Indexed OCR Text

Pages 141-160

إبدال ١ - ٢ - ٣
نقل ذلك إلى غيره ، بينما يجيز الحنفية إبدال الواجب
إخراجه فيهما بالقيمة ، لتعلق الوجوب عندهم بمعنى
(١)
المال ، وهو المالية والقيمة .
٣ - وفي عقود المعاوضات ، كالبيع، اختلف
الفقهاء في حكم إبدال الأثمان فالحنفية يجيزون
إبدال الأثمان قبل القبض ، لأنها لا تتعين
بالتعیین، ولأن العقد لا ینفسخ بهلا کھا ، بدليل ما
رواه ابن عمر، قال: (( كنا نبيع الإبل بالبقيع
بالدراهم ، فنأخذ بدل الدراهم الدنانير، ونبيعها
بالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم، فسألنا النبي صلى الله
عليه وسلم عن ذلك، فقال : لا بأس إذا تفرقتما
وليس بينكما شيء)) (٢) والمراد من الحديث العين
لا الدين ، بينما يقول الشافعية وزفر من الحنفية: إن
كان الثمن متعينا ، نقدا أو غيره ، فلا يجوز التصرف
فيه قبل القبض ، وإن كان في الذمة جاز إبداله قبل
القبض. واستدلوا بالحديث السابق أيضا على أنه
إبدال لثمن غير متعين بل هو في الذمة . وقريب من
(١) ابن عابدين ٢٢/٢ ط الأميرية، والبدائع ١٠٢/٥، ١٣٢،
والشرح الصغير مع حاشية الصاوي ٢٣٥/١ ط مصطفى
الحلبي، والمهذب ١٥٠/١ ط عيسى الحلبي، والمغني ٦٥/٣
و٣٧٥/٧
(٢) حديث: (( لا بأس إذا تفرقتما ... )) رواه أصحاب السنن
عن ابن عمر بعدة روايات ، وأحمد وابن حبان والحاكم
وصححه، قال الترمذي والبيهقي : لم يرفعه غير سماك ، وعلق
الشافعي القول به على صحة الحديث ، ونقل الحافظ الأقوال في
وقفه (تلخيص الحبير ٢٥/٣ - ٢٦ ط الفنية، ونصب
الراية ٣٣/٤ - ٣٤ ط الأولى، ورواه الدارقطني بمعناه، وفي
التعليق المغني : رواته ثقات (سنن الدارقطني ٢٣/٣ -٢٤
ط دار المحاسن )
هذا رأي الحنابلة والمالكية .
أما المبيع فعند الحنفية لا يجوز إبدال المبيع
المنقول قبل قبضه . وفي العقار خلاف .
وعند الشافعية لا يجوز إبدال المبيع والثمن المعين
قبل القبض .
وعند الحنابلة يجوز التصرف في المبيع قبل القبض
لما لا يحتاج إلى قبض، أما ما يحتاج إلى قبض فلا يجوز
إبداله قبل القبض .
والمالكية يجيزون التصرف في المبيع قبل
القبض ، إلا طعام المعاوضة .
وكل ما مرّ إنما هو في غير الصرف والسلم ، وفي
غير الربويات فإنه لا يجوز فيها الإبدال (١).
وقد يكون الإبدال واجبا، كما إذا تعيبت
الدابة، أو بانت مستحقة، في إجارة الذمة ، فلا
تنفسخ الاجارة، بل يلزم الْمُؤْجِرَ إبدألها. (٢)
وقد يكون للإبدال أحوال وشروط خاصة ، كما
في الوقف . (٣)
وهو أحد الشروط العشرة التي اعتاد الواقفون
ذكرها في حجج أوقافهم. ويقرنون الإبدال
بالاستبدال، مما جعل الموثّقين يفرقون بينهما ،
(١) البدائع ٢٣٣/٥، ونهاية المحتاج ٨٣/٤، ٨٨، والمغني
١١٣،٤٣/٤ ط المنار الثالثة، والشرح الصغير ٧٣/٢ -٧٥ ط
مصطفى الحلبي ، ومواهب الجليل ٣٤٠/٤ نشر مكتبة النجاح
بليبيا .
(٢) القليوبي ٨٠/٣ ط مصطفى الحلبي، والخرشي ١٥/٧ ،
والمغني ٤٣٤/٥
(٣) ابن عابدين ٣٨٨/٣ ط الأميرية الأولى وما بعدها، والخرشي
٩٥/٧ ط بولاق ، والمغني ٥٧٥/٥
- ١٤١ -

إبدال ٤، إبراء ١ - ٢
فيطلقون الإبدال على جعل عين مكان أخری ،
والاستبدال على بيع عين الوقف بالنقد .
مواطن البحث :
٤ -تأتي أحكام الإبدال والاستبدال عند الفقهاء
في مسائل متعددة المواطن مفصلة فيها أحكام كل
مسألة، جوازاً أو منعاً أو إيجاباً ، ومن ذلك الزكاة
والأضحية والكفارة والبيع والشفعة والإجارة والوقف
وغير ذلك .
إبْراء
التعريف بالإبراء :
١ - من معاني الإبراء في اللغة : التنزيه
والتخليص والمباعدة عن الشيء. قال ابن الأعرابي :
برئ : تخلص وتنزّه وتباعد ، فالإبراء على هذا :
جعل المدين - مثلا - بريئا من الدين أو الحق الذي
عليه. والتبرئة: تصحيح البراءة، والمبارأة: المصالحة
على الفراق.
وأما في الاصطلاح فهو إسقاط الشخص حقّاً له
في ذمة آخر أو قِبّله. فإذا لم يكن الحق في ذمة
شخص ولا تجاهه، كحق الشفعة، وحق السكنی
الموصى به ، فتَرْكُه لا يعتبر إبراء ، بل هو إسقاط
محض . وقد اختير لفظ (إسقاط ) في التعريف
- بالرغم من أن في الإبراء معنيين هما الإسقاط
والتمليك - تغليباً لأحد المعنيين، ولأنه لا يخلو من
وجه إسقاط على ما سيأتي.(١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ _ البراءة، والمبارأة ، والاستبراء :
٢ - ( البراءة) : هي أثر الإبراء، وهي مصدر
برئ . فهي مغايرة له في الفقه، غير أن البراءة كما
تحصل بالإبراء الذي يتحقق بفعل الدائن، تحصل
بأسباب أخرى غيره، كالوفاء والتسليم من المدين أو
الكفيل.وتحصل البراءة بالاشتراط، كالبراءة من
العیوب ، و یعبر عنها بالتبرؤ أيضاً ، وتفصيله في خيار
العيب ، والكفالة.
وقد تحصل البراءة بإزالة سبب الضمان، أو بمنع
صاحب التضمين من إزالته، ومن ذلك ما صرح به
الشافعیة من أن حافر البئر في أرض غيره إن أراد
ردمها فمنعه المالك فإنه يبرأ وإن لم توجد صيغة
إبراء.(٢)
ومما يؤكد التباين بينهما ما جاء في بعض المسائل
من تقييد البراءة بالإبراء أو الإسقاط لتمييزها عن
البراءة بالاستيفاء. وفي ذلك يقول ابن الهمام :
البراءة بالإبراء لا تتحقق بفعل الكفيل، بل بفعل
(١) لسان العرب، والمصباح، (برئ)، وتهذيب الأسماء
واللغات للنووي ٢٤، وطلبة الطلبة للنسفي ٣٤، وبداية
المجتهد ١٥٣/٢ ط الخانجي، وفتح القدير ٣٥٦/٣ ط بولاق،
وحاشية ابن عابدين على الدر المختار شرح تنوير الأبصار
٢٧٦/٤ ط بولا ق.
(٢) حاشية القليوبي على شرح المنهاج ٣٧/٣ ط عيسى الحلبي.
- ١٤٢ -

إبراء ٣ - ٥
الطالب - أي الدائن - فلا تكون حينئذ مضافة إلى
الكفيل. ونحوه بحث بعض الشافعية في تلفيق
شهادتي الإبراء والبراءة، كأن شهد واحد بأن
المدعي أبرأه، وآخر بأنه برئ إليه منه، ورجحوا
جوازه واعتبار الشهادة مستكملة النصاب.
٣ - أما (المبارأة) فهي مفاعلة وتقتضي
المشاركة في البراءة.(٢) وهي في الاصطلاح اسم من
أسماء الخلع، والمعنى واحد، وهو بذل المرأة العوض
على طَلاقها. لكنها تختص بإسقاط المرأة عن الزوج
حقاً لها عليه. فالمباراة صورة خاصة للإبراء تقع بين
الزوجين، لإيقاع الزوج الطلاق - إجابة لطلب
الزوجة غالباً - مقابل عوض مالي تبذله للزوج هو
تركها ما لها عليه من حقوق مالية، كالمهر المؤجل،
أو النفقة المستحقة في العدة. والجمهور على أنه لا
يسقط بها أي حق إلا بالتسمية ، خلافاً لأبي حنيفة
وأبي يوسف القائلين بسقوط جميع حقوقها الزوجية .
وتفصيل ذلك موطنه عند الكلام عن (الخلع).(٣)
ولابن نجيم من الحنفية رسالة في الطلاق الموقع في
مقابلة الإبراء حقق فيها أنه يقع بائناً ، لوقوعه
بعوض، وأما في قوله : متى ظهر كذا وأبرأثني من
(١) فتح القدير ٣١٠/٦ ط دار إحياء التراث، والقليوبي
٣٧/٣، أسنى المطالب شرح روض الطالب ٣٠٩/٢ ط
المكتبة الاسلامية.
(٢) طلبة الطلبة ٥٩
(٣) بداية المجتهد ٦٦/٢ ط المعاهد، والفتاوي البزازية ٢١٠/٤
بهامش الهندية، وحاشية ابن عابدين ٥٦٠/٢، والشرواني
على التحفة ٥/٧، مكة ، والقليوبي ٣٠٧/٣، ٣١٤،
والمقنع ١٢٩/٣، وجواهر الإكليل ٣٣١/٢
مهرك فأنت طالق فليس بائناً لأنه جعل الطلاق
معلقاً بالإبراء فالإبراء شرط للطلاق وليس عوضاً . (١)
٤ - وأما ( الاستبراء) فهو يأتي بمعنيين، أحدهما :
هو تعرّف براءة الرحم ، أي طهارته من ماء الغير.
وهو حيث لا تجب على المرأة عدة. وأحكامه مفصلة
في مصطلحه. والمعنى الآخر: هو طلب نقاء المخرجين
مما ينافي التطهّر، وتفصيل أحكامه في مصطلح
(قضاء الحاجة).(٢)
ب - الإسقاط :
٥ - الإسقاط لغة : الإزالة ، واصطلاحاً : إزالة
الملك أو الحق لا إلى مالك أو مستحق. وهو قد يقع
على حق في ذمة آخر، أو قبله، على سبيل المديونية
( كالحال في الإبراء) كما قد يقع على حق ثابت
بالشرع لم تشغل به الذمة ( كحق الشفعة ). ويكون
بعوض وبغير عوض. فالإبراء أخص من الإسقاط ،
فكل إبراء إسقاط ، ولا عكس.(٣)
ومما يدل على أن الإبراء نوع من الإسقاط تقسيم
القرافي الإسقاط إلى نوعين، أحدهما : بعوض،
كالخلع. والآخر: بغير عوض، ومثّل له بالإبراء من
الديون. وسيأتي تفصيل ذلك. (٤)
(١) رسالة ( الطلاق المعلق على الإبراء ) من رسائل ابن نجيم
ص ٢٦ مطبوعة عقب حاشية الحموي على الأشباه ط
استانبول .
(٢) طلبة الطلبة ٣ ، ٩ ، ٤٤، ٥٦
(٣) تاج العروس ، ولسان العرب ، (سقط )
(٤) الذخيرة للقرافي ٥٩/١، والفروق ١١٠/٢ ط دار المعرفة
- ١٤٣ -

إبراء ٦ - ٧
والإسقاط متمحض لسقوط ما يقع عليه اتفاقاً ،
في حين أن الإبراء مختلف في أنه إسقاط فيه معنى
التمليك، أو تمليك محض، أو إسقاط محض على ما
سيأتي بيانه.
هذا ، وان القليوبي من الشافعية أفاد أن غير
القصاص لا يسمى تركه إسقاطاً ، وإنما يقال له :
إبراء (١) والظاهر ان ذلك بحسب مألوف المذهب.
وقد يستعمل الإبراء في موطن الإسقاط ، كما في
خيار العيب ، فالإبراء من العيب كناية عن إسقاط
الخيار.
ج - الهبة :
٦ - الهبة لغة : العطية الخالية عن الأعواض
والأغراض، أو التبرع بما ينفع الموهوب له مطلقاً .
وهي شرعاً: تمليك العين بلا عوض. (٢)
والذي يوافق الإبراء من الهبة هوهبة الدين
للمدين، فهي والابراء بمعنى واحد عند الجمهور
الذين لا يجيزون الرجوع في الهبة بعد القبض .
أما عند الحنفية القائلين بجواز الرجوع في الجملة
فالإبراء مختلف عن هبة الدين للمدين، للاتفاق على
عدم جواز الرجوع في الإبراء بعد قبوله لأنه إسقاط ،
والساقط لا يعود كما تنص على ذلك القاعدة
المشهورة.(٣)
(١) القليوبي ٢٨٧/٢
(٢) لسان العرب (وهب) ، ورسائل ابن نجيم ١١٩ ط
استانبول
(٣) الشرح الصغير وبلغة السالك ١٤٢/٤ ط دار المعارف،
والروض المربع ٥٠/٢، والخرشي ١٠٣/٥، وشرح الروض
٤٨١/٢ ط المكتبة الاسلامية، والفتاوي الهندية ٣٨٤/٤
ط بولاق، والفروع ١٩٣/٤ ط دار مصر.
أما هبة الدين لغير من عليه الدين - على
الخلاف والتفصيل الذي موطنه الهبة، والدين - فلا
صلة له بالإبراء .
د - الصلح :
٧- الصلح لغة : التوفيق ، وهو اسم للمصالحة .
وهو شرعاً : عقد به يرفع النزاع وتقطع الخصومة بين
المتصالحين بتراضيها .(١)
ومن المقرر فقهاً أن الصلح یکون عن إقرار أو
إنكار أو سکوت . فإذا كان عن إقرار، و کانت
المصالحة على إسقاط جزء من المتنازع فيه وأداء
الباقي ، ففي هذه الصورة يشبه الصلح الإبراء، لأنها
أخذ لبعض الحق وإبراء عن باقيه . أما إن كان
الصلح هنا على أخذ بدل فهو معاوضة.
وكذلك الحال إن كان الصلح عن إنكار أو
سكوت، وتضمّن إسقاطاً لجزء من حقه، فهوبالنسبة
للمدعي إبراء عن بعض الحق، في حين أنه بالنسبة
للمدعى عليه افتداء لليمين وقطع للمنازعة .
وقد جعل ابن جزيّ من المالكية الصلح على
نوعين، أحدهما : إسقاط وإبراء، وقال : هو جائز
مطلقاً، والآخر: صلح على عوض، وقال فيه : هو
جائز إلا إن أدى إلى حرام. (٢)
(١) لسان العرب، (صلح)، ورسائل ابن نجيم ١٢١ ط
استانبول.
(٢) القوانين الفقهية لابن جزي ٣٢٤ ط تونس، واللباب
لابن راشد القفصي ١٩٢ ط تونس، وكفاية الأخيار للحصني
٢٧١/١، ومغني المحتاج ١٧٩/٢، وشرح الروض ٢١٦/٢ وقد
عد كلاهما الإبراء من أقسام الصلح .
- ١٤٤ -

إبراء ٨ - ١١
هـ- الإقرار:
٨ - من معاني الإقرار في اللغة : الإيقان
والاعتراف. وأما تعريفه في الاصطلاح فهو:
الإخبار بحق الغير على نفسه.(١)
والإقرار قد يرد على استيفاء الدين ، فيكون
إقراراً بالبراءة، لأن الإبراء إما إبراء استيفاء، وإما
إبراء إسقاط كما سيأتي. وكل من الاقرار
بالاستيفاء والإبراء على إطلاقه يقطع النزاع ويفصل
الخصومة. فالمراد منهما واحد، ولذا عُبِّر بكل واحد
منهما عن الآخر وإن اختلفا مفهوماً .(٢)
ودعوى الإبراء تتضمن إقراراً ، فإذا قال :
أبرأتني من كذا، أو: أبرئني، فهو إقرار واعتراف
بشغل الذمة وادعاء للإسقاط ، والأصل عدمه .
وعليه بينة الإبراء أو القضاء. (٣)
و- الضمان :
٩ - الضمان لغة : الكفالة والالتزام بالشيء.
وهو عند بعض الفقهاء : التزام حق ثابت في
ذمة الغير أو إحضار من هو عليه .
والضمان عكس الإبراء ، فهو يفيد انشغال
الذمة، في حين يطلق الإبراء على خلوّها ، ولصلة
الضدّية هذه وضع الشافعية أكثر أحكام الإبراء في
باب الضمان. (٤)
(١) الرسائل الزينية لابن نجيم ١٢١
(٢) إعلام الأعلام لابن عابدين ٦/٢ في مجموعة رسائله،
والدسوقي على الشرح الكبير ٤١١/٣، والمجلة العدلية
المادة ١٥٣٦
(٣) شرح الروض ٢١٧/٢، ٢٩٧
(٤) شرح الروض ٢٣٩/٢، ومغني المحتاج ١٩٨/٢
هذا وإن للإبراء صلة بالضمان، وهي أنه أحد
الاسباب لسقوطه، بل إن له مدخلاً إلى أكثر
الالتزامات من حيث إنه يتطرق له في سقوطها ، لأنها
إما أن تسقط بالوفاء - أي الاداء - أو المقاصة، أو
الإبراء ونحو ذلك.(١)
ز- الحظ :
١٠- الحظّ لغة: الوضع، أو الإسقاط.(٢)
وهو في الاصطلاح : إسقاط بعض الدين أو
كله. فالحظّ إبراء معنى، ولذا قد يطلق الحظ على
الإبراء نفسه، ولكنه إما أن يقيد بالكل أو الجزء.
والغالب استعمال الحظ للإبراء عن جزء من الثمن،
أما الإبراء فهو عن كله. (٣)
وقد جاء في كلام الحنفية وبعض الحنابلة تسمية
وضع بعض الدين إبراء، وهو في الحقيقة إبراء
جزئي. وقال القاضي زكريا الانصاري من
الشافعية : صلح الحطيطة إبراء في الحقيقة ، لأن لفظ
الصلح يشعر بقناعة المستحق بالقليل عن الكثير. (٤)
ح - الترك :
١١ - من معاني الترك في اللغة : الإسقاط ،
يقال: ترك حقه إذا أسقطه . ولا يخرج المعنى
الاصطلاحي عن ذلك.(٥)
(١) مرشد الحيران المادة ١٩٥ وما بعدها .
(٢) المغرب ، مادة ( حظّ )
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٣٨/٢، والفتاوي الهندية ١٧٣/٢،
والمجلة العدلية المادة ١٥٣٦
(٤) شرح الروض ٢٤٩/٢
(٥) القاموس المحيط ، مادة ( ترك )
- ١٤٥ -

إبراء ١٢
ومن صلته بالإبراء ما جاء لبعض الشافعية من
التصريح بان هبة الدين للمدين إن وقعت بلفظ
(الترك) كأن يقول: تركت الدين، أو لا آخذه
منك، فهي كناية إبراء. ولكن نقل القاضي زكريا
القول بأن ذلك إبراء صريح . وهو ما جزم به النووي
والمقري.(١)
والترك يستعمل للإسقاط عموماً بحيث يحصل به
ما يحصل بلفظ الإسقاط ويعطى أحكامه ، ولذا
أورده الرملي الشافعي في عداد الألفاظ التي لا يحتاج
الإسقاط فيها إلى قبول - كالإبراء عندهم - في حين
يحتاج لفظ الصلح إلى القبول. (٢)
وقد يطلق الترك على الامتناع عن استعمال الحق
دون إسقاطه، كترك الزوجة حقها في القسم،
ومنحه للزوجة الأخرى ، فإن لها الرجوع وطلب
القسم بالنسبة للمستقبل .
والغالب أن يستعمل لفظ الترك في الدعوى ،
فالمدعي، في أشهر تعريفاته: (( من إذا تَرك (أي
دعواه) تُرك)) وهذا حيث لم يصدر دفع من المدعى
عليه لدعواه، فإن حصل لم يكن للمدعي الترك،
لأنه قد يقصد به الكيد للمدعى عليه، فيلزم
بالاستمرار في الدعوى للفصل فيها . واعتبر بعضهم
هنا المدعى عليه مدعياً أنه يتعرض له في كذا بغير
حق فله طلب دفع التعرض. (٣)
(١) إعانة الطالبين ١٥٢/٣، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني
٣٠٥/٦ ط صادر، وشرح الروض وحواشي الرملي ٤٨١/٢،
٤٨٢
(٢) شرح الروض ٢١٥/٢ وحواشي الرملي عليه.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤١٩/٤ ط الأولى بولاق .
صفة الإبراء ( حكمه التكليفي ) :
١٢ - الإبراء مشروع في الجملة، وتعرض له
الأحكام التكليفية الخمسة المعروفة :
فيكون واجباً إذا سبقه استيفاء، لأن فيه اعترافاً
بالبراءة لمستحقها ، فهو من باب العدل المأمور به في
قوله تعالى: (إنّ الله يأْمُرُ بالعدل) (١) والمؤكد
بالحديث ((على اليدِ ما أُخَذَتْ حتى تؤديه)»(٢) ومن
أمثلته في باب السّم: إذا احضر المسلم إليه مالَ
السلم الحالَّ لغرض البراءة أجبر المسلم على القبول او
الإبراء. فهذا واجب تخييري. وكذلك الحكم في
المفلس فله اجبار الغرماء على أخذ العين إن كانت
من جنس حقهم، أو إبرائه.(٣)
وقد یکون حراماً ، كما لو جاء ضمن عقد
باطل، لأن استبقاء الباطل حرام، على ما سيأتي في
بطلان الإبراء .
وتعرض له الكراهة فيما إذا أبرأ وارثه أو غيره عن
أ کثر من ثلث ماله وهوفي مرض الموت حيث أجازه
الورثة ، ومستند الكراهة ما في ذلك الإبراء من تضييع
ورثته، لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي
وقاص حين همَّ بالتصدق بجميع ماله: ((إنك أَنْ
(١) سورة النحل /٩٠
(٢) حديث ((على اليد ما أخذت ... )) أخرجه أحمد والنسائي
وابن ماجه والحاكم من حديث الحسن عن سمرة مرفوعاً
وأبو داود والترمذي عنه بلفظ ((حتى تؤدي)) وقد
اختلف في سماع الحسن من سمرة. (المقاصد الحسنة
ص ٢٩٠ نشر الخانجي بمصر)
(٣) القليوبي ٢٥٦/٢، وشرح الروض ٢٠١/٢
- ١٤٦ -

إبراء ١٣ - ١٤
تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرَهم عالةً يتكففون
الناس)) (١) أما الثلث فقد أقره عليه .
١٣ - على أن الحكم الغالب له الندب، ولذا يقول
الخطيب الشربيني: (( الإِبراء مطلوب، فؤُسِّع فيه،
بخلاف الضمان )» (٢) ذلك لأنه نوع من الإحسان،
لأنه في الغالب يتضمن إسقاط الحق عن المعسر الذي
يُثقل الدين كاهله. وحتى إذا كان الإبراء لمن لا
يعسر عليه الوفاء، فإنه مما يزيد المودة بين الدائن
والمدين، فلا يخلوعن معنى البروالصلة، وذلك مما
يتناوله قول الله تعالى: (وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَتَظِرَةٌ
إلى مَيْسَرَةٍ، وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ)(٣) وفي ذلك أحاديث كثيرة ، منها حديث
جابر بن عبد الله رضي الله عنه حين قام بوفاء دين
أبيه، وخبر معاذ بن جبل وكعب بن مالك، حين
أعسرا، حيث ثبت حضّه عليه الصلاة والسلام
الدائنين على إسقاط كل الدين أو بعضه عنهم. (٤)
(١) حديث ((إنك أن تذر ... ) جزء من حديث أخرجه الشيخان
( اللؤلؤ والمرجان ص ٣٩٩ نشر وزارة الأوقاف
بالكويت ).
(٢) مغني المحتاج ٢٠٣/٢ واشار إلى أنه لذلك لا يحتاج
إلى نية ولا قرينة. واشار القاضي زكريا إلى انه
عقد غبن فتوسع فيه (بخلاف البيع القائم على
المعاوضة) لذا لا عهدة فيه ولا خيار، وتغتفر فيه
جهالة الوكيل بمقدار الدين ، وتجري فيه الكنايات عن
العدد فتفسر، وليس البيع كذلك ( شرح الروض ٢٦٣/٢،
والقليوبي ١٩٠/٢)
(٣) سورة البقرة / ٢٨٠
(٤) أخرجه البخاري ١٦٠/١٣ بشرح العيني، ومسلم ٣٠/٥،
وحديث ((كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم
حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه)» رواه
الدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه (نيل الأوطار=
وقد صرح بعض الشافعية بأن الإبراء للمعسر
أفضل من القرض، وان القرض في غير هذه الحالة
أفضل منه (١)
والإبراء في غير الأحوال المشار اليها هو على أصل
الإباحة الجارية في معظم العقود والتصرفات التي
بُعث النبي صلى الله عليه وسلم والناس يتعاملون بها
فأقرهم عليها، ولاسيما في حالة عجز المبرىء عن
تحصيل حقه من منكِره، لأن الاحسان هنا غير وارد،
لفقدان محله .
أقسام الإبراء :
١٤ - يقسم بعض المؤلفين الإبراء إلى قسمين :
إبراء الإسقاط ، وإبراء الاستيفاء. ويعتبرون الأول
منهما هو الجدير بالبحث تحت هذا الاسم، في حين
أن الثاني (الذي هو عبارة عن الاعتراف بالقبض
والاستيفاء للحق الثابت لشخص في ذمة آخر) هو
نوع من الإقرار. وتظهر ثمرة هذا التقسيم في صورة
الإبراء في الكفالة الواقع من الطالب (الدائن ) إن
جاء بلفظ ((برئت إليّ من المال)» برئ الكفيل
والمدين كلاهما من المطالبة ، ورجع الكفيل بالمال
على المطلوب ، لأنه براءة قبض واستيفاء، كأنه
قال : دفعت إليّ ، أما إن قال : برئت من المال ، أو
أبرأتك ، بدون لفظ (التيّ) فلا رجوع له، لأنه إبراء
-: ٢٤٤/٥) ط العثمانية المصرية ١٩٥٧ هـ. وحديث
جابر: قال جابر قتل أبي وعليه دين فسأل
النبي صلى الله عليه وسلم غرماءه أن يقبلوا ثمر
حائطي ويحللوا أبي رواه البخاري (١٦٠/١٣ ط
المنيرية)، ويرجع لنيل الأوطار ٢٨٨/٥
(١) القليوبي على شرح المنهاج للمحلى ٢٦١/٢، ١١١/٣،
تحفة المحتاج وحاشية الشرواني ٤٩٢/١
- ١٤٧ -

إبراء ١٥
إسقاط، لا إقرار بالقبض. على خلاف وتفصيل
:(١)
موطنه الكفالة.
ووجه اعتبارهما قسيمين أن كلا من الإبراء
والإقراريراد به قطع النزاع وفصل الخصومة وعدم
جواز المطالبة بعدهما . فالمراد منهما واحد. ولذا عبروا
بكل واحد منهما عن الآخر وإن اختلفا مفهوما . (٢)
ويتبين أن هذا التقسيم ليس للإبراء في ذاته ،
وإنما هو لثمرة الإبراء ومقصوده، وإلا فإن الإقرار
- ومنه الإقرار بالاستيفاء - غير الإبراء في الشروط
والأركان والآثار، فإنه يكون في الدين والعين على
حدّ سواء، في حين يختص إبراء الاسقاط بالديون ،
كما سيأتي، وسيقتصر الكلام عليه وحده ، لأن
تفصيل ما يتصل بإبراء الاستيفاء موطنه مصطلح
( اقرار).
ولم نقف في غير المذهب الحنفي على التصريح
بهذا التقسيم للإبراء. وإن كانت لسائر المذاهب صور
يميزون فيها بين براءة الاستيفاء وبراءة الإسقاط .
وهناك تقسيم آخر للإبراء من حيث العموم
والخصوص، تبعا للصيغة التي يرد بها، ويظهر أثرها
فيما يقع عليه الإبراء. وسيأتي تفصيل ذلك تحت
عنوان (أنواع الإبراء) بعد استيفاء الأركان.
الإبراء للإسقاط أو التمليك :
١٥ - اختلف الفقهاء في الابراء ، هل هو
(١) حاشية ابن عابدين ٢٧٦/٤، وفتح القدير ٣١٠/٦
(٢) إعلام الأعلام من رسائل ابن عابدين ١٠٦/٢،
وجامع الفصولين ٤/٢، والمجلة العدلية المادة
١٥٣٦، ومرشد الحيران المادة ٢٣٢ (نقلا منه عن
طبعة قديمة للفتاوي الهندية ٢٩٠/٢) ، والقليوني
٣٢٦/٢، والفتاوي الكبرى لابن حجر ٥٧/٣، ٦٩
للإسقاط او التمليك. وتباينت أقوال المذهب الواحد
في ذلك بالنسبة لتوجيه الأحكام، ومع هذا فقد كان
لكل مذهب رأي غالب في هذا الموضوع، على النحو
التالي :
الاتجاه الأول : وعليه جمهور الحنفية ، وهو قول
لكل من المالكية والشافعية، والراجح عند الحنابلة،
انه للإسقاط . قال السبكي: لو كان الإبراء تمليكاً
لصح الإبراء من الأعيان.
الاتجاه الثاني : ما نقله بعض الشافعية وابن
مفلح الحنبلي في بعض المسائل، أنه تمليك من وجه .
قال القاضي زكريا: الابراء، وإن كان تمليكا ،
(١)
المقصود منه الإسقاط .
الاتجاه الثالث : ما نقله ابن مفلح أيضا ، أن
جماعة من الحنابلة جزموا بأنه تمليك ، وقالوا : إن
سلمنا أنه إسقاط ، فكأنه ملكه إيّاه ثم سقط. (٢)
وهناك اتجاه آخر ، ذهب إليه ابن السمعاني من
الشافعية ، هو أن الإبراء - في غير مقابلته للطلاق-
تمليك من المبرىء، إسقاط عن المبرأ، لأن الإبراء
إنما يكون تمليكاً باعتبار أن الدين مال، وهو إنما
يكون مالا في حق من له الدين، فإن أحكام المالية
إنما تظهر في حقه ، بحيث يترتب عليه اشتراط علم
الأول دون الثاني.(٣)
(١) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٨٤، وشرح
الروض ٤١/٣ ٢٣٨/٢، والقليوبي ٣٢٦/٢ - ٣٢٧،
والأشباه والنظائر للسيوطي ١٨٩ ط عيسى الحلبي،
والدسوقي ٩٤،٣١٠/٣، والفروع لابن مفلح ١٩٣/٤
(٢) الفروع لابن مفلح ١٩٤/٤
(٣) شرح الروض ٢٣٩/٢ وحواشي الرملي عليه .
- ١٤٨ -

إبراء ١٦ - ١٨
غلبة أحد المعنيين أوتساويهما :
١٦ - المستفاد من كلام الفقهاء اشتمال الإبراء
على كلا المعنيين: الإسقاط والتمليك، وفي كل
مسألة تكون الغلبة لأحدهما ، وإن كان في بعض
الصور يتعين أحد المعنيين تبعاً للموضوع، كالإبراء
عن الأعيان، فهو للتمليك، لأن الاعيان لا تقبل
الإسقاط. أما في الديون الثابتة في الذمة فيجري
المعنيان كلاهما . فمن ذلك ما قاله ابن نجيم من أن
الإبراء عن الدين فيه معنى التمليك ومعنى الإسقاط ،
ومثَّل لما غلب فيه معنى التمليك بأنه لا يصح تعليقه
على الشرط ، ويرتد بالرد. (١)
ومثّل بعض الحنابلة لما غلب فيه معنى الإسقاط
بأنه لو حلف لا يهبه، فأبرأه، لم يحنث ، لأن الهبة
تمليك عين، وهذا إسقاط . وأنه لا يجزئ الإبراء
عن الزكاة، لانتفاء حقيقة الملك .
ونقل القاضي زكريا عن النووي في الروضة
قوله: (( المختار أن كون الإبراء تمليكاً أو إسقاطاً من
المسائل التي لا يطلق فيها ترجيح، بل يختلف
الراجح بحسب المسائل ، لقوة الدليل وضعفه ، لأن
الإبراء إنما يكون تمليكاً باعتبار أن الدين مال ، وهو
إنما يكون مالا في حق من له الدين ، فإن أحكام
المالية إنما تظهر في حقه .
ومما غلب فيه معنى التمليك عند المالكية
ترجيحهم اشتراط القبول في الإبراء، كما سيأتى .(٢)
(١) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٨٤
(٢) الفروع لابن مفلح ١٩٤/٤، وشرح الروض وحواشي الرملي
عليه ٢٣٨/٢، ٢٣٩، والقليوبي ٣٢٧/٢، والدسوقي ٩٩/٤
٣١٠/٣
على أن هناك ما يصلح بالاعتبارين (الإسقاط
والتمليك بالتساوي ). ومنه ما نص عليه الحنفية أنه
لو أبرأ الوارث مدينَ موَّرّثه غير عالم بموته، ثم بان
ميتا ، فبالنظر إلى انه إسقاط يصح ، وكذا بالنظر إلى
كونه تمليكاً ، لأن الوارث لوباع عيناً قبل العلم
بموت المورث ثم ظهر موته صح ، کما صرحوا به، فهنا
بالأولى .(١)
اختلاف الحکم باختلاف الاعتبار:
١٧ - قد يختلف الحكم باختلاف اعتبار الإبراء،
هل هو إسقاط أو تمليك فمن ذلك ما صرح به
الحنفية فيما لو وكل الدائن المدين بإبراء نفسه صح
التوكيل، نظراً إلى جانب الإسقاط ، ولو نظر إلى
جانب التمليك لم يصح، كما لو وكله بأن يبيع من
نفسه. (٢)
أركان الإبراء
١٨ - للإبراء أربعة أركان، بحسب الإطلاق
الواسع للركن، ليشمل كل ما هو من مقوّمات
الشيء، سواء أكان من ماهيته، أم خارجا عنها ،
كالأطراف والمحل، وهو ما عليه الجمهور. فالأركان
عندهم هنا : الصيغة ، والمبرئ ( صاحب الحق أو
الدائن) ، والمبرأ (المدين)، والمبرأ منه ( محل الإبراء
من دين أو عين أو حق)
وركنه عند الحنفية هو الصيغة فقط ، أما
المتعاقدان والمحل فهي أطراف العقد وليست ركناً ،
لما سبق.
(١) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٨٤
(٢) تبويب الأشباه والنظائر ٣٨٤
- ١٤٩ -

إبراء ١٩ - ٢١
الصيغة :
١٩ - الأصل في الصيغة انها عبارة عن الإيجاب
والقبول معاً في العقد، وهي هنا كذلك عند من یری
توقف الإبراء على القبول. أما من لا يرى حاجة
الإبراء إليه فالصيغة هي الإيجاب فقط.
الإيجاب :
٢٠ - يحصل إيجاب الإبراء بجميع الألفاظ التي
يتحقق بها المقصود منه، وهو التخلى عما للدائن عند
المدين، على أن يكون اللفظ واضح الدلالة على الأثر
(سقوط الحق المبرأ منه)، فيحصل بكل لفظ يدل
عليه صراحة أو كناية محفوفة بالقرينة، سواء أوَرَدّ
مستقلا أم تبعا ضمن عقد آخر.(١)
ولابد ان ينتفي احتمال المعاوضة ، أو قصد مجرد
التأخير، كما لو قال: أبرأتك علي أن تعطيني كذا ،
فهو صلح بمال، على خلاف سيأتى فيما بعد . وكذا لو
قال أبرأتك من حلول الدين، فهو لتأخير المطالبة ، لا
لسقوطها .
والإبراء المطلق هو من الاسقاطات على التأبيد
إتفاقاً . فلا يصح الإبراء المؤقت ، كأن يقول أبرأتك
مما لي عليك سنة على ما صرح به الشافعية . وهو
مستفاد عبارات غيرهم في حال الإطلاق. أما تقييد
(١) حاشية ابن عابدين ٤٥٦/٤ ط بولاق، والتكملة ٣٤٧/٢،
ورسائل ابن نجيم ٢٦، وإعلام الأعلام من رسائل
ابن عابدين ٩٦/٢-٩٩ وقد توسع فيها حول صيغ الإبراء
ناقلا عن تنقيح الأحكام للشرنبلالي، والقليوبي
١١٢/٣، و٣٠٨/٢، والفروع ١٩٢/٤، ونهاية المحتاج
٣٧٣/٤، والشرواني ٦٩٢/٤، والدسوقي على الشرح
الكبير ٩٩/٤ ط دار الفكر، وكشاف القناع ٢٥٦/٤
الإبراء بأنه لتأخير المطالبة فهو ليس من الإبراء
المطلق وإن سماه ابن الهمام تجوزاً (إبراء مؤقتاً).(١)
ومثل القول في ذلك الكتابة المرسومة المعنونة ، أو
الإشارة المعهودة ، بشروطهما المفصلة في موطنها .
٢١ - وقد أورد الفقهاء - بالإضافة إلى لفظ
الإبراء الذي اتفقوا على حصول الإيجاب به - أمثلة
عديدة لما يؤدي معنى الإبراء. ولم ينص أحد منهم
على انحصار الصيغة فيما أشاروا إليه، ومن تلك
الألفاظ التي تدور عليها صيغته : الإسقاط،
والتمليك، والإحلال، والتحليل، والوضع، والعفو،
والحظّ، والترك، والتصدّق، والهبة، والعطية. قال
البهوتي: وانما صح بلفظ الهبة والصدقة والعطية، لأنه
لما لم يكن هناك عين موجودة يتناولها اللفظ انصرف
إلى معنى الإبراء. ثم نقل عن الحارثي قوله : لو وهبه
دينه هبة حقيقية لم يصح، لانتفاء معنى الإسقاط
وانتفاء شرط الهبة(٢) كما استدل من مثّل بلفظ العفو
أو التصدق بقوله تعالى في شأن الإبراء من المهر (( إلا
أنْ يَعْفُونَ أو يعفُوَ الذي بيدِه عقدةُ النكاح)» وقوله
تعالى في شأن الإبراء من الدية «فَدِيةٌ مسلّمةٌ إلى
أهله إلا أن يَصَّدَّقُوا)) وقوله تعالى في شأن إبراء المعسر
((وأن تَصَدَّقوا خَيْرٌ لكم)) وبقوله عليه الصلاة
(١) فتح القدير ٣٠٨/٦ ط بولاق.
(٢) الشرواني على تحفة المحتاج ١٩٢/٥، ونهاية المحتاج
٣٧٣/٤، والقليوبي ١١٢/٣ و٣٠٨، وفتح المعين ٢٤٣،
وشرح منتهى الإرادات ٥٢١/٢ ط دار الفكر، والفروع
١٩٢/٤، والدسوقي على الشرح الكبير ٩٩/٤، وحاشية
ابن عابدين ٤٥٦/٤، وفتح القدير ٣١٠/٦ ط دار إحياء
التراث، والمقنع ٣٣٤/٢ ط السلفية، والشرح الكبير
على المقنع ٣/٥ ط المنار.
- ١٥٠ -

إبراء ٢٢ - ٢٣
والسلام داعياً لإبراء الذي أصيب في ثمار ابتاعها :
((تصدَّقوا عليه)).(١) وقد يحصل الإبراء بصيغة يدل
تركيبها عليه، كأن يقول : ليس لي عند فلان حق،
أو ما بقي لي عنده حق، أو ليس لي مع فلان
دعوى، أو فرغت من دعواي التي هي مع فلان ، أو
(٢)
تر کتها .
٢٢ - ويستفاد مما أورده بعض فقهاء الحنفية
والمالكية من تعقيب على ما جاء في بعض كتب
المذهبين من أن هناك صيغاً مخصصة للإبراء من
الأمانات أو الديون، وأخرى لا يحصل عموم الإبراء
إلا بها - يستفاد أن المدار على العرف فيما يحصل به
الإبراء أصلا، أو تعميما ، أو تخصيصا بموضوع دون
آخر، كما ينظر إلى القرائن في العبارات التي لها أكثر
من إطلاق. ومن ذلك عبارة (( برئت من فلان))
التي تحتمل نفيّ الموالاة، والبراءة من الحقوق. فإذا
جرى العرف، أو دلّت القرائن على استعمالها هي أو
غيرها مما لم يمثلوا به للإيجاب عن الإبراء، كعبارة
((التنازل)) أو ((التخلي عن الحق)). فالعبرة في
ذلك بالعرف (٣)
(١) هو عن أبي سعيد الخدري قال : أصيب رجل في عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر
دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((تصدقوا
عليه)) الحديث رواه مسلم (٣٠/٥ مطبعة محمد علي
صبيح وأولاده)
(٢) المجلة العدلية المادة ١٥٦١
(٣) الدسوقي ٤١١/٣ ط عيسى الحلبي ، وإعلام الأعلام لابن
عابدين ٩٧/٢، وحاشية ابن عابدين ٥٦٧/٢، وتبويب
الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٩٣
القبول :
٢٣ - اختلف الفقهاء في أن الإبراء يتوقف على
القبول أولا ، على اتجاهين:
أحدهما : عدم حاجة الإبراء إلى القبول ، وهو
مذهب الجمهور (الحنفية، والشافعية في الأصح ،
والحنابلة، وهو قول شاذ لأشهب من المالكية )
فهؤلاء يرون أن الإبراء لا يحتاج إلى قبول، بناء على
أنه إسقاط للحق، والإسقاطات لا تحتاج إلى قبول ،
كالطلاق، والعتق، وإسقاط الشفعة والقصاص، بل
قال الخطيب الشربيني من الشافعية : هو المذهب،
سواء أقلنا : الإبراء إسقاط أم تمليك.(١)
الاتجاه الآخر: حاجة الإبراء إلى القبول، وهو
القول الراجح في مذهب المالكية، والقول الآخر
للشافعية. وذلك بناء على أن الإبراء نقل للملك،
أي تملیك ما في ذمة المدين له، فیکون من قبيل
الهبة، وهي لابد فيها من القبول.(٢) قال القرافي:
(١) العناية شرح الهداية ، وتكملة فتح القدير ٤٤/٧، وتكملة
حاشية ابن عابدين ٥٠١/٢ ط الحلبي، وتبويب الأشباه
والنظائر لابن نجيم ٣٨٢، والمجلة العدلية المادة
١٥٦٨، ومغني المحتاج ١٧٩/٢، وشرح الروض ٢١٥/٢
و٤٨١، والقليوبي ٣٠٧/٢ و١١٢/٣، والأشباه للسيوطي
٨٩ ط عيسى الحلبي، والفروع ١٩٢/٤، وشرح منتهى
الإرادات ٥١٧/٢ ط دار الفكر.
(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ٩٩/٤، والشرح الصغير وبلغة
السالك ١٤٢/٤ ط دار المعارف، والزرقاني علي خليل
٣/٦، والخرشي ١٠٣/٧، وقد جاء في الدسوقي ٣١٠/٣،
والشرح الصغير ٤١٧/٣ عبارة غريبة تخالف ما في المواطن
السابقة منها وغيرهما من المراجع المالكية
المشهورة، لتضمنها أن الإبراء لا يحتاج إلى قبول،
ولعلها خاصة بباب الصلح الذي جاءت بمناسبته.
- ١٥١ -

إبراء ٢٤ - ٢٦
((يتأكد ذلك - أي الافتقار للقبول ــ بأن المتّة قد
تعظم في الإبراء، وذوو المروءات والأنفات يضر
ذلك بهم ، لا سيما من السفلة ، فجعل صاحب الشرع
لهم قبول ذلك أو ردّه، نفياً للضرر الحاصل من المنن
من غير أهلها، أو من غير حاجة.))) وبعض الشافعية
لا يربطون بين هذا القول وبين الخلاف في معنى
الإبراء، على ما سبق.
٢٤ _ ولا فرق في الحاجة إلى القبول أو عدمها بين
التعبير بالإبراء، أو التعبير بهبة الدين للمدين،
وإثبات الفرق هو ما عليه بعض الحنفية،إذ قالوا فيها
بالحاجة للقبول،لما في اللفظ من معنى التمليك،
والمالكية يرونها آكد في الافتقار للقبول - على
مذهبهم في الإبراء عموماً - لأنها نص في التمليك،
وهو خلاف ما عليه الشافعية والحنابلة وجمهور
الحنفية، لنظرهم إلى وحدة المقصود بينها وبين
الإبراء.
هذا ، وبالرغم مما هو مقرر بين الفقهاء من
اعتبار القبول محدوداً بمجلس العقد مادام قائماً فقد
اشترط الشافعية الفورية في القبول في صورة من
يوكَّل في إبراء نفسه (٢)
وقد صرح المالكية بجواز تأخير القبول عن
الإيجاب، ولوبالسكوت عن القبول زماناً، فله
(١) الفروق ١١٠/٢
(٢) الدسوقي ٩٩/٤، والقليوبي ٣٤٠/٢، والفتاوي الهندية
٢٦٣/٣، ونهاية المحتاج ٤١٠/٥، وكشاف القناع
٤٧٨/٢ ط الشرفية
القبول بعد ذلك، وقال القرافي: إنه ظاهر
(١)
المذهب .
٢٥ - وقد استثنى الحنفية من عدم التوقف على
القبول : العقود التي يشترط فيها التقابض في
المجلس، كالصرف، والسلم (أي عن رأس مال
السلم) فيتوقف فيها الإبراء على القبول، لأن الإبراء
عن بدل الصرف والسلم يفوت به القبض المستحق ،
وفواته يوجب بطلان العقد ، ونقض العقد لا ينفرد به
أحد العاقدين ، بل يتوقف على قبول الآخر، فإن قبله
برىء وان لم يقبله لا يبرأ. وهذا بخلاف سائر
الدين، لأنه ليس فيه معنى الفسخ لعقد ثابت وإنما
فيه معنى التمليك من وجه، ومعنى الإسقاط من وجه
آخر. أما الإبراء عن المسلم فيه أو عن ثمن المبيع فهو
جائز بدون قبول ، لأنه ليس فيه إسقاط شرط.(٢)
رد الإبراء :
٢٦ - ينبني اختلاف النظر الفقهي في هذه المسألة
على الخلاف في أن الإبراء إسقاط أو تمليك. والتي
يترتب عليها حاجته للقبول أو عدم حاجته.
فالحنابلة، والشافعية في الأصح، والمالكية في
المرجوح ، وهم أكثر القائلين بعدم حاجته للقبول،
ذهبوا إلى أنه لا يرتد بالرد، لأنه إسقاط حق
كالقصاص والشفعة وحد القذف والخيار والطلاق،
لا تمليك عين، كالهبة.
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ٩٩/٤ نقله عن الفروق
للقرافي وأقرّه ( وموطنه في الفروق ١٠١/٢)
(٢) المجلة العدلية ١٥٦٨ ووقع للحموي في حاشيته على الأشباه
التسوية بين الحالتين، ونوقش من بعض شراح المجلة
(كشرح الاتاسي ٥٨٩/٤)، وتبويب الأشباه والنظائر
ص ٣٨٣ نقلا عن البدائع ٤٦/٦ ط دار الكتاب العربي.
- ١٥٢ -

إبراء ٢٧
ومن ذهب إلى أنه يحتاج إلى القبول (وهم
المالكية في الراجح والشافعية في قولهم الآخر) يرون
أنه يرتد بالرد ، ومعهم في هذا الحنفية الذين راعوا ما
فيه من معنى التمليك بالرغم من عدم توقفه على
القبول عندهم، لأنه إسقاط. واختلف فقهاء الحنفية
هل يتقيد الرد بمجلس الإبراء، أو هو على إطلاقه.
والذي في البحر والحموي على الأشباه إطلاق صحة
الرد في مجلس الإبراء أو بعده .
والرد المعتبرهو ما يصدر من المبرأ، أو من وارثه
بعد موته، وخالف في الثاني محمد بن الحسن.(١)
وقد استثنى الحنفية مسائل لا يرتد فيها الإبراء
بالرد وهي :
١، ٢ - الإبراء في الحوالة (والكفالة على الأرجح)
لأنها متمحضان للإسقاط، لأن الإبراء إسقاط محض
في حق الکفیل، ليس فيه تمليك مال، لأن الواجب
عليه المطالبة، والإسقاط المحض لا يحتمل الردّ
لتلاشى الساقط، بخلاف التأخير، لعوده بعد
الاجل.
٣ - إذا تقدم على الإبراء طلب من المبرأ بأن قال
أبرئني، فأبرأه فردّ ، لا يرتد .
(١) العناية شرح الهداية وتكملة فتح القدير ٤٤/٧، وحاشية ابن
عابدين ٤٦٩/٤، والفتاوي الهندية ٣٨٤/٤، وتكملة
ابن عابدين ٣٤٧/٢، وكشاف القناع ٤٧٨/٢ ط الشرفية،
والفروع ١٩٢/٤، والمهذب ٤٥٤/٢، وشرح الروض
٢٤٠/٢، ومطالب أولي النهي ٣٩٢/٤، والأشباه
للسيوطي ١٨٩ ط عيسى الحلبي، والمجلة العدلية
المادة ١٥٨٦ وفيها تقييد اعتبار الرد بكونه في
المجلس وناقش ذلك بعض الشراح ما بين جعله قيداً
احترازياً أو اتفاقياً .
٤ - إذا سبق للمبرأ أن قبله ثم رده لا يرتد.(١)
المبرئ وشروطه :
٢٧ - الإبراء كغيره من التصرفات، يشترط في
المتصرف به الأهلية التامّة للتعاقد ، من عقل وبلوغ،
وتفصيله في الكلام عن الأهلية والعقد. ولكن
الأهلية المطلوبة هنا هي أهلية التبرع، بأن يكون
رشيداً غير محجور عليه للسفه أو المديونية ، على خلاف
وتفصيل موطنه عند الكلام عن (الحجر).
وتشترط الولاية ، لأن كل إبراء لا يخلو من حق
يجري التنازل عنه ( بإسقاطه أو تمليكه)، لذا لابد
من أن يصدر ذلك التنازل من قبل صاحب الحق
نفسه أو من يتصرف عنه، فلا يصح الإبراء إلا بأن
يكون للمبرئ ولاية على الحق المبرأ منه، وذلك بأن
يكون مالكاً له، أو موكلا بالإبراء منه، أو متصرفاً
بالفضالة عن صاحب الحق، ولحقته الإجازة من
المالك، عند من يرى صحة تصرف الفضولي.
وتفصيله في مصطلح ( فضولي).
والعبرة في ولاية المبرئ على الحق المبرأ منه هو
بما في الواقع ونفس الأمر لا بما في الظن. فلو أبرأ عن
شيء من مال أبيه ظاناً بقاء أبيه حياً فتبين أنه كان
ميتاً حين الإبراء صح، لأن المبرأ منه كان مملوكاً له
حين الإبراء في الواقع .
ويشترط الرضا، فإبراء المكره لا يصح ، لأنه
(١) حاشية ابن عابدين ٢٧٤/٤، وتبويب الأشباه والنظائر
لابن نجيم ٣٨٣
- ١٥٣ -

....
..
إبراء ٢٨ - ٣٠
لا يصح مع الهزل لما فيه من الإقرار بفراغ الذمة فيؤثر
(١)
فيه الإكراه.
وقد صرح الحنابلة بأنه مما يشوب شريطة الرضا
أن یعلم المدین وحده مقدار الدین، فیکتمه عن
الدائن خوفاً من أن يستكثره فلا يبرئه لأن الإبراء
صادر حينئذ عن إرادة غير معتبرة . (٢)
التوكيل بالإبراء :
٢٨ - يصح التوكيل بالإبراء ولكن لابد من الإذن
الخاص به، ولا يكفي له إذن الوكالة بعقد ما،(٣) وقد
نص الحنفية بشأن السلم أنّه إذا ابرأ وكيل المسلِم
المسلّم إليه بلا إذن لم يبرأ المسلم إليه. فلوقال له
المسلم إليه : لست وكيلا والسلم لك وأبرأتني منه،
نفذ الإبراء ظاهراً، وتعطل بذلك حق المسلم، وغرم
له الوكيل قيمة رأس المال للحيلولة ، فلا يغرم بدل
المسلم فیہ کیلا یکون اعتیاضاً عنه. کما خص
الحنفية إبراء الوكيل والوصي فيما وجب بعقدهما ،
ويضمنان. ولا يصح فيما لم يجب بعقدهما، كما أنه
إذا كان الوكيل مأذوناً بالإبراء فوكل غيره به فأجراه
في حضوره أو غيبته لم يصح عندهم .(٤)
(١) الفتاوي الهندية ١٧٩/٤ وتكملة حاشية ابن عابدين ٣٤٧/٢
و٨٧/٥، وشرح الروض ١١/٢، والقليوبي ٣٢٦/٢ و١٦٢/٣
و١٥٩، والمغني ٦٠٢/٥ الطبعة الثالثة، ونهاية
المحتاج ٧٠/٥ ط الحلبي، ومرشد الحيران المادة ٢٣٥
و٢٤١، ٢٤٢، والمجلة العدلية المادة ١٥٧٠، ١٥٧١
(٢) هكذا جعلوه متصلا بشريطة الرضا، ولعل المراد شوائب
الرضا لأنه بالتدليس أشبه.
(٣) شرح الروض ٢٦١/٢، ٢٧١، ٢٨١، ومغني المحتاج
٢٢٢/٢، لباب اللباب لابن راشد ٢٠٠، والفروع ٣٦٦/٤
(٤) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٩١، وحاشية ابن عابدين
٤١١/٤
وإن و کله بإبراء غرمائه ، و کان الو کیل منهم لم
يبرئ نفسه، لأن المخاطب لا يدخل في عموم أمر
الخاطب له على الأصح، فإن قال: وإن شئت
فأبرئ نفسك فله ذلك كما لو وكل المدين بإبراء
نفسه.(١)
إبراء المريض مرض الموت :
٢٩ - يشترط أن لا يكون المبرئ مريضاً مرض
الموت، وفيه تفصيل بحسب المبرأ، فإن كان أجنبياً
والدين يجاوز ثلث التركة، فلابد من إجازة الورثة فيما
زاد على الثلث، لأنه تبرع له حكم الوصية . وإذا
كان المبرأ وارثاً توقف الإبراء كله على إجازة الورثة
ولو كان الدين أقل من الثلث. وإذا أبرأ المريض
مرض الموت أحد مديونيه، والتركة مستغرقة
بالديون، لم ينفذ ابراؤه لتعلق حق الغرماء (٢)
وتفصيل ذلك عند الكلام عن (مرض الموت).
المبرأ وشروطه :
٣٠ - اتفق الفقهاء على اشتراط العلم بالمبرأ، فلا
يصح الإبراء المجهول.
وكذلك يجب أن يكون معيناً، فلو أبرأ أحد
مدينيه على التردد لم يصح، خلافاً لبعض الحنابلة .(٣)
فلابد من تعيين المبرأ تعييناً كافياً. كما أن الإقرار
(١) شرح الروض ٢٨١/٢، والأشباه والنظائر للسيوطي ٣٨٢
ط عيسى الحلبي، والقليوبي ٣٤٢/٢
(٢) القليوبي ١٦٢/٣، ١٥٩ و١٢٨/٤، والمجلة العدلية المادة
١٥٧٠، ومرشد الحيران المادة ٢٤١، ٢٤٢
(٣) الفتاوي الهندية ٢٠٤/٤، والخرشي ٩٩/٦ ط صادر، شرح
الروض ٢٤٠/٢، وجامع الفصولين ١٢٥/١ ط الأزهرية،
والأشباه للسيوطي ١٨٩، وكشاف القناع ٤٧٨/٢ ط الشرفية.
- ١٥٤ -

إبراء ٣١ - ٣٢
ببراءة كل مدين له لا يصح إلا إذا كان يقصد مديناً
معيناً أو أناساً محصورين.(١)
ولا يشترط في المبرأ أن يكون مقراً بالحق، بل
يصح الإبراء للمنكر أيضا، بل حتى لو جرى تحليف
المنكر يصح إبراؤه بعده، لأن المبرئ يستقل بالإبراء
- لعدم افتقاره إلى القبول - فلا حاجة فيه إلى
تصديق الغريم .(٢)
المبرأ منه ( المحل ) وشروطه :
٣١ - يختلف المبرأ منه بين أن يكون من الحقوق أو
الديون أو الأعيان. وسيأتي الكلام عن ذلك في
( موضوع الإبراء). وتبعاً للاختلاف السابق بيانه،
في أن الإبراء إسقاط أو تمليك أو الغالب فيه
أحدهما ، اختلف الفقهاء في صحة الإبراء من
المجهول، فمن نظر في هذه المسألة إلى معنى التمليك
اشترط العلم ، لأنه لا يمكن تمليك المجهول، ومن
نظر إلى معنى الإسقاط ذهب إلى الصحة .
فالاتجاه الأول ، الذي عليه جمهور الفقهاء
( الحنفية والمالكية ورواية عند الحنابلة ) أن الإبراء
من المجهول صحيح، بل صرح المالكية بأنه يصح
التوكيل بالإبراء، وإن كان الحق المبرأ منه مجهولا
لكل من الثلاثة (المؤكّل، والوكيل، ومن عليه
الدين ) ، لأن الإبراء - كما قالوا - هبة ، وهبة
المجهول جائزة. ومثلوا لذلك بما لو أبرأ ذمة غريمه،
(١) المجلة العدلية المادة ١٥٦٧) مرشد الحيران المادة ٢٣٧ ( نقلا
عن الفتاوي الأنقروية ١٠٥/٢)، وإعلام الأعلام لابن
عابدين ١٠٢، والعناية شرح الهداية ٢٨١/٦ الطبعة الأولى.
(٢) شرح الروض ٢١٧/٢، والدسوقي ٣٠٩/٣ ط دار الفكر، وفتح
القدير ٢٣/٧ ط دار صادر.
وهما لا يعلمان بكم هي مشغولة، وذلك لأن جهالة
الساقط لا تفضي إلى المنازعة .
ويقرب منه الاتجاه الثاني ، وهو رواية للحنابلة
أيضا، وهو صحة الإبراء مع الجهل إن تعذر علمه،
وإلا فلا، وقالوا: إنه لو كتمه طالب الإبراء خوفاً من
أنه لو علمه المبرئ لم يبرئه لم يصح .
أما الاتجاه الثالث ، وهو مذهب الشافعية
ورواية عند الحنابلة ، فهو أنه لا يصح الإبراء عن
المجهول مطلقاً . ولا فرق عند الشافعية في المجهول بين
مجهول الجنس أو القدر أو الصفة، حتى الحلول
والتأجيل ومقدار الأجل. كما صرحوا بأنه إذا وقع
الإبراء ضمن معاوضة - كالخلع - اشترط علم
الطرفين بالمبرأ عنه، أما في غير المعاوضة فيكفي علم
المبرئ وحده، ولا أثر لجهل الشخص المبرأ .(١)
٣٢ - ومما صرح به بعض الشافعية أن المراد
بالمجهول ما لا تسهل معرفته، بخلاف ما تسهل
معرفته، کایرائه من حصته في تر کة مورثه ، لأنه وإن
جهل قدر حصته، لکن یعلم قدر تر کته، فتسهل
معرفة الحصة . وفرقوا بينه وبين ضمان المجهول، فلا
يصح، وإن أمكنت معرفته، لأن الضمان يحتاط له،
لأنه إثبات مال في الذمة ، في حين أن الإبراء يغلب
فيه معنى الإسقاط . ولا يخفى أن هذا التفصيل ليس
موضع خلاف، لأن هذه الجهالة صوريّة .
(١) حاشية ابن عابدين ٢٠٠/٤، والدسوقي على الشرح الكبير
٤١١/٤ و٣٧٨/٣، والشرح الصغير للدردير ٥٠٣/٣ ط دار
المعارف، والقليوبي ٣٢٦/٢، والأشباه والنظائر
للسيوطي ١٨٩ و٤٩٠ ط عيسى الحلبي، والفروع ١٩٣/٤
- ١٥٥ -

إبراء ٣٣ - ٣٤
وقد استثنى الشافعية من عدم صحة الإبراء من
المجهول صورتين هما : الإبراء من الدية المجهولة ،
وما إذا ذكر غاية يتيقن أن حقه دونها ، وهي
الطريقة للإبراء من المجهول ، بأن يبرئه عما يتأكد أنه
أزيد مما له عليه. وقد أضاف الرملي إلى هاتين
الصورتين ما لو أبرأ إنساناً مما عليه بعد موته ، فيصح
مع الجهل، لأنه يجري مجرى الوصية. (١)
ومن صور المجهول : الإبراء من أحد الدينين،
قال الحلواني من الحنابلة : يصح، و یؤخذ بالبيان ،
كما في الطلاق لإحدى زوجتيه. قال ابن مفلح :
يعني ثم يقرع على المذهب .(٢)
شروط للإبراء في ذاته
أ - شرط عدم منافاته للشرع :
٣٣ - مما هو موضع اتفاق بين الفقهاء في الجملة،
وتدل عليه القواعد العامة للشريعة، أنه يشترط في
الإبراء أن لا يؤدي إلى تغييرحكم الشرع، كإبراء
من شرط التقابض في الصرف، والإبراء من حق
الرجوع في الهبة أو الوصية (على خلاف للمالكية في
ذلك) والإبراء من حق السكنى في بيت العدة،
(١) الجمل على شرح المنهج ٣٨٢/٣-٣٨٣، والوجيز ١٨٤/١
و١٨٩، والقليوبي ٣٢٧/٢، وشرح الروض ٢٣٩/٢ وفيه
٢٤٠/٢، ٢٦٣ وغيره طريقة بيان ما انتفى فيه الغرر
من المجهول جهالة يسيرة، كالإبراء من درهم
لعشرة، وبعض الكنايات الأخرى .. وهي طرق لا تختص
بالإبراء بل هي في الأصل للإقرار والطلاق.
(٢) الفروع ١٩٣/٤، وكشاف القناع ٢٥٦/٤
وحق الولاية على الصغير(١) لأن كل ما يؤدي إلى
تغيير المشروع باطل، ولا يستطيع أحد تغيير حكم
الله (٢)
كما يشترط أن لا يؤدي الإبراء إلى ضياع حق
الغير، كالإبراء من الأم المطلّقة عن حق الحضانة،
لأنه حق الصغير - مع وجود حق للحاضنة أيضاً -
وتفصيل ذلك في أبوابه . (٣)
ب - شرط سبق الملك :
٣٤ - يشترط سبق ملك المبرى للحق المبرأ منه،
لأنه لا يصح تصرف الإنسان في ملك غيره دون إنابة
منه، أو فضالة عنه (عند من يصحح تصرف
الفضولي). وهذا الشرط موضع اتفاق عند الفقهاء في
حالة الظهور بمظهر المالك، حتى عند الذين يجيزون
تصرف الفضولي، لأن الفضولي هو من يتصرف فيا
تظهر ملكية غيره له، وإلا كان من بيع ما لا يملك،
وهو منهي عنه ... وتدل على هذا الشرط عبارات
الفقهاء مما تفصيله في (الأهلية) (والعقد)
وما قرروه في المقاصة بين الديون من انها تقوم على
(١) المجموع شرح المهذب للنووي ١٠٠/١٠ ط الإمام، والهداية
٨٢/٣ ط مصطفى الحلبي، والفتاوي الهندية ٣٠٩/٤،
والدسوقي على الشرح الكبير ١١٠/٤، وتحفة المحتاج
٥٤٣/٢، وكشاف القناع ٣٧/٣، والالتزامات للحطاب
ضمن فتاوى عليش ٢٢٨/١-٢٢٩، ورسالة ابن نجيم
فيما يسقط من الحقوق ٥٢ مطبوعة مع الأشباه.
(٢) فتح القدير لابن الهمام ١٩٠/٢ و٤٥٩ ط بولاق، وحاشية
ابن عابدين ١٧٧/٤
(٣) الدسوقي ٣٥٠/٢ ط دار الفكر، والحطاب على خليل
١٦٥/٤، والمغني لابن قدامة ١٧٤/٩ - ١٧٩ الطبعة
الأولى، والالتزامات للحطاب (ضمن فتاوى عليش
٣٢٦/١)
- ١٥٦ -

إبراء ٣٥
أساس ملك الدائن للدين في ذمة المدين، وأن المدين
عند الإيفاء يملك مثل الدين في ذمة الدائن، فتقضى
الديون بأمثالها لا بأعيانها . ومثل الإيفاء الإبراء في
وروده على ما يملكه المبرئ في ذمة الشخص المبرأ .(١)
ومما يدل عليه من مذهب الحنفية الخلاف بين
أبي يوسف ومحمد في إبراء المحالِ المحيلَ عن الدين،
حیث لا یصح عند أبي یوسف، لانتقال الدين من
ذمة المحيل، بناء على أن الحوالة نقل الدين والمطالبة ،
خلافاً لمحمد القائل بأنها نقل المطالبة فقط وبقاء
الدين، فيصادف الإبراء ذمة مشغولة بالدين. (٢)
وممن صرح بهذا البلقيني من الشافعية، بقوله :
((في مسألة الإبراء يملك الدين في ذمة من عليه ،
ويملك التصرف فيه على الوجه المعتبر، وقد نفذ الإبراء
لحصوله في ملك المديون قهراً ممن كان يملكه عليه))
- أي عند من لا يشترط القبول كما سبق - وأصرح
منه قول عميرة: (( إن صحة الإبراء تتوقف على سبق
الملك)) (٣) ومنه قول ابن مفلح من الحنابلة عقب
حديث («لا طلاق ولا عتق فيما لا يملك)):
(( والإبراء في معناهما)). (٤)
ويستفاد من تصريح الدردير بعدم صحة الهبة
وسائر التبرعات في مال غيره أنه يشترط عند المالكية
سبق ملك المبرئ لما أبرأ منه.(٥)
(١) تكملة فتح القدير ٤١/٧، والفتاوى الكبرى لابن حجر ٧٩/٣
(٢) تنبيه ذوي الأفهام، من مجموعة رسائل ابن عابدين ٩٤/٢
(٣) حواشي الرملي على شرح الروض ٣٤٠/٢ و٢٤٨، وحاشية
القليوبي وعميرة على شرح المنهاج ٤٥/٣، والقليوبي
٨٣/٤ ((لا تدخل نفقة الأمة في ملك السيد إلا بعد
تسليمها، فلا يصح ابراؤه منها قبله))
(٤) سيأتي تخريجه ص ١٥٨
(٥) الفروع ١٩٥/٤، والدسوقي ٨٩/٤
بل صرح الشافعية أيضا بضرورة استقرار الملك
حيث علل الماوردي منهم عدم صحة الإبراء عن بدل
الصرف قبل التقابض بأنه إبراء مما لم يستقر ملكه
عليه.(١)
وهل يشترط علم المبرئ بملكه ما يبرئ منه،
أم يكفي تحقّق ملكه إياه في نفس الأمر ولو اعتقد
عدمه، كما لو كان للأب دين على شخص ، فأبرأه
منه الابن وهو لا يعلم موت أبيه، فبان ميتاً ، أي
فظهر أن الابن المبرئ يملكه في الواقع، فالحنفية
والحنابلة على صحته، وقد صرح الحنفية بأنه يصح
سواء اعتبر الإبراء إسقاطا أو تمليكاً، كما سبق، أما
الشافعية فقد اختلفوا بين كون الإبراء إسقاطا فيصح
أو تمليكاً، فلا يصح.(٢) ولم نعثر على تصريح
للمالكية في هذه المسألة.
الإبراء بعد سقوط الحق أو دفعه :
٣٥ - الإبراء بعد قضاء الدين صحيح، لأن
الساقط بقضائه المطالبة ، لا أصل الدين، ولذا قالوا :
الدينان يلتقيان قصاصاً (أي بطريق المقاصة)
وذلك لأنه تقضى الديون بأمثالها فتسقط مطالبة كل
للآخر لانشغال ذمة كل منهما بدين الآخر. فإذا أبرأ
الدائن المدين بعد القضاء كان للمدين الرجوع بما
أداه إذا أبرأه براءة إسقاط . أما إذا أبرأه براءة
استيفاء فلا رجوع. ويعرف ذلك من الصيغة على
(١) المجموع شرح المهذب ١٠٠/١٠ ط الإمام.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ١٨٩ ط عيسى الحلبي، وشرح
منتهى الإرادات ٥٢١/٢، والفروع وتصحيحه ١٩٤/٤،
والمغني ٦٦٠/٥ ط الرياض، وتبويب الأشباه لابن نجيم
٣٨٤، والمجلة العدلية المادة ٦٠
- ١٥٧ -

إبراء ٣٦ - ٣٧
ما سبق بيانه في أقسام الإبراء. واختلفوا فيما إذا أطلق
البراءة فاختار ابن عابدين من الحنفية أنها تحمل على
الاستيفاء لعدم فهم غيرها في عصره.
وهذا يفيد أن المرجع في الاطلاق هو العرف.
وعليه لو علق طلاق المرأة بإبرائها له من المهر ثم
دفعه لها، لا يبطل التعليق، فإذا أبرأته براءة إسقاط
صحت ووقع الطلاق ورجع عليها بما دفعه.
ومثله ما لو تبرع بقضاء دين عن إنسان ثم أبرأ
الطالب المطلوب على وجه الإسقاط فللمتبرع أن
يرجع عليه بما تبرع به.(١)
وذهب الحنابلة فيما يشبه هذه الصور إلى عدم
الرجوع حيث صرحوا بأن الضامن لو قضى الدين ثم
ابرأه عنه الغريم بعد قبضه لم يرجع على المضمون عنه،
وأنه إن وهبه بعضه ففيه وجهان.(٢)
ولم نعثر على رأي للمالكية والشافعية في ذلك.
ج - وجوب الحق ، أو وجود سببه :
٣٦ - الأصل أن يقع الإبراء بعد وجوب الحق
المبرأ منه، لأنه لإسقاط ما في الذمة، وذلك بعد
انشغالها . ولكنه قد يأتي قبل وجوب الحق، وهنا إما
أن يكون بعد وجود السبب الذي ينشأ به الوجوب ،
وإما أن يكون قبله.
والفقهاء متفقون على عدم صحة الإبراء قبل
وجود السبب، فوجوده شرط للصحة متفق عليه ،
لأن ما لم يوجد سبب الاستحقاق فيه ساقط أصلا
(١) تبويب الأشباه ٣٨٣، وحاشية ابن عابدين ٥١٨/٢ ط
بولاق، وتكملة حاشية ابن عابدين ٥٠٢/٢ الطبعة الثانية
مطبعة عيسى الحلبي
(٢) القواعد لابن رجب ١٢٠ الطبعة الأولى.
بالكلية، فلا معنى لإسقاط ما هو ساقط فعلا ،
ويكون الإبراء منه مجرد امتناع، وهو غير ملزم، لأنه
وعلٌ، وله الرجوع عنه والمطالبة بما ابرأ منه، على ما
سبق.(١)
٣٧ - وأما بعد وجود السبب ففي اشتراط وجوب
الحق وحصوله فعلا خلاف :
فذهب الجمهور (الحنفية، والشافعية في الأظهر،
والحنابلة) إلى أنه شرط، فلا يصح الإبراء قبل
الوجوب وإن انعقد السبب ، واستدلوا بحديث «لا
طلاق ولا عتاق فيما لا يملك)).(٢) والإبراء في
معناهما، وقد اعتبروا ما لم يجب ساقطاً فلا معنى
لإسقاطه.(٣)
وقد مثّل الحنفية لذلك بالإبراء عن نفقة الزوجية
قبل فرضها (أي القضاء بتقديرها) فلا يصح، لأنه
إبراء قبل الوجوب - بالرغم من وجود السبب وهو
الاحتباس - وإسقاط الشيء قبل وجوبه لا يصح.
ومن الأمثلة الدقيقة التي أوردوها الإبراء في باب
الغصب، وفرقوا في الحكم بين حالتين فيه تبعا لوجوب
ما تعلق به الإبراء، وذلك فيما لو أبرأ المالك الغاصب
(١) الالتزامات للحطاب ( كما في فتح العلي المالك ٣٢٢/١)
(٢) حديث («لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك)) رواه أبو داود
والحاكم بلفظ («لا طلاق إلا فيما يملك ولا عتق إلا
فيما يملك)). رواه ابن ماجه عن المسوربن مخرمة
بلفظ «لا طلاق قبل النكاح ولاعتاق قبل ملك».
قال ابن حجر: سنده حسن. وله طرق أخرى (تلخيص
الحبير ٢١٠/٣). ( فيض القدير ٤٣٢/٦)
(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ٤٩٠ ط عيسى الحلبي، والفتاوي
الكبرى لابن حجر ٨٢/٣، والقليوبي ٢١١/٢ و٢٨٢/٣،
والشرواني على التحفة ٣٩٧/٧، والفروع ١٩٥/٤،
وكشاف القناع ٢٥٦/٤
- ١٥٨ -

إبراء ٣٨
من العين المغصوبة فإنه يبرأ من ضمان ردها (أي
تصبح لديه وديعة ) لأن الإبراء تعلق بضمان الرد
وهو حينئذ واجب . أما إن استهلكها الغاصب، أو
منعها من المالك بعد طلبها، فلا أثر للإبراء، ويضمن
الغاصب قيمتها . فلم يتعلق الإبراء بالقيمة لعدم
وجوبها حال قيام العين. (١)
كما صرحوا بعدم صحة الإبراء عن الكفالة
بالدرك (فيما لو تكفل بأداء ما يموت فلان ولم يؤده)
لأن الكفالة عما يجب من مال بعد الموت، والمال لم
يجب للكفيل على الأصيل، فلا يصح إبراؤه قبل
الوجوب . ونحوه لو قال: أبرأتك عن ثمن ما تشتريه
مني غداً فلا يصح الإبراء أيضاً .
ومثّل له الشافعية بإبراء المفوضة عن مهرها قبل
الفرض (التقدير) والدخول، ومثله الإبراء عن المتعة
قبل الطلاق، لعدم الوجوب . واستثنوا صورة يصح
فيها الإبراء قبل الوجوب وهي ما لو حفر بئراً في ملك
غيره بلا إذن، وابرأه المالك من ذلك التصرف ، أو
رضي ببقائها، فإنه يبرأ حافرها مما يقع فيها .(٢)
أما المالكية فقد اختلفوا في الاكتفاء بوجود
السبب، وهو التصرف أو الواقعة التي ينشأ بها الحق
المبرأ منه، ولو لم يجب الحق بعد، وقد توسع في ذلك
الخطّاب في (الالتزامات ) فعقد فصلاً لإسقاط الحق
(١) حاشية ابن عابدين ٦٥٣/٢ ط بولاق. أما الإبراء بعد الفرض
فيصح مما مضى مطلقاً، وعما بعده مما وجب بدخول
أول وقته حسب طريقة فرض النفقة باليوم أو الشهر
أو السنة.
(٢) الفتاوى الهندية ٩٥/٣، الفتاوى الخانية ٦٣/٣ بهامش
الهندية، والأشباه والنظائر للسيوطي ٤٩٠
قبل وجوبه ، وتعرض للمسائل المشهورة، وكرر
الإشارة للخلاف، واستظهر الاكتفاء بالسبب. ومما
قال: (( إذا أبرأت الزوجة زوجها من الصداق في
نكاح التفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها ،
فقال ابن شاس وابن الحاجب : يتخرج ذلك على
الإبراء مما جرى سبب وجوبه قبل حصول الوجوب
(وذكر عبارات شتى في هذه المسألة من حيث النظر
إلى تقدم سبب الوجوب أو حصول الوجوب ) ثم
قال: فهو إسقاط للحق قبل وجوبه بعد سببه)).(١)
ثم أشار الحطاب إلى مسألة إسقاط المرأة عن
زوجها نفقة المستقبل فقال: في لزوم ذلك قولان:
هل يلزمها ، لأن سبب وجوها قد وجد، أولا يلزمها ،
لأنها لم تجب بعد ؟ قولان حكاهما ابن راشد
القفصي)) ثم قال آخر المسألة (( والذي تحصل من
هذا أن المرأة إذا أسقطت عن زوجها نفقة المستقبل
لزمها ذلك على القول الراجح)».(٢)
٣٨ - وقد صرح الحنفية والحنابلة بأن العبرة في
وجوب الحق المبرأ منه إنما هي للواقع، لا للاعتقاد،
فلو أبرأه وهو يعتقد أن لا شيء عليه، ثم تبين أنه
كان له عليه حق صح الإبراء، لمصادفته الحق
الواجب. ولم نعثر للمالكية على تصريح في هذه
المسألة ، وكذلك الشافعية سوى الاستئناس بما سبق
(١) تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب (ضمن فتاوى
عليش فتح العلي المالك ٣٢٢/١ ط البابي الحلبي)
والأمثلة لديه كثيرة في الصفحات ٣٠٦/١ - ٣٣٢ مع
الإشارة لبعض المسائل لم يصح فيها الإسقاط لملاحظ
خاصة لا لعدم وجوب الحق فيها .
(٢) الالتزامات للحطاب ٣٢٢/١
- ١٥٩ -

إبراء ٣٩ - ٤١
في شرط (سبق الملك ) من اكتفائهم بالواقع بناء على
أن الإبراء إسقاط، أو عدمه بناء على أنه تمليك.(١)
كما صرح الحنابلة بصحة الإبراء قبل حلول
الدين، وهو مستفاد من عبارات غيرهم، لجعلهم
متعلق الإبراء هو الحق الواجب لا وقت وجوبه،
ولاعتبارهم الحلول والتأجيل صفتين، والإبراء يتصل
بأصل وجوب الحق لا بصفاته، وقد صرّحوا بأن
الإبراء هو لسقوط المطالبة مطلقاً ، فالحق يعتبر واجباً
ولو تأخر حق المطالبة به. (٢)
موضوع الإبراء
٣٩ - الإبراء إما أن يكون موضوعه ديناً في الذمة،
أو عيناً (مالا معيناً) أو حقاً من الحقوق التي تقبل
الإسقاط ، على ما سبق بيانه.
الإبراء عن الدين :
٤٠ - أتفق الفقهاء على أن الديون الثابتة في الذمم
يجري فيها الإبراء، للأدلة السابقة في بيان حكمه
التكليفي، لأن الإبراء مداره اسقاط ما في الذمم.
الإبراء عن العين :
٤١ - الإبراء عن العين إما أن يكون عن دعوى
العين، أو عن العين نفسها ، وسيأتي الكلام عن
الإبراء عن الدعوى بصدد الحقوق.
أما الإبراء عن العين نفسها بمعنى الإسقاط فهو
غير صحيح اتفاقاً ، لأن الاعيان لا تقبل الإسقاط،
(١) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٨٤، والفروع وتصحيحه
١٩٤/٤، والأشباه للسيوطي ١٨٩
(٢) شرح منتهى الإرادات ٥٢١/٤ ط دار الفكر.
فلا توصف بالبراءة، فإذا أطلق هذا التعبير فالمراد
الصحيح منه الإبراء عن عهدتها أو دعواها والمطالبة
بها، كما صرح الحنفية والشافعية والحنابلة (أو هو
ثبوت البراءة بالنفي من الأصل، أو برد العين إلى
صاحبها في إبراء الاستيفاء الذي عني به الحنفية )
أما المالكية فقد صرحوا أن المراد سقوط الطلب بقيمة
العين إذا فوَّتها المبرأ وسقوط الطلب برفع اليد عنها إن
کانت قائمة.(١)
وللحنفية هنا تفصيل بين الإبراء عن العين
صراحة، وبين الإبراء عنها ضمناً، أو من خلال
الإبراء العام، فإذا كان الإبراء ضمنياً كما لوجاء في
عقد الصلح ، فعلى جواب ظاهر الرواية يصح الصلح
والإبراء، ولا تسمع الدعوى بعده، لأن هذا معنى
الإبراء عن دعوى العين لا عن العين نفسها . وعلى
جواب الهداية لا يصح، لأن الصلح على بعض
المدعى به اسقاط للباقي، فيكون بمعنى الإبراء عن
العين مباشرة .
وإن كان الإبراء عاماً فإنه يشمل الأعيان
وغيرها ، فالخلاف ليس في هذا . فما جاء في بعض
كتب الحنفية كالفتاوى البزازية من أن الإبراء متى
(١) حاشية ابن عابدين ٤٧٤/٤ و٥٦٦/٢، والفتاوى الخانية
٩٠/٣، والقليوبي ١٣/٣، وكشف المخدرات ٢٥٧ ط
السلفية، وشرح منتهى الإرادات ٥٢١/٢، والدسوقي
٤١١/٣، والحطاب ٢٣٢/٥ وفيه التعقب على القرافي
في الذخيرة لإطلاقه منع الإبراء عن الأعيان دون
التفصيل المذكور. وقد اعتبر الدسوقي ذلك الإطلاق
خلاف الصواب عند المالكية، وانظر إعلام الاعلام
بأحكام الإقرار العام لابن عابدين في مجموعة
رسائله ٩٧/٢، ٩٨
- ١٦٠ -