذكر، مع أن بقية أجزائه حرام، لإظهار حرمة
ما استطابوه وفضلوه على سائر اللحوم واستعظموا
وقوع تحريمه)). (١)
٥٠ - والضمير في قوله تعالى: ﴿أُو لَحْمَ خنزير فإنه
رجس﴾، في لغة العرب التي نزل بها القرآن راجع
إلى أقرب مذكور إليه (٢) وهو الخنزير نفسه،
فصح بالقرآن أن الخنزير بعينه رجس، فهو كله
رجس وبعض الرجس رجس، والرجس حرام
واجب اجتنابه، فالخنزیر کله حرام، لا يخرج من
= وتخصيص اللحم بالذكر، لأن معظم الانتفاع متعلق به)».
(ر: تفسير النيسابورى بهامش الطبرى ١١٩/٢). لكن
نسب بعض الحنابلة إلى دواد الظاهرى القول بأن ماعدا
اللحم من الخنزير جائز الأكل (ر: مطالب أولى النهى
٣٢١/٦) وفي هذه النسبة نظر، فإن ابن حزم قد أحاط
بمذهب داود إمام الظاهرية، وليس بمعقول أن يغفله في
هذه المسألة وإن خالفه، بل ليس بمعقول أن يسلم حكاية
الإجماع إذا كان داود قد ذهب إلى حل ذلك. ومن عادة
ابن حزم إذا خالف داود أن يحكي مذهبه ويبدي مخالفته
له. وفي ((شرح النيل)) من كتب الأباضية: ((واختلف في
أجزاء الخنزير غير اللحم، فقال أصحابنا: اللحم مثل
الجلد والشعر والعظم إذا زال ودكه. وحجة من قال:
المحرم لحمه فقط ظنهم أن الضمير في قوله عز وعلا
﴿ ..... أو لحم خنزير فإنه رجس ..... ﴾ عائد الى
المضاف .... الخ. ثم قال في آخر المبحث: وفي أثر
أصحابنا: ((من قال لم يحرم من الخنزير إلا لحمه فهو منافق))
(ر: شرح النيل ١/ ٢٤٧).
(١)
تفسير روح المعانى ٢/ ٤٢.
(٢)
إن قيل: إن الضمير إنما يعود لأقرب مذكور سوى المضاف
إليه فإنه ليس متحدثا عنه وإنما المتحدث عنه هو المضاف
فیعود الضمير إلیه، وإن كان المضاف إليه أقرب منه.
أجيب: بأن الضمير هنا عائد إلى المضاف إليه لإفادته معنى
تأسیسیا، إذ لو عاد هنا إلى المضاف کان تأکیدا.
ذلك شعره ولا غيره.
النوع الحادى عشر: الحشرات:
٥١ - الحشرات قد تطلق لغة على الهوام فقط، وقد
تطلق على صغار الدواب كافة مما يطير أو لا يطير.
والمراد هنا المعنى الثاني الأعم. (١)
والحشرات تنقسم الى قسمين:
(أ) ما له دم سائل (ذاتي)، ومن أمثلته: الحية،
والفأرة، والخلد، والضب، واليربوع، وابن
عرس، والقنفذ.
(ب) ما ليس له دم سائل (ذاتي)، ومن أمثلته:
الوزغ، والعقرب، والعظاءة، (٢) والحلزون
البرى، والعنكبوت، والقراد، والخنفساء،
والنمل، والبرغوث، والجراد، والزنبور، والذباب
والبعوض.
٥٢ - وهذا التقسيم في الحشرات إلى ذوات دم
سائل وغیر سائل لا تأثير له في كونها مأكولة أو غير
مأكولة في موضوع الأطعمة هنا، ولكن له تأثيرا في
(١) القاموس وشرحه تاج العروس مادة: (حشر). ويؤخذ من
تاج العروس (مادة ممم) أن بعض اللغويين يقول: الهوام
هي: الحيات وكل ذي سم يقتل سمه، وأما ما تسم ولا
تقتل كالزنبور والعقرب فهي السوام، وأما مالا تقتل ولا
تسم ولكنها تقم من الأرض أي تأكل منهنا فهي القوام
كالقنفذ والفأر واليربوع والخنفساء. فمن هنا يعلم أن
للحشرات إطلاقا خاصا على الهوام، وإطلاقا عاما على
الدواب الصغار التي تشمل الهوام والسوام والقوام (بتشديد
الميسمات في الثلاث، جمع هامة، وسامة، وقامة، بتشديد
الميم أيضا) وهو المراد هنا.
العظاءة: بفتح العين، دوبية من الزواحف ذوات الأربع
(٢)
تعرف في مصر باسم السحلية، وفي سواحل الشام
بالسقاية. من أنواعها الضباب وسوام أبرص (ر: المعجم
الوسيط ومعجم متن اللغة، مادة عظو).
- ١٤١ -

أطعمة ٥٣ - ٥٤
موضوع آخر هو نجاستها وطهارتها، فذات الدم
السائل تنجس ميتتها، وتتنجس بها المائعات
القليلة، بخلاف ما ليس لها دم سائل، ولذلك جمع
النوعان في موضوع الأطعمة هنا لوحدة الحكم فيهما
من حیث جواز الأكل أو عدمه.
ولما كان لكل من الجراد والضب والدود حكم
خاص بکل منها حسن إفراد كل منها على حدة.
الجراد:
٥٣ - أجمعت الأمة على حل الجراد، وقد ورد في
حله الحديث القائل: ((أحلت لنا ميتتان ودمان،
فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان:
فالطحال والكبد)). (١)
- وذهب الجمهور إلى أنه لا حاجة إلى تذكية
الجراد. وقال المالكية: لا بد من تذكيته بأن يفعل
به ما یعجل موته بتسمية ونية.
ومما ينبغي التنبه له أن الشافعية كرهوا ذبح
الجراد وقطعه حیا. وصرحوا بجواز قلیه ميتا دون
إخراج ما في جوفه، ولا یتنجس به الدهن.
ويحرم عندهم قليه وشيه حيا على الراجح لما فيهما
من التعذيب، وقيل: يحل ذلك فيه كما يحل في
السمك، ولكن هذا القول عندهم ضعيف، لأن
حياة الجراد مستقرة ليست كحياة المذبوح، بخلاف
السمك الذي خرج من الماء، فإن حیاته کحياة
(١) حديث: ((أحلت لنا ميتتان ودمان : ..... )) رواه ابن
ماجة (١٠٧٣/٢ - ط الحلبي) والدارقطني (٢٧٢/٤ - ط
دار المحاسن) من حديث ابن عمر مرفوعا وفي إسناده
ضعف، والصواب أنه موقوف وله حكم الرفع.
(التلخيص ٢٥/١ - ٢٦ ط دار المحاسن).
المذبوح. (١)
وخالف الحنابلة في قليه وشيه حيا، فذهبوا إلى
مثل القول الثاني للشافعية، وهو إباحتهما، وإن
كان فيهما تعذيب، لأنه تعذيب للحاجة، فإن
حياته قد تطول فيشق انتظار موته. (٢)
الضب:
٥٤ - اختلف الفقهاء في الضب: فذهب الجمهور
إلى إباحته، واستدلوا بالحديث المروي عن عبد الله
ابن عباس، قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع
رسول الله وَل* بيت ميمونة، فأتي بضب
محنوذ، (٣) فرفع رسول الله أَيز يده، فقلت:
أحرام هو یا رسول الله؟ قال: ((لا، ولکنه لم یکن
بأرض قومي فأجدني أعافه)). قال خالد: فاجتررته
فأكلته ورسول الله ◌َلا ينظر.
وذهب أبو حنيفة إلى تحريمه، واحتج بالحديث
المروي عن عبد الرحمن بن حسنة: أنهم أصابتهم
مجاعة في إحدى الغزوات مع رسول الله (چر، فوجد
الصحابة ضبابا فحرشوها وطبخوها، فبينما كانت
القدور، تغلي بها علم بذلك الرسول وَالقر فأمرهم
بإكفاء القدور فألقوا بها. (٤)
نهاية المحتاج ١٠٧/٨، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني
(١)
١٧٤/٨ - ١٧٥، وحاشية البجيرمي على المنهج ٣٠٣/٦
المراجع السابقة في السمك (ف/١٨).
(٢)
(٣)
محتوذ: أي مشوی.
وحديث ابن عباس: دخلت أنا وخالد بن الوليد ..
أخرجه مسلم (١٥٤٣/٣ - ط الحلبي).
حديث عبد الرحمن بن حسنة «أنهم أصابتهم مجاعة في
(٤)
إحدى الغزوات ... )) أخرجه أحمد (٤ /١٩٦ - ط اليمنية)
وابن حبان (موارد الظمآن ص ١٠٧٠ - ط السلفية)
وصححه ابن حجر في الفتح (٩ / ٦٦٥ - ٦٦٦ - ط
السلفية).
- ١٤٢ -

أطعمة ٥٥
واعتبر الجمهور ما ورد في تحریمه منسوخا، لأن
حديث الإباحة متأخر، لأنه حضره ابن عباس وهو
لم يجتمع بالنبي صل إلا بالمدينة.
ومن كره الضب من الصحابة رضي الله عنهم
علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، ويحتمل أن
تکون الكراهة عندهما تحریمیة، وهذا عندئذ يتفق
مع القول بالتحريم، ويحتمل أنها تنزيهية. (١)
وحجة من قال بكراهته تنزيها تعارض أدلة
الإِباحة والتحريم، فيكره تنزيها احتياطا.
الدود:
٥٥ - تناولت كتب الفقه تفصيلات عن الدود
إیجازها فيما يلي:
قال الحنفية: إن دود الزنبور ونحوه قبل أن تنفخ
فيه الروح لا بأس بأكله، لأنه ليس بميتة، فإن
نفخت فيه الروح لم يجز أكله. وعلى هذا لا يجوز
أكل الجبن أو الخل أو الثمار بدودها . (٢)
وقال المالكية: إن مات الدود ونحوه في طعام
وتمیز عن الطعام أخرج منه وجوبا، فلا یؤکل معه،
ولا يطرح الطعام بعد إخراجه منه، لأن ميتته
طاهرة .
وإن لم يتميز بأن اختلط بالطعام وتهرى طرح
الطعام، لعدم إباحة نحو الدود الميت به وإن كان
طاهرا، فيلقى لكلب أو هرّ أو دابّة، إلا إذا كان
الدود غير المتمیز قليلا .
وإن لم يمت في الطعام جاز أكله معه .
المحلى لابن حزم ٧ /٤٣١
(١)
البدائع ٣٥/٥ - ٣٦، وحاشية ابن عابدين ١٩٤/٥،
(٢)
والخانية بهامش الفتاوى الهندية ٣٥٨/٣.
هذا كله إن لم يكن الدود ونحوه تولد في الطعام
(أی عاش وتربی فیه)، سواء أکان فاکهة أم حبوبا
أم تمرا، فإن کان کذلك جاز أكله معه عندهم، قلّ
أو کثر، مات فیه أو لا، تمیز أو لم یتمیز. (١)
ومعنى ذلك أنهم يلحظون فيه حينئذ معنى
التبعية .
وقال الشافعية والحنابلة: يحل أكل الدود المتولد
في طعام كخل وفاكهة بثلاث شرائط:
الأولى :- أن يؤكل مع الطعام، حيا كان أو
ميتا، فإن أكل منفردا لم يحل.
الثانية : - ألا ينقل منفردا، فإن نقل منفردا لم يجز
أكله. وهاتان الشريطتان منظور فيهما أيضا إلى
معنى التبعية .
الثالثة :- ألا یغیر طعم الطعام أو لونه أو ريحه إن
كان مائعا، فإن غير شيئا من ذلك لم يجز أكله ولا
شربه، لنجاسته حينئذ.
ويقاس على الدود السوس المتولد في نحو التمر
والباقلاء إذا طبخا، فإنه يحل أكله ما لم يغير الماء.
وكذا النمل إذا وقع في العسل ونحوه فطبخ . (٢)
وقال أحمد في الباقلاء المدود: تجنبه أحب إلي،
وإن لم يتقذر فأرجو. (٣) وقال عن تفتيش التمر
المدود: لا بأس به. (٤) وقد روي عن النبى
أنه أتي بتمر عتيق فجعل يفتشه يخرج السوس
الشرح الصغير مع حاشية الصاوي ٣٢٣/١.
(١)
(٢)
نهاية المحتاج ٨/ ١٠٧.
(٣)
أی یرجو أن لا یکون في أكله حرج.
مطالب أولى النهى ٣١٣/٦، والمغنى ٨/ ٦٠٥
(٤)
- ١٤٣ -

أطعمة ٥٦ - ٥٨
منه. (١) قال ابن قدامة: وهو أحسن.
بقية الحشرات:
٥٦ - للفقهاء في حكم بقية الحشرات، ما عدا
الجراد والضب، والدود ثلاثة آراء:
الأول :- حرمة أصناف الحشرات كلها، لأنها
تعد من الخبائث لنفور الطبائع السليمة منها. وإلى
هذا ذهب الحنفية . (٢)
الثاني :- حل أصنافها كلها لمن لا تضره. وإليه
ذهب المالكية، لكنهم اشترطوا في الحل تذكيتها :
فإن کانت مما لیس له دم سائل ذکیت کما یذکی
الجراد، وسيأتي بيان ذلك. وإن كانت مما له دم
سائل ذكيت بقطع الحلقوم والودجين من أمام العنق
بنية وتسمية .
وقال المالكية في الفأر إذا علم وصوله إلى
النجاسة: إنه مکروه، وإن لم يعلم وصوله إليها فهو
مباح. (٣)
الثالث:۔ التفصیل بتحریم بعض أصنافها دون
بعض :
فالشافعية: قالوا بإباحة الوبر، وأم حبين،
واليربوع، وابن عرس، والقنفذ. أما أم حبين
فلشبهها بالضب، وأما البقية فلأنها غير
وقد روى عن النبى ◌َ﴾ («أنه أتي بتمر عتيق فجعل يفتشه
(١)
يخرج السوس منه)) أخرجه أبو داود وابن ماجة من
حديث أنس بن مالك رضى الله عنه وقال المنذري: هذا
مرسل (عون المعبود ٣/ ٤٢٦ ط الهند، وسنن ابن ماجة
١٠٦/٢ ط عيسى الحلبي)
الخانية بهامش الفتاوى الهندية ٣٥٨/٣
(٢)
الخرشى على خليل ٨١/١، ٨٨، والدسوقي على الشرح
(٣)
الكبير ١١٥/٢، والصاوى على الشرح الصغير ٣٢٣/١
وفيها تفصيلات أخرى لمتأخرى فقهاء المالكية تنظر هناك.
مستخبثة . (١)
والحنابلة خالفوا الشافعية في القنفذ وابن
عرس، فقالوا بحرمتهما، ولهم روايتان في الوبر
واليربوع أصحهما الإِباحة. (٢)
النوع الثاني عشر: المتولدات، ومنها: البغال:
٥٧ - يقصد بالمتولدات ما تولد بين نوعين من
الحيوان. وهو ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: ما تولد بين نوعين حلالين.
وهو حلال بلا خلاف.
الصنف الثاني: ما تولد بين نوعين محرمين أو
مكروهین تحريما. وهو محرم أو مكروه تحريما بلا
خلاف .
الصنف الثالث: ما تولد بين نوعين أحدهما
محرم أو مكروه تحريما، والثاني حلال مع الإِباحة أو
مع الكراهة التنزيهية. ومن أمثلة هذا الصنف:
البغال. وفي حكمها تفصيل :
٥٨ - قال الشافعية والحنابلة: إن البغل وغيره من
المتولدات يتبع أخس الأصلين. (٣) وصرح
الشافعية بأن هذه التبيعة إنما هي عند العلم
بالتولد بين النوعين. وعلى هذا لو ولدت الشاة
كلبة دون أن يعلم أنها نزا عليها كلب فإنها تحل،
لعدم اليقين بتولدها من كلب، لأنه قد تقع الخلقة
على خلاف صورة الأصل، وإن كان الورع
نهاية المحتاج ٨/ ١٤٤ .
(١)
(٢)
المقنع ٥٢٦/٣، ٥٢٩، ومطالب أولى النهى ٣٠٩/٦،
٣١٤.
نهاية المحتاج ١٤٤/٨، ١٤٦، والمقنع ٥٢٧/٣، والمغنى
(٣)
مع الشرح الكبير ٦٦/١١.
- ١٤٤ -

أطعمة ٥٩ - ٦١
ترکها .
وحجتهم في قولهم يتبع أخس الأصلين، أنه
متولد منهما فيجتمع فیه حل وحرمة، فیغلب جانب
الحرمة احتياطا. ومن القواعد الفقهية أنه إذا
تعارض المانع والمقتضي، أو الحاظر والمبيح، غلب
جانب المانع الحاظر احتياطا. (١)
٥٩ - وعند الحنفية البغال تابعة للأم، فالبغل
الذي أمه أتان (حمارة) يكره أكل لحمه تجريما تبعا
لأمه، والذي أمه فرس يجرى فيه الخلاف الذي
فيه الخيل : فیکون مکروها عند أبي حنيفة، ومباحا
عند الصاحبين. فلو فرض تولده بین حمار وبقرة،
أو بين حصان وبقرة فهو مباح عند جميع الحنفية بلا
خلاف في المذهب، تبعا لأمه كما تقدم.
وما يقال في البغال يقال في كل متولد بين نوعين
من الحيوان، (٢) فالتبعية لأم هي القاعدة عند
الحنفية .
ويعرف من الدر المختار وحاشيته لابن
عابدين (٣) أن العبرة للأم ولو ولدت المأكولة ما
صورته صورة غیر المأکول، کما لو ولدت الشاة ذئبا
فإنه يحل. (٤)
٦٠ - والمالكية أيضا يقولون بقاعدة التبعية للأم في
الحکم مع بعض اختلاف: فهم یقیدون ذلك بألا
(٢)
المجلة وشروحها، المادة / ٤٦ .
(١)
البدائع ٣٧/٥.
الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/ ١٥٠، ١٩٣/٥،
(٣)
١٩٧
وهذا یناقض ما في حاشية ابن عابدين، فإما أن يكون مبنيا
(٤)
على القول بأن المعتبر هو غلبة الشبه - كما قاله ملا مسكين
- وإما أن يكون مبنيا على أن تبعية الأم مشروطة بكون
المتولد مخالفا للأب في النوع.
يأتي المتولد بين نوعين على صورة المحرم، فإنه
عندئذ محرم، وإن كانت الأم مباحة، كما لو ولدت
الشاة خنزيرا. وكذلك لا يجوزون أكل مباح ولدته
محرمة، كشاة من أتان (وفقا للقاعدة)، ولا عكسه
أيضا، كأتان من شاة (على خلاف القاعدة)،
ولكن هذا الولد الذي ولدته المحرمة على صورة
المباح إذا نسل یؤكل نسله عندهم حيث كان على
صورة المباح، لبعده عن أمه المحرمة .
وقد ذكروا في البغل قولين:
أحدهما: التحریم، وهو المشهور.
وثانيهما: الكراهة (١) دون تفريق أيضا بين
کون أمه فرسا أو أتانا، اعتمادا على أدلة أخرى في
خصوص البغل غير قاعدة التولد.
٦١ - وحجة من قال: إن البغل يتبع أمه أنه قبل
خروجه منها هو جزء منها، فيكون حكمه
حكمها: حلا، وحرمة، وكراهة، فيبقى هذا
الحكم بعد خروجه استصحابا.
وحجة من أطلق التحريم أو الكراهة
التحريمية. من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالخَيْلَ
والبغَالَ والحَمِيرَ لِتَكُبُوهَا، وَزِينَةً﴾. (٢) فقد
بینت الآية مزایاها أنها ركائب وزینة، وسكتت عن
الأكل في مقام الامتنان فيدل على أنها غير مأكولة.
ومن السنة حديث جابر بن عبد الله قال:
((حرم رسول الله ◌َ ﴿ - يعني يوم خيبر - لحوم الحمر
الإِنسية ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع،
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١١٧/٢، وبداية
المجتهد ٤٥٥/١، والخرشي على خليل ٨٦/١.
(٢) سورة النحل / ٨.
- ١٤٥ -

أطعمة ٦١ - ٦٢
وكل ذى مخلب من الطير)). (١)
وحديث خالد بن الوليد: ((نهى رسول الله وَيه
عن لحوم الحمر والخيل والبغال)). (٢)
وحجة من أطلق القول بالكراهة التنزيهية هي
الجمع بين دلالة الآيات والأحاديث السابقة،
وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أجدُ فيما أُوحِيَ إليَّ
مُحُرِّمَاً ... ) فقالوا: إنها ليست محرمة، عملا بهذه
الآية الأخيرة، وليست واضحة الإِباحة للخلاف
في دلالة الآية الأولى والأحاديث، فيخرج من ذلك
أنها مكروهة كراهة تنزيهية .
وحجة من قال بالإِباحة: أن الله تعالى قال:
﴿يَ أيِهَا النَّاسُ كُلُواِمَّا فِي الأرْضِ حَلَالاً طَيِّاً﴾.
وقال أيضا: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ماَ حَرّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا
مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهِ﴾ ولم يذكر فيما فصل تحريم
البغل، فهو حلال.
والقول بأنه متولد من الحمار فیکون مثله قول لا
يصح، لأنه منذ نفخت فيه الروح هو مغاير
(١) حديث جابر بن عبد الله ((حرم رسول الله وَ﴾ - يعنى يوم
خيبر - لحوم الحمر الإنسية ..... )) أخرجه الترمذى
وقال: حديث حسن غريب. وقال الشوكاني: حديث
جابر أصله في الصحيحين وهو بهذا اللفظ بسند لا بأس به
(تحفة الأحوذي ٥٣/٥، ٥٤ نشر السلفية و ١١٦/٨ ط
المطبعة العثمانية المصرية).
(٢) حديث خالد: نهى رسول الله وَله عن لحوم الحمر والخيل
والبغال. أخرجه الطحاوى في مشكل الآثار (١٦٥/٤ ط
دائرة المعارف النظامية). عن طريق عكرمة بن عمار عن
يحيى بن أبى كثير من حديث جابر رضى الله عنه، وقال:
إن أهل الحديث يضعفون حديث عكرمة عن يحيى ولا
يجعلونه فيه حجة، وناقش الشوكانى إسناد هذا الحديث
ومتنه بالتفصيل ويؤخذ منه ضعفه (نيل الأوطار ١١٢/٨
ط المطبعة العثمانية المصرية).
للحمار، ولیس جزءا منه.(١)
النوع الثالث عشر: كل حيوان لم يعرفه العرب في
أمصارهم :
٦٢ - المراد بهذا النوع ما كان غير معروف من قبل
عند العرب أهل اللغة التي نزل بها القرآن في
أمصارهم وأشبه ما استطابوه أو استخبثوه.
فما کان مشبها لما استطابوه فهو حلال أكله. وما
کان مشبها لما استخبثوه فهو حرام أو مكروه تحریما،
لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أحِلّ لَهُمْ؟ قُلْ: أَحِلّ
لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢) أى ما استطبتموه أنتم، لأنه
هم السائلون الذين وجه إليهم الجواب. ولقوله
تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْحْبَائِثَ﴾ أى ما
استخبثوه، فالذين تعتبر استطابتهم واستخبائهم
إنما هم أهل الحجاز، لأن الكتاب نزل عليهم
وخوطبوا به أولا . والمعتبر منهم أهل الأمصار لا
(١) انظر في هذه الحجج المراجع السابق ذكرها في ف٥٧،
٥٩،٥٨، يرى القارئ، اختلاف الفقهاء في أحكام صور
من هذه المتولدات مستغربة، كما لو ولدت الشاة خنزبرا
أو أتانا (حمارة)، أو ولدت الأتان شاة، أو تولد بين الكلب
والشاة حيوان ذو شبهين، رأسه يشبه أحدهما وجسمه يشبه
الآخر، ونحو ذلك ...
فنقول في هذا أيضا: إن الموسوعات العلمية الحديثة
وما تقوله بشأن التصالب (التوليد بين الحيوانات أو
النباتات المختلفة) وهو الذي يسمى بالفرنسية
(Hybridation) يستفاد منها أن هذا التصالب غير ممكن في
عالم الحيوان بين أنواع (Especes) مختلفة (كالشاة والكلب،
وكالحمار والبقرة مثلا)، وإنما يمكن بين أعراق (Races) أو
أصناف (Varietes) مختلفة من نوع واحد (ر: موسوعة لا
روس في كلمة: (Hybridation) وقد نقلنا كلام الفقهاء في
حكم المتولدات كما ورد في مصادره، حرصا على أمانة نقل
الفقه مع إثبات هذه الملاحظة.
(٢) سورة المائدة / ٤.
- ١٤٦ -

أطعمة ٦٣ - ٦٦
أهل البوادي، لأن هؤلاء يأكلون للضرورة ما
يجدون مهما كان .
فما لم يكن من الحيوان في أمصار الحجاز يرد إلى
أقرب ما يشبهه في بلادهم. فإن أشبه ما استطابوه
حلّ، وإن أشبه ما استخبثوه حرم. وإن لم يشبه
شيئا مما عندهم حل، لدخوله تحت قوله تعالى:
﴿قُلْ لا أجِدُ فِيما أوحِيَ إليَّ مُحُرَّماً علىْ طَاعِمٍ
يَطْعَمُه إلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ... ﴾ (١) الآية.
هذا مذهب الحنفية. (٢) وصرح بنحوه
الشافعية والحنابلة مع اختلافات يسيرة تعلم
بمراجعة كتبهم. (٣)
٦٣ - والمالكية يحلون كل ما لا نص على
تحريمه. (٤)
فالمالكية لا يعتبرون استطابة العرب من أهل
الحجاز ولا استخبائهم ولا المشابهة أساسا في تفسير
الطيبات .
ومما يستدل به على ذلك مجموع الآيات الثلاث
التالية، هي قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَّكُمْ مَا فِي
الأرض جميعاً﴾، وقوله: ﴿قُلْ لَا أجِدُ فِيما أوحِي
إليَّ ... ) الآية، وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمْ﴾ (٥) فمنها يعرف أن المحرم هو ما استثناه
النص من عموم الآية الأولى، فيبقى ما سواه
داخلا في عمومها المبيح .
سورة الأنعام / ١٤٥.
(١)
حاشية ابن عابدين ٥/ ١٩٤ .
(٢)
البجيرمى على الخطيب ٢٥٧/٤، ومطالب أولي النهى
(٣)
٣١١/٦.
الشرح الصغير ٣٢٢/١.
(٤)
موطن الآية الأولى: البقرة / ٢٩، والثانية: الأنعام / ١٤٥،
(٥)
والثالثة: الأنعام/ ١١٩.
ما يحرم أو يكره من الحيوان المأكول لسبب
عارض:
٦٤ - هناك حالات عارضة تجعل بعض أنواع من
الحيون المأكول حراما أو مكروها أكلها شرعا، ولو
ذكيت التذكية المقبولة شرعا. فإذا زالت أسباب
الحرمة أو الكراهة العارضة عاد الحيوان حلالاً دون
حرج.
هذه الأسباب العارضة منها ما يتصل
بالإِنسان، ومنها ما يتصل بالحيوان نفسه، ومنها ما
يتصل بهما معا.
وفيما يلي بيان ذلك:
أسباب التحريم العارضة:
أ - الإِحرام بالحج أو العمرة:
٦٥ - هذا سبب يقوم بالإِنسان، فحالة الإِحرام
بالحج أو بالعمرة تجعل من المحظور على المحرم
صید حیوان الصيد البري، ما دام الشخص محرما
لم يتحلل من إحرامه. فإذا قتل حيوانا من هذا
النوع صيدا، أو أمسكه فذبحه، کان کالميتة حرام
اللحم على قاتله المحرم نفسه وعلى غيره، سواء
اصطاده في الحرم المكي أو خارجه، لقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
حُرُمٌ .... ) الآية. (١)
٦٦ - والمراد بحيوان الصيد البري الحيوان المتوحش
الممتنع، أى غير الأهل كالظباء والحمام.
أما الآهل كالدواجن من الطيور، والأنعام من
الدواب فهو حلال للمحرم وغيره. وكذلك الحيوان
(١) سورة المائدة / ٩٥.
- ١٤٧ -

أطعمة ٦٧ - ٦٩
المائي حلال مطلقا، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ
صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَة، وحُرِّمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ البِرِّمَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾. (١) وهذا محل
اتفاق بين جميع المذاهب. (٢)
ب - وجود حيوان الصيد في نطاق الحرم المكي:
٦٧ - ويشمل مكة المكرمة والأرض المحيطة بها إلى
الحدود المقررة في أحكام الحج، والمعروفة بحدود
الحرم. وهذا سبب يتصل بالحيوان نفسه، وهو
کونه في حماية الحرم الآمن. فكل حيوان من حيوان
الصيد البري المأكول يقطن في نطاق الحرم، أو
يدخل فيه دون أن يجري عليه امتلاك سابق، فإنه
إذا قتل أو ذبح أو عقر كان لحمه حراما كالميتة، ولو
كان قاتله غير محرم، وذلك لحرمة المكان الثابتة
بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾، (٣)
وبما ثبت من حديث ابن عباس قال: قال
رسول الله ◌َّ﴿ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرام
لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر
صيده)). (٤)
هذا مذهب الجمهور.
٦٨ - وهناك اجتهادات ترى جريان هذا التحريم
أيضا في حيوان الحرم المدني، وهو مدينة الرسول
وَله والأرض المحيطة بها إلى الحدود المقررة لها في
النصوص، وفيه حديث علي مرفوعا: ((المدينة حرم
سورة المائدة / ٩٦.
(١)
الدسوقي ٧٢/٢.
(٢)
(٣)
سورة آل عمران / ٩٧.
(٤)
حديث ابن عباس ((إن هذا البلد حرام .... )) أخرجه
البخارى (الفتح ٤٤٩/٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ /٩٨٦
- ٩٨٧ ط الحلبي).
ما بين عير إلى ثور، لا يختلى خلاها ولا ينفر
صيدها)) (١) وهذا أحد قولين عند الشافعية.
وتفصيل ذلك حكما ودليلا وبيان حدود الحرمين
يرى في محله من موضوع الحج وموضوع الصيد.
وهناك في صيد الحرم وصيد المحرم من يرى أنه
إنما يحرم، ويعتبر كالميتة على صائده فقط عقوبة
له. ولکنه یکون لحما حلالا في ذاته، فيجوز لغير
صائده أن يأكل منه. وهو قول مرجوح عند
الشافعية . (٢)
ويرى قوم تحريم صيد المحرم في أرض الحل
علی صائده فقط، ویری آخرون تحريمه عليه وعلى
سواه من المحرمين دون المحلين. (٣)
السبب العارض الموجب للكراهة:
(الحيوانات الجلالة):
٦٩ - المقصود هنا بيان ما يكره أكله من الحيوان
المباح الأصل بسبب عارض اقتضى هذه
الكراهة، فإذا زال العارض زالت الكراهة. ولم
يذكر الفقهاء من هذا النوع سوى الحيوانات
الجلالة. (٤)
(١) حديث علي: ((المدينة حرم .. )) أخرج الشطر الأول من
الحديث (المدينة حرم ما بين عير وثور)) البخارى ومسلم،
وأخرج الشطر الثاني ((لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها :. »
أبو داود من حديث علي رضى الله عنه مرفوعا، وقال
الشوكاني: رجاله رجال الصحيح وأصله في الصحيحين
(فتح البارى ٤٢/١٢ ط السلفية، وصحيح مسلم
٩٩٤/٢، ٩٩٥ ط عيسى الحلبي، وسنن أبي دواد
٥٣٢/٢ ط استنبول، ونيل الأوطار ٠١٠٠/٥ ١٠١ ط
دار الجيل).
المجموع للنووي ٣٣٠/٧ و٤٤٢.
(٢)
المجموع ٣٣٠/٧. والشرح الكبير بأسفل المغنى
(٣)
٢٥٠/١١.
الجلالة : سبق تعريفه ف ٣١
(٤)
-١٤٨ -

أطعمة ٧٠ - ٧١
فقال الكاساني: إن الجلالة هي الإِبل أو البقر أو
الغنم التي أغلب أكلها النجاسات فيكره أكلها،
لما روي أن رسول اللّه بصخة ((نهى عن أكل لحوم
الإِبل الجلالة))، (١) ولأنها إذا كان الغالب من
أكلها النجاسات يتغير لحمها وينتن، فيكره أكله
كالطعام المنتن. وروي أن رسول اللّه ◌َُيخ ((نهى
عن الجلالة أن تشرب ألبانها)) (٢) أيضا،
وذلك لأن لحمها إذا تغير يتغير لبنها .
وأما ما روي من النهى عن ركوبها فمحمول
على أنها أنتنت فيمتنع من استعمالها حتى لا يتأذى
الناس بنتنها .
وقيل: لا يحل الانتفاع بها، ولو لغير الأكل،
والأول هو الأصح، لأن النهي ليس لمعنى يرجع
إلی ذاتها، بل لعارض جاورها، فکان الانتفاع بها
حلالا في ذاته، ممنوعا لغيره.
٧٠ - وتزول الكراهية بحبسها عن أكل النجاسة
وعلفها بالعلف الطاهر.
وهل لحبسها تقدير زمني، أو ليس له تقدير؟
روي عن محمد أنه قال: كان أبو حنيفة لا يوقت
في حبسها، وقال: تحبس حتى تطيب، وهو قول
(١) حديث ((أن رسول اللهصل نهى عن أكل لحوم الإبل
الجلالة)) أخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن عمر
رضى الله عنهما بلفظ ((نهى رسول الله عن الإِبل
الجلالة أن يؤكل لحمها، ولا يشرب لبنها، ولا يحمل
عليها إلا الأدم، ولا يذكيها الناس حتى تعلف أربعين
ليلة)) وأخرجه البيهقى بهذا الاسناد مع اختلاف في
اللفظ، وقال: ((ليس هذا بالقوى)) (سنن الدارقطني
٢٨٣/٤ ط دار المحاسن، وسنن البيهقي ٣٣٣/٩ ط
الهند).
حديث أن رسول الله ((نهى عن الجلالة أن تشرب
(٢)
ألبانها)) سبق تخريجه آنفا .
محمد وأبي يوسف أيضا.
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنها تحبس
ثلاثة أيام، وروى ابن رستم عن محمد في الناقة
والشاة والبقرة الجلالات أنها إنما تكون جلالة إِذا
أنتنت وتغيرت ووجد منها ريح منتنة، فهي التي لا
يؤكل لحمها ولا يشرب لبنها. هذا إذا كانت لا
تخلط ولا تأكل إلا الجلة أو العذرة (١) غالبا، فإن
خلطت فليست جلالة فلا سره، لأنها لا تنتن.
٧١ - ولا يكره أكل الدجاجة المخلاة (٢) وإن
كانت تتناول النجاسة، لأنها لا يغلب عليها
أكلها، بل تخلطها بالحب. وقيل: إنما لا تكره،
لأنها لا تنتن كما تنتن الإِبل، والحكم متعلق
بالنتن. ولهذا قالوا في الجدي إذا ارتضع بلبن
خنزيرة حتی کبر: إنه لا یکره أکله، لأن لحمه لا
يتغير ولا ينتن. وهذا يدل على أن العبرة للنتن لا
لتناول النجاسة.
والأفضل أن تحبس الدجاجة المخلاة حتى
يذهب ما في بطنها من النجاسة، وذلك على سبيل
التنزه .
(١) العذرة (بفتح فكسر): هي براز الإِنسان، أي الفضلات
الغائطية التي تخرج منه، وقد تستعمل فيما يخرج من كل
حيوان. وأصل معنى العذرة فناء الدار، ثم سمي بها
السلح والرجيع، لأنه كان يلقى بأفنية الدور، كما سمي
براز الإنسان غائطا، لأن الإنسان في العادة يلتمس لقضاء
حاجته الطبيعية غائطا من الأرض، وهو المكان المنخفض
ليحتجب عن الأنظار (ر: القاموس، ومعجم متن اللغة،
ومعجم مقاييس اللغة).
الدجاجة المخلاة (بتشديد اللام، بصيغة المفعول من
(٢)
التخلية) هي المرسلة التي تخالط النجاسات وليست محبوسة
في حظيرة أو بيت لتعلف علفا، كما في رد المحتار
(١٤٩/١).
- ١٤٩ -

أطعمة ٧٢ - ٧٣
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنها تحبس
ثلاثة أيام، وکأنه ذهب إلى ذلك، لأن ما في جوفها
من النجاسة يزول في هذه المدة غالبا.
هذه خلاصة ما أفاده صاحب ((البدائع)) (١)
ويؤخذ من ((الدر المختار)) وحاشية ابن عابدين
عليه وتقرير الرافعي أن كراهة الجلالة تنزيهية لا
تحريمية، وأن صاحب ((التجنيس)) اختار حبس
الدجاجة ثلاثة أيام، والشاة أربعة، والإِبل والبقرة
عشرة، وأن السرخسي قال: الأصح عدم التقدير
وأنها تحبس حتى تزول الرائحة المنتنة. (٢)
٧٢ - ومذهب الشافعية قريب من الحنفية، فقد
قال الشافعية: إذا ظهر تغير في لحم الجلالة، سواء
أكانت من الدواب أم من الطيور، وسواء أكان
التغير في الطعم أم اللون أم الريح، ففيها وجهان
لأصحاب الشافعي، أصحهما عند الرافعي
الحرمة، وعند النووي الكراهة، وهذا هو
الراجح، لأن النهي في الحديث إنما هو لتغير
اللحم فلا يقتضى التحريم.
ويلحق بالجلالة ولدها الذي يوجد في بطنها
بعد ذکاتها، إذا وجد ميتا وظهر فيه التغير، وكذلك
العنز التي ربيت بلبن كلبة أو خنزيرة إذا تغير
لحمها. فإن علفت الجلالة، أو لم تعلف، فطاب
لحمها حل بلا كراهة، لزوال علة الكراهة وهي
التغير. ولا تقدير لمدة العلف. وتقديرها بأربعين
يوما في البعير، وثلاثين في البقر، وسبعة في الشاة،
وثلاثة في الدجاجة بناء على الغالب. ولا يكفي
بدائع الصنائع ٣٩/٥ - ٤٠
(١)
(٢)
الدر المختار مع حاشية ابن عابدين عليه ٥/ ١٩٤ - ١٩٦
و ٢١٧ وتقرير الرافعى ٣٠٥/٢.
الغسل أو الطبخ للحكم بطيب اللحم. (١) وإذا
حرم أو كره أكل الجلالة حرم أو كره سائر أجزائها
کبیضها ولبنها، ویکره ركوبها من غير حائل، لأن
لعرقها حكم لبنها ولحمها .
٧٣ - وروى الحنابلة عن الإمام أحمد قولين:
(أولهما) أن الجلالة تحرم، وهو المذهب، وعليه
الأصحاب.
(والثاني) أنها تكره. (٢)
ورووا عن أحمد فيما تزول به الكراهة روایتین:
(إحداهما) أن الجلالة مطلقا تحبس ثلاثة أيام .
(والثانية) أن الطائر يحبس ثلاثة، والشاة سبعة،
وما عدا ذلك (من الإِبل والبقر ونحوهما في الكبر)
أربعین یوما .
وصرح المالكية: بأن الطيور والأنعام الجلالة
مباحة، لكن قال ابن رشد: إن مالكا كره
الجلالة. (٣)
ودليل تحريم الجلالة عند من حرمها ما ثبت
عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه قال: «نهى رسول
الله ◌َّر عن أكل الجلالة وألبانها)). (٤)
ووجه حبسها ثلاثا أن ابن عمر رضى الله عنهما
نهاية المحتاج ١٤٧/٨ - ١٤٨.
(١).
المغنى ٧١/١١ - ٧٣، والمحلى لابن حزم ٧ / ٤١٠.
(٢)
الشرح الصغير بحاشية الصاوى ٢٢٣/١، والشرح الكبير
(٣)
بحاشية الدسوقي ١١٥/٢، وحاشيتا الرهوني وكنون على
الزرقاني في باب المباح ٣٩/٣، وباب الأعيان النجسة
٦٧/١، وبداية المجتهد ١/ ٤٥٢ .
حديث: ((نهى رسول الله﴿ عن أكل الجلالة وألبانها))
(٤)
رواه أبو داود (١٤٨/٤ - ١٤٩ - ط عزت عبيد دعاس)
والترمذى (٤/ ٢٧٠ ط الحلبي) وذكر ابن حجر في
التلخيص (٤ /١٥٦ - نشر اليمانى) الاختلاف في سنده،
وذکر له شاهدا وقواه.
- ١٥٠ -

أطعمة ٧٤
كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثا وأطعمها
الطاهرات. (١)
ووجه حبس الإِبل أربعين يوما ما روي عن
عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه قال: ((نهى
رسول الله﴾ عن الإِبل الجلالة أن يؤكل لحمها،
ولا يشرب لبنها، ولا يحمل عليها إلا الأدم. (٢)
ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة)). (٣)
أجزاء الحيوان وما انفصل منه :
حكم العضو المبان :
٧٤ - إن العضو الذي يبان من الحيوان، أى
يفصل منه، يختلف الحكم الشرعي في حل أكله
وحرمته بحسب الأحوال. وتفصیل ذلك کما يلي:
أ - العضو المبان من حيوان حي:
يعتبر كميتة هذا الحيوان في حل الأكل
وحرمته، فالمبان من السمك الحي أو الجراد الحي
یؤکل عند الجمهور، لأن ميتتهما تؤكل .
والمالكية يقولون في الجراد: إن كانت الإِبانة
خالية عن نية التذكية، أو خالية عن التسمية عمدا
لم يؤكل المبان، وإن كانت مصحوبة بالنية
والتسمية أكل المبان إن كان هو الرأس، ولا يؤكل
الأثر عن ابن عمر بلفظ: «كان يحبس الدجاجة الجلالة
(١)
ثلاثا)) أخرجه ابن أبى شيبة (٣٣٥/٨ - ط الدار السلفية)
وصححه ابن حجر في الفتح (٦٤٨/٩ - ط السلفية).
الأدم بضمتين: الجلود، جمع أدیم، وهو الجلد.
(٢)
حديث: عبد الله بن عمر أنه قال ((نهى رسول الله عن
(٣)
الإِبل الجلالة)) أخرجه الدارقطني (٢٨٣/٤ - ط دار
المحاسن) والبيهقي (٣٣٣/٩ - ط دائرة المعارف
العثمانية). وقال البيهقي: ليس هذا بالقوي.
إن كان جناحا أو يدا أو نحوهما.
- والمبان من سائر الحيوانات البرية ذات الدم
السائل لا يؤكل، سواء أكان أصله مأكولا
كالأنعام، أم غير مأكول كالخنزير، فإن ميتة كل
منهما لا تؤكل بلا خلاف، (١) فكذلك ما أبين
منه حيا، فقد قال رسول الله ويليقول: ((ما قطع من
البهيمة وهي حية فهو ميتة)). (٢)
ب - العضو المبان من الميتة :
حكمه حكم سائر الميتة في الأكل وعدمه بلا
خلاف .
ج - العضو المبان من المذكى المأكول في أثناء
تذکیته قبل تمامها :
حكمه حكم المبان من الحي. فلو قطع إنسان
حلقوم الشاة وبعض مريئها للتذكية، فقطع إنسان
آخر يدها أو أليتها، فالمقطوع نجس حرام الأكل،
كالمقطوع من الحي، وهذا لا خلاف فيه أيضا.
د - العضو المبان من المذكى المأكول بعد تمام
تذکیته وقبل زهوق روحه :
يحل أکله عند الجمهور، لأن حكمه حكم
المذكى، لأن بقاء رمق من الحياة هو رمق في طريق
مواهب الجليل ٢٢٨/٣، والمحلى لابن حزم ٤٤٩/٧.
(١)
حديث: ((ما قطع من البهيمة .. )) رواه أحمد (٢١٨/٥ -
(٢)
ط اليمنية) وأبو داود (٢٧٧/٣ - ط عزت عبيد دعاس)
والترمذى (٧٤/٤ ط استنبول) وقال: هذا حديث حسن
غريب.
- ١٥١ -

أطعمة ٧٥ - ٧٧
الزوال العاجل، فحكمه حكم الموت. (١)
هـ - العضو المبان من المصيد بآلة الصيد:
إما أن يبقى المصيد بعد إيانته حيا حياة
مستقرة، وإما أن تصير حياته حياة مذبوح:
ففي الحالة الأولى: يكون عضوا مبانا من
حیوان حي، فیکون کمیتته.
وفي الحالة الثانية: يكون عضوا مبانا بالتذكية،
ويختلف النظر إليه، لأن له صفتين شبه
متعارضتين :
(الصفة الأولى) أنه عضو أبين قبل تمام التذكية
فيكون حكمه حكم المبان من الحي فلا يحل.
(والصفة الثانية) أن التذكية سبب في حل
المذكى، وكل من المبان والمبان منه مذكى، لأن
التذكية بالصيد هي تذكية للمصيد كله لا
لبعضه، فيحل العضو كما يحل الباقي .
وهذا کان في المسألة خلاف وتفصیل (٢) (ر:
صيد).
حكم أجزاء الحيوان المذكى :
٧٥ - لا شك أن التذكية حينما تقع على الحيوان
المأكول تقتضى إباحة أكله في الجملة، وقد يكون
لبعض الأجزاء حكم خاص: فالدم المسفوح
مثلا، حرام بالإِجماع، وهو ما سال من الذبيحة،
وما بقي بمكان الذبح، وما تسرب إلى داخل
الحيوان من الحلقوم والمرىء. وأما ما بقي في
(١) المحلى لابن حزم ٤٤٩/٧، والمغنى لابن قدامة بأعلى
الشرح الكبير ٥٣/١١، وحاشية ابن عابدين ١٩٧/٥.
(٢) يؤيد هذا النظر الثاني حل الغنمة مثلا إذا فصل رأسها كله
بالذبح .
العروق واللحم والكبد والطحال والقلب فإنه
حلال الأكل، حتى إنه لو طبخ اللحم فظهرت
الحمرة في المرق لم ينجس ولم يحرم .
وقد ذكر الحنفية وغيرهم أشياء تكره أو تحرم من
الذبيحة. وفيما يلي تفصيل ما قالوه وما قاله غيرهم
في ذلك:
٧٦ - قال الحنفية: (١) يحرم من أجزاء الحيوان
سبعة: الدم المسفوح، والذكر، والأنثيان، والقبل
(أى فرج الأنثى وهو المسمى بالحيا)، والغدة،
والمثانة (وهي مجمع البول)، والمرارة (وهي وعاء
المرة الصفراء، وتكون ملصقة بالكبد).
وهذه الحرمة في نظرهم لقوله عز شأنه: ﴿وَيجُلُّ
لَهُمُ الطَّيَّاتِ وَيُحُرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، (٢) وهذه
السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة فكانت محرمة،
وقد دلت السنة على خبثها، لما روى الأوزاعي عن
واصل بن أبي جميلة عن مجاهد أنه قال: ((كره
رسول الله صل﴾ من الشاة: الذكر، والأنثيين،
والقبل، والغدة، والمرارة، والمثانة، والدم)). (٣)
والمراد كراهة التحريم قطعا، بدليل أنه جمع
بين الأشياء الستة وبين الدم في الكراهة، والدم
المسفوح محرم بنص القرآن.
٧٧ - والمروي عن أبي حنيفة أنه قال: الدم حرام،
وأكره الستة. فأطلق وصف الحرام على الدم
(١) البدائع ٦١/٥، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين
٤٣٧/٥.
(٢)
سورة الأعراف / ١٥٧ .
حديث مجاهد: ((كره رسول الله من الشاة ..... )) أخرجه
(٣)
البيهقي (٧/١٠ ط - دائرة المعارف العثمانية) وأعله
بالانقطاع ثم رواه من حديث ابن عباس وضعفه .
- ١٥٢ -

أطعمة ٧٨ - ٨١
المسفوح، وسمى ما سواه مكروها، لأن الحرام
المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به، وحرمة
الدم المسفوح قد ثبتت بدليل مقطوع به، وهو قوله
تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فيما أُوحِيَ إليَّ مُحُرَّماً على
طَاعِمٍ يَطْعَمَهُ إلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً
مَسْفُوحاً .... ﴾ (١) الآية، وانعقد الإِجماع
أيضا على حرمته. فأما حرمة ما سواه من الأجزاء
فلم تثبت بدليل مقطوع به بل بالاجتهاد، أو
بظاهر الكتاب العزيز المحتمل للتأويل، وهو قوله
تعالى: ﴿وَيُحُرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾، أو بالحديث
السابق ذكره. لذلك فصل أبو حنيفة بينهما في
الوصف فسمى الدم حراما، والباقي مكروها.
وقيل: إن الكراهة في الأجزاء الستة تنزيهية، لكن
الأوجه كما في ((الدر المختار)) أنها تحريمية . (٢)
٧٨ - هذا، والدم المسفوح متفق على تحريمه كما
مر.
وروى ابن حبيب من المالكية استثقال أکل
عشرة - دون تحريم - الأنثيان والعسيب والغدة
والطحال والعروق والمرارة والكليتان والمثانة وأذنا
القلب. (٣)
٧٩ - والحنابلة قالوا بكراهة أكل الغدة وأذن
القلب. أما الغدة فلأن النبي م كره أكلها،
روى ذلك عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه.
وأما أذن القلب فلأن النبي بَّ نهى عن أكلها،
(١).
سورة الأنعام / ١٤٥ .
(٢) البدائع ٦١/٥، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين
٤٧٧/٥.
(٣) التاج والإكليل بهامش الخطاب ٣/ ٢٢٧.
نقل ذلك أبو طالب الحنبلي. (١)
حكم ما انفصل من الحيوان
٨٠ - من المقرر في موضوع ((النجاسة)) أن المائعات
المنفصلة من الحيوان، والفضلات، والبيض،
والجنين، تارة تكون نجسة، وتارة تكون طاهرة،
فما كان نجسا منها في مذهب من المذاهب فهو غير
مأكول في ذلك المذهب، وما كان طاهرا فتارة
یکون ماکولا ، وتارة یکون غیر مأکول، إذ لا يلزم
من الطهارة حل الأكل، فإن الطاهر قد يكون
مضرا أو مستقذرا فلا يحل أكله.
ويكفينا هنا أن نضرب أمثلة لما يكثر السؤال
عنه :
أولا - البيض:
٨١- إن خرج البيض من حيوان مأکول في حال
حیاته، أو بعد تذکیته شرعا، أو بعد موته، وهو مما
لا يحتاج إلى التذكية كالسمك، فبيضه مأكول
إجماعا، إلا إذا فسد.
وفسر المالكية البيض الفاسد بأنه ما فسد بعد
انفصاله بعفن، أو صار دما، أو صار مضغة، أو
فرخا ميتا.
وفسره الشافعية بأنه الذي تغير بحيث أصبح
غير صالح للتخلق، فلا يضر عندهم صيرورته
دما، إذا قال أهل الخبرة: إنه صالح للتخلق.
(١) مطالب أولى النهى ٦/ ٣١٧، لكن قال ابن قدامة في المغنى
(٨٩/١١) ((يكره أكل الغدة وأذن القلب، لما روى عن
مجاهد قال: كره رسول الله# من الشاة ستا ... (وذكر
بينها هذين) ولأن النفس تعافهما وتستخبئهما، ولا أظن
أحمد کرههما إلا لذلك، لا للخبر لأنه قال فيه: هذا حديث
منکر» .
- ١٥٣ -

أطعمة ٨٢ - ٨٤
٨٢ - وإن خرج البيض من حيوان مأكول بعد موته
دون تذكية شرعية، وهو مما يحتاج إلى الذكاة،
كالدجاج، فعند أبي حنيفة: يؤكل سواء أتصلبت
قشرته أم لا .
وقال المالكية: لا يؤكل.
وقال الشافعية: يؤكل ما تصلبت قشرته فقط.
وحكى الزيلعي عن أبي يوسف ومحمد أنه
یکون نجسا إن كان مائعا، فلا يؤكل عندهما إلا
إذا کان جامدا.
٨٣ - وإن خرج البيض من حيوان غير مأكول
فمقتضى مذهب الحنفية أنه إن كان من ذوات
الدم السائل، كالغراب الأبقع، فبيضه نجس تبعا
للحمه، فلا یکون مأكولا .
وإن لم یکن من ذوات الدم السائل كالزنبور
فبيضه طاهر تبعا للحمه، ومأكول لأنه ليس
بميتة .
والمالكية يحل عندهم كل البيض الخارج من
الحي أو المذكى، لأن الحيوانات التي تبيض لا
تنقسم عندهم إلی مأکول وغیر مأکول، بل كلها
مباح الأكل، إلا ما لا يؤمن سمه کالوزغ، فهو
محرم علی من یضره. فكذلك بيضه إن کان یضر،
فهو محرم وإلا فلا، فالعبرة عندهم إنما هي
للضرر.
وصرح النووي بأن بيض الحي غير المأكول طاهر
ماکول:
أما کونه طاهرا فلأنه أصل حيوان طاهر، (١)
(١) أي: لأن كل حيوان طاهر عند الشافعية مادام حيا سوى
الخنزير أو الكلب وما تولد منهما أو من أحدهما كما هو
موضح في موضوع النجاسات.
وأما كونه مأكولا فلأنه غیر مستقذر، لکن قال ابن
المقري في الروض ((وفي بيض ما لا يؤكل
تردد». (١)
وصرح الحنابلة بأن بيض غير المأکول نجس لا
يحل أكله. ومما احتج به لهذا أن البيض بعض
الحيوان، فإذا كان الحيوان غير مأكول فبعضه غير
مأكول. (٢)
ثانيا - اللبن :
٨٤ - إن خرج اللبن من حيوان حي فهو تابع
للحمه في إباحة التناول وكراهته وتحريمه.
ويستثنى من المحرم: الآدمي، فلبنه مباح،
وإن كان لحمه محرما، لأن تحريمه للتكريم لا
للاستخباٹ.
وعلى هذا اتفق الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة.
واستثنى الحنفية من المحرم أو المكروه الخيل،
بناء على ما نقل عن الإمام أبي حنيفة من أنها محرمة
أو مكروهة، ففي لبنها على هذا رأيان:
(أحدهما) أنه تابع للحم فيكون حراما أو
مکروها.
(وثانيهما) - وهو الصحيح - أنه مباح، لأن تحريم
(١) وقال البلقيني: ((إن كلام المجموع مخالف لنص الأم
والنهاية والنتمة والبحر على منع أكله، وإن قلنا بطهارته،
وليس في كتب المذهب ما يخالف هذا النص) أهـ. أسنى
المطالب ١/ ٥٧٠
حاشية ابن عابدين ١٩٤/٥، والبدائع ٤٣/٥، وتبیین
(٢)
الحقائق ٢٦/١، والخرشى على خليل ٨٥/١، ونهاية
المحتاج ٢٢٦/١، ٢٢٧، والمجموع للنووى ٢/ ٥٥٦،
وأسنى المطالب ١/ ٥٧٠، ومطالب أولى النهى ٢٣٣/١ -
٢٣٤.
- ١٥٤ -

أطعمة ٨٤ - ٨٥
الخيل أو كراهتها لكونها آلة الجهاد لا لاستخباث
لحمها، واللبن ليس آلة الجهاد.
ونقل عن عطاء وطاوس والزهري أنهم رخصوا
في لبن الحمر الأهلية.
وإن خرج اللبن من حيوان مأكول بعد تذكيته
فهو ماکول، وهذا متفق علیه .
وإن خرج من آدمية ميتة فهو مأكول عند
القائلين بأن الآدمي لا ينجس بالموت. (١) وكذا
أيضا عند بعض القائلین بأنه ینجس بالموت کأبي
حنيفة، فإنه مع قوله بنجاسة الآدمي الميت يقول:
إن لبن المرأة الميتة طاهر مأكول، خلافا
للصاحبین.
وإن خرج اللبن من ميتة المأكول، كالنعجة
مثلا، فهو طاهر مأکول عند أبي حنيفة.
ويرى صاحباه والمالكية والشافعية أنه حرام
لتنجسه بنجاسة الوعاء، وهو ضرع الميتة الذي
تنجس بالموت.
وحجة القائلين بطهارته وإباحته قوله تعالى:
﴿إِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبرَةً، نُسْقِيَكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِه
مِنْ بَينِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبِّناً خَالِصاً سَائِغاً
لِلِشَّارِبِين﴾. (٢)
وذلك أن الله عز وجل وصفه بکونه خالصا فلا
یتنجس بنجاسة مجراه، ووصفه بکونه سائغا وهذا
يقتضى الحل، وامتن علينا به، والمنة بالحلال لا
(١) يلاحظ أن كلا من المالكية والشافعية والحنابلة لهم قولان
والراجح عند الجميع طهارة ميتة الآدمي. وللحنفية قولان
أيضا، والراجح عندهم النجاسة.
(٢) سورة النحل / ٦٦.
بالحرام. (١)
ثالثا) - الإِنفحة :
٨٥ - الإِنفحة (٢) هي مادة بيضاء صفراوية في
وعاء جلدي، يستخرج من بطن الجدى أو الحمل
الرضيع، يوضع منها قليل في اللبن الحليب فينعقد
ويتكاثف ويصير جبنا، يسميها الناس في بعض
البلدان: (مجبنة). وجلدة الإِنفحة هي التي
تسمى: كرشا، إذا رعى الحيوان العشب.
فالإِنفحة إن أخذت من مذكى ذكاة شرعية
فهي طاهرة مأكولة عند الحنفية والماليكة والشافعية
والحنابلة .
وإن أخذت الإِنفحة من ميت، أو مذكى ذكاة
غير شرعية فهي نجسة غير مأكولة عند الجمهور،
وطاهرة مأكولة عند أبي حنيفة، سواء أكانت صلبة
أم مائعة قياسا على اللبن كما سبق.
وقال الصاحبان: إن كانت صلبة يغسل
ظاهرها وتؤكل، وإن كانت مائعة فهي نجسة
لنجاسة وعائها بالموت فلا تؤكل. (٣)
(١) البدائع ٤٣/٥، وحاشية ابن عابدين ١٣٥/١ و
١٩٤/٥، ٢١٦، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق
٢٦/١، والخرشى على خليل ٨٥/١، والمغنى بأعلى
الشرح الكبير ٦٦/١١، والشرح الكبير بأسفل المغنى
٣٠٣/١، ومطالب أولى النهى ٢٣٣/١، ونهاية المحتاج
٢٢٧/١.
الأنفحة: بكسر الهمزة فسكون النون وفتح الفاء مع
(٢)
تشديد الحاء المهملة وعدمه، ويقال فيها أيضا: منفحة
بالمیم (بکسر فسكون).
(٣) البدائع ٤٣/٥، والخرشى على خليل ٨٥/١، ونهاية
المحتاج ٢٢٧/١، والمغنى بأعلى الشرح الكبير ٨٩/١١.
- ١٥٥ -

أطعمة ٨٦
وبهذا يعلم أن الجبن المصنوع من لبن الحيوان
المأكول إذا عقد بإنفحة المذكى ذكاة شرعية فهو
طاهر مأكول بالاتفاق، وإن عقد بإنفحة الميتة فهو
على الخلاف.
رابعا - الجنين:
٨٦۔ جنین الحيوان المأکول إن خرج من حي أو
ميتة لا يحل إلا إن أدركت ذكاته، فذكي ذكاة
شرعية.
وإن خرج من مذكاة ذكاة شرعية اختيارية أو
اضطرارية فهناك حالتان :
(الحالة الأولى): أن يخرج قبل نفخ الروح فيه،
بأن يكون علقة أو مضغة أو جنينا غير كامل الخلقة
فلا يحل عند الجمهور، لأنه ميتة، إذ لا يشترط في
الموت تقدم الحياة. قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً
فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾. (١) فمعنى
قوله: ﴿كنتم أمواتا﴾ كنتم مخلوقين بلا حياة،
وذلك قبل أن تنفخ فيهم الروح.
(الحالة الثانية): أن يخرج بعد نفخ الروح فيه
بأن يكون جنينا كامل الخلقة - أشعر أو لم يشعر -
ولهذه الحالة صور:
(الصورة الأولى): أن يخرج حيا حياة مستقرة
فتجب تذكيته، فإن مات قبل التذكية فهو ميتة
اتفاقا .
(الصوره الثانية): أن يخرج حيا حياة مذبوح،
فإن أدركنا ذكاته وذكيناه حل اتفاقا، وإن لم يذك
حل أيضا عند الشافعية والحنابلة، لأن حياة
المذبوح كلا حياة، فكأنه مات بتذكية أمه.
(١) سورة البقرة / ٢٨.
وعند أبي يوسف ومحمد أنه إذا خرج حيا، ولم
یکن من الوقت مقدار ما یقدر علی ذبحه فمات
يؤكل، وهو تفريع على قولهما: إن ذكاة الجنين
بذکاة أمه.
وقال المالكية إن سارعنا إليه بالذکاة فمات قبلها
حل، لأن حیاته حينئذ كلا حياة، وکأنه خرج میتا
بذكاة أمه، لكنهم اشترطوا في حله حينئذ أن ينبت
شعر جسده، وإن لم يتكامل، ولا يكفي شعر
رأسه أو عينه.
(الصورة الثالثة): أن يخرج ميتا، ويعلم أن
موته كان قبل تذكية أمه، فلا يحل اتفاقا، ويعرف
موته قبل ذکاة أمه بأمور، منها: أن یکون متحركا
في بطنها فتضرب فتسکن حركته، ثم تذکی،
فیخرج ميتا، ومنها: أن يخرج رأسه ميتا ثم تذکی .
(الصورة الرابعة): أن يخرج ميتا بعد تذكية أمه
بمدة لتواني المذكي في إخراجه فلا يحل اتفاقا
للشك في أن موته كان بتذكية أمه أو بالانخناق
للتواني في إخراجه .
(الصورة الخامسة): أن يخرج ميتا عقب تذكية
أمه من غير أن يعلم موته قبل التذكية، فيغلب
على الظن أن موته بسبب التذكية لا بسبب آخر.
وهذه الصورة هي محل الخلاف بين الفقهاء. فأبو
حنيفة وزفر والحسن بن زياد يرون أنه لا يحل،
وأبو يوسف ومحمد والمالكية والشافعية والحنابلة
وجمهور الفقهاء من الصحابة وغيرهم يقولون: إنه
لا بأس بأكله. غير أن المالكية اشترطوا الإشعار.
وهو مذهب كثير من الصحابة .
وحجة أبي حنيفة ومن معه قوله تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتةُ﴾ والجنين الذي لم يدرك حيا
- ١٥٦ -

أطعمة ٨٧ - ٨٨
بعد تذکیة أمه ميتة، ومما يؤكد ذلك أن حياة الجنين
مستقلة، إذ يتصور بقاؤها بعد موت أمه فتكون
تذکیته مستقلة.
وحجة أبي یوسف ومحمد والجمهور قول النبى
وهذا يقتضي
﴿: ((ذکاة الجنین ذکاة أمه)) (١)
أنه يتذكى بذكاة أمه، واحتجوا أيضا بأنه تبع لأمه
حقيقة وحكما، أما حقيقة فظاهر، وأما حكما فلأنه
يباع ببيع الأم، ولأن جنين الأم يعتق بعتقها،
والحكم في التبع يثبت بعلة الأصل، ولا تشترط له
علة على حدة، لئلا ينقلب التبع أصلا. (٢)
تناول المضطر للميتة ونحوها :
٨٧ - أجمع المسلمون على إباحة أكل الميتة ونحوها
للمضطر، وقد ذكر الله عز وجل الاضطرار إلى
المحرمات في خمسة مواطن من القرآن الكريم:
الأول) - الآية / ١٧٣ من سورة البقرة، وفيها بعد
ذكر تحریم الميتة ونحوها:
﴿فَمَنِ اضْطُرُّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
الثاني) - الآية الثالثة من سورة المائدة، وفيها بعد
ذكر تحريم الميتة ونحوها: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي ◌َخْمَصَةٍ
غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمِ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
حديث ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) أخرجه الترمذى واللفظ له
(١)
وأبو داود وابن ماجه من حديث ابي سعيد الخدرى رضى
الله عنه، وقال الترمذى: هذا حديث حسن (تحفة
الأحوذى ٤٨/٥ نشر السلفية، وعون المعبود ٦٢/٣ -
٦٣ ط الهند، وسنن ابن ماجه ١٠٦٧/٢ ط عيسى
الحلبي).
ابن عابدين ١٩٣/٥، وجواهر الإكليل ٢١٦/١، وبداية
(٢)
المجتهد ٤٤٢/١، وحاشيتا قليوبى وعميرة ٢٦٢/٤،
والمغنى ٥٧٩/٨، ٥٨٠.
الثالث) - الآية / ١٤٥ من سورة الأنعام، وفيها
بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ
بَاغٍ وَلَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
الرابع) - الآية / ١١٩ من سورة الأنعام، وقد جاء
فيها: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ
إلَيهِ﴾.
الخامس) - الآية / ١١٥ من سورة النحل، وفيها
بعد ذكر تحريم الميتة ونحوها: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَير
بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
٨٨ - فقوله تعالى: ﴿فمن اضطر﴾ معناه: فمن
دفعته الضرورة والجأته إلى تناول الميتة ونحوها،
بأن يخاف عند ترك تناولها ضررا على نفسه أو
بعض أعضائه مثلا .
(والباغي)، هو الذي یبغى على غيره في تناول
الميتة، بأن يؤثر نفسه على مضطر آخر، فينفرد
بتناول الميتة ونحوها فيهلك الآخر من الجوع.
وقيل: الباغي هو العاصي بالسفر ونحوه،
وسيأتي الخلاف فيه (ف/ ١٠٠).
(والعادي): هو الذي يتجاوز ما يسد الرمق
ويندفع به الضرر، أو يتجاوز حد الشبع، على
الخلاف الآتي.
(والمخمصة): المجاعة، والتقييد بقوله تعالى:
﴿في مخمصة﴾. إنما هو لبيان الحالة التي يكثر فيها
وقوع الاضطرار، وليس المقصود به الاحتراز عن
الحالة التي لا مجاعة فيها، فإن المضطر في غير
المجاعة يباح له التناول كالمضطر في المجاعة.
(والمتجانف للإِثم) هو المنحرف المائل إليه، أي
الذي يقصد الوقوع في الحرام، وهو البغي
- ١٥٧ -

أطعمة ٨٩ - ٩٢
والعدوان المذكوران في الآيات الأخرى. (١)
٨٩ - ومما ورد في السنة النبوية ما رواه أبو واقد
الليثي رضی الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إنا
بأرض تصيبنا مخمصة، فما يحل لنا من الميتة؟
فقال: ((إذا لم تصطبحوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا
بقلا فشأنکم بها».(٢)
غیر أنهم اختلفوا في المقصود بالإِباحة، وفي حد
الضرورة المبيحة، وفي تفصيل المحرمات التي
يبيحها الاضطرار، وترتيبها عند التعدد، وفي
الشبع أو التزود منها، وغير ذلك من المسائل.
وبيان ذلك كما يأتي.
المقصود بإباحة الميتة ونحوها :
٩٠ - اختلف الفقهاء في المقصود بإباحة الميتة
ونحوها، فقال بعضهم: المقصود جواز التناول
وعدمه، لظاهر قوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾.
وهذا القول ذهب إليه بعض المالكية والشافعية
والحنابلة.
وقال آخرون: إن المقصود بإباحة الميتة ونحوها
للمضطر وجوب تناولها. وإلى هذا ذهب الحنفية،
(١) وهذه الآيات الحكيمة كانت هي أساس قاعدة الضرورات
وأحكامها الاستثنائية، تلك القاعدة التي صاغها الفقهاء
بقولهم: والضرورات تبيح المحظورات. (الأشباه والنظائر
لابن نجيم بحاشية الحموى ١١٨/١، ومجلة الأحكام
العدلية وشروحها المادة / ٢١،) وكانت بها الشريعة
متجاوبة مع جميع الحالات والظروف الاستثنائية، ولكن
للضرورة مقاييس وحدودا فقهية فليس كل ما يظن ضرورة
يراد بها استباحة محرم هو كذلك. (اللجنة).
حديث أبي واقد: ((إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ..... ))
(٢)
أخرجه أحمد (٢١٨/٥ - ط اليمنية) وقال الهيثمى في
المجمع: (٥/ ٥٠ - ط القدسي) رجاله ثقات.
وهو الراجح عند المالكية والشافعية والحنابلة.
ودليله قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا
أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) وقوله عز وجل: ﴿وَلاَ تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ﴾. (٢) ولا شك أن الذي
يترك تناول الميتة ونحوها حتى يموت يعتبر قاتلا
لنفسه، وملقيا بنفسه إلى التهلكة، لأن الكف عن
التناول فعل منسوب للإِنسان.
٩١ - ولا يتنافى القول بالوجوب عند القائلين به مع
قوله تعالى: ﴿فلا إثم عليه﴾ لأن نفي الإِثم في
الأكل عام يشمل حالتي الجواز والوجوب، فإذا
وجدت قرينة على تخصيصه بالوجوب عمل بها كما
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الله
فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطْوَّفَ
بها﴾ (٣) فنفي الجناح عن التطوف، أى السعي
بين الصفا والمروة، مفهوم عام قد خصص بما دل
على وجوبه أو فرضيته. (٤)
حد الضرورة المبيحة :
٩٢ - قال أبو بكر الجصاص: معنى الضرورة في
الآيات خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه
بتركه الأکل. وقد انطوی تحته معنیان:
(أحدهما) أن يحصل في وضع لا يجد غير الميتة.
(والثاني) أن يكون غيرها موجودا، ولكنه أكره
سورة النساء/ ٢٩.
(١)
سورة البقرة/ ١٩٥
(٢)
(٣)
سورة البقرة / ١٥٨.
الدر المختار بحاشية ابن عابدين ٢١٥/٥، والشرح
(٤)
الصغير ٣٢٣/١، ٣٢٤، وحاشية العدوى على شرح
الخرشى على خليل ٢٢٦/٢، ونهاية المحتاج ٨/ ١٥٠،
والمقنع ٣/ ٣٠°.
- ١٥٨ -

أطعمة ٩٢ - ٩٣
علی أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو تلف
بعض أعضائه. وكلا المعنيين مراد بالآية عندنا
لاحتمالهما. (١)
وحالة الإكراه يؤيد دخولها في معنى الاضطرار
قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((إن الله وضع
عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
عليه)). (٢)
ويؤخذ من ((الدر المختار)) أن الضرورة تشمل
خوف الهلاك، وخوف العجز عن الصلاة قائما أو
عن الصيام. (٣)
وفسر ((الشرح الصغير)) للمالكية الضرورة
بخوف الهلاك أو شدة الضرر. (٤)
وفسرها الرملي الشافعي في ((نهاية المحتاج»
بخوف الموت أو المرض أو غيرهما من كل محذور
يبيح التيمم، وكذا خوف العجز عن المشي، أو
التخلف عن الرفقة إن حصل له به ضرر، وكذا
إجهاد الجوع إياه بحيث لا يستطيع معه الصبر.
والمحذور الذي يبيح التيمم عند الشافعية هو
حدوث مرض أو زيادته أو استحكامه، أو زيادة
مدته، أو حصول شين فاحش في عضو ظاهر،
بخلاف الشين الفاحش في عضو باطن. والظاهر:
ما يبدو عند المهنة كالوجه واليدين، والباطن:
بخلافه .
ويعتمد في ذلك قول الطبيب العدل في
أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٥٠.
(١)
حديث: ((إن الله وضع عن أمتي ... )) أخرجه ابن ماجه
(٢)
(٦٥٩/١ - ط الحلبي) وقال ابن حجر: ((رجاله ثقات))
(فيض القدير ٢٦٧/٢ - ط المكتبة التجارية).
(٣)
الدر المختار ٢١٥/٥ .
الشرح الصغير ٣٢٣/١.
(٤)
الرواية. وإذا كان المضطر عارفا في الطب عمل
بمقتضى معرفته، ولا يعمل بتجربته إن كان
مجربا، على ما قاله الرملي. وقال ابن حجر: يعمل
بها، ولا سيما عند فقد الطبيب. (١)
وقال الحنابلة: إن الضرورة أن يخاف التلف
فقط لا ما دونه، هذا هو الصحيح من المذهب،
وقيل: إنها تشمل خوف التلف أو الضرر، وقيل:
أن يخاف تلفا أو ضررا أو مرضا أو انقطاعا عن
الرفقة يخشى معه الهلاك. (٢)
تفصيل المحرمات التي تبيحها الضرورة:
٩٣ - ذكر في الآيات السابقة تحريم الميتة، والدم،
ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة،
والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع،
وما ذبح على النصب، فهذه كلها تبيحها الضرورة
بلا خلاف.
وكذا كل حيوان حي من الحيوانات التي
لا تؤکل یحلللمضطرقتله بذبح أو بغیر ذبح للتوصل
إلى أكله. وكذا ما حرم من غير الحيوانات
لنجاسته، ويمثلون له بالترياق المشتمل على خمر
وحوم حيات.
أما ما حرم لكونه يقتل الإنسان إذا تناوله،
كالسموم، فإنه لا تبيحه الضرورة، لأن تناوله
استعجال للمسوت وقتل للنفس، وهو من أكبر
الكبائر. وهذا متفق عليه بين المذاهب.
نهاية المحتاج ٨/ ١٥٠، والبيجورى على ابن قاسم
(١)
٠٩٢،٩١/١
المقنع ٣/ ٥٣١ .
(٢)
- ١٥٩ -

أطعمة ٩٤ - ٩٧
٩٤ - واختلفت الاجتهادات في الخمر فقال الحنفية :
يشربها من خاف العطش ولم يجد غيرها، ولا يشرب
إلا قدر ما يدفع العطش، إن علم أنها تدفعه. (١)
وقال المالكية والشافعية والحنابلة: لا يشرب
المضطر الخمر الصرفة للعطش، (٢) وإنما يشربها
من غص بلقمة أو غيرها، فلم يجد ما يزيل الغصة
سوى الخمر. (٣)
شروط إباحة الميتة ونحوها للمضطر:
٩٥ - إن الفقهاء في كلامهم عن الاضطرار
وأحكامه الاستثنائية لم يجمعوا شروط إباحة الميتة
وغيرها من المحرمات لمضطر تحت عنوان خاص
بالشروط، بل يجدها المتتبع مفرقة في خلال
المسائل والأحكام.
ویستخلص من كلامهم عن حالات الاضطرار
وأحكامها أن الشروط الشرعية التي يشترطها فقهاء
المذاهب لإِباحة المحرمات للمضطر نوعان :
(١) شروط عامة متفق عليها بين المذاهب
لجميع أحوال الاضطرار.
(٢) شروط عامة اشترطتهابعض المذاهب دون
سواها .
(١) ابن عابدين ٢١٥/٥، والمحلى ٤٢٦/٧.
(٢)
واستثنى الشافعية ما لو زاد عطشه جدا حتی کاد یشرف
على الهلاك فإنه يحل له حينئذ شربها (نهاية المحتاج
١٢/٨).
الشرح الصغير مع حاشية الصاوى ٣٢٣/١، ونهاية
(٣)
المحتاج ٨/ ١٥٠، ومطالب أولى النهى ٢١١/٦، وأحكام
القرآن للجصاص ١/ ١٥٠، والمحلى لابن حزم ٧/ ٤٢٦.
وفيما يلي بيان ذلك:
(أولا) - الشروط العامة المتفق عليها:
٩٦ - يشترط في إباحة الميتة ونحوها للمضطر بوجه
عام ثلاثة شروط:
(الأول) - ألا يجد طعاما حلالا ولو لقمة، فإن
وجدها وجب تقديمها، فإن لم تغنه حل له
المحرم .
(الثاني) - ألا يكون قد أشرف على الموت
بحيث لا ينفعه تناول الطعام، فإن انتهى إلى هذه
الحالة لم يحل له المحرم. (١)
(الثالث) - ألا يجد مال مسلم أو ذمي من
الأطعمة الحلال، وفي هذا الشرط بعض تفصيل
بیانہ فیما يلي:
٩٧ - قال الحنفية: لو خاف المضطر الموت جوعا،
ومع رفيقه طعام ليس مضطرا إليه فللمضطر أن
یأخذ بالقيمة منه قدر ما یسد جوعته، فإن لم یکن
معه ما يؤدي به القيمة حالا لزمته دينا في ذمته .
وإنما تلزمه القيمة لأن من القواعد العامة المقررة
عندهم أن ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)). (٢)
وكذا يأخذ من الماء الذي لغيره ما يدفع
العطش، فإن منعه صاحبه قاتله المضطر بلا
سلاح، لأن الرفيق المانع في هذه الحال ظالم. فإن
نهاية المحتاج ٨/ ١٥٠ .
(١)
مطالب أولى النهى ٣٢٣/٦، ٣٢٤، والمجلة م / ٣٣
(٢)
- ١٦٠ -