Indexed OCR Text
Pages 81-100
إرجاف - ٥ أرحام - ١
قال تعالى : ( لَئِن لَّمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في
قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ
بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُ ونَكَ فِيهَا إلَّ قَلِيلاً ، مَّلْعُونِينَ أَيْنَا
ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقْتَلُوا تَقْتِيلاً ). (١)
قال القرطبي : لنغرينك بهم : لنسلطنك
عليهم فتستأصلهم بالقتل . (٢)
وبلغ رسول اللّه هو أن ناسا من المنافقين
يثبطون الناس عنه في غزوة تبوك ، فبعث إليهم
طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه ، وأمرهم أن
يحرقوا عليهم البيت ، ففعل طلحة ذلك . (٣)
٥ - ولا يجوز للأمير أن يستصحب معه إلى الجهاد
مرجفا ، وإن كان الأمير هو أحد المرجفين لم
يستحب الخروج معه للجهاد (٤)، لقوله تعالى
( وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَبِّطَهُمْ وَقِيلَ اِقْعُدُوا مَعَ
الْقَاعِدِينَ ، لَوْخَرَجُوا فِيكُم مَا زَادُوكُمْ إلَّ خَبَالاً ،
وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ). (٥)
ولو خرج مرجف مع الجيش لا يسهم له في
الغنيمة ، ولا يرضخ له منها . (٦)
وقد ذكر الفقهاء أحكام الإِرجاف في كتاب
الجهاد ، وفي قسمة الغنيمة .
(١) سورة الأحزاب / ٦٠ - ٦١
(٢) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٤٦
(٣) معين الحكام ص ٢١٠ طبع المطبعة الميمنية . والحديث أخرجه
ابن هشام في السيرة ٢ / ٥١٧ ، ط مصطفى الحلبي
(٤) حاشية قليوبي ١٩٢/٣، والمغني ٣٥١/٨، طبع مكتبة
الرياض الحديثة .
(٥) سورة التوبة / ٤٦ - ٤٧
(٦) المغني ٨/ ٣٥١، وحاشية الجمل على شرح المنهاج ٤ / ٩٥ ،
وحاشية قليوبي ١٩٣/٣
أرحام
التعريف :
١ - الأرحام جمع رحم، والرَّحِم والرَّحْم والرِّحم
بيت منبت الولد ووعاؤه ، ومن المجاز : الرحم
القرابة ، وفي التهذيب : بينهما رحم : أي قرابة
قريبة . وقال ابن الأثير : ذوو الرحم: هم
الأقارب . (١) والرحم يوصف به الواحد
والجمع . (٢)
وعند الفقهاء - غير الفرضيين منهم - يراد بهم
عند الإِطلاق الأقارب ، (٣) غير أنه في فروع بعض
المذاهب بين الأرحام والأقارب عموم وخصوص
مطلق ، فمثلا لا تدخل قرابة الأم في الوقف على
القرابة عند الحنابلة، بينما لو وقف على ذوي رحمه
يدخل الأقارب من الجهتين. (٤) وهم عند أهل
الفرائض أخص من ذلك ، ويراد بهم (( من ليسوا
بذوي سهم ولا عصبة ، ذكورا كانوا أو إناثا)). (٥)
والأرحام وذوو الأرحام بمعنى واحد على ألسنة
الفقهاء . (٦)
(١) النهاية لابن الأثير .
(٢) شرح الروض ٣/ ٥٢
(٣) تهانوي ٢ / ٥٨٩، وشرح السراجية ص ٢٦٥، والخرشي
١٧٦/٨، وكفاية الطالب الرباني ٣٣٩/٢، وبجيرمي على
الخطيب ٢٦٣/٣، والعذب الفائض ١٥/٢
(٤) مطالب أولي النهى ٤ / ٣٥٩، ٣٦٠
(٥) شرح السراجية ص ٢٦٥، وبجيرمي على الخطيب ٢٦٣/٣،
والعذب الفائض ١٥/٢
(٦) البحر السرائق ٨/ ٥٠٨، وابن عابدين ٤٣٩/٥، وشرح
السراجية ص ٥٢ ، والتاج والإكليل ٦/ ٣٧٣، وحاشية الرملي
على شرح الروض ٥٢/٣
- ٨١ -
أرحام ٢ - ٤
٢ - الرحم نوعان :
رحم محرم،ورحم غير محرم .
وضابط الرحم المحرم : كل شخصين بينهما
قرابة لو فرض أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يحل لهما
أن يتناكحا ، كالآباء والأمهات والإِخوة والأخوات
والأجداد والجدات وإن علوا ، والأولاد وأولادهم
وإن نزلوا ، والأعمام والعمات والأخوال والخالات ،
ومن عدا هؤلاء من الأرحام، فلا تتحقق فيهم
المحرمية ، كبنات الأعمام وبنات العمات وبنات
الأخوال وبنات الخالات . (١)
الصفة ( الحكم التكليفي ) :
تتصل بالأرحام أحكام كثيرة تختلف بحسب
متعلقها ، وبيانها فيما يأتي :
صلة الأرحام :
٣ - الصلة هي فعل ما يعد به الإِنسان واصلا ،
قال ابن حجر الهيثمي: ((الصلة إيصال نوع من
الإِحسان)) (٢)
وصلة الرحم بالنسبة للأبوين، وغيرهما واجبة
عند الحنفية ، والمالكية ، والحنابلة، (٣) وهو
ما صوبه النووي من الشافعية .
(١) البدائع ١٢٢/٥، والفروق ١٤٧/١، وكفاية الطالب الرباني
٣٣٩/٢، وشرح الروض ١١٠/٣، والآداب الشرعية
٥٠٧/١، وفتاوى ابن تيمية ٢٨٢/٢٩، والفتاوى الهندية
٨،٧/٢
(٢) البحر الرائق ٨ / ٥٠٨، ونهاية المحتاج ٤١٩/٥، ومغني
المحتاج ٤٠٥/٢، وبجيرمي على المنهج ٢١٩/٣، والزواجر
لابن حجر ٢ /٦٥
(٣) ابن عابدين ٢٦٤/٥، وكفاية الطالب الرباني ٣٣٩/٢،
وفتاوى ابن تيمية ١٨٦/٢٩، والآداب الشرعية ٥٠٧/١
ودليل الوجوب قول الله سبحانه: ((واتَّقُوا اللَّهَ
الذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)) (١)
وقوله وَّل: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليصل رحمه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليقل خيرا أو ليصمت )). (٢) وفصل الشافعية
بين الأبوين وغيرهما ، فاتفقوا مع غيرهم على
وجوب بر الوالدين وأن عقوقهما كبيرة ، وذهبوا إلى
أن صلة غيرهما من الأقارب سنة . على أن
الشافعية صرحوا بأن ابتداء فعل المعروف مع
الأقارب سنة ، وأن قطعه بعد حصوله كبيرة .(٣
صلة الأبوين :
٤ - وصلة الأم مقدمة على صلة الأب بالإجماع
لقول النبي 18 لرجل سأله من أحق الناس
بحسن صحابتي ؟: (( أمك ثم أمك ثم أمك ثم
أبوك)) .(٤)
والتعبير الغالب للفقهاء عن الإِحسان للأبوين
بالبر ، وفي غيرهما من الأقارب بالصلة ، لكنه قد
(١) سورة النساء / ١، وانظر القرطبي في تفسير هذه الآية، وكفاية
الطالب الرباني ٣٣٩/٢
(٢) حديث (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ /٤٤٥ ط السلفية) ومسلم
٦٨/١ (طبع عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة مرفوعا .
وانظر الزواجر ٦٣/٢، ٦٧
(٣) الجمل على المنهج ٣/ ٥٩٩، وبجيرمي على الخطيب
٢٢٩/٣، ٢٣٠
(٤) حديث ((من أحق الناس بحسن صحابتي؟ ... )) أخرجه
.البخاري (فتح البساري ٤٠١/١٠ ط السلفية ) ومسلم
(٤ / ١٩٧٤ - بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (طبع عيسى
الحلبي ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وانظر كذلك
البجيرمي ٢٢٨/٣، وتحفة المحتاج ٣٠٨/٦
- ٨٢ -
أرحام ٥ - ٦
يحدث العكس فيقولون : صلة الأبوين ، وبر
الأرحام ، ولما كانت أكثر أحكام صلة الوالدين
معبرا عنها ببر الوالدين ، فإِن موطن تفصيلها في
ذلك المصطلح ، مع البيان هنا للتيسير الذي لا
يمكن الاستغناء عنه مع التفصيل لأحكام بقية
الأرحام (١)
صلة الأقارب :
٥ - ذهب الحنفية - في قول لهم - إلى أن الأخ الأكبر
كالأب بعد موته في حكم الصلة، وكذا الجد وإن
علا ، والأخت الكبيرة ، والخالة كالأم في الصلة .
وقريب من الحنفية ما اختاره الزركشي من
الشافعية بالنسبة للعم والخالة ، إذ يجعل العم
بمثابة الأب ، والخالة بمثابة الأم ، لما صح في
الحديث أن الخالة بمنزلة الأم، وأن عم الرجل صنو
أبيه . (٢)
لكن كلام الزركشي مخالف لأئمة الشافعية ،
لأن الوالدين اختصا من الرعاية والاحترام
والإِحسان بأمر عظيم جدا، وغاية رفيعة لم يصل إليها
أحد من بقية الأرحام ، وأجابوا عما صح في
الحديث بأنه يكفى التشابه في أمر ما كالحضانة
بالنسبة للخالة والأم ، والإِكرام بالنسبة للأب
والعم . (٣)
(١) السزواجر ٦١/٢، والفروق ١٤٧/١، وابن عابدين
٥/ ٢٦٤ ، وفتاوى ابن تيمية ٣/ ٢٢٤
(٢) حديث ((عم الرجل صنو أبيه ... )) أخرجه مسلم (٢ / ٦٧٧
- ط عيسى الحلبي ) وأبو داود ( عون المعبود ٢/ ٣٢ ط المطبعة
الأنصارية بدهلي ) من حديث أبي هريرة . وحديث (( الخالة
بمنزلة الأم ... ((أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٣٠٤
ط السلفية) والترمذي (٣١٣/٤ - ط مصطفى الحلبي ) من
حديث البراء بن عازب .
(٣) ابن عابدين ٥/ ٢٦٤، والزواجر ٢ /٦٦
من تطلب صلته من الأرحام :
٦ - للعلماء في الرحم التي يطلب وصلها رأيان :
الأول : أن الصلة خاصة بالرحم المحرم دون
غيره ، وهو قول للحنفية، وغير المشهور عند
المالكية ، وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة ، (١)
قالوا : لأنها لو وجبت لجميع الأقارب لوجب صلة
جمیع بني آدم ، وذلك متعذر، فلم يكن بد من
ضبط ذلك بقرابة تجب صلتها وإكرامها ويحرم
قطعها ، وتلك قرابة الرحم المحرم .
وقد قال رسول الله وَيقول: ((لا تنكح المرأة على
عمتها ولا على خالتها ولا على بنت أخيها
وأختها ، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم
(٢)
أرحامكم )).
الثاني : أن الصلة تطلب لكل قريب ، محرما
كان أو غيره، وهو قول للحنفية، والمشهور عند
المالكية ، وهو نص أحمد ، وهو ما يفهم من إطلاق
الشافعية، فلم يخصصها أحد منهم بالرحم
المحرم . (٣)
(١) البحر الرائق ٥٠٨/٨، والطحطاوي على الدر ٢٠٥/٤،
والفواكه الدواني ٣٨٥/٢، وكفاية الطالب الرباني ٣٣٩/٢،
والآداب الشرعية ١/ ٥٠٧
(٢) حديث ((لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ... ))
أخرجه أبو داود (عون المعبود ٢/ ١٨٣ طبع المطبعة الأنصارية
بدهلي) بلفظ مقارب دون ((فإِنكم ... )) الخ الشطر الأخير،
وأصله في الصحيحين . وأخرج الشطر الأخير منه الطبراني في
المعجم الكبير (٣٣٧/١١ - نشر وزارة الأوقاف العراقية) ،
وانظر الفروق للقرافي ١٤٧/١
(٣) ابن عابدين ٢٦٤/٥، والطحطاوي على الدر ٤/ ٢٠٥،
والفواكه الدواني ٣٨٥/٢، وكفاية الطالب الرباني ٣٣٩/٢،
والآداب الشرعية ٥٠٧/١ ، والبجيرمي ٢٢٩/٣
- ٨٣ -
أرحام ٧ - ٩
الصلة مع اختلاف الدين :
٧ - لا خلاف في أن صلة الابن المسلم لأبويه
الكافرين مطلوبة. (١) أما ما وراء ذلك من
الأقارب الكفار فلا تطلب صلتهم من المسلم ،
لقول الله سبحانه: ((لَا تَجِدُ قَوماً يُؤْمِنونَ بِاللَّهِ
واليومِ الآخِرِ يُوَادُونَ مَنْ حَدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)). (٢)
ودليل استثناء الأبوين قوله تعالى: ((وإِنْ جَاهَدَاكَ
على أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمُ فلا تُطِعْهُمَا
وصاحِبْهُما فَي الدُّنْيَاَ مَعْروفً)). (٣) ذهب إلى هذا
الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ، (٤) لكن نقل
السمرقندي عن سحنون بن مهمدان التسوية بين
المسلم والكافر في الصلة .
درجات الصلة :
٨ - ذهب فقهاء الحنفية والشافعية إلى أن درجات
الصلة تتفاوت بالنسبة للأقارب ، فهي في الوالدين
أشد من المحارم ، وفيهم أشد من غيرهم . (٥)
وليس المراد بالصلة أن تصلهم إن وصلوك ، لأن
هذا مكافأة ، بل أن تصلهم وإن قطعوك. (٦) فقد
روى البخاري وغيره (( ليس الواصل بالمكافىء
ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها)) (٧)
(١) الفروق ١٤٥/١، والزواجر ٦٢/٢، والآداب الشرعية
١/ ٤٨٧، وتنبيه الغافلين ص ٤٨، وعمدة القاري ١٣/ ١٧٤
(٢) سورة المجادلة / ٢٢
(٣) سورة لقمان / ١٥
(٤) الطحطاوي على الدر ٢٠٥/٤، والفواكه الدواني ٢٨٦/٢ ،
وبجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٤٥، وتنبيه الغافلين ص ٤٨ ،
والعيني ١٧٣/١٣، والآداب الشرعية ٤٨٧/١
(٥) ابن عابدين ٢٦٤/٥، والزواجر ٧٣/٢
(٦) ابن عابدين ٢٦٤/٥، وكفاية الطالب الرباني ٣٣٩/٢،
والزواجر ٧٦/٢، وفتاوى ابن تيمية ٣٤٩/١٥، ٣٥٠
(٧) حديث ((ليس الواصل بالمكافىء ... )). أخرجه البخاري
بم تحصل الصلة ؟
٩ - تحصل صلة الأرحام بأمور عديدة منها :
الزيارة ، والمعاونة ، وقضاء الحوائج ،
والسلام، لقوله وَله: (( بُلّوا أرحامكم ولو
بالسلام »(1). ولا يكفي مجرد السلام عند أبي
الخطاب (٢)
کما تحصل الصلة بالکتابة إن کان غائبا ، نص
على ذلك الحنفية والمالكية والشافعية، وهذا في غیر
الأبوين ، أما هما فلا تكفي الكتابة إن طلبا
(٣)
حضوره . (٣)
وكذلك بذل المال للأقارب، فإنه يعتبر صلة
لهم، لقوله ◌َلر: (( الصدقة على المسكين
صدقة ، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة،
وصلة)) (٤)
وظاهر عبارة الحنفية ، والشافعية أن الغني لا
تحصل صلته بالزيارة لقريبه المحتاج إن كان قادرا
(فتح الباري ٤٢٣/١٠ ط السلفية) وأبو داود (عون المعبود
٦١/٢ طبع المطبعة الأنصارية بدهلي) من حديث عبدالله بن
عمر
(١) حديث ((بلوا أرحامكم ولو بالسلام)) أخرجه البزار والطبراني
كما في مجمع الزوائد (١٥٢/٨ - ط القدسي). وقال
السخاوي في المقاصد الحسنة : طرقه يقوي بعضها بعضا .
(٢) الطحطاوي على الدر ٢٠٥/٤، وكفاية الطالب الرباني
٣٣٩/٢، ونهاية المحتاج ٢/ ٧٦، والآداب الشرعية ١/ ٥٠٧
والفواكه الدواني ٣٨٦/٢
(٣) الطحطاوي على الدر ٢٠٦/٤، الفواكه الدواني ٣٨٦/٢ ،
وكفاية الطالب الرباني ٣٣٩/٢، والبجيرمي على الخطيب
٢٢٩/٣
(٤) حديث: ((الصدقة على المسكين ... )) أخرجه الترمذي
(٣٨/٣ - طبع مصطفى الحلبي) وحسنه، وأحمد (٤/ ١٧ - ط
الميمنية )، والحاكم (٤٠٧/١ ط حيدر آباد الدكن)
وصححه ، من حدیث کمال بن عامر .
- ٨٤ -
أرحام ١٠ - ١٢
على بذل المال له. (١) ويدخل في الصلة جميع
أنواع الإِحسان مما تتأتى به الصلة (٢)
حكمة تشريع الصلة :
١٠ - في صلة الرحم حكم جليلة ، عبر عن أهمها
حديث رسول الله وَ ل: (( من سره أن يبسط له
رزقه ، أوينسأ له في أثره فليصل رحمه)) (٣) ومن
الفوائد الكثيرة التي أشار إليها الفقهاء : رضى الله
سبحانه وتعالى ، لأنه أمر بصلة الرحم ، وإدخال
السرور على الأرحام .
ومنها زيادة المروءة ، وزيادة الأجر بعد الموت ،
لأنهم يدعون له بعد موته كلما ذكروا إحسانه . (٤)
قطع الرحم :
١١ - بين ابن حجر الهيثمي من الشافعية ما يكون
به قطع الرحم ، ووافقه صاحب تهذيب الفروق
من المالكية .
(١) الطحطاوي على الدر ٢٠٥/٤، والفواكه الدواني ٣٨٥/٢ ،
وكفاية الطالب الرباني ٣٣٩/٢، وحاشية الجمل على المنهج
٥٩٩/٣، وبجيرمي على الخطيب ٢٢٩/٣، والمغني مع
الشرح الكبير ٧٠٥/٢ ، وكشاف القناع ٢٥٢/٤
(٢) شرح روض الطالب ٢ / ٤٨٦، وكفاية الطالب ٣٣٩/٢،
وابن عابدين ٥/ ٢٦٤
(٣) حديث ((من سره أن يبسط له رزقه ... )) أخرجه مسلم
(١٩٨٢/٤ ط - عيسى الحلبي) من حديث أنس ، وأخرجه
البخاري (فتح الباري ٤١٥/١٠ ط السلفية) من حديثه كذلك
بلفظ مقارب .
(٤) ابن عابدين ٢٦٤/٥، وكفاية الطالب الرباني ٣٣٩/٢،
وحاشية الطحطاوي على الدر ٢٠٦/٤، وبجيرمي على
الخطيب ٣/ ٢٣٠، وتنبيه الغافلين ص ٤٩، والفروق للقرافي
١٤٧/١، والفواكه الدواني ٢٧٦/٢
وقد أورد ابن حجر فیہ رأیین :
أحدهما : الإِساءة إلى الأرحام .
الثاني : يتعدى إلى ترك الإِحسان ، فقطع
المكلف ما ألفه قريبه منه من سابق الصلة
والإِحسان لغير عذر شرعي يصدق عليه أنه قطع
رحمه، وقد عده بعضهم كبيرة كما سبق. (١)
والأعذار تختلف بحسب نوع الصلة ، فعذر
ترك الزيارة ضبطه الشافعية والمالكية بالعذر الذي
تترك به صلاة الجمعة ، بجامع أن كلا منهما فرض
عين وتركه كبيرة ، وإن كانت الصلة ببذل المال ،
فلم یبذله لشدة حاجته إليه ، أو فقده ، أو قدم غير
القريب امتثالا لأمر الشرع، كان ذلك عذرا (٢) ،
وعذر المراسلة والكتابة ألا يجد من يثق به في أداء
الرسالة . (٣)
ومن الأعذار التي زادها المالكية تكبر القريب
الغني على قريبه الفقير ، فلا صلة على الفقير
حينئذ . (٤)
حكم قطع الرحم :
١٢ - قطع الرحم المأمور بوصلها حرام باتفاق ، (٥)
لقول الله سبحانه (( وَالَّذِينَ يَنْتُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ
(١) الزواجر ٧٨/٢، ٧٩، وتهذيب الفروق ١٥٩/١، وتحفة
المحتاج ٣٠٨/٦
(٢) الزواجر ٧٩/٢، وتهذيب الفروق ١/ ١٦٠، وما بعدها،
والطحطاوي على الدر ٢٠٥/٤
(٣) الز واجر ٢ / ٨٠، والفواكه الدواني ٣٨٦/٢، وتهذيب
الفروق ١٦٠/١
(٤) الفواكه الدواني ٣٨٦/٢
(٥) تنبيه الغافلين ص ٤٧، والفواكه الدواني ٣٨٦/٢، وحاشية
الشربيني على شرح البهجة ٣٩٣/٣، وتهذيب الفروق
١٦٠/١، والزواجر ٦٢/٢، وفتاوى ابن تيمية ٤٢٥/٣،
وحاشية ابن عابدين ٥/ ٢٦٤
- ٨٥ -
أرحام ١٣ - ١٤
بعدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أُمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوْصَلَ
ويُفْسِدونَ فِي الأَرْضِ أُولِئِكَ لَمُ اللَّعْنَةُ وَلهَمْ سُوءُ
الدَّار))(١)
تقديم الأرحام فيما يلزم الميت :
١٣ - أغلب الفقهاء على أن ذوي الأرحام يقدمون
على غيرهم في الأمور التي تجب للميت من غسل
وصلاة عليه ، ودفن . إلا أن بعضهم يقدم
الزوجين على الأقارب ، ومنهم من يقدم الوصي
عليهم ، (٢) وقد يختلف الحكم في الصلاة عليه
وفي الغسل والدفن ، وتفصيل هذه الأحكام يذكره
الفقهاء في مصطلح الجنائز .
الهبة للأرحام :
١٤ - لو وهب إنسان لرحمه ، وأراد الرجوع فيما وهبه
بعد قبضه ، ففي غير الفروع يمتنع الرجوع
باتفاق ، أما الفروع فللعلماء فيهم ثلاثة آراء :
أ - منع الرجوع ، وهو قول الحنفية ، وهو رواية عن
أحمد ، (٣) لحديث الحاكم مرفوعا: ((إذا كانت
الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها )) وصححه وقال
على شرط الشيخين . (٤)
(١) سورة الرعد / ٢٥
(٢) انظر الفتاوى الهندية ١/ ١٦٠ وما بعدها، وابن عابدين
٨٠٦/١، ومواهب الجليل ٢١٢/٢، ومغني المحتاج
٣٢٩/١، وكشاف القناع ٣٧٩/١
(٣) البحر ٧/ ٣٢٠، والعناية على الهداية ٧/ ١٣٤، والفتاوى
المهدية ٤/ ٥٨٢، والمغني مع الشرح الكبير ٦/ ٢٧١
(٤) حديث: ((إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها))
أخرجه الدارقطني ( ٤٤/٣ - ط دار المحاسن بالقاهرة )
والحاكم (٥٢/٢ ط حيدر آباد الدكن)، والبيهقي (١٨١/٦
- ط حيدر آباد الدكن ) من حديث سحرة ، وقال البيهقي :
(( لم نكتبه إلا بهذا الإِسناد وليس بالقوي))
ب - جواز الرجوع للأب ولسائر الأصول ، إذا بقي
الموهوب في سلطة الموهوب له ، وهو قول
الشافعية، (١) للحديث الصحيح: ((لا يحل
لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا
الوالد فیما يعطي ولده)). (٢)
وفي شرح الروض كراهية ذلك ، إن سوی بین
أولاده في العطية .
ج - جواز الرجوع بالنسبة للأب والأم دون
غيرهما ، وهو قول المالكية ، غير أن الأم لا تعتصر
( ترجع ) إلا من الكبير البالغ ، ومن الصغير إن
كان أبوه حيا ، فإِن تيتم بعد الهبة ففي الرجوع
وجهان ، وهذا ما لم يقل الواهب : هي لله
تعالى ، أو يجعلها صلة رحم ، فإِن كان كذلك
امتنع الرجوع . (٣) وظاهر مذهب أحمد كالمالكية
بالنسبة للأب ، وظاهر كلام الخرقي كذلك بالنسبة
للأم ، لكن المنصوص عن أحمد أنه ليس لها
الرجوع. (٤) وفي ذلك تفصيلات أخرى في أصل
الحكم ومستثنياته يرجع إليها في ( الهبة ) .
(١) نهاية المحتاج ٥/ ٤١٤، ٤١٥، والشرواني على التحفة
٣٠٩/٦، وشرح الروض ٢/ ٤٨٣
(٢) حديث: ((لا يحل لرجل أن يعطي عطية ... )) أخرجه
أبو داود ( عون المعبود ٣١٥/٣ - ط المطبعة الأنصارية بدهلي )
وابن ماجه ( ٢٢٣٧ - ط عيسى الحلبي ) من حديث ابن عباس
وعبدالله بن عمرو. وقال ابن حجر: ((رجاله ثقات)) (فتح
الباري ٢١١/٥ - ط السلفية) .
(٣) بلغة السالك ٢/ ٣١٧، واقتصر الرهوني والخرشي على المنع
بالنسبة لليتيم ( الرهوني ٣٣١/٧، والخرشي ١١٣/٧ ،
١١٤ )
(٤) المغني مع الشرح ٦/ ٢٧١ - ٢٧٣
- ٨٦ -
أرحام ١٥ - ١٦
...
إرث الأرحام :
١٥ - الرحم في الفرائض : هي کل قریب ليس
بذي فرض ولا عصبة . (١) ويرثون عند عدم وجود
عاصب أو صاحب فرض يرد عليه ، ويقدمون
على بيت المال عند الحنفية والحنابلة، وهو ما أخذ به
متأخرو كل من المالكية والشافعية إن لم ينتظم بيت
المال . (٢)
وللعلماء في توريثهم مذهبان مشهوران :
مذهب أهل التنزيل، ومذهب أهل القرابة . وهناك
مذهب ثالث يسمى أهل الرحم ، وقد هجره
الفقهاء . وكيفية توريثهم ذكرت في مصطلح
( إرث ) . (٣)
الوصية للأرحام :
١٦ - الوصية لذوي الأرحام غير الوارثين جائزة
اتفاقا .
وذهب الجمهور إلی أن من أوصی لأرحامه غیر
الوارثين يدخل الوالدان والولد إذا كانوا ممنوعين من
الميراث ، لأن الممنوع شرعا هو الوصية للوارث .
وعند الحنفية لا يدخلون، لأن كلا من الوالدين
والولد لا يطلق عليهم ( عرفا ) أنهم أقارب ، ولو
أطلق ذلك عليهم كان عقوقا .
(١) شرح السراجية ص ٢٦٥، والشرح الصغير ٤/ ٤٣٠،
والدسوقي ٤ / ٤٦٨
(٢) حاشية الجمل على المنهج ٤/ ١٠، والبجيرمي على الخطيب
٢٦٣/٣، وكشاف القناع ٣٨٣/٤، والعذب الفائض
١٥/٢، وشرح السراجية ص٥٢ والدسوقي على الدردير
٤٦٨/٤، والشرح الصغير ٤٣٠/٤
(٣) البجيرمي على الخطيب ٢٦٣/٣، والعذب الفائض ١٧/٢ ،
١٨، الدسوقي على الدردير ٤٦٨/٤، والشرح الصغير
٤٣٠/٤
ويدخل الجد مطلقا عند الحنفية في ظاهر
الرواية، وعند المالكية والشافعية والحنابلة (١)
غير أن القائلين بدخول الجد اختلفوا في حده
ولهم في ذلك ثلاثة آراء .
أ - دخول أقرب جد ينسب إليه الإِنسان ، وهو قول
الشافعية (٢)
ب - دخول جد الأب ، وهو قول الحنابلة ، وهو
ما صرف إليه فقهاء الحنفية قول أبي يوسف
ومحمد ، إذ قالا : تصرف إلى أقصى جد له في
الإِسلام . وقال فقهاء الحنفية : قد كان ذلك في
الزمان ، حين لم يكن في أقرباء الإِنسان الذين
ينسبون إلى أقرب أب له في الاسلام كثرة ، وأما في
زماننا ففيهم كثرة لا يمكن إحصاؤهم ، فتصرف
الوصية إلى أولاد أبيه وجده وجد أبيه وأولاد أمه
وجد أمه وجدته وجدة أمه ، ولا يصرف إلى أكثر
من ذلك .
ج - تجاوز الجد الرابع وهورواية للحنابلة. (٣)
وأولاد من ذكر من الأجداد يدخلون في
الأرحام . (٤)
والأحفاد كالأجداد عند الحنفية - على الخلاف
السابق - والشافعية والحنابلة، والظاهر من كلام
(١) ابن عابدين ٤٣٩/٥، والبحر الرائق ٨ / ٥٠٨، والحطاب
٣٧٣/٦، الفواكه الدواني ٣٣١/٢، وشرح الروض
٥٢/٣، والشرواني على التحفة ٥٨/٧، والخرشي
٤١٨/٥، والطحطاوي على الدر ٤ /٣٣١
(٢) تحفة المحتاج مع حاشيتي الشرواني وابن قاسم العبادي ٧/ ٥٨
(٣) المغني مع الشرح الكبير ٦/ ٥٤٩، ٥٥٠، والبحر الرائق
٥٠٨/٨
(٤) البحر الرائق ٥٠٨/٨، والخرشي ٤١٨/٥، وشرح الروض
٥٣/٣، والمغني مع الشرح الكبير ٥٤٩/٦، ومطالب أولي
النهى ٤ / ٣٥٩
- ٨٧ -
أرحام ١٧ - ١٨
المالكية عدم دخولهم في الأرحام . (١)
١٧ - ويستوى في الوصية للأرحام - إن كانوا
محصورين - الذكر والأنثى مع وجوب استيعابهم
باتفاق ، أما إذا لم يكونوا محصورين ففي ذلك
خلاف وتفصيل يرجع إليه في الوصية .
ولا فرق فيها بين القريب والبعيد عند المالكية ،
والشافعية ، والحنابلة ، ومحمد بن الحسن من
الحنفية .
وقال أبو حنيفة : يقدم الأقرب فالأقرب من
الرحم المحرم ، ولو عدم رحمه بطلت الوصية
عنده ، ولو وجد واحد أخذ نصفها .
والغني كالفقير عند الحنفية ، والشافعية ،
والحنابلة .
وعند المالكية إن كان فيهم محتاج ، أو أحوج
وجب إيثاره ، أي زيادته على غيره وسواء أكان
ذلك المحتاج أقرب أم أبعد . (٢)
١٨ - وإذا وجدت قرابة الأم مع قرابة الأب
فالفقهاء في الاستواء وعدمه على رأيين :
الأول : استواؤهما مع قرابة الأب ، وهو قول
الحنفية ، وأشهب من المالكية ، وهو قول الشافعية
بالنسبة لوصية غير العرب ، والمعتمد في كثير من
كتبهم بالنسبة لوصية العرب ، لأن العرب
يفتخرون بالأم ، فقد صح أنه ﴾ قال عن
(١) ابن عابدين ٢٦٤/٥، والتاج والإكليل ٦/ ٣٧٣، وشرح
الروض ٥٣/٣ المغني مع الشرح الكبير ٦/ ٥٤٩، ومطالب
أولي النهى ٤/ ٣٥٩
(٢) الطحطاوي على الدر ٤/ ٣٣١، والبحر الرائق ٥٠٨/٨،
وبلغة السالك ٤/ ٤٧٠، والدسوقي على الدردير ٤/ ٤٢٦،
٤٣٢، وشرح الروض ٥٢/٣، وكشاف القناع ٤/ ٢٤٣،
ابن عابدين ٤٣٩/٥، والحطاب ٣٧٣/٦، والشرح الصغير
٥٩٢/٤، والمغني مع الشرح الكبير ٦/ ٥٣٣، ٥٤٩.
سعد بن أبي وقاص: (( سعد خالي فلير ني امرؤ
خاله)).(١)
واستواء قرابة الأم قول الحنابلة أيضا ، إن كان
يصلهم في حياته .
الثاني : المنع من دخول قرابة الأم . وهو قول
ابن القاسم من المالكية إن وجدت قرابة للموصي
من جهة الأب غير وارثة ، وهو الأصح عند بعض
الشافعية بالنسبة لوصية العرب ، لأن العرب لا
يفتخرون بالأم ، وهو قول الحنابلة إن كان يصلهم
في حیاته . (٢)
ولا يدخل الوارث بالفعل إن أوصى الأرحام
نفسه، (٣) وهذا عند الحنفية والمالكية والحنابلة ،
وهو قول الشافعية ، وقيل يدخل ، لوقوع الاسم
عليه ثم يبطل نصيبه لتعذر إجازته لنفسه ، ويصبح
الباقي لغيره ، وقيل يدخل ويعطى نصيبه، فإِن منع
فلا يدخل أيضا عند الحنفية ، ويدخل عند المالكية
والحنابلة ، وهو ما يفهم من كلام الشافعية
السابق . (٤)
(١) حديث ((سعد خالي، فليرني امرؤ خاله)) أخرجه الترمذي
( تحفة الأحوذي ٢٥٤/١٠ - ط مطبعة الاعتماد بمصر)
والحاكم (٤٩٨/٣ - ط حيدر آباد الدكن ) وصححه .
(٢) البحر الرائق ٥٠٨/٨، والدسوقي على الدردير ٤٣٢/٤،
والشرواني على التحفة ٥٨/٧، وشرح الروض ٥٢/٣،
والمغني مع الشرح الكبير ٦/ ٥٤٩
(٣) طحطاوي على الدر ٤/ ٣٣٠، والبحر الرائق ٥٠٧/٨ ،
وابن عابدين ٤٣٩/٥، والخرشي ٤١٨/٥، والدسوقي على
الدردير ٤٣٢/٤، وشرح الروض ٣/ ٥٤، ومطالب أولي
النهى ٤/ ٤٨٢، وكشاف القناع ٣٠٦/٤، والشرواني على
التحفة ٧/ ٥٧
(٤) ابن عابدين ٤٣٩/٥، والخرشي ٤١٨/٥، والجمل على
المنهج ٤ / ٦١، ومطالب أولي النهى ٤/ ٤٨٢، وكشاف القناع
٣٠٦/٤
- ٨٨ -
أرحام ١٩ - ٢١
المحرمات من الأرحام :
١٩ - القرابة سبب من أسباب تحريم النكاح في
الجملة، ويحرم على الرجل أقاربه إلا أربعة . بنات
كل من أعمامه ، وأخواله ، وعماته ، وخالاته . (١)
وبيان المحرمات تفصيلا ، وأدلة التحريم يأتي
ذكرها في ( نكاح ) المحرمات من النكاح .
نفقة الأرحام :
٢٠ - تجب نفقة الوالدين على الأولاد ، ونفقة
الأولاد على الوالدين باتفاق ، وكذلك تجب
للأجداد والجدات والأحفاد عند الحنفية والشافعية
والحنابلة، وقصرها المالكية على الوالد والولد
فقط ، لأن الجد ليس بأب حقيقي وكذلك ولد
الولد. أما بقية الأرحام غير الأصول والفروع، فلا
تجب لهم نفقة ولا تلزمهم إلا عند الحنفية
والحنابلة ، غير أن الحنفية أوجبوها لذي الرحم
المحرم دون غيره ، وتوسع الحنابلة في ذلك
فأوجبوها لكل وارث ، وفي غير الوارث روايتان ،
هذا إن كانوا من غير ذوي الأرحام الذين لا يرثون
بفرض ولا تعصیب ، فإِن کان منهم فلا تجب له
نفقة ، ولا تلزمه إلا عند أبي الخطاب من الحنابلة
عند عدم العصبة وأصحاب الفروض . (٢)
وأدلة نفقة الأرحام وشروطها ومقدارها وسقوطها
(١) فتاوى ابن تيمية ٢٨٢/٢٩، وابن عابدين ٢/ ٢٧٦،
والخطاب ٤ / ٢١١
(٢) ابن عابدين ٢/ ٦٤٤، والخطاب ٢١١/٤، وبلغة السالك
٥٢٥/١، ٥٢٦، والبجيرمي على الخطيب ٤ / ٦٦،
وكشاف القناع ٣١٠/٣، والمغني ٥٨٢/٧ ومابعدها نشر
مكتبة الرياض .
وبقية أحكامها تأتي في مصطلح ( نفقة
الأقارب ) .
النظر واللمس والخلوة بالنسبة للمحارم :
٢١ - الرحم غير المحرم كالأجنبي في النظر واللمس
والخلوة ( ر : أجنبي ) .
أما المحارم من الأرحام فللفقهاء في نظر الرجال
إلى النساء - ما لم يكن بشهوة - ثلاثة آراء :
أ - جواز النظر إلى جميع بدن المرأة ، عداما بين
السرة والركبة ، وهو قول الشافعية ، وللحنابلة فيه
قول ضعيف . (١)
ب - جواز النظر إلى الذراعين والشعر وما فوق
النحر ، وأطراف القدمين وهو قول المالكية (٢)
جـ - جواز النظر إلى الوجه والرقبة واليد والقدم
والرأس والساق ، وهو رأي الحنابلة ، (٣) ويكره
عندهم النظر إلى الساق والصدر للتوقي لا
للتحريم .
د - جواز النظر إلى الرأس والوجه والصدر والساق
والعضد وهو رأي الحنفية . (٤)
أما بالنسبة لما يحرم على المرأة من الرجل فهو
ما بين السرة والركبة . ولكل من المالكية
والحنابلة قول آخر ، هو الصحيح عندهما ، أنها
لا يجوز أن تنظر منه إلا ما يجوز للرجل أن ينظر إليه
(١) شرح الروض ٣/ ١١٠، ١١١، فتاوى ابن تيمية
١٥/ ٤١٣، والمغني ٧/ ٤٥٥
(٢) الحطاب ١/ ٥٠٠
(٣) المغني مع الشرح الكبير ٧/ ٤٥٥، مطالب أولي النهى ١٢/٥
(٤) ابن عابدين ٢٣٥/٥، والبدائع ١٢٠/٥
- ٨٩ -
أرحام ٢٢ - ٢٥
من ذوات المحارم ، ويجوز النظر إلى ما دون
ذلك.(١)
وكل ماحرم نظره حرم مسه ، لأنه أبلغ في
اللذة . (٢) وتجوز الخلوة بالمحارم باتفاق. (٣)
وتفاصيل هذه الأحكام تأتي في مصطلحاتها .
ولاية الأرحام للنكاح :
٢٢ - المالكية ، والشافعية ، والحنابلة، ومحمد بن
الحسن من الحنفية على أن الأرحام - غير العصبة -
ليس لهم حق في ولاية النكاح .
والأصح عند أبي حنيفة وأبي يوسف أنهم يلون
عقد النكاح عند عدم العصبة . (٤)
وبيانهم وترتيبهم في الولاية يذكر في مصطلح نكاح
( ولايته ) .
الرحمية في الحدود والتعازير :
٢٣ - أحيانا تكون الرحمية سببا في تشديد العقوبة ،
كما في قتل ذي الرحم المحرم، وأحيانا تكون سببا في
رفعها ، كما لوقتل الأب ولده أو قذفه ، ولتفصيل
ذلك انظر : (قصاص ، زنى ، قذف ، سرقة).
(١) البدائع ١٢٢/٥، وشرح الروض ١١٠/٣، ومطالب أولي
النهى ١٥/٥، وبلغة السالك ١٠٦/١، والخطاب
٥٠١/١، والمغني ٦/ ٥٦٣ ط الرياض .
(٢) المراجع السابقة .
(٣) بلغة السالك ١٠٦/١، وشرح الروض ٣/ ١١٠، ومطالب
أولي النھی ٢٢/٥
(٤) ابن عابدين ٣١٢/٢، ٣١٣، والفواكه الدواني ٣١/٢،
وكفاية الطالب الرباني ٣٩/٢، والبجيرمي على الخطيب
٣٤٢/٣، ومطالب أولي النهى ٢٦١/٥
شهادة ذوي الأرحام والقضاء لهم :
٢٤ - لا تقبل شهادة أصل لفرعه ، ولا فرع
لأصله ، لأن كلا منهما يميل بطبعه للآخر ،
ولحديث: (( فاطمة بضعة مني ، يريبني
ما أرابها)).(١)
أما بقية الأرحام فتقبل شهادتهم ، غير أن
المالكية اشترطوا لقبول شهادة الأخ أن يكون مبر زا
في العدالة، وألا يكون في عيال من يشهد له ، وألا
تكون الشهادة في جرح فيه قصاص . (٢).
ولا يقضي القاضي لمن لا تجوز شهادته له ،
نص على ذلك الحنفية ، والمالكية، والشافعية ،
وهو الصحيح عند الحنابلة ، ويجوز قضاؤه لباقي
أقاربه، إلا أن المالكية قالوا : لا يقضي للعم ، إلا
(٣)
إن كان مبرزا في العدالة .
ومقابل الصحيح عند الحنابلة جواز القضاء لمن
يشهد له ، قاله أبو بكر. وقيل : يجوز بين والديه
وولده . (٤)
عتق الأرحام :
٢٥ - المذاهب الأربعة على أن الوالدين - وإن
علوا - يعتقون على المولودين بالتملك ، وأن
المولودين - وإن نزلوا - يعتقون على الوالدين ،
وسواء في ذلك الذكر والأنثى، والمسلم والكافر ،
(١) حديث ((فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها)) أخرجه البخاري
(فتح الباري ٩/ ٣٢٧ ط السلفية).
(٢) ابن عابدين ٤/ ٣٨٠، والفتاوى الهندية ٣/ ٣٧٠،
والدسوقي ١٦٨/٤، ١٦٩، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٤٤،
والمحرر ٣٠٣/٢ ، ومطالب أولي النهى ٦/ ٦٢٥
(٣) المراجع السابقة ، وتبصرة الحكام ١/ ٨١
(٤) الإنصاف ٢١٦/١١
- ٩٠ -
أرحام ٢٥ ، إرداف ١ - ٢
لأنه حكم متعلق بالقرابة ، فاستوى فيه
الجميع . (١) واستدلوا على وجوب إعتاق الوالدين
بقول الله سبحانه : ((وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذَّ
مِنَ الرَّحْمَةِ)) (٢) الآية، ولا يتأتى خفض الجناح
مع الاسترقاق ، وعلى عتقِ المولودين بقول الله
سبحانه: ((وَمَايَنْبَغِي لِلَّحْنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدَأَ إِنْ كُلُّ
مَنْ فِي السَّمُواتِ وَالأَرْضِ إِلَّ آتِي الرَّحْمَنِ
عَبْدا)) (٣) الآية .
ويقول سبحانه: ((وَقَالُوا: أَتَّخَذَ الرَّحْمنُ
وَلَدا)) (٤) الآية ، دل كل منهما على نفي اجتماع
الولدية والعبدية . (٥)
أما بقية الأرحام غير الأصول والفروع فللعلماء
في عتقهم عند تملكهم ثلاثة آراء .
الأول : عتق ذوي الرحم المحرم ، وهو مذهب
الحنفية والحنابلة ، فمن ملك قريبا ذا رحم محرم
عتق عليه . وصفة ذي الرحم المحرم أن يكون
قريبا حرم نكاحه . (٦) والمحرم بلا رحم كأن يملك
زوجة ابنه أو أبيه لا يعتق عليه، وكذا الرحم بلا
محرم ، كبني الأعمام والأخوال .
الثاني : الاقتصار على الإِخوة والأخوات ، وأما
ما عدا ذلك من أولاد الإخوة والأخوات والأعمام
والعمات والأخوال والخالات ، فإِنه لا يعتق أحد
(١) الفتاوى الهندية ٨/٢، والخرشي ١٢١/٨، ومغني المحتاج
٤ / ٤٩٩، ٥٠٠، وشرح الروض ٤ / ٤٤٦، ومطالب أولي
النهى ٤ /٦٩٦
(٢) سورة الإسراء / ٢٤
(٣) سورة مريم / ٩٢، ٩٣
(٤) سورة مريم / ٨٨
(٥) شرح الروض ٤ /٤٤٦
(٦) الفتاوى الهندية ٢/ ٨٠٧
من هؤلاء بالملك ، وهذا هو مذهب المالكية . (١)
الثالث : الاقتصار على الأصول والفروع ،
وهو مذهب الشافعية . (٢)
إرداف
التعريف :
١ - الإرداف: مصدر أردف، وأردفه: أركبه
خلفه. ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا
المعنى . (٣)
الحكم الإجمالي :
٢ - يجوز إرداف الرجل للرجل، والمرأة للمرأة إذا لم
يؤد إلى فساد أو إثارة شهوة، لإِرداف الرسول وَل
الفضل بن العباس . (٤)
ويجوز إرداف الرجل لامرأته، والمرأة لزوجها،
الإِرداف الرسول مَّ لزوجته صفية رضي الله
عنها. (٥) وإرداف الرجل للمرأة ذات الرحم المحرم
جائز مع أمن الشهوة. وأما إرداف المرأة للرجل
الأجنبى، والرجل للمرأة الأجنبية فهو ممنوع، سدا
للذرائع، واتقاءً للشهوة المحرمة .
(١) الخرشي ١٢١/٨
(٢) شرح الروض ٤ / ٤٤٦، ومغني المحتاج ٤ / ٤٩٩، ٥٠٠
(٣) المصباح ولسان العرب (ردف)
(٤) حديث ((إردافه الفضل)) أخرجه البخاري ومسلم في كتاب الحج
من صحيحيهما (اللؤلؤ والمرجان ص ٢٩٥)
(٥) حديث ((إردافه صفية)) أخرجه البخاري (فتح الباري
١٠ / ٥٦٩ ط السلفية)
- ٩١ -
إرداف ٣ ، إرسال ١ - ٢٠
الضمان بالإرادف .
٣ - إذا استأجر رجل دابة ليركبها، وأردف خلفه
آخر بغير إذن صاحبها، فهلكت الدابة بسبب
الإِرداف، ضمن نصف قيمتها عند الحنفية، وهو
رأي للحنابلة، ويضمن الكل عند المالكية
والشافعية، وهو الراجح عند الحنابلة. (١)
إرسال
التعريف :
١ - الإِرسال لغة : مصدر (أرسل) يقال : أرسل
الشيء : أطلقه وأهمله ، ويقال : أرسل الكلام
أي أطلقه من غير تقييد ، وأرسل الرسول : بعثه
برسالة ، وأرسل عليه شيئا: سلطه عليه ، وفي
القرآن الكريم قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَأَنَّا أَرْسَلْنَاَ
الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا))(٢)
ويستعمل الفقهاء كلمة الإِرسال بإِطلاقات
متعددة منها ما يلي :
الإِرخاء ، كإرسال اليدين في الصلاة ، وإرسال
طرف العمامة ، وإرسال الشعر بعدم ربطه .
والتوجيه، كإرسال شخص إلى آخر بمال أو رسالة أو
(١) فتح القدير ٧/ ١٦٩ ط دار صادر، وتحفة المحتاج ١٨٣/٦ -
١٨٤ ط دار صادر، والإنصاف ٦/ ٥٤ ط حامد الفقي، وحاشية
الدسوقي ٣٧/٤ -٣٨ - ط دار الفكر، والبخاري وشرحه فتح
الباري ٣٢٧/١٠، والقرطبي ٢١٤/٥ ط دار الكتب، وابن
عابدين ٢٧٢/١ ط الأولى، والقليوبي ٨٢/٣، وابن عابدين
٢٣٥/٥، ٢٣٨، والمجموع للنووي ٢٨/٢، ٣١
(٢) سورة مريم / ٨٣
نحو ذلك . والتخلية، وذلك كإرسال المحرم
ما تحت يده من صيد. والإهمال، كإرسال الماء
والنار والحيوان . والتسليط، كإرسال الحيوان أو
السهم على الصيد .
وبمعنى عدم الإِضافة وعدم الإِطلاق، ومثال
ذلك ما أورده ابن نجيم فيما إذا جرى الخلع بين
الزوج والمرأة فإِليها القبول ، سواء أكان البدل
مرسلا أم مطلقا ، أم مضافا إلى المرأة أو الأجنبي
إضافة ملك أو ضمان. ومتى جرى الخلع بين
الأجنبي والزوج، فإِن کان البدل مرسلا ( أي معينا
بغير الإِضافة ) فالقبول إليها كقولها: أخلعني على
هذه الدار، فإن قدرت على تسليمها سلمتها،
وإلا فالمثل فيما له مثل، والقيمة في القيمي، وتتمَّة
هذا في الخلع. (١) والمطلق كقولها: خالعني على
ثوب . والمضاف كقولها : خالعني على داري. (٢)
ويستعمل علماء الأصول الإِرسال في المصلحة
المرسلة ، لأنها كل مصلحة أطلقها الشارع فلم
يعتبرها ولم يلغها .
والإِرسال في الحديث له إطلاق خاص سيأتي
فيما يلي :
الإِرسال في الحديث :
٢ - يطلق لفظ الإِرسال عند جمهور المحدثين على
ترك التابعي الواسطة التي بينه وبين الرسول وال* ،
بأن رفع التابعي الحديث للرسول وَل# ، سواء أكان
(١) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ١٠١/٤ للعلامة زين الدين بن
نجيم، دار المعرفة . بيروت.
(٢) حاشية منحة الخالق على البحر الرائق ١٠١/٤ للعلامة محمد
أمين الشهير بابن عابدين .
- ٩٢ -
إرسال ٣
کبیرا أم صغيرا، بأن قال : قال رسول # كذا ،
أو فعل كذا ، أو فعل بحضرته كذا، أونحوذلك .
وبعضهم خصه برفع التابعي الكبير، وهو
الذي رأى جماعة من الصحابة وجالسهم
كعبد الله بن عدي، وسعيد بن المسيب، وأمثالهما .
أما إذا انقطع الإِسناد قبل الوصول إلى
التابعي، بأن كان فيه راولم يسمع من المذكورين
فوقه ، فليس بمرسل عند الحاكم وغيره من أهل
الحديث ، بل يسمى منقطعا، إن كان الساقط
واحدا فحسب، وإن كان أكثر سمي معضلا، وأما
عند أهل الأصول فكل ذلك يسمى مرسلا .
وذهب إليه من المحدثين الخطيب وقطع به . (١)
وجاء في مسلم الثبوت : الأولى أن يقال: ما رواه
العدل من غير إسناد متصل ليشمل المنقطع. وأما
عند أهل الحديث فالمرسل قول التابعي : قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم
كذا، والمعضل ماسقط من إسناده اثنان من الرواة،
والمنقطع ما سقط واحد منها، والمعلق ما رواه من
دون التابعي من غير سند، والكل داخل في المرسل
عند أهل الأصول، ولم يظهر لكثير الاصطلاح
والأسامي فائدة .
أقسام وحكم الحديث المرسل :
٣ - ينقسم المرسل إلى أربعة أقسام هي :
القسم الأول : ما أرسله الصحابي : حكمه أنه
مقبول بالإجماع، وذلك للإجماع على عدالة
(١) حاشية الرهاوي على المنار ص٦٤٣ - ٦٤٤ ليحيى الرهاوي
المصري المطبعة العثمانية .
الصحابة الكرام .(١)
القسم الثاني : إرسال القرن الثاني والثالث أي
التابعين وتابعيهم، وقد اختلفت آراء العلماء في
الاحتجاج به، إذ أنه حجة عند الحنفية والمالكية
وأشهر روايتي الحنابلة ، إذا كان المرسل عدلا .
أما الشافعي فلا يعتبره حجة إلا إذا تأيد بآية ،
أو سنة مشهورة ، أو موافقة قياس صحيح ، أوقول
صحابي ، أو تلقته الأمة بالقبول ، أو اشترك في
إرساله عدلان، بشرط أن يكون شيخاهما
مختلفین ، أو ثبت اتصاله بوجه آخر ، بأن أسنده
غير مرسله ، أو أسنده مرسله مرة أخرى .
ولثبوت الاتصال بوجه آخر قبلت مراسيل
سعيد بن المسيب، لأنها بالتتبع وجدت مسندة
( أي متصلة مرفوعة إلى النبي ◌َليو) وأكثرها مما
سمعه عن عمر بن الخطاب. وهذا ما ذكره
الشافعي في احتجاجه بالمرسل أو عدمه . (٢)
وأما رأي الإِمام أحمد فیتضح بما نقله صاحب
شرح روضة الناظر، ومفاده أن للإِمام روايتين
أشهرهما أنه حجة . (٣)
القسم الثالث : ما أرسله العدل من غير القرون
الثلاثة: ويعتبر هذا النوع من المراسيل حجة عند
أبي الحسن الكرخي، لأن إرسال العدل يقبل في
كل عصر، إذ أن العلة التي توجب قبول مراسيل
(١) أنوار الحلك على شرح المنار لابن ملك ص٦٤٤ لشيخ الإسلام
محمد بن إبراهيم الشهير بابن الحلبي / المطبعة العثمانية .
(٢) شرح المنار ص٦٤٤ لعز الدين عبداللطيف بن عبدالعزيز بن
الملك / المطبعة العثمانية .
(٣) نزهة الخاطر العاطر في شرح روضة الناظر وجنة المناظر ٣٢٣/١
لعبد القادر بن بدران الحنبلي / المطبعة السلفية.
- ٩٣ -
إرسال ٤
القرون الثلاثة وهي العدالة والضبط، تشمل سائر
القرون. (١)
القسم الرابع : ما أرسل من وجه واتصل من وجه
آخر، فهو مقبول عند الأكثر، لأن المرسل ساكت
عن حال الراوي، والمسند ناطق، والساكت لا
يعارض الناطق، مثل حديث: (لا نكاح إلا بولي)
رواه إسرائيل بن يونس مسندا، ورواه شعبة
مرسلا. وقال بعض العلماء: لا يقبل هذا النوع من
المراسيل، لأن سكوت الراوي عن ذكر المروي عنه
بمنزلة الجرح فيه، وإسناد الآخر بمنزلة التعديل،
وإذا اجتمع الجرح والتعديل يعمل بالجرح. (٢)
أولا : الإِرسال بمعنى الإِرخاء
كيفية وضع اليدين في الصلاة :
٤ - اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال :
الأول : أن يضع المصلي یده الیمنی علی یده
اليسرى، وهو اختيار جمهور العلماء من الحنفية
والشافعية والحنابلة، وهو رواية مطرف وابن
الماجشون عن مالك، وقالوا: إنه السنة(٣)
واستدلوا بما يلي:
أ -ما رواه سهل بن سعد قال: کان الناس يؤمرون
أن يضع المصلي الید الیمنی علی ذراعه اليسرى في
الصلاة . قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي (٤)
(١) كشف الأسرار ٣/ ٧
(٢) شرح المنار ص ٦٤٤
(٣) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٥٣٣/٢ للعلامة علاء الدين
أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي - مطبعة الإِمام بالقاهرة،
ومغني المحتاج ١٥٢/١ الخطيب الشربيني - دار الفكر
بيروت، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٣٣٣/١ للعلامة
منصور بن يونس بن ادريس البهوتي، الناشر مكتبة النصر
الحديثة/ الریاض.
(٤) أي يسند ذلك ويرفعه .
ذلك إلى النبي ◌َلآر. (١)
ب - ما روي عن وائل بن حجر في صفة صلاة
النبي ◌َّر أنه وضع يده اليمنى على كفه اليسرى
والرسغ والساعد. (٢)
ج - ما روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: مربي
النبي 18َّ وأنا واضع يدي اليسرى على اليمنى
فأخذ بيدي اليمنى فوضعها على اليسرى. (٣)
الثاني : استحباب الإِرسال وكراهية القبض في
الفرض، والجواز في النفل، قيل: مطلقا، وقيل :
إن طوّل. وهذه رواية ابن القاسم عن مالك في
المدونة، وإليه ذهب الشيخ خليل وشراح متنه
کالدردير والدسوقي، وعللت الكراهة في الفرض
بأن القبض فیه اعتماد علی الیدین فأشبه الاستناد،
ولذلك قال الدردير: فلو فعله لا للاعتماد بل استنادا
لم يكره، ثم قال: وهذا التعليل هو المعتمد، وعليه
فيجوز في النفل مطلقا، بجواز الاعتماد فيه بلا
ضرورة .
الثالث : إباحة القبض في الفرض والنفل ، وهو
قول مالك في سماع أشهب وابن نافع .
وذكر الحطاب نقلا عن ابن فرحون : وأما
إرسالهما (( أي اليدين )) بعد رفعهما فقال سند: لم أر
فيه نصا ، والأظهر عندي أن يرسلهما حال التكبير ،
(١) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل
البخاري نشر دار الطباعة المنيرة/ بالقاهرة.
(٢) صحيح مسلم ١/ ٣٠١ للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج
القشيري النيسابوري/ طبع دار إحياء الكتب العربية - عيسى
الحلبي / القاهرة، ونيل الأوطار ٢/ ٢٠٧، ٢٠٨ للشيخ محمد
ابن علي الشوكاني/ مطبعة مصطفى الحلبي.
(٣) سنن ابن ماجه ٢٦٦/١ للحافظ أبي عبدالله محمد بن يزيد
القزويني / مطبعة عيسى الحلبي / القاهرة.
- ٩٤ -
إرسال ٥ - ٦
ليكون مقارنا للحركة، وينبغي أن يرسلهما
برفق . (١)
هذا ، وقد ذكر عن الشافعية ما يؤيد قول
المالكية إذ قال الشربيني مانصه: (( والقصد من
القبض المذكور - يعني قبض اليدين في الصلاة -
تسكين اليدين فإِن أرسلهما ولم يعبث فلا
بأس )) (٢)
الرابع : منع القبض فيهما ، حكاه الباجي ،
وتبعه ابن عرفة ، ولكن قال المسناوي : هذا من
الشذوذ . (٣)
إرسال العذبة من العمامة والتحنيك بها : (٤)
٥ - أورد الحطاب نقلا عن المدخل لابن الحاج أن
العمامة بغير عذبة ولا تحنيك بدعة مكروهة ، فإن
فعلهما فهو الأكمل ، وإن فعل أحدهما فقد خرج به
من المكروه ، وقد نقل عن عبد الحق الأشبيلي أنه
قال : وسنة العمامة بعد فعلها أن يرخي طرفها
ويتحنك ، فإِن كانت بغير طرف ولا تحنيك فيكره
عند العلماء .
أما النووي فقد روي عنه أنه قال : لا كراهة في
إرسال العذبة ولا عدم إرسالها، إلا أن الشيخ
الكمال ابن أبي شريف قد تعقبه بقوله : بأن ظاهر
كلامه أنه من المباح المستوي الطرفين ، قال :
وليس كذلك ، بل الإِرسال مستحب وترکه خلاف
الأولى .
(١) مواهب الجليل ١/ ٥٣٧ لأبي عبد الله محمد بن محمد بن
عبدالرحمن المغربي المعروف بالخطاب. مكتبة النجاح - ليبيا.
(٢) الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ١٣١/١
(٣) الدسوقي ١/ ٢٥٠، والمدونة ١/ ٧٤، وبداية المجتهد
١٣٧/١، والمنتقى شرح الموطأ ١/ ٢٨١، والزرقاني ٢١٤/١
(٤) التحنيك ، هو إدارة العمامة من تحت الحنك.
وبالنسبة للحنفية فالمنصوص عليه أنه يندب
إرسال ذنب العمامة بين الكتفين إلى وسط الظهر،
وقيل لموضع الجلوس، وقيل شبرا. (١)
أما عند الحنابلة فلا خلاف في استحباب العمامة
المحنكة وكراهة الصماء ، قال صاحب النظم :
يحسن أن يرخي الذؤابة خلفه ولو شبرا على نص
أحمد .
وقد ذكر السخاوي عن معجم الطبراني الكبير
بسند حسن أنه # بعث عليا إلى خيبر فعممه
بعمامة سوداء، ثم أرسلها من ورائه أو قال على
كتفه الأيسر، وتردد راويه فيه، وربما جزم
بالثاني. (٢)
ثانيا : الإِرسال بمعنى بعث الرسول
الإِرسال في النكاح :
٦ - اتفق الفقهاء في الجملة على صحة الإِرسال في
النكاح وترتب آثاره، وهناك تفريعات في المذاهب
منها ما ذهب إليه الحنفية، أنه لو أرسل الرجل إلى
امرأة رسولا، أو كتب إليها كتابا قال فيه :
تزوجتك، فقبلت بحضرة شاهدين، سمعا كلام
الرسول أو قراءة الكتاب جاز ذلك، لاتحاد المجلس
من حيث المعنى، لأن كلام الرسول هو كلام
المرسل لأنه ينقل عبارته، وكذا الكتاب بمنزلة
الرسول، فكان سماع قول الرسول أو قراءة الكتاب
سماع قول المرسل أو كلام الكاتب معنى. وإن لم
يسمعا كلام الرسول أو قراءة الكتاب لا يجوز عند
أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وقال
(١) ابن عابدين ٥/ ٤٨١، والآداب الشرعية ٥٣٦/٣
(٢) مواهب الجليل ١/ ٥٤١
- ٩٥ -
إرسال ٧ - ٩
أبو يوسف: إذا قالت المرأة زوجت نفسي يجوز وإن
لم يسمعا كلام الرسول أو قراءة الكتاب، بناء على
أن قولها: زوجت نفسي شطر العقد عند أبي حنيفة
ومحمد، والشهادة في شطري العقد شرط، لأنه
يصير عقدا بالشطرين، فإِذا لم يسمعا كلام الرسول
وقراءة الكتاب فلم يوجد شطر الشهادة على
العقد. وقول الزوج بانفراده عقد عند أبي يوسف،
وقد حضر الشاهدان. (١) هذا، وقد وافق الشافعية
والمالكية والحنابلة أبا حنيفة ومحمدا في قولهما
هذا. (٢)
الإِرسال لنظر المخطوبة :
٧ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى: أنه إذا
لم يتيسر للرجل أن ينظر إلى المخطوبة فله أن يرسل
من يثق بها من النساء لتنظر له المخطوبة، ثم
تصفها له بعد ذلك، استدلالا بفعله {حصل*، إذ روي
أنه «بعث أم سليم إلى امرأة وقال: انظري
عرقوبيها وشمي معاطفها)). (٣) رواه الحاكم
وصححه. هذا، وقد نقل عن الشبراملسي في
حاشيته على نهاية المحتاج تعليقا على هذه الحالة
قوله: لو أمكنه إرسال امرأة تنظرها له وتصفها له لا
يجوز له النظر بعد ذلك، وقد يتوقف، إذ أن الخبر
لیس کالعیان، فقد يدرك الناظر من نفسه عند
المعاينة ما تقصر العبارة عنه . (٤)
(١) بدائع الصنائع ١٣٣٥/٣ نشر زكريا علي يوسف.
(٢) الأم ٧٣/٥ للإِمام أبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي -
كتاب الشعب/ القاهرة، والمدونة الكبرى ٤/ ٢٤ لإمام دار
الهجرة الإِمام مالك بن أنس رواية سحنون التنوخي / مطبعة
الصادق/ القاهرة، وكشاف القناع ٥/ ١٠
(٣) نيل الأوطار للشوكاني ٦/ ١٢٥
(٤) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٦/ ١٩٣ مطبعة
مصطفى الحلبي.
الإِرسال في الطلاق :
٨ - اتفق الفقهاء على أن الزوج إذا أرسل إلى
زوجته كتابا ضمنه قوله: أنت طالق، فالحکم أنها
تطلق في الحال، سواء وصل إليها الكتاب أم لم
يصل، ويعتبر ابتداء عدتها من حين كتابته
الكتاب .
أما إذا كتب إليها ما مفاده: إذا وصلك كتابي
فأنت طالق، فأتاها الكتاب طلقت من تاريخ
الوصول، لأن شرط وقوع الطلاق هو وصول
الكتاب إليها . (١)
الإِرسال في التصرفات المالية :
الإرسال في عقود المعاوضات :
٩ - اتفق الفقهاء على أنه لو أرسل شخص إلى
غيره رسولا أو کتابا یطلب منه فيه أن يبيعه شيئا ما،
وقبل المرسل إليه خلال المجلس الذي تلي فيه
الكتاب المرسل، أوسماع أقوال الرسول فقد تم
البيع بين المتعاقدين، لأن الرسول سفير ومعبر عن
كلام المرسل، ناقل كلامه إلى المرسل إليه، فكأنه
حضر بنفسه، فأوجب البيع، وقبل الآخر في
المجلس.
وهذا الحكم في عقد البيع يسري على عقد
الإِجارة، والمكاتبة، (٢) إلا أن المالكية يفرقون في
(١) المغني مع الشرح الكبير ٨/ ٤١٤ للإِمام موفق الدين بن
قدامه / دار الكتاب العربي - بيروت، وفتح القدير ٩٣/٣،
والبدائع ٤/ ١٨٥٠، والبجيرمي ٩/٤، ومواهب الجليل
٩١/٤، ٩٢، والتاج والإكليل ٩٨/٤
(٢) كشاف القناع ٤/٢، وحاشية البجيرمي على شرح منهج
الطلاب ١٦٩/٢، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٣٨٢/٣
لأبي البركات سيدي أحمد الدردير - مطبعة عيسى الحلبي -
وبدائع الصنائع ٦/ ٢٩٩٤
- ٩٦ -
إرسال ٩ - ١١
حكم الإِرسال بالشراء تبعا للفظ الرسول، فإِذا
أسند الرسول الشراء لنفسه طولب بالثمن، لكن
إذا أقر المرسل بأنه أرسله كان للبائع غريمان، فيتبع
أيهما شاء، إلا أن يحلف المرسل أنه دفع الثمن
للرسول فإِنه يبرأ، ويتبع الرسول، أما إذا أسند
الشراء لمن أرسله فإِنه لا يطالب بالثمن، وإنما الذي
يطالب به المرسل . (١)
هذا، وقد ذكر الدردير في شرحه الكبير أن
الرسول إذا قال: بعثني فلان لتبيعہ کذا بمائة، أو
ليشتري منك كذا بمائة مثلا، فرضي صاحب
السلعة، لا يطالب الرسول بالثمن، فإِن أنكر فلان
هذا أنه أرسله فالثمن على الرسول. أما إذا قال:
بعثني فلان لأشتري له منك، فيطالب الرسول
بالثمن، لأنه في الحالة الأولى أسند الشراء لغيره،
وفي الحال الأخيرة أسند الشراء إلى نفسه. (٢)
كما أجمع الحنفية على أن الرسول بالشراء لا
يملك إبطال الخيار، ولا تكون رؤيته رؤية
المرسل، ويثبت الخيار للمرسل إذا لم يره. (٣) وقد
عقب الإِمام السرخسي في المبسوط على هذا الأمر
بأن رؤية الرسول وقبضه لا يلزم المرسل المتاع، لأن
المقصود علم العاقد بأوصاف المعقود عليه ليتم
رضاه، وذلك لا يحصل برؤية الرسول، فأكثرما
فيه أن قبض رسوله كقبضه بنفسه، ولو قبض بنفسه
قبل الرؤية كان بالخيار إذا رآه، فكذلك إذا أرسل
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٨٢/٣ للعلامة شمس
الدين الشيخ محمد عرفه الدسوقي - مطبعة عيسى الحلبي.
(٢) الشرح الكبير للدردير ٣٨٢/٣
(٣) الفتاوى الهندية ٦٥/٣ تأليف العلامة الشيخ نظام وجماعة من
علماء الهند الأعلام/ المكتبة الإسلامية بتركيا.
رسولا فقبضه له. (١)
ملكية الشيء المرسل :
١٠ - قرر الأئمة أن الشيء المرسل باق على ملك
مرسله، حتى يقبضه المرسل إليه، وما دام لم يقبضه
فهو باق علی ملك مرسله، وقد عينه لإِنسان فلم
يجز لغيره أخذه مطلقا. (٢)
الضمان في الإرسال :
١١ - ذكر الدردیر أنه إن زعم شخص أنه مرسل من
زيد لاستعارة حلي له من بكر، فدفع له بكر ما
طلب، وزعم الرسول أنه تلف منه، ضمنه زید
(المرسل) إن صدقه في الإِرسال، وإن لم يصدقه
حلف أنه لم يرسله وبرىء، ثم حلف الرسول: لقد
أرسلني وأنه تلف بلا تفريط مني وبرىء أيضا،
وضاع الحلي هدرا.
لكن الراجح أن الرسول يضمن - ولا يبرأ
بالحلف - إلا لبينة بالإِرسال، فالضمان على
(٣)
المرسل. (٣)
أما قاضيخان فقد قال في فتاويه: رجل بعث
رسولا إلى براز أن أبعث إليّ بثوب كذا وكذا بثمن
كذا وكذا، فبعث إليه البزاز مع رسوله أو مع غيره،
فضاع الثوب قبل أن يصل إلى الآمر، وتصادقوا
على ذلك وأقروا به، فلا ضمان على الرسول في
شيء، وإن بعث البزاز مع رسول الآمر فالضمان
على الآمر، لأن رسوله قبض الثوب على المساومة،
(١) المبسوط ١٣/ ٧٣ لشمس الدين السرخسي - دار المعرفة
للطباعة والنشر / بيروت .
(٢) الفتاوى الكبرى الفقهية ٣/ ٣٧٠
(٣) حاشية الدسوقي ٣/ ٤٤١
- ٩٧ -
إرسال ١١
وإن كان رسول رب الثوب معه. فإذا وصل الثوب
إلى الآمر يكون ضامنا. (١)
قال الحنفية : ولو أرسل رجل رسولا إلى رجل
آخر وقال له: ابعث إليّ بعشرة دراهم قرضا فقال:
نعم، وبعث بها مع رسوله، كان الآمر ضامنا لها،
إذا أقر أن رسوله قبضها .
ولو بعث رجلا ليستقرضه ألف درهم فأقرضه
فضاع في يده، إن قال الرسول أقرض فلانا
المرسل، فهي للمرسل وعليه الضمان، وإن قال
الرسول: أقرضني لفلان المرسل فأقرضه، وضاع في
يده، فعلى الرسول الضمان. فحاصل المسألة أن
التوكيل بالإِقراض يجوز، وبالاستقراض لا يجوز،
والرسالة بالاستقراض للآمر جائزة، وإن أخرج
الوكيل بالاستقراض الكلام مخرج الرسالة يقع
القرض للأمر، وإن أخرجه مخرج الوكالة بأن
أضاف إلى نفسه يصير مستقرضا لنفسه، ويكون
ما استقرض من الدراهم له، وله أن يمنعها من
الموكل. (٢)
وحاصل المسألة : أن الرسول إن كان رسول
رب المال فالودیع یبرأ بالدفع إلى الرسول ولومات
الرسول قبل الوصول، ويرجع الكلام بين رب المال
وورثة الرسول، فإِن مات الرسول قبل الوصول
کان الضمان في ترکته، وإن مات بعد الوصول فلا
رجوع، حملا على أنه أوصله لرب المال.
وإن كان الرسول رسول الوديع فلا يبرأ إلا
بوصوله لرب المال ببينة أو إقرار، فإِن مات الرسول
(١) هكذا ، ولعل المراد ضمان الثمن، انظر الفتاوى الخانية بهامش
الهندية ٦/٣
(٢) الفتاوى الهندية ٢٠٦/٣
قبل الوصول رجع الوديع في تركته، وإن مات بعد
الوصول فلا رجوع وهي مصيبة على الوديع. (١)
قال القاضي عبد الوهاب من المالكية: إن
الوكيل والمودع والرسول مؤتمنون فيما بينهم وبين
الموكل والمودع والمرسل، فإِذا ذكروا أنهم ردّوا ما دفع
إليهم إلى أربابه قبل ذلك منهم، لأن أرباب
الأموال قد ائتمنوهم على ذلك، فكان قولهم مقبولا
فيما بينهم. (٢)
كما لو أرسل رسولا إلى رجل وقال: ابعث إليّ
بعشرة دراهم قرضا، فقال: نعم، وبعث بها مع
رسول الآمر، فالآمر ضامن لها إذا أقر بأن رسوله قد
قبضها، وإن بعث بها مع غيره فلا ضمان على
الآمر حتى تصل إليه. وكذلك لو أن رجلا له على
رجل دين فبعث إلى المديون رسولا أن ابعث إلي
بالدين الذي لي عليك، فإِن بعث به مع رسول
الآمر فهو من مال الأمر.
أما لوبعث رجل إلى رجل بكتاب مع رسول أن
ابعث إليَّ ثوب كذا بثمن كذا، ففعل، وبعث به
مع الذي أتاه بالكتاب، لم یکن من مال الآمر حتى
يصل إليه، وفي هذا إنما الرسول رسول
بالكتاب. (٣)
وإذا أرسل المودع ( بفتح الدال ) الوديعة للمودع
(بكسر الدال) بإِذنه صح هذا الإِرسال، أما إن
أرسلها بغير إذنه فتلفت أوضاعت من الرسول
فعليه ضمانها، إلا في حالة واحدة، هي فيما إذا
عرضت للمودع إقامة طويلة في الطريق، كالسنة
مثلا فالحق أن له أن يبعثها مع غيره - ولو بغير إذن -
(١) الدسوقي بتصرف يسير ٤ / ٤٢٧
(٢) مواهب الجليل ٢١٠/٥
(٣) الفتاوي الخانية بهامش الهندية ٦/٣
- ٩٨ -
إرسال ١١ - ١٢
ولا ضمان عليه إذا تلفت أو أخذها اللص، بل
بعثها إليه في مثل هذه الحالة واجب، ويضمن إن
حبسها، أما إن كانت الإِقامة التي عرضت له
قصيرة کالأيام فالواجب عليه إبقائها معه، فإِن
بعثها - بغير إذن - ضمنها إن تلفت، وأما إن كانت
الإِقامة التي عرضت له متوسطة، كالشهرين مثلا
خيرّ في إرسالها وفي إبقائها، فلا ضمان عليه إن
أرسلها وتلفت، أو حبسها (١) .
وكذلك الحكم في وصي رب المال، إذا أرسل
المال للورثة، أو سافر هو به إليهم من غير إذنهم،
فإِنه يضمن المال إذا ضاع أوتلف. (٢) وكذا
القاضي إذا بعث المال لمستحقه من ورثة أو غيرهم
بغير إذنه، فضاع أو تلف عليه الضمان عند ابن
القاسم، خلافا لقول أصبغ بعدم الضمان عليه .
ونقل ابن قدامة عن الإمام أحمد قوله في رجل له
على آخر دراهم، فبعث إليه رسولا يقبضها،
فبعث إليه مع الرسول دینارا، فضاع من الرسول،
فهو من مال الباعث، لأنه لم يأمره بمصارفته، وإنما
کان من ضمان الباعث لأنه دفع إلى الرسول غير ما
أمره به المرسل. فإِن المرسل إنما أمره بقبض ما لَه في
ذمته، وهي الدراهم، ولم يدفعها، وإنما دفع دينارا
عوضا عن عشرة دراهم، وهذا صرف يفتقر إلى
رضى صاحب الدين وإذنه ولم يأذن، فصار الرسول
وكيلا للباعث في تأديته إلى صاحب الدين
ومصارفته به، فإذا تلف في ید وکیلہ کان من
ضمانه، اللهم إلا أن يخبر الرسول الغريم أن رب
الدين أذن له في قبض الدينار عن الدراهم فيكون
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ٤٢٤
(٢) المصدر السابق ٤٢٥/٣
حينئذ من ضمان الرسول لأنه غرّه وأخذ الدينار على
أنه وكيل للمرسل. وإن قبض منه الدراهم التي أمر
بقبضها فضاعت من الرسول فهي من ضمان
صاحب الدين، لأنها تلفت من يد وكيله. (١)
وروي أيضا عن الإِمام أحمد رضي الله عنه قوله
في رجل له عند آخر دنانیر وثیاب، فبعث إلیه رسولا
وقال: خذ دینارا وثوبا، فأخذ دینارین وثوبین،
فضاعت، فالضمان على الباعث، يعني الذي
أعطاه الدينارين والثوبين، ويرجع به على
الرسول، يعني عليه ضمان الدينار والثوب
الزائدين، وإنما جعل عليه الضمان لأنه دفعهما إلى
من لم يؤمر بدفعهما إليه، ويرجع بهما على الرسول
لأنه غره وجعل التلف في يده فاستقر عليه الضمان،
وللموكل تضمين الوكيل، لأنه تعدى بقبض ما لم
يؤمر بقبضه، فإِذا ضمنه لم يرجع على أحد، لأن
التلف حصل في يده فاستقر الضمان عليه . (٢)
أثر الإرسال في قبول الشهادة للمرسل أو عليه :
١٢ - يتبين أثر الإرسال في قبول الشهادة للمرسل،
أو عليه من خلال ما ذكر عند الفقهاء من أقوال،
فالإِمام الكاساني يبين ذلك بقوله: لو أن رجلا
أرسل رسولا إلى امرأة يريد الزواج منها فكتب إليها
بذلك كتابا، فقبلت بحضرة شاهدين سمعا كلام
الرسول وقراءة الكتاب جاز ذلك، لاتحاد المجلس
من حيث المعنى، لأن كلام الرسول كلام المرسل،
(١) هذا الرأي إنما كان عندما كانت الرغبة في الدنانير غير الرغبة في
الدراهم، والعكس، أما الآن وقد استقرت النسبة بين الدرهم
والدينار، إذا كان النقد في بلد واحد، فلا يختلف الحكم في
قبض الدراهم بدلا عن الدنانير، والعكس.
(٢) المغني لابن قدامة ٢٣٠/٥ - ٢٣١
- ٩٩ -
إرسال ١٣
لأنه ينقل عبارة المرسل. وكذا الكتاب بمنزلة
الخطاب من الكاتب، فكان سماع قول الرسول
وقراءة الكتاب سماع قول المرسل وكلام الكاتب
معنى، وإن لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب
لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى،
بينما عند أبي يوسف إذا قالت: زوجت نفسي
يجوز، وإن لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب،
إذ أن قول الزوج بانفراده عقد عنده،وقد حضر
الشاهدان. (١) فيتضح أن الشهادة هنا مأخوذ بها
عند السماع لكلام المرسل. هذا وقد أيد الدسوقي
الكاساني في اعتبار الشهادة للمرسل، إذ ذكر في
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير أن المودع
یضمن الوديعة إن دفعها للرسول من غیر إشهاد،
لأنه لما دفع لغير اليد التي ائتمنته كان عليه
الإشهاد، فلما تركه صار مفرطا، وأما إن دفع له
بإِشهاد فقد برىء، ويرجع المرسل إليه على
الرسول عند عدم البينة . (٢)
ثالثا : الإِرسال بمعنى الإهمال
حكم ضمان ما أتلفته الحيوانات والمواشي المرسلة :
١٣ - ذهب الشافعية في معرض بیانهم لحكم هذه
المسألة إلى التفريق في حكم الضمان بين الدابة التي
تتلف أموال الغير ومعها راكب، والدابة التي تتلفها
من غیر قائد .
وبناء على هذا التفريق فقد قالوا: إذا أتلفت
الدابة مالا أو نفساً، ليلا أو نهارا، وكان معها راكبها
(١) بدائع الصنائع ١٣٣٥/٣ للعلامة علاء الدين أبي بكر
الكاساني الحنفي مطبعة الإِمام / بالقاهرة
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٢٦/٣ للعلامة شمس
الدين محمد عرفه الدسوقي - مطبعة عيسى الحلبي / بالقاهرة.
فعليه الضمان، لأنها في يده، وعليه تعهدها
وحفظها، ولأنه إذا كان معها كان فعلها منسوبا
إليه .
ولو کان معها سائق وقائد فالضمان عليهما
نصفین، ولو کان معها سائق وقائد مع راکب فهل
يختص الضمان بالراكب أو يجب أثلاثا؟ وجهان :
أرجحهما الأول، ولو كان عليها راكبان فهل يجب
الضمان عليهما أو يختص بالأول، دون الرديف؟
وجهان: أوجههما الأول لأن اليد لهما. (١)
أما إذا أتلفت الدابة أموال الغير من غير أن
يكون معها راكب فهنا ينظر إلى الزمن الذي وقع
فيه الإِتلاف، فإن كان نهارا فلا ضمان على
صاحبها، وإن كان ليلا ضمن، لتقصيره بإِرسالها
ليلا، بخلاف الإرسال نهارا، للخبر الصحيح
الذي رواه أبو داود وغيره. وهو على وفق العادة في
حفظ الزرع ونحوه نهارا والدابة ليلا، ولو تعود أهل
البلد إرسال الدواب وحفظ الزرع ليلا دون النهار
انعكس الحكم، فيضمن مرسلها ما أتلفته نهارا
دون الليل، اتباعا لمعنى الخبر والعادة، ومن ذلك
يؤخذ ما بحثه البلقيني أنه لوجرت عادة بحفظها
ليلا ونهارا ضمن مرسلها ما أتلفته مطلقا.
هذا ، وقد استثنى الشافعية من الدواب التي
يلزم الضمان بإِتلافها الحمام وغيره من الطيور
والنحل، إذ أنه لا ضمان بإِتلافها مطلقا، وهذا
الحكم حكاه في أصل الروضة عن ابن الصباغ،
وعلله بأن العادة إرسالها. (٢)
هذا ، وقد وافق المالكية والحنابلة الشافعية في
(١) الإِقناع ٢/ ٢٠١
(٢) الإقناع ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢
- ١٠٠ -