Indexed OCR Text
Pages 361-380
أذان ١٣ - ١٤ بلال رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم يُؤذنه بالصبح فوجده راقداً فقال : الصلاة خير من النوم مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا يا بلال، اجعله في أذانك. وخص التثويب بالصبح لما يعرض للنائم من التكاسل بسبب النوم.(١) وأجاز بعض الحنفية وبعض الشافعية التثويب في الصبح والعشاء، لأن العشاء وقت غفلة ونوم كالفجر (٢) وأجازه بعض الشافعية في جميع الأوقات، لفرط الغفلة على الناس في زماننا:(٣) وهو مكروه في غير الفجر عند المالكية والحنابلة، وهو المذهب عند الحنفية والشافعية، وذلك لما روي عن بلال أنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء (٤). ودخل ابن عمر مسجدا يصلي فيه فسمع رجلا يثوب في أذان الظهر فخرج، فقيل له : أين؟ فقال : أخرجتني البدعة. (٥) = طريق ابن جريج ( سنن أبي داود ١٩٦/١ - مطبعة السعادة نصب الراية ٢٦٥/١) (١) ابن عابدين ٢٦٠/١ والهداية ٤١/١ ط المكتبة الاسلامية ومغني المحتاج ١٣٦/١، ومنح الجليل ١١٨/١،ومنتهى الإرادات ١٢٦/١- ١٢٧ (٢) البدائع ١٤٨/١، والمجموع ٩٧/٣ - ٩٨ (٣) المجموع ٩٧/٣ - ٩٨ (٤) حديث بلال: ((أمرني ... )) أخرجه ابن ماجه واللفظ له، ورواه الترمذي وقال : هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي اسرائيل الملائي، وليس بالقوي ولم يسمعه من الحكم، وأخرج البيهقي نحوه، وأعله وقال : عبد الرحمن لم يلق بلالا (نصب الراية ٢٧٩/١، وسنن ابن ماجه ٢٣٧/١ ط الحلبي). (٥) كشاف القناع ٢١٥/١، والمغني ٤٠٨/١، والحطاب هذا هو التثويب الوارد في السنة . ١٣ - وقد استحدث علماء الكوفة من الحنفية بعد عهد الصحابة تثويبا آخر، وهو زيادة الحيعلتين أي عبارة ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) مرتين بين الأذان والإقامة في الفجر، واستحسنه متقدمو الحنفية في الفجر فقط، وكره عندهم في غيره، والمتأخرون منهم استحسنوه في الصلوات كلها - إلا في المغرب لضيق الوقت - وذلك لظهور التواني في الأمور الدينية وقالوا : إن التثويب بين الأذان والإقامة في الصلوات يكون بحسب مايتعارفه أهل كل بلد، بالتنحنح، أو الصلاة، الصلاة، أو غير ذلك. كذلك استحدث أبو يوسف جواز التثويب، لتنبيه كل من يشتغل بأمور المسلمين ومصالحهم، كالإِمام والقاضي ونحوهما، فيقول المؤذن بعد الأذان : السلام عليك أيها الامير، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله (!)وشارك أبا يوسف في هذا الشافعية وبعض المالكية، وكذلك الحنابلة إن لم يكن الإمام ونحوه قد سمع الأذان،(٢) واستبعده محمد بن الحسن، لأن الناس سواسية في أمر الجماعة وشاركه في ذلك بعض المالكية .(٣) ١٤ - وأما ما يقوم به بعض المؤذنين من التسبيح = ٤٣١/١، والمجموع ٩٧/٣ -٩٨، والبدائع ١٤٨/١، والهداية ٤١/١، والأثر عن مجاهد ذكره في جامع الأصول ٢٨٧/٥ (١) ابن عابدين ٢٦١/١، وفتح القدير ٢١٤/١ - ٢١٥، والبدائع ١٤٨/١ (٢) المهذب ٦٦/١، والتاج والإكليل بها مش الحطاب ٤٢٧/١، وكشاف القناع ٢١٥/١ (٣) الخطاب ٤٣١/١ - ٣٦١ - أذان ١٥ - ١٦ والدعاء والذكر في آخر الليل فقد اعتبره بعض فقهاء المالكية بدعة حسنة، وقال عنه الحنابلة : إنه من البدع المكروهة، ولا يلزم فعله ولو شرطه الواقف مخالفته السنة.(١) الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان: ١٥ - يرى الشافعية والحنابلة أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من المؤذن بعد الأذان سنة، وعندهم يسن للمؤذن متابعة قوله سرا بمثله كالمستمع ليجمع بين أداء الأذان والمتابعة، وروي عن الإمام احمد أنه كان إذا أذن فقال كلمة من الأذان قال مثلها سرا، ليكون ما يظهره أذانا ودعاء إلى الصلاة، وما يسرّه ذكرا لله تعالى فيكون بمنزلة من سمع الأذان. بذلك يمكن أن يشمل المؤذنَ الأمرُ الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي فانه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة. (٢) واعتبره الحنفية والمالكية بدعة حسنة وقد ذكر الشيخ أحمد البشبيشي في رسالته المسماة بالتحفة السنية في أجوبة الاسئلة المرضية ان أول مازيدت (١) الخطاب ٤٣٠/١، وكشاف القناع ٢٢١/١ (٢) منتهى الإرادات ١٣٠/١، والمغني ٤٢٨/١، ومغني المحتاج ١٤١/١. وحديث: ((إذا سمعتم المؤذن ... )) رواه مسلم (صحيح مسلم ٢٨٨/١) الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بعد كل أذان على المنارة زمن السلطان المنصور حاجي ابن الأشرف شعبان وذلك في شعبان سنة ٧٩١هـ و کان قد حدث قبل ذلك في أيام السلطان يوسف صلاح الدين بن أيوب أن يقال قبل أذان الفجر في كل ليلة بمصر والشام: السلام عليك يارسول الله واستمر ذلك إلى سنة ٧٧٧ هـ فزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين البرلسي أن يقال : الصلاة والسلام عليك يارسول الله ثم جعل ذلك عقب كل أذان سنة ٧٩١ هـ(١) النداء بالصلاة فى المنازل : ١٦ - يجوز للمؤذن أن يقول عند شدة المطر أو الريح أو البرد : ألا صلوا في رحالکم، و یکون ذلك بعد الأذان، وقد روي أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وریح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر أن يقول : ألا صلوا في الرحال، (٢) وروي أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال.(٣) (١) ابن عابدين ٢٦١/١، والدسوقي ١٩٣/١ ط دار الفكر. (٢) حديث ابن عمر ((انه أذن ... )) أخرجه النسائي (١٥/٢) (٣) هامش الحطاب ٤٢٧/١، ومنتهى الإرادات ٢٨١/١، والمجموع ١٢٩/٣ - ١٣٠، والشلبي على الزيلعي ١٣٣/١ ط دار المعرفة وحديث (اذا ابتلت النعال)) لم يرد بهذا اللفظ في كتب الحديث وذكره ابن الأثير في النهاية وقال الشيخ تاج الدين الفزاري في الإقليد: لم أجده في الأصول وإنما ذكره أهل العربية، وللحديث شاهد آخر «إذا كان مطر وابل فصلوا في - ٣٦٢ - أذان ١٧ - ١٨ شرائط الأذان يشترط في الأذان للصلاة مايأتي : دخول وقت الصلاة : ١٧ - دخول وقت الصلاة المفروضة شرط للأذان، فلا يصح الأذان قبل دخول الوقت - إلا في الأذان لصلاة الفجر على ماسيأتي - لأن الأذان شرع للإعلام بدخول الوقت، فإذا قدم على الوقت لم يكن له فائدة، وإذا أذن المؤذن قبل الوقت أعاد الأذان بعد دخول الوقت، إلا إذا صلى الناس في الوقت وكان الأذان قبله فلا يعاد. وقد روي ((أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي : ألا إن العبد قد نام، فرجع فنادى : ألا إن العبد قد نام)).(١) والمستحب إذا دخل الوقت أن يؤذن في أوله، ليعلم الناس فيأخذوا أهبتهم للصلاة، و کان بلال لا يؤخر الأذان عن أول الوقت (٢) أما بالنسبة للفجر فذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف من الحنفية إلى أنه يجوز الأذان للفجر = نعالكم)) رواه الحاكم وعبدالله بن الإمام أحمد وفيه ناصح بن العلاء وهو منكر الحديث عند البخاري ولا يجوز الاحتجاج به عند ابن حبان، ووثقه أبوداود (تلخيص الحبير ٣١/٢) (١) الحطاب ٤٢٨/١، وكشاف القناع ٢٢٠/١، والمجموع ٨٧/٣، والبدائع ١٥٤/١، وحديث (إن بلالا أُذن) .. أخرجه أبوداود وقال : هذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد ابن سلمة، وذكر الترمذي لفظ الحديث وقال : هذا حديث غير محفوظ (سنن أبي داود ٢١٠/١ ط السعادة، وانظر نصب الراية ٢٨٥/١) (٢) المغني ٤١٢/١، والأثر عن بلال أخرجه ابن ماجه ٢٣٦/١ ط عيسى الحلبي. قبل الوقت ، في النصف الأخير من الليل عند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف، وفي السدس الأخير عند المالكية. و یسن الأذان ثانیا عند دخول الوقت لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشر بوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)). (١) وعند الحنفية - غير أبي يوسف - لا يجوز الأذان لصلاة الفجر إلا عند دخول الوقت، ولا فرق بینها و بین غيرها من الصلوات، لما روی شداد مولی عياض بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: ((لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر)). (٢) ١٨ - وأما الجمعة فمثل باقي الصلوات لا يجوز الأذان لها قبل دخول الوقت، وللجمعة أذانان، أوهما عند دخول الوقت، وهو الذي یوتی به من خارج المسجد - على المئذنة ونحوها - وقد أمر به سیدنا عثمان رضي الله عنه حين كثر الناس. والثاني وهو الذي يؤتى به إذا صعد الإمام على المنبر، ويكون داخل المسجد بين يدي الخطيب، وهذا هو الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر حتى أحدث عثمان الأذان الثاني. وكلا الأذانين مشروع إلا ما روي عن الشافعي (١) البدائع ١٥٤/١، ومغني المحتاج ١٣٩/١، ومنتهى الإرادات ١٢٩/١ والخطاب ٤٢٨/١، وحديث: ((إن بلالا يؤذن .. )) متفق عليه (نصب الراية ٢٨٨/١) (٢) حديث شداد: ((لا توزن حتى ... )) أخرجه أبوداود بزيادة ((هكذا)» ومد يده عرضا، وسكت عنه، وأعله البيهقي بالانقطاع وقال في المعرفة : شداد مولى عياض لم يدرك بلالا . وقال ابن القطان : شداد مجهول ولا يعرف بغير رواية جعفر بن برقان عنه (سنن أبي داود ٢١٠/١، ونصب الراية ٢٨٣/١) - ٣٦٣ - أذان ١٩ - ٢٢ من أنه استحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر.(١) هذا وقد اختلف الفقهاء فيما يتعلق بأذاني الجمعة من أحكام وأيهما المعتبر في تحريم البيع (ر: بيع، وصلاة الجمعة). النية في الأذان : ١٩ - نية الأذان شرط لصحته عند المالكية والحنابلة لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، (٢) ولذلك لو أخذ شخص في ذکر الله بالتکبیر ثم بدا له عقب ما كبر أن يؤذن فإنه يبتدىء الأذان من أوله، ولا يبني على ما قال. والنية ليست شرطا عند الشافعية على الأرجح ولكنها مندوبة، إلا أنه يشترط عندهم عدم الصارف فلو قصد تعليم غيره لم يعتدّ به . أما الحنفية فلا تشترط عندهم النية لصحة الأذان وإن كانت شرطا للثواب عليه . (٣) أداء الأذان باللغة العربية : ٢٠ - اشترط الحنفية والحنابلة كون الأذان باللفظ العربي على الصحيح ولا يصح الإتيان به بأي لغة أخرى ولو علم أنه أذان. (١) منح الجليل ١١٨/١، والبدائع ١٥٢/١، والمغني ٢٩٧/٢ والمجموع ١٢٤/٣ (٢) حديث ((إنما الأعمال .. )) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه واللفظ للبخاري (اللؤلؤ والمرجان ص ٤٩٦) (٣) منتهى الإرادات ١٢٩/١، والحطاب ٤٢٤/١، ونهاية المحتاج ٣٩٤/١، والأشباه والنظائر لابن نحيم ص ١١ ط الجمالية. أما الشافعية فعندهم إن كان يؤذن جماعة وفيهم من يحسن العربية لم يجز الأذان بغيرها، ويجزىء إن م یوجد من يحسنها، وإن كان يؤذن لنفسه فإن كان يحسن العربية لا يجزئه الأذان بغيرها، وإن كان لا يحسنها أجزأه.(١) ولم يظهر المالكية نص في هذه المسألة. خلو الأذان من اللحن : ٢١ - اللحن الذي يغير المعنى في الأذان كمد همزة الله أكبر أو بائه يبطل الأذان، فإن لم يغير المعنى فهو مكروه وهذا عند الجمهور، وهو حسن عند الحنفية وقيل خلاف الأولى. (٢) الترتيب بين كلمات الأذان : ٢٢ - يقصد بالترتيب أن يأتي المؤذن بكلمات الأذان على نفس النظم والترتيب الوارد في السنة دون تقديم أو تأخير لكلمة أو جملة على الأخرى، ومذهب الجمهور أن الترتيب عندهم واجب فإن فعل المؤذن ذلك استأنف الأذان من أوله، لأن ترك الترتيب يخل بالإعلام المقصود، ولأنه ذ کر یعتد به فلا يجوز الإخلال بنظمه، وقيل : إنه يجوز أن يبني على المنتظم منه، فلو قدم الشهادة بالرسالة على الشهادة بالتوحيد أعاد الشهادة بالرسالة، وإن كان (١) مراقي الفلاح ص ١٠٦، وابن عابدين ٢٥٦/١، وكشاف القناع ٢١٥/١، والمجموع ١٢٩/٣ (٢) منتهى الإرادات ١٣٠/١، والحطاب ٤٣٨/١، والمجموع ١٠٨/٣ - ١١٠ وابن عابدين ٢٥٩/١، والاختيار ٤٤/١ - ٣٦٤ - أذان ٢٣ - ٢٥ الاستئناف أولى. (١) أما الحنفية فعندهم الترتيب سنة، فلو قدم في الأذان جملة على الأخرى أعاد ماقدم فقط ولا يستأنفه من أوله. (٢) الموالاة بين ألفاظ الأذان : ٢٣ - الموالاة في الأذان هي المتابعة بين ألفاظه بدون فصل بقول أو فعل، ومن الفصل بين ألفاظه ما يحدث دون إرادة كالإغماء أو الرعاف أو الجنون. والفصل بين كلمات الأذان بأي شيء كسكوت أو نوم أو كلام أو إغماء أو غيره، إن كان يسيرا فلا يبطل الأذان ويبني على مامضى، وهذا عند الحنفية والمالكية والحنابلة، أما عند الشافعية فيسن استئناف الأذان في غير السكوت والكلام. هذا مع اتفاق الفقهاء على كراهة الكلام اليسير إن كان لغير سبب أو ضرورة. أما إذا طال الفصل بين كلمات الأذان بكلام كثير، ولو مضطراً إليه كإنقاذ أعمى، أو نوم طويل أو إغماء أو جنون فيبطل الأذان ويجب استئنافه، وهذا عند الحنفية والمالكية والحنابلة وهو طريقة الخراسانيين من الشافعية، قال الرافعي : والأشبه وجوب الاستئناف عند طول الفصل، وقطع العراقيون من الشافعية بعدم البطلان مع استحباب الاستئناف . وألحق الحنابلة بحالات بطلان الأذان ووجوب (١) مغني المحتاج ١٣٧/١، ومنتهى الإرادات ١٢٨/١، والخطاب ٤٢٥/١ (٢) بدائع الصنائع ١٤٩/١ استئنافه الفصل بالكلام اليسير الفاحش كالشتم والقذف. (١) رفع الصوت بالأذان : ٢٤ - أوجب الشافعية والحنابلة رفع الصوت بالأذان، ليحصل السماع المقصود للأذان، وهو كذلك رأي للحنفية، وهذا إذا كان الغرض إعلام غير الحاضرين بصلاة الجماعة، أما من يؤذّن لنفسه أو لحاضر معه فلا يشترط رفع الصوت به إلا بقدرما یسمع نفسه أو يسمعه الحاضر معه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري ((إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنّ ولا إنس إلا شهد له يوم القيامة))(٢) وهو سنة عند المالكية وهو الراجح عند الحنفية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله ابن زيد: ((علمه بلالاً فإنه أندى وأمد صوتاً منك)). ٢٥ - هذا وقد اتفق الفقهاء على أنه لا ينبغي أن يجهد المؤذن نفسه بما فوق طاقته مبالغة في رفع صوته (١) البحر الرائق ٢٧٢/١، وابن عابدين ٢٦٠/١ - ٢٦١، والبدائع ١٤٩/١، والحطاب ٤٢٧/١، ومغني المحتاج ١٣٧/١، والمجموع ١١٤/٣ وكشاف القناع ٢١٨/١، والمغني ٤٢٤/١ (٢) منتهى الإرادات ١٢٩/١، وكشاف القناع ٢١٧/١، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢٩٨/١، ٣٠٢ وابن عابدين ٢٦١/١ والبدائع ١٤٩/١، ومغني المحتاج ١٣٧/١، والحطاب ٤٢٦/١ - ٤٣٧، والرهوني ٣١٤/١ ط بولاق، والجواهر ٣٦/١، وحديث ((إني أراك .. )) رواه البخاري (١٥٠/١ ط صبيح) والنسائي ومالك والبيهقي (تلخيص الحبير ١٩٣/١) - ٣٦٥ - أذان ٢٦ - ٢٨ بالأذان خشية حدوث بعض الأمراض له. ٢٦ - ولكي يكون الأذان مسموعاً ومحققا للغرض منه استحب الفقهاء أن يكون الأذان من فوق مكان مرتفع يساعد على انتشار الصوت بحيث يسمعه أكبر عدد ممكن من الناس كالمئذنة ونحوها . سنن الأذان استقبال القبلة : ٢٧ - يُسن استقبال القبلة حال الأذان، وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو الراجح عند المالكية، ولو ترك الاستقبال يجزئه و یکره، لتر که السنة المتواترة، لأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة، (١) وجاز عند بعض كل من المالكية والحنابلة الدوران حال الأذان إذا كان ذلك أسمع لصوته، لأن المقصود هو الإعلام، وعند الحنفية وبعض المالكية إذا لم يتم الإعلام بتحويل وجهه عند الحيعلتين فقط مع ثبات قدميه فانه يستدير بجسمه في المئذنة. (٢) (١) حديث («كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة)) أخرج ابن عدي والحاكم من طريق عبدالرحمن بن سعد القرظ، حدثني أبي عن ابائه: أن بلالاً كان إذا كبر بالأذان استقبل القبلة. وسئل يحيى بن معين عن عبدالرحمن بن سعد هذا فقال : مدني ضعيف، ولم نجد نقلاً في ذلك عن فعل غيربلال من مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم (الدراية ١١٧/١ ونصب الراية ٢٧٥/١) (٢) ابن عابدين ٢٥٩/١ - ٢٦٠، والبدائع ١٤٩/١، والبحر الرائق ٢٧٢/١، والخطاب ٤٤١/١، والدسوقي ١٩٦/١، والمجموع ١٠٦/٣، ومغني المحتاج ١٣٦/١ - ١٣٧، وكشاف القناع ٢١٧/١، والمغني ٤٢٦/١ وعند الحيعلتين أي قوله (حي على الصلاة، حي على الفلاح) يسن أن يلتفت المؤذن فيحول وجهه -- فقط دون استدارة جسمه - يميناً ويقول : حي على الصلاة مرتين، ثم يحول وجهه شمالاً وهو يقول : حي على الفلاح مرتین، هکذا کان أذان بلال وبهذا قال الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية. الترسل أو الترتيل : ٢٨ - الترسل هو التمهل والتأني، ويكون بسكتة - تسع الإجابة - بين كل جملتين من جمل الأذان، على أن يجمع بين كل تكبيرتين بصوت ويفرد باقي كلماته، للأمر بذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أذنت فترسل))، (١) ولأن المقصود من الأذان هو إعلام الغائبين بدخول وقت الصلاة، والترسل أبلغ في ذلك من الإسراع وقد لخص ابن عابدين ما في مسألة حركة راء التكبيرات فقال ((الحاصل ان التكبيرة الثانية في الأذان ساكنة الراء للوقف حقيقة ورفعها خطأ، وأما التكبيرة الأولى من كل تكبيرتين منه وجميع تكبيرات الإقامة فقيل محركة الراء بالفتحة على نية الوقف، وقيل بالضمة إعرابا، وقيل ساكنة بلا حركة على ماهو ظاهر كلام الامداد والزيلعيّ والبدائع وجماعة من الشافعية، والذي يظهر الإعراب لما ذكره عن الطلبة، ولما في (١) حديث ((إذا أذنت فترسل» رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وابن عدي وضعفوه، إلا الحاكم فقال : ليس في إسناده مطعون غير عمرو بن قائد، وهو في رواية الحاكم وليس في رواية الباقين وعندهم فيه عبد المنعم صاحب السقاء وهو كافٍ في تضعيف الحديث، وقد تكلم المحدثون في كل رواياته بالتضعيف. (تلخيص الحبير ٢٠٠/١) - ٣٦٦ - أذان ٢٩ - ٣٢ الاحاديث المشتهرة للجراحي انه سئل السيوطي عن هذا الحديث فقال هو غير ثابت كما قال الحافظ ابن حجر، وإنما هو من قول ابراهيم النخعي، ومعناه كما قال جماعة منهم الرافعي وابن الأثيرأنه لا يمد .. وإطلاق الجزم على حذف الحركة الإعرابية لم يكن معهوداً في الصدر الأول، وانما هو اصطلاح حادث فلا يصح الحمل عليه)). (١) صفات المؤذن مايشترط فيه من الصفات : الإسلام : ٢٩ - إسلام المؤذن شرط لصحته، فلا يصح أذان الكافر، لأنه ليس من أهل العبادة، ولأنه لا يعتقد الصلاة التي يعتبر الأذان دعاء لها، فإتيانه بالأذان ضرب من الاستهزاء، وهذا باتفاق،(٢) ولا يعتد بأذانه، وفي حكم إسلامه لو أذن ينظر مصطلح : (إسلام). الذكورة : ٣٠ - من الشروط الواجبة في المؤذن أن يكون رجلا، فلا يصح أذان المرأة، لأن رفع صوتها قد يوقع في الفتنة، وهذا عند الجمهور في الجملة، ولا يعتد بأذانها لو أذنت. واعتبر الحنفية الذكورة من السنن، وكرهوا أذان (١) ابن عابدين ٢٥٨/١ - ٢٥٩، والخطاب ٤٢٦/١، ٤٣٧، ومغني المحتاج ١٣٦/١، والمغني ٤٠٧/١، ومنتهى الإرادات ١٢٦/١ (٢) منتهى الإرادات ١٢٥/١، ومنح الجليل ١٢٠/١، والمهذب ٦٤/١، وابن عابدين ٢٦٣/١ - ٢٦٤ المرأة، واستحب الإمام أبوحنيفة إعادة الأذان لو أذنت، وفي البدائع: لو أذنت للقوم أجزأ، ولا يعاد، لحصول المقصود، وأجاز بعض الشافعية أذانها لجماعة النساء دون رفع صوتها.(١) العقل : ٣١ - يشترط في المؤذن أن يكون عاقلا، فلا يصح ( الأذان من مجنون وسكران لعدم تمییزهما، ويجب إعادة الأذان لو وقع منها، لأن كلامهما لغو، وليسا في الحال من أهل العبادة،(٢) وهذا عند الجمهور، وكره الحنفية أذان غير العاقل، واستحب في ظاهر (٣) الرواية إعادة أذانه. البلوغ : ٣٢ - الصبي غير العاقل (أي غير المميز) لا يجوز أذانه باتفاق، لأن مايصدر منه لا يعتد به، أما الصبي المميز فيجوز أذانه عند الحنفية (مع كراهته عند أبي حنيفة) والشافعية، وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة، وهو أيضا مذهب المالكية إذا اعتمد على بالغ عدل في معرفة دخول الوقت. (٤) (١) منتهى الإرادات ١٢٥/١، ومنح الجليل ١٢٠/١، وابن عابدين ٢٦٣/١، والبدائع ١٥٠/١، ومغني المحتاج ١٣٥/١، ١٣٧ (٢) منتهى الإرادات ١٢٥/١، ومنح الجليل ١٢٠/١، والمهذب ٦٤/١ (٣) البدائع ١٥٠/١، وابن عابدين ٢٦٤/١ (٤) المغني ٤١٣/١ - ٤١٤، ومغني المحتاج ١٣٧/١، والمهذب ٦٤/١، ومنح الجليل ١٢٠/١، والبدائع ١٥٠/١، وابن عابدين ٢٦٣/١، والخطاب ٤٣٤/١ - ٣٦٧ - أذان ٣٣ - ٣٩ مایستحب أن يتصف به المؤذن : ٣٣ _ یستحب أن یکون المؤذن طاهرا من الحدث الأصغر والأكبر، لأن الأذان ذكر معظم، فإلا تيان به مع الطهارة أقرب الى التعظيم، ولحديث أبي هريرة مرفوعا: ((لا يؤذن إلا متوضىء»(١)، ويجوز أذان المحدث مع الكراهة بالنسبة للحدث الأكبر عند جميع الفقهاء، وعند المالكية والشافعية بالنسبة للحدث الأصغر كذلك.(٢) ٣٤ - ويستحب أن يكون عدلا ، لأنه أمين على المواقيت، وليؤمن نظره إلى العورات. ويصح أذان الفاسق مع الكراهة، وفي وجه عند الحنابلة لا يعتد بأذان ظاهر الفسق، لأنه لا يقبل خبره، وفي الوجه الآخر یعتد بأذانه، لأنه تصح صلاته بالناس، فكذا أذانه.(٣) ٣٥ ۔۔ و یستحب أن یکون صيتا، أي حسن الصوت، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن زيد: ((فقم مع بلال، فألق عليه مارأيت، فإنه أندى صوتا منك)) (٤)، ولأنه أبلغ في الإعلام، هذا مع (١) حديث أبي هريرة: «لا يؤذن إلا متوضيء»، رواه الترمذي من حديث الزهري عن أبي هريرة، وهو منقطع والراوي له عن الزهري ضعيف، ورواه ايضا من رواية يونس عن الزهري عنه موقوفاً وهو أصح. (تلخيص الحبير ٢٠٦/١) (٢) منح الجليل ١٢٠/١، ومنتهى الإرادات ١٢٧/١، ومغني المحتاج ١٣٨/١، والبدائع ١٥١/١ (٣) مغني المحتاج ١٣٨/١، والمغني ٤١٣/١، وابن عابدين ٢٦٣/١، والخطاب ٤٣٦/١ (٤) حديث: ((فقم مع بلال ... )) رواه أبوداود (١٨٨/١ عون المعبود - ط المطبعة الأنصارية بدهلي) وابن ماجه (رقم ٧٠٦ - ط عيسى الحلبي) والترمذي (رقم ١٨٩ - ط مصطفى الحلبي) وقال عنه : ((حسن صحيح)). كراهة التخطيط والتطريب. (١). ٣٦ - ويستحب أن يجعل أصبعيه في أذنيه حال الأذان، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بذلك وقال: إنه أرفع لصوتك. (٢) ٣٧ - ويستحب أن يؤذن قائما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: «قم فأذّن بالصلاة)، (٣) قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أنه من السنة، لأنه أبلغ في الإسماع. ولا يؤذن قاعدا إلا لعذر، أو كان الأذان لنفسه كما يقول الحنفية، ويكره أن يؤذن راكبا إلا في سفر، وأجاز أبو يوسف والمالكية أذان الراكب في الحضر (٤) ٣٨ - ويستحب أن يكون عالما بأوقات الصلاة، ليتحراها فيؤذن في أولها، حتى كان البصير أفضل من الضرير، لأن الضرير لا علم له بدخول الوقت (٥) ٣٩ - ويستحب أن يكون المؤذن هو المقيم، لما ورد في حديث زياد بن الحارث الصدائي، حين أذن (١) منتهى الإرادات ١٢٥/١ - ١٣٠، ومغني المحتاج ١٣٨/١، وابن عابدين ٢٥٩/١، والخطاب ٤٣٧/١ (٢) كشاف القناع ٢١٨/١، والمهذب ٦٤/١، والحطاب ٤٣٩/١، والبدائع ١٥١/١، وحديث: ((جعل الاصبعين ... ))، أخرجه ابن ماجة في سننه، والحاكم في المستدرك، وسكت عنه، والطبراني في معجمه،وضعفه ابن أبي حاتم (نصب الراية ٢٧٨/١) (٣) حديث: ((قم فأذن .. )) متفق عليه، وهذا اللفظ للنسائي، ولفظهما: ((قم يابلال فناد بالصلاة)). (تلخيص الحبير ٢٠٣/١) (٤) كشاف القناع ٢١٦/١، والحطاب ٤٤١/١، والمهذب ٦٤/١، والبدائع ١٥١/١، وابن عابدين ٢٦٣/١ (٥) المغني ٤١٤/١، والبدائع ١٥٠/١، والحطاب ٤٣٦/١، ومغني المحتاج ١٣٧/١ - ٣٦٨ - أذان ٤٠ _ ٤٣ فأراد بلال أن يقيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أخا صداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم)).(١) ٤٠ - ويستحب أن يؤذن محتسبا، ولا يأخذ على الأذان أجرا، لأنه استئجار على الطاعة، وقد ورد في الخبر: ((من أذن سبع سنين محتسبا كتبت له براءة من النار)) (٢)، وإذا لم يوجد متطوع رزق الإمام من بيت المال من يقوم به، لحاجة المسلمين إليه . ٤١ - وبالنسبة للإجارة على الأذان فقد أجازه متأخرو الحنفية، للحاجة إليه، وأجازه كذلك الإمام مالك وبعض الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد(٣) (ر: إجارة). مايشرع له الأذان من الصلوات : ٤٢ - الأصل أن الأذان شرع للصلوات المفروضة في حال الحضر والسفر والجماعة والانفراد، أداء وقضاء، وهذا باتفاق، (٤) إلا ماقاله المالكية من أنه (١) البدائع ١٥١/١، ومنتهى الإرادات ١٢٨/١، والمهذب ٦٦/١، ومنح الجليل ١٢٢/١، وحديث: ((إن أخا صداء ... )) رواه أحمد وأبوداود وابن ماجة والترمذي، واللفظ له، وقال الترمذي : إنما يعرف من حديث عبدالرحمن بن زياد الأفريقي، وقد ضعفه القطان وغيره. قال : ورأيت محمد بن إسماعيل - يعني الإمام البخاري - يقوي أمره ويقول : هو مقارب الحديث. قال : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم (تلخيص الحبير ٢٠٩/١) (٢) حديث: ((من أذن .. )) أخرجه ابن ماجة رقم ٧٢٧ - ط عيسى الحلبي، وقال عنه البوصيري: ((أخرجه الترمذي وقال : جابر بن يزيد الجعفر ضعفوه))، يعني الذين في إسناده. (٣) البدائع ١٥٢/١، والمغني ٤١٥/١، والمهذب ٦٦/١، والحطاب ٤٥٥/١، وابن عابدين ٣٤/٥ (٤) البحر الرائق ٢٧٦/١ط المطبعة العلمية بالقاهرة، والإنصاف ٤٠٦/١ ط أولى، ونهاية المحتاج ٣٨٤/١ يكره الأذان للفائتة، وماقاله بعضهم من أنه لا أذان في الحضر للمنفرد، وللجماعة غير المسافرة المجتمعين بموضع ولا يريدون دعاء غيرهم، لأن الأذان إنما جعل ليدعى به الغائب، ولا غائب حتى يدعى. ويندب لهم الأذان في السفر (١) ويتفرع على هذا الأصل بعض الفروع التي اختلف فيها الفقهاء وهي : الأذان للفوائت : ٤٣ - سبق أن مذهب المالكية كراهة الأذان للفوائت، وأما غيرهم فإن الفائتة الواحدة يؤذن لها عند الحنفية والحنابلة، وهو المعتمد عند الشافعية ، لما روى أبوقتادة الأنصاري رضي الله عنه وفيه قال : فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطريق، فوضع رأسه، ثم قال : (احفظوا علينا صلاتنا)، فكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره. قال : فقمنا فزعين. ثم قال: ((اركبوا)) فركبنا، فسرنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزل. ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء. قال: فتوضأ منها وضوءاً دون وضوءٍ قال : وبقي فيها شيء من ماء. ثم قال لأبي قتادة : ((احفظ علينا ميضأتك، فسيكون لها نبأ)» ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل یوم. (٢) (١) الخطاب ٤٥١/١، ومنح الجليل ١٢٢/١ (٢) حديث التعريس رواه مسلم (مسلم ٤٧٢/١ ط عيسى الحلبي). - ٣٦٩ - أذان ٤٤ - ٤٦ ٤٤ - أما إذا تعددت الفوائت فعند الحنفية : الأولى أن يؤذن ويقيم لكل صلاة، وعند الحنابلة وهو المعتمد عند الشافعية يستحب أن يؤذن للأولى فقط ويقيم لما بعدها، وذلك جائز عند الحنفية أيضا . وقد اختلفت الروايات في قضاء رسول الله صلی الله عليه وسلم الصلوات التي فاتته يوم الخندق، ففي بعضها أنه أمر بلالا، فأذن وأقام لكل صلاة، وفي بعضها أنه أذن وأقام للأولى، ثم أقام لكل صلاة بعدها، وفي بعضها أنه اقتصر على الإقامة لكل صلاة. (١) وبهذه الرواية الأخيرة أخذ الشافعي على ماجاء في الأم، ولكن المعتمد في المذهب خلاف ذلك، وورد عن الشافعي في الإملاء أنه إن أمل اجتماع الناس أذن وأقام، وان لم يؤمل أقام، لأن الأذان يراد لجمع الناس، فإذا لم يؤمل الجمع لم يكن للأذان وجه. (٢) الأذان للصلاتين المجموعتين : ٤٥ - إذا جمعت صلاتان في وقت إحداهما، كجمع العصر مع الظهر في وقت الظهر بعرفة، وكجمع المغرب مع العشاء بمزدلفة، فإنه يؤذن للأولى فقط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامتين. (٣) وهذا عند (١) انظر الروايات في قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلوات التي فاتته يوم الخندق. (٢) البدائع ١٥٤/١، والمغني ٤١٩/١، ومنتهى الإرادات ١٢٩/١، والمهذب ٦٢/١، ومغني المحتاج ١٣٥/١ (٣) حديث: ((صلى المغرب والعشاء بمزدلفة ... )) رواه مسلم من قول جابر في حديثه الطويل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية البخاري عن ابن عمر ذكر الإقامتين ولم الحنفية والحنابلة، وهو المعتمد عند الشافعية، وهو قول بعض المالكية، ولكن الأشهر عندهم أنه يؤذن لكل صلاة منهما .(١) الأذان في مسجد صليت فيه الجماعة : ٤٦ - لو أقيمت جماعة في مسجد فحضر قوم لم يصلوا فالصحيح عند الشافعية أنه يسن لهم الأذان دون رفع الصوت لخوف اللبس - سواء أكان المسجد مطروقا أم غير مطروق، وعند الحنابلة يستوى الأمر، إن أرادوا أذنوا وأقاموا، وإلا صلوا بغیر أذان، وقد روى عن أنس أنه دخل مسجداً قد صلوا فيه فأمر رجلا فأذن وأقام فصلى بهم في جماعة . (٢) ويفصل الحنفية فيقولون : إن كان المسجد له أهل معلومون وصلى فيه غير أهله بأذان وإقامة لا يكره لأهله أن يعيدوا الأذان والإقامة إذا صلوا، وإن صلى فيه أهله بأذان واقامة أو بعض أهله يكره لغير أهله والباقين من أهله أن يعيدوا الأذان والإقامة إذا صلوا، وإن كان المسجد ليس له أهل معلومون بأن كان على الطريق لا يكره تكرار الأذان والإقامة فيه . ويقول المالكية : من أتى بعد صلاة الجماعة صلى بغير أذان (٣) يذكر أذاناً، وفي البخاري أن ابن مسعود صلاهما بأذانين وإقامتين (البخاري ٢٩٠/١ط دار المعرفة بلبنان، ومسلم ٨٩١/٢ بتحقيق محمد عبد الباقي، وأنظر تلخيص الحبير ص ١٩٢) (١) البدائع ١٥٢/١، والمجموع ٨٣/٣ والخطاب ٤٦٨/١ (٢) رواه أبو يعلى، مجمع الزوائد ٤/٢ ط القدس. (٣) البدائع ١٥٣/١، والمجموع ٨٥/٣، والمغني ٤٢١/١، والخطاب ٤٦٨/١ - ٣٧٠ - أذان ٤٧ _ ٤٩ تعدد المؤذنين : ٤٧ - يجوز أن يتعدد المؤذن في المسجد الواحد، ولا يستحب الزيادة على اثنين، لأن الذي حفظ عن النبي صلی الله عليه وسلم أنه کان له مؤذنان بلال وابن أم مكتوم،(١) إلا أن تدعو الحاجة إلى الزيادة عليها فيجوز، فقد روي عن عثمان أنه كان له أربعة مؤذنين، (٢) وإن دعت الحاجة إلى أكثر من ذلك كان مشروعا . وكيفية أذانهم أنه إذا كان الواحد يُسمع الناس فالمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد، لأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم كان أحدهما يؤذن بعد الآخر، (٣)، وإذا كان الإعلام لا يحصل بواحد أذنوا بحسب ما يحتاج إليه، إما أن يؤذن كل واحد في منارة أو ناحية أو أذنوا دفعة واحدة في موضع واحد، وإن خافوا من تأذين واحد بعد الآخر فوات أول الوقت أذنوا جميعا دفعةً واحدة. (٤) ما يعلن به عن الصلوات التي لم يشرع لها الأذان : ٤٨ - اتفق الفقهاء على أن الأذان إنما شرع الصلوات المفروضة، ولا يؤذن لصلاة غيرها كالجنازة (١) حديث: ((كان له مؤذنان ... ))، أخرجه البخاري ومسلم من حديث القاسم عن عائشة (تلخيص الحبير ٢٠٨/١) (٢) يعرف ذلك مما في الصحيحين من حديث عمر وعائشة: ((أن بلالاً يؤذن بليل ... )) (نصب الراية ٢٨٨/١) (٣) الأثر عن عثمان ذكره جماعة من الفقهاء منهم صاحب المهذب وبيض له المنذري والنووي. ولا يعرف له أصل. واحتج به الشافعي في الاملاء في جوازاكثر من مؤذنين (تلخيص الحبير ٢١٢/١) (٤) المغني ٤٢٩/١، والحطاب ٤٥٢/١ - ٤٥٣، ومغني المحتاج ١٣٩/١، والمهذب ٦٦/١، وابن عابدين ٢٦٦/١ والوتر والعيدين وغير ذلك، لأن الأذان للإعلام بدخول وقت الصلاة، والمكتوبات هي المخصصة بأوقات معينة، والنوافل تابعة للفرائض، فجعل أذان الأصل أذانا للتبع تقديرا، أما صلاة الجنازة فليست بصلاة على الحقيقة، إذ لا قراءة فيها ولا ركوع ولا سجود .. ومما ورد في ذلك ما في مسلم عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة. (١) ٤٩ - أما كيفية النداء لهذه الصلوات التي لا أذان لها فقد ذكر الشافعية أنه بالنسبة للعيدين والكسوف والاستسقاء والتراويح اذا صليت جماعة ــ وفي وجه للشافعية بالنسبة لصلاة الجنازة - فانه ینادى لها : الصلاة جامعة، وهو رأي الحنابلة بالنسبة للعيد والكسوف والاستسقاء، وهو مذهب الحنفية والمالكية بالنسبة لصلاة الكسوف، وعند بعض المالكية بالنسبة لصلاة العیدین، واستحسن عياض ما استحسنه الشافعي، وهو أن ينادى لكل صلاة لا يؤذن لها : الصلاة جامعة . ومما استدل به الفقهاء حديث عائشة قالت : خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث مناديا ينادي بالصلاة جامعة. (٢) (١) حديث جابر بن سمرة: ((صليت ... ))، أخرجه مسلم (٦٠٤/٢ط عيسى الحلبي). (٢) ابن عابدين ٥٦٥/١، وفتح القدير ٢١٠/١، والمجموع ٧٧/٣، والشرواني على التحفة ٤٦٢/١ ط دار صادر والخطاب ٤٣٥/١ و١٩١/٢، والمواق بها مش الخطاب ٤٢٣/١، وكشاف القناع ٢١١/١، وحديث عائشة: ((خسفت الشمس .. )) رواه مسلم ٦٢٠/٢، وانظر نصب الراية (٢٥٧/١) - ٣٧١ - أذان ٥٠ - ٥١ إجابة المؤذن والدعاء بعد الإجابة : ٥٠ _ يسن لمن سمع الأذان متابعته بمثله، وهو أن يقول مثل مايقول، لقول النبى صلى الله عليه وسلم : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل مايقول المؤذن))(١) ويسن أن يقول عند الحيعلة : لا حول ولا قوة إلا بالله . فقدروی عمر بن الخطاب، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إذا قال المؤذن : الله أكبر الله اكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال : أشهد أن محمداً رسول الله. قال : أشهد أن محمداً رسول الله. ثم قال : حيَّ على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حيَّ على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال : الله أكبر الله أكبر. قال: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا الله، من قلبه ــ دخل الجنة)). (٢) ولأن حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح خطاب فإعادته عبث. وفي التثويب وهو قول (الصلاة خير من النوم) في أذان الفجر يقول : صدقت وبررت - بكسر الراء الأولى - ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة (١) حديث: ((إذا سمعتم المؤذن ... )) أخرجه الحاكم. وقال الترمذي حديث حسن صحيح وهو في الصحيحين بلفظ: ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن))، (تلخيص الحبير ٢١١/١، واللؤلؤ والمرجان ص ٧٨، وسنن الترمذي ٤٠٧/١ مطبعة الحلبي). (٢) حديث عمر بن الخطاب: ((إذا قال المؤذن ... )) أخرجه مسلم (٢٨٨/١ - ط عيسى الحلبي). والفضيلة وابعثه مقاما محموداً الذي وعدته. والأصل في ذلك حديث ابن عمر مرفوعا : ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل مايقول، ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة»، ثم يدعو بعد الأذان بما شاء، لحديث أنس مرفوعا : ((الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة(١))، ويقول عند أذان المغرب : اللهم هذا إقبال ليلك وإدبارنهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي. ولو سمع مؤذنا ثانيا أو ثالثا استحب له المتابعة أيضا. وماسبق هو باتفاق إلا أن المشهور عند المالكية أن يحكى السامع لآخر الشهادتين فقط، ولا يحكى الترجيع، ولا يحكى الصلاة خير من النوم ولا يبدلها بصدقت وبررت، ومقابل المشهور أنه يحكى لآخر الأذان. (٢) الأذان لغير الصلاة : ٥١ - شرع الأذان أصلا للإعلام بالصلاة إلا أنه قد يُسن الأذان لغير الصلاة تبركا واستئناسا أو إزالة لهمّ طارىء . (١) حديث: أنس ((الدعاء لا يرد .. )) رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان وأخرجه أبوداود والترمذي واللفظ له، وقال : حديث حسن صحيح (تلخيص الحبير ٢١٣/١، وسنن الترمذي ٤١٦/١ مطبعة مصطفى الحلبي). (٢) منتهى الإرادات ١٣٠/١، والمغني ٤٢٦/١ - ٤٢٧، ومغني المحتاج ١٤٠/١، والمهذب ٦٥/١، ومنح الجليل ١٢١/١، والخطاب ٤٤٢/١، والبدائع ١٥٥/١، وابن عابدين ٢٦٥/١ - ٢٦٦ - ٣٧٢ - أذان ٥١ - إذخر ١ - ٢ والذين توسعوا في ذكر ذلك هم فقهاء الشافعية فقالوا: يسن الأذان في أذن المولود حين يولد، وفي أذن المهموم فإنه يزيل الهم، وخلف المسافر، ووقت الحريق، وعند مزدحم الجيش، وعند تغول الغيلان وعند الضلال في السفر، وللمصروع، والغضبان، ومن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة، وعند إنزال الميت القبرقياسا على أول خروجه إلى الدنيا . وقد رويت في ذلك بعض الأحاديث منها ماروى أبو رافع: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أذّن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة))، كذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لم تضره أم الصبيان.(٢) وروى أبوهريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الشيطان إذا نودي بالصلاة أدبر (٣) ... )) الخ. وقد ذكر الحنابلة مسألة الأذان في أذن المولود فقط ونقل الحنفية ماذكره الشافعية ولم يستبعدوه، قال ابن عابدين : لأن ماصح فيه الخبربلا معارض مذهب للمجتهد وان لم ينص عليه، وكره الإمام (١) حديث أبورافع: ((رأيت رسول الله ... )) رواه الترمذي وقال : هذا حديث صحيح والعمل عليه (تحفة الأحوذي ١٠٧/٥، مطبعة الفجالة). (٢) أم الصبيان: تابعة الجن، أي من يتبع الإنس من الجن للإيذاء، وحديث: ((أذان من ولد ... )) رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، والبيهقي قال المناوي : إسناده ضعيف (تحفة الأحوذي ١٠٧/٥، مطبعة الفجالة،وفيض القدير ٢٣٨/٦) (٣) حديث أبي هريرة: ((إن الشيطان ... )) متفق عليه (اللؤلؤ والمرجان ص ١١٤) مالك هذه الأمور واعتبرها بدعة، إلا أن بعض المالكية نقل ماقاله الشافعية ثم قالوا : لا بأس بالعمل به . (١) اذخَر التعريف : ١ - الإذخر نبات طيب الرائحة. (٢) الحكم الإجمالي : ٢ - لا يحل قطع شيء من شجر حرم مكة الذي نبت دون تدخل الإنسان، ويستثنى من ذلك الإذخر، فانه يجوز قطعه(٣) لاستثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه للحاجة إليه فيما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حرم الله مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا لأحد بعدي، أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرف، قال العباس : (١) نهاية المحتاج ٣٨٣/١، وتحفة المحتاج بهامش الشرواني ٤٦١/١، وكشاف القناع ٢١٢/١، وابن عابدين ٢٥٨/١، والخطاب ٤٣٣/١ - ٤٣٤ (٢) لسان العرب، والنهاية لابن الأثير مادة : (إذخر) (٣) مغني المحتاج ٥٢٨/١، طبع مصطفى البابي الحلبي، وحاشية قليوبي ١٤٢/٢، طبع مصطفى البابي الحلبي، والفتاوى الهندية ٢٥٣/١، طبع بولاق، وحاشية ابن عابدين ٢١٨/٢، طبع بولاق الأولى، وجو مر الإكليل ١٩٨/١، طبع مطبعة عباس، والمغني لابن قدامه ٣٤٠/٣، طبع المنار الثالثة. - ٣٧٣ - إذخر ٢ - أذ كار- أُذن ١ - ٢ إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا، فقال : إلا الإذخر، وفي رواية لقبورنا وبيوتنا . (١) : وإذا جاز قطعه واستعماله فان هذا الاستعمال (٢) يشترط ألاّ يكون في التطيب . وقد ذكر ذلك الفقهاء في الحج في باب ما يحظر في الحرم من الصيد وقطع الشجر ونحو ذلك. إذكار أنظر: ذ کر أذُنّ التعريف : ١ - الأذن: بضم الذال وسكونها، عضو السمع، وهو معنى متفق عليه بين الفقهاء وأهل اللغة . وإذا كانت الأذن عضو السمع، فان السمع هو إدراك الأصوات المسموعة(٣) وشتان مابينهما . (١) متفق عليه واللفظ للبخاري. انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٦٦/٣، طبع المطبعة البهية المصرية وشرح النووي لصحيح مسلم ١٢٧/٩، طبع المطبعة المصرية. (٢) فتح الباري ١٦٦/٣ (٣) الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري ص ٨١ طبع دار الآفاق الجديدة - بيروت. الحكم الإجمالي، ومواطن البحث : ٢ - الأذن عضو السمع، وفي الجسد منه اثنتان في العادة. ويترتب على ذلك أحكام هي : أ - يطلب الأذان في أذن المولود اليمنى، والإقامة في أذنه اليسرى، ليكون الأذان بمافيه من التوحيد الخالص أول ما يقرع سمعه،(١) وقد ورد الحديث الشريف بذلك، ويذكر الفقهاء هذا غالباً في الأذان عند كلامهم على المواطن التي يسن فيها الأذان، وذكره بعضهم في الأضحية عند كلامهم على العقيقة . ب - يرى الفقهاء عدم إباحة سماع المنكر، ويرون وجوب كف السمع عن سماعه، حتى إذا مرّ المرء بمكان لا مناص له من المرور فيه، وفيه شيء من هذه المنكرات، وضع أصابعه في آذانه لئلا يسمع شيئاً منها. كما فعل ابن عمر رضي الله عنه، فقد روى نافع قال : إن ابن عمر سمع صوت مزمار راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول : يا نافع أتسمع؟ فأقول : نعم، فيمضي، حتى قلت : لا ، فرفع يده وعدل راحلته إلى الطريق وقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع زمارة راع فصنع مثل هذا.(٢) ج - وإذا كانت الأذن غير السمع وهي آلته، فان (١) تحفة المودود في أحكام المولود ص ١٧ ط مطبعة الإمام+ وحاشية · القليوبي ٢٥٦/٤ ط مصطفى البابي الحلبي، وحاشية أبن عابدين ٢٥٨/١، ط بولاق الأولى، والمغني ٦٤٩/٨ طبع المنار الثالثة . (٢) نيل الأوطار ١٠٠/٨ طبع المطبعة العثمانية المصرية وعزاه إلى الإمام أحمد وأبي داود وابن ماجه وإسناده صحيح (المسند بتحقيق شاكر ٢٤٥/٦) - ٣٧٤ - أذن ٣ -٦ ٠٠٠ الجناية على الأذن الواحدة توجب القصاص في العمد، ونصف الدية في الخطأ حتى ولوبقي السمع سليماً. فإن ذهب السمع أيضاً مع الأذن بجناية واحدة لم يجب اكثر من نصف الدية. وقد فصل الفقهاء ذلك في کتاب الجنايات، وفي الديات (١) هل الأذنان من الرأس ؟ ٣ - في اعتبار الأذنين من الرأس أو من الوجه خلاف بين الفقهاء ويترتب على ذلك الاختلاف في حكم مسح الأذنين، هل هو واجب أم غير واجب؟ وهل يجزىء مسحهما بماء الرأس أم لا يجزىء؟ وفصل الفقهاء القول في ذلك في كيفية المسح،(٢) في باب الوضوء. داخل الأذنين : ٤ - اختلف الفقهاء في اعتبار داخل الأذن من الجوف. وبناء على ذلك اختلفوا في إفطار الصائم بإدخال شيء إلى باطن الأذن إذا لم يصل إلى حلقه.(٣) وفصلوا الكلام في ذلك في كتاب الصيام في باب ما يفطر الصائم. (١) أنظر: حاشية ابن عابدين ٣٧٠/٥، والفتاوى الهندية ١٠/٦، ٢٥ طبع بولاق، وحاشية قليوبي ١٣/٤، والمغني مع الشرح الكبير ٤٢١/٩، طبع المنار الأولى. (٢) نيل الأوطار ١٦١/١، والمغني ١٢٣/١، ١٠٦ طبع المنار الثالثة . (٣) حاشية قليوبي ٥٦/٢، والغرر البهية شرح البهجة الوردية ٢١٣/٢، طبع المطبعة الميمنية، ومواهب الجليل ٤٢٥/٢، طبع مطبعة النجاح - ليبيا، وفتح القدير ٧٢/٢، ٧٣ طبع بولاق سنة / ١٣١٥ هل يعبر بالأذن عن الجسد كله؟ ٥ - اتفق الفقهاء على أن الأذن عضو من البدن لا يعبربه عن الكل، وفرعوا على ذلك أن المرء إذا أضاف الظهار أو الطلاق أو العتق ونحوها إلى الأذن لا یقع ماقصد إلیه. کما یؤخذ ذلك من كلامهم في الأبواب المذكورة . هل الأذن من العورة؟ ٦ - اتفق الفقهاء على أن الأذن في المرأة من العورة، ولا يجوز إظهارها للاجنبى. وما اتصل بها من الزينة - كالقرط - هو من الزينة الباطنة التي لا يجوز إظهارها أيضاً إلا ماحكاه القرطبي عن ابن عباس والمسور بن مخرمة وقتادة من اعتبار القرط من الزينة الظاهرة التي يجوز إظهارها . (١) واتفقوا كذلك على أن الأذن موضع للزينة في المرأة دون الرجل، ولذلك أباحوا ثقب أذن الجارية لإلباسها القرط .(٢) وليس لذلك مكان محدد في كتب الفقه، وقد ذكره الحنفية في كتاب الحظر والإباحة، وذكره القليوبي في كتاب الصيال، وذكره بعضهم (١) تفسير القرطبي ٢٢٨/١٢، طبع دار الكتب، وتفسير الطبري ١١٨/١٨، طبع مصطفى البابي الحلبي، وأحكام القرآن للجصاص ٣٨٨/٣، طبع المطبعة البهية المصرية سنة ١٣٧٤ وأحكام القرآن لابن العربي ص ١٣٥٧، طبع عيسى البابي الحلبي، ونهاية المحتاج ١٨٤/٦، طبع مصطفى البابي الحلبي، وإعانة الطالبين ٢٥٩/٣، طبع مصطفى البابي الحلبي الثانية، والزيلعي على الكنز ١٧/٦، طبع بولاق سنة/١٣١٣ (٢) حاشية ابن عابدين ٢٤٩/٥، ٢٧٠، وتحفة الودود في أحكام المولود ص ١٥٣، وحاشية القليوبي ٢٠٩/٤، ٢١١ - ٣٧٥ - أذن ٧ - ١١ إذن ١ - ٢ فيما يحق للولي فعله في الصغير المَوْلِّ عليه. ٧ - واتفق الفقهاء على عدم إجزاء مقطوعة الأذن في الأضحية والهدي، واختلفوا فيما لو تعيبت أذنها عيباً فاحشاً، فأجازها البعض ولم يجزها البعض الآخر.(١) ومحل تفصيل ذلك في كتاب الأضاحي من كتب الفقه. ٨- يستحب للمؤذن أن يضع يديه في أذنيه أثناء الأذان.(٢) وقد نص الفقهاء على ذلك في كتاب الأذان عند كلامهم على ما يستحب للمؤذن. ٩ - ويسن للرجل رفع يديه إلى حذاء أذنيه، عند البعض، في تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال في الصلاة. وقد ذكر الفقهاء ذلك في كتاب الصلاة. ١٠ - ذكر الفقهاء أن وسم الحيوانات لغاية مشروعة - كعدم اختلاطها بغيرها ــ مباح، ويرى الشافعية أن أفضل مكان لوسم الغنم هو آذانها، لقلة الشعر فيها. (٣) وقد ذكروا هذه المسألة في باب قسم الصدقات. ١١ - وما يسيل من الأذن في حالة المرض نجس، وفي انتقاض الوضوء به خلاف بين الفقهاء مبني على خلافهم في انتقاض الوضوء(٤) بكل خارج نجس من البدن، وقد تكلموا على ذلك في باب الوضوء عند كلامهم على نواقض الوضوء. (١) بداية المجتهد ٤٤٤/١، طبع مكتبة الكليات الأزهرية، والمغني ٦٢٥/٨، وحاشية القلیو بي ٢٥١/٤، ٢٥٢ (٢) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ١٠٦، طبع المطبعة العامرة العثمانية، والمغني ٤٢٢/١ (٣) حاشية القليوبي ١٩٤/٣ (٤) حاشية ابن عابدين ١٠٠/١ إذنّ التعريف : ١ - من معاني الإذن في اللغة: إطلاق الفعل والإباحة. (١) ولم يخرج الفقهاء في استعمالهم للإذن عن المعنى اللغوي. (٢) الألفاظ ذات الصلة : أ - الإباحة : ٢ - الإباحة هي التخيير بين الفعل والترك دون ترتب ثواب أو عقاب. ويذكرها الأصوليون عند الكلام على الحكم وأقسامه باعتبارها من أقسام الحكم الشرعي عند جمهور الأصوليين.(٣) ولهم في ذلك تفصيلات كثيرة من حيث تقسيم الإباحة، وتقسيم متعلقها وهو المباح (انظر: الملحق الأصولي). (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والقاموس المحيط ، وكشاف اصطلاحات الفنون ٩٣/١، ١١٣ ط بيروت، والكليات للكفري ٩٩/١ ط منشورات وزارة الثقافة - سورية. (٢) ابن عابدين ١٠١/٥، ٢٢١ط بولاق الثالثة، وتكملة فتح القدير ٢١١/٨ط دار إحياء التراث العربي، والدسوقي ٣٠٤/٣ط دار الفكر، ومغني المحتاج ٩٩/٢ط مصطفى الحلبي. (٣) جمع الجوامع ٨٤/١ط الأولى - الأزهرية، والمستصفى ٧٥/١ط بولاق. - ٣٧٦ - إذن ٣ _ ٥ والفقهاء كذلك يفسرون الإباحة بالمعنى السابق الذي ذكره الأصوليون. (١) وأيضا يستعمل الفقهاء الإذن والإباحة بمعنى واحد، وهو ما يفيد إطلاق التصرف فقد قال الجرجاني(٢): الإباحة هي الإذن بالإتيان بالفعل كيف شاء الفاعل. وقال ابن قدامة (١: من نثر على الناس نثارا كان إذنا في التقاطه وأبيح أخذه، وفسر الشيخ عليش : المباح بالمأذون فيه .(٤) وإذا كان الإذن يستعمل بمعنى الإباحة فلأن الإباحة مرجعها الإذن. فالإذن هو أصل الإباحة. ولولا صدور مايدل على الإذن لما كان الفعل جائز الوقوع، فالإباحة الشرعية حكم شرعي عند جمهور الأصولیین، و يتوقف وجوده على الشرع. (٥) وبذلك يتبين أن الإباحة تكون بمقتضى الإذن سواء أكان صريحا أم ضمنا، وسواء أكان من الشارع أم من العباد بعضهم لبعض . ب - الإجازة : ٣ - الإجازة معناها الإمضاء يقال : أجاز أمره إذا أمضاه وجعله جائزاً، وأجزت العقد جعلته جائزاً ونافذاً. والإذن هو إجازة الإتيان بالفعل . فالإجازة والإذن كلاهما يدل على الموافقة على الفعل (١) ابن عابدين ٢٢١/٥ (٢) التعريفات للجرجاني ص ٣ط مصطفى الحلبي. (٣) المغني ٦٠٤/٥ط مكتبة الرياض. (٤) منح الجليل ٥٩٦/١ط مكتبة النجاح طرابلس - ليبيا .. (٥) جمع الجوامع ١٧٥/١، والمستصفى ١٠٠/١، والموافقات إلا أن الإذن يكون قبل الفعل، والإجازة تكون بعد وقوعه. (١) ج - الأمر: ٤ - الأمر من معانيه لغة : الطلب، واصطلاحاً : طلب الفعل على سبيل الاستعلاء. فكل أمر يتضمن إذنا بالأولوية. أقسام الإذن الإذن قد یکون عاما وقد يكون خاصاً ، والعموم والخصوص قد يكون بالنسبة للمأذون له، وقد يكون بالنسبة للموضوع أو الوقت أو الزمان. أ _ الإذن بالنسبة للمأذون له : ٥ - الإذن قد يكون عاماً بالنسبة للشخص المأذون له، وذلك كمن ألقى شيئا وقال : من أخذه فهو له فلمن سمعه أو بلغه ذلك القول أن يأخذه، وکمن وضع الماء على بابه، فإنه يباح الشرب منه لمن مرّ به من غني أو فقير، وكذا من غرس شجرة في موضع لا ملك فيه لأحد، ولم يقصد الإحياء، فقد أباح للناس ثمارها. وكأن يجعل الإمام للمسلمين موضعا لوقوف الدواب فیه، فلكل مسلم حق الوقوف فيه، لأنه مأذون من السلطان.(٢) ومن ذلك الدعوة العامة للوليمة. للشاطبي ١٨٦/١ ط المكتبة التجارية - مصر. (١) لسان العرب، والمصباح المنير، وابن عابدين ٣٨٣/٢ (٢) ابن عابدين ٣٣٤/٣، ومغني المحتاج ٢٤٨/٣، والمغني ٦٠٤/٥، والحطاب ٦/٤ ط النجاح - ليبيا، والاختيار ٤٨/٥ ط دار المعرفة بيروت، ومنتهى الإرادات ٨٥/٣ط دار الفكر - ٣٧٧ - إذن ٦ - ٨ وقد یکون الإذن خاصا بشخص، كمن يقول : هذا الشيء صدقة لفلان، أو كالوقف على أهل مذهب معين لصرف غلة الوقف عليهم، أو تخصيص أحد الضيفان بطعام خاص، أو اقتصار الدعوة على (١) بعض الناس .(١ ب- الإذن بالنسبة للتصرف والوقت والمكان: ٦ - قد يكون الإذن عاما بالنسبة للتصرف والوقت والمكان، وقد یکون خاصا، فإذن السيد لعبده في التجارة يعتبر عند الحنفية والمعتمد عند المالكية إذنا عاما يجيز للعبد المأذون له التصرف في سائر التجارات ماعدا التبرعات، حتى لو أذن له في نوع من أنواع التجارات فهو مأذون في جميعها، خلافا لزفر، لأن الأذن عند الحنفية إسقاط الحق، والإسقاطات لا تتوقت بوقت ، ولا تتخصص بنوع دون نوع، ولا یمکان دون مكان، فلو أذن له يوما صار مأذونا مطلقا حتى يحجر عليه، وكذلك لوقال له : أذنت لك في التجارة في البردون البحر، إلا أنه إذا أمره بشراء شيء خاص كأن يقول له : اشتربدرهم لحما لنفسك أو اشتر كسوة ففي الاستحسان يقتصر على ما أذن له فيه، لأن هذا من باب الاستخدام، يقول ابن عابدين : اعلم أن الإذن بالتصرف إذن بالتجارة وبالشخص استخدام. (٢) (١) ابن عابدين ٤٤٣/٣، والدسوقي ٨٧/٤، ٨٨ط دار الفكر، ومنتهى الإرادات ٥١٤/٢ط دار الفكر، ومغني المحتاج ٢٤٩/٣، ٣٩٠ (٢) ابن عابدين ١٠١/٥، ١٠٢، والاختيار ١٠١/٢ ط دار المعرفة بيروت، وبدائع الصنائع ١٩١/٧ ط الجالية، والدسوقي ٣٠٤/٣، والهداية ٣/٤ط المكتبة الإسلامية. وعند الشافعية والحنابلة وبعض المالكية وزفر من الحنفية يتقيد الإذن بالنسبة للعبد، فلا يصير العبد مأذونا إلا فيما أذن له فيه سيده، لأن تصرفه مستفاد من الإذن، فاقتصر على المأذون فيه، فإذا أذن له في التجارة في نوع، كالثياب، أو في وقت كشهر كذا أو في بلد فلا يجوز له أن يتجاوزه، كالوكيل وعامل القراض، لأنه متصرف بالإذن من جهة الآدمي، فوجب أن يختص بما أذن له فيه(!) فإن لم ينص على شيء وتصرف حسب المصلحة عند الشافعية فيتصرف في كل الأنواع والأزمنة والبلدان. وأمثلة الإذن الخاص والعام كثيرة كما في الوكالة والقراض والشركة والإعارة والإجارة وغيرها، وتنظر في أبوابها . من له حق الإذن : إذن الشارع : ٧ - إذن الشارع يكون إما بنص، أو باجتهاد من الحاكم فيما يتعلق بمصالح العباد، مع مراعاة القواعد العامة لمقاصد الشريعة، كجلب المصالح ودرء المفاسد . ووجوه الإذن من الشارع متعددة الأسباب لتفرع مناحي الشريعة في الحفاظ على كيان الفرد والمجتمع. ٨ - فالإذن من الشارع قد يكون للتوسعة والتيسير على العباد في حياتهم، كالبيع والشراء والإجارة والرهن، كما جاء في قوله تعالى: ((وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ (١) مغني المحتاج ٩٩/٢، والمغني ٨٤/٥، والدسوقي ٣٠٤/٣ - ٣٧٨ - إذن ٩ - ١٠ وَحَرَّمَ الرِّبَا))(١) وقوله تعالى: ((فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ))(٢) .. الخ. وكذلك الإذن بالتمتع بالطيبات، كالمأكل والمشرب والمسكن والملبس، كما جاء في قوله تعالى : ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطََِّّاتِ مِنَ الرِّزْقٍ))(٣). والإذن بالنكاح للتمتع والتناسل على ماجاء في قوله تعالى: ((فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)) (٤). ومن ذلك أيضا الإذن بالصيد إلا في حالة الإحرام والإذن بإحياء الموات، والإذن بالانتفاع بالطريق العام والمسيل العام وهكذا. (٥) ٩ - وقد يكون إذن الشارع بالانتفاع على وجه التعبد والقربة، كالانتفاع بالمساجد والمقابر والرباطات. (٦) والإذن في كل ماسبق يجب أن يقتصر فيه على الأصل الذي ورد من الشارع مقيداً بعدم الضرر بالغير، إذ لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. وقد وضع الفقهاء لكل هذه التصرفات قواعد وشرائط لابد من مراعاتها، ومخالفة ذلك تبطل التصرف . (١) سورة البقرة / ٢٧٥ (٢) سورة البقرة /٢٨٣ (٣) سورة الأعراف /٣٢ (٤) سورة النساء /٣ (٥) الموافقات ١٢٦/١، ١٣١، ١٨٨، ١٩٥، و١٨٠/٢، ١٨١، ومغني المحتاج ٣٦١/٢، والمغني ٥٦١/٥، ٥٧٥، ٥٨١ و٥٣٩/٨، وابن عابدين ٢٨٣/٥، والاختيار ٦٧/٣ط دار المعرفة بيروت . (٦) ابن عابدين ٤٤٩/١ والدسوقي ٧٠/٤ ومنتهى الإرادات ٤٩٥/٢، ومغنى المحتاج ٣٨٩/٢ ١٠ - وقد يكون الإذن من الشارع رفعا للحرج ودفعا للمشقة، لأن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: «لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا (١)، وقوله: ((يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَوَلاَ يُرِيِدُ بِكُمُ الْعُشْرَ)) (٢)، وقوله: ((يُرِيَدُ الله أَنْ يُخَفِّق (٣) عَنْكُمْ))(٣). كذلك ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما، وكان صلى الله عليه وسلم ينهي عن الوصال في العبادة ويقول : ((خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا)). (٤) وعلى هذا الأساس كان الإذن للمسافر والمريض بالفطر في رمضان. ولقد نقل عن مالك والشافعي منع الصوم إذا خاف التلف به وأنه لا يجزئه إن فعل، ونقل المنع في الطهارة عند خوف التلف والانتقال إلى التيمم. والدليل على المنع قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (٥) ، وجاء في حديث الناذر للصيام قائما في الشمس حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم حين علم بذلك: ((مروه فليستظل (١) سورة البقرة /٢٨٦ (٢) سورة البقرة / ١٨٥ (٣) سورة النساء /٢٨ (٤) حديث ((خذوا من .. )) أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له (فتح الباري ٢١٣/٤ ط السلفية وصحيح مسلم ٨١١/٢ - الحديث رقم ١٧٧ تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي). (٥) سورة النساء /٢٩ - ٣٧٩ - إذن ١١- ١٢ وليتكلم وليتم صومه)). (١) وكذلك كان الإذن بإباحة ما كان محرما لذاته وأذن به لعارض، كأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر لإزالة الغصة وذلك إذا عرضت ضرورة وهي خشية الموت أو التلف، وكذلك الإذن بإباحة ما كان محرما لغيره كالإذن بنظر الأجنبية للزواج وبنظر .(٢) العورة إذا عرضت حاجة كالعلاج. وكل ما كان من هذا القبيل مما فيه مشقة وحرج سواء أكانت المشقة حاصلة باختيار المكلف كالناذر الصيام قائما في الشمس، أم كانت المشقة تابعة للفعل كالمريض غير القادر على الصوم أو الصلاة، والحاج الذي لا يقدر على الحج ماشياً أو راكبا إلا بمشقة خارجة عن المعتاد، فهذا هو الذي ورد فيه اليسر ومشروعية الرخص. ولقد وضع الفقهاء بعض القواعد العامة لذلك، كقولهم : الضرورات تبيح المحظورات. المشقة تجلب التيسير. الضرريزال. (٣) أما إذا كانت المشقة الداخلة على المكلف ليست بسببه، ولا بسبب دخوله في عمل تنشأ عنه (١) الموافقات ١٢٠/٢ - ١٤٢، ١٥٢، والأشباه للسيوطي ص ٧٦ ط مصطفى الحلبي. وحديث : ((مروه فليستظل ... )) أخرجه البخاري وأبوداود بلفظ: «مروه فليتكلم، وليستظل وليقعد وليتم صومه))، وأخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه ومالك في الموطأ (فتح الباري ٥٨٦/١١ ط السلفية، وأبوداود، ٢٠٨/٢ ط م الحلبي ١٣٧١ هـ، والمسند ١٦٨/٤، وابن ماجه ٦٩٠/١ طع الحلبي ١٣٧٢ هـ، والموطأ، ٤٧٥/٢ ترتيب محمد عبدالباقي). (٢) الاختيار ١٥٤/٤، والمغني ٥٥٢/٦، ٥٩٦/٨، ومنح الجليل ٥٩٦/١ (٣) الموافقات ١٣٤/٢، ١٥٢ والأشباه للسيوطي ص ٧٦ فلقِدِ فهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق رفعا للمشقة، بل إن الشارع أذن في التحرز منها عند توقعها وإن لم تقع، ومن ذلك الإذن في دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد، والإذن في التداوي عند وقوع الأمراض، وفي التوقي من كل مؤذ آدميا كان أو غيره. ولذلك يقول الفقهاء : لا ضمان في قتل الصائل على نفس أو طرف أوبضع أو مال. (١) إذن المالك : ١١ _ الملك _ كما جاء في دستور العلماء - هو اتصال شرعي بين الانسان و بين شيء يكون سببا لتصرفه فيه ومانعا من تصرف غيره فيه. (٢) ويقول ابن نجيم : الملك قدرة يثبتها الشارع ابتداء على التصرف. (٣) والأصل أن كل مملوك لشخص لا يجوز تصرف غيره فيه بدون إذنه إلا لحاجة، كأن يحتاج المريض الدواء، فإنه يجوز للولد والوالد الشراء من مال المريض ما يحتاج إليه المريض بدون إذنه. (٤) وإذن المالك لغيره فيما يملكه يكون على الوجوه الآتية : أ _ الإذن بالتصرف : ١٢ - يجوز للمالك أن يأذن لغيره بالتصرف فيما يملكه، وذلك كما في الوكالة والقراض (المضاربة) (١) الموافقات ١٥٠/٢ والشرح الصغير ٥٣٣/٢ ط مصطفى الحلبي ومغني المحتاج ١٩٤/٤، والاختيار ١٧٠/٤، ومابعدها . (٢) دستور العلماء ٣٢٢/٣ (٣) الأشباه لابن نجيم ط المطبعة الحسينية. (٤) ابن عابدين ١٣١/٥ ط بولاق ط الثالثة. - ٣٨٠ -