Indexed OCR Text

Pages 161-180

استيلاء ١٥ - ١٧
له فقال: ((سبحان الله! بئسما جزتها، نذرت لله إن
نجاها ،الله عليها لتنحرنها اا لا وفاء لنذر في معصية،
ولا فيما لا يملك العبد» وفي رواية ابن حجر ((لا نذر
في معصية الله)).(١)
(٢) إن ما غنمه الكفار يملكونه بمجرد الاستيلاء
عليه، سواء أحرزوه بدارهم أولم يحرزوه، وهو
رواية عن أحمد. ووجهه أن القهر سبب يملك به
المسلم مال الكافر، فملك به الكافرمال المسلم،
وعلى هذا إذا استرد المسلمون ذلك كان غنيمة
سواء بعد الإِحراز أو قبله. (٢)
(٣) إن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء
عليها شرط إحرازها بدارهم، وهو مذهب الحنفية
والمالكية ورواية عن أحمد، ودليله قول النبي تَ ﴾
يوم فتح مكة: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع))(٣)
ولأن العصمة تزول بالإِحراز بدار الحرب، إذ
المالك لا يمكنه الانتفاع به إلا بعد الدخول لما فيه
من مخاطرة، إذ الدار دارهم، فإذا زال معنى الملك
أوما شرع له الملك يزول الملك ضرورة، فباسترداد
المسلمين لذلك يكون غنيمة . (٤)
(١) حديث عمران بن حصين. أخرجه مسلم وأبو داود مرفوعا
واللفظ لمسلم (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
١٢٦٢/٣: ١٢٦٣ ط عيسى الحلبي ١٣٧٥هـ، وسنن أبي داود
٦٠٩/٣ -٦١٢ ط استانبول).
(٢) المغني ٨/ ٤٣٣ - ٤٣٤
(٣) حديث ((وهل ترك لنا ... )) متفق عليه في حديث أسامة بن
زيد (اللؤلؤ والمرجان ص ٣١٣ نشر وزارة الأوقاف والشئون
الإسلامية بدولة الكويت ١٣٩٧هـ).
(٤) تبيين الحقائق ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١، والبدائع ١٢٣/٧، ١٢٧،
١٢٨، وحاشية الدسوقي ١٨٨/٢، والمهذب ٢٤٢/٢، والمغني
٨/ ٤٣٠ وما بعدها، وبداية المجتهد ٤١٦/١، والدر المختار
٢٤٤/٣، وحاشية الصاوي ٢٩١/٢
استيلاء الكفار على بلد إسلامي :
١٦ - إذا استولى الكفار على بلد إسلامي فهل
تصير دار حرب أم تبقى كما هي دار إسلام؟
في هذه المسألة خلاف وتفصيل، فذهب
أبو یوسف ومحمد إلی أن دار الإِسلام تصير دار كفر
بشرط واحد، وهو إظهار أحكام الكفر. (١) وتفصيل
ذلك في مصطلح (دار الإِسلام ودار الحرب).
إسلام الحربي بعد استيلائه على مال المسلم:
١٧ - إذا استولى الحربي على مال مسلم بالقهر
والغلبة، وحکم بملکیته له شرعا، ثم دخل إلى
دار الإِسلام مسلما وهو في يده، فهو له، لقول
الرسول صلي: ((من أسلم على شيء فهو له))(٢)
ولأن إسلامه یعصم دمه وماله،خبر الصحیحین أن
الرسول # قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني
ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله)).(٣)
واستثنى الجمهور من ذلك استيلاءه على الحر
(١) الفتاوى الهندية ٢٣٢/٢، وحاشية ابن عابدين ٣/ ٢٥٣
(٢) حديث: ((من أسلم على شيء فهو له)) أخرجه البيهقي وابن
عدي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا، وقال المناوى:
في إسناده ياسين بن الزيات متروك. قال البيهقي: وهذا الحديث
إنما يروى عن ابن أبي مليكه عن النبي # مرسلا، وعن عروة
عن النبي 18 مرسلا، وللحديث طرق أخرى، ولم نجد من
حكم على الحديث بمجموع طرقه. (السنن الكبرى للبيهقي
١١٣/٩ ط الهند، وكتاب السنن لسعيد بن منصور، القسم
الأول من المجلد الثالث/ ٥٤، ٥٥ ط مطبعة علمي بريس
(ماليكاؤن)، وفيض القدير ٦٢/٦ط المكتبة التجارية، وإرواء
الغليل ٦/ ١٥٦ نشر المكتب الإسلامي).
(٣) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس ... )). أخرجه البخاري =
- ١٦١ -
.

استيلاء ١٨ - ٢٠
المسلم فلا يقر عليه. قال أبو يوسف: كل ملك لا
يجوز فیه البیع فإن أهل الحرب لا يملكونه إذا
أصابوه وأسلموا عليه، وصرح المالكية بأن مثله:
الوقف المحقق، والمسروق في فترة عهده،
واللقطة، والدین في ذمته، والوديعة، وما استأجره
من المسلمين حال كفره فلا يقر على شيء من
ذلك. وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى ذلك. (١)
١٨ - وإذا استولى الكافر الحربي على مال مسلم
بطريق السرقة، أو الاغتصاب من حربي آخر، ثم
أسلم ودخل دار الإِسلام وهو في يده، فهو له أيضا
عند جمهور الفقهاء، لأنه استولى عليه حال کفره
فأشبه ما استولى عليه بقهره للمسلمين. وعن
أحمد أن صاحبه أحق به بالقيمة. (٢)
الاستيلاء على المال المباحِ :
١٩ - المال المباح كل ما خلقه الله لينتفع به الناس
على وجه معتاد، وليس في حيازة أحد مع إمكان
حيازته، ویکون حيوانا: بریا أوبحریا، ويكون
نباتا: حشائش وأعشابا وحطبا، ویکون جمادا:
أرضا مواتا وركازا، کما یکون ماء وهواء، ومن حق
أي إنسان أن يتملك منه، ويكون ذلك بالاستيلاء
عليه، ويتحقق الاستيلاء وتستقر الملكية إذا كان
الاستيلاء بفعل یؤدي إلى التمكن من وضع اليد.
روى أبو داود عن أم جندب أن رسول الله واله
= ومسلم من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعا (فتح الباري
٢٦٢/٣ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ١/ ٥١، ٥٢ط عيسى الحلبي ١٣٧٤ هـ).
(١) الدسوقي ١٨٨/٢
(٢) المغني ٤٣٤/٨، والخراج لأبي يوسف ص ٢٠٠ ط ثانية
١٣٥٣ هـ، والسير الكبير ٦٨٨/٢، والشرح الصغير
٢٩١/٢ ط دار المعارف، والمنهج مع حاشية البجيرمي
٢٥٧/٤ ط ١٣٦٩ هـ.
قال: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو
له))(١) وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله
وَال﴾: ((من أحاط حائطا على أرض فهي له))(٢) وفي
رواية: ((من أحيا أرضا ميتة فهي له))(٣) وإذا ثبت
هذا بالنسبة للعقار المباح فهو بالنسبة للمنقول من
المباحات أولی، لظهور الاستئثار به ظهورا لا یکون
في العقار.
ولا يحد من سلطان الناس في الاستيلاء على
المال المباح إلا القواعد العامة لتنظيم الانتفاع ومنع
الضرر.
٢٠ - ولكل نوع من الأموال المباحة طريق
للاستيلاء عليه، فالاستيلاء على الماء المباح والركاز
يكون بالحوز والكشف، والاستيلاء على الكلا
(١) حديث: (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له)). أخرجه
أبو داود من حديث أسمر بن مضرس رضي الله عنه مرفوعا .
ونقل صاحب عون المعبود عن ابن حجر تجهیل بعض رواته. قال
المنذري: غريب. وقال أبوالقاسم البغوي: لا أعلم بهذا الإِستاد
حديثا (عون المعبود ٣/ ١٤٢ ط الهند، وجامع الأصول
٥٨٤/١٠ نشر مكتبة الحلواني).
(٢) حديث: ((من أحاط حائطا على أرض فهي له)) أخرجه أبو داود
وأحمد والضياء المقدسي من حديث الحسن عن سمرة بن
جندب، رضي الله عنه مرفوعا، قال ابن حجر: في صحة سماع
الحسن عن سمرة خلاف، وأشار المنذري أيضا إلى هذا
الخلاف. وقال عبدالقادر الأرناؤوط محقق جامع الأصول: وفيه
ضعف، وأخرجه أحمد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما
بهذا اللفظ، قال البنا الساعاتي في تخريجه: أخرجه الترمذي
والنسائي والبيهقي، وقال الترمذي: حديث صحيح (مختصر سنن
أبي داود للمنذري ٢٢٦/٤ نشر دار المعرفة، ومسند أحمد بن
حنبل ١٢/٥ ط اليمنية، والفتح الرباني ١٣٠/١٥، ١٣١
الطبعة الأولى ١٣٧٠ هـ، وفيض القدير ٢٩/٦).
(٣) حديث: ((من أحيا أرضاميتة فهي له)). علقه البخاري من
حديث جابر رضي الله عنه، وذكر ابن حجر في شرحه شواهد هذا
الحديث، وقال: وفي أسانيدها مقال، ولكن يتقوى بعضها
ببعض (فتح الباري ١٨/٥ ط السلفية).
- ١٦٢ -

استيلاء ٢١ - ٢٣
والعشب يكون بالحش، والاستيلاء على حيوان
البر والبحر يكون بالاصطياد، والاستيلاء على
الأرض الموات يكون بالإِحياء، وبإقطاع
التمليك. (١)
تنوع الاستيلاء :
٢١ - الاستيلاء يكون حقيقيا بوضع اليد على
الشيء المباح فعلا، وهذا لا يحتاج إلى نية وقصد،
صرح بذلك الشافعية، قال الرملي في نهاية
المحتاج: يملك الصید بضبطه بالید، لأنه مباح،
فملك بوضع اليد عليه كسائر المباحات، سواء
أقصد بذلك ملكه أم لا ، حتى لو أخذه لينظر إليه
ملكه. ويفهم ذلك من كلام سائر المذاهب، وإنما
تثبت بالاستيلاء الحقيقي الملكية مستقرة، وكذلك
يكون الاستيلاء حقيقيا إذا كان بآلة أعدت لذلك،
وكان واضعها قريبا منها، بحيث لومدّ يده إليها
لأمسك الصيد، لأنه ليس بممتنع عليه. ومن هذا
لو نصب شبكة للصيد فوقع فيها طائر وامتنع عليه
الطيران، أو أغرى كلبا معلما فاصطاد حيوانا، فإِن
من نصب الشبكة ومن أغرى الكلب يتملك
الصيد، سواء أكان هومالك الشبكة والكلب أم
كان المالك غيره.
٢٢ - ويكون الاستيلاء حكميا، وهوما كان
بواسطة الآلة وحدها التي تهيىء المباح لوضع الید
عليه، ولم يكن واضعها قريبا منها. كحفرة في جورة
(١) البدائع ١٩٣/٦ - ١٩٤، والفتاوى الهندية ٣٩٠/٥ -٣٩٣،
٤١٧، والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢٩٨/٥، والمبسوط
٢٥١/١١، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي ١/ ١٦٧،
والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢/ ١١٠، ومنح الجليل
٥٨٥/١ - ٥٨٦، ونهاية المحتاج ١١٧/٨ - ١١٩، والمغني
٥٦٢/٨ - ٥٦٤، وكشاف القناع ١٢٢/٤، ١٨٧
المنتفع بالأرض أو مالكها تجمع فيها ماء المطر،
فلابد لتملك ما تجمع فيها من ماء من وجود
القصد، أما من غير قصد فإِن الملكية تثبت غير
مستقرة، ولا تستقر إلا بصير ورة الاستيلاء حقيقيا،
وهذا باتفاق المذاهب. (١)
٢٣ - وقد سئل الحلواني الحنفي عمن علق کوزه، أو
وضعه في سطحه، فأمطر السحاب وامتلأ الكوز
من المطر، فجاء إنسان وأخذ ذلك الكوز مع الماء،
هل لصاحب الكوز أن يسترده مع الماء؟ فقال:
لا إشكال في استرداد الكوز، وأما الماء فإن كان قد
أعد الکوز لذلك حق له أن يسترده، وإن لم يعدّه
لذلك لم يستردّه.
ولو التجأ صيد إلى أرض رجل أو إلى داره، فلا
يعد ذلك استيلاء من صاحب الأرض أو الدار،
لأنهما لم يعدا للاصطياد، لأنه لم يحدث منه فعل
الاستيلاء، أما إذا رد عليه صاحب الدار الباب بنية
أخذه ملكه، لتحقق الاستيلاء عليه بفعله مع
إمكان أخذه.
ومن نصب فسطاطا فالتجأ إليه صيد لم يملك،
لأن الفسطاط لم يكن آلة صيد، وما كان نصبه
بقصد الاستيلاء على الصيد، وكذا لونصب
شبكة للتجفيف فتعلق بها صيد ولم یکن من علق
الشبكة حاضرا بالقرب منها فإنه لا يمكله، إذ
القصد مرعي في التملك، ومع هذا فإنه أحق به
من غيره إن حضر وهو معلق بالشبكة .
وتفصيل كل ذلك في مصطلح (اصطياد). (٢)
(١) المراجع السابقة.
(٢) المراجع السابقة.
- ١٦٣ -

استيلاد ١ - ٦
استیلاد
التعريف :
١ - الاستيلاد لغة : مصدر استولد الرجل المرأة إذا
أحبلها، سواء أكانت حرة أم أمة . (١) واصطلاحا
كما عرفه الحنفية: تصيير الجارية أم ولد. (٢) وعرف
غيرهم أم الولد بتعاريف منها: قول ابن قدامة:
إنها الأمة التي ولدت من سيدها في ملكه. (٣) فأم
الولد نوع من أنواع الرقيق الذي له في الفقه أحكام
خاصة من حيث نشوؤه وما يتلوه، وللتفصيل ينظر
(استرقاق و رق)، والكلام هنا منحصر فيما تنفرد به
أم الولد عن سائر الرقيق من أحكام خاصة،
وكذلك أحكام ولدها .
الألفاظ ذات الصلة :
العتق :
٢ - من معاني العتق في اللغة: السراح
والاستقلال.
وشرعا : رفع ملك الآدميين عن آدمي مطلقا
تقربا إلى الله تعالى، فهو يجتمع مع الاستیلاد في
أن كلا منهما سبب للحرية، غير أن العتق قد يكون
(١) المصباح مادة (ولد)، وانفرد الحنفية بهذا العنوان (استيلاد) أما
غيرهم من فقهاء المذاهب فقد عنونوا لذلك بـ (أمهات الأولاد).
(٢) البدائع ١٢٣/٤
(٣) المغني ٩/ ٥٢٧ ط الرياض.
منجزا، أما أم الولد فتصیر حرة بعد موت سيدها
غالبا، إذ يجوز عتقها وهي أم ولد حال حياة السيد.
التدبير :
٣ - التدبير : تعليق العتق بالموت، كأن يقول
السيد لعبده أو أمته: أنت حر أو أنت حرة دبر موتي
أي بعد موتي أو ما شابه ذلك من الألفاظ، فهو
يجتمع مع الاستیلاد في أن كلا منهما سبب للحرية
بعد الموت، لكن التدبير بالقول، والاستيلاد
بالفعل.
الكتابة :
٤ - الكتابة والمكاتبة : بيع السید نفس رقيقه منه
بمال في ذمته، فيعتق العبد أو الأمة بعد أداء ما
کوتب علیه، فکل من الاستیلاد والمكاتبة سبب
للحرية إلا أن المكاتبة عقد بعوض.
التسري :
٥ - التسري إعداد الرجل أمته لأنه تكون موطوءة،
فالفرق بينه وبين الاستيلاد حصول الولادة. (١)
صفة الاستيلاد، وحكمه التشريعي، وحكمة
التشريع :
٦ - قال صاحب المغني : لا خلاف في إباحة
التسري ووطء الإِماء، لقول الله تعالى (والذين
هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما
ملكت أيمانهم، فإِنهم غير ملومين)(٢) وقد كانت
(١) حاشية البجيرمي على المنهج ٤١٢/٤، ٤٢٣، ٤٢٧،
وابن عابدين ١١٣/٣
(٢) سورة المؤمنون/ ٦،٥
- ١٦٤ -
٠
٠

استيلاد ٦ - ٨
مارية القبطية أم ولد النبي پر، حيث ولدت له
إبراهيم، وكانت هاجر أم إسماعيل سرية سيدنا
إبراهیم، وکان لعمر بن الخطاب أمهات أولاد،
وكذلك لعلي بن أبي طالب، ولكثير من الصحابة
رضي الله عنهم، وكان علي زين العابدين بن
الحسين، والقاسم بن محمد بن أبي بكر،
وسالم بن عبدالله بن عمر، من أمهات الأولاد،
وروي أن الناس لم يكونوا يرغبون في أمهات الأولاد
حتى ولد هؤلاء الثلاثة من أمهات الأولاد، فرغب
الناس فيهن. (١)
ويقصد بالاستيلاد الولد، فقد يرغب الشخص
في الأولاد ولا يتيسر له ذلك من الحرائر، وأباح الله
له أن یتسری من تلد له.
ومن تحمل من سیدها تعتق علیه بموته من کل
ماله تبعا لولدها . (٢)
والأصل في ذلك قول النبي پڼ ((أیما أمة ولدت
من سيدها فهي حرة عن دبر منه)). (٣)
(١) المغني ٩/ ٥٢٧، ٥٢٨
(٢) شرح المنهج ٤/ ٤٤٢، ٤٤٣
(٣) حديث ((أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه)) أخرجه
الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ ((أيما امرأة ولدت من
سيدها فهي حرة بعد موته)) قال الحاكم: هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: وفيه حسين وهو
متروك. وأخرجه ابن ماجة بلفظ مقارب. وقال الحافظ
البوصيري في الزوائد: في إسناده الحسین بن عبدالله بن عباس،
تركه ابن المديني وغيره، وضعفه أبوحاتم وغيره، وقال البخاري:
إنه كان يتهم بالزندقة (المستدرك ١٩/٢ نشر دار الكتاب
العربي، وسنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٨٤١/٢
ط عيسى الحلبي ١٣٧٣ هـ).
والاستيلاد وسيلة للعتق، والعتق من أعظم
القرب. (١)
حكم ولد المستولدة من غير سيدها:
٧ - إذا صارت الأمة أم ولد بولادتها من سیدها، ثم
ولدت من غيره، كان لذلك الولد حكم أمه في
العتق بموت سیدها، وغيره من أحكامها، وأما
أولادها الذین ولدتهم قبل ثبوت حكم الاستیلاد لها
فلا يتبعونها، ولا يكون لهم حكم أمهم. (٢)
ما يتحقق به الاستيلاد وشرائطه :
٨ - يتحقق الاستيلاد ( بمعنى أن تصير الجارية أم
ولد) بولادة الولد الحي/ أو المیت، لأن المیت ولد، به
تتعلق أحكام الولادة فتنقضي به العدة، وتصير
المرأة نفساء، وكذا إذا أسقطت سقطا مستبينا خلقه
أو بعض خلقه وأقر السيد بوطئها، فهو بمنزلة الحي
الكامل الخلقة، ويترتب على هذا ثبوت النسب
إذا أقر السيد بالوطء عند الجمهور، خلافا للحنفية
حیث اشترطوا إقراره بأن الولد منه.
وإذا تزوج الشخص أمة غيره فأولدها أو أحبلها
ثم ملكها بشراء أو غيره لم تصر أم ولد له بذلك،
سواء ملكها حاملا فولدت في ملكه، أو ملكها بعد
ولادتها، وبهذا قال الشافعية والحنابلة، لأنها علقت
منه بمملوك فلم يثبت لها حكم الاستیلاد.
ونقل عن الإِمام أحمد أنها تصير أم ولد في
الحالين، وهو قول أبي حنيفة، لأنها أم ولد وهو
(١) الدسوقي ٤/ ٣٥٩
(٢) البدائع ١٣١/٤، والمغني ٩/ ٥٤٢
- ١٦٥ -
١
:

استيلاد ٩ - ١١
مالك لها، فثبت لها حكم الاستیلاد، کما لو حملت
في ملکه.
وعند المالكية إن اشتراها حاملا فإنها تصير أم
ولد بهذا الحمل.(١)
ما يملكه السید في أم الولد:
٩ - إذا حبلت الأمة من سيدها وولدت فحكمها
حکم الإِماء في حل وطء سيدها لها، واستخدامها،
وملك كسبها، وتزويجها، وإجارتها، وعتقها، وهذا
قول أكثر أهل العلم. وقال المالكية: لا يجوز
لسیدها تزويجها بغير رضاها، فإن رضیت جاز مع
الكراهة، قالوا: لأن ذلك ليس من مكارم
الأخلاق، وقالوا: إن إجارتها كذلك لا تجوز إلا
برضاها وإلا فسخت، وللسيد قليل خدمتها. (٢)
ما لا يملكه السيد :
١٠ - جمهور الفقهاء - وعليه أكثر التابعين _(٣) على
أن السيد لا يجوز له في أم ولده التصرف بما ینقل
الملك، فلا يجوز بيعها، ولا وقفها، ولا رهنها، ولا
تورث، بل تعتق بموت السید من کل المال ویزول
الملك عنها. روي عن عبيدة قال: خطب علي
الناس، فقال: ((شاورني عمر في أمهات الأولاد
فرأیت أنا وعمر أن أعتقهن، فقضى به عمر حیاته،
وعثمان حیاته، فلما ولیت رأيت أن أرقهن)). قال
(١) المغني ٥٢٨/٩، ٥٣٤، ورد المحتار ٣٦/٣ ط بولاق،
والقليوبي ٦٢/٤، والكافي لابن عبدالبر ٩/ ٩٨١
(٢) الدسوقي ٤١٠/٤، ٤١١، والمغني ٥٢٧/٩، ٥٢٨، والبدائع
٤/ ١٣٠
(٣) المراجع السابقة.
عبيدة: فرأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من
رأي علي وحده. (١) وروي القول بهذا أيضا عن
عثمان وعائشة، وروي الخلاف في ذلك عن علي
وابن عباس وابن الزبير قالوا بإباحة بيع أم الولد.
والأصل في الباب حدیث ((أیما أمة ولدت من
سيدها فهي حرة عن دبر منه))(٢) وخبر أن النبيّ وَ ل
«نهی عن بيع أمهات الأولاد، لا یوهبن ولا يورثن،
يستمتع بها سيدها مادام حيا، فإذا مات فهي
حرة».(٣)
أثر اختلاف الدين في الاستیلاد :
١١ - قال الفقهاء : یصح استیلاد الكافر، ذميا أو
مستأمنا أو مرتدا، کما يصح منه العتق.
وإذا استولد الذمي أمته الذمية ثم أسلمت لم
تعتق في الحال عند الشافعية، وفي الرواية المعتمدة
عند الحنابلة. وعند المالكية تعتق إذ لا سبيل إلى
(١) والأثر عن علي رضي الله عنه أخرجه عبدالرزاق والبيهقي، ولفظ
عبدالرزاق: «اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد ألا
◌ُبَغْن، قال: ثم رأیت بعدُ أن یبعن، قال عبيدة: فقلت له فرأيك
ورأي عمر في الجماعة أحب إليّ من رأيك وحدك في الفرقة - أو
قال في الفتنة - قال: فضحك علي)) قال الشوكاني: وهذا الإسناد
معدود في أصح الأسانيد (مصنف عبدالرزاق ٧/ ٢٩١، ٢٩٢
من منشورات المجلس العلمي ١٣٩٢هـ، وسنن البيهقي
٣٤٨/١٠ ط الهند، ونيل الأوطار ٢٢٣/٦ - ٢٢٤ ط دار
الجيل).
(٢) سبق تخريج الحديث (ف/ ٦)
(٣) أثر ((أمهات الأولاد لا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع بها سيدها
ما دام حيا، فإذا مات فهي حرة)). أخرجه الدارقطني مرفوعا
وموقوفا. قال ابن القطان: وعندي أن الذي أسنده خير ممن وقفه
(سنن الدارقطني ١٣٤/٣ - ١٣٥ ط دار المحاسن للطباعة
١٣٨٦ هـ، ونصب الراية ٢٨٨/٣ ط دار المحاسن).
- ١٦٦ -

استيلاد ١٢ - ١٥
بيعها، ولا إلی إقرار ملکه علیھا، لما فيه من إثبات
ملك الكافر على مسلمة، فلم يجز كالأمة.
وعن الإِمام أحمد رواية أخرى أنها تستسعى،
فإن أرادت عتقت، وهو قول أبي حنيفة إذا لم يسلم
مالكها، لأن في الاستسعاء جمعا بين الحقين: حقها
في ألا تبقی ملکا للکافر، وحقه في حصول عوض
عن ملكه، فأشبه بيعها إذا لم تكن أم ولد، وإذا
أسلمت أم ولد لکافر منع من وطئها أو التلذذ بها،
ويحال بينه وبينها، ويجبر على نفقتها فإذا أسلم
حلت له. (١)
ما تختص به المستولدة :
الأصل في أحكام أمهات الأولاد أنها کأحكام
الإِماء في جميع الأمور، إلا أن أم الولد تختص
بما يلي:
أ - العدة :
١٢ - إذا مات السيد عن أم ولده فعند المالكية،
والشافعية، والحنابلة تستبرأ بحيضة، وأما مذهب
الحنفية فعليها العدة، وعدتها بالحیض فلا يكتفى
بحيضة، وإنما كانت عدتها بالحيض في الموت وغيره
كتفريق القاضي لأن عدتها لتعرف براءة الرحم،
وهذا إذا كانت غير يائسة وغير حامل، فإن عدة
اليائسة شهران، وعدة الحامل وضع الحمل، ولا
(١) ابن عابدين ٣٩٨/٥، والشرح الكبير ٤١٢/٤، والمغني
٥٤٤/٩
نفقة لها في مدة العدة عند كل الفقهاء، لأنها عدة
وطء لا عدة عقد.(١)
ب - العورة :
١٣ - عورة أم الولد ما بين السرة والركبة والظهر
والبطن، وهذا عند الحنفية، ورواية عن المالكية،
وفي رواية أخرى أنها لا تصلي إلا بقناع، وعند
الشافعیة، وهو الصحيح عند الحنابلة أن عورتها ما
بين السرة والركبة . (٢)
جناية أم الولد :
١٤ - اتفق الفقهاء على أن أم الولد إذا جنت جناية
أَوْجَبَت المال، أو أتلفت شيئا، فعلى السيد فداؤها
بأقل الأمرين: من قيمتها يوم الحكم على أنها
أمة بدون مالها، أو الأرش، حتى وإن كثرت
الجنايات.
وحكي قول آخر عن الحنابلة أن على السيد
فداءها بأرش جنايتها بالغة ما بلغت، كالقن. (٣)
إقرار أم الولد بجناية :
١٥ - إذا أقرت أم الولد بجناية توجب المال لم يجز
إقرارها، لأنه إقرار على السيد، وهذا بخلاف
(١) ابن عابدين ٦٠٨/٢، والشرح الكبير ٤٦٥/٤، والمغني
٥٤٦/٩
(٢) الهداية ٢٢٩/١، والدسوقي ٢١٣/١، والمجموع ١٦٧/٣،
وكشاف القناع ٢٦٦/١
(٣) البدائع ١٣١/٤، ١٣٢، والدسوقي ٤١١/٤، والبجيرمي على
المنهج ٤/ ١٦٠، والمغني ٥٤٥/٩
- ١٦٧ -

استيلاد ١٦ - ١٩
الإقرار بالقتل عمدا، فإنه يصح إقرارها على نفسها
فتقتل به. وهذا عند الحنفية والمالكية والشافعية
وأبي الخطاب من الحنابلة. (١)
ومذهب الحنابلة : أن العبد - وأم الولد مثله -
یصح إقراره بالحد والقصاص فیما دون النفس، لأن
الحق له دون سيده.
وأما إقراره بما يوجب القصاص في النفس
فالمنصوص عن أحمد أنه لا يقبل، ويتبع به بعد
العتق، لأنه يسقط حق سیده بإقراره، ولأنه متهم
في أنه يقر لرجل ليعفو عنه ويستحق أخذه،
فیتخلص به من سیده.
واختار أبو الخطاب أنه يصح إقراره به، لأنه أحد
فرعي القصاص، فيصح إقراره بما دون
النفس. (٢)
الجناية على جنين أم الولد من سيدها :
١٦ - تقدم أن حمل أم الولد من سيدها حر، فلو
ضربها أحد فألقت جنينها ففيه دية جنين الحرة،
انظر مصطلح (إجهاض).
الجناية عليها :
١٧ - إذا قتل المستولدة حر، فلا قصاص علیه لعدم
المكافأة، وعليه قيمتها بالغة ما بلغت، وإن زادت
على دية الحرة، وذلك عند المالكية والشافعية
والحنابلة وأبي يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد : دية العبد قيمته. فإن
(١) ابن عابدين ٣٩٨/٥، والدسوقي ٣٩٨/٣
(٢) المغني ١٥١/٥، ١٥٢ ط الرياض.
بلغت دية الحر، أو بلغت قيمة الأمة قيمة دية الحرة
ينقص كل من دية العبد أو الأمة عشرة دراهم،
إظهارا لانحطاط مرتبة الرقيق عن الحر. وتعيين
العشرة بأثر ابن مسعود. (١) أما إذا قتلها رقيق فيقتل
بها لأنها أكمل منه . (٢)
أثر موت المستولدة في حياة سيدها عليها ، وعلى
ولدها من غيره:
١٨ - إذا ماتت أم الولد قبل سيدها لا يبطل حكم
الاستیلاد في الولد الذین ولدتهم بعد ثبوت حكم
الاستيلاد لها، بل يعتقون بموت السيد. (٣)
الوصية للمستولدة وإليها :
١٩ - تصح الوصية لأم الولد، قال صاحب المغني:
لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم القائلين بثبوت
حكم الاستيلاد. فقد روي أن عمر بن الخطاب
«أوصى لأمهات أولاده بأربعة آلاف، أربعة آلاف
لكل امرأة منهن)). (٤) ولأن أم الولد حرة في حال
(١) أثر ابن مسعود في ((نقص عشرة دراهم من دية العبد والأمة))
أورده صاحب الدر المختار، ولم نعثر عليه فيما لدينا من مراجع
السنن والآثار، وإنما أخرج عبدالرزاق عن ابن جريج قال: لي
عبدالكريم عن علي وابن مسعود وشريح: «دية المملوك ثمنه،
وإن خلّف دية الحر)» (مصنف عبدالرزاق ١٠/١٠ نشر المجلس
العلمي).
(٢) بداية المجتهد ٢/ ٤٥١، والدر ٣٩٦/٥
(٣) المغني والشرح الكبير ١١/ ٥٠٦، ٥٠٧
(٤) الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أخرجه الدارمي
واللفظ له، وسعيد بن منصور (سنن الدارمي ٤٢٣/٢ ط المطبعة
الحديثة بدمشق ١٣٤٩ هـ، وكتاب السنن لسعيد بن منصور -
القسم الأول من المجلد الثالث ص ١١٠ رقم ٤٣٨ ط مطبعة
علمي بریس (مالیکاؤن) ١٣٨٧ هـ).
- ١٦٨ -

أسر، إسرار ١ - ٢
نفاذ الوصية لأن عتقها يتنجز بموته، فلا تقع
الوصية لها إلا في حال حريتها، وذلك إذا احتملها
الثلث، فما زاد يتوقف على إجازة الورثة، فإن
أجازوه جاز وإلا رد إليهم.
وكذلك تجوز الوصية إلى المستولدة بعد وفاة
سيدها إذا كانت صالحة لذلك، لأنها بعد عتقها
بموت سيدها كسائر الحرائر، فتجوز الوصية
إليها . (١)
أسر
انظر : أسرى
إسرار
التعريف :
١ - من معاني الإِسرار في اللغة: الإِخفاء. ومنه قوله
تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا)(٢)
وأسررت الشيء: أخفيته. (٣)
أما في الاصطلاح فيأتي (الإِسرار) بالمعاني
التالية :
أ ۔أن يسمع نفسه دون غيره، وأدناه ما كان
بحركة اللسان، وهذا المعنى يستعمله الفقهاء في
أقوال الصلاة والأذكار.
(١) المغني والشرح الكبير ١١/ ٥١٠، ٥١٣
(٢) سورة التحريم / ٣
(٣) المصباح المنير، ولسان العرب مادة (سرر)، والمغرب ص ٢٢٣
ب - أن يسمع غيره على سبيل المناجاة، مع
الكتمان عن الآخرين، وهذا المعنى يرد في السر
وإفشائه، ويرجع إليه في مصطلح (إفشاء السر).
جـ - أن يخفي فعله عمن سواه، وهذا المعنى يرد
في أداء العبادات كالصلاة والزكاة ونحوهما. (١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - المخافتة :
٢ - من معاني المخافتة في اللغة : خفض الصوت.
أما في الاصطلاح فقد اختلفوا في حد وجود القراءة
على ثلاثة أقوال:
فشرط الهندواني والفضلي من الحنفية لوجودها
خروج صوت يصل إلى أذنه، وبه قال الشافعي .
وشرط الإِمام أحمد وبشر المريسي خروج
الصوت من الفم وإن لم يصل إلى أذنه، لكن
بشرط کونه مسموعا في الجملة، حتى لو أدنی أحد
صماخه إلى فيه يسمع، ولم يشترط الكرخي
وأبوبكر البلخي السماع، واكتفيا بتصحيح
الحروف.
واختار شيخ الإِسلام قاضيخان وصاحب
المحيط والحلواني قول الهندواني، كما في معراج
الدراية .
فظهر بهذا أن أدنى المخافتة إسماع نفسه، أومَن
بقربه مِن رجل أو رجلين مثلا، وأعلاها مجرد
تصحیح الحروف، کما هو مذهب الكرخي، وأدنی
الجهر إسماع غيره ممن ليس بقربه، كأهل الصف
الأول، وأعلاه لا حد له. (٢)
(١) مراقي الفلاح ص ١٣٨ ط دار الإِيمان، وشرح روض الطالب
١٥٦/١، المكتبة الإسلامية، والشرح الكبير ٢٤٣/١، والفواكه
الدواني ١/ ٢٣١، وكشاف القناع ٣٣٢/١
(٢) ابن عابدين ١/ ٣٥٩ ط (١) بولاق
- ١٩٩ -

إسرار ٣ - ٧
ب - الجهر :
٣ - من معاني الجهر في اللغة : رفع الصوت.
يقال: جهر بالقول رفع به صوته .(١)
وفي الاصطلاح : أن يسمع غيره ممن يليه،
وأعلاه لا حد له،(٢) فالجهر مباین للإِسرار.
ج - الكتمان :
٤ - من معانيه في اللغة: أنه خلاف الإعلان. (٣)
وهو في الاصطلاح : السكوت عن البيان. قال
تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات
والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك
يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابوا
وأصلحوا وبينوا، فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب
الرحيم) . (٤)
د - الإخفاء :
٥ - الإِخفاء بمعنى الإِسرار لغة واصطلاحا، إلا أن
استعمال الإِخفاء يغلب في الأفعال، أما الإِسرار
فيغلب في الأقوال. وينظر مصطلح (اختفاء).
صفة الإِسرار ( حكمه التكليفي ) .
أولا - الإِسرار بمعنى إسماع نفسه فقط :
الإسرار في العبادات :
.٦ - الصلوات السرية: المراد بها التي لا جهر فيها،
(١) مختار الصحاح، ولسان العرب مادة (جهر).
(٢) فتح القدير ٢٨٤/١، ٢٨٨، وشرح روض الطالب من أسنى
المطالب ١٥٦/١ ط المكتبة الإسلامية، والفواكه الدواني
٢٣٢/١ - ٢٣٣، وكشاف القناع ٣٣٢/١ط النصر الحديثة.
(٣) لسان العرب، والصحاح مادة (كتم)، والتعريفات
للجرجاني ص ٢٨١
(٤) سورة البقرة / ١٥٩
وهي الظهر والعصر في الفرائض والنوافل، وصلاة
التطوع في النهار. والإِسرار فيها مستحب عند
الشافعية والحنابلة والمالكية في قول لهم، وفي آخر
مندوب، وواجب عند الحنفية. وإنما كانت سرية،
لأنها صلاة نهار، وصلاة النهار عجماء(١) كما ورد في
الخبر، أي ليست فيها قراءة مسموعة، وذلك
بالنسبة لكل مصل، سواء أكان إماما أم منفردا أم
مأموما عند غير الحنفية، فإن المأموم عندهم لا قراءة
علیه . (٢).
الإِسرار في أقوال الصلاة :
أ - تكبيرة الإحرام :
٧ - يستحب للإِمام أن يجهر بالتكبير بحيث يسمع
المأمومين ليكبروا، فإنهم لا يجوز لهم التكبير إلا
بعد تکبیره. فإن لم یمکنه إسماعهم جهر بعض
المأمومين ليسمعهم، أو ليسمع من لا يسمع
الإِمام، لما روى جابر قال ((صلى بنا رسول الله اله
وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله ويچ كبر أبوبكر
(١) حديث ((صلاة النهار عجماء)) أخرجه عبدالرزاق من قول مجاهد
وأبي عبيدة واستغربه الزيلعي، وقال النووي في المجموع: هذا
حدیث باطل لا أصل له. ونقل السخاوي عن الدار قطني قوله :
لم يروعن النبي ◌َّ، وإنما هو من قول الفقهاء (نصب الراية
١/٢، ٢ ط مطبعة دار المأمون، والمجموع للنووي ٣٨٩/٢ط
المنيرية، والمقاصد الحسنة ص ٢٦٥ نشر مكتبة الخانجي بمصر).
(٢) فتح القدير ٢٨٤/١ - ٢٨٥، ٤٤٠ط دار إحياء التراث العربي،
ورد المحتار على الدر المختار ٣٥٧/١ - ٣٥٨ط دار إحياء التراث
العربي، والاختيار لتعليل المختار ١/ ٥٠ط دار المعرفة، والمهذب
٨١/١، والشرح الكبير ٣١٣/١، والفواكه الدواني ٣٣/١،
والمغني لابن قدامة ١/ ٥٦٩ط مكتبة الرياض الحديثة، وکشاف
القناع عن متن الإقناع ٣٤٤/١ط النصر الحديثة.
- ١٧٠ -

إسرار ٨ - ١١
ليسمعنا)) متفق عليه. (١)
ب - دعاء الاستفتاح:
٨ - وهو ما تستفتح به الصلاة من الأدعية المأثورة
لذلك، نحو ((سبحانك اللهم وبحمدك ... ))(٢)
أو ((وجهت وجهي ... ))(٣)
وهو سنة عند الحنفية والشافعية والحنابلة،
خلافا للالکیة فإنهم لا يقولون به . (٤)
والسنة عند من يقول بمشروعيته أن يأتي به
سرا، ويكره الجهر به ولا تبطل الصلاة. انظر
(استفتاح).
جـ - التعوذ :
٩ - والقول في الإِسرار به كالقول في الاستفتاح
سواء . (٥)
(١) المغني ١/ ٤٦٢
وحديث ((صلى بنا رسول الله ﴿ وأبو بكر خلفه)) أخرجه
البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: ((فتأخر أبو بكر
رضي عنه وقعد النبي # إلى جنبه وأبو بكر يسمع الناس
التكبير)) وأخرجه مسلم بهذا المعنى من حديث ابن مسهر (فتح
الباري ٢٠٣/٢ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد
عبدالباقي ٣١٤/١ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤ هـ).
(٢) دعاء الاستفتاح ((سبحانك اللهم وبحمدك ... )) سبق تخريجه
(استفتاح ف/ ٦).
(٣) دعاء الاستفتاح ((وجهت وجهي ... )). سبق تخريجه (استفتاح
ف/ ٦).
(٤) رد المحتار على الدر المختار ١/ ٣٢٠، ٣٢٨، ومراقي الفلاح
ص ١٥٣ ط دار الإِيمان، والمهذب في فقه الإِمام الشافعي
٧٨/١، ٧٩، والمغني لابن قدامة ١/ ٤٧٣ - ٤٧٥ ط الرياض
الحديثة، والفواكه الدواني ١/ ٢٠٥
(٥) رد المحتار على الدر المختار ٣٢٠/١، ٣٢٨، ومراقي الفلاح
ص ١٥٣ ط دار الإِيمان، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٧٩/١،
٨٩، والمغني لابن قدامة ١/ ٤٧٥ط الرياض الحديثة، والفواكه
الدواني ٢٠٥/١، ٢٣٨
د - البسملة لغير المؤتم في أول كل ركعة :
١٠ - وهي سنة عند الحنفية والحنابلة، واحبة عند
الشافعية في الصلاة، ولا يقول بها المالكية في
الفرض لكراهيتها في المشهور، وأجازوها في النافلة
من غير كراهة، (١) فيسن الإِسرار بها عند الحنفية
والحنابلة، أما عند الشافعية فهي تابعة لكيفية
القراءة من جهر أو إسرار، وتفصيله في مصطلح
(بسملة).
هـ - قراءة الفاتحة:
١١ - وتقرأ سرا في الصلاة السرية، للإِمام والمنفرد،
وفي الركعتين الثالثة والرابعة من الصلاة الجهرية
للإِمام والمنفرد، أما قراءة المأموم لها عند من قال
بذلك فهي كلها سرية .
أما المنفرد في الصلاة الجهرية، فهو مخير بين
الجهر والإِسرار عند الحنفية والحنابلة، ويستحب له
الجهر عند الشافعية .
ويسر في النوافل النهارية وجوبا عند الحنفية،
واستحبابا عند المالكية والشافعية والحنابلة، ويسر
في قضاء الصلاة السرية إذا قضاها ليلا، وصرح
ابن قدامة بأنه لا يعلم فيه خلافا. وإذا قضى
الصلاة الجهرية نهارا وکان إماما جھر وجوبا عند
الحنفية والمالكية، وأسر عند الشافعية، وللحنابلة
(١) رد المحتار على الدر المختار ٣٢٠/١، ٣٢٩، ومراقي الفلاح
١/ ١٥٤ ط دار الإِيمان، وكشاف القناع عن متن الإقناع
٣٠٩/١ - ٣١٠ط أنصار السنة المحمدية، والمغني لابن قدامة
٤٧٧/١ - ٤٧٨ ط الرياض الحديثة، والمهذب في فقه الإمام
الشافعي ٧٩/١، ٨٩، والفواكه الدواني ٢٠٥/١، ٢٣٨
- ١٧١ -

إسرار ١٢ - ١٦
قولان. ويجهر بالقراءة في الجمعة والعيدين
والاستسقاء.(١)
و- تأمين الإمام والمأموم والمنفرد :
١٢ - يقولونه سرا عند الحنفية والمالكية، وجهرا عند
الشافعية والحنابلة.
واستدل القائلون بالإِسرار بأنه دعاء، والأصل
في الأدعية الإِسرار، كالتشهد.
واستدل من قال بالجهر بأن النبي وَ ﴿ قال: آمين
ورفع بها صوته، (٢) ولأنه وَليل أمر بالتأمين عند تأمين
الإِمام، فلو لم يجهر بها لم يعلق عليه كحالة
الإخفاء. (٣)
ء
ز - تسبيح الركوع :
١٣ - الإسرار بالتسبيح سنة اتفاقا. (٤)
ح - التسميع والتحميد حال رفع الرأس من
الركوع للقيام:
١٤ - يسمّع الإِمام جهرا، ويحمد الجميع سرا.
(١) المغني ١/ ٥٧٠ط الرياض، ومراقي الفلاح ص ١٥٤ ط دار
الإِيمان، والمهذب ٧٩/١، ٨٩، والدسوقي ٢٦٣/١، ٣١٣
(٢) حديث أن النبي﴾ ((قال: آمين، ورفع بها صوته)) أخرجه
أبو داود من حديث وائل بن حجر بلفظ ((كان رسول الله ﴾ إذا
قرأ: ولا الضالين. قال: آمين، ورفع بها صوته)) وأخرجه
الترمذي، وفیه: «مد بها صوته)) مکان «رفع بها صوته)) وقال:
حديث وائل بن حجر حديث حسن. (عون المعبود ١/ ٣٥١ ط
الهند، وتحفة الأحوذي ٦٥/١ - ٦٨ نشر السلفية).
(٣) المغني ١/ ٤٩٠ط الرياض.
(٤) فتح القدير والكفاية ٢٥٩/١، ومراقي الفلاح ١٤٤ - ١٤٥،
١٥٤ ط دار الإيمان، ورد المحتار على الدر المختار ٣٣١/١ -
٣٣٢ ط دار إحياء التراث العربي، والمهذب في فقه الإمام
الشافعي ٨٢/١، والفواكه الدواني ٢٠٨/١، وكشاف القناع
عن متن الإقناع ٣١٧/١ط أنصار السنة المحمدية.
ط - التسبيح في السجدتين :
١٥ - يقوله المصلي سرا، إماما كان أو مأموما أو
منفردا. وكذلك الأذكار بين السجدتين، والتشهد
الأول والأخير، والصلاة على النبي ◌َّر، والأدعية
في آخر الصلاة.
أما التسليم فيجهر به الإِمام دون المأموم أو
المنفرد.
الإِسرار بالاستعاذة والبسملة خارج الصلاة:
١٦ - للفقهاء والقراء في الجهر بالاستعاذة أو الإسرار
بها آراء:
أ - استحباب الجهربها، وهو قول الشافعية،
ورواية عن أحمد، والمختار عند أئمة القراء.
ب - لم يخالف في ذلك إلا حمزة ومن وافقه.
جـ - التخيير بين الجهر والإِسرار، وهو الصحيح
عند الحنفية، وقول للحنابلة.
د - الإخفاء مطلقا، وهو قول للحنفية، ورواية
عند الحنابلة، ورواية عن حمزة.
هـ - الجهر بالتعوذ في أول الفاتحة فقط،
والإخفاء في سائر القرآن، وهو رواية ثانية عن حمزة.
وحكم البسملة في ذلك تابع لحكم الاستعاذة،
إلا ما روي عن نافع أنه كان يخفي الاستعاذة ويجهر
بالبسملة عند افتتاح السور ورؤ وس الآيات في
جميع القرآن.
هذا بالنسبة للرجل، أما المرأة فجهرها إسماع
نفسها فقط، والجهر في حقها كالإِسرار، فیکون
أعلی جهرها وأدناه واحدا، وعلى هذا فيستوي في
حقها السر والجهر، لأن صوتها كالعورة، وربما كان
سماعه فتنة، بل جهرها مرتبة واحدة، وهو أن تسمع
- ١٧٢ -
:

إسرار ١٧ - ١٨
نفسها فقط، ولیس هذا إسرارا منها، بل إسرارها
مرتبة أخرى، وهو أن تحرك لسانها دون إسماع
نفسها، فليس لإِسرارها أعلی وأدنی، كما أن
جهرها کذلك.(١)
وانظر للتفصيل مصطلحي (استعاذة)
و(بسملة).
(ثانيا) الإِسرار في الأفعال
الزكاة :
١٧ - قال أبوبكر بن العربي: لا خلاف في أن
إظهار صدقة الفرض أفضل، كصلاة الفرض
وسائر فرائض الشريعة، لأن المرء يحرزبها إسلامه
ویعصم ماله.(٢)
وقال الحنفية والمالكية : إنه لا يشترط علم
الفقير أن ما أعطي له زكاة على الأصح، لما في
ذلك من كسر قلبه، ولذا فإن الإِسرار في إعطائها
إلیه أفضل من إعلانه بها. (٣)
وقال الشافعية: إن الأفضل فيها إظهار إخراجها
ليراه غيره فيعمل عمله، ولئلا يساء الظن به. (٤)
(١) المجموع ٣٢٤/٣، ٣٢٥، والفروع ٣٠٤/١ط المنار، والنشر
٢٥٢/١، ٢٥٣، وابن عابدين ٣٢٩/١، وإتحاف فضلاء البشر
ص ٢٠، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ٢٤٣، وفتح
القدير ٢٨٤/١، ٢٨٨، وكشاف القناع ٣٣٢/١ط النصر
الحديثة.
(٢) أحكام القرآن ٣٦/١، وشرح المنتهى ٤١٨/١
(٣) مراقي الفلاح ٣٨٩ - ٣٩٠ط دار الإِيمان، والشرح الكبير
وحاشية الدسوقي عليه ١/ ٥٠٠، والمهذب في فقه الإمام
الشافعي ١/ ٨١، ٨٩، والفواكه الدواني ٢٠٦/١، ٢٣٨،
والمغني لابن قدامة ١/ ٥٦٩ط الرياض الحديثة.
(٤) روضة الطالبين للنووي ٢/ ٣٤٠
واستحب الحنابلة إظهار إخراجها، سواء أكان
الإِخراج بموضع يخرج أهله الزكاة أم لا، وسواء
أنفي عنه ظن السوء بإظهار إخراجها أم لا، لما فيه
من نفي الريبة عنه، ولعله یقتدى به، ومن علم
أهليته أخذ الزكاة - ولو بغلبة الظن - كره أن يعلمه
أنها زكاة، ومع عدم عادة الآخذ بأخذ الزكاة لا
يجزىء دفعها إليه إلا أن يعلمه أنها زكاة، لأنه لا
يقبل زکاة ظاهرا.(١)
صدقات التطوع :
١٨ - قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: إن
الإِسرار بها أفضل من الجهر، ولذا يسن لمعطيها أن
يسربها، لقوله تعالى (إن تبدوا الصدقات فَنِعِمًا
هي، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهوخير لكم،
ويكفر عنكم من سيآتكم والله بما تعملون
خبير). (٢)
ولما روي عن أبي هريرة مرفوعا ((سبعة يظلهم
الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)» وذكر منهم رجلا
((تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما
تنفق شماله» .(٣)
ولما روي أن رسول* قال: ((صنائع
المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفىء
(١) شرح منتهى الإرادات ١/ ٤٢٠
(٢) سورة البقرة / ٢٧١
(٣) حديث ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)). أخرجه
البخاري ومسلم واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
مرفوعا (فتح الباري ١٤٣/٢ ط السلفية، وصحيح مسلم
بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٧١٥/٢ ط عيسى الحلبي
١٣٧٤ هـ).
- ١٧٣ -

إسرار ١٩
غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر))(١) ولأن
إعطاءها على هذا النحويراد به الله عز وجل
وحده، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما ((جعل
الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين
ضعفا)). (٢)
قيام الليل :
١٩ - ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المتنفل ليلا
يخير بين الجهر بالقراءة والإِسراربها، إلا أنه إن كان
الجهر أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من
یستمع قراءته، أوينتفع بها فالجهر أفضل، وإن
کان قریبا منه من یتهجد، أو من يتضرر برفع صوته
فالإِسرار أولى، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا فليفعل
(١) حديث ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء)). أخرجه الطبراني
في الكبير من حديث أبي أمامة مرفوعا، وقال الهيثمي: إسناده
حسن، وأورده الألباني بلفظ مقارب وصححه، بعد أن عزاء إلى
العسكري والطبراني والقضاعي والمقدسي (مجمع الزوائد
١١٥/١ نشر مكتبة القدسي، وصحيح الجامع الصغير بتحقيق
الألباني ٣/ ٢٤٠ نشر المكتب الإسلامي).
(٢) أثر ابن عباس أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن
ابن عباس عند تفسير قوله تعالى (إن تبدوا الصدقات فَنِعِمًا هي،
وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) قال الحافظ ابن حجر:
علي بن أبي طلحة أرسل عن ابن عباس ولم يره (تفسير الطبري
٥٨٣/٥ ط دار المعارف بمصر، وتفسير ابن کثیر ١/ ٥٧٤ ط دار
الأندلس، وتقريب التهذيب ٣٩/٢). وانظر مراقي الفلاح
١/ ٣٨٩ - ٣٩٠، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١٨٣/١ ط
دار المعرفة، وقليوبي وعميرة ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥، والجامع لأحكام
القرآن للقرطبي ٣٣٢/٣، وكشاف القناع عن متن الإقناع
٢٦٦/٢ ط أنصار السنة المحمدية ١٩٤٧م.
ما شاء. (١) قال عبدالله بن أبي قيس: سألت
عائشة كيف كانت قراءة رسول الله؟ فقالت: ((کل
ذلك كان يفعل. ربما أسر، وربما جهر)). (٢)
وقال أبو هريرة رضى الله عنه: «كانت قراءة
النبي ﴿ ﴿ بالليل يرفع طورا، ويخفض طور)). (٣)
وقال المالكية : إن المستحب في نوافل الليل
الإِجهار، وهو أفضل من الإِسرار، لأن صلاة الليل
تقع في الأوقات المظلمة فينبه القارىء بجهره المارة،
وللأمن من لغو الكافر عند سماع القرآن، لاشتغاله
غالبا في الليل بالنوم أو غيره، بخلاف النهار. (٤)
وقال الشافعية : إنه يسن في نوافل الليل المطلقة
التوسط بين الجهر والإِسرار إن لم يشوش على نائم
أو مصل أو نحوه، إلا التراويح فيجهربها. والمراد
بالتوسط أن یزید علی أدنی ما یسمع نفسه من غیر
أن تبلغ تلك الزيادة سماع من يليه، والذي ينبغي
(١) المغني ٢/ ١٣٩ ط الرياض، وكشاف القناع ٣٤٤/١ ط النصر،
وابن عابدین ٣٥٨/١
(٢) حديث (( عبد الله بن أبي قيس)) أخرجه الترمذي وقال: هذا
حديث صحيح غريب، قال صاحب المنتقى: رواه الخمسة:
أحمد بن حنبل، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة.
قال الشوكاني: رجاله رجال الصحيح (تحفة الأحوذي ٥٢٨/٢
نشر المكتبة السلفية، ونيل الأوطار ٧١/٣ نشر دار الجيل
١٩٧٣م).
(٣) حديث ((كانت قراءة رسول الله # بالليل يرفع طورا ويخفض
طورا)) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
والحديث سكت عليه المنذري، وقال عبدالقادر الأرناؤوط:
وإسناده حسن (عون المعبود ٥٠٩/١ ط الهند، وجامع الأصول
بتحقيق عبدالقادر الأرناؤوط ٣٥٧/٥ نشر مكتبة الحلواني).
(٤) الفواكه الدواني ٢٣٣/١ ط دار المعرفة.
- ١٧٤ -

إسرار ٢٠
فيه ما قاله بعضهم: إنه يجهر تارة، ويسر
أخری.(١)
الأدعية والأذكار في غير الصلاة :
٢٠ - قال الحنفية والشافعية والحنابلة: إن الإسرار
بالأدعية والأذكار من حيث الجملة أفضل من الجهر
بها، فالإِسرار بها سنة عند الحنفية والحنابلة،
ومندوب عند الشافعية. لقوله تعالی : (ادعوا ربكم
تضرعا وخفية)(٢) أي سرا في النفس، ليبعد عن
الرياء، وبذلك أثنى الله تعالى على نبيه زكريا
علیه السلام، إذ قال مخبرا عنه: (إذ نادى ربه نداء
خفيا)، (٣) ولأنه أقرب إلى الإِخلاص، وقد ورد
((خير الذكر الخفي)). (٤)
أما في عرفة فرفع الصوت بذلك وبالتلبية أفضل
من الإِسرار به، إذ رفع الصوت بالتلبية والدعاء
بعرفة سنة عند الحنفية والحنابلة، ومندوب عند
الشافعیة، بحيث لا يجهد نفسه، ولا يفرط في الجھر
بالدعاء بها، لما روي أن رسول الله وس الفر قال:
((جاءني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، مر
(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٤٩٦/١ ط دار إحياء التراث
العربي
(٢) سورة الأعراف / ٥٥
(٣) سورة مريم/ ٣
(٤) حديث ((خير الذكر الخفي ... )) أخرجه أحمد وأبو يعلى من
حديث سعد بن مالك مرفوعا، وأخرجه ابن حبان من حديث
سعد بن أبي وقاص مرفوعا، وفي كلا الإِسنادين محمد بن
عبدالرحمن بن أبي لبيبة، قال الهيثمي: وثقه ابن حبان، وضعفه
ابن معين، وبقية رجالهما رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٨١
نشر مكتبة القدسي، وموارد الظمآن ص ٥٧٧ ط دار الكتب
العلمية، وفيض القدير ٤٧٢/٣ نشر المكتبة التجارية الکبری،
وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٠١ ط دار صادر).
أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من
شعار الحج))(١) وقال: ((أفضل الحج العج والثج))(٢)
فالعج: رفعه الصوت بالتلبية، والثج: إسالة دماء
الهدي. (٣)
هذا، وإن لبعض الأذكار صفة خاصة من الجهر
أو الإِسرار، كالتلبية، والإقامة، وأذكار ما بعد
(١) حديث (( جاءني جبريل عليه السلام)) أخرجه الترمذي وأبو داود
والنسائي وابن ماجة واللفظ له، والحاكم من حديث زيد بن
خالد الجهني رضي الله عنه مرفوعا، وقال الترمذي: حديث حسن
صحیح، (سنن الترمذي ١٩١/٣ -١٩٢ ط استانبول، وسنن
ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٢/ ٩٧٥ ط عيسى الحلبي
١٣٧٣ هـ، وجامع الأصول ٩٣/٣ نشر مكتبة الحلواني، ونيل
الأوطار ٣٢٢/٤ ط العثمانية بمصر ١٣٥٧هـ).
(٢) حديث ((أفضل الحج العج والثج)) أخرجه الترمذي وابن ماجة
والحاكم من حديث أبي بكر الصديق مرفوعا، ولفظ الترمذي:
أن رسول الله # سئل أي الحج أفضل؟ قال: ((العج والثج))
والحديث استغربه الترمذي، وحکی الدارقطني الاختلاف فيه،
وصححه الحاكم، وأقره الذهبي، وأشار الترمذي إلى نحوه من
حديث ابن عمر وجابر، قال المنذري: حديث ابن عمر رواه
ابن ماجة بإسناد حسن. (تحفة الأحوذي ٣ / ٥٦٣ - ٥٦٥ ط
السلفية، وسنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
٩٦٧/٢، ٩٧٥ ط عيسى الحلبي، والمستدرك ١/ ٤٥٠، ٤٥١
نشر دار الكتاب العربي، ونيل الأوطار ٥/ ٥٤ ط دار الجيل،
والترغيب والترهيب ٢٣/٣ ط مطبعة السعادة ١٣٨٠هـ، وشرح
السنة للبغوي تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي ٧/ ١٤ نشر المكتب
الإسلامي ١٣٩٤هـ).
(٣) رد المحتار على الدر المختار والتعليق بحاشية ابن عابدين
٤٤٤/١، ١٧٥/٢ ط دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير
٣٩٣/١، ٣٥١/٢ ط دار إحياء التراث العربي، ومراقي الفلاح
ص ١٧٤ ط دار الإِيمان، وقليوبي وعميرة ٩٩/٢، ١٠٧ (تحت
تنبيه)، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢/ ٤١٢، ٤١٧،
٤٣٩، ٤٥٨، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢١٣/١ ط دار
المعرفة، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١/ ٣٣٧، ٣٣٩ - ٣٤٠
ط أنصار السنة المحمدية ١٩٤٧
- ١٧٥ -

إسرار ٢١ - ٢٢ ، إسراف ١
الصلاة، والتسمية على الذبيحة، والأذكار من
المرأة، وتنظر في مواضعها الخاصة.
الإسرار باليمين :
٢١ - الإِسرار بالیمین - إذا أسمع نفسه - کالجهر
بها .
والإِسرار بالاستثناء كالإِسرار باليمين متى
توافرت عناصره، وكان الاستثناء متصلا بالمستثنى
منه، إلا لعارض كسعال أو عطاس أو انقطاع
نفس.(١)
وتفصيل ذلك يرجع إليه في (استثناء)
و(أيمان).
الإسرار بالطلاق :
٢٢ - الإِسرار في الطلاق بإسماع نفسه کالجهر به،
فمتی طلق امرأته إسرارا بلفظ الطلاق، صريحا كان
أو كناية مستوفية شرائطها على الوجه المذكور، فإن
طلاقه يقع، وتترتب عليه آثاره، ومتى لم تتوافر
شرائطه فإن الطلاق لا يقع، كما لو أجراه على قلبه
دون أن يتلفظ به إسماعا لنفسه أو بحركة لسانه.
هذا ، وقد قال المالكية في لزومه بكلامه
النفسي، كأن يقول بقلبه أنت طالق: إن فيه
(١) فتح القدير ٣٧٦/٤ ط دار إحياء التراث العربي، والمهذب في
فقه الإمام الشافعي ١٣٢/٢، والشرح الكبير ١٢٩/٢ - ١٣٠،
وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢٣٧/٦ - ٢٣٨ ط النصر
الحديثة.
خلافا، والمعتمد عندهم عدم اللزوم. (١) والكلام
في الاستثناء في الطلاق كالكلام في الطلاق.
إسراف
التعريف :
١ - من معاني الإسراف في اللغة: مجاوزة القصد،
يقال: أسرف في ماله أي أنفق من غير اعتدال،
ووضع المال في غير موضعه. وأسرف في الكلام،
وفي القتل: أفرط. وأما السرف الذي نهى الله
تعالى عنه فهو ما أنفق في غير طاعة الله، قليلا
كان أو كثيرا. (٢)
أما في الاصطلاح الشرعي، فقد ذكر القليوبي
للإسراف المعنى اللغوي نفسه، وهو: مجاوزة
الحد.
وخص بعضهم استعمال الإِسراف بالنفقة
والأكل. يقول الجرجاني في التعريفات: الإسراف
تجاوز الحد في النفقة .
وقيل: أن يأكل الرجل ما لا يحل له، أويأكل
ما يحل له فوق الاعتدال ومقدار الحاجة.
(١) فتح القدير ٢٨٨/١ - ٢٨٩، ومراقي الفلاح ص ١١٩، وشرح
روض الطالب من أسنى المطالب ١٥٦/١ ط المكتبة الإسلامية،
والفواكه الدواني ٢٣١/١ ط دار المعرفة، والشرح الكبير
٣٨٥/٢، وتهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية
بهامش الفروق للقرافي ٤٩/١ - ٥٠ المسألة الخامسة ط دار
المعرفة، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ١/ ١٩٩، وكشاف
القناع عن متن الإقناع ٣٣٢/١ ط النصر الحديثة.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (سرف).
- ١٧٦ -

إسراف ٢ - ٤
وقيل : الإسراف تجاوز الكمية، فهو جهل
بمقادير الحقوق. (١)
والسرف : مجاوزة الحد بفعل الكبائر، ومنه قوله
تعالى: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا). (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - التقتير :
٢ - وهو يقابل الإِسراف، ومعناه: التقصير، قال الله
تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا،
وكان بين ذلك قواما)(٣)
ب - التبذير :
٣ - التبذير: هو تفريق المال في غير قصد، ومنه
البذر في الزراعة .
وقيل: هو إفساد المال وإنفاقه في السرف. قال
تعالى: (ولا تبذر تبذيرا)(٤) وخصه بعضهم بإنفاق
المال في المعاصي، وتفريقه في غير حق.
ويعرفه بعض الفقهاء بأنه : عدم إحسان
التصرف في المال، وصرفه فيما لا ينبغي، فصرف
المال إلى وجوه البر ليس بتبذير، وصرفه في الأطعمة
النفيسة التي لا تليق بحاله تبذير. (٥)
وعلى هذا فالتبذير أخص من الإِسراف، لأن
(١) القليوبي ٢٤٨/٣، وابن عابدين ٤٨٤/٥، والتعريفات
للجرجاني.
(٢) سورة آل عمران/ ١٤٧
(٣) سورة الفرقان / ٦٧
(٤) سورة الإسراء / ٢٦
(٥) الوجيز للغزالي ١٧٦/١، والشرح الصغير ٣٨١/٣،
وابن عابدين ٤٨٤/٥، والنظم المستعذب على المهذب ٨/١،
وتفسير الكشاف ٦/٣، وتفسير فخر الرازي ١٩٣/٢٠
التبذير يستعمل في إنفاق المال في السرف أو
المعاصي أو في غير حق، والإِسراف أعم من ذلك،
لأنه مجاوز الحد، سواء أكان في الأموال أم في
غيرها، كما يستعمل الإسراف في الإِفراط في
الكلام أو القتل وغيرهما.
وقد فرق ابن عابدين بين الإسراف والتبذير من
جهة أخرى، فقال: التبذير يستعمل في المشهور
بمعنی الإِسراف، والتحقيق أن بينهما فرقا، وهو أن
الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي زائدا على
ما ينبغي، والتبذير: صرف الشيء فيما لا
ينبغي. (١) ومثله ما جاء في نهاية المحتاج نقلا عن
الماوردي، التبذير: الجهل بمواقع الحقوق،
والسرف: الجهل بمقادير الحقوق. (٢)
ج - السفه :
٤ - السفه في اللغة : خفة العقل والطيش والحركة.
وفي الشريعة: تضييع المال وإتلافه على خلاف
مقتضى الشرع والعقل.
وقد عرفه بعضهم بالتبذير والإسراف في النفقة،
فقد جاء في بلغة السالك: أن السفه هو التبذير،
وورد في أسنى المطالب أن السفيه هو: المبذر، (٣)
والأصل أن السفه سبب التبذير والإسراف، وهما
أثران للسفه، كما يتبين مما قاله الجرجاني في
(١) ابن عابدين ٤٨٤/٥، والتعريفات للجرجاني.
(٢) نهاية المحتاج ٤/ ٣٥٠ - ٣٥١
(٣) المصباح المنير، وابن عابدين ٩٢/٥، ودستور العلماء ٢/ ١١،
والنظم المستعذب على المهذب ٣٣٨/١، والشرح الصغير
٣٩٣/٣، والفتاوى الهندية ٣٦٦/٥ - ٣٣٧، وأسنى المطالب
٢٠٥/٢، والقليوبي ٣٠٠/٢
- ١٧٧ -

إسراف ٥ - ٦
التعريفات: السفه خفة تعرض للإِنسان من الفرح
والغضب، فيحمله على العمل بخلاف طور
العقل ومقتضى الشرع.
وجاء في دستور العلماء ما يؤيد ذلك، حیث
قال: ومن عادة السفيه التبذير والإسراف في
النفقة. ويؤيد هذه التفرقة المعنى اللغوي للسفه
من أنه: خفة العقل.
وعلى ذلك فالعلاقة بين السفه والإِسراف
علاقة السبب والمسبب. (١)
حكم الإِسراف :
٥ - يختلف حكم الإِسراف بحسب متعلقه، كما
تبين في تعريف الإسراف، فذهب بعض الفقهاء
إلى أن صرف المال الكثير في أمور البر والخير
والإِحسان لا يعتبر إسرافا، فلا يكون ممنوعا. أما
صرفه في المعاصي والترف وفيها لا ينبغي فيعتبر
إسرافا منہیا عنه، ولو کان المال قليلا .
وقد نقل عن مجاهد أنه قال: لو كان جبل
أبي قبيس ذهبا لرجل، فأنفقه في طاعة الله لم یکن
مسرفا، ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان
مسرفا، (٢) ويرى بعض الفقهاء أن الإِسراف كما
يكون في الشر، يكون في الخير، كمن تصدق
بجمیع ماله، واستدل لذلك بقوله تعالى : (وآتوا
حقه يوم حصاده ولا تسرفوا)(٣) أي لا تعطوا
(١) المراجع السابقة .
(٢) تفسير القرطبي ٧/ ١١٠، وفيه أن القول المشهور ((لا سرف في
الخير، جوابا عمن قال: لا خير في السرف)» وهو من قول حاتم
الطائي، وهو قد تردد في كلام الفقهاء كما في شرح الروض
٢٠٧/٢، وتفسير الرازي ١٩٣/٢٠
(٣) سورة الأنعام/ ١٤١
أموالکم کلها فتقعدوا فقراء، وروي أن ثابت بن
قيس بن شماس أنفق جذاذ خمسمائة نخلة، ولم يترك
لأهله شيئا، فنزلت الآية السابقة . (١)
وقيل : إنها نزلت في معاذ بن جبل بفعله مثل
ذلك.
كذلك يختلف حكم الإِسراف إذا كان في
العبادات عما إذا كان في المحظورات أو المباحات،
أو في استعمال الحق والعقوبات، وسيأتي تفصيل
هذه الأنواع .
الإسراف في الطاعات
أولا - الإسراف في العبادات البدنية :
أ - الإسراف في الوضوء :
وذلك يتحقق في حالتين :
الحالة الأولى : تكرار غسل الأعضاء :
٦ - صرح الحنفية والشافعية والحنابلة : أن تكرار
غسل الأعضاء إلى ثلاث مسنون. (٢) جاء في المغني
أن الوضوء مرة أو مرتين يجزىء، والثلاث
أفضل. (٣) والمشهور في مذهب مالك أن الغسلة
الثانية والثالثة فضيلتان . (٤)
٤
وعلى ذلك فغسل الأعضاء ثلاث مرات لا
يعتبر إسرافا، بل هوسنة أو مندوب. أما الزيادة
على الثلاث الموعبة فمكروه عند الجمهور: الحنفية
والشافعية والحنابلة، وهو الراجح في مذهب
(١) تفسير القرطبي ٧/ ١١٠، والمغني والشرح الكبير ٢/ ٧٠٦
(٢) شرح فتح القدير ١/ ٢٠، والزيلعي ٥/١، ونهاية المحتاج
١٧٣/١، وكشاف القناع ١٠٦/١
(٣) المغني ١٣٩/١
(٤) الدسوقي ١٠١/١
- ١٧٨ -
:

إسراف ٦ - ٧
المالكية، لأنها من السرف في الماء، والقول الثاني
للمالكية أنها تمنع .
والكراهة فيما إذا كان الماء مملوكا أو مباحا، أما
الماء الموقوف على من يتطهر به - ومنه ماء المدارس -
فإن الزيادة فيه على الثلاث حرام عند الجميع،
لكونها غیر مأذون بها، لأنه إنما یوقف ویساق لمن
يتوضأ الوضوء الشرعي، ولم يقصد إباحتها لغير
ذلك.(١)
واستدلوا على كراهية الزيادة على الثلاث
بحدیث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن
رجلا أتاه و ﴿ فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟
فدعا بماء في إناء فغسل کفیه ثلاثا، ثم غسل وجهه
ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه،
وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإِبهاميه
على ظاهر أذنيه، وبالسباحتین باطن أذنيه، ثم
غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء،
فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم)) أو
((ظلم وأساء)).(٢)
(١) نهاية المحتاج ١٧٣/١، وابن عابدين ٩٠/١، والدسوقي
١٠١/١ وما بعدها، والمغني ١٣٩/١ وما بعدها.
(٢) حديث: ((أن رجلا أتاه* فقال: يارسول الله كيف
الطهور؟ ... )). أخرجه أبو داود واللفظ له والنسائي
وابن خزيمة وابن ماجة مختصرا من حديث عبدالله بن عمرو بن
العاص. قال الحافظ ابن حجر: له طرق صحیحة عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده مطولا ومختصرا. قال المنذري:
وعمرو بن شعيب ترك الاحتجاج بحديثه جماعة من الأئمة،
ووثقه بعضهم. قال عبد القادر الأرناؤوط: وإسناده حسن
(عون المعبود ١/ ٥١، ٥٢ ط الهند، وسنن النسائي ٨٨/١ ط
المطبعة المصرية بالأزهر ١٣٤٨ هـ، وسنن ابن ماجة بتحقيق محمد
فؤاد عبد الباقي ١/ ١٤٦ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢هـ، وجامع
الأصول ١٦١/٧ نشر مكتبة الحلواني، والتلخيص الحبير
٨٣/١)
وقد ذکر بعض الفقهاء أن الوعيد في الحدیث لمن
زاد أو نقص مع عدم اعتقاد الثلاث سنة، أما إذا
زاد - مع اعتقاد سنية الثلاث - لطمأنينة القلب عند
الشك، أوبنية وضوء آخر فلا بأس به، فإِن الوضوء
على الوضوء نور على نور، وقد أمر بترك ما يريبه
إلى ما لا يريبه، ولهذا جاء في ابن عابدين نقلا عن
البدائع: إذا زاد أو نقص، واعتقد أن الثلاث
سنة، لا يلحقه الوعيد. ثم بين أن المنفي في
هذه الحال إنما هو الكراهة التحريمية، فتبقى
الكراهة التنزيهية . (١)
وقيد الشافعية، وبعض الحنفية، أفضلية
الوضوء على الوضوء بألّ یکون في مجلس واحد، أو
كان قد صلى بالوضوء الأول صلاة، وإلا يكره
التكرار ويعتبر إسرافا، وقال القليوبي : الوجه
الحرمة. أما لوكرره ثالثا أورابعا بغير أن تتخلله
صلاة فيعتبر إسرافا محضا عند الجميع. (٢)
الحالة الثانية - استعمال الماء أكثر مما يكفيه :
٧ - اتفق الفقهاء على أن ما يجزىء في الوضوء
والغسل غير مقدر بمقدار معين، (٣) ونقل
ابن عابدين الإجماع على ذلك وقال : إن ما ورد في
الحديث : أن النبي {﴾ («کان یتوضأ بالمد ويغتسل
بالصاع»(٤) لیس بتقدیر لازم، بل هوبیان أدنی
(١) فتح القدير والعناية عليه ٢٧/١، ونهاية المحتاج ١٧٤/١،
والمغني ١/ ١٤١، وابن عابدين ١/ ٩٠ - ١٠٧
(٢) ابن عابدين ١٠٧/١، والقليوبي ٥٣/١
(٣) المد : رطل وثلث عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: هو رطلان.
انظر المغني ٢٢٣/١، وابن عابدين ١٠٧/١
(٤) حديث: ((أن النبي # كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع)).
أخرجه مسلم والترمذي واللفظ له من حديث سفينة، كما أخرجه
مسلم من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ ((كان النبي # يتوضأ=
- ١٧٩ -

i
إسراف ٧ - ٨
القدر المسنون، حتى ان من أسبغ بدون ذلك
أجزأه، وإن لم يكفه زاد عليه، لأن طباع الناس
وأحوالهم مختلفة .
واتفقوا كذلك على أن الإسراف في استعمال
الماء مكروه، ولهذا صرح الحنابلة بأنه يجزىء المد
وما دون ذلك في الوضوء، وإن توضأ بأكثر من ذلك
جاز، إلا أنه يكره الإِسراف. (١) ومع ذلك قال
الشافعية: يسن أن لا ينقص ماء الوضوء فيمن
اعتدل جسمه عن مد تقريبا، لأنه وَّ ة ((كان يُوضئه
المد))(٢) ولا حد لماء الوضوء، لكنه يشترط
الإِسباغ. (٣)
وقال المالكية : من مستحبات الوضوء تقليل
الماء من غیر تحدید في ذلك، وأُنکر مالك قول من
قال: حتى يقطر الماء أو يسيل، يعني أنكر السيلان
عن العضولا السیلان علی العضو، إذ لا بد منه،
وإلا فهومع عدم السیلان مسح بلاشك، وإنما
يراعى القدر الكافي في حق كل واحد، فما زاد على
قدر مايكفيه فهويدعة وإسراف، وإن اقتصر على
قدر ما يكفيه فقد أدى السنة، فالمستحب لمن يقدر
على الإِسباغ بقليل أن يقلل الماء، ولا يستعمل
زيادة على الإِسباغ، (١) أي في كل مرة.
ومعيار الإِسراف عند الحنفية هو أن يستعمل
الماء فوق الحاجة الشرعية، وذكر أكثر الأحناف أن
ترك التقتیر-بأن یقترب إلی حد الدهن، ویکون
التقاطر غير ظاهر- وترك الإِسراف-بأن يزيد على
الحاجة الشرعية - سنة مؤكدة، وعلى هذا فيكون
الإسراف في استعمال الماء في الوضوء مكروها
تحریما، کما صرح به صاحب الدر، لكن رجح
ابن عابدین کونه مکروها تنزيها. (٢)
واستدل الفقهاء على كراهة الإِسراف في الماء
بحديث عبدالله بن عمرو أن رسول الله وي ژه مر
بسعد وهو يتوضأ، فقال: ما هذا السِّرَف؟ فقال:
أفي الوضوء إسراف؟ فقال: نعم، وإن کنت علی
نهر جار))(٣)
وهذا كله في غیر الموسوس، أما الموسوس فيغتفر
في حقه لما ابتلي به . (٤)
ب - الإسراف في الغسل :
٨ - من سنن الغسل التثليث، بأن يفيض الماء على
كل بدنه ثلاثا مستوعبا، والزائد على ذلك يعتبر
إسرافا مكروها، ولا يقدر الماء الذي يجزىء الغسل
= بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)) (صحيح مسلم بتحقيق
محمد فؤاد عبدالباقي ٢٥٨/١ ط عيسى الحلبي، وتحفة الأحوذي
١٨٣/١ ط السلفية).
(١) المغني ٢٢٢/١ - ٢٢٥، وابن عابدين ١٠٧/١
(٢) حديث: (أن النبي# كان يوضئه المد)». أخرجه مسلم من
حديث سفينة مرفوعا بلفظ: ((كان رسول الله # يغسله الصاع
من الماء من الجنابة، ويَوَضِّتُهُ المد)) (صحيح مسلم بتحقيق محمد
فؤاد عبدالباقي ٢٥٨/١ ط عيسى الحلبي ١٣٧٤هـ).
(٣) نهاية المحتاج ٢١٢/١
(١) مواهب الجليل ٢٥٦/١ - ٢٥٨
(٢) ابن عابدين ٨٩/١ - ٩٠
(٣) حديث: ((أن رسول الله﴿ل مرّ بسعد وهو يتوضأ ... )) أخرجه
ابن ماجة من حديث عبدالله بن عمر . . وقال الحافظ البوصيري
في الزوائد: إسناده ضعيف، لضعف حيي بن عبدالله وابن لهيعة
(سنن ابن ماجة بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ١/ ١٤٧ ط عيسى
الحلبي ١٣٧٢ هـ)
(٤) المغني ٢٢٢/١ - ٢٢٥، والمبسوط ٤٥/١، ونهاية المحتاج
٢١٢/١، ومواهب الجليل ٢٥٨/١
- ١٨٠ -