Indexed OCR Text
Pages 1-20
ذور وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية لمُسُوعَةَ الفِقْهِيَّة الجزء الأوّل أئمّة - اجْزَاء ٩-١ 113 بِسْـ (( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَفَّةٌ . فَلَوَلَا نَغَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ بَحْذَرُونَ )) . ( سورة التوبة آية ١٢٢ ) (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) ( أخرجه البخاري ومسلم ) المُؤْسُعَةُ الفِقْهِيَةُ إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت الطبعة الثانية ١٤٠٤ هـ ~ ١٩٨٣م طباعَة ذات السلاسل - الكويت حقوق الطبع محفوظة للوزارة ص.ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكَوَيت بِسْ لَهَالَمَالَيِ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَاَرَيْبَ فِهِ الدش هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (*) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَنَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ٣ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ . يُوقِنُونَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هَمْ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَى مِنْ رَّيِهِمْ وَأُوْلَكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ تحمدك اللهم على عميم آلائك، ونشكرك على جزيل نعمائك، ونصلي ونسلم على خاتم رسلك وأنبيائك سيدنا محمد الذي أتم الله به النعمة، وكشف به الغُمّة ، وأقام به الحجة ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدین. أما بعد : فإن علم الفقه الإسلامي له أهميته التي لا ينكرها منكر، فهو الذي يبين لنا أحكام أعمالنا من عبادات ومعاملات، ولا يستغني عنه مسلم حريص على دينه، وها نحن أولاء نشاهد بوادر الصحوة الإسلامية في أنحاء - ٥- متفرقة من العالم، فهناك أصوات تنادي بوجوب العودة إلى الله وتحكيم شريعته . ومن هنا رأت دولة الكويت ممثلة بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية أن يكون لها قدم صدق في الإسهام بدعم الثقافة الإسلامية من نواحي شتى، فأرسلت الدعاة إلى أنحاء العالم، وبذلت جهداً في طبع الكتب الإسلامية ونشرها ، كما رأت أن مشروع الموسوعة الفقهية هو الجدير بالعناية ، لأنه يوفر على الراغبين في معرفة أحكام دينهم الوقت والجهدَ، ويجمع شتات الذخائر الإسلامية بهذا العلم الذي لا يستغني عنه مسلم . ولم تبخل دولة الكويت لنجاح هذا المشروع بجهد أو مال إيماناً منها أن هذا عمل تفرضه الشريعة الإسلامية وتحتمه ظروف هذه الصحوة الإيمانية . وقد مرت أطوار على هذا المشروع تحدثت عنها المقدمة بصدد التعريف بالموسوعة ، والآن تتقدم وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت بباكورة هذا المشروع الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمه على خيروجه، فإنه وحده المسئول أن يعين على إتمام صالح الأعمال . ومن المعلوم أن المرحلة الأولى في كل عمل تتطلب جهداً مضاعفاً وزمناً أطول، حتى يقوم البناء على أساس متين. ومشروع الموسوعة يتطلب إعداداً غير عادي على خطوات متتابعة لا يمكن حذف واحدة منها ، هي : استخراج المصطلحات الفقهية من مظانِّها في كتب الفقه المتعددة وفي - ٦ - ٩. المذاهب المختلفة - فرز هذه المصطلحات واطراح ما لا يمت إلى المصطلحات الفقهية بصلة - تصنيف هذه المصطلحات إلى أصليّة ومصطلحات إحالة ومصطلحات دلالة - التخطيط لكل مصطلح - طرحه للاستكتاب إما داخلياً أو خارجياً - إرساله إلى المراجعين من فقهاء العالم الإسلامي الذين لهم قدم ثابتة في الفقه - مراجعة هذه المصطلحات المكتوبة مراجعة علمية - مراجعتها مراجعة أخيرة لاعتمادها - إخراجها فنياً وموسوعياً قبل تقديمها للطبع والنشر. فإذا كان قد تأخر صدور هذا المجلد بعض الوقت ، فإن هذا راجع إلى التثبت من مادته، وإخراجه على الصورة المنشودة في المضمون والشكل . على أن هناك مصطلحات قد تم إعدادها ولكن لم يأت موعد نشرها ، لالتزامنا بالترتيب الألفبائي على الطريقة الموسوعية. وهناك مصطلحات معدّة ولكنها في حاجة إلى المراجعة العلمية وإجراء المراحل المختلفة المتتالية قبل الطبع . وقد سبق أن صدرت بعض بحوث في طبعة تمهيدية لتلقي الملاحظات من جميع العالم الإسلامي على هذه البحوث وبلغت اثني عشر بحثاً لم يلتزم فيها بالمنهج النهائي الذي استقرت عليه الخطة للموسوعة المرتبة . هذا وإن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية لترحب بكل نقد بناء يرد إليها، وتعد أن يكون هذا النقد محلّ دراسة وتمحيص ، لأن الكمال لله وحده، وما زال العلماء ( قديماً - ٧- وحديثاً) يراجع بعضهم بعضاً، ويستدرك بعضهم على بعض، من غير أن يكون هناك حرج في الصدور، فإن الحق أحق أن يُتَّبع. كما ترجو الوزارة من المختَصِّين في الفقه الإسلامي أن يتعاونوا معها إما بكتابة الأبحاث أو مراجعتها. والوزارة -في كل الأحوال- تقدر لكل مجتهد جهده، ولا يخفى ما يؤدي إليه هذا التعاون المنشود ، من سرعة الإنجاز وزيادة الإتقان . وإن دولة الكويت ، أميراً وحكومة وشعباً ، لترجومن الله تعالى أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه، وأن يتمه على أحسن الوجوه وأكملها، وهي تعتبر أن إسهامها في هذا المضمار على الصورة التي خرجت وتخرج عليها هو فرض كفائي قامت به امتثالا لأمر الله وتعاوناً على البر والتقوى . والله المسئول أن يهدينا جميعاً سواء السبيل، وأن يسدد على طريق الخير خطانا ، إنه سميع مجيب . شعبان ١٤٠٠ هـ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية دولة الكويت تموز (يوليو) ١٩٨٠م - ٨ - بسمالله الرحمن الرحيم مقدمة الفقه الإسلامي والتعريف بالموسوعة الفقهية الحمد لله الذي شرع لنا من الدين ما تستقيم عليه حياتنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحكيم العليم بمصالح عباده، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي ختم الله به الرسالات، وأتم به النعمة، وأكمل به الدين، ونصلي ونسلم على هذا الرسول الأمين الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى بيّن ما أنزل الله من كتاب، وما أجمل من خطاب، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدین. أما بعد : فإن من نافلة القول أن نقرر أن علم الفقه كان أوفر العلوم الإِسلامية حظاً. ذلك لأنه القانون الذي يزن به المسلم عمله أحلال أم حرام؟ أصحيح أم فاسد؟ والمسلمون - كمسلمين في جميع العصور - حريصون على معرفة الحلال والحرام، والصحيح والفاسد من تصرفاتهم، سواء ما يتصل بعلاقتهم بالله أو بعباده، قريباً كان أو بعيداً، عدواً كان أو صديقاً، حاكماً كان أو محكوماً، مسلماً كان أو غير مسلم. ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا مِن علم الفقه الذي يبحث فيه عن حكم الله - سبحانه وتعالى - على أفعال العباد طلباً أو تخييراً أو وضعاً، وسواء كان الطلب طلب فعل أو طلب كف عن الفعل، وسواء كان الحكم الوضعي كون - ٩ - الشيء صحيحاً أو فاسداً أو شرطاً أو سبباً، إلى غير ذلك مما سنبينه في موضعه إن شاءالله . ولما كان الفقه - كغيره من العلوم أو كغيره من الأحياء- ینمو باستعماله، ويضمر بإهماله، مرّت به أطوار نما فيها وترعرع وتناول كل مناحي الحياة، ثم عَدَتْ عليه عوادي الزمن فوقف نموّه أو كاد، لأنه أُبعِد - إما عن عمد أو إهمال - عن كثير من مشاكل الحياة، لاستبدال أكثر دول الإسلام قوانين أخرى لا تمتُّ إلى عاداتهم وبيئتهم ومعتقداتهم بصلة، أعجبوا ببريقها، وصرفوا النظر عن مضمونها، فاتخذوا منها قوانين تنظم حياتهم، وتفض مشاكلهم، فأفسدت عليهم الحياة، وتعقدت بهم المشاكل. وكان من أول ما صرف النظر عنه في بعض هذه الدول الإسلامية ما يتعلق بالحدود والقصاص والتعاز ير، ثم تبع ذلك ماشرعوه - من عند أنفسهم - من قوانين مدنيّة تنظم علاقة الأفراد بعضهم ببعض في البيع والشراء والأخذ والعطاء، فأباحوا ما حرّم الله من ربا وبيوع فاسدة ومعاملات باطلة، فعقّدوا على الناس حياتهم كما عقّدوا سبل التقاضي، حتى إن كثرة من الناس يترك حقه الشرعيّ لكثرة ما يعانيه من تعقيدات. وانحصر جهد الفقهاء من أواخر القرن الثالث عشر الهجري إلى اليوم في بيان أحكام الأسرة، وهو القسم الذي أطلقوا عليه - أخيرا - اسم ((الأحوال الشخصية)»، بل إن بعض هذه الدول امتدت يدها إلى هذا القدر الضئيل من الفقه الإسلامي فشوهته باسم الإصلاح والتجديد . وبالرغم من توالي الضربات على هذا العلم، فإنه ـ لقوّة أساسه وإحكام بنيانه - لا يزال صامداً يتحدّى الزمن، وقد أذن الله - سبحانه وتعالى- لهذه الأمة الإسلامية أن تصحو بعد غفوتها، فسمعنا أصواتاً مدوّ ية من هنا ومن هناك تنادي بوجوب العودة إلى شريعة الله تعالى في كل شيء. فاستجاب لهذه الأصوات بعض الدول، فأعلنوا عن رغبتهم في العودة إلى حظيرة الإسلام تشريعاً وتطبيقا. وكان من هؤلاء دولة الكويت. فقد صدر في غرة ربيع الأول ١٣٩٧ هـ - ١٠ - الموافق ١٩ من فبراير ١٩٧٧ م قرار مجلس الوزراء بأن يعاد النظر في قوانين البلاد كلها على ضوء الشريعة الإسلامية، فتشكلت لجان لهذا الغرض، فلعل الله سبحانه أن يوفق الجميع للعمل بشريعته، وتيسير تطبيقها عمليًّا في جميع مناحي الحياة، حتى تتخلص الأمة من الاستعمار الفكري والتشريعي كما تخلصت من الاستعمار العسكري. وتيسيراً على المشتغلين بالتشريع نضع بين أيديهم مقدمةً لعلم الفقه لا يستغني عنها دارس أو مدرس، أو فقيه أو متفقه. ولن نسترسل في هذه المقدمة إلا بالقدر الذي تدعو إليه الحاجة، تاركين تفصيل كل شيء إلى موطنه من هذه الموسوعة، أو إلى الملاحق التي ستلحق بها، حتى لا يتشعب الأمر على القارئ. والله المسئول أن يهدينا إلى سواء السبيل. *** الفقه الإسلامي تعريف الفقه لغة : ١- الفقه لغة: الفهم مطلقاً، سواء ما ظهر أو خفي. وهذا ظاهر عبارة القاموس والمصباح المنير. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى - حكاية عن قوم شعيب -: ((قَالُوا يا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ)) (١) وقوله تعالى: (( وَإِن مِّنْ شَيءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَّكِن لا تَفْقَّهُونَ تَسْبِيحَهُمْ))(٢) فالآيتان تدلان على نفي الفهم مطلقاً . وذهب بعض العلماء إلى أن الفقه لغة هوفهم الشيء الدقيق، يقال : فقهت كلامك، أي ما يرمي إليه من أغراض وأسرار، ولا يقال فقهت السماء والأرض. والمتتبّع لآيات القرآن الكريم يدرك أن لفظ الفقه لا يأتي إلا للدلالة على إدراك (١) سورة هود /٩١ (٢) سورة الإسراء /٤٤ - ١١ - الشيء الدقيق، كما في قوله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأْكُم من نَّفْسٍ وَاحِدَة فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَيُ قَد فَصَّلْنَا ألآيَاتٍ لِقَومٍ يَفْقَهُونَ)) (١) وأما الآيتان السابقتان فليس المنفيّ فيها مطلق الفهم، وإنما المنفي في قول قوم شعيب - عليه السلام - إدراك أسرار دعوته ، وإلا فهم فاهمون لظاهر قوله ، والمنفيُّ في آية الإسراء إدراك أسرار تسبيح كل شيء لله تعالى، وإلا فإن أبسط العقول تدرك أن كل شيء يسبح بحمد الله طوعاً أو كرهاً لأنها مسخّرةٌ له. وأياً ما كان فالذي يعنينا إنما هو معنى الفقه في اصطلاح الأصوليين والفقهاء، لأن هذا هو الذي يتصل ببحثنا . تعريف الفقه عند الأصوليين : ٢ - الفقه في اصطلاح الأصوليين أخذ أطواراً ثلاثة : الطور الأول : أن الفقه مرادف للفظ الشرع، فهو معرفة كل ماجاء عن الله سبحانه وتعالى، سواء ما يتصل بالعقيدة أو الأخلاق أو أفعال الجوارح. ومن ذلك ما عرّفه الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -: (( هو معرفة النفس مالها وما عليها)). ولهذا سمىَّ كتابه في العقائد: ((الفقه الأكبر)). الطور الثاني : وقد دخله بعض التخصيص، فاستبعد علم العقائد، وجعل علماً مستقلا سمِّ بعلم التوحيدِ أو علم الكلام أو علم العقائد. وعرفَ الفقه في هذا الطور بأنه العلم بالأحكام الفرعية الشرعية المستمدّة من الأدلة التفصيلية. والمراد بالفرعية ما سوى الأصلية التي هي العقائد، لأنها هي أصل الشريعة، والتي ينبني عليها كل شيء. وهذا التعريف يتناول الأحكام الشرعية العملية التي تتصل بأفعال الجوارح كما يتناول الأحكام الشرعية الفرعية القلبية كحرمة الرياء والكبر والحسد والعجب، وكحلّ التواضع وحب الخير للغير، إلى غير ذلك من الأحكام التي تتصل بالأخلاق. الطور الثالث : - وهو الذي استقرّ عليه رأي العلماء إلى يومنا هذا - أن (١) سورة الأنعام / ٩٨ - ١٢ - الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية العملية المستمدة من الأدلة التفصيلية. وعلى هذا فالأحكام الشرعية الفرعية المتصلة بأعمال القلب أُفْرِدَ لها علم خاص عُرِف باسم علم التصوف أو الأخلاق. ٣ - يتضح من التعريف الأخير أمور لابد من التنبيه عليها وهي: أ - أن العلم بالذوات أو الصفات ليس فقهاً، لأنه ليس علماً بالأحكام. ب - والعلم بالأحكام العقلية والحسية واللغوية والوضعية (أي التي تواضع أهل كل علم أو فن عليها ) ليس فقهاً أيضا، لأنها ليست علماً بالأحكام الشرعية . ج - والعلم بالأحكام الشرعية الاعتقادية التي هي أصول الدين أو الأحكام الشرعية القلبية التي ترجع إلى أعمال القلوب كحرمة الحقد والحسد والرياء والكبر ووجوب محبة الخير للغير ليست من الفقه في اصطلاح هؤلاء، وكذا العلم بالأحكام الشرعية التي يشتمل عليها علم أصول الفقه كوجوب العمل بخبر الآحاد، أو وجوب التقيد بالقياس، إلى غير ذلك. وإنما لم تكن هذه من الفقه لأنها ليست أحكاماً عملية، بل هي أحكام علمية قلبية أو أصولية. د - وعلم جبريل عليه السلام، وعلمه صلى الله عليه وسلم، بما طريقُه الوحي، ليس فقهاً، لأنه غير مستفاد بطريق الاستنباط والاستدلال، بل بطريقِ الكشف والوحي. أما علمه صلى الله عليه وسلم بما طريقُه الاجتهاد فلا يستبعد أن يسمى اجتهاداً. هـ - وكذلك العلم بكل ما علم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج على المستطيع وكحرمة الربا والزنى وشرب الخمر والميسر، ليس فقهاً ، لأنه غير حاصل بالاستنباط بل بالضرورة، بدليل حصوله للعوام والنساء والصبيان المميزين وكل من نشأ في دار الإسلام. ولا يستبعد أن تكون هذه الأحكام من قبيل علم العقائد ، لأن من أنكر شيئاً من ذلك حكم عليه بالكفر. - ١٣ - و- وليس من الفقه كذلك معرفة العلماء للأحكام الشرعية الفرعية العمليّة بطريق التقليد، كمعرفة الحنفيّ فرضيّة مسح ربع الرأس، ووجوب صلاة الوتر والعيدين، وكنقض الوضوء بسیلان الدم والقیح عن محلهما، إلى غيرذلك من الأحكام، وكمعرفة الشافعي جواز الاكتفاء بمسح بعض الرأس في الوضوء، وكمعرفته أن الوضوء ينقض بمس المرأة التي تحلّ له مطلقاً، وكعلمه بوجوب الولي والشاهدين في عقد النكاح ، إلى غير ذلك مما هو مبسوط في كتب الفروع. فكل هذه الأحكام حاصلة عند المتفقهين، لا بطريق الاستنباط، وإنما بطريق التقليد. ز - ومن هذا التعريف نعلم أن وصف الفقيه لا يطلق عند الأصوليين على المقلّد مهما كان عنده من علم الفقه وإحاطته بفروعه، بل الفقيه عندهم من كانت له ملكة الاستنباط، ويستطيع أن يستنبط الأحكام من أدلتها التفصيلية. وليس من الضروري أن يكون محيطاً بجميع أحكام الفروع، بل يكفي أن يكون عنده مَلَكَةُ الاستنباط، وإلا فإن أكثر الأئمة المعروفين توقفوا في بعض المسائل، إما لتعارض الأدلة عندهم تعارضاً يصعب معه ترجيح دليل على دليل، أو لم تصل إليهم أدلة على هذه المسائل التي توقفوا فيها . تعر یف الفقه عند الفقهاء : ٤ - يطلق الفقه عندهم على أحد معنيين : أولهما : حفظ طائفة من الأحكام الشرعية العملية الواردة في الكتاب أو السنة، أو وقع الإجماع عليها، أو استنبطت بطريق القياس المعتبر شرعاً، أو بأي دليل آخر يرجع إلى هذه الأدلة، سواء أحفظت هذه الأحكام بأدلتها أم بدونها . فالفقیه عندهم لا يجب أن يكون مجتهداً كما هورأي الأصوليين. وتكلّموا في المقدار الأدنى الذي يجب أن يحفظه الشخص حتى يطلق عليه لقب فقيه. وانتهوا إلى أن هذا متروك للعرف. ونستطيع أن نقرر أن مُرفنا - الآن - لا يطلق لقب ((فقيه)» إلا على من يعرف موطن الحكم من أبواب الفقه المتناثرة بحيث يسهل عليه الرجوع إليه . - ١٤ - وقد شاع بين عوامٌ بعض البلاد الإسلامية إطلاق لفظ فقيه على من حفظ القرآن وإن لم يعرف له معنى. واتفق الفقهاء على أن ((فقيه النفس)) لا يطلق إلا على من كان واسع الاطلاع قويّ النفس والإدراك، ذا ذوق فقهي سليم وإن كان مقلداً . وثانيهما : أن الفقه يطلق على مجموعة الأحكام والمسائل الشرعية العملية. وهذا الإطلاق من قبيل إطلاق المصدر وإرادة الحاصل به، كقوله تعالى : ((هُذَا خَلْقُ الله))(١) أي مخلوقه. الألفاظ ذات الصلة بلفظ فقه : لفظ «الدين»: ٥ - يطلق لفظ الدين لغة على معان شتَّى، فهو من قبيل الألفاظ المشتركة. والذي يهمنا في هذا المقام هوبعض هذه المعاني التي تتصل بموضوعنا، وهي الجزاء، كما في قوله تعالى ((مَالِكِ يَوْم الدين)).(٢) ومن ذلك قوله - جل شأنه- : ((قَالَ قَائِلٌ مِّئْهمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُول أَءِنَّكَ لمِنَ الْمُصَدُّقِينَ أَوِذَا مِثْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظاماً أَءِنَّا لَمَدِيئُونَ))(٣) أي لجزيّون. ومنها الطريقة، ومن ذلك قوله تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وليَّ دِينِ)» (٤) ومنها الحاكمية كقوله تعالى: (( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِئْتَةٌ وَ يَكُونَ الّينُ كُلُّه لله))(٥) أي حاكميته وانفراده بالتشريع. ومنها القواعد والتقنين ومن ذلك قوله تعالى: ((قَاتِلُوا الَّذِينَ (١) سورة لقمان /١١ (٢) سورة الفاتحة/٤ (٣) سورة الصافات /٥١-٥٢ (٤) سورة الكافرون/٦ (٥) سورة الأنفال /٣٩ - ١٥ - لا يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ بالْيَومِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَاحَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونْ دِینَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون))(١) وقوله تعالى: ((شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّين مّا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ))(٢) فهاتان الآيتان تدلان على أن الدين هو القانون الذي ارتضاه الله لعباده. أما الدين اصطلاحاً فإنه - عند الإطلاق - يراد به ما شرعه الله لعباده من أحكام، سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو الأخلاق أو الأحكام العملية. وهذا المعنى يتفق مع مدلول لفظ الفقه في أول الأمر كما تقدم، فيكونان - بهذا الاعتبار- لفظين مترادفين. لفظ « الشرع»: ٦ - أما لفظ شَرع فهو مصدر شَرَعَ للناس كذا أي سنّ لهم كذا، ثم استعمل هذا اللفظ في المشروع، فيقال: هذا شرع الله أي ما شرعه الله وسنّه لعباده. ومنه قوله تعالى: ((شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدّينِ مَّا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ))(٢) والشرع في اصطلاح علماء الإسلام: هو ما سنه الله لعباده من أحكام عقائدية أو عملية أو خلقية. وبهذا يتبين لنا أن لفظ شرع مرادف للفظي الدين والفقه بالاعتبار السابق، وإن كان لفظ شرع ودين يعتبران لفظين عامين بالنسبة للمعنى الذي استقر عليه رأي المتأخرين من الأصوليين والفقهاء. لفظ «الشريعة ، والشرعة )): ٧ - الشريعة في اللغة: العَقَبّة ومورد الشاربة، ومثلها شِرْعة. وعند علماء الإسلام تطلق على ما يطلق عليه اسم الشرع. ومن ذلك قوله تعالى: («ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلَى شَرِيعةٍ مِنَ الأُمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِين لاً (١) سورة التوبة /٢٩ (٢) سورة الشورى / ١٣ - ١٦ - يَعْلَمُونَ) (١) ومن ذلك قوله تعالى: ((لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجاً». (٢) هذا، وفي العصر الحديث شاع إطلاق لفظ الشريعة على ما شرعه الله من أحكام عملية، فهي بهذا الإطلاق تكون مرادفة للفظ فقه بالاعتبار الذي عليه المتأخرون . ولعل لهذا العرف المستحدث سنداً من قوله تعالى: ((لكلّ جَعَلْنًا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً)) (٢) فإن من المعلوم أن ما تختلف فيه الشرائع السماوية إنما هو في الأمور العملية الفرعية، وإلا فالأحكام الأصلية واحدة في كل الشرائع السماوية . وبهذا العرف المستحدث أطلقوا على الكليات التي تعنى بدراسة الفروع اسم كليات الشريعة . لفظ (( التشريع)): ٨ -التشريع لغة مصدر شَرَّعَ، أي وضع قانوناً وقواعد . وفي الاصطلاح هوخطاب الله تعالى المتعلق بالعباد طلباً أو تخييراً أو وضعاً . ومن هنا ينبغي أن يعلم أنه لا حقّ في التشريع إلا لله وحده، كقوله تعالى: ((إِنِ الحِكْمُ إِلَّ لله يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ)) (٣) فليس لأحد - كائنا من كان- أن يُشَرِّع حكماً، سواء ما يتصل بحقوق الله أو حقوق العباد، لأن هذا افتراء على الله، وسلب لما اختص به نفسه: (( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنْتُكُمُ الْكَذِبَ هُذَا حَلَالٌ وَهذا حَرَامٍ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبِ إِنَّ الّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَّى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون. مَتَاعٍ قَلِيل وَلَّهِمْ عَذَاب أَلِيم)) (٤) (١) سورة الجاثية /١٨ (٢) سورة المائدة /٤٨ (٣) سورة الأنعام / ٥٧ (٤) سورة النحل / ١١٦، ١١٧ - ١٧ - ورسول الله صلى الله عليه وسلم - مع علو مكانته - ليس له حق التشريع وإنما له حق البيان، وعليه واجب التبليغ: ((ياأيها الرَّسُولُ بَلَّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإِن لَّمْ تَفْعَلْ فمَا بَلغْتَ رِسَالَتْهُ))(١) ويقول تعالى: ((وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُؤُمِنُونَ)) (٢) وكقوله تعالى: (( وأَنْزَلْنَا إِليكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفكّرُونَ))(٣) وهذا ما أجمع عليه المسلمون قاطبة، بل أجمعت عليه الشرائع السماوية كلها، ولم يشذ عن ذلك إلا الذين رفضوا الانصياع إلى شرائع الله جملة وتفصيلا. وسنبيِّن - إن شاء الله - ذلك بالتفصيل في الملحق الأصولي، مبينين المذاهب والأدلة التي لا تدع مجالاً للشك في أن الحكم لله وحده . لفظ « الاجتهاد »: ٩ - الاجتهاد لغة مأخوذ من الجهد، وهو المشقة أو الوسع أو الطاقة . قال في القاموس: الجهد: الطاقة والمشقة ... إلى أن قال: والتجاهد بذل الجهد کالاجتهاد . وسواء كان ذلك في معرفة حكم شرعي اعتقادي أو عملي، أو معرفة حكم لغوي أو مسألة عقلية، أو كان في أمر محسوس كحمل شيء، ولا يقال : اجتهد في حمل وردة. وأما الاجتهاد عند علماء الفقه أو الأصول فقد عرّفوه بتعاريف متقاربة في ألفاظها ومعانيها. وإذا كان قد أُورد على بعض هذه التعار يف اعتراضات ترجع إلى الصناعة اللفظية، فكلها تدور حول بذل الجهد والطاقة لمعرفة الحكم الشرعي (١) سورة المائدة /٦٧ (٢) سورة النحل /٦٤ (٣) سورة النحل /٤٤ - ١٨ - من دليله. وأدق ما قيل في تعريفه ما ذهب إليه صاحب مسلّم الثبوت:(١) ((إن الاجتهاد هو بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني». ومن هنا يتبين لنا أن الاجتهاد لا يكون إلا في المسائل الظنية. وهو بهذا المعنى يتفق مع الفقه في أكثر مسائله ، وإن كان الفقه يتناول بالمعنى الذي ذهب إليه الفقهاء الأحكام القطعية التي تتناول الأفعال، كقولهم : الصلاة واجبة ، إلى غير ذلك. وبيان مسائل الاجتهاد بالتفصيل ستكون إن شاء الله في الملحق الأصولي لهذه الموسوعة . ١٠ - يثور بمناسبة الحديث عن الأحكام الظنية الاجتهادية التي هي مثار اختلاف الفقهاء قديماً وحديثاً تساؤل حاصله: أما كان الأجدر أن تأتي النصوص والأدلة قطعية حتى لا يفتح باب الاختلاف الذي هو مثار الخلاف والشقاق بين أهل الملة الواحدة حتى استباح بعضهم دم بعض ؟ !! فنقول، وبالله التوفيق : إن الأحكام التي هي أساس الدين سواء ما يتصل منها بالعقيدة أو الأمور العملية قد وردت في آيات محكمة لا تحتمل التأويل، ولا تثير الاختلاف، لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون هذه الأمور ثابتة على مر العصور كأكثر أحكام المواريث، وأصول أحكام الأحوال الشخصية، وآيات الحدود والقصاص . أما المسائل القابلة للتطور فقد جاء القرآن الكريم في شأنها موضحاً الخطوط الرئيسة ، وكانت محلا لاختلاف الأنظار. واختلاف النظر - إذا لم يكن مبنياً على الهوى والتشهّي - فهورحمة للأمة، فقديماً اختلف الصحابة في كثير من المسائل، ولم يكن هذا الاختلاف سبباً للمنازعة، وكان يصلي بعضهم خلف بعض من غير نكير، لأن كلا منهم كان يرى أن ما ذهب إليه هو الصواب مع (١) هو محب الله بن عبد الشكور البهاري، من علماء الهند المتوفى سنة ١١١٩ هـ وسنة ١٧٠٧ م. ويعتبر هذا الكتاب خاتمة ما كتب قديما في علم أصول الفقه. وقد جمع بين الطريقتين المشهورتين في تدوين هذا العلم، وهما طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية ٣٦٢/٢ - ١٩ - احتمال الخطأ، وما ذهب إليه غيره خطأ مع احتمال الصواب. فلما نجمت الفتنة تحكمت الأهواء ، فكان الاختلاف في الرأي سبباً للشقاق. والمتتبع لسنّة الله في خلقه سواء ما يتصل بالتشريع أو الإبداع يجد أنه ما من خير إلا ويشوبه بعض الشر، والذي يقارن بين الخير في وجود الظنيّ من النصوص الذي هو مثار اختلاف الأنظار، وما قد يشوبه من شر، يدرك أن الخير كل الخير فيما وقع، فإن جمود الأفكار - لوجاءت النصوص كلها قطعية ـ- يكون بلاء دونه کل بلاء . والتاريخ يشهد بصدق هذا ، فإن الآراء المبنية على الهوى، والتي نجم عنها ما نجم من فتن، قد اندثرت آثارها ، ولم يبق لها إلا آثار في بطون الكتب، نقلها الناقلون لتشهد لهذه الأمة على سعة صدرها، وحرية الرأي فيها ، ولكنها ذهبت كغثاء السيل، وانطفأت كوميض البرق: ((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الْأَرْضِ.))(١) على أنه لوجاءت النصوص الشرعية كلها قطعية لقال قائلهم: هلا كان لنا مجال للاجتهاد حتى لا تجمد عقولنا، ونصبح أمام نصوص جامدة ؟ !! الفرق بين الفقه الإسلامي والفقه الوضعي : ١١ - يقول بعض المتعصبين للفقه الوضعي: إن الفقه الإسلامي ما هو إلا آراء لبعض العلماء ولا يعتبر الخروج عليه خروجاً على الشريعة، كما يقولون: إن الفقه الإسلامي لم يعالج مشاكل العصر وماجدّ من أحداث. بل يتجرّأ البعض ويقول: إنه أصبح تاريخاً، كتشريع الآشوريين وقدماء المصريين وغيرهم من الأمم البائدة . ونقول ـ وبالله التوفيق -: إن الفقه الإسلامي وإن كان مجموعة آراء لبعض العلماء، إلا أن هذه الآراء لابد أن تكون معتمدة على نص شرعي من (١) سورة الرعد / ١٧ - ٢٠ -