Indexed OCR Text
Pages 281-300
إجارة ٨٧ - ٨٨ أحكام إجارة الأرض الزراعية : التزامات المؤجر: ٨٧ - يجب تسليم الأرض خالية إلى المستأجر. فإن استأجر أرضا فيها زرع لآخر، أو ما يمنع الزراعة ، لم تجز الإجارة، لعدم القدرة على استيفاء المعقود عليه . فإن قلع ذلك قبل تسليم الأرض جاز. وقال الحنابلة : لو كانت مشغولة، وخلت أثناء المدة ، فانها تصح فيما خلت فيه من المدة بقسطه من الأجرة . وإذا كان ذلك مما يختلف رجع في تقويمه إلى أهل الخبرة (١) التزامات المستأجر: ٨٨ - أولا: يجب على المستأجر أن يدفع الأجرة المشروطة في العقد حسب الاشتراط ، فقد نصوا على لزوم الكراء بالتمكين من التصرف في العين التي اكتراها وإن لم تستعمل . وقد اتجه الفقهاء في الجملة إلى أنه إن انقطع عنها الماء، أو غرقت ولم ينكشف عنها الماء، ونحو ذلك مما يمنع تمكنه من زراعتها، فإنه لا يلزمه الأجر. لكن لهم تفصيلات ينبغي الإشارة إليها. فالحنفية ينصون على أن انقطاع الماء عن الأرض التي تسقى بماء النهر أو ماء المطريسقط الأجر. وكذا إن غرقت الأرض قبل أن يزرعها ومضت المدة . (١) الفتاوى الهندية ٤٦٨/٤، وحاشية الدسوقي ٤٧/٤، والمهذب ٤٠٦/١، ٤٠٧، وكشف القناع ٤٧٢/٣ وكذا لو غصبها غاصب . أما إن زرعها ، فأصاب الزرع آفة ، فهلك الزرع، أو غرقت بعد الزرع ولم ينبت ، ففي إحدى روايتين عن محمد : يكون عليه الأجر كاملا . والمختار في الفتوى أنه لا يكون عليه أجر لما بقى من المدة بعد هلاك الزرع. (١) ويقرب من ذلك قول المالكية ، إذ قالوا : إن الأجر لا يجب بانقطاع الماء عن الأرض ، أو إغراقه لها من قبل أن يزرعها وحتى انقضاء المدة . أما إن تمكن، ثم فسد الزرع لجائحة لا دخل للأرض فيها ، فيلزمه الكراء، غير أنهم قالوا : إذا انعدم البذر عموما عند أهل المحلة ملكاً أو تسليفاً فلا يلزمه الكراء، وكذا إذا سجن المكتري بقصد تفويت الزرع عليه ، فيكون الكراء على ساجنه . (٢) وقال الشافعية والحنابلة : إن ا کترى أرضا للزراعة ، فانقطع ماؤها ، فالمكتري بالخيار بين فسخ العقد، لأن المنفعة المقصودة قد فاتت ، وبين إبقائه لأن العين باقية يمكن الانتفاع بها ، وإنما نقصت منفعتها ، فثبت له الخيار، كما لو حدث به عيب . وقالوا : إذا زرع الأرض التي اكتراها ثم هلك الزرع بزيادة المطر أو شدة البرد أو أكل الجراد ، لم يجز له الرد، لأن الجائحة حدثت على مال المستأجر. وقالوا : إن اكترى أرضا غرقت بالماء لزراعة ما لا يثبت في الماء، كالحنطة والشعير، فإن كان للماء مغيض إذا (١) الفتاوى الهندية ٤ /٤٦١، ٤٦٢ (٢) حاشية الدسوقي ٥٠/٤ - ٢٨١ - إجارة ٨٩ - ٩٠ فتح انحسر الماء عن الأرض ، وقدر على الزراعة ، صح العقد، وإلا لم يصح العقد. وإن كان يعلم أن الماء ينحسر، وتنشفه الريح ، ففيه وجهان عند الشافعية : أحدهما : لا يصح ، لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة في الحال. والثاني : يصح. وهو الصحيح ، لأنه يعلم بالعادة إمكان الانتفاع به.(١) ٨٩ - ثانياً : يجب على المستأجر أن ينتفع بالأرض في حدود المعروف والمشروط ، لا بما هو أكثر ضرراً، وهذا موضع اتفاق. وذهب عامة أهل العلم إلى أنه يجوز أن يزرع الأرض الزرع المتفق عليه ، أو مساويه، أو أقل منه ضرراً . غير أن الحنفية قالوا : من اكترى أرضا ليزرعها حنطة فليس له أن يزرعها قطناً . وإذا زرعها ضمن قيمة ما أحدثه ذلك في الأرض من نقصان، واعتبر غاصباً للأرض.(٢) وقد سبق أنهم يشترطون تعيين نوع ما يزرع . وقال الشافعية في ذلك : يلزمه أجر المثل ، لأنه تعدى ، والزيادة غير منضبطة ، وتفضي إلى المنازعة . وفي قول آخر لهم: يلزمه المسمى وأجر المثل للزيادة . وفي قول : إن مالك الأرض يكون بالخيار بين أن يأخذ المسمى وأجر المثل للزيادة، أو أن يأخذ أجر المثل للجميع. وعند الحنابلة : لو اشترط نوعاً معيناً من الزرع كالقمح، فلهم رأيان : قيل : لا يجوز هذا الشرط ، لأن المعقود عليه منفعة الأرض، وإنما ذكر القمح (١) المهذب ٣٩٥/١، ٤٠٥، والشرح الكبير مع المغني ٨٠/٦، ٨١، وكشاف القناع ٢٢/٤ (٢) الهداية ٢٣٨/٣ لتقدر به المنفعة. والثاني أنه يتقيد بهذا الشرط حسب الاتفاق، فيكون شرطاً لا يقتضيه العقد . وهذا اختيار القاضي من علمائهم.(١) انقضاء إجارة الأرض الزراعية : ٩٠ - إذا كانت الإجارة على مدة، وانقضت المدة، انقضت الإجارة اتفاقا . ويبقى الزرع في الأرض إذا كان لم يَحِنْ حصاده. وعليه الأجر المسمى عن المدة، زائداً أجر المثل عن المدة الزائدة . ولفقهاء المذاهب بعض تفصيلات في ذلك، وفيما إذا كانت الأرض استأجرها للغراس لا للزرع : فقال الحنفية : إذا استأجرها ليغرس بها شجراً ، وانقضت المدة، لزمه أن يقلع الشجر ويسلم الأرض فارغة. وقيل : يتركها بأجر المثل ، إلا أن يختار صاحب الأرض أن يغرم قيمة ذلك مقلوعاً إن كان في قلعها ضرر فاحش بالأرض. وإلا قلعها من غير ضمان النقص له. لأن تقدير المدة في الإجارة يقتضي التفريغ عند انقضائها، كما لو استأجرها للزرع.(٢) ولا يبعد المالكية عن الحنفية في شيء من هذا، غير أن بعضهم قيّد بقاء الزرع في الأرض للحصاد بأجر المثل بما إذا كان المكتري يعلم وقت العقد أن الزرع يتم حصاده في المدة، وإلا جاز للمؤجر أمره بالقلع. (٣) (١) المهذب ٤٠٢/١، ٤٠٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤٨/٤، والمغني ٥٣/٦، ٥٩، ٦٠ (٢) الفتاوى الهندية ٤٢٩/٤، والهداية ٢٣٦٠٢٣٥/٣، وانظر المغني ٦٧/٦ (٣) حاشية الدسوقي ٤٧/٤ - ٢٨٢ - إجارة ٩١ - ٩٢ ٩١ - أما الشافعية فقد فصّلوا، وقالوا: إن اكترى أرضاً لزرع معين لا يستحصد في المدة ، واشترط التبقية ، فالإجارة باطلة ، لأنه شرط ينافى مقتضى العقد. فإن بادر وزرع لم يجبر على القلع ، وعليه أجرة المثل. وإن شرط القلع فالعقد صحيح ، ويجبر على ذلك. وإن لم يشترط شيئاً من ذلك فقيل : يجبر على القلع ، لأن العقد على مدة، وقد انقضت . وقيل : لا يجبر، لأن الزرع معلوم. ولزمه أجر المثل الزائد . وإن كان الزرع غير معين، فإن كان بتفريط منه، فللمكرى أن يجبره على قلعه ، لأنه لم يعقد إلا على المدة. وإن كان لعذر، فقيل : يجبر أيضاً . وقيل : لا يجبر. وهو الصحيح ، لأنه تأخر من غير تفريط منه. وعليه المسمى إلى نهاية المدة ، وأجرة المثل لما زاد.(١) وفي الغراس قالوا : إنه يجوز اشتراط التبقية ، لأن العقد يقتضيه. وإن شرط عليه القلع أخذ بالشرط، ولا يلزمه تسوية الأرض. وإن أطلق لم يلزمه القلع، إذ العادة في الغراس التبقية إلى أن يجف ويستقلع. وإن اختار القلع، وكان قبل انقضاء المدة، فقيل : يلزمه تسوية الأرض ، لأنه قلع الغراس من أرض غيره بغير إذنه. وقيل لا يلزمه ، لأنه قلع الغراس من أرض له عليها يد. وإن كان بعد انقضاء المدة لزمه تسوية الأرض، وجها واحداً. وإن اختار المكتري التبقية فإن أراد صاحب الأرض دفع قيمة الغراس وتملكه أجبر المكتري على ذلك. وإن (١) المهذب ٤٠٣/١، وروضة الطالبين ٢١٤/٥، ٢١٥ أراد أن يقلعه، وكانت قيمة الغراس لا تنقص بالقلع ، أجبر المكتري على القلع.(١) ولا يبعد رأي الحنابلة عما قاله الشافعية في جملته . غيرانهم قالوا : إذا كان تأخير الزرع لتفريط منه فحكمه حكم زرع الغاصب . ويخيرّ المالك بعد المدة بين أخذه بالقيمة، أو تركه بالأجر لما زاد على المدة. وإن اختار المستأجر قطع زرعه في الحال فله ذلك. وقال القاضي : إن على المستأجر ذلك. وإن اتفقا على تركه بعوض جاز. وإن كان بقاؤه بغير تفريط لزم المؤجر تركه إلى أن ينتهي، وله المسمى ، (٢) وأجر المثل لما زاد . وإذا استؤجرت الأرض مدة للزراعة ، ومات المؤجر أو المستأجر، قبل أن يستحصد الزرع كان من حق المستأجر أو ورثته بقاء الأرض حتى حصاد الزرع، وذلك بأجر المثل، على أن يكون ذلك من مال الورثة دون مال الميت(٣) وقد سبق أن وفاة المؤجر، أو المستأجر، مما ينهى عقد الإجارة عند الحنفية ، خلافاً للمذاهب الأخر. المبحث الثاني إجارة الدور والمباني بم تعين المنفعة فيها ؟ ٩٢ - لا يعلم خلاف بين فقهاء المذاهب في ضرورة تعيين الدار المستأجرة، وأنه إذا تغيرت هيئتها الأولى التي رآها عليها بما يضر بالسكن يثبت له خيار (١) المهذب ٤٠٣/١، ٤٠٤ (٢) المغني ٦٤/٦ - ٦٨ (٣) الفتاوى الهندية ٤٢٩/٤ - ٢٨٣ - إجارة ٩٣ - ٩٤ العیب. وإذا كان استأجر داراً قد تعینت بالوصف ، ولم يرها قبل العقد ولا وقته، ثبت له حق خيار الرؤية عند من يقولون به .(١) ولا يعلم خلاف أيضاً في أن إجارة الدور مما لا تختلف في الاستعمال عادة، فيصح استئجار الدار أو الحانوت مع عدم بيان ما يستأجرها له ، لأن الدور إنما تكون للسكن عادة، والحانوت للتجارة أو الصناعة. ويرجع إلى العرف أيضا في كيفية الاستعمال، والتفاوت في السكن يسير فلم يحتج إلى (٢) ضبطه.(٢). ٩٣ - وإذا شرط المؤجر على المستأجر ألا يسكن غيره معه فالحنفية يرون أن الشرط لاغ والعقد صحیح ، فله أن یسکن غيره معه . وذهب المالكية والحنابلة إلى اعتبار الشرط ، فليس له أن يسكن غيره معه ، إلا ما جرى به العرف. وذهب الشافعية إلى فساد الشرط والعقد ، لأن هذا الشرط لا يقتضيه العقد ، وفيه منفعة (٣) للمؤجر، فيكون شرطاً فاسدا ، ويفسد به العقد . وإذا لم يكن هناك شرط فالعبرة في ذلك بعدم الضرر أولاً ، والرجوع للعرف ثانياً . وللمستأجر أن ينتفع بالدار والحانوت كيف شاء في حدود المتعارف، بنفسه وبغيره ممن لا یز ید (١) الفتاوى الهندية ٤٢٩/٤ (٢) المغني ٦/ ٥٢ (٣) الفتاوى الهندية ٤٢٩/٤، وحاشية ابن عابدين ١٧/٥، وفتح القدير ١٦٥/٧، ١٦٦، والمدونة ١٥٧/١١، والخرشي ٥٠/٧، ونهاية المحتاج ٢٧٧/٥، ٢٧٨، ٣٠٣، وكشاف القناع ٤٥٨/٣، والمغني والشرح الكبير ٥١/٦، ٥٢ ضرره عنه. وليس له أن يجعل فيها ما يوهن البناء كالحدادة والقصارة . وتدخل في إجارة الدور والحوانيت توابعها ، ولو بدون ذكرها في العقد ، لأن المنفعة لا تتحقق إلا 4.(١) ٩٤ - وبيان المنفعة في إجارة الدورببيان المدة فقط ، لأن السكنى مجهولة المقدار في نفسها ، ولا تنضبط بغير ذلك . وليس لمدة الإجارة حد أقصى عند الجمهور، فتجوز المدة التي تبقى فيها وإن طالت . وهو قول أهل العلم كافة . وفي قول عند الشافعية : لا تجوز أكثر من سنة. وفي قول : إنها لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة . وقال به المالكية بالنقد والمؤجل .(٢) وتبدأ المدة من الوقت المسمى في العقد. فإن لم يكونا سميا وقتا فمن حين العقد.(٣) ويقول المالكية : يجوز عدم بيان ابتداء المدة لسكنه شهراً أو سنة مثلا . ويحمل من حين العقد وجيبة ( أي مدة محددة لا تتجدد بنفس العقد ) أو مشاهرة. فإن وقع العقد في أثناء الشهر فثلاثون يوماً من يوم العقد .(٤) أما الشافعية فقالوا : لا تجوز إجارة الدور إلا لمدة معلومة الابتداء والانتهاء. فإن قال : آجرتك هذه الدار شهراً، ولم يحدد الشهر، لم يصح، لأنه ترك (١) الفتاوى الهندية ٤٧٠/٤، وكشف الحقائق ٣٤/٢، ٣٥، وتبيين الحقائق ١١٣/٥، ١١٤، والبدائع ١٨٢/٤، وحاشية الدسوقي ٤٤/٤، والمهذب ٣٩٦/١، والمغني ٥١/٦، ٥٣، وكشاف القناع ٤٥٨/٣ (٢) البدائع ١٨١/٤، وشرح الخرشي ١١/٧، والمهذب ٣٩٦/١، ٤٠٠، والمغني ٧/٦ (٣) مجلة الأحكام العدلية م ٤٨٦،٤٨٥ (٤) حاشية الدسوقي ٤٠/٤ - ٢٨٤ - إجارة ٩٥ - ٩٧ تعيين المعقود عليه ، وهو الشهر، في عقد شرط فيه التعيين، كما لو قال: بعتك داراً .(١) ٩٥ - وإذا وقعت الإجارة على مدة يجب أن تكون معلومة . ولا يشترط أن تلى العقد مباشرة ، خلافاً للشافعي في أحد قوليه .٢ فإذا قال : آجرتك داري كل شهر بدرهم ، فالجمهور على أنها صحيحة . وتلزم الإجارة في الشهر الأول بإطلاق العقد ، لأنه معلوم بالعقد، وما بعده من الشهور يلزم العقد فيه بالتلبس به ، وهو السكنى في الدار، لأنه مجهول حال العقد، فإذا تلبس به تعين بالدخول فيه ، فصح بالعقد الأول . وإن لم يتلبس به ، أو فسخ العقد عند انقضاء الشهر الأول ، انفسخ . وفي الصحيح عند الشافعي أن الإجارة لا تصح . وقال به بعض فقهاء الحنابلة، لأن كلمة ((كل)) اسم للعدد، فإذا لم يقدره كان مبهماً مجهولا . وإذا قال : آجرتك داري عشرين شهراً، كل شهر بدرهم ، جاز بغير خلاف ، لأن المدة معلومة، وأجرها معلوم. وفي قول عند الشافعية : تصح في الشهر الأول المعلوم، وتبطل في الباقى المجهول.(٣) وإن قال آجرتكها شهراً بدرهم، ومازاد فبحساب ذلك، صح في الشهر الأول ، لأنه أفرده بالعقد، وبطل في الزائد ، لأنه مجهول . ويحتمل أن يصح في کل شهر تلبس به . ٩٦ - وإن قدرت مدة الإجارة بالسنين، ولم يبين (١) المهذب ٣٩٦/١، ٤٠٠ (٢) المهذب ٣٩٦/١، والمغني ٦/٦ (٣) المهذب ٣٩٦/١، والمغني ١٨/٦، ١٩ نوعها ، حمل على السنة الهلالية ، لأنها المعهودة في الشرع . وإن استأجر سنة هلالية أول الهلال عُدَّ اثنا عشر شهراً بالاهلة، ثم يكمل المنكسر ثلاثين يوماً . روي هذا عن أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وروي عنهم أيضاً أنه يستوفى في الجميع بالعدد (١) وإن استأجر الدار بالسنة الشمسية أو الرومية أو القبطية ، فإنه يصح في رواية عن الشافعي ، لأن المدة معلومة. وهو مذهب أحمد إن كانا يعلمان أيامها . والرواية الثانية عن الشافعي : لا يصح، إذ في السنة الشمسية أيام نسيء، وهو مذهب أحمد إن كانا يجهلانها . وإن آجره له إلى العيد انصرف إلى أول عيد يأتي، الفطر أو الأضحى . وان اضافه الى عيد من أعياد الكفار صح إذا علماه.(٢) ٩٧ - وبالنسبة للأجرة فإذا آجرها سنة بعشرة دراهم جاز، وإن لم يبين قسط كل شهر، لأن المدة معلومة، فصار كالإجارة شهراً واحداً . غير أن المالكية لهم تأويلان في كونه وجيبة ، لاحتمال إرادة سنة واحدة، فكأنه يقول : هذه السنة . وهو تأويل ابن لبابة . والأكثر، بل هو ظاهر المدونة : أو غير وجيبة ، لاحتمال إرادة كل سنة . وهو تأويل أبي محمد صالح. (٣) (١) المهذب ٣٩٦/١، والمغني ٢٠/٦ (٢) المهذب ٣٩٦/١، والمغني ٦/٦ (٣) البدائع ١٨٧/٤، والهداية ٣٢٩/٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤٥/٤ - ٢٨٥ - إجارة ٩٨ - ٩٩ ٩٨ - إذا استأجر ذقيّ داراً من مسلم على أنه سيتخذها كنيسة أو حانوتاً لبيع الخمر، فالجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة وأصحاب أبي حنيفة) على أن الإجارة فاسدة ، لأنها على معصية . وانفرد أبو حنيفة بالقول بجواز ذلك، لأن العقد وارد على منفعة البيت مطلقاً ، ولا يتعين على المستأجر اتخاذها لتلك المعصية . وفي هذا التعليل ما فيه . أما إذا استأجر الذمي داراً للسكنى مثلا ، ثم اتخذها كنيسة، أو معبداً عاماً، فالإجارة انعقدت بلا خلاف. ولمالك الدار، وللمسلمين عامة ، منعه حسبة ، كما يمنع من إحداث ذلك في الدار المملوكة (١) للذمي.(١) التزامات المؤجر والمستأجر في إجارة الدور: ٩٩ - يجب على المؤجر تمكين المستأجر من الانتفاع. ويلزم المستأجر الأجر من وقت التمكين، ولو لم يستوف المنفعة . وإذا انقضت المدة من غير التمكين لا يستحق المؤجر شيئا ، ولو مضى من العقد مدة قبل التمكين فلا يلزمه أجر ما مضى قبل التمكين . ومن حق المؤجر حبس الدار لاستيفاء الأجرة المشترط تعجيلها . ومن مقتضى التمكين ألا تعود الدار لحيازة المؤجر بشرط في العقد.(٢) وما دام يجوز له أن ينتفع بالمعقود عليه بنفسه أو بغيره فإنه يجوز له إيجارها للغير بمثل ما (١) كشف الحقائق ٣٩٦/١، والبدائع ١٧٦/٤، ١٨٩، وابن عابدين ٣٤/٦، والمغني ١٣٦/٦، وكشاف القناع ٤٦٣/٣ (٢) الهداية ٢٣٢/٣، والبدائع ١٨٧/٤، وشرح الخرشي ٤٢/٧، وحاشية الدسوقي ٤٤/٤، ٤٥، ومنهاج الطالبين ٨/٣، ونهاية المحتاج ٢٩٥/٥ استأجرها به أو أكثر، من غير جنس ما استأجر به ، أو من جنسه، وكان وضع فيها شيئاً من ماله ( كالمساكن المفروشة) فإن الزيادة تحل له مع اتحاد الجنس .(١) وهذا إذا لم يكن هناك شرط يمنع إسكان غيره، على ما سبق . كما يلزم المؤجر عمارة الدار وإصلاح كل ما يخل بالسكنى. فإن أبى محُقّ للمستأجر فسخ العقد إلا إذا كان استأجرها على حالها . وهذا عند جمهور الفقهاء. (٢) ومذهب المالكية وقول عند الحنفية لا يجبر الآجر على إصلاح لمكتر مطلقاً، ويخير الساكن بين السكنى، ويلزمه الكراء كاملا ، والخروج منها . ولو أنفق المكتري شيئاً في الإصلاح من غير إذن وتفويض من المؤجر، فهو متبرع. وعند انقضاء المدة خير رب الداربين دفع قيمة الإصلاح منقوضاً أو أمره بنقضه إن أمكن فصله.(٣) ولا يجوز اشتراط صيانة العين على المستأجر، لأنه يؤدي إلى جهالة الأجرة ، فتفسد الإجارة بهذا الاشتراط باتفاق المذاهب . وإن سكن المستأجر، لزمه أجر المثل، وله ما أنفق على العمارة، وأجر مثله (١) الفتاوى الهندية ٤٢٥/٤ (٢) شرح الدر ٣٠٠/٢، وحاشية ابن عابدين ٦٦/٥، والمهذب ٤٠١/١، وكشاف القناع ١٦/٤ (٣) حاشية الدسوقي ٤٥/٤، والشرح الصغير ٧٠/٤، ٧١، وشرح الدر ٣٠٠/٢ - ٢٨٦ - إجارة ١٠٠ - ١٠١ في القیام علیها إن کان فعل ذلك بإذنه ، وإلا كان متبرعاً . (١) غير أن المالكية أجازوا كراء الدار ونحوها مع اشتراط المرمة على المكتري من الكراء المستحق عليه عن مدة سابقة أو من الكراء المشترط تعجيله. ويقرب من ذلك ما قاله الشافعية من أن المستأجر في مثل هذا يكون بمنزلة الوكيل. (٢) ١٠٠ - والدار المستأجرة تكون أمانة في يد المستأجر، فلا يضمن إلا بالتعدي أو المخالفة . وتوابع الدار كالمفتاح أمانة أيضا. وإن تلف شيء مما يحتاج إليه للتمكن من الانتفاع لا يضمنه. وإذا استأجر الدار على أن تتخذ للحدادة، فاستعملها للقصارة أو غيرها مما لا يزيد ضرره عادة عن الحدادة، فانهدم شيء من البناء، فلا ضمان عليه . أما إن استأجرها على أن يتخذها للسكنى، فاستعملها للحدادة أو القصارة، فانهدم شيء منها ضمن. (٣) وقد صرح بعض الفقهاء بأن السلوك الشخصي للمستأجر لا أثر له على العقد ، وليس للآجر ولا للجيران إخراجه من الدار، وإنما يؤدبه الحاكم. فإن لم يكف أجرها الحاكم عليه وأخرجه منها . (٤) (١) الفتاوى الهندية ٤٤٣/٤، وكشاف القناع ١٦/٤، ونهاية المحتاج ٢٦٤/٥، ٢٦٥، وحاشية الدسوقي ٤٧/٤، وشرح الخرشي ٤٧/٧ ، والشرح الصغير ٦٣/٤ (٢) حاشية الدسوقي ٤٧/٤، وشرح الخرشي ٤٧/٧ ، ونهاية المحتاج وحاشية الرشيدي ٢٦٤/٥، ٢٦٥، ٣٠٢، والشرح الصغير ٦٣/٤ (٣) الفتاوى الهندية ٤٨١/٤، والمهذب ٤٠٠/١، وكشاف القناع ١٥/٤، ١٦ (٤) الفتاوى الهندية ٤٦٣/٤، وحاشية الدسوقي ٣٤/٤، والشرح الصغير وحاشية الصاوي ٥٥/٤ وتنقضي إجارة الدور بأحد الأسباب السابق ذكرها في مبحث انقضاء الإجارة. وقد بينا قبلُ اتجاهات الفقهاء في انقضاء الإجارة بالتصرف في العين المؤجرة. وعلى هذا فلو قام المؤجر بإجارة داره عن شهر صفر مثلا ، وكان ذلك في شهر المحرم، وكانت الدار في يد مستأجر آخر في شهر المحرم، فإن ذلك يعتبر فسخاً للإجارة الأولى. ويظهر أثر هذا الفسخ عقب انتهاء شهر المحرم. ويرى البعض أن ذلك إنهاء للعقد وليس فسخاً . (١) الفرع الثاني إجارة الحيوان ١٠١ - إجارة الحيوان تنطبق عليها شروط الإجارة وأحكامها السابقة ، إلا أن هناك صوراً من إجارة بعض الحيوانات لها أحكام تخصها كإجارة الكلب ونحوه للحراسة ، فإن الحنفية منعوها لأنه لا يمكن للإنسان حمله على منفعة الحراسة بضرب أو غيره . أما إجارة الكلب المعلم للصيد فمحل خلاف في جوازه وعدمه بين الفقهاء يرجع إلى بيانه وتفصيله في محله (( صيد)) . وفي إجارة الفحل للضراب خلاف، فجمهور الفقهاء:الحنفية وظاهر مذهب الشافعية وأصل مذهب الحنابلة ، على منعه لنهي النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن عسب الفحل . (١) الفتاوى الهندية ٤١٥/٤ - ٢٨٧ - إجارة ١٠٢ - ١٠٤ غير أن الحنابلة قالوا : إن احتاج إنسان إلى ذلك، ولم يجد من يُظرِقُ له، جاز أن يبذل الكراء، وليس للمُظرِق أخذه. قال عطاء: لا يأخذ عليه شيئاً ، ولا بأس أن يعطيه إذا لم يجد من يطرق له، ولأن ذلك بذل مال لتحصيل منفعة مباحة تدعو الحاجة إليها . وقالوا : إن أطرق إنسان فحله بغير إجارة ولا شرط، فأهدیت له هدية ، فلا بأس . (١) ونقل عن مالك وبعض الشافعية وأبي الخطاب من الحنابلة الجواز، وهو مذهب الحسن وابن سيرين، تشبيها له بسائر المنافع، وللحاجة إليه، كإجارة الظئر للرضاع، ولأنه يجوز أن يستباح بالإعارة، فجاز أن يستباح بالإجارة، كسائر (٢) المنافع . والجمهور على أنه لا يجوز أن تفضي إجارة الحيوان إلى بيع عين من نتاجه، كتأجير الشاة لأخذ لبنها ، لأن المقصود الاصلي في عقد الإجارة هو المنفعة لا الأعيان. وفي قول عند الحنابلة : تجوز إجارة الحيوان للبنه ، وقاله الشيخ تقي الدين، وهو غير صحيح في (٣) المذهب .(٣) الفرع الثالث إجارة الاشخاص ١٠٢ - إجارة الأشخاص تقع على صورتين: أجير خاص استؤجر على أن يعمل للمستأجر فقط (١) الفتاوي الهندية ٤٥٤/٤، والمهذب ٣٩٤/١، والمغني ١٣٣/٦، ١٣٤، وكشاف القناع ٤٧١/٣ (٢) بدايه المجتهد ٢٤٥/٢، والمهذب ٣٩٤/١ الفتاوي الهندية ٤٤٥/٤، ٤٤٦، وكشاف القناع ٤٧١/٣، (٣) منهاج الطالبين ٦٨/٣ ويسميه بعض الفقهاء ((أجير الوحد)) كالخادم والموظف، وأجير مشترك يكترى لأكثر من مستأجر بعقود مختلفة، ولا يتقيد بالعمل لواحد دون غيره، كالطبيب في عيادته، والمهندس والمحامي في مكتبيهما. والأجير الخاص يستحق أجرة على المدة . أما الأجير المشترك فيستحق أجرة على العمل غالباً . وسيأتي تفصيل ذلك. المطلب الأول الأجير الخاص ١٠٣ - الأجير الخاص : هو من يعمل لمعيَّن عملاً مؤقتاً، ويكون عقده لمدة. ويستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة، لأن منافعه صارت مستحقة لمن (١) استأجره في مدة العقد. وكره الحنفية استئجار المرأة للخدمة ، لأنه لا يؤمن معه الاطلاع عليها والوقوع في المعصية، ولأن الخلوة بها معصية . وأجاز أحمد استئجارها ، ولكن يصرف وجهه عن النظر إلى ما لا يحل له النظر إليه، كما أنه لا يخلو معها في مكان اتقاءً للفتنة.(٢) ١٠٤ - ويجوز أن يكون الأجير ذميّاً والمستأجر مسلماً بلا خلاف. أما أن يكون الأجير مسلماً والمستأجر ذمّاً فقد أجازه جمهور الفقهاء ، غير أنهم وضعوا معياراً خاصاً هو أن يكون العمل الذي يؤجر (١) شرح الدر ١٩٧/٢، والهداية ٢٤٥/٣، والمهذب ٤٠٨/١، والقليوبي ٨١/٣، وحاشية الدسوقي ٨١/٤، والمغني مع الشرح الكبير ٤١/٦ (٢) البدائع ١٨٩/٤، وحاشية الدسوقي ٢١/٤، وكشاف القناع ٤٥٩/٣ - ٢٨٨ - إجارة ١٠٥ - ١٠٦ نفسه للقيام به مما يجوز له أن يفعله لنفسه ، كالخياطة والبناء والحرث. أما إذا كان لا يجوز له أن يعمله لنفسه، كعصر الخمر، ورعي الخنازير، ونحو ذلك، فانه لا يجوز. فإن فَعَل فإن الإجارة تُرَدُّ قبل العمل. وإن عمل فإن الأجرة تؤخذ من الكافر ويتصدق بها. ولا يستحلّها لنفسه إلا أن يعذر لأجل الجهل. والمعيار عند الحنابلة أن يكون العمل غير الخدمة الشخصية. أما إن كانت الإجارة على أن يقوم بخدمته من نحو تقديم الطعام له، والوقوف بین یدیه ، فقال البعض : لا يجوز، لأنه عقد یتضمن حبس المسلم عند الكافر، وإذلاله في خدمته . وهو فيما يبدو المقصود من القول بالجواز عند الحنفية لأنه عقد معاوضة - كالبيع - مع الكراهة التي عللوها بأن الاستخدام استذلال، وليس للمسلم أن يذل نفسه، خصوصاً بخدمة الكافر. وقال بعض الحنابلة : يجوز، لأنه يجوز له إجارة نفسه في غير الخدمة ، فجاز فيها. وهو أحد قولي الشافعي. وفي حاشية القليوبي والشرواني يصح مع الكراهة أن يستأجر الذمّيّ مسلماً ، ولو إجارة عين ويؤمر وجوباً بإجارته لمسلم. وللحاكم منعه منها . ولا يجوز المسلم خدمة كافر ولو غير إجارة . وفي المهذب أن من الشافعية من قال : لو استأجر الكافر مسلماً ففيه قولان ، ومنهم من قال : (١) يصح قولاً واحداً (١) (١) الشرح الصغير ٣٥/٤، وشرح الخرشي ١٩/٧، ٢٠، والبدائع ١٨٩/٤، وحاشية القليوبي ٦٧/٣، والمهذب ٣٩٥/١، والمغني ١٣٨/٦، ١٣٩، والتحفة بحاشية الشرواني ١٢٢/٦ ١٠٥ - ويجوز أن يكون رب العمل جماعة في حكم شخص واحد ( مؤسسة ) فلو استأجر أهل قرية معلماً أو إماماً أو مؤذناً، وكان خاصاً بهم كان أجيراً خاصاً . وكذا لو استأجر أهل قرية راعياً ليرعى أغنامهم على أن يكون مخصوصاً لهم بعقد واحد ، كان أجيراً خاصاً . (١) ولابد في إجارة الأجير الخاص من تعيين المدة ، لأنها إجارة عين لمدة. فلابد من تعيينها ، لأنها هي المعينة للمعقود عليه. والمنفعة لا تعتبر معلومة إلا بذلك. وينبغي أن تكون المدة مما يغلب على الظن بقاء الأجير فيها قادراً على العمل، حتى قال المالكية: يجوز إجارة العامل لخمس عشرة سنة. (٢) ولم يشترط الفقهاء تعيين نوع الخدمة . وعند عدم التعيين يحمل على ما يليق بالمؤجر والمستأجر. (٣) ١٠٦ - ويجب على الأجير الخاص أن يقوم بالعمل في الوقت المحدد له أو المتعارف عليه. ولا يمنع هذا من أدائه المفروض عليه من صلاة وصوم، بدون إذن المستأجر. وقيل إن له أن يؤدي السنّة أيضاً ، وأنه لا يمنع من صلاة الجمعة والعيدين ، دون أن ينقص المستأجر من أجره شيئاً إن كان المسجد قريباً . ولا يستغرق ذلك وقتاً كبيراً !! بل جاء في كتب الفقه أن (١) انظر مجلة الأحكام العدلية م ٤٢٣، ٥٧٠ (٢) الهداية ٢٣١/٣، وشرح الخرشي ١١/٧، والشرح الصغير ١٦٠/٤، والمهذب ٣٩٦/١، وكشاف القناع ٢/٤، والمغني ١٢٧/٦ (٣) حاشية القليوبي ٧٤/٣، والبدائع ١٨٣/٤، والمغني ١٢٧/٦، ١٢٨ (٤) مجلة الأحكام العدلية م ٤٩٥، وكشاف القناع ٢/٤- ٢٥، والمغني ٤١/٦ - ٢٨٩ - إجارة ١٠٧ - ١٠٨ من استأجر أجيرا شهراً ليعمل له كذا لا تدخل فيه أيام الجمع للعرف(١) قال الرشيدي: (( لو آجر نفسه بشرط عدم الصلاة وصرف زمنها في العمل المستأجر له، فالأقرب أنه تصح الإجارة ويلغو الشرط)» (١) ولا يدخل في الإجارة بالزمن نحو شهر مثلا لغير مسلم أوقات الصلوات ولا أيام عطلتهم الدينية. وليس للأجير الخاص أن يعمل لغير مستأجره إلا بإذنه، وإلا نقص من أجره بقدر ما عمل. ولو عمل لغيره مجاناً أسقط رب العمل من أجره بقدر قيمة ما عمل. (٣) ١٠٧ - والأجير الخاصّ أمين، فلا يضمن ما هلك في يده من مال، أو ما هلك بعمله ، إلا بالتعدي أو التقصير. وله الأجرة كاملة (٤) أما أنه لا ضمان عليه لما تلف في يده من مال. فلأن العين أمانة في يده لأنه قبضه بإذن رب العمل، فلا یضمن. وأما ما هلك بعمله فإن المنافع تصير مملوكة للمستأجر، لكونه يعمل في حضوره، فإذا أمره بالتصرف في ملكه صح، و یصیر نائباً منابه، و يصير فعله منسوباً إليه ، كأنه فعله بنفسه. فلهذا لا يضمن. (٥) بل قال المالكية : حتى لوشرط عليه الضمان، (١) حاشية ابن عابدين ٧٠/٥، ونهاية المحتاج ٢٧٩/٥ (٢) حاشية القليوبي على منهاج الطالبين ٧٤/٣ ، ونهاية المحتاج ٢٧٩/٥ (٣) ابن عابدين ٧٠/٥، والدسوقي ٢٣/٤، وكشاف القناع ٢٥/٤ (٤) شرح الدر ٢٩٧/٢ (٥) الهداية ٢٤٦/٣، والبدائع ٢١١/٤، والمهذب ٤٠٨/١ ، ونهاية المحتاج ٣٠٨/٥، وكشاف القناع ٢٥/٤، والمغني ١٠٨/٦، ١٠٩، والشرح الصغير ٤١/٤، ٤٢ فهو شرط يناقض العقد ، ويفسد الإجارة . فإن وقع الشرط فسدت الإجارة . فإن عمل فله أجرة مثله، زادت على المسمى أو نقصت. وإن أسقط الشرط (١) قبل انقضاء العمل صحت الإجارة. ومن فقهاء الشافعية من قال: إنه كالأجير المشترك، فيضمن، لقول الشافعي : الأجراء سواء، وذلك صيانة لأموال الناس . وكان يقول : لا يصلح الناس إلا ذاك.(٢) الإجارة على المعاصي والطاعات : ١٠٨ - الإجارة على المنافع المحرمة كالزنى والنوح والغناء والملاهي محرمة. وعقدها باطل لا يستحق به أجرة. ولا يجوز استئجار کاتب ليكتب له غناء ونوحاً ، لأنه انتفاع بمحرم. وقال أبو حنيفة يجوز. ولا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشربها ، ولا على حمل الخنزير. وبهذا قال أبو يوسف ومحمد والشافعي. وقال أبو حنيفة : يجوز، لأن العمل لا یتعیّن عليه، بدليل أنه لو حمل مثله جاز. وروى عن أحمد فيمن حمل خنزيراً أو خمراً لنصراني قوله : إني أكره أكل كرائه، ولكن يقضى للحمال بالكراء. والمذهب خلاف هذه الروايات ، لأنه استئجار لفعل محرم، فلم يصح، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن حاملها والمحمولة إليه . وأما حمل هذه الأشياء لإراقتها وإتلافها فجائز إجماعاً .(٣) (١) الشرح الصغير ٤٢/٤ (٢) المهذب ٤٠٨/١ (٣) المغني ١٣٤/٦، ١٣٦، ١٣٨، وكشف الحقائق ١٥٧/٢، والشرح الصغير ١٠/٤، والمهذب ١٩٤/١، والبدائع ١٨٤/٤، ١٩١ - ٢٩٠ - إجارة ١٠٩ - ١١٠ ١٠٩ - والأصل أن كل طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها، كالإمامة والأذان والحج وتعليم القرآن والجهاد . وهو قول عطاء والضحاك بن قيس وأبي حنيفة ومذهب أحمد ، لما روى عثمان بن أبي العاص، قال : إن آخر ما عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً (١) وما رواه عبادة بن الصامت، قال: ((علّمت ناساً من أهل البصفة القرآن والكتابة. فأهدى إلىَّ رجل منهم قوساً . قال : قلت: قوس. وليست بمال، أتقلّدها في سبيل الله. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إن سرَّك أن يقلّدك الله قوساً من (٢) نار فاقبلها)» وعن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري قال: (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اقرءوا القرآن، ولا تغْلُوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به)(٣) ولأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز (١) حديث عثمان بن أبي العاص رواه الترمذي وقال حسن صحيح ، وصححه أحمد محمد شاكر وقال : ورواه ابن ماجه وأبو داود والنسائي وأحمد ( سنن الترمذي بتحقيق أحمد محمد شاكر ٤٣١٠/١ ط مصطفى الحلبي) (٢) حديث عبادة بن الصامت رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. اختلف فيه على عبادة. وقال علي بن المديني: في سنده الأسود بن ثعلبة ولا نعرفه. وقال البيهقي فيه مثل ذلك (سنن ابن ماجه بتحقيق عبد الباقي ٧٢٩/٢، وعون المعبود ٢٧٦/٣) (٣) حديث ((اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ... )) رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والبيهقي. وقال الهيتمي: رجال أحمد ثقات. وقال ابن حجر في الفتح : سنده قوي (فيض القدير ٦٤/٢ ط مصطفى محمد). أخذ الأجر عليها (١) وقد نص الحنفية على أنه لا يجوز قراءة القرآن بأجر، وأنه لا يترتب على ذلك ثواب، والآخذ والمعطي آثمان، وأن ما يحدث في زماننا من قراءة القرآن بأجر عند المقابر وفي المآتم لا يجوز. والإجارة على مجرّد القراءة باطلة ، وأن الأصل أن الإجارة على تعليمه غير جائزة. لكن المتأخرين أجازوا الإجارة على تعليمه استحساناً .(٢) وكذا ما يتصل بإقامة الشعائر كالإمامة والأذان للحاجة . ١١٠ - وأجاز مالك والشافعي أخذ الأجر على قراءة القرآن وتعليمه. وهو رواية عن أحمد . وقال به أبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّج رجلاً بما معه من القرآن، (٣) وجعل ذلك يقوم مقام المهر، فجاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله.) ولا يكاد يوجد متبرّع بذلك، فيحتاج إلى بذل الأجر فيه. وقد نص المالكية على كراهة الأجرة على قراءة القرآن بلحن ، لأن القراءة على هذا الوجه مكروهة إذا لم يخرج عن (١) المراجع الفقهية السابقة . (٢) حاشية ابن عابدين ٣٤/٥، ٣٥ (٣) حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ((زوّج رجلا بما معه من القرآن)) رواه الشيخان بلفظ: ((اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن)» (اللؤلؤ والمرجان ص ٣٣٠) وروي بألفاظ أخرى. وله قصة. (٤) حديث ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) رواه البخاري وابن ماجه من حديث ابن عباس. ( فتح الباري ١٩٩/١٠ ط السلفية). - ٢٩١ - إجارة ١١١ - ١١٤ حذّه. قال الصاوي : أما الإجارة على أصل القراءة فجائز. وصرح الشافعية بجواز قراءة القرآن عند القبر، (١) والاستئجار على ذلك. ١١١ - وقد أجاز المالكية أيضاً أخذ الأجرة على الإمامة. كما أجازوا للمفتي أخذ الأجر إن لم يكن له رزق. وقالوا : يجوز الإجارة للمندوبات وفروض الكفاية. وكذلك أجاز الشافعية أخذ الأجرة على الحج والعمرة عن الغير مع التعيين. (٢) كما أجازوا للحاكم أن يستأجر الكافر للجهاد. أما المسلم، ولو صبياً، فلا تصح إجارته للجهاد ، لتعيّنه عليه. (٣) ١١٢ - ورب العمل ملتزم بالوفاء بأجر العامل بتسليم نفسه، كما تقدم قبل ، وإن لم يعمل، وبشرط ألا يمتنع عما يطلب منه من عمل. فإن امتنع بغير حق فلا يستحق الأجر، بغير خلاف في هذا .(٤) ١١٣ - والعطية التي تقدّم للأجير من الخارج لا تحسب من الأجرة. ولوقال شخص لآخر اعمل هذا العمل أكرمك، ولم یبین مقدار ما یکرمه به ، فعمل ما طلب منه استحق أجر المثل(٥) لأنها إجارة فاسدة ، لجهالة الأجر. (١) الشرح الصغير ٣٤/٤، وحاشية الصاوي عليه، ونهاية المحتاج ٢٨٩/٥، ٢٩٠ (٢) المغني ٣٩/٦، ١٤٠، ١٤١، وكشف الحقائق ١٥٧/٢، والشرح الصغير وحاشية الصاوي ١٠/٤، والمهذب ٤٠٥/١ (٣) نهاية المحتاج ٢٨٧/٥، وحاشية القليوبي على منهاج الطالبين ٧٦/٣ (٤) شرح الدر ٢٩٧/٢، والمهذب ٣٩٩/١، والمغني ١٠٧/٦، وكشف الحقائق ١٦٢/٢ (٥) مجلة الأحكام العدلية المادة ٥٦٤، ٥٦٧ ، ونهاية المحتاج ٣٠٩/٥ ١١٤ - والأصل أن يكون الأجر معلوماً، فإذا ما تراضيا على أن يكون الأجرهنا طعام الأجير وكسوته، أو جعل له أجراً وشرط طعامه وكسوته، فإن في المسألة ثلاثة اتجاهات : فالمالكية ، والرواية المعتبرة عند أحمد، أنه يجوز، لما روى ابن ماجه عن عتبة بن النُّدَّر قال: (( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ (( طسم)) سورة القصص، حتى بلغ قصة موسى ، قال : إن موسى آجر نفسه على عِفّةٍ فَرْجِهِ وطعام بطنه)) (١) وشرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يثبت نسخه. وعن أبي هريرة أنه قال: (( كنت أجيراً لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي ، أحطب لهم إذا نزلوا، وأحدوبهم إذا ركبوا)) (٢) ولأن جواز ذلك ثبت في الظئر بالنصّ، وهو قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَغْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُوَرِهُنَّ)(٣) فيثبت في غيرها بالقياس عليها، ولأنه عوض منفعة فقام العرف فيه مقام التسمية ، وإن تَشَاحًا في مقدار الطعام والكسوة رُجِعَ في القوت إلى الإطعام في الكفارات، وفي الكسوة إلى أقل ملبوس (١) حديث عتبة بن التُّدّر رواه ابن ماجه. قال محمد فؤاد عبد الباقي : في الزوائد : إسناده ضعيف. وعتبة بن النذّر: قال في تهذيب التهذيب: هو بضم النون وتشديد الدال، السلمي، صحابي شهد فتح مصر، وسکن دمشق. (٢) حديث أبي هريرة (( كنت أجيرا الخ)) قال صاحب الشرح الكبير الحنبلي (١١/٦) رواه الأشرم. ورواه ابن ماجه (٨١٨/٢) وقال محققه محمد فؤاد عبد الباقي نقلا عن الزوائد: إسناده صحيح موقوف . (٣) سورة الطلاق /٦ - ٢٩٢ - إجارة ١١٥ - ١١٧ مثله، أو يحكم العرف . وإن اشترط الأجير كسوة ونفقة معلومة موصوفة جاز ذلك عند الجميع.(١) ويرى الحنفية ، وهي الرواية الثانية عن أحمد . اختارها القاضي، أن ذلك لا يجوز لما في ذلك من جهالة بالأجر. واستثنوا إجارة الظئر، لأن العادة جرت بإ كرام الظئر.(٢) ويرى الشافعية والصاحبان من الحنفية ، وأبو ثور وابن المنذر، وهو رواية عن أحمد ، عدم جواز ذلك مطلقاً في الظئر وغيرها ، لأنه يختلف اختلافاً كثيراً متبايناً فيكون مجهولا ، ومن شرط الأجر أن يكون معلوماً . (٣) انقضاء إجارة الأجير الخاص : ١١٥ - تنقضي إجارة الأجير الخاص بالأسباب العامة التي ذكرناها. وإذا أكرى الأجير نفسه ، فهرب ، فإن كانت الإجارة على موصوف في الذمة استؤجر بدله من ماله، وإن لم يكن يثبت للمستأجر الخيار في الفسخ أو الانتظار، وذلك كما لو استأجر سيارة بسائقها من غير أن يعين السائق، أو جمالاً بقائدها دون تعيين، فهرب السائق أو القائد، فإن انتظر فإن الإجارة تنفسخ عن كل يوم يمضي، لأن المنافع تتلف بمضي الزمن. وإن كانت الإجارة على عمل معين لم ينفسخ لأنه يمكن استيفاؤه إذا وجده.(٤) (١) المغني ٦٨/٦، ٧٠، وكشاف القناع ٤٦٣/٣، والخرشي ١٤/٧، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ /٥٥، ٥٦ ، والبدائع ١٩٣/٤ (٢) كشف الحقائق ١٥٩/٢ (٣) المغني ٦٨/٦، ٦٩ (٤) المهذب ٤٠٦/١، والمغني ٩٦/٦، ٩٧ إجارة الظئر ( المرضع ) : ١١٦ - إجارة الظئر ورد بها الشرع كما سبق. وينبغي أن تكون بأجر معلوم. وتكلم الفقهاء عن المعقود عليه هنا ، فقيل إن العقد ينصب على المنافع، وهي خدمتها للصبي، والقيام به. واللبن يستحق عن طريق التبع، بمنزلة الصبغ في الثوب، لأن اللبن عين فلا يعقد عليه في الإجارة. وقيل إن العقد يقع على اللبن أصلا ، والخدمة تبع ، فلو أرضعته بلبن شاة لا تستحق الأجر، ولو أرضعته دون أن تخدمه استحقت الأجرة. ولو خدمته بدون الرضاع لم تستحق شيئاً. وأما كونه عيناً فإن العقد مرخّص فيه في الإجارة للضرورة لحفظ الآدمي. ويجوز استئجارها بالطعام والكسوة إذا تحدّد ذلك في العقد وبيِّن اتفاقاً. جاء في الجامع الصغير: ((فإن سمّى الطعام، و وصف جنس الكسوة، وأجلها، وذرعها، فهو جائز بالإجماع)). أما إذا لم يتحدد ذلك فإنه يجوز عند (١) الجمهور على ما سبق )). ١١٧ - وعلى المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر لبنها ويصلح به. وللمكترى مطالبتها بذلك، لأنه من تمام التمكين من الإرضاع ، وفي تركه إضرار بالرضیع. وإن دفعته إلى خادمتها فأرضعته فلا أجرٍ لها . وبه قال أبو ثور. وقال أصحاب الرأي : لها أجرها ، لأن رضاعه حصل بفعلها . وعليها أن تقوم بشئون الرضيع من تنظيفه وغسل ثيابه عند الحنفية والحنابلة وبعض الشافعية، لأن المعقود عليه في الإجارة هو الخدمة ، وتستحق بالعقد. ويتفق معهم سائر الفقهاء إن اشترط ذلك في العقد ، أو جرى (١) الهداية ٢٤١/٣، وكشف الحقائق ١٥٩/٢، والمغني ١٤/٦ ونهاية المحتاج ٢٩٢/٥ - ٢٩٣ - إجارة ١١٨ - ١٢١ العرف به، وإن كان الأصل عند مالك وبعض الشافعية أن ذلك على الأب ، لأن الحضانة والرضاعة منفعتان مقصودتان تنفرد إحداهما عن الأخرى ، فلا يلزم من العقد على الإرضاع دخول الحضانة .(١) ١١٨ - ولا يجوز استئجار الظئر بدون إذن زوجها. وله حق فسخ الإجارة إذا لم يعلم بها ، صيانة لحقه . وله أن يطلبها عنده لاستيفاء حقه الشرعي منها . وليس للمستأجر أن يمنعها من ذلك عند الحنفية . وإذا حبلت حُقَّ للمستأجر فسخ الإجارة إن خشي على الصبيّ من لبنها بعد الحبل . وقال المالكية: إن للمستأجر أن يمنع الزوج من وطئها ما دام قد أذن لها في الإرضاع، لأن ضرر الطفل بسببه محتمل . ١١٩ - ولومات الصبي المعقود على إرضاعه انفسخ العقد، لأنه تعذر استیفاؤه، فلا يمكن إقامة غير الصبي المعقود عليه مقامه لاختلاف الصبية في الرضاعة . ومن الشافعية من قال : لا ینفسخ ، لأن المنفعة باقية، وإنما هلك المستوفي، فلو تراضيا على إرضاع صبيّ آخر جاز. وللظئر حقّ الفسخ إن مات المستأجر ((وليّ الطفل)) وكانت لم تقبض الأجرة منه قبل موته ، ولم يترك له مالا تستوفي أجرها منه ، ولا مال للولد، ولم يتطوع أحد بالأجرة . ويصرح الحنابلة بأن الإجارة تنفسخ بموت المرضعة لفوات المنفعة بهلاك محلها . وحكي عن أبي (١) الهداية ٢٤١/٣، ٢٤٢، وكشف الحقائق ١٥٩/٢، والشرح الصغير ٣١/٤، ٣٢، وحاشية الدسوقي ١٣/٤، ١٤، والمهذب ٣٩٨/١، ٤٠١، ٤٠٦، ونهاية المحتاج ٢٩٢/٥، والمغني ٧٤/٦، ٧٥ بكر أنها لا تنفسخ، ويجب في مالها أجر من ترضعه تمام الوقت إن كانت قد عجلت لها الأجرة، لأنه دین في ذمتها .(١) وصرح الشافعية بأن العقد لا يصح حتى يعرف الصبي الذي عقد على إرضاعه، لأنه يختلف الرضاع باختلافه، ولا يعرف ذلك إلا بالتعيين. كما أنه لابد من ذكر موضع الرضاع. وزاد الحنابلة التصريح بمعرفة العوض ومدة الرضاعة. كما صرح به الحنفية أيضا .(٢) إجارة العاملين في الدولة : ١٢٠ - عالج الفقهاء قديما هذه المسألة واعتبروا بعض الوظائف مما تصحّ الإجارة عليه مما لا يتصل بالقربات ، ولا تشترط له النية ، كتنفيذ الحدود ، والكتابة في الدواوين، وجباية الأموال ، ونحو ذلك. وهؤلاء يطبق عليهم أحكام الأجير الخاص في أكثر الأقوال وفي أكثر الأحوال. وقالوا إن لولي الأمر أن ينهي الإجارة متى رأى المصلحة في ذلك ، ولیس لأحد هؤلاء أن يستقيل باختياره . ١٢١ - وهناك وظائف أخرى ، كوظائف الولاة والقضاة، وكل من يقوم بعمل فيه قربة تحتاج إلى نية ، فمرتباتهم من قبيل الأرزاق لا من قبيل الأجرة، لدفع الحاجة ، وهم غير مقیدین بوقت. (١) المراجع السابق ذكرها في المذاهب ، والمغني ٧٦/٦، ٧٧ ، وبداية المجتهد ٢٥١/٢، ٢٥٢ (٢) البدائع ١٨٤/٤، ونهاية المحتاج ٢٩٢/٥، والمغني ٧٤/٦، ٧٥ - ٢٩٤ - إجارة ١٢٢ - ١٢٧ وقد تقدم رأي الفقهاء في جواز أو عدم جواز الاستئجار على قراءة القرآن وتعليمه والأذان والإمامة وغيرها . هذا حاصل ما أورده الفقهاء في هذه المسألة (١) المطلب الثاني الأجير المشترك ١٢٢ - الأجير المشترك هو الذي يعمل للمؤجر ولغيره، كالبنّاء الذي يبني لكل أحد، والملّح الذي يحمل لكل أحد. وهذا ما يؤخذ من تعريفات الفقهاء جميعاً .(٢) ١٢٣ - ولا خلاف في أن الأجير المشترك عقده يقع على العمل، ولا تصح إجارته إلا ببيان نوع العمل أولا . ولا يمنع هذا من ذكر المدة أيضا . فإن قال للراعي : ترعى غنمي مدة شهر، كان أجيراً مشتركاً، إلا إذا شرط عليه عدم الرعي لغيره على ما سيأتي . (١) البدائع ١٨٤/٤، والفروق ١١٥/٣، والحطاب ٤٥٥/١، والشرح الصغير ٧٥/٤، والشر واني على التحفة ١٥٥/٦ ، ومغني المحتاج ٣٤٤/٧، والنهاية والشبراملسي ٢٣٩/٨، والأحكام السلطانية للماوردي ٢١٠، والمغني ٣١٧/٧ ، ٥/٦ ط الأولى، والأحكام السلطانية لأبي يعلي ص ٨٢ ، وكشف المخدرات ص ٢٨٤ هذا ، وإن الناظر إلى أوضاع الموظفين في الدولة الآن ، على اختلاف درجاتهم ، يرى أن هذه الأوضاع تتفق مع أحكام الأجير الخاصّ من حيث الأجر، وتحديد المدة، وعدم جواز الاشتغال بعمل آخر بغير إذن ، واستحقاق الأجر بتسليم الموظف نفسه وإن لم يجد عملا ، وجواز طلب ترك العمل، وجواز إنهاء مدة خدمته، حسب الشروط المعروفة. (٢) حاشية الدسوقي ٤/٤، والمهذب ٤٠٨/١، وكشاف القناع ٢٦/٤ ١٢٤ - ولا مانع من أن يؤجر المسلم نفسه من ذمي إجارة مشتركة، كأن يكون طبيباً أو خياطاً أو معلماً. فيقدم عمله لمن يطلبه منه ، لأن ذلك لا يخرجه إلى حد التبعيّة والخضوع له،وليس فيه استذلال . ١٢٥ - والأصل أن يكون العمل من الصانع - الأجيرـ والعين من صاحب العمل. غير أن العرف جرى على أن يقدم الأجير المشترك الخيط من عنده في الخياطة، والصبغ من عنده في الصباغة ، مما يعتبر تابعاً للصنعة ، ولا يخرجه ذلك من كونه عقد إجارة إلى عقد استصناع.(١) ١٢٦ - وقد يتم العقد مع الأجير المشترك بالتعاطي - مع مراعاة خلاف الشافعية السابق في عقود المعاطاة - كما في الركوب في سيارات النقل العام، كما يصح أن يكون العاقد واحداً، أو جماعة كالحكومة والمؤسسات والشركات . ١٢٧ - ويجب أن تكون المنفعة التي يستأجر عليها محددة معلومة القدر. وقد تحدد بتحديد محلها ، ويكون للأجير المشترك خيار الرؤية في كل عمل يختلف باختلاف المحل كما يرى الحنفية والحنابلة، ويكون له خيار الرؤية في إجارة الأعيان عموماً عند الشافعية . (٢) وقد تحدد المنفعة بتحديد المدة وحدها ، كما تحدد بتحديد العمل، كإجارة خياطة الثوب (١) الفتاوى الهندية ٤١٠/٤، ٤٥٥، ٤٥٦ (٢) شرح الدر ٢٩٥/٢، والمهذب ٣٩٨/١، والمغني ٩١/٦ - ٢٩٥ - إجارة ١٢٨ - ١٣٠ وقد تتحدد بالعمل والمدة معا عند الصاحبين وهو مذهب المالكية إذا تساوى الزمن. والعمل ، ورواية عند الحنابلة، وقالوا إن المعقود عليه أولا هو العمل وهو المقصود من العقد ، وذكر المدة لمجرد التعجيل. وإن أوفى الشرط استحق الأجر المسمى وإلا استحق أجر المثل بشرط ألا يتجاوز الأجر المسمى.(١) وذهب أبو حنيفة والشافعي - وهو رواية أخرى عند الحنابلة - إلى فساد هذا العقد لأنه يفضي إلى الجهالة والتعارض، لأن ذكر المدة يجعله أجيراً خاصاً، والعقد على العمل يجعله أجيراً مشتركاً وهما متعارضان، ويؤدي ذلك للجهالة. (٢) ١٢٨ - والإجارة على المعاصي باطلة اتفاقا مع الأجير المشترك أيضا كما سبق بالنسبة للأجير الخاص. وكذلك يسري ما سبق هناك بالنسبة للإجارة على بعض الطاعات . وقد صرح المالكية والشافعية بجواز الإجارة على غسل الميت وحمله. وصرح الحنابلة بجواز الإجارة على ذبح الأضحية والهدي وتفريق الصدقات وإعطاء الشاهد ما يستعين به على الوصول إلى مجلس القضاء. ومنع . المالكية استئجار الجنب والحائض والكافر لكنس المسجد واعتبروه من الإجارة على المعاصي . وفي (١) البدائع ١٨٥/٤، ومجلة الأحكام العدلية المادة ٥٠٥، وحاشية الدسوقي ١٢/٤، والمحرر ٣٥٦/١، وكشاف القناع ٧/٤ (٢) البدائع ١٨٥/٤، والمهذب ٣٩٦/١، والمحرر ٣٥٦/١، وكشاف القناع ٧/٤ كتب المذاهب العديد من الصور.(١) وهي في جملتها ترجع إلى حرمة الاستئجار على المعصية مطلقاً ، سواء أكانت محرمة لذاتها أم لغيرها . أما من أجاز الاستئجار على الطاعات فيرى أن إباحة مثل هذه العقود للحاجة إليها . ١٢٩ - ومما يتصل بذلك استئجار المصحف للتلاوة، فذهب الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة إلى عدم جواز إجارته إجلالا لكلام الله عن المعاوضة ، وأجاز الشافعية والمالكية ذلك وهو وجه عند الحنابلة ذلك لأنه انتفاع مباح تجوز الإجارة من أجله فجازت فيه الإجارة كسائر الكتب . غير أن المالكية قالوا : إنه لا يتفق مع مكارم الاخلاق. (٢) التزامات الأجير المشترك : ١٣٠ - يلتزم الأجير المشترك بإنجاز العمل المتعاقد عليه، وكل ما كان من توابع ذلك العمل لزم الأجير حسب العرف ما لم يشترط غير ذلك . فن تعاقد مع خياط ليخيط له ثوبا فالخيط والإِبرة على الخياط، كما هو العرف،(٣) إلا إذا كان (١) البدائع ١٨٩/٤، ١٩١، وكشف الحقائق ١٥٧/٢، والشرح الصغير ١٠/٤، وحاشية الدسوقي ٢٠/٤، ونهاية المحتاج ٢٩٠/٥، وحاشية القليوبي على منهاج الطالبين ٤٦/٣، وكشاف القناع ٧/٤، والمغني ١٣٤/٦ - ١٤٣ (٢) كشف الحقائق ١٥٧/٢، والبدائع ١٨٤/٤ - ١٩١، والاختيار ١٩٤/١، ٢٣١/١، والمهذب ١٩٤/١ ، والحطاب ٤١٩/٥، والمغني ١٣٨/٦، والإنصاف ٢٧/٦ ط السنة المحمدية . (٣) الفتاوى الهندية ٤٥٥/٤، ٤٥٦، وحاشية الدسوقي ٢٣/٤، والمهذب ٤٠٠/١، وكشاف القناع ١٤/٤ - ٢٩٦ - إجارة ١٣١ - ١٣٤ هناك شرط أو تغير العرف. ١٣١ - وإذا شرط المكتري على الأجير أن يعمل بنفسه لزمه ذلك لأن العامل تعين بالشرط، فإن لم يشترط ذلك فله أن يستأجر من يعمله لأن المستحق عمل في الذمة إلا إن كان العمل لا يقوم فيه غيره مقامه كالنسخ لأن الغرض لا يحصل من غيره كحصوله منه. وكذا كل ما يختلف باختلاف العامل، مع ملاحظة أن الصانع إذا ما استعان بتلميذه كان عمل التلميذ - المساعد - مضافاً إلى أستاذه الأجير الذي تم معه التعاقد.(١) ١٣٢ - ولا خلاف في أن الأجيريلتزم بتسليم العمل، فإذا كان العمل في يد المستأجر كأن يستأجر رجلا ليبني له جداراً أو داراً أو يحفر له قناة أو بئراً، فكلما أتمّ منه قدراً حق له أن يطالب بما يقابله من أجر لأن التسليم قد تحقق. أما إذا كان العمل ليس في حوزة رب العمل فليس من حق الأجير المطالبة بالأجرة قبل الفراغ من العمل وتسليمه للمكتري ، لتوقف وجوب الأجر على ذلك. فالقصار والصباغ والنساج ونحوهم ممن يعملون في حوانيتهم أو دورهم الخاصة لا يستحقون الأجر إلا برد العمل إلا إذا اشترط التعجيل أو عجل بالفعل (٢) تضمين الأجير المشترك : ١٣٣ - اتفق الفقهاء على أن الأجير المشترك إذا تلف عنده المتاع بتعذٍّ أو تفريط جسيم : يضمن، أما إذا تلف بغير هذين ففيه تفصيل في المذاهب : فالصاحبان ( أبو يوسف ومحمد ) والحنابلة (١) البدائع ٢١٢/٤، والهداية ٢٣٤/٣، والمغني ٣٤/٦ (٢) الفتاوى الهندية ٤١٢/٤، ٤١٣ اعتبروا التلف بفعله سواء كان عن قصد أو غير قصد، أو بتقصير أو دونه ، موجباً للضمان ، تابعوا في ذلك عمر وعلياً ، حفظاً لأموال الناس. ومثل ذلك إذا كان التلف بغير فعله. وكان من الممكن دفعه كالسرقة العاديّة والحريق العاديّ . وإلى هذا ذهب بعض متأخرى المالكية. وهو قول للشافعية . ومتقدمو المالكية وزفر ذهبوا إلى عدم التضمين. وهو قول للشافعية أيضا .(١) وذهب أبو حنيفة إلى الضمان إذا كان التلف ىفعله، أو بفعل تلميذه، سواء قصد أولا ، لأنه مضاف إلى فعله، وهو لم يؤمر إلا بعمل فيه صلاح، وعمل التلميذ منسوب إليه ، وإلى عدم الضمان، إذا كان بفعل غيره، وهو القياس . وذهب ابن أبي ليلى إلى تضمين الأجير المشترك مطلقاً في جميع الأحوال. ١٣٤ - وإذا وجب الضمان على الأجير المشترك، فإن كانت العين هلكت بعد العمل فالمكتري بالخيار: إن شاء ضمّنه قيمته معمولاً ، ويحط الأجرة من الضمان، وإن شاء ضمّنه قيمته غير معمول ولم يكن عليه أجرة . وإن كان الهلاك الموجب للضمان حصل قبل العمل ضمن قيمته غير معمول. وهو لم يعمل شيئاً يستحق أجراً عليه . وهذا ما اتجه إليه الجمهور. (٢) (١) البدائع ٤ /٢١١، ٢١٢، والهداية ٢٤٤/٣، والفتاوى الهندية ٥٠٠/٤، وحاشية ابن عابدين ٤٠/٥، والمهذب ٤١٥/١، وحاشية القليوبي ٨١/٣، والمغني ١٠٧/٦ فا بعدها، وكشاف القناع ٢٦/٤، وحاشية الدسوقي ٢٨/٤، وشرح الخرشي ٢٨/٧، والشرح الصغير ٤١/٤، والفروق ٣٠/٤ الفرق ٢١٧ (٢) الفتاوى الهندية ٥٠٠/٤، والمغني ١٠٩/٦ - ٢٩٧ - إجارة ١٣٥ - ١٣٨ وكذلك إذا هلكت العين هلاكاً لا يوجب الضمان فإن الأجير المشترك لا يستحق أجراً لأن الأجر يستحق بالتسليم بعد الفراغ. الوقت المعتبر لتقدير الضمان : ١٣٥ - ذهب الحنفية والشافعية في قول عندهم وهو المستفاد من مذهب الحنابلة إلى أن العبرة في تقدير الضمان هويوم حصول سبب الضمان، وهو التلف أو التعدي. أما المالكية فقالوا : تقدر قيمتها بيوم تسليمها إلى الأجير المشترك، لا يوم التلف ولا يوم الحكم.(١) والقول الآخر للشافعية: أن القيمة تعتبر أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف، كالغاصب. وأما إن قيل بعدم الضمان إلا بالتعدى فتقدر القيمة أكثر ما كانت من حين التعدي إلى حين (٢) التلف لأن الضمان بالتعدي . ١٣٦ - ولا يجوز لرب العمل أن يشترط الضمان على الأجير فيما لا يجب عليه ضمانه ، لأن شرط الضمان في الأمانة باطل ، لمنافاته لمقتضى العقد . وكذا لا يجوز اشتراط نفي الضمان عن الأجير فيما يجب فيه عليه الضمان. ويفسد العقد بهذا الاشتراط لمنافاته لمقتضى العقد . وللصانع أجر المثل ، لا المسمّى، لأنه إنما رضي به لإسقاط الضمان عنه. هذا ما نص عليه الحنفية والمالكية، وهو أحد وجهين عند الحنابلة . (٣) (١) حاشية الدسوقي ٢٨/٤، وحاشية العدوي على شرح الخرشي ٢٩/٧ (٢) المهذب ٤٠٨/١ (٣) تبيين الحقائق ١٣٣/٥، وشرح الدر ٢٩٦/٢، وحاشية الدسوقى ٢٨/٤، والمغني ١١٨/٦ وعند الحنابلة وجه آخر. فقد سئل أحمد عن اشتراط الضمان ونفيه، فقال: المسلمون على شروطهم. قال ابن قدامة : وهذا يدل على نفي الضمان بشرطه، ووجوبه بشرطه .(١) التزامات رب العمل إزاء الأجير المشترك: ١٣٧ - يلزم الآجر أن يسلم العين المراد إجراء العمل عليها للأجير في الوقت المشروط الملفوظ أو الملحوظ، إذ لا يتحقق التمكين إلا بذلك. وفي تسليم التوابع يعتبر العرف ما لم يكن هناك شرط، على ماذكر عند الكلام عن التزامات الأجير المشترك. ١٣٨ -ويلتزم المستأجر بدفع الأجرة للأجير المشترك بعد انقضاء العمل وتسلمه، ما لم يكن بينهما شرط بالتعجيل أو بالتأجيل، وما لم يكن العمل المأجور فيه مما ليس له أثر في العين، كالحمّال والسمسار ونحوهما ، إذ لا يتوقف الأجر فيها على التسليم ، فلو هلك المحمول عن رأس الحمال قبل تسليمه ، أو هلك الشيء الذي طلب من السمسار بيعه أو شراؤه، استحق أجرة بما عمل. أما ما كان للعمل أثر فيه، كالثوب المطلوب صبغه، فإنه لا أجر له إلا بعد الفراغ من العمل وتسليمه، ما لم يكن هناك شرط مخالف، فلوهلك الثوب قبل التسليم سقط الأجر. هذا بالنسبة لما كان يعمله بعيداً عن المستأجر. أما إن كان الأجير يعمل في بيت المستأجر أو (١) المغني ١١٨/٦ - ٢٩٨ - : إجارة ١٣٩ - ١٤١ تحت يده، فقيل إنه يستحق الأجر بحساب ما عمل. وقيل لا يستحقه إلا بعد الفراغ من العمل، (١) على ما سبق في بحث الأجرة. وتنقضي إجارة الأجير المشترك بإتمام العمل وتسليمه، كما تنقضي بهلاك العين محلِّ العمل، إلى غير ذلك من الأسباب التي ذكرناها قبل في انقضاء الإجارة بوجه عام وما فيها من تفصيل. أنواع من الأجير المشترك : إجارة الحجام والطبيب وتضمينها : ١٣٩ - الحجامة جائزة اتفاقا. وفي أخذ الأجرة عليها ثلاثة اتجاهات لتعارض الآثار: فقال البعض إنه مباح عند الجمهور(٢) لأن الرسول صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجراً . فقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: ((احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره)) ولو كان ذلك غير مشروع لما أقدم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم. وذهب البعض إلى كراهة ذلك، لما روي مسنداً إلى رافع ابن خديج من أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (( كسب الحجام خبیث)» و يرد عليه بأنه منسوخ بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال له رجل : إن لي عيالا وغلاماً حجّاماً، أفأطعم عيالي من كسبه؟ قال: ((نعم)) وقال الإتقاني: إن (١) الهداية ٢٣٣/٣، وحاشية ابن عابدين ٣٩/٥، والفتاوى الهندية ٤١٣/٤، ٥٠٥، وحاشية الدسوقي ٣٦/٤، والمهذب ٤٠٦/١ ، وكشاف القناع ٢٧/٤ (٢) المغني ١٢١/٦، وحاشية ابن عابدين ٣٣/٥ حديث النهي محمول على الكراهة من طريق المروءة. الاتجاه الثالث : أنه حرام، لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله قال: ((من السحت كسب الحجام)) وبعد أن عرضت كتب الفقه أدلة كل اتجاه ، وناقشتها بما ينتج عدم التحريم، قال ابن قدامة : ليس في المسألة قول بالتحريم، وإنما يكره للحر أكل كسب الحجام. ويكره تعلم صناعة الحجامة وإجارة نفسه لها، لما فيها من دناءة.(١) قال ابن عابدين : وإن شرط الحجام شيئاً على الحجامة كره.(٢) ١٤٠ - وإذا ما استأجر شخص حجاماً ، ثم بدا له ألا يفعل، فله حق الفسخ لأن فيه استهلاك مالٍ أو (٣) غرماً أو ضرراً . (٣) ضمان الحجام : ١٤١ - لا ضمان على الحجام إلا إذا جاوز المعتاد. فإن لم يجاوزه فلا ضمان علیه ، لأن ضرر الحجامة ينبني على قوة الطبع وضعفه ، ولا يعرف الحجام ذلك بنفسه، وهو ما يتحمل المحجوم من الجرح ، فلا يمكن اعتبار السلامة، فيسقط الضمان.(٤) وفي المغني : لا ضمان على حجّام ولا ختّان ولا (١) المغني ١٢٣/٦ (٢) حاشية ابن عابدين ٣٣/٥، وبداية المجتهد ٢٤٦/٢ (٣) حاشية ابن عابدين ٣٠/٥ (٤) حاشية ابن عابدين ٤٢/٥ - ٢٩٩ - إجارة ١٤٢ - ١٤٦ طبيب إذا توافر أنهم ذوو حذق في صناعتهم وألا يتجاوزوا ما ينبغي عمله. فإن تحقق هذان الشرطان فلا ضمان، لأن فعلهم مأذون فيه. أما إن كان الحجام ونحوه حاذقاً وتجاوز، أو لم يكن حاذقاً، ضمن، لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال، ولأنه فعل محرم فيضمن سرايته. وهذا مذهب الشافعي وأصحاب الرأي . ولا نعلم فيه خلافاً . ١٤٢ - واستئجار الحجام لغير الحجامة كالفصد وحلق الشعر وتقصيره والختان وقطع شيء من الجسد للحاجة إليه، جائز بغير خلاف ، لأن هذه الأمور تدعو الحاجة إليها ، ولا تحريم فيها ، فجازت الإجارة فيها وأخذ الأجر عليها .(١) ١٤٣ - واستئجار الطبيب للعلاج جائز، وأخذه أجراً على ذلك مباح، بشرط أن يكون خطؤه نادراً كما يصرح الشافعية. فإن لم يكن كذلك لم يصح العقد، ويضمن. وقالوا: إذا استأجره للمداواة في مدة معينة لم يجز، لأنه جمع بين العمل والزمن. وفي قول آخر لهم، وهو ما أخذ به الحنابلة: يقدر الاستئجار للمداواة بالمدة دون البرء، إذ البرء غير معلوم. فإن داواه المدة ولم يبرأ استحق الأجر، لأنه وفىَّ العمل. وإن برىء في أثنائها، أو مات، انفسخت الإجارة فيما بقي، ويستحق من الأجر بالقسط . وعند الإمام مالك أنه لا يستحق أجراً حتى يبرأ. ولم يحك ذلك أصحابه. (١) الفتاوى الهندية ٤٩٩/٤، والشرح الصغير ٤٧/٤، وحاشية الدسوقي ٢٨/٤، وحاشية القليوبي ٧٠/٣، ٧٨، والمهذب ٤٠٦/١، وكشاف القناع ٢٧/٤، والمغني ١٢٣/٦ ١٤٤ - وإن امتنع المريض من العلاج مع بقاء المرض استحق الطبيب الأجر ما دام قد سلم نفسه ومضى زمن المعالجة ، لأن الإجارة عقد لازم، وقد بذل الأجيرما عليه . ويملك الطبيب الأجرة ما دام قد قام بالمعتاد . ١٤٥ _ ولا تجوز مشارطة الطبيب على البرء. ونقل ابن قدامة عن ابن أبي موسى الجواز، وقال: إنه الصحيح ، لكن يكون جعالة لا إجارة، إذ الإجارة لابد فيها من مدة أو عمل معلوم، وقال : إن أبا سعيد حين رقى الرجل شارطه على البرء.(١) وقد أجاز ذلك مالك، ففي الشرح الصغير: لو شارطه طبيب على البرء فلا يستحق الأجر إلا بحصوله.(٢) ولا ضمان على الطبيب إلا بالتفريط ما دام من أهل المعرفة ولم يخطئ ، وإلا ضمن.(٣) ١٤٦ - وإذا زال الألم، وشُفيَ المريض قبل مباشرة الطبيب ، كان عذراً تنفسخ به الإجارة. يقول ابن عابدين: وإذا سكن الضرس الذي استؤجر الطبيب لخلعه فهذا عذر تنفسخ به الإجارة. ولم يخالف في ذلك أحد حتى من لم يعتبروا العذر موجباً للفسخ، فقد نص كل من الشافعية والحنابلة على أن من استأجر رجلا ليقلع له ضرساً، فسكن الوجع، أو ليكحل له عيناً ، فبرئت انفسخ العقد لتعذر استيفاء (١) المغني ١٢٣/٦ (٢) ٥/٤ ٧ (٣) حاشية القليوبي ٧٠/٣، ٧٣، ٧٨، ونهاية المحتاج ٢٦٧/٥، ٢٧٠، وحاشية الدسوقي ٢٨/٤، والفتاوى الهندية ٤٩٩/٤ ، ٥٠٥، وكشاف القناع ٢٧/٤، والمغني ١٢٥/٦ - ٣٠٠ -