Indexed OCR Text

Pages 61-80

استقبال ١ - ٥
استقبال
التعريف :
١ - الاستقبال في اللغة : مصدر استقبل الشيء إذا
واجهه، والسين والتاء فيه ليستا للطلب، فاستفعل
هنا بمعنى فعل، كاستمر واستقر ومثله
المقابلة . (١)
ويقابله بهذا المعنى الاستدبار .
ويرد الاستقبال في اللغة أيضا بمعنى :
الاستئناف، يقال اقتبل الأمر واستقبله: إذا
استأنفه. (٢)
وقد استعمله الفقهاء بهذين الإطلاقين
فيقولون: استقبال القبلة أي مقابلتها ويقولون :
استقبل حول الزكاة أي: ابتدأه واستأنفه. (٣)
وزاد الشافعية إطلاقه على طلب القبول الذي
يقابل الإِيجاب في العقود، فقالوا: يصح البيع
بالاستقبال، ومثلوا له بنحو : اشتر مني، فإنه
استقبال قائم مقام الإِيجاب، ومثل البيع الرهن،
فیصح بنحو: ارتهن داري بكذا. (٤)
(١) المصباح واللسان (قبل)، والبحر الرائق ٢٩٩/١ ط المطبعة
العلمية، ورد المحتار ٢٨٦/١ ط أولى.
(٢) الأساس للزمخشري (قبل) .
(٣) منح الجليل ٣٤٨/١ ط بولاق.
(٤) البجيرمي على المنهج ٢/ ١٦٧ ط التجارية، والشرواني ٥/ ٥١
ط اليمنية.
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الاستئناف :
٢ - الاستئناف: ابتداء الأمر، (١) وعليه فهو مرادف
للاستقبال في أحد إطلاقاته.
ب - المسامته :
٣ - المسامتة بمعنى: المقابلة والموازاة، وهي مرادفة
للاستقبال عند الذين فسروا الاستقبال بمعنى
التوجه إلى الشيء بعينه بلا انحراف يمنة ولا
يسرة. وأما الذين لم يشترطوا في الاستقبال هذا
الشرط كالمالكية فإنهم فرقوا بينهما، فخصوا المسامتة
باستقبال عين الشيء تماما بجمیع البدن، وجعلوا
الاستقبال أعم من ذلك، لصدقه بخروج شيء
من البدن عن محاذاة العين. (٢)
ج - المحاذاة :
٤ - المحاذاة بمعنى: الموازاة. (٣) وما قيل في المسامتة
يقال هنا أيضا.
د - الالتفات :
٥ - الالتفات صرف الوجه ذات الیمین أو الشمال.
وقد يراد به الانحراف بالوجه والصدر أيضا كما ورد
في مسند الإمام أحمد: ((فجعلت تلتفت خلفها)»
ومعلوم أن التحول إلى خلف لا يكون إلا بالوجه
والصدر. (٤)
(١) المصباح (انف)
(٢) المصباح (سمت)، والزرقاني على خليل ١٨٤/١ ط محمد
مصطفى .
(٣) المصباح (حذو)، والزرقاني ٣/ ١٨٥.
(٤) المصباح (لفت)، ومسند أحمد ٦/ ١١ ط الميمنية، وفتح الباري
٢/ ٢٣٤ ط السلفية.
- ٦١ -

استقبال ٦ - ٩
٦ - هذا ، والاستقبال عند الفقهاء قد یکون إلى
القبلة، وقد يكون إلى غير القبلة. واستقبال القبلة
قد یکون في الصلاة، وقد یکون في غيرها .
وسیأتي بیان هذه الأقسام واحدا بعد الآخر.
استقبال القبلة في الصلاة :
٧ - المراد بالقبلة موضع الكعبة ، لأنه لو نُقِل بناؤها
إلى موضع آخر وصلى إليه لم يجز. (١) وسميت
بذلك لأن الناس يقابلونها في صلاتهم .
وما فوق الكعبة إلى السماء یعد قبلة، وهکذا ما
تحتها مهما نزل، فلو صلى في الجبال العالية والآبار
العميقة جازما دام متوجها إليها، لأنها لوزالت
صحت الصلاة إلى موضعها، ولأن المصلى على
الجبل يعد مصليا إليها . (٢)
استقبال الحجر :
٨ - ذكر الحنفية والمالكية أنه لو استقبل المصلي
الحجر دون الكعبة لم يجزه، لأن كونه من البيت
مظنون لا مقطوع به، وهو لا يكتفى به في القبلة
احتياطا، وهذا هو الصحيح عند الشافعية .
وذهب الحنابلة واللخمي من المالكية إلى جواز
الصلاة إلى الحجر، لأنه من البيت، للحديث
الصحيح أن رسول الله بصير قال: ((الحِجْر من
(١) نهاية المحتاج ٦/ ٤٠٦ ط الحلبي، ورد المحتار ١/ ٢٩٠
(٢) البحر الرائق ٢٩٩/١، ٣٠٠، ونهاية المحتاج ٤٠٧/١، ٤١٧،
٤١٨، ورد المحتار ٢٩٠/١، وحاشية الدسوقي ٢٢٤/١،
٢٩٩، والشرح الكبير مع المغني ١ / ٤٩٠ ط الأولى، وكشاف
القناع ٢٧٤/١، والجمل على المنهج ٣١٣/١، والتاج والمصباح
(کعب).
البيت)). (١) وفي رواية: ((ست أذرع من الحجر من
البيت))(٢) ولأنه لوطاف فيه لم يصح طوافه. وهو
وجه مشهور عند الشافعية، وإن کان خلاف
الأصح في مذهبهم، وقدره الحنابلة بست أذرع
وشيء، فمن استقبل عندهم ما زاد على ذلك لم
تصح صلاته البتة. على أن هذا التقدير بالنسبة
لغیر الطواف، أما بالنسبة له فلابد من خروجه عن
جميعه احتياطا. (٣)
حكم استقبال القبلة في الصلاة :
٩ - لا خلاف في أن من شروط صحة الصلاة
استقبال القبلة، لقوله تعالى : (فول وجهك شطر
(١) حديث ((الحجر من البيت)) . أخرجه البخاري ومسلم ومالك
والترمذي والنسائي بهذا المعنى من حديث عائشة رضي الله عنها
مرفوعا، ولفظ الشيخين في إحدى الروايات عن عائشة رضي الله
عنها أنها قالت: ((سألت النبي﴿ عن الحجر أمن البيت هو؟
قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك
قصرت بهم النفقة)) وفي رواية لمسلم أن عائشة رضي الله عنها
قالت: ((سألت رسول الله يظهر عن الحجر)) وساق الحديث بمعنى
الحديث السابق. (فتح الباري ٤٣٩/٣ - ٤٤٣ ط السلفية،
وصحيح مسلم بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ٢/ ٩٧٣ ط عيسى
الحلبي ١٣٧٤ هـ، وجامع الأصول ٩/ ٢٩٤ وما بعدها نشر
مكتبة الحلواني ١٣٩٢ هـ).
(٢) حديث ((ست أذرع من الحجر .. )). أخرجه مسلم من حديث
عائشة مرفوعا بلفظ «یاعائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك،
هدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابین بابا شرقیا وبابا
غريبا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا اقتصرتها
حيث بنت الكعبة)) (صحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
٩٦٩/٢، ٩٧٠ ط عيسى الحلبي، وجامع الأصول ٩/ ٢٩٦
نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٢ هـ).
(٣) رد المحتار ٢٨٦/١ ط الأولى، ونهاية المحتاج ٤١٨/١،
وحاشية الدسوقي ١/ ٢٢٩، والمجموع للنووي ٣/ ١٩٢ ط
المنيرية، وكشاف القناع ٢٧٤/١
- ٦٢ -

استقبال ١٠
المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره)
أي جهته .(١)
ويستثنى من ذلك أحوال لا يشترط فيها
الاستقبال، كصلاة الخوف، والمصلوب،
والغريق، ونفل السفر المباح وغيرها، (٢) ونصوا
على أن نية الاستقبال ليست بشرط على الراجح،
انظر الكلام على النية في الصلاة. (٣)
ترك الاستقبال :
١٠ - ذكر الحنفية أن من مفسدات الصلاة تحويل
المصلي صدره عن القبلة بغير عذر اتفاقا، وإن
تعمد الصلاة إلى غير القبلة على سبيل الاستهزاء
يكفر، وهذا متفق مع القواعد العامة للشريعة.
وفصل الحنفية فيما إذا صلى بلا تحر فظهر أنه
أصاب القبلة أثناء الصلاة بطلت صلاته، لبناء
القوي على الضعيف، فإن ظهر ذلك بعد الصلاة
صحت صلاته، لأن ما فرض لغيره - کالاستقبال
المشروط لصحة الصلاة - يشترط حصوله لا
تحصيله، وقد حصل وليس فيه بناء القوي على
الضعيف . (٤)
وقال المالكية : إن أداه اجتهاده لجهة فخالفها
وصلی متعمدا بطلت صلاته وإن صادف القبلة،
ویعید أبدا. وأما لو صلی لغيرها ناسیا وصادف
القبلة فهل يجري فيه من الخلاف ما يجري في
(١) سورة البقرة / ١٤٤
(٢) شرح الروض ١٣٣/١، والبحر الرائق ٢٩٩/١، والمغني
٤٣١/١ ط الرياض، ومواهب الجليل ٥٠٧/١
(٣) ابن عابدين ٢٨٥/١
(٤) ابن عابدين ٢٩٢،٥٥/١
الناسي إذا أخطأ، أو يجزم بالصحة لأنه صادف
القبلة وهو الظاهر؟ .
وذكر الشافعية أنه لا يسقط استقبالها بجهل ولا
غفلة ولا إكراه ولا نسيان، فلو استدبر ناسيا لم
يضر (١) لوعاد عن قرب. (٢) ويسن عند ذلك أن
يسجد للسهولأن تعمد الاستدبار مبطل. وهذا
بخلاف ما لو أميل عنها قهرا فإنها تبطل، وإن قل
الزمن لندرة ذلك. (٣) ولو دخل في الصلاة باجتهاد
ثم ظهر الخطأ بطلت صلاته.
وأطلق الحنابلة القول بأن من مبطلات الصلاة
استدبار القبلة حيث شرط استقبالها. كما نصوا في
باب شروط الصلاة على أن هذه الشروط لا تسقط
عمدا أوسهوا أو جهلا . (٤)
هذا، ولابد من القول أن المالكية والحنابلة نصوا
على أن المصلي إذا حول وجهه وصدره عن القبلة لم
تفسد صلاته، حيث بقيت رجلاه إلى القبلة .
ونص المالكية على أنه يكره له ذلك بلا ضرورة،
وقالوا: إن هذه الكراهة في حق معاين الكعبة حيث
لم يخرج شيء من بدنه، فإن خرج منه شيء ولو
أصبعا من سمتها بطلت صلاته . (٥)
(١) عبارة حاشية الجمل (المطبوعة)): مطبوع حاشية الجمل: (( لم
يصح )) وهو تحريف عما أثبت. ر: القليوبي ١٣٢/١ ط الحلبي.
(٢) الجمل ٣١٢/١
(٣) نهاية المحتاج ٤١٨/١، ٤٢٨، وانظر حكم استقبال النساء
لجماعة العراة (شرح الروض ١٧٧/١ شروط الصلاة - ستر
العورة).
(٤) مطالب أولي النهى ٥٣٦/١
(٥) الزرقاني ١/ ٢١٩، ومواهب الجليل ٥٠٨/١ وكشاف القناع
٣٦٩/١ ط الرياض.
- ٦٣ -
!

استقبال ١١ - ١٢
ما يتحقق به استقبال القبلة في الصلاة:
١١ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يشترط في
استقبال القبلة في الصلاة أن يكون بالصدرلا
بالوجه، خلافا لما قد یتوهم من ظاهر قوله تعالی :
(فول وجهك شطر المسجد الحرام) لأن المراد بالوجه
هنا الذات، والمراد من الذات بعضها وهو الصدر
فهو مجاز مبني على مجاز. (١) ونص الشافعية على
أنه لا يشترط الاستقبال بالقدمين.
أما الاستقبال بالوجه فهو سنة، وتركه مكروه
عند الأئمة الأربعة .
وهذا في حق القائم والقاعد. أما الذي يصلي
مستلقيا أو مضطجعا لعجزه فيجب عليهما
الاستقبال بالوجه، على تفصيل يذكر في صلاة
المريض. (٢)
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا يشترط في
الاستقبال التوجه بالصدر أيضا، وإنما الذي لابد
منه فهو التوجه بالرجلین.
على أن الفقهاء تعرضوا لأعضاء أخرى يستقبل
بها المصلي القبلة في مناسبات كثيرة في کتاب
الصلاة، نكتفي بالإِشارة إلى بعضها دون تفصيل
لكونها بتلك المواطن ألصق، ولسياق الفقهاء أنسب
من جهة، وتفاديا للتكرار من جهة أخرى. ومن
ذلك:
استحباب الاستقبال ببطون أصابع الیدین في
(١) ابن عابدين ٤٣٢/١، ونهاية المحتاج ٤٠٦/١، والجمل على
المنهج ٣١٢/١
(٢) نهاية المحتاج ٤٠٦/١، والجمل على المنهج ٣١٢/١، وشرح
السروض ١٤٧/١، وانظر صلاة الجالس والمستلقي. المغني
٧٨٣/١، وكشاف القناع ١/ ٣٧٠
تكبيرة الإحرام وباليدين وبأصابع الرجلين في
السجود، وبأصابع يسراه في التشهد. وذلك حین
الكلام على ((صفة الصلاة)). (١) فمن أرادها
بالتفصيل فليرجع إلى مواطنها هناك.
استقبال المكي للقبلة :
استقبال المكي المعاين :
١٢ - لا خلاف بين المذاهب الأربعة في أن من كان
يعاين الكعبة فعليه إصابة عينها في الصلاة، أي
مقابلة ذات بناء الكعبة يقينا، ولا يكفي الاجتهاد
ولا استقبال جهتها، لأن القدرة على اليقين والعين
تمتع من الاجتهاد والجهة المعرضين للخطأ. وأيضا
فإن من انحرف عن مقابلة شيء فهو ليس متوجها
نحوه . (٢)
وذكر المالكية والشافعية وابن عقيل من الحنابلة -
وأقروه - أن المصلي في مكة وما في حكمها ممن تمكنه
المسامتة لو استقبل طرفا من الكعبة ببعض بدنه
وخرج باقية - لوعضوا واحدا - عن استقبالها لم
تصح صلاته. وفي قول عند الشافعية والحنابلة
يكفي التوجه ببعض بدنه . (٣)
(١) كشاف القناع ٣٠٧/١، ٣٢٣، ٣٥٦، ٣٦٠ ط الرياض،
والزرقاني ٢١٣/١، وشرح الروض ١٦٢/١
(٢) رد المحتار ٢٨٧/١، والدسوقي ٢٢٣/١، ونهاية المحتاج
٤٠٨/١، والشرح الكبير مع المغني ٤٨٩/١، والطحطاوي على
مراقي الفلاح ص ١١٥
(٣) نهاية المحتاج ٤١٧/١، ٤١٨، والدسوقي ٢٢٣/١، والشرح
الكبير مع المغني ٤٨٩/١، والفروع ٢٧٨/١، والمجموع
١٩٢/١ ط الأولى.
- ٦٤ -

استقبال ١٣ - ١٥
صلاة الجماعة قرب الكعبة :
١٣ - ذكر الحنفية والمالكية والشافعية - وهوما
يستفاد من کلام الحنابلة - أنه إن امتد صف طويل
بقرب الكعبة وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت
صلاته، لعدم استقبالهم لها، بخلاف البعد عنها،
فيصلون في حالة القرب دائرة أو قوسا إن قصروا
عن الدائرة، لأن الصلاة بمكة تؤدی هكذا من
لدن رسول الله ﴿ إلى يومنا هذا. (١)
استقبال المكي غير المعاين :
١٤ - ذهب الحنفية إلى أن من بينه وبين الكعبة
حائل فهو كالغائب على الأصح، فيكفيه استقبال
الجهة، وسيأتي تفصيل مذهبهم في إصابة الجهة في
((استقبال البعيد عن مكة)). وذهب المالكية
والحنابلة إلى أن من لم يصل بالمسجد من أهل مكة
ومن ألحق بهم عليه إصابة العين، وهو قول ضعيف
عند الحنفية . (٢)
وتفصيل مذهب الحنابلة أنهم أوجبوا إصابة
العین یقینا علی من کان من أهل مكة أو ناشئا بها
من وراء حائل مُحْدَث كالحيطان.
وأما من لم يكن من أهلها وهو غائب عن الكعبة
ففرضه الخبر، كما إذا وجد مخبرا يخبره عن يقين، أو
كان غريبا نزل بمكة فأخبره أهل الدار بها. (٣)
(١) رد المحتار ٢٨٨/١، ٦١٣، والدسوقي ٢٢٣/١، ونهاية
المحتاج ٤١٨/١
(٢) قال الرافعي في تقريره على ابن عابدين ٥٢/١: ((ليس في عبارته
(يعني عبارة الفتح) دلالة على أنه لا يصار إلى الجهة مع إمكان
التعيين. واستقبال الجهة فيه إصابة جزء من العين كما يأتي عن
المعراج، والتصحيح الصريح أقوى)).
(٣) رد المحتار ٢٨٧/١، والدسوقي ٢٢٣/١، والمغني ٤٥٦/١
وعند الشافعیة يجب على من نشأ بمكة وهو
غائب عن الكعبة إصابة العین إن تیقن إصابتها،
وإلا جازله الاجتهاد لما في تكليفه المعاينة من المشقة
إذا لم يجد ثقة يخبره عن علم. (١)
١٥ - الاستقبال عند صلاة الفريضة في الكعبة :
ذهب جمهور العلماء إلى صحة صلاة الفريضة
داخل الكعبة. منهم الحنفية، والشافعية،
والثوري، لحديث بلال أن النبي ﴿ ((صلى في
الكعبة)). (٢) قال الحنفية: ولأن الواجب استقبال
جزء منها غير معين، وإنما يتعين الجزء قبلة بالشروع
في الصلاة والتوجه إليه. ومتى صار قبلة فاستدبار
غيره لا يكون مفسدا. وعلى هذا ينبغي أنه لو
صلی رکعة إلى جهة أخرى لم يصح، لأنه صار
مستدبرا الجهة التي صارت قبلة في حقه بيقين بلا
ضرورة.
ومذهب المالكية والحنابلة لا تصلى الفريضة
والوتر في الكعبة، لأنها من المواطن السبع التي نهى
عنها رسول الله وَي كما سيأتي قريبا، ولما في ذلك
من الإِخلال بالتعظيم، ولقوله تعالى: (وحيثما
كنتم فولوا وجوهكم شطره)(٣) قالوا: والشطر:
الجهة. ومن صلى فيها أو على سطحها فهو غير
مستقبل لجهتها، ولأنه قد يكون مستدبرا من الكعبة
مالوا استقبله منها وهو في خارجها صحت صلاته،
(١) نهاية المحتاج ١/ ٤٢٠
(٢) حديث بلال: ((أن النبي - صلى في الكعبة)). أخرجه
البخاري (٥٠٠/١ - الفتح ط السلفية) ومسلم (٢ /٩٦٧ ط
الحلبي).
(٣) سورة البقرة / ١٤٤
- ٦٥ -

استقبال ١٦ - ١٨
ولأن النهي عن الصلاة على ظهرها قد ورد صريحا
في حديث عبدالله بن عمر أن النبي ﴿ ﴿ قال:
((سبع مواطن لا تجوز فيها الصلاة: ظهر بيت الله
والمقبرة ... الخ(١))، وفيه تنبيه على النهي عن
الصلاة فيها لأنها سواء في المعنى. وتوجه المصلى في
داخلها إلى الجدار لا أثر له، إذ المقصود البقعة،
بدليل أنه يصلي للبقعة حیث لا جدار. وإنما جاز
على أبي قبيس مع أنه أعلى من بنائها لأن المصلي
عليه مصل لها، وأما المصلي على ظهرها فهو فيها .
وهناك قول للمالكية بجواز الصلاة في الكعبة مع
الكراهة . (٢)
الاستقبال عند صلاة الفريضة فوق الكعبة :
١٦ - وأما صلاة الفريضة على ظهر الكعبة فقد
أجازها الحنفية والشافعية، لكن مع الكراهة
عندهم. وذهب المالكية والحنابلة إلى عدم جواز
الفرض والوتر عليها لما تقدم في المسألة السابقة .
صلاة النافلة في الكعبة وعليها :
١٧ - ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز صلاة النفل
المطلق داخل الكعبة، لأن النبي ◌َّله صلى فيها،
وللأدلة السابقة على صحة صلاة الفريضة، وأما
السنن الرواتب فذهب جمهور الفقهاء إلى جوازها
(١) حديث: ((سبع مواطن ... )) أخرجه ابن ماجة (٢٤٦/١
ط الحلبي)، ونقل المناوي تضعيفه عن الذهبي في الفيض
(٨٨/٤ ط المكتبة التجارية).
(١) رد المحتار ٦١٢/١، والدسوقي ٢٢٩/١، والمجموع للنووي
١٩٤/١، ونهاية المحتاج ١/ ٤١٧ فما بعدها، ٢/ ٦١، وكشاف
القناع ١/ ٢٧٠، ٢٧٤
في الكعبة كذلك. وللمالكية ثلاثة أقوال: الحرمة
بأدلتهم على منع الفريضة، والجواز قياسا على
النفل المطلق، والثالث الكراهة وهو الراجح.
وذهب أصبغ من المالكية ومحمد بن جرير وابن
عباس رضي الله عنهما فيما حكي عنه إلى أنه لا
تصح صلاة النافلة فيها .
أما صلاة النافلة على ظهرها فتجوز عند
الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وفي قول للمالكية
بناء على أنه يكفي استقبال الهواء أو استقبال قطعة
من البناء ولو من حائط السطح.
هذا ، وقد نص الشافعية على جوازها مع
الكراهة لبعده عن الأدب كما تقدم في الفريضة .
هذا، وما ورد في شأن الصلاة في الكعبة يرد في
الحِجْر (الحطيم) لأنه جزء من الكعبة. (١)
١٨ - وذهب الحنفية والمالكية، إلى أن الصلاة التي
تجوز في الكعبة، تصح لأي جهة ولو لجهة بابها
مفتوحا، ولو لم يستقبل شيئا في هذه الحال، لأن
القبلة هي العرصة والهواء إلى عنان السماء،
وليست هي البناء، بدليل أنه لونقل إلى عرصة
أخرى وصلى إليه لم يجز، ولأنه لو صلى على جبل
أبي قبيس جازت بالإِجماع، مع أنه لم يصل إلى
البناء. (٢) وشرط الشافعية لجواز الصلاة في الكعبة
وعلیھا أن يستقبل جدارا منها أيا كان، أو يستقبل
الباب إن کان مفتوحا وکان له عتبة قدر ثلثي ذراع
بذراع الآدمي تقريبا على الصحيح المشهور، لأن
(١) رد المحتار ١/ ٢٩٠، ٦١٢، والدسوقي ٢٢٩/١، والمجموع
للنووي ١٩٤/١، ونهاية المحتاج ١/ ٤١٧ فا بعدها، وكشاف
القناع ٢٧٤/١
(٢) قال الرافعي في تقريره ١/ ١٢٥: لم يظهر عدم صحة الاقتداء في
صورة ما إذا قام المقتدى في داخل الكعبة أمام الإِمام، وهو في =
- ٦٦ -

استقبال ١٩ - ٢٠
هذا المقدار هو سترة المصلى فاعتبر فيه قدرها. (١)
واختار أكثر الحنابلة أن يشترط أن يكون بين
یدیه شيء منها شاخص يتصل بها، كالبناء والباب
ولو مفتوحا، فلا اعتبار بالآجر غير المبني، ولا
الخشب غير المسمور، لأنه غير متصل، لكنهم لم
يقدروا ارتفاع الشاخص. وفي رواية عن أحمد أنه
يكفي أن يكون بين يديه شيء من الكعبة إذا
سجد، وإن لم يكن شاخص، اختارها الموفق في
المغني وغيره وهي المذهب. (٢)
استقبال البعيد عن مكة :
١٩ - مذهب الحنفية، وهو الأظهر عند المالكية،
والحنابلة، وهو قول للشافعي: أنه يكفي المصلي
البعيد عن مکة استقبال جهة الكعبة باجتهاد،
وليس عليه إصابة العين، فيكفي غلبة ظنه أن
القبلة في الجهة التي أمامه، ولو لم يقدّر أنه مسامت
ومقابل لها .
وفسر الحنفية جهة الكعبة بأنها الجانب الذي إذا
توجه إليه الإِنسان یکون مسامتا للكعبة، أو هوائها
تحقيقا أو تقريبا.
واستدلوا بالآية الكريمة : (وحيثما كنتم فولوا
وجوهكم شطره)(٣) وقالوا: شطر البيت نحوه
وقبله، كما استدلوا بحديث: ((مابين المشرق
= خارجها وجهه لظهر المقتدى، إذ الجهة مختلفة، فإن الإِمام إذا
استقبل باب الكعبة مثلا يكون مستقبلا جهة الباب، والمقتدى
مستدبر لها مستقبل لما قابلها، وانظر الدسوقي ٢٢٨/١
(١) نهاية المحتاج ٤٠٦/١، والمجموع ١٩٤/٣
(٢) كشاف القناع ٢٧٤/١
(٣) سورة البقرة / ١٤٤
والمغرب قبلة))(١).
وهذا كله في غير المدينة المنورة، وما في حكمها
من الأماكن المقطوع بقبلتها، على ما سيأتي في
استقبال المحاريب إن شاء الله .
والأظهر عند الشافعية، وهو قول لابن القصار
عند المالكية، ورواية عن أحمد اختارها أبوالخطاب
من الحنابلة: أنه تلزم إصابة العين.
واستدلوا بقوله تعالى : (وحيثما كنتم فولوا
وجوهكم شطره) أي جهته، والمراد بالجهة هنا
العين، وكذا المراد بالقبلة هنا العين أيضا، لحديث
الصحيحين: ((أنه # ركع ركعتين قبل الكعبة،
وقال: هذه القبلة)) فالحصر هنا يدفع حمل الآية
على الجهة. وإطلاق الجهة على العين حقيقة
لغوية وهو المراد هنا . (٢)
استقبال أهل المدينة وما في حكمها :
٢٠ - ذهب الحنفية في الأصح، وهو قول للحنابلة
إلى أن الواجب على أهل المدينة۔ کغیرها ۔
الاجتهاد لإصابة جهة الكعبة، وهو جار مع الأصل
في أمر القبلة.
(١) رد المحتار ٢٨٧/١، والدسوقي ٢٢٤/١، والشرح الكبير مع
المغني ٤٨٩/١
وحديث (مابين المشرق ... الخ)) أخرجه الترمذي
(١٧١/٢، ١٧٣ ط الحلبي) وقواه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه
على الترمذي.
(٢) الدسوقي ١/ ٢٢٤، ونهاية المحتاج ١/ ٤٠٧، ٤١٨، والجمل
٣١٣/١ والشرح الكبير مع المغني ١/ ٤٨٩
وحديث : ((ركع ركعتين قبل الكعبة ... الخ)) أخرجه
البخاري (٥٠١/١ - الفتح ط السلفية) ومسلم (٩٦٨/٢ ط
الحلبي).
- ٦٧ -

استقبال ٢١ - ٢٣
وقال الحنفية في الراجح، والمالكية، والشافعية،
وهو قول للحنابلة (وأرادوا بالمدني من في مسجده
* أو قريبا منه): يجب على المصلي في المدينة
إصابة عين القبلة لثبوت محراب مسجد النبي رَّ
بالوحي، فهو كما لو کان مشاهدا للبيت، بل أورد
القاضي عياض في الشفاء أنه رفعت له الكعبة حين
بنى مسجده ◌َل ◌ٍ. (١)
استقبال محاريب الصحابة والتابعين :
٢١ - ذهب الجمهور إلى أن محاريب الصحابة،
کجامع دمشق، وجامع عمرو بالفسطاط، ومسجد
الكوفة والقيروان والبصرة، لا يجوز الاجتهاد معها
في إثبات الجهة، لكن لا يمنع ذلك من الانحراف
اليسير يمنة أويسرة، ولا تلحق بمحاريب النبي
وَي*، إذ لا يجوز فيها أدنى انحراف.
وكذلك محاریب المسلمین، ومحاریب جادتهم
أي معظم طريقهم وقراهم القديمة التي أنشأتها
قرون من المسلمين، أي جماعات منهم صلوا إلى
هذا المحراب ولم ينقل عن أحد منهم أنه طعن فيها،
لأنها لم تنصب إلا بحضرة جمع من أهل المعرفة
بالأدلة، فجری ذلك مجرى الخبر.
لكن قال الحنابلة: إن فرض من كان فيها إصابة
العین ببدنه بالتوجه إلى قبلته، معللین ذلك باتفاق
الصحابة عليه . (٢)
(١) رد المحتار ٢٨٧/١، والدسوقي ٢٢٤/١، والمغني مع الشرح
الكبير ١/ ٤٥٧ طبعة أولى، ونهاية المحتاج ٤٢١/١، والشرح
الكبير ٤٨٥/١
(٢) رد المحتار ٢٨٨/١، والدسوقي ٢٢٤/١، وكشاف القناع
١/ ٢٨٠، ونهاية المحتاج ١/ ٤٢٠
الإخبار عن القبلة :
٢٢ - ذهب الفقهاء إلى أنه إذا لم يكن ثمة محاريب
منصوبة في الحضر، فيسأل من يعلم بالقبلة ممن
تقبل شهادته من أهل ذلك المكان ممن يكون
بحضرته .. أما غير مقبول الشهادة، كالكافر
والفاسق والصبي فلا يعتد بإِخباره فيما هو من أمور
الديانات ما لم يغلب على الظن صدقه .
وأما إذا لم يكن من أهل ذلك المكان فلأنه يخبر
عن اجتهاد، فلا يترك اجتهاده باجتهاد غيره.
وأما إذا لم يكن بحضرته من أهل المسجد أحد
فإنه يتحرى ولا يجب عليه قرع الأبواب.
وأما في المفازة فالدليل عليها النجوم كالقطب،
وإلا فمن أهلھا العالم بها ممن لو صاح به سمعه،
والاستدلال بالنجوم في المفازة مقدم على السؤال،
والسؤال مقدم على التحري . (١)
اختلاف المخبرين :
٢٣ - صرح الشافعية عند اختلاف اثنين في الإِخبار
عن القبلة: أنه يتخیر فیأخذ بقول أحدهما، وقيل :
یتساقطان ويجتهد لنفسه، ولا پأخذ بقول أحدهما
إلا عند العجز عن الاجتهاد، وفي هذه الحالة
اضطر للأخذ بقول أحدهما، أما في غير هذه الحالة
فالمخبران اختلفا في علامة واحدة لعارض فيها وهو
موجب للتساقط. (٢)
وما صرحوا به لا تأباه قواعد المذاهب الأخرى.
(١) رد المحتار ٢٨٨/١، والبحر الرائق ٣٠٢/١، ومواهب الجليل
٥١٠/١، والقوانين الفقهية ص ٤١، وشرح المنهاج بحاشية
القليوبي ١٣٦/١، والشرح الكبير على المقنع ٤٨٦/١
(٢) نهاية المحتاج ١/ ٤٢٥
- ٦٨ -

اسقبال ٢٤ - ٢٦
أدلة القبلة :
٢٤ - سبق ما يتصل بالاستدلال على القبلة
بالمحاريب، فإن لم توجد فهناك علامات يمكن
الاعتماد عليها عند أهل الخبرة بها، منها:
أ - النجوم :
وأهمها القطب، لأنه نجم ثابت ويمكن به
معرفة الجهات الأربع، وبذلك يمكن معرفة القبلة
ولو على سبيل التقريب. وتختلف قبلة البلاد
بالنسبة إليه اختلافا كبيرا . (١)
ب - الشمس والقمر :
يمكن التعرف بمنازل الشمس والقمر على
الجهات الأربع، وذلك في أيام الاعتدالين
(الربيعي والخريفي) بالنسبة للشمس، واستكمال
البدر فيه بالنسبة للقمر. وفي غير الاعتدالين ينظر
إلى اتجاه تلك المنازل، وهو معروف لأهل الخبرة
فيرجع إليهم فيه، وفي كتب الفقه تفاصيل عن
ذلك. (٢) ويتبع ذلك الاستدلال بمطالع الشمس
والقمر ومغاربهما .
ج - الإِبرة المغناطيسية :
من الاستقراء المفيد لليقين تبين أنها تحدد جهة
الشمال تقريبا، وبذلك تعرف الجهات الأربع وتحدد
القبلة . (٣)
(١) نهاية المحتاج ٤٢٢/١، ورد المحتار ٢٨٨/١، والمغني
١/ ٤٥٩، والرهوني على الزرقاني ٣٥٣/١
(٢) المغني ١/ ٤٦٥، والشرح الكبير المطبوع مع المغني ١/ ٤٩٢
(٣) نهاية المحتاج ٤٢٣/١
ترتيب أدلة القبلة :
٢٥ - ذكر الحنفية أن الدليل على القبلة في المفاوز
والبحار النجوم كالقطب، فإن لم يمكن لوجود غيم
أو لعدم معرفته بها فعليه أن يسأل عالما بها، فإن لم
یکن من يسأله أو لم يخبره المسئول عنها فيتحری.
وذكر الشافعية أنه لو تعارضت الأدلة على القبلة
فينبغي تقديم خبر جمع بلغ عددهم حد التواتر،
الإِفادته اليقين، ثم الإِخبار عن علم برؤية
الكعبة، ثم رؤية المحاريب المعتمدة، ثم رؤية
القطب .
وأما بيت الإِبرة فقد صرح الشافعية بأن المجتهد
مخير بينها وبين الاجتهاد.
وأما الحنابلة فإنهم قالوا: إن خبر المخبر عن
يقين مقدم على الاجتهاد. (١)
تعلم أدلة القبلة :
٢٦ - تعلم العلامات التي تعرف بها القبلة مطلوب
شرعا، وقد صرح الشافعية في الأصح عندهم بأن
هذا واجب على سبيل الكفاية. وقد يصبح تعلم
هذه العلامات واجبا عينيا، كمن سافر سفرا يجهل
معه اتجاه القبلة، ويقل فيها العارفون بها، وكانت
عنده قدرة على تعلم هذه العلامات، وكل ذلك
تحقيقا لإِصابة القبلة.
وهل يجوز تعلمها من كافر؟ قواعد الشريعة لا
تمنع ذلك. لأنه لا يعتمد عليه في اتجاه القبلة، وإنما
(١) رد المحتار ٢٨٨/١، والدسوقي ٢٢٧/١، ونهاية المحتاج
٤٢٢/١ - ٤٢٤، والمغني ١/ ٤٨٠، والشرح الكبير مع المغني
٤٩٤/١
- ٦٩ -

استقبال ٢٧ -٢٨
في معرفة العلامات التي لا يختلف فيها الكافر عن
المسلم، وذلك كتعلم سائر العلوم. (١)
الاجتهاد في القبلة :
٢٧ - اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب
الاجتهاد في القبلة في الجملة . (٢)
قال الشافعية والحنابلة: إن فقد المصلي ماذكر
من الرؤية والمحاريب والمخبر وأمكنه الاجتهاد،
بأن كان بصيرا يعرف أدلة القبلة وجب عليه
الاجتهاد وإن كان جاهلا بأحكام الشرع، إذ كل
من علم أدلة شيء كان مجتهدا فيه، ولأن ماوجب
علیه اتباعه عند وجوده وجب الاستدلال عليه عند
خفائه، وذكروا أيضا أن من وجب عليه الاجتهاد
حرم عليه التقليد، لأنه يتمكن من استقبالها
بدلیله .
وقالوا: إنه إذا ضاق عليه الوقت عن الاجتهاد
صلى حسب حاله ولا يقلد، كالحاكم لا يسعه
تقليد غيره، ولكنه يعيد الصلاة. وصرح ابن
قدامة بأن شرط الاجتهاد لا يسقط بضيق الوقت
مع إمكانه. (٣)
الشك في الاجتهاد وتغيره :
٢٨ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا تغير
اجتهاد المجتهد عمل بالاجتهاد الثاني حتماً، إن
(١) نهاية المحتاج ١/ ٤٢٢ - ٤٢٧
(٢) نهاية المحتاج ١/ ٤٢٢، والشرح الكبير مع المغني ١/ ٤٩٠، ورد
المحتار ٢٨٨/١، والدسوقي ٢٢٤/١
(٣) نهاية المحتاج ٤٢٣/١، والمغني ١/ ٤٦٩، والشرح الكبير مع
المغني ١/ ٤٩٠، ٤٩٣، ٤٩٤
ترجح على الأول، وعمل بالأول إن ترجح على
الثاني. وقال الحنابلة: وإن شك في اجتهاده لم يزل
عن جهته، لأن الاجتهاد ظاهر فلا يزول عنه
بالشك. ولا يعيد ما صلى بالاجتهاد الأول،
كالحاكم لو تغير اجتهاده في الحادثة الثانية عمل فيها
بالاجتهاد الثاني، ولم ینقض حکمه الأول بغیر
خلاف، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن
المصلي بالاجتهاد في القبلة إذا تحول رأيه استدار
وبنى على ما مضى من صلاته .
ولا فرق بين تغير اجتهاده في أثناء الصلاة
وبعدها، فإن كان فيها استداروبنى على ما مضى
من صلاته، حتى إنه لو صلى أربع ركعات الأربع
جهات بالإِجتهاد جاز، لأنه مجتهد أداه اجتهاده إلى
جهة، فلم تجزله الصلاة إلى غيرها، كما لو أراد
صلاة أخرى، وليس فيه نقض لاجتهاده، لأنالم
نلزمه إعادة مامضى، وإنما نلزمه العمل به في
المستقبل.(١)
أما عند المالكية فإِن تبین من صلی بالاجتهاد
خطأ اجتهاده في الصلاة يقينا أو ظنا وهو في الصلاة
قطعها وجوبا. أما بعد إتمام الصلاة فإنه يعيدها
ندبا لا وجوبا. قياسا على القاضي إذا تبين له خطأ
الدليل قبل بت الحكم، فإنه لا يجوز له الحكم
باجتهادہ الأول، وإن حکم به نقض. أما إن شك
وهو في الصلاة فإنه يتم صلاته على اجتهاده
الأول. (٢)
(١) نهاية المحتاج ٤٢٢/١ - ٤٢٧، والشرح الكبير مع المغني
٤٩٧/١
(٢) الدسوقي ٢٢٧/١
- ٧٠ -

۔
استقبال ٢٩ - ٣١
الاختلاف في الاجتهاد في القبلة :
٢٩ - ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية،
والحنابلة إلى أنه إذا اختلف اجتهاد مجتهدين لم يتبع
أحدهما صاحبه ولا یؤمه، لأن كل واحد منهما يعتقد
«خطأ الآخر فلم يجز الائتمام .
وعند ابن قدامة أن قياس المذهب جواز ذلك.
وهو مذهب أبي ثور، ذلك أن كل واحد منهما يعتقد
صحة صلاة الآخر، وأن فرضه التوجه إلى ما توجه
إليه، فلم يمنع اختلاف الجهة الاقتداء به،
كالمصلين حول الكعبة .
ولو اتفقا في الجهة واختلفا في الانحراف يمينا أو
شمالا فالمذهب صحة الائتمام بلا خلاف لاتفاقهما
في الجهة، وهي كافية في الاستقبال.
وقال الشافعية: لو اجتهد اثنان في القبلة،
واتفق اجتهادهما، فاقتدی أحدهما بالآخر، ثم تغیر
اجتهاد واحد منهما لزمه الانحراف إلى الجهة
الثانية، وينوي المأموم المفارقة وإن اختلفا تيامنا
وتياسرا، وذلك عذر في المفارقة فلا تفوته فضيلة
الجماعة، ومحل ذلك حيث علم المأموم بانحراف
إمامه، فإِن لم يعلم به إلا بعد السلام فالأقرب
وجوب الإِعادة.
وقال الحنفية: لوسلم الإِمام فتحول رأي
مسبوق ولا حق(١) استدار المسبوق، لأنه منفرد فيما
يقضيه، واستأنف اللاحق، لأنه مقتد فيما يقضيه.
والمقتدي إذا ظهر له وراء الإِمام أن القبلة غير الجهة
التي يصلي إليها الإِمام لا يمكنه إصلاح صلاته،
(١) المسبوق من فاتته ركعة فأكثر مع الإِمام. أما اللاحق فهو من ابتدأ
صلاته مع الإِمام، ثم عرض له عارض منعه من متابعة الإِمام
حتی فاتته رکعة أو أكثر.
لأنه إن استدار خالف إمامه في الجهة قصدا وهو
مفسد، وإلا كان متما صلاته إلى ما هو غير القبلة
عنده وهو مفسد أيضا. (١)
خفاء القبلة على المجتهد :
٣٠ - خفاء القبلة على المجتهد إما أن يكون قبل
الصلاة أو في أثنائها، وإما أن يكون قبل التحري أو
بعده، وسنتناول بالبحث كلا على حدة.
خفاء القبلة قبل الصلاة والتحري :
٣١ - ذكر الحنفية، والمالكية، والحنابلة أن من عجز
عن معرفة القبلة بالاستدلال، وخفيت عليه الأدلة
لفقدها أو لغیم أو حبس أو التباس مع ظهورها،
حيث تعارضت عنده الأمارات، فإنه يتحرى
ويصلي، وتصح صلاته عندئذ، لأنه بذل وسعه في
معرفة الحق مع علمه بأدلته، أشبه الحاكم إذا
خفيت عليه النصوص، وقد روى عبدالله بن
عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع النبي { 1 في
سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى
كل رجل منا حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي
* فنزل: (فأينما تولوا فثم وجه الله)(٢)
(١) رد المحتار ٢٩١/١، والدسوقي ٢٢٦/١، ونهاية المحتاج
٤٢٩/١، والمغني ٤٧٤/١، والشرح الكبير مع المغني ٤٩٣/١،
وغنية المتملی شرح منیة المصلی ص ٢٢٥
(٢) حديث: ((كنا مع النبي ◌َّ في سفر في ليلة مظلمة ... )) أخرجه
الترمذي واللفظ له وابن ماجة من حديث ربيعة. قال الترمذي:
هذا حديث ليس إسناده بذاك - أي ليس بالقوي - لا نعرفه إلا
من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان
يضعف في الحديث. (تحفة الأحوذي ٢/ ٣٢١، ٣٢٢ نشر
السلفية ١٣٨٤ هـ وسنن ابن ماجة بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي
٣٢٦/١ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢هـ). والآية من سورة
البقرة/ ١١٥
- ٧١ -

استقبال ٣٢ - ٣٤
وعرف الحنفية التحري بأنه بذل المجهود لنيل
المقصود. وأفاد ابن عابدين بأن قبلة التحري مبنية
على مجرد شهادة القلب من غير أمارة، وعبر
المالكية بأنه يتخير جهة من الجهات الأربع يصلي
إليها صلاة واحدة، ولا إعادة لسقوط الطلب عنه،
وهذا ما رجحه ابن عابدين من الحنفية على قول
بعضهم بتكرار الصلاة إلى الجهات الأربع في حالة
التحري وعدم الركون إلى جهة.
وذهب الشافعية إلى أنه يصلي كيف كان لحرمة
الوقت، ويقضي لندرته .(١)
ترك التحري :
٣٢ - ذهب الحنفية إلى أن العاجز عن معرفة القبلة
بالأدلة لا يجوز أن يشرع في الصلاة دون أن يتحری
وإن أصاب، لتر که فرض التحري، إلا أنه لا يعيد
إن علم إصابته بعد فراغه اتفاقا عند الحنفية،
بخلاف ما إذا علم الإِصابة قبل التمام، فإِن صلاته
تبطل لأنه بنى قويا على ضعيف خلافا لأبي
یوسف .
وعند المالكية أن المجتهد الذي تخفى عليه أدلة
القبلة يتخير جهة من الجهات الأربع، ويصلي إليها
ويسقط عنه الطلب لعجزه، وقال الشافعية
والحنابلة: يعيد من صلى بلا تحرّ أو تعذر عليه
(١) رد المحتار ٢٨٩/١، ٢٩١، والبحر الرائق ٣٠٣/١، والزرقاني
١٨٩/١، والدسوقي ٢٢٥/١، ونهاية المحتاج ٤٢٢/١،
والشرح الكبير مع المغني ١/ ٤٩٣
التحري، سواء ظهر له الصواب أثناء الصلاة أو
بعدها . (١)
ظهور الصواب للمتحري :
٣٣ - ذكر الحنفية أن المتحري إن ظهر صوابه في
أثناء الصلاة فالصحيح أنها لا تفسد، وعند بقية
المذاهب لا خلاف في صحتها .
وعبارة البحر الرائق: والصحيح كما في المبسوط
والخانية أنه لا يلزمه استئناف الصلاة، لأن صلاته
كانت جائزة ما لم يظهر الخطأ، فإِذا تبين أنه أصاب
لا يتغير حاله. وقيل: تفسد، لأن افتتاح الصلاة
كان ضعيفا، وقد قوى حاله بظهور الصواب، ولا
يبنى القوى على الضعيف. (٢)
التقليد في القبلة :
٣٤ - ذكر الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة
أنه لا يقلد المجتهد مجتهدا غيره، لأن القدرة على
الاجتهاد تمنع من التقليد.
ومن علم أدلة القبلة لا يجوزله أن يقلد غيره
مطلقا، وأما غير المجتهد فعليه أن يقلد المجتهد،
لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا
تعلمون). (٣)
وإذا كان هناك أكثر من مجتهد فالمقلد له أن يختار
(١) رد المحتار ٢٩٠/١، ٢٩١، والفروع ٣٨٣/١، وكشاف القناع
٣٠٧/١، ٣١٣، ومغني المحتاج ١/ ١٤٦، والروضة ٢١٨/١،
والدسوقي ٢٢٧/١
(٢) رد المحتار ٢٩٢/١، والبحر الرائق ٣٠٥/١، والدسوقي
٢٢٧/١، ومغني المحتاج ١٤٦/١، والروضة ٢١٨/١،
وكشاف القناع ٣١٢/١
(٣) سورة النحل / ٤٣
- ٧٢ -

استقبال ٣٥ - ٣٧
أحدهم، والأولى أن يختار من يثق به أكثر من
غيره. (١)
ترك التقليد :
٣٥ - ليس لمن فرضه التقليد ووجد من يقلده أن
يستقبل بمجرد میل نفسه إلى جهة، فقد ذكر
الحنفية، والمالكية: أنه إن ترك التقليد واختار له
جهة تركن لها نفسه وصلى لها كانت صلاته
صحيحة إن لم يتبين خطأه، وزاد المالكية: فإِن تبین
الخطأ في الصلاة قطعها حیث کان کثیرا، وإن تبین
بعدها فقولان بالإِعادة أبدا أو في الوقت، كما سيأتي
في «تبين الخطأ في الصلاة)).
وذهب الشافعية والحنابلة أنه تلزمه الإِعادة
مطلقا وإن صادف القبلة . (٢)
استقبال الأعمى ومن في ظلمة للقبلة :
٣٦ - ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أن
الأعمى عليه أن يسأل عن القبلة، لأن معظم
الأدلة تتعلق بالمشاهدة .
قال الحنفية: فإن لم يجد من یسأله عنها تحری،
وكذا لوسأله عنها فلم يخبره، حتى إنه لوأخبره
بعدما صلی لا یعید.
ولو لم يسأله وتحرى: إن أصاب جاز وإلا لا .
ولو شرع في الصلاة إلى غير القبلة فسواه رجل
(١) نهاية المحتاج ٤٢٤/١، ٤٢٥، والمغني ١/ ٤٧٢، ٤٧٤،
والدسوقي ٢٢٦/١، وابن عابدين ٢٩١/١، والشرح الكبير مع
المغني ٤٩٣/١
(٢) الدسوقي ٢٢٦/١، ٢٢٧، ونهاية المحتاج ٤٢٥/١، والمغني
١/ ٤٨٩ ط ثانية، ورد المحتار ٢٩٠/١
إليها، فإن كان وجد الأعمى وقت الشروع من
يسأله عنها فلم يسأله لم تجز صلاته، وإلا بنى على
ما مضى منها، ولا يجوز لهذا الرجل الاقتداء به .
وذكر المالكية أنه لا يجوز له تقلید المجتهد بل
عليه أن يسأل عن الأدلة عدلا في الرواية ليهتدي
بها إلى القبلة. (١)
تبين الخطأ في القبلة :
٣٧ - أطلق الحنفية القول بأن المصلى الذي لم
يشك في القبلة ولم يتحر إذا ظهر له خطؤه في القبلة
وهو في الصلاة فسدت صلاته، بخلاف من خفیت
عليه القبلة فشك فيها وتحرى، ثم ظهر له خطؤه
وهو في الصلاة استدار إلى الجهة التي انتهى إليها
تحريه، أما إذا ظهر له خطؤه بعد انتهاء الصلاة فإن
صلاته صحيحة .
وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب الإِعادة على
المجنهد والمقلد إذا كانت علامات القبلة ظاهرة ثم
تبين الخطأ فيها، لأنه لا عذر لأحد في الجهل بالأدلة
الظاهرة. أما دقائق علم الهيئة وصور النجوم
الثوابت فهو معذور في الجهل بها فلا إعادة عليه. ولم
يفرق الحنابلة والشافعية في مقابل الأظهر عندهم
بین ما إذا كانت الأدلة ظاهرة فاشتبهت علیه أو
خفیت، وبین ما إذا كانت أدلة خفية، لأنه أتى بما
أمر في الحالين وعجز عن استقبال القبلة في
الموضعين فاستويا في عدم الإِعادة. أما في القول
(١) رد المحتار ٢٨٩/١، ٢٩١، والدسوقي. ٢٢٦/١، ونهاية
·المحتاج ٤٢٢/١، ٤٢٥، والمغني ١/ ٤٦٩، ٤٧٤، والشرح
الكبير مع المغني ١/ ٤٩٠، ٤٩٤
- ٧٣ -

استقبال ٣٨
الأظهر للشافعية فتلزمه الإعادة لأنه أخطأ في شرط
من شروط الصلاة . (١)
العجز عن استقبال القبلة في الصلاة .
٣٨ - ذهب الأئمة الأربعة إلى أن من به عذر حسي
يمنعه من الاستقبال كالمريض والمربوط يصلي على
حسب حاله، ولو إلى غير القبلة، لأن الاستقبال
شرط لصحة الصلاة وقد عجز عنه فأشبه القيام .
واشترط الشافعية، والصاحبان من الحنفية لسقوط
القبلة عنه أن يعجز أيضا عمن يوجهه ولو بأجر
المثل، كما استظهره الشيخ إسماعيل النابلسي
وابن عابدين. وبالنسبة لإِعادة الصلاة فإن في ذلك
خلافا تفصيله في مباحث الصلاة .
وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه لا يشترط ذلك،
لأن القادر بقدرة غيره عاجز. وبقولهما جزم في المنية
والمنح والدر والفتح بلا حكاية خلاف.
ولو وجد أجيرا بأجرة مثله فينبغي أن يلزمه
استئجاره إذا كانت الأجرة دون نصف درهم،
والظاهر أن المراد به أجرة المثل كما فسروه في
التيمم. (٢)
أما من به عذر شرعي يمنعه من الاستقبال فقد
تعرض الفقهاء للصور الآتية منه وهي :
الخوف على النفس، وذكره الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة، وذلك كالخوف من سبع
(١) رد المحتار ٢٨٩/١، ٢٩٢، والدسوقي ٢٢٤/١، ٢٢٦ -
٢٢٨، ونهاية المحتاج ٤٢٧/١، والمغني ١/ ٤٤٩ ط الرياض،
وكشاف القناع ٣١٢/١ ط مكتبة النصر - الرياض.
(٢) رد المحتار ٢٨٩/١ -٣٩٢، والدسوقي ٢٢٤/١، ونهاية المحتاج
٤٠٨/١، والجمل على المنهج ٣١٤/١، والشرح الكبير مع
المغني ١/ ٤٨٦
وعدو، فله حينئذ أن يتوجه إلى جهة قدر عليها،
ومثله الهارب من العدو راکبا يصلي عنی دابته.
وذكر الحنفية من صور العذر: الخوف من
الانقطاع عن رفقته، لما في ذلك من الضرر.
وذكر الشافعية من ذلك: الاستيحاش وإن لم
یتضرر بانقطاعه عن رفقته.
وذكر الحنفية والمالكية من الأعذار: الخوف من
أن تتلوث ثيابه بالطین ونحوه لو نزل عن دابته .
واشترط الحنفية عجزه عن النزول، فإن قدر
عليه نزل وصلى واقفا بالإِيماء، وإن قدر على
القعود دون السجود أومأ قاعدا .
وعد الحنفية والشافعية من الأعذار: ما لوخاف
علی ماله ۔ ملکا أو أمانة - لو نزل عن دابته .
وذكر الحنفية والشافعية من الأعذار: العجز عن
الركوب فيمن احتاج في ركوبه بعد نزوله للصلاة
إلى معين ولا يجده، كأن كانت الدابة جموحا، أو
كان هو ضعيفا فله ألا ينزل. (١)
ومن الأعذار : الخوف وقت التحام القتال، فقد
اتفقت المذاهب الأربعة على أن يسقط شرط
الاستقبال في حال المسايفة وقت التحام الصفوف
في شدة الخوف إذا عجز المصلى عنه. (٢) ولمعرفة
ماهية هذا القتال، وما يلحق به، ووقت صلاته،
وإعادتها حين الأمن، وبقية أحكامها (ر: صلاة
الخوف).
(١) رد المحتار ٢٩٠/١، والدسوقي ٢٢٤/١، ٢٢٩، ونهاية
المحتاج ٤٠٨/١، ٤١٦، والشرح الكبير مع المغني ١/ ٤٨٦
(٢) رد المحتار ٥٦٩/١، والدسوقي ٢٢٢/١، ٢٢٣، ٢٢٩، ونهاية
المحتاج ٤٠٩/١، والشرح الكبير مع المغني ١/ ٤٨٦، ٤٥٠،
والمغني ٢/ ٤١٦ ط الرياض.
- ٧٤ -

١استقبال ٣٩ - ٤٢
استقبال المتنفل على الراحلة في السفر:
٣٩ - اتفق الفقهاء على جواز التنفل على الراحلة
في السفر لجهة سفره ولو لغير القبلة ولوبلا عذر،
لأنه : «كان يصلي على راحلته في السفر حيثما
توجهت به))(١) وفسر قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم
وجه الله) بالتوجه في نفل السفر. (٢)
وفي الشروط المجوزة لذلك خلاف فصله
الفقهاء في مبحث صلاة المسافر، والصلاة على
الراحلة .
استقبال المتنفل ماشيا في السفر :
٤٠ - مذهب أبي حنيفة، ومالك، وإحدى
الروايتين عن أحمد، وهو كلام الخرقي من الحنابلة :
أنه لا يباح للمسافر الماشي الصلاة في حال مشیه،
لأن النص إنما ورد في الراكب، فلا يصح قياس
الماشي عليه، لأنه يحتاج إلى عمل كثير، ومشي
متتابع ينافي الصلاة فلم يصح الإِلحاق.
ومذهب عطاء ، والشافعي، وهو ثانية الروايتين
(١) حديث: ((كان ◌َّل يصلي على راحلته ... )) أخرجه البخاري
ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ ((كان النبي ◌َ ﴾
يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومىء إيماء،
صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)) وفي رواية لمسلم
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ((كان رسول الله {8# يصلي
وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه ... ))
(اللؤلؤ والمرجان ص ١٣٨ نشر وزارة الأوقاف والشئون
الإِسلامية بدولة الكويت، وفتح الباري ٢/ ٤٨٩ ط السلفية،
وصحيح مسلم بتحقیق محمد فؤاد عبدالباقي ١/ ٤٨٦، ٤٨٧ طـ
عيسى الحلبي).
(٢) رد المحتار ٤٦٩/١، والدسوقي ٢٢٥/١، ونهاية المحتاج
٤٠٩/١، وشرح الروض ١٣٤/١ ط الميمنية، والمغني
١/ ٤٤٥، والشرح الكبير مع المغني ٤٨٦/١
عن أحمد اختارها القاضي من الحنابلة: أن له أن
يصلي ماشيا قياسا على الراكب، لأن المشي إحدى
حالتی سیر المسافر، ولأنهما استويا في صلاة الخوف.
فكذا في النافلة. والمعنى فيه أن الناس محتاجون
إلى الأسفار، فلوشرطنا فيها الاستقبال للتنفل
لأدى إلى ترك أورادهم أو مصالح معايشهم.
ومذهب الحنابلة، والأصح عند الشافعية: أن
عليه أن يستقبل القبلة لافتتاح الصلاة، ثم ينحرف
إلى جهة سيره، قال الشافعية: ولا يلزمه
الاستقبال في السلام على القولين. (١)
استقبال المفترض على السفينة ونحوها :
٤١ - اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب استقبال
المفترض على السفينة في جميع أجزاء صلاته،
وذلك لتيسر الاستقبال عليه. ونص الحنفية
والمالكية والحنابلة على أنه يدور معها إذا دارت. (٢)
وتفصيل ذلك في مصطلح : (الصلاة في
السفينة).
استقبال القبلة في غير الصلاة :
٤٢ - قرر الفقهاء أن جهة القبلة هي أشرف
الجهات، ولذا يستحب المحافظة عليها حین
(١) رد المحتار ٤٦٩/١، والدسوقي ٢٢٥/١، ونهاية المحتاج
١/ ٤١٠، ٤١٤، والشرح الكبير مع المغني ٤٨٨/١
(٢) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢٢٣ ط بولاق، ومغني
المحتاج ١٤٤/١، ومواهب الجليل ٥٠٩/١، والمغني ٤٣٥/١ -
٤٣٦، والإنصاف ٢/ ٤
- ٧٥ -

استقبال ٤٣ - ٤٤
الجلوس، لقوله وسلم: ((إن سيد المجالس ما استقبل
القبلة)). (١)
قال صاحب الفروع : ويتجه في كل طاعة إلا
لدليل. (٢)
وقد يكون المراد من التوجه إليها تغليط الأمر
وإلقاء الرهبة في قلب من طلب منه التوجه إليها،
كما في تغليظ القاضي اليمين على حالفها بذلك
(ر: إثبات ف ٢٦).
على أنه قد يعرض للإِنسان أحوال ترفع هذا
الاستحباب، بل قد يكون استقبالها حراما أو
مكروها (ر: قضاء الحاجة. استنجاء).
والجمهور على أن زائر قبر النبي ولم يستدبر
القبلة ويستقبل القبر الشريف. (٣)
استقبال غير القبلة في الصلاة :
٤٣ - الأصل في استقبال المصلي للأشياء الإِباحة،
ما دام متوجها إلى جهة القبلة، لكن هناك أشياء
معينة نهي المصلي عن أن يجعلها أمامه لاعتبارات
خاصة فيها، كأن يكون في وجودها أمامه تشبه
بالمشركين، كما في الصنم والنار والقبر، أو لكونها
قذرة أو نجسة يصان وجه المصلي ونظره عنها، كما في
(١) حديث: ((إن سيد المجالس ... )). أخرجه الطبراني في
الأوسط من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا بلفظ ((إن
لكل شيء سيدا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة)) قال الهيثمي
والمنذري وغيرهما : إسناده حسن. (مجمع الزوائد ٨/ ٥٩ نشر
مكتبة القدس ١٣٥٣ هـ، وفيض القدير ٥١٢/٢، نشر المكتبة
التجارية ١٣٥٦هـ).
(٢) الفروع ١/ ٨٠
(٣) شرح الأذكار لابن علان ٣٣/٥
الصلاة إلى الحش(١) والمجزرة، أو قد يكون أمامه
ما يشوش عليه فكره كما في الصلاة إلى الطريق .
وقد تناولها الفقهاء بالبحث في الكلام على
مكروهات الصلاة . (٢)
وقد يكون ذلك الشيء الذي أمام المصلى أمرا
مرغوبا فيه، لكونه علامة على موضع سجوده لمنع
المارين من المرور فيما بينه وبينه، كما في الصلاة إلى
السترة. وقد بحثها الفقهاء ضمن سنن
الصلاة . (٣)
استقبال غير القبلة في غير الصلاة :
٤٤ - الأصل في توجه الإِنسان إلى الأشياء في غير
الصلاة الإِباحة أيضا، ولكن قد يطلب التوجه إلى
المواطن الشريفة في الأحوال الشريفة طلبا لخيرها
وفضلها، كاستقبال السماء بالبصر وببطون الكفين
في الدعاء. (٤)
كما يطلب عدم التوجه إليها في الأحوال
الخسيسة، كاستقبال قاضي الحاجة بيت المقدس أو
المصحف الشريف (ر: قضاء الحاجة).
وقد یطلب تجنب استقبالها صيانة له عنها
لنجاستها أو حفظا لبصره عن النظر إليها،
كاستقبال قاضي الحاجة مهب الريح، واستقبال
(١) الحش : هو الموضع الذي تقضى فيه الحاجة في البساتين ثم
أطلقت على الكنف. (المصباح المنير) حسن .
(٢) تحفة الأحوذي ٢/ ٣٢٦، والمغني ٧٢/٢، ٨٠، والخرشي
٢٩٤/١ ط بولاق، وشرح الروض ١٧٤/١، ونهاية المحتاج
٥٤/٢، ٦٠، ٦١، ورد المحتار ٤٣٣/١، ٤٣٨، وتقريسر
الرافعي عليه ٨٥/١، وكشاف القناع ٣٤٢/١ ط السنة
المحمدية .
(٣) نهاية المحتاج ٢/ ٥٤، والمغني ٢/ ٦٦، ٧١
(٤) شرح الأذكار ٢٧/٢
- ٧٦ -

٠٠
استقبال ٤٤ - استقراء ١ - ٤
المستأذن للدخول باب المكان الذي يريد الدخول
إليه .(١)
وقد يطلب الاستقبال حفاظا على الآداب
ومكارم الأخلاق وتوفيرا لحسن الإِصغاء، كما في
استقبال الخطيب للقوم واستقبالهم له، واستقبال
الإِمام الناس بعد الصلاة المكتوبة. (٢)
وكما في استقبال الضيوف والمسافرين إبقاء على
الروابط الاجتماعية متينة. (٣)
ومن هذه الطاعات : الوضوء، والتيمم،
والأذان والإقامة، ومنه الدعاء بعد الوضوء،
والدعاء في الاستسقاء، والذكر، وقراءة القرآن،
وانتظار الصلاة في المسجد، والحج في مواطن
كثيرة، تعلم بتتبع كتاب الحج كالإِهلال، وشرب
ماء زمزم، وتوجيه الهدى حين الذبح للقبلة، وقضاء
القاضي بين الخصوم، كما هومبين في مواضعها .
كما يستحب استقبال القبلة في مواطن خاصة
طلبا لبركتها وكمال العمل باستقبالها، كما في توجيه
المحتضر إليها، وكذا الميت في قبره عند الدفن (ر:
كتاب الجنائز)، ومثله من أراد أن ينام، (٤) أو أراد
أن يذبح ذبيحة فيسن له أن يستقبل بها القبلة (ر:
كتاب الذبائح).
(١) المغني ١٥٥/١، وحساشية الشبراملسي على نهاية المحتاج
١١٩/١، وشرح منتهى الإرادات ٣٠/١، والآداب لابن مفلح
٤٤٥/١
(٢) كشاف القناع ٣١/٢ ط السنة المحمدية، والمبسوط - افتتاح
الصلاة، والشرح مع المغني ٢/ ٨٠، وإعلام الساجد ص ٤٠٤
(٣) شرح الأذكار ٥/ ١٧٥
(٤) التيسير بشرح الجامع الصغير ١/ ٢٦١ ط بولاق، وبذل المجهود
١٩/ ٢٨١، وعون المعبود ٤/ ٤٧٠ .
استقراء
التعريف :
١ - الاستقراء لغة: التتبع، يقال: قرأ الأمر،
وأقرأه أي: تتبعه، واستقرأت الأشياء: تتبعت
أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصها . (١)
وعرفه الأصوليون والفقهاء بقولهم : تصفح
جزئيات كلي ليحكم بحكمها على ذلك الكلي. (٢)
الألفاظ ذات الصلة :
القياس :
٢ - القياس : هو إلحاق فرع بأصل في حكم
لاشتراكهما في العلة. (٣)
الحكم الإجمالي :
٣ - الاستقراء إن كان تاما بمعنى تتبع جميع
الجزئيات ما عدا صورة النزاع (أي الصورة المراد
معرفة حكمها) يعتبر دليلا قطعيا حتى في صورة
النزاع عند الأكثر من العلماء، وقال بعض العلماء:
ليس بقطعي، بل هو ظني، لاحتمال مخالفة تلك
الصورة لغيرها على بعد.
(١) تاج العروس ط ليبيا ، والمصباح المنير ط دار المعارف في مادة
(قری)
(٢) حاشية البناني على جمع الجوامع ٣٤٦/٢ ط الحلبي،
والتعريفات للجرجاني ص ١٣ ط مصطفى الحلبي.
(٣) فواتح الرحموت ٢٤٦/٢ - ٢٤٧
- ٧٧ -

استقراء ٤ - ١ استقراض ١ - ٢
وقد أجاز العلماء الأخذ بالاستقراء في:
الحيض، والاستخاضة، والعدة على خلاف
وتفصيل موطنه هذه المصطلحات.
٤ - وإن كان الاستقراء ناقصا أي بأكثر الجزئيات
الخالي عن صورة النزاع فهو ظني في تلك الصورة لا
قطعي، لاحتمال مخالفة صورة النزاع لذلك
المستقرأ، ويسمى هذا النوع: إلحاق الفرد
بالأغلب. (١)
ومن أمثلة ما احتجوا فيه بالاستقراء : المعتدة
عند اليأس تعتد بالأشهر، فقال الشافعية في
الراجح عندهم: يعتبر في عدة اليائسة استقراء
نساء أقاربها من الأبوين الأقرب فالأقرب، لتقاربهن
طبعا وخلقا.
وقال الحنفية، والمالكية، والحنابلة - وهو رأي
للشافعية - باستقراء حالات النساء واعتبار حالها
بحال مثيلاتها في السن عند ذلك، على اختلاف
بينهم في ذلك يرجع إليه في مصطلح (عدة)
و(إياس). (٢)
(١) شرح جمع الجوامع ٣٤٦/٢
(٢) ابن عابدين ٢/ ٦٠٦ ط الأولى، وحواشي التحفة ٢٣٨/٨ ط
دار صادر، والمغني ٧/ ٤٦١ ط السعودية، والخطاب ٤/ ١٤٦،
١٤٧ ط لیبیا.
استقراض
التعريف :
١ - الاستقراض لغة: طلب القرض. (١)
ويستعمله الفقهاء بمعنى طلب القرض، أو
الحصول عليه، ولو بدون طلب. (٢)
والقرض ما تعطيه من مثلي ليتقاضى مثله. (٣)
الألفاظ ذات الصلة :
الاستدانة :
٢ -الاستقراض أخص من الاستدانة، فإن الدين
عام شامل للقرض وغيره مما يثبت في الذمة
كالسلم. والدين قد يكون له أجل، والأجل فيه
ملزم، أما القرض فإِن الأجل فيه غير ملزم عند
الجمهور، وقال المالكية: إن اشتراطه ملزم، وإنه
ليس للمقرض مطالبة المستقرض ما لم يحل الأجل
كغيره من الديون(٤) لقول النبي وَلير: ((المؤمنون
عند شروطهم)) . (٥)
(١) تاج العروس، ولسان العرب (قرض).
(٢) المبسوط ١٩/١٨ ط دار الفكر، وأدب الأوصياء ١٧٣/٢ وما
بعدها .
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون، (قرض) والفتاوى الهندية
٣٦٦/٥، ورد المحتار ٤ /١٧١
(٤) ابن عابدين ١٧٢/٤، والخطاب ٥٤٥/٤، وشرح الروض
٢/ ١٤٠، والمغني مع الشرح الكبير ٤/ ٣٥٤ ط المنار الثانية.
(٥) حديث ((المؤمنون عند شروطهم » أورده البخاري معلقا بدون
سند بلفظ: ((المسلمون عند شروطهم» ولم يوصله في مكان آخر.
وأخرجه إسحاق في مسنده من طريق كثير بن عبدالله بزيادة «إلا
شرطا حرم حلالا أو أحل حراما)» و کثیر ھذا ضعفه الأکثر، لکن=
- ٧٨ -
:

استقراض ٣ - ٤
الحكم الإجمالي :
٣ - الاستقراض جائز بالنسبة للمستقرض بشروط
يذكرها الفقهاء في أبواب القرض، ونقل بعضهم
الإِجماع على الجواز، (١) وروى أبو رافع أن النبي
الَّ: ((استسلف من رجل بَكْراً، (٢) فقدمت على
النبي ◌َّه إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي
الرجل بکره، فرجع إليه أبورافع، فقال: يا رسول
اللّه لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا، (٣) فقال: أعطه،
فإِن خير الناس أحسنهم قضاء)). (٤)
وقد يعرض للاستقراض ما يخرجه عن الجواز
كحرمة الاستقراض بشرط نفع للمقرض،
وكوجوب استقراض المضطر، (٥) وغير ذلك من
الأحكام التي تذکر في باب القرض .
ويصح التوكيل في الاستقراض عند الشافعية
= البخاري ومن تبعه يقوون أمره. وأخرجه الترمذي بالإِسناد نفسه
وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد نوقش في تصحيحه هذا
الحديث. وأخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة بلفظ
((المسلمون على شروطهم)) وفيه كثير بن زيد الأسلمي وهو
مختلف في توثيقه. أما اللفظ الوارد في متن الموسوعة فقد أورده
ابن شيبة من طريق عطاء، وللدار قطني والحاكم من حديث
عائشة مثله وزاد ((ما وافق الحق)) (فتح الباري ٤/ ٤٥١ نشر
السلفية وتحفة الأحوذي ٥٨٤/٤ نشر السلفية، وعون المعبود
٥١٦/٩ نشر السلفية).
(١) المبسوط ١٤/ ٣٠، والخطاب ٥٤٥/٤، وشرح الروض
٢/ ١٤٠، والمغني لابن قدامة ٣٤٦/٤ ط الرياض.
(٢) البكر : الجمل الفتي القوي.
(٣) رباعيا : أي ذكرا من الجمال نبتت رباعيته، وهي رابعة أسنانه
من الأمام.
(٤) مغني ابن قدامة ٣٤٧/٤ ط الرياض. وحديث ((أن النبي ◌َّ
استسلف من رجل بكرا ... )) أخرجه مسلم من حديث أبي رافع
(صحيح مسلم ٣/ ١٢٢٤ ط عيسى الحلبي).
(٥).الزرقاني على خليل ٢٢٦/٥، والمغني لابن قدامة ٣٥١/٤،
والمبسوط ٣٢/١٤، ونهاية المحتاج ٢١٦/٤
والحنابلة، ولا يصح عند الحنفية، لأن الاستقراض
طلب تبرع من المقرض فهونوع من التكدي
(الشحاذة) ولا يصح التوكيل فيه. (١)
والاستقراض أحیانا يحتاج إلى إذن من
القاضي، كاستقراض من حكم له بنفقة القريب
على قريبه المعسر في بعض المذاهب، (٢) ويذكر
الفقهاء ذلك في أحكام النفقة .
ولو استقرض الأب من ولده فإِن للولد مطالبته،
عند غير الحنابلة، لأنه دين ثابت فجازت المطالبة
به كغيره، وقال الحنابلة: لا يطالب، لحديث:
((أنت ومالك لأبيك)). (٣)
مواطن البحث :
٤ - أغلب أحكام الاستقراض عند الفقهاء تذکر في
باب القرض، وبالإضافة إلى ذلك تأتي بعض
أحكامه في الشركة، أثناء الكلام عن إذن الشريك
لشريكه، (٤) وفي الوكالة عند بيان ما تصح فيه
(١) شرح الروض ٢٧٨/٢، والمغني لابن قدامة ٨٩/٥، وابن
عابدين ٤ / ١٧٥
(٢) الزرقاني على خليل ٢٥٨/٤، وشرح الروض ٣/ ٢٤٤
(٣) حديث ((أنت ومالك ... )) أخرجه البيهقي من حديث جابر بن
عبدالله مرفوعا، قال ابن حجر في تخريج الهداية: رجاله ثقات،
لكن قال البزار: إنما يعرف عن هشام عن ابن المكندر مرسلا.
وقال البيهقي: أخطأ من وصله عن جابر، وأخرجه الطبراني
والبزار من حديث سمرة بن جندب، علق الهيثمي على إسناد
هذا الحديث فقال: فيه عبدالله بن إسماعيل الحوداني. قال أبو
حاتم: لين وبقية رجال البزار ثقات، ومفهومه أن رجال الطبراني
ليسوا كذلك. كما أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود، وذكر
الهيثمي: فيه إبراهيم بن عبدالحميد، ولم أجد من ترجمه وبقية
رجاله ثقات. وقال ابن حجر: فيه من طريق ابن مسعود هذا
معاوية بن يحيى وهو ضعيف (فيض القدير ٣/ ٤٩ - ٥٠ ط
المكتبة التجارية).
(٤) ابن عابدين ٣/ ٣٥٣
- ٧٩ -

استقسام ١ - ٢
الوكالة، (١) وفي الوقف في الاستدانة على
الوقف، (٢) وفي النفقة في الاستقراض على الغائب
والمعسر. (٣)
استقسام
التعريف :
١ - يأتي الاستقسام في اللغة بمعنى: طلب القَسْم
بالأزلام ونحوها، والقَسْم هنا: ماقُدّر للإِنسان من
خير أوشر، ويأتي بمعنى طلب: القِسْم المقدرغما
هو شائع، والقِسْم هنا: النصيب.
وقد اختلف علماء اللغة والمفسرون في المقصود
بالاستقسام في قوله تعالى: ( وأن تستقسموا
بالأزلام). (٤) فقال الجمهور ومنهم الأزهري
والهروي وأبو جعفر وسعيد بن جبير والحسن
والقفال والضحاك والسدي: معنى الاستقسام
بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب
القداح، فكان الرجل في الجاهلية إذا أراد سفرا، أو
غزوا، أوتجارة، أونكاحا، أو أو أمرا آخر ضرب
بالقداح، وكانوا قد كتبوا على بعضها ((أمرني ربي))
وعلى بعضها ((نهاني ربي)) وتركوا بعضها خاليا عن
الكتابة، فإِن خرج الأمر أقدم على الفعل، وإن
خرج النهي أمسك، وإن خرج الغُفْل أعاد العمل
(١) المغني لابن قدامة ٨٩/٥
(٢) ابن عابدين ٤١٩/٣
(٣) الزرقاني على خليل ٢٥٨/٤، وشرح الروض ٤٣٨/٣
(٤) سورة المائدة / ٣
مرة أخرى، فهم يطلبون من الأزلام أن تدلهم على
قسمهم .
وقال المؤرج والعزيزي وجماعة من أهل اللغة:
الاستقسام هنا هو الميسر المنهي عنه، والأزلام قداح
الميسر، وكانوا إذا أرادوا أن ييسِروا ابتاعوا ناقة بثمن
مسمى يضمنونه لصاحبها، ولم يدفعوا الثمن حتى
يضربوا بالقداح عليها، فيعلموا على من يجب
الثمن . (١)
وذهب الفقهاء إلى ماذهب إليه جمهور اللغويين
والمفسرين(٢) من أنه الامتثال لما تخرجه الأزلام من
الأمر والنهي في شئون حياتهم، والأقداح هي أقداح
الأمر والنهي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الطرق :
٢ - من معاني الطِّرْق: الضرب بالحصى، وهو نوع
من التكهن، وشبيه الخط في الرمل، (٣) وفي
الحديث: ((العيافة والطِيرَةُ والطرْق من الجبت))(٤)
(١) لسان العرب (بتصرف) مادة (قسم)، وتفسير الرازي ١١/ ١٣٥
ط المطبعة البهية المصرية، والقرطبي ٦/ ٥٨ ومابعدها ط دار
الكتب المصرية، والطبري ٩/ ٥١٠ وما بعدها ط دار المعارف
بمصر، وفتح الباري ٢٧٧/٨ ط البحوث العلمية بالسعودية،
والميسر والقداح لابن قتيبة ص ٣٣ ط المطبعة السلفية بمصر،
وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٤٣ ط عيسى الحلبي.
(٢) المبسوط ٢٤/ ٢ ط دار المعرفة بيروت، والدسوقي ١٢٩/٢ ط
دار الفكر، والمغني ٨/٧ ط الرياض، والنظم المستعذب مع
المهذب ٢٨٧/٢ ط دار المعرفة بيروت، والفروق ٤/ ٢٤٠ ط دار
المعرفة بيروت.
(٣) لسان العرب، والزواجر ٢/ ١٠٩، ١١٠ ط دار المعرفة بيروت،
وابن عابدين ٣٠٦/٣ ط بولاق، ومنتهى الإرادات ٣٩٥/٣ ط
دار الفكر.
(٤) حديث: ((العيافة والطيرة ... )). أخرجه أبو داود والنسائي من =
- ٨٠ -