Indexed OCR Text

Pages 581-600

- ٥٨١ -
(٣٧٠٦)
الجماعة . الا الترمذى فان له منه الى الامر بالرَّجعة
٣٧٠٦ ولمسلم والنسائى نحوه ، وفى آخره قال ابن عمر: وقرأ النئُّ صلى
اللّه عليه وآله وسلم (يا أيها النبيُّإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءِ فَطَلَقُوهُنَّ فى قبلِ عِدَِّهِنَّ)
كان السبب محرما منهيا عنه كانت مباشرته معصية : فكيف تكون المعصية سببا لترتب
النعمة التي قصد المكلف حصولها ؟ قالوا : وقد علل من أوقع الطلاق وأوجب
الرجعة ايجاب الرجعة بهذه العلة بعينها . وقالوا أوجبنا عليه الرجعة معاملة له بنقيض
قصده ، فانه ارتكب أمرا محرما يقصد به الخلاص من الزوجة فعومل بنقيض
قصده فأمر برجعتها . قالوا: فما جعلتموه أنتم علة لا يجاب الرجعة فهو بعينه علمة
لعدم وقوع الطلاق الذى قصده المكلف بارتكابه ما حرم الله عليه . ولاريب
ان دفع وقوع الطلاق أسهل من دفعه بالرجعة . فاذا اقتضت هذه العلة دفع أثر
الطلاق بالرجعة فلأن تقتضى دفع وقوعه أولى وأحرى . قالوا : وأيضافته تعالي
من الطلاق المباح حكمان: أحدهما اباحته والاذن فيه . والثانى جعله سببا للتخلص
من الزوجة، فاذا لم يكن الطلاق مأذونا فيه انتفى الحكم الأول ، وهو الاباحة
فما الموجب لبقاء الحكم الثاني وقد ارتفع سببه ؟. ومعلوم أن بقاء الحكم بدون سببه
متنع ، ولا تصح دعوني ان الطلاق المحرم سببلما تقدم . قالوا: وأيضا فليس فى
لفظ الشارع : يصح كذا ولا تصح، وانما يستفاد ذلك من اطلاقه ومنعه فما أطلقه
وأباحه فباشره المكلف حكم بصحته ، بمعنى أنه وافق أمر الشارع فصح . وهالم
يأذن فيه ولم يطلقه فباشره المكلف حكم بعدم صحته، بمعنى أنه خالف أمر الشارع
وحكم. وليس معنا ما يستدل به على الصحة والفساد إلا موافقة الأمر والاذن
وعدم موافقتهما . فاذا حكمتم بالصحة مع مخالفة أمر الشارع وإباحته لم يبق طريق
إلي معرفة الصحيح من الفاسد ، إذ لم يأت من الشارع اخبار بأن هذا صحيح
وهذا فاسد غير الاباحة والتحريم . فاذا جوزتم ثبوت الصحة مع التحريم فبأى
شىء تستدلون بعد ذلك على فساد العقدو بطلانه؟ قالوا: وأيضافان النبى عَّ اللّه قال
(( كل عمل ليس عليه أمرنا فهورد)) وفى لفظ (( من عمل عملا ليس عليه أمرنا
فهورد)» والرد فعل بمعني المفعول ، أى فهو مردود، وعبر بالمفعول عن المصدر
مبالغة حتى كأنه نفس الرد . وهذا تصريح بابطال كل عمل على خلاف أمره
ورده . وعدم اعتباره فى حكمه المقبول . ومعلوم أن المردود هو الباطل بعينه ،

-- ٥٨٢ -
(٣٧٠٧)
٣٧٠٧ وفى رواية متفق عليها: وكان عبدُ اللّه ◌َطَلَقَ تْطليقَةً، فَحُسبَتْ
من طلاقها
بل كونه ردا أبلغ من كونه باطلا ، اذ الباطل قد يقال لما لا نفع فيه أولما منفعته
قليلة جدا . وقديقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه . وأما المردود فهوالذى لم يجد شيئا
ولم يترتب عليه مقصوده أصلا . قالوا : فالمطلق فى الحيض قد طلق طلاقا ليس
عليه أمر الشارع، فيكون مردودا ، فلوصح ولزم لكان مقبولا منه . وهو خلاف
النص . قالوا : وأيضا فالشارع أباح للمكلف من الطلاق قدرا معلوما فى زمن
مخصوص ، ولم يملكه أن يتعدى القدر الذى حدله ولا الزمن الذيعینله . فاذا تعدى
ماحد له من العدد كان لغوا باطلا ، فكذلك اذا تعدى ماحدله من الزمان يكون
لغوا باطلا . فكيف يكون عدوانه فى الوقت صحيحا معتبرا لازما وعدوانه فى العدد
لغوا باطلا؟ قالوا: وهذا كما أن الشارع حدله عددا من النساء معينا في وقت
معين . فلو تعدى ما حدله من العدد كان لغوا وباطلا . وكذلك تعدى ماحد له
من الوقت بأن ينكحها قبل انقضاء العدة مثلا ، أوفى وقت الاحرام ، فانه يكون
لغوا وباطلا . فقد شمل البطلان نوعى التعدى عدداووقتا. قالوا : وأيضا فالصحة
اما أن تفسر بموافقة أمر الشارع، واما أن تفسر بترتب أثر الفعل عليه. فان فسرت
بالأول لم يكن تصحيح هذا الطلاق ممكنا . وان فسرت بالثانى وجب أيضا ان
لا يكون العقد المحرم صحيحا ، لان ترتب الثمرة على العقد انما هو بجعل الشارع
العقد كذلك . ومعلوم أنه لم يعتبر العقد المحرم ولم يجعله مثمرا لمقصوده ، كما مر
تقريره . قالوا : وأيضاً فوصف العقد المحرم بالصحة مع كونه منشئا للمفسدة
ومشتملا على الوصف المقتضى لتحريمه وفساده جمع بين النقضين ، فان الصحة انما
تنشأ للمصلحة . والعقد المحرم لامصلحة فيه ، بل هو منشأ لمفسدة خالصة أوراجحة،
فكيف تنشأ الصحة من شيء هو منشأ المفسدة؟ قالوا : وأيضا فوصف العقد
المحرم بالصحة اما أن يعلم بنص من الشارع ، أومن قياسه ، أومن وارد عرفه في
مجال حكمه بالصحة ، أومن اجماع الأمة . ولا يمكن اثبات شىء من ذلك فى محل
النزاع . بل نصوص الشرع تقتضى ردهو بطلانه كما تقدم ، وكذلك قياس الشريعة
كما ذكرناه. وكذلك استقراء موارد عرف الشارع فى محال الحكم بالصحة انما
يقتضى البطلان فى العقد المحرم لا الصحة . وكذلك الاجماع. فان الأمة لم تجمع
١

- ٥٨٣-
(٣٧٨٠)
٣٧٠٨ وفى رواية: وكان ابنُ عمر إذا ◌ُسُئلَ عن ذلك، قال لأحدهم: أمّا
أن طلقتَ امرأتك مرة أومرتين فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أمرنى بهذا، وان كنتَ طلقتَ ثلاثاً فقد حَرُمَتْ عليك، حتى تنكح زوجاً
قط ولله الحمد على صحة شيء حرمه الله ورسوله، لافى هذه المسئلة ولا فى غيرها.
فالحكم بالصحة فيها إلى أي دليل يستند؟ قالوا: فأما قول التي عيّ اله ((مره فليراجعها))
فهو حجة لنا على عدم الوقوع ، لأنه لماطلقها والرجل من عادته اذا طلق امرأته
أن يخرجها عنه، أمره أن يراجعها ويمسكها ، فان هذا الطلاق الذى أوقعه ليس
بمعتبر شرعا ولا تخرج المرأة عن الزوج بسببه. فهو كقوله في الله لبشير بن سعد
فى قصة نحله ابنه النعمان غلاما ((رده)) ولا يدل أمره اياه برده على أن الولد قد
ملك الغلام، وانما يكون بعد الملك ، فكذلك أمره برد المرأة، ورجعتها على
أنه لا يكون الابعد نفوذ الطلاق ، بل لماظن ابن عمر جواز هذا الطلاق فاقدم
عليه قاصدالوقوعه رد اليه النبى عرَّ اللّه امرأته وأمره أن يردها. ورد الشيء الي
ملك من أخرجه لا يستلزم خروجه عن ملكه شرعا ، كما يرد العين المغصوبة الى
مالكها ، ويقال للغاصب: ردها اليه . ولا يدل ذلك على زوال ملك صاحبها عنها
وكذلك اذا قيل : رد على فلان ضالته . ولما باع على بن أبى طالب أحد الغلامين
الاخوين قال له النبي صَّ اللّهِ ((رده، رده)) وهذا أمر بالرد حقيقة. قالوا : فقد
وفينا اللفظ حقيقته التي وضع لها . قالوا : وأيضا فقد صرح ابن عمر أن الني
عَّ له ردها عليه ولم يرها شيئا. وتعلقكم على أبى الزبير ممالا متعلق فيه، فان
أبا الزبير انما يخاف من تدليسه، وقد صرح بالسماع كما تقدم . فدل على أن الأمر
بمراجعتها لا يستلزم نفوذ الطلاق . قالوا: والذى يدل عليه أن ابن عمر قال فى
الرجل يطلق امرأته وهى حائض: لا يعتدبذلك. ذكره عبد الحق الاشبيلي فى الأحكام
من طريق محمد بن عبد السلام الخشنى ، حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب بن عبد
المحيد الثقفى حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال فى الرجل يطلق امرأتهوهى
حائض قال ابن عمر: لا يعتدبذلك وذكره ابن حزم فى المحلي باسناده من طريق الحشني
وهذا اسناد صحيح. قالوا:وقدروى الدارقطنى في سننه باسناد شيعى عن أبى الز بيرقال:
سألت ابن عمرعن رجل طلق امرأته ثلاثا وهى حائض، فقال لى: أتعرف عبداللهبن
عمر؟ قلت: نعم. قال: طلقت امرأتى ثلاثا على عهد النبي صَّ له فردها النبى عِاله

- ٥٨٤ -
(٣٧٠٨)
غيرك، وعَصيتَ اللّه عز وجل فما أمرك به من طلاقِك امرأتك. رواه
أحمد ومسلم والنسائى
إلى السنة . قال الدارقطني: كلهم شيعة . ولم يزد على هذا . ولكن هذا الحديث
باطل قطعا. ولا يحتج به. وانماذكرناه للتعريف بحاله ولوكان اسناده ثقات لكان
غلطا . فإن المعروف من رواية الاثبات عن ابن عمر أنه انما طلقها تطليقة واحدة
كمارواه مسلم فى الصحيح من حديث يونس بن جبير. ولكن لوحا كمنا صار
عينا الى ما تقرون به من أن رواية أهل البدع مقبولة. فكم فى الصحيح من
الشيعة الغلاة والقدرية، والخوارج، والمرجئة وغيرهم ؟ لم يتمكنوا من الطعن فى
هذا الحديث بأن رواته شيعة ، اذ مجرد كونهم شيعة لا يوجب ردحديثهم . وبعد
ففي معارضته بحديث يونس بن جبير: أنه طلقها تطليقة كلام ليس هذا موضعه
فان من جعل الثلاث واحدة قال : هى ثلاث فى اللفظ وهي واحدة فى الحكم
على مافى حديث أبى الصهباء عن ابن عباس والله أعلم . قالوا: وأما قولكم ان نافعا
أثبت فى ابن عمر وأولى به من أبى الز بير وأخص ، فروايته أولى أن نأخذ بها ،
فهذا انما يحتاج إليه عند التعارض . فكيف ولا تعارض بينهما؟ فان رواية أبى
الزبير صريحة في أنها لم تحسب عليه. وأما نافع فرواياته ليس فيها شىء صريح
قط أن النبي صَّ الّهِ حسبها عليه، بل مرة قال: فمه ? أى فما يكون؟ وهذا ليس
باخبار عن النبى معَّ الله أنه حسبها. ومرة قال: أرأيت ان عجز واستحمق؟ وهذا
رأي محض . ومعناه أنه ركب خطة عجز، واستحمق أى ركب أحموقة وجهالة .
فطلق فى زمن لم يؤذن له فى الطلاق فيه . ومعلوم أنه لو كان عند ابن عمر أنه
عَّ له حسبها عليه لم يحتج أن يقول السائل: أرأيت ان عجز واستحمق؟ فان هذا
ليس بدليل على وقوع الطلاق . فإن من عجزواستحمق يرد الى العلم والسنة التي
سنها رسول اللّه عَّ الله. فكيف يظن بابن عمر أنه يكتم نصا عن رسول اللّه عبيد الله
فى الاعتداد بتلك الطلقة، ثم يحتج بقوله: أرأيت ان عجزواستحمق؟. وقد سأله
مرة رجل عن شىء فأجابه بالنص . فقال السائل: أرأيت ان كان كذا وكذ؟
فقال : اجعل أرأيت باليمن . ومرة قال : تحسب من طلاقها . وهذا قول نافع
ليس قول ابن عمر ، كذلك جاء مصر حابه فى هذا الحديث فى الصحيحين . قال
عبد الله لنافع: ما فعلت التطليقة ؟ قال: واحدة اعتدبها . وفى بعض ألفاظه :

٥٨٥٠٠-
(٣٧٠٩)
٣٧٠٩ وفى رواية أنه طلق امرأته، وهي حائض، تطليقة، فأنطلقَ عمر
فأخبر النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم
فىسبت تطليقة . وفى لفظ للبخارى ، عن سعيد بن جبير عن ابن عمر : حسبت
على تطليقة . ولكن هذه اللفظة اتفرد بها ابن جبير. وسائر الرواة عن ابن عمر
لم يذكر والخسبت على. وانفراد ابن جبيربها كانفراد أبى الزبير بقوله. ولم يرها
شيئا . فان تساقطت الروايتان لم يكن فى سائر الألفاظ دليل على الوقوع. وان
رجح احداهما على الأخرى فرواية أبي الزبير صريحة فى الرفع . ورواية ابن جبير
غير صريحة فى الرفع. فانه لم يذكرفاعل الحاسب ، فلعله أباه عمر رضي الله عنه حسبها
عليه بعد موت النبي عربيّ الّم فى الوقت الذى ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، وحسبه
عليهم اجتهادا منه، ومصلحة رآها للامة ، لئلا يتتابعوا فى الطلاق المحرم . فاذا
علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه. وقد كان فى زمن النبي عَّ له لا يحتسب
عليهم ثلاثا في لفظ واحد. فلما رأى عمر الناس قد أ كثروا منه رأي إلزامهم
به والاحتساب عليهم به. قالوا: وبهذا، تأتلف الأحاديث الواردة فى هذا الباب
ويتبين وجها ويزول عنها التناقض والاضطراب، ويستغني عن تكلف التأويلات
المستكرهة لها . ويتبين موافقتها لقواعد الشرع وأصوله . قالوا : وهذا الظن بعمر
رضى الله عنه انه اذا احتسب على الناس بالطلاق الثلاث احتسب على ابنه بتطليقته
التى طلقها فى الحيض. وكون النبى عنّ اله لم يرها شيئا مثل كون الطلاق الثلاث
على عهده كان واحدة . والزام عمر الناس بذلك كالزامه لهم بهذا وأداه اجتهاده
الى أن ذلك كان تخفيفا ورفقا بالأمة لعلة ايقاعهم الطلاق وعدم تتابعهم فيه .
فلما أكثروا منه وتتابعوا فيه ألزمهم بما التزموه . وهذا كما اداه اجتهاده فى الجلد
فى الخمر ثمانين وحلق الرأس فيه والنفى. والتي عَ لّه انما جلد فيه أربعين ولم يحلق
فيه رأسا ولم يغرب . فلما رأى عمر الناس قدأ كثروا منه واستهانوا بالأربعين
ضاعفها عليهم وحلق ونفى . ولهذا نظائر كثيرة ستذكر فى موضع آخر ان شاء
اللّه. قالوا: وتوهم من توهم أناخالفنا الاجماع في هذه المسئلة غلط . فان
الخلاف فيها أشهر من أن يجحد وأظهر من أن يستر. واذا كانت المسئلة من موارد
النزاع . فالواجب فيها امتثال ما أمر الله به ورسوله: من رد ما تنازع فيه العلماء
إلى الله ورسوله. وتحكيم الله ورسوله دون تحكيم أحد من الخلق. قال تعالى "

٣٧٠٩)
- ٥٨٦ -
((مُرْ عَبْدَ اللّهِ فَلْيُرَاجعها، فاذا اغْتَلتَ فَلْيَتْكُها حتىَّ تَحِيضَ ، فاذا
اغْتَسلتْ من حَيْضَتَهَا الأخرى، فلا يمسًّا حتى يُطلقها، وان شاء أن
( فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر
ذلك خير وأحسن تأويلا ) فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع . ولواستوفينا
الكلام فى المسئلة لاحتملت سفرا كبيرا فلنقتصر على فوائد الحديث .
قال الموقعون : وفيه دليل على ان الرجعة يستقبل بها الزوج دون الولى ورضا المرأة
لانه جعل ذلك اليه دون غيره. ودلالة القرآن على هذا أظهر من هذه الدلالة . قال تعالى
( وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك ) فجعل الازواج أحق بالرجعة من المرأة والولى.
واختلفوافى قوله ((مره فليراجعها)) هل الأمر بالرجعة على الوجوب أو الاستحباب؟
قالالشافعی ، وأبوحنيفة ، والا وزاعى، وابن أبي ليلى،والتوري، وأحمد، فىاحدى
الروايتين ، بل أشهر هماعنه - الأمر بالرجعة استحباب . قال بعضهم : لأن ابتداء
النكاح اذا لم يكن واجبا فاستدامته كذلك . وقال مالك فى الاشهر عنه، وداود
وأحمد فى الرواية الأخرى : الرجعة واجبة للامربها ، ولان الطلاق لما كان محرما
فى هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجبا . وبهذا يبطل قولهم : اذا لم
يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته. فان الاستدامة ههنا واجبة لاجل الوقت
فانه لا يجوز فيه الطلاق . قالوا : ولأن الرجعة امساك ، بدليل قوله ( الطلاق
مرتان، فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان) فالامساك مراجعتها في العدة والتسريح
تر کها حتى تنقضیعدتها . واذا كانت الرجعةامسا كافلاريبفى وجوبامسا كها في زمن
الحيض وتحريم طلاقها . فتكون واجبة . ثم اختلف الموجبون للرجعة فى علة
ذلك . فقالت طائفة : انما أمره برجعتها ليقع الطلاق الذي أراده فى زمن الاباحة
وهو الطهر الذى لم يمسها فيه . فلو لم يرتجعها لكان الطلاق الذى ترتبت عليه
الأحكام هو الطلاق المحرم، والشارع لا يرتب الاحكام على طلاق محرم أمر برجعتها
ليطلقها طلاقا مباحا يترتب عليه أحكام الطلاق . وقالت طائفة : بل أمره
برجعتها عقوبة له على طلاقها في زمن الحيض . فعاقبه بنقيض قصده وأمره
بارتجاعها عكس مقصوده . وقالت طائفة : بل العلة فى ذلك أن تحريم الطلاق
فى زمن الحيض معلل بتطويل العدة . فأمر برجعتها ليزول المعنى الذى حرم الطلاق
فى الحيض لاجله . وقال بعض الموجبين : إن أبي رجعتها أجبر عليها . فان امتنع

- ٥٨٧ -
(٣٧٠٩)
يُمسكها فليُمسكها، فانها العدّة التى أمر الله أن تطلقَ لها النساء)
رواه الدار قطنى
ضرب وحبس . فان أصر حكم عليه برجعتها وأشهد عليه أنه قد ردها عليه .
فتكون امرأته ، يتوارثان ويلزمه جميع حقوقها حتى يفارقها فراقا ثانيا . قاله أصبغ
وغيره من المالكية . ثم اختلفوا ، فقال مالك : يجبر على الرجعة وان طهرت
ما دامت في العدة ، لانه وقت للرجعة . وقال أشهب اذا طهرت ثم حاضت ثم
طهرت لم تجب رجعتها فى هذه الحال . وان كانت فى العدة لانه لا يجب
عليه امساكها فى هذه الحال . لجواز طلاقها فيه . فلا يجب عليه رجعتها
فيه. اذ لو وجبت الرجعة فى هذا الوقت لحرم الطلاق فيه. وقوله عن اله
(( حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ان شاء أمسك بعد ذلك وان شاء
طلق)) قال البهيقى: أكثر الروايات عن ابن عمر ان التي عَّ اللّه أمره أن
يراجعها حتى تطهر، ثم ان شاء طلق وان شاء أمسك . فان كانت الرواية عن
سالم ونافع وابن دينار فى أمره بان يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر -
محفوظة . فقد قال الشافعي : يحتمل أن يكون انما أراد بذلك الاستبراء ، أن
يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيه بطهر تام ثم حيض تام ، ليكون تطليقها وهى
تعلم عدتها ، أنها الحمل هى أم بالحيض ؟ أوليكون تطليقها بعد علمه بالحمل.
وهى غير حائل ما صنع أو يرغب فيمسك للحمل ، أو ليكون ان كانت
سألت الطلاق غير حامل أن تكف عنه حاملا . هذا آخركلامه . وأكثرالروابات
فى حديث ابن عمر مصرحة بأنه انما اذن فى طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة
ثم تحيض ، ثم تطهر هكذا أخرجاه فى الصحيحين من رواية نافع عنه. ومن رواية
ابنه سالم عنه، وفى لفظ متفق عليه ((ثم يمسكها حتي تطهر ثم تحض عنده حيضة
أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها)) وفى لفظ آخر متفق عليه («مره فليراجعها
حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التى طلقها فيها)) ففى تعدد الحيض
والطهر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها من رواية ابنه سالم وهولاه نافع وعبدالله
ابن ديناروغيرهم . والذين زاد وا هذا فقد حفظوا مالم يحفظه هؤلاء . ولوقدر التعارض
فالزائدون أكثر وأثبت فى ابن عمر وأخص به . فروايتهم أولى ، لان نافعا

(٣٫٧٠٩)
- ٥٨٨ --
وفيه تنبيه على تحريم الوطءٍ والطلاق قبل الغسل
مولاه أعلم الناس بحديثه. وسالم ابنه كذلك وعبد الله بن دينار من أثبت الناس
فیه وأر واهم عنه، فکیف یقدم اختصار أبى الزبير ويونس بن جبير على هؤلاء؟
ومن العجب تعليل حديث أبى الزبير فى ردها عليه من غير احتساب بالطلقة
بمخالفة غيره له ، ثم تقدم روايته التى سكت فيها عن تعدد الحيض والطهر على رواية
نافع وابن دينار وسالم ؟ فالصواب الذى لا يشك فيه أن هذه الرواية ثابتة محفوظة
ولذلك أخرجها أصحاب الصحيحين . واختلف فى جواز طلاقها في الطهر المتعقب
للحيضة التي طلقت فيها ، على قولين . هما روايتان عن أحمد ومالك. أشهرها عند
أصحاب مالك المنع حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى تلك الحيضة، ثم تطهر كما أمر
به النبي صَ لّه . والثانى يجوز طلاقها فى الطهر المتعقب لتلك الحيضة. وهو قول
الشافعى وأبى حنيفة وأحمد فى الرواية الأخرى . ووجهه أن التحريم انما كان
لأجل الحيض فاذا طهرت زال موجب التحريم ، فاز طلاقها فيه ، ولولم يتقدم طلاق
فى الحيض . ولان فى بعض طرق حديث ابن عمر فى الصحيح (( ثم ليطلقها
طاهرا وحاملا)) وفى لفظ (( ثم ليطلقها طاهرا من غير جماع فى قبل عدتها )) وفى
لفظ ((فاذا طهرت فليطلقها لطهرها)) قال: فراجعها ثم طلقها لطهرها. وفي
حديث أبى الزبير وقال ((إذا طهرت فليطلقها أوليمسك)) وكل هذه الالفاظ فى
الصحيح. وأما أصحاب القول الثانى فاحتجوا بما تقدم من أمره ◌َّ اللّه بامسا كها
حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر. وقد تقدم . قالوا : وحكمة ذلك من وجوه:
أحدها أنه لوطلقها عقب تلك الحيضة كان قدراجعها ليطلقها. وهذا عكس مقصود
الرجعة . فان الله سبحانه انما شرع الرجعة لامساك المرأة وإيوائها، ولم شعت
النكاح، وقطع سبب الفرقة . ولهذا سماه امساكا، فأمره الشارع أن يمسكها فى
ذلك الطهر وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر ، لتكون الرجعة
للإمساك لا الطلاق . قالوا : وقد أكد الشارع هذا المعنى حتى إنه أمر فى بعض
طرق هذا الحديث بأن يمسها فى الطهر المتعقب لتلك الحيضة . فإذا حاضت بعده
وطهرت فان شاء طلقها قبل أن يمسها . فانه قال ((مره فليراجعها، فإذا طهرت مسها
حتى اذا طهرت أخرى فان شاء طلقها وان شاء أمسكها )) ذكره ابن عبدالبر،
وقال : الرجعة لاتكاد تعلم صحتها الابالوطء، لانه المبتغى من النكاح. ولا يحصل

- ٥٨٩ -
(*) وعن عكرمة قال : قال ابن عباس: الطلاق على أربعة أوجه : وجهان
الوطء الافى الطهر. فإذا وطئها حرم طلاقها فيه حتى تحيض ثم تطهر . فاعتبرنا
مظنة الوطء ومحله . ولم يجعله محملا للطلاق . الثانى أن الطلاق حرم فى الحيض
لتطويل العدة عليها ، فلوطلقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت
بالرجعة فائدة . فان تلك الحيضة التي طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها من العدة .
وانما تستقبل العدة من الطهر الذى يليها أو من الحيضة الأخرى . على الاختلاف
فى الاقراء . فاذا طلقها عقب تلك الحيضة كانت فى معنى من طلقت ثم راجعها
ولم يمسها حتى طلقها ، فإنها تبنى على عدتها فى أحد القولين، لأنها لم تنقطع بوط.
فالمعنى المقصود اعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا لم يزل بطلاقها عقب
الحيضة. فأراد رسول اللّه عي اله قطع حكم الطلاق جملة بالوطء، فاعتبر الطهر الذى
هو موضع الوطء . فاذا وطيء حرم طلاقها حتى تحيض ثم تطهر. ومنها أنه ربما
كانت حاملا وهو لا يشعر، فان الحامل قدترى الدم بلا ريب - وهل حكمه حكم
الحيض ، أوهو دم فساد؟ على الخلاف فيه - فأراد الشارع أن يستبرئها بعد
تلك الحيضة بطهر تام ثم حيض تام . فحينئذ تعلم هل هي حامل أو حائل . فانه
ربما يمسكها اذا علم انها حامل منه . وربما تكف هى عن الرغبة فى الطلاق اذا
علمت أنها حامل . وربما يزول الشر الموجب للطلاق بظهور الحمل . فأراد الشارع
تحقيق علمهما بذلك، نظرا للزوجين، ومراعاة لمصلحتهما وحسما لباب الندم . وهذا
من أحسن محاسن الشريعة . وقيل : الحكمة فيه أنه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق
جزاء له على مافعله من ايقاعه على الوجه المحرم . ورد هذا بأن ابن عمر لم يكن
يعلم التحريم . وأجيب عنه بأن هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة. وكونه لم
يكن عالما بالتحريم يفيد نفى الاثم لاعدام ترتب هذه المصلحة على الطلاق المجرم
فى نفسه. وقيل حكمته أن الطهر الذى بعد تلك الحيضة هو من صريح تلك الحيضة
فهما كالقرء الواحد . فلو شرع الطلاق فيه لصار كموقع طلقتين فى قرء واحد
وليس هذا بطلاق السنة . وقيل حكمته اندنهى عن الطلاق فى هذا الطهر ليطول
مقامه معها ، ولعله تدعوه نفسه الي وطئها وذهاب ما فى نفسه من الكراهة لها فيكون
ذلك حرصا على ارتفاع الطلاق البغيض الى الله المحبوب الى الشيطان وحضا على بقاء
النكاح ودوام المودة والرحمة. والله أعلم. وقوله عنَّ اله((ثم ليطلقها طاهرا)) وفى

- ٥٩٠-
حلال ، ووجهان حرام . فأما اللذان هما حلال ، فأن يطلق الرجل امر أته طاهراً
اللفظ الآخر ((فاذا طهرت فليطلقها ان شاء)» هل المراد به انقطاع الدم أو التطهر
بالغسل وما يقوم مقامه من التيمم، على قولين ، هما روايتان عن أحمد : احداهما انه
انقطاع الدم . وهو قول الشافعى . والثانى انه الاغتسال . وقال أبو حنيفة : ان
طهرت لا كثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم وان طهرت لدون أكثره لم
يحل طلاقها حتى تصير فى حكم الطاهرات باحد ثلاثة أشياء ، اما أن تغتسل ،
واماان تقيمم عند العجز وتصلى ، واما أن يخرج عنها وقت صلاة، لانه متی وجد
أحد هذه الاشياء حكمنا بانقطاع حيضها . وسر المسئلة أن الاحكام المترتبة على
الحيض نوعان : منها مايزول بنفس انقطاعه ، كصحة الغسل والصوم ووجوب
الصلاة فى ذمتها . ومنها مالا يزول الابالغسل ، كحل الوطء وصحة الصلاة، وجواز
اللبث فى المسجد، وصحة الطواف، وقراءة القرآن ، على أحد الاقوال . فهل
يقال : الطلاق من النوع الاول ، أومن الثانى؟ ولمن رجح اباحته قبل الغسل أن
يقول : الحائض اذا انقطع دمها صارت كالجنب يحرم عليها ما يحرم منه ويصح
منها ما يصح منه ، ومعلوم أن المرأة الجنب لا يحرم طلاقها . ولمن رجح الثاني أن
يجيب عن هذا بأنها لوكانت كالجنب لحل وطؤها . ويحتج بما رواه النسائي في
سنته من حديث معتمر بن سليمان قال : سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله بن
عمر أنه طلق امرأته وهى حائض تطليقة. فانطلق عمر فأخبر النبي صَّ له بذلك فقال
النبى معَّ لهي («مر عبدالله فليراجعها. فاذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلايمسها
حتى يطلقها . فان شاء أن يمسكها فليمسكها، فانها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء))
وهذا على شرط الصحيحين. وهو مفسر لقوله (( فاذا طهرت )) فيجب حمله عليه.
وتمام هذه المسئلة أن العدة هل تنقضى بنفس انقطاع الدم وتنقطع الرجعة أم
لا تنقطع الا بالغسل . وفيه خلاف بين السلف والخلف يأتى فى موضعه ان شاء
اللّه. وقوله عَّ له (( ثم ليطلقها طاهرا قبل أن يمس)) دليل على أن طلاقها فى
الطهر الذى مس فيه منوع منه وهو طلاق بدعة . وهذا متفق عليه . فلوطلق
فيه قالوا : لم يجب عليه رجعتها . قال ابن عبدالبر: أجمعوا على أن الرجعة لا تجب
فى هذه الصورة ، وليس هذا الاجماع ثابتا . وان كان قد حكاه صاحب المغنى
أيضا . فان أحد الوجهين فى مذهب أحمد وجوب الرجعة فى هذا الطلاق ، حكاه

- ٥٩١ -
من غير جماع ، أو يطلقها حاملاً مُسْتبيناً حملها ، وأما اللذان هما حرام فأن
فى الرعاية وهو القياس لأنه طلاق محرم . فتجب الرجعة فيه ، كما تجب فى الطلاق
فى زمن الحيض ومن فرق بينهما أن يقول : زمن الطهر وقت للوطء والطلاق
وزمن الحيض ليس وقتا لواحد منهما . فظهر الفرق بينهما، فلا يلزم من الامر بالرجعة
في غير زمن الطلاق الامر بها فى زمنه . ولكن هذا الفرق ضعيف جدا . فان زمن
الطهر متى اتصل به المسيس صار كزمن الحيض فى تحريم الطلاق سواء . ولا فرق
بينهما ، بل الفرق المؤثر بين الناس ان المعنى الذى وجبت لاجله الرجعة اذا طلقها
حائضا منتف فى صورة الطلاق فى الطهر الذى مسها فيه ، فانها إنما حرم طلاقها
فى زمن الحيض لتطويل العدة عليها . فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءا اتفاقا.
فيحتاج الى استئناف ثلاثة قروء كوامل . وأما الطهر فانها تعتد بما بقى منه قرءا .
ولو كان لحظة، فلا حاجة بها الى أن يراجعها. فان من قال: الاقراء الاطهار كانت أول عدتها
عقب طلاقها . ومن قال: هي الحيض استأنف بها بعد الطهر. وهولو راجعها ثم أراد أن
يطلقها لم يطلقها الا فى طهر. فلافائدة فى الرجعة . هذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين.
وبعد ففيه اشكال لا ينتبه له الا من له خبرة بما خذ الشرع وأسراره . وجمعه
وفرقه. وذلك أن النبي صَّ الهي أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها، وقال
((فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء)) وهذا ظاهر فى أن العدة انما يكون استقبالها
من طهر لم يمسها فيه ان دل على أنها بالاطهار، وأما طهر قد أصابها فيه فلم يجعله
النبى عَّه من العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء، فـ كمالا تكون عدتها متصلة
بالحيضة التى طلق فيها ينبغى أن لا تكون متصلة بالطهر الذى مسها فيه ، لان
النبي عَّه سوى بينهما فى المنع من الطلاق فيهما وأخبر أن العدة التى أمر الله
أن تطلق لها النساء هى من وقت الطهر الذى لم يمسها فيه . فمن أين لنا أن الطهر
الذى مسها فيه هو أول العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء؟ وهذا مذهب أبى
عبيد. وهو فى الظهور والحجة كماترى . وقال الامام أحمد والشافعى ومالك وأصحابهم
لو بقي من الطهر لحظة حسبت لها قرءا وان كان قد جامع فيها ، اذا قلنا الاقراء
الاطهار . قال المنتصرون لهذا القول : انما حرم الطلاق فى زمن الحيض دفعاً
لضرر تطويل العدة عليها، فلو لم تحتسب بقية الطهر قرء، كان الطلاق فى زمن الطهر
أضربها وأطول عليها وهذا ضعيف جدا ، فانها إذا طلقت فيه قبل المسيس

- ٥٩٢ -
يطلقها حائضاً، أو يطلقها عند جماع لا يَدْرى، اشتَمَلَ الرَّحِم على ولدِ أم لا؟
رواه الدار قطنى
احتسب به وأما إذا طلقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلقة فى زمن الحيض.
فكما لاتحتسب ببقية الحيضة لانحتسب ببقية هذا الطهر الممسوسة فيه . قالوا :
ولم يحرم الطلاق فى الطهر لاجل التطويل الموجود فى الحيض، بل إنما حرم لكونها
من تابة ، فلعلها قد حملت من ذلك الوطء فيشتد ندمه اذا تحقق الحمل ويكثر الضرر
فاذا أراد أن يطلقها طلقها طاهرامن غير جماع ، لانهما قد تيقنا عدم الريبة ، وأما
اذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملا . قالوا: فهذا الفرق بين
الطلاق فى الحيض والطهر المجامع فيه . قالوا . وسر ذلك أن المرأة ان كانت حاملا
من هذا الوطء فعدتها بوضع الحمل وإن لم تكن قد حملت منه فهو قرء صحيح
فلا ضرر عليها فى طلاقها فيه . ومن نصر قول أبى عبيد أن يقول : الشارع انما
جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه ليكون المطلق على بصيرة من أمره
والمطلقة على بصيرة من عدتها انها بالاقراء . فاما اذا مسها فى الطهر ثم طلقها لم
يدر، أحاملا أم حائلا؟ ولم تدر المرأة، أعدتها بالحمل أم بالاقراء؟ فكان الضرر عليهما
فى هذا الطلاق أشد من الضرر فى طلاقها وهى حائض فلا تحتسب ببقية ذلك ،
كما لم يحتسب الشارع به فى جواز إيقاع الطلاق فيه . وهذا التفريع كله على أقوال
الأئمة والجمهور . وأما من لم يوقع الطلاق البدعى فلا يحتاج الى شيء من هذا. وقوله
(« ليطلقها طاهرا، أو حاملا )) دليل على أن الحامل طلاقها سني . قال ابن عبد
البر: لا خلاف بين العلماء أن الحامل طلاقها للسنة . قال الامام أحمد: اذهب الى
حديث سالم عن أبيه (( ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا)) وعن أحمد رواية أخرى
أن طلاق الحامل ليس بسنى ولا بدعى . وانما يثبت لها ذلك من جهة العدد ،
لا من جهة الوقت. ولفظة الحمل فى حديث ابن عمر انفرد بها مسلم وحده فى بعض
طرق الحديث ولم يذكرها البخارى، فلذلك لم يكن طلاقها سنياً ولا بدعياً ، لان
الشارع لم يمنع منه، فان قيل: اذا لم يكن سنيا كان طلاقا بدعياً، لان النبي صَ لّه
إنما أباح طلاقها فى طهر لم يمسها فيه. فاذا مسها في الطهر حملت واستمر حملها
استمر المنع من الطلاق. فكيف يبيحه تجدد ظهور الحمل ؟ فاذا لم يثبتوا هذه
اللفظة لم يكن طلاق الحامل جائزاً . فالجواب أن المعنى الذى لاجله حرم الطلاق

- ٥٩٣ -
بعد المسيس معدوم عند ظهور الحمل، لان المطلق عند ظهور الحمل قد دخل على بصيرة ،
فلايخاف ظهور أمر يتجددبه الندم. وليست المرأة مر تابة لعدم اشتباه الأمر عليها بخلاف
طلاقها مع الشك فى حملها. وقوله (طاهرا أو حاملا)) احتج به من قال: الحامل لا تحيض،
لانه بقدر الله حرم الطلاق في زمن الحيض وأباحه فى وقت الطهر والحمل. فلو كانت الحامل
تحيض لم يبح طلاقها حاملا اذا رأت الدم، وهو خلاف الحديث، ولأصحاب القول
الآخر أن يجيبوا عن ذلك بأن حيض الحامل لما لم يكن له تأثير فى العدة بحال لا فى تطويلها
ولا تخفيفها، اذ عدتها بوضع الحمل أباح الشارع طلاقها حاملا مطلقا، وغير الحامل
لم يبح طلاقها الا اذا لم تكن حائضاً، لان الحيض يؤثر فى العدة، لان عدتها بالاقراء
فالحديث دل على أن المرأةلها حالتان: احداهما أن تكون حائلا، فلا تطلق الا
فى طهر لم يمسها فيه . والثانية أن تكون حاملا فيجوز طلاقها. والفرق بين الحامل
وغيرها في الطلاق انما هو بسبب الحمل وعدمه لا بسبب حيض ولاطهر . ولهذا
يجوز طلاق الحامل بعد المسيس دون الحائل ، وهذا جواب سديد والله أعلم .
وقد أفردت لمسؤلة الحامل ، هل تحيض أم لا مصنفامفردا ، وقد احتج بالحديث
من يرى أن السنة تفريق الطلاق على الاقراء ، فتطلق لكل قرء طلقة ، وهذا
قول أبى حنيفة وسائر الكوفيين . وعن أحمد رواية كقولهم . قالوا : وذلك لان
النبي صَّ اللّه انما أمره بامساكها فى الطهر المتعقب الحيض، لانه لم يفصل بينه وبين
الطلاق طهر كامل ، والسنة أن يفصل بين الطلقة والطلقة قرء كامل . فاذا طهرت
ثم حاضت ثم طهرت طلقها طلقة بائنة، الحصول الفصل بين الطلقتين بطهر كامل
قالوا فلهذا المعنى اعتبر الشارع الفصل بين الطلاق الاول والثانى . قالوا : وفى بعض
حديث ابن عمر: والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء. وروى النسائى
فى سننه عن ابن مسعود قال : طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهى طاهر فى غير
جماع. فاذا حاضت فطهرت طلقها أخرى . فإذا حاضت فطهرت طلقها أخرى.
ثم تعتد بعد ذلك بحيضة. وهذا الاستدلال ضعيف. فإن النبي ون له
لم يأمره بامساكها فى الطهر الثانى ليفرق الطلقات الثلاث على الاقراء ، ولا فى
الحديث مايدل على ذلك . وانما أمره بطلاقها طاهرا قبل أن يمسها . وقد ذكرنا
حكمة امساكها فى الطهر الاول . وأما قوله ((والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل
(٣٨ - منتقى ج ٢)

- ٥٩٤ -
قرء)) فهو حديث قد تكلم الناس فيه وأنكروه على عطاء الخراسانى . فانهانفرد
بهذه اللفظة دون سائر الرواة . قال البيهقي : وأما الحديث الذي رواه عطاء الخراسانى
عن ابن عمر فى هذه القصة أن الني صَّ اللّه قال ((السنة أن يستقبل الطهر فيطلق الخ))
فانه أتي فى هذا الحديث بزيادات لم يتابع عليها . وهو ضعيف ، لا يقبل ما ينفرد
به . وأما حديث ابن مسعود فمع أنهموقوف عليه فهو حديث يرويه أبواسحاق
عن أبى الأحوص عن ابن مسعود . واختلف على أبى اسحاق فيه ، فقال
الأعمش عنه كما تقدم . وقال الثورى عن أبى اسحاق عن أبى الاحوص عنه :
طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع . ولعل هذان حديثان . والذى يدل
عليه أن الأعمش قال : سألت ابراهيم . فقال لى مثل ذلك . وبالجملة فهذا غايته
أن يكون من قول ابن مسعود ، وقد خالفه فيه على وغيره، وقدرويعن ابن مسعود
روايتان : إحداهما التفريق ، والثانية افراد الطلقة وتركها حتى تنقضي عدتها
قال طلاق السنة ان يطلقها وهى طاهر ثم يدعها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها
إن شاء . ذكره ابن عبد البر عنه . ولان هذا إرداف طلاق بطلاق من غير
حاجة إليه ، وتعريض لتحريمه المرأة عليه الا بعد زوج آخر واصابة . والشارع
لاغرض له في ذلك. ولا مصلحة للمطلق. فكان بدعياً والله أعلم. قوله ((نتلك
العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء)) احتج به من يرى الاقراء هى الاطهار.
قالوا: واللام بمعنى الوقت . كقوله تعالي ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) وقول
العرب: كتب لثلاث مضين، ولثلاث بقين، وفي الحديث ((من نام عن
صلاة أو نسيها فليصلها حين يذكرها ومن الغد للوقت)) قالوا : فهذه
السلام الوقتية بمعني فى . وأجاب الآخرون عن هذا بأن اللام فى قوله
(فطلقوهن لعدتهن) هى اللام المذكورة فى قوله بعد اله (( أن تطلق
لها النساء)» ولا يصح أن تكون وقتية. ولا ذكر أحد من أهل العربية أن اللام
تأني بمعنى فى أصلا. ولا يصح أن تكون هنا بمعنى فى . ولو صح فى غير هذا
الموضع ، لان الطلاق لا يكون فى نفس العدة . ولا تكون عدة الطلاق ظرفاله
قط . وانما اللام هنا على بابها للاختصاص . والمعنى: طلقوهن مستقبلات عدتهن.

(٣٧١٠)
- ٥٩٥ -
( باب ما جاء فى طلاق ألبتة، وجمع الثلاث، واختيار تفريقها)
٣٧١٠ عن رُكانَة بن عَبد يَزيد أنَّه طلق امر أنه سُهيمة البتّة، فأخبر النبى
صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقال: والله ما أردت الاواحدة، فقال
رسولُ الله صلى الله عليه واله وسلم ((والله ما أردتَ الا واحدة؟)) قال
ويفسر هذا قراءة النبي صَّ له فى حديث ابن عمر ( فطلقوهن في قبل عدتهن )
أى فى الوقت الذى تستقبل فيه العدة . وعلى هذا فإذا طلقها فى طهرها استقبلت
العدة من الحيضة التى تليه فقد طلقها فى قبل عدتها . بخلاف ما إذا طلقها حائضا
فانها لا تعتد بتلك الحيضة، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ، ثم تشرع
فى العدة فلا يكون طلاقها حائضا طلاقا في قبل عدتها وقوله ((مره فليراجعها)) دليل
على أن الامر بالامر بالشىء أمر به . وقد اختلف الناس فى ذلك . وفصل النزاع
أن المأمور الأول ان كان مبلغا محضا، كامر الني عبَّ الله آحاد الصحابة أن يأمر
الغائب عنه بأمره . فهذا أمر به من جهة الشارع قطعا، ولا يقبل ذلك نزاعا أصلا.
ومنه قوله ((مرها فلتصبر ولتحتسب)) وقوله ((مروهم بصلاة كذا فى حين كذا))
ونظائره. فهذا الثانى مأمور به من جهة الرسول عَّ له. فاذا عصاه المبلغ اليه فقد
عصى أمر الرسول عدّ اله . والمأمور الاول مبلغ مخض: وان كان الأمرمتوجها الى
المأمور الاول توجه التكليف والثاني غير مكلف لم يكن أمراً للثانى من جهة الشارع
كقوله ((مروهم بالصلاة لسبع)) فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمرهم الصبيان
بالصلاة . فهذا فصل الخطاب فى هذا الباب والله أعلم بالصواب .
(٣٧١٠) قال أبوداود: وهذا أصح من حديث ابن جريج: أن ركانة طلق
امرأته ثلاثا ، لأنهم أهل بيته . وهم أعلم به . وحديث ابن جريج رواه عن بعض
بنی ابی رافع عن عكرمة عن ابن عباس اه یر یدالحديث الذى رواه فى باب نسخ
المراجعة بعد التطليقات الثلاث عن ابن جريج أخبرنى بعض بنى أبى رافع مولى
النبى عّ لّهِ عن عكرمة. عن ابن عباس. قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة
واخوته - أم ركانة. ونكج امرأة من مزينة. الحديث - إلى أن قال ((راجع
امرأتك أم ركانة واخوته)) فقال: انى طلقتها ثلاثايارسول الله. قال (( قدعلمت،

- ٥٩٦-
ر كانة: والله ما أردتُ الاواحدة. فَرَدَّهَا اليه رسول الله صلى الله عليه وآله
راجعها )) وتلا ( ياأيها النبي اذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتمن) اهـ. قال
الخطابي : فى اسناد هذا الحديث مقال لأن ابن جريج انما رواه عن بعض
بنى رافع ولم يسمه . والمجهول لا تقوم به الحجة . وحكي أيضا ان الامام أحمد
كان يضعف طرق هذا الحديث كلها . قال ابن القيم رحمه الله فى تهذيب السنن:
والحديث الذی رجحه أبو داود وهو حديث نافع بن عجير ان ركانة بن عبد يزيد
طلق امرأته سهيمة ألبتة، فأخبر بذلك النبي صَّ اللّه - الحديث. وهذا هو الحديث
الذى ضعفه الامام أحمد والناس . فانه من رواية عبد الله بن على بن السائب عن
نافع بن عجیر عن ركانة . وهن رواية الز بير بن سعید عن عبدالله بن علی بن یز ید
ابن ركانة عن أبيه عن جده . وكلهم ضعيف، والز بير أضعفهم . وضعف البخاري
أيضا هذا الحديث . قال : على بن يزيد بن ركانة عن أبيه لم يصح حديثه . وأما
قول أبى داود: إنه أصح من حديث ابن جريج فلان ابن جريج رواه عن بعض
بني أبى رافع مولى النبي صَّ اللّه. ولأبى رافع بنون ليس فيهم من يحتج به الا عبيد الله
ابن أبى رافع . ولا نعلم هل هو هذا أوغيره؟ ولهذا والله أعلم رجح أبوداود
حديث نامع ابن معجير عليه. ولكن رواه الامام أحمد فى مسنده من حديث ابن
اسحاق : حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس . وهذا أصح من
حديث نافع بن عمير ومن حديث ابن جريج . وقد صحح الامام أحمد هذا السند فى قصة
رد زينب ابنة النبى عَّ له على زوجها أبى العاص بن الربيع. وقال: الصحيح
حديث ابن عباس أنه عيّ الله ردها عليه بالنكاح الأول . وهو بهذا الاسناد بعينه
وهكذا ذكر النووى والدارقطنى أن رواية ابن اسحاق هي الصواب . وحكموا
لها على رواية حجاج بن ارطاة عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده أنه عقله
ردها بنكاح جديد. وحجاج بن ارطاة أعرف من نافع بن عجير ومن معه. وبالجملة
فأبوداودلم يتعرض لحديث محمد بن اسحاق ولاذ كره والله أعلم. ثم قال فى آخر
الباب بعد رواية : انما كان الثلاث واحدة . قال ابن عباس : نعم . قال البيهقي
هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخارى ومسلم. فأخرجه مسلم وتركه البخارى، وأظنه
انما تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس .- وساق الروايات ثم قال : فهذه
رواية سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعمر و بن

- ٥٩٧ -
وسلم ، وطلقها الثانية فى زمان عمر بن الخطاب ، والثالثة فى زمان عثمان. رواه
الشافعى وأبو داود والدار قطنى، وقال قال أبوداود : هذا حديث صحيح
دينار، ومالك بن الحارث ، ومحمد بن اياس بن البكير، ورويناه عن معاوية بن
أبى عياش الانصارى ، كلهم عن ابن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن . قال
ابن المنذر: فغير جائزأن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبى عَّ له شيئا ثم يفتى
بخلافه . وقال الشافعى: فان كان قول ابن عباس : ان الثلاث كانت تحتسب
على عهد رسول اللّه عَّ اله واحدة، يعنى أنه بأمره منبط اله. فالذي يشبه والله أعلم
أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شىء فنسخ. قال البيهقى: ورواية عكرمة عن
ابن عباس فيها تأكيد لصحة هذا التأويل . يريد البيهقي الحديث الذي ذكره
أبوداود في باب نسخ المراجعة وقد تقدم . وقال أبو العباس بن سريح : يمكن
أن يكون ذلك إنما جاء فى نوع خاص من الطلاق الثلاث . وهو أن يفرق بين
اللفظ ، كان يقول: أنت طالق . أنت طالق. أنت طالق ، وكان فى عهد النبي
عَّ له وعهد أبى بكر والناس على صدقهم وسلامتهم لم يكن ظهر فيهم الحب
والخداع، فكانوا يصدقون أنهم أرادوابه التوكيد ، ولا يريدون الثلاث، ولما
رأى عمر في زمانه أمورا ظهرت وأحوالا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار
فالزمهم الثلاث . وقال بعضهم . ان ذلك انما جاء فى غير المدخول بها . وذهب
الى هذا جماعة من أصحاب ابن عباس ، رأوا ان الثلاث لا تقع على غير المدخول
بها، لأنها بالواحدة تبين . فاذا قال: أنت طالق بانت . وقوله ثلاثا وقع بعد
البينونة ولا يعتدبه. وهذا مذهب اسحاق بن راهويه. وقال بعضهم: قد ثبت عن فاطمة
بنت قيس أن أباحفص بن المغيرة طلقها ثلاثا. فابانها النبي عبق اله منه. ولم يجعل
لها نفقة ولا سكني . وفى حديث ابن عمر أنه قال: يارسول الله، أرأيت لو طلقها
ثلاثا ?. قال ((اذا عصيت ربك وبانت منك امرأتك)) رواه الدارقطنى . وعن
على قال: سمع النبي صَّ اله رجلا طلق امرأته ألبتة، فغضب، وقال ((تتخذون
آيات الله هزوا? من طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره))
رواه الدارقطنى أيضا . قالوا : وهذه الا حاديث أكثر وأشهر من حديث أبى الصهباء.
وقد عمل بها الأمة . فالاخذ بها أولى . وقال بعضهم: المراد أنه كان المعتاد فى
زمن النبى عريّة الّ بتطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس الآن التطليق الثلاث. والمعني كان

(٣٧١١)
- ٥٩٨ -
٣٧١١ وعن سهل بن سعد، قال: لما لا عَنَ أخوبنى عجلان امرأته، قال:
يارسول الله، ظلمتُها إن أمسكتُها، هى الطلاقُ، وهى الطلاقُ وهى الطلاق.رواه أحمد،
الطلاق الواقع الآن ثلاثاموقع في عهد النبي صَّ الّ وأبى بكر واحدة . وقال بعضهم:
ليس فى هذا الحديث انه كان يبلغ النبي صَّ اله، فيقرهم عليه. والحجة انما هى
فى اقراره بعد بلوغه. واذ بلغه طلاق ركانة امرأته ألبتة استحلفه ((ما أردت بها إلا
واحدة ؟)) ولو كانت الثلاث واحدة لم يكن لا ستحلافهمعنى، وانها واحدةسواء
أرادبها الثلاث أو الواحدة . وقال بعضهم : الاجماع منعقد على خلاف هذا الحديث .
والاجماع معصوم من الغلط والخطأ دون خبر الواحد . وقال بعضهم : انما هذا
فى طلاق السنة، فانها كانت على عهد النبي صَ لّه يراد بها الواحدة، كما أراد
بها ركانة ، ثم تتابع الناس فيها فأرادوا بها الثلاث فالزمهم عمر اياها . فهذه عشرة
مسالك للناس فى ردهذا الحديث - ثم ساق كلاما للحافظ أبى بكر ابن العربى المالكى
فى معنى ما سبق اهـ وقال الحافظ فى الفتح (٩: ٢٩٠) ومن القائلين بالتحريم واللزوم
من قال : اذاطلق ثلاثا مجموعة وقعت واحدة. وهو قول محمد بن اسحاق صاحب
المغازي . واحتج بما رواه عن داودبن الحصين حديث ركانة السابق في كلام ابن القيم
ثم قال الحافظ : وهذا الحديث نص فى المسئلة لا يقبل التأويل الذى فى غيره من
الروايات الآنى ذكرها . وقد أجابوا عنه بأربعة أشياء : الرابع أنه مذهب شاذ .
قال الحافظ: وأجيب عنه بأنه منقول عن على وابن مسعود، وعبد الرحمن بن
عوف ، والزبير ، نقل ذلك ابن مغيث فى كتاب الوثائق له . وعزاه لمحمد بن
وضاح . ونقل الغنوى ذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة ، کمحمد بن تقيبن مخلد ،
ومحمد بن عبد السلام الخشنى وغيرهما . ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس ،
کعطاء، وطاوس ، وعمرو بن دینار ، و یتعجب من ابنالتین حیث جزم بان لز وم
الثلاث لا اختلاف فيه . وانما الاختلاف فى التحريم ، مع ثبوت الخلاف ، كما
ترى اهـ. وقال الحافظ ابن القيم فى اعلام الموقعين: وهذا خليفة رسول اللّه صَكلّه
والصحابة كلهم معه فى عصره، وثلاث سنين من عصر عمر رضى الله عنهم على هذا
المذهب . فلو عدهم العاد باسمائهم واحدا واحدا ، أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة
اما بفتوى واما باقرار عليها ، ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك ، فانه لم يكن
منكرا للفتوى به ، بل كانوا ما بين مفت ومقر بالفتيا ، وساكت غير منكر . وهذا

(٣٧١٢)
- ٥٩٩ -
٣٧١٢ وعن الحسن قال حدثناعبدُ الله بن عمر أنه طلق امرأته تطليقةً،
وهى حائضُ، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين آخِرَتين ، عند القرْءين، فبلغَ
حال كل صحابي من عهد الصديق الى ثلاث سنين من خلافة عمروهم يزيدون على الألف
قطعا كما ذكر يونس بن بكيرعن ابن اسحاق وكل صحابى من لدن خلافة الصديق
الي ثلاث سنين فى خلافة عمر - كان على ان الثلاث واحدة ، فتوى أواقرارا أوسكوتا.
وهذا ادعى بعض أهل العلم ان هذا الاجماع قديم ولم تجتمع الأمة ولله الحمدعلى خلافه. بل
لم يزل فيهم من يفتى به قرنا بعد قرن. والى يومنا هذا. فأفتي به حبر الامة عبدالله بن عباس،
والزبيربن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعلى ،وابن مسعود. ومن التابعين عكرمة.
وطاوس ، ومن تابعى التابعين محمد بن اسحاق، وخلاس بن عمرو، والحارث العكلى.
وهن أتباع تابع التابعين داودبن على، وأكثر أصحابه . وأفتى به بعض أصحاب مالك .
وبعض أصحاب أبي حنيفة. حكاه أبو بكر الرازى الجصاص عن محمد بن مقاتل . وأفتى به
بعض أصحاب أحمد اهـ. وقال ابن القيم فى الزاد: بعد ان حكي حجج الموقعين
له ثلاثا وحجج الموقعين له واحدة، وبسطها بسطا وافيا جدا - قال المانعون من
وقوع الثلاث : التحاكم فى هذه المسئلة وغيرها الى من أقسم اللّه تعالى أصدق
قسم وابره أنا لا نؤمن حتى تحكمه فيما شجر بيننا ثم نرضى بحكمه ، ولا يلحقنا فيه من
حرج ونسلم له تسليما ، لا الى غيره كائنامن كان . اللهم الا أن تجمع أمته اجماعا
متيقنا لا نشك فيه على حكم ، فهو الحق الذى لا يجوز خلافه. وبأبى الله ان تجتمع
الامة علي خلاف سنة ثابتة عن نبيها عَّ اللّه أبدا. ونحن قد أوجدناكم من الادلة
ما تثبت المسئلة به ، بل وبدونه . ونحن نناظركم فيما طعنتم به في تلك الادلة وفيما
عارضتمونا به. على أنا لا تحكم على أنفسنا الا نصا عن الله، أو نصا عن رسوله عصير له،
أو اجماعا متيقنا لاشك فيه. وما عدا هذا فعرضة للنزاع . وغايته ان يكون
سائغ الاتباع لالازمه. وقد قال تعالى ( فان تنازعتم فى شىء فردوه الى الله والرسول
ان كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) ثم نقض حجج
القائلين بالوقوع حجة حجة باحسن قول وأصحه وأبلغه ثم قال ، رداعلى دعواهم
الاجماع : وأما قولكم ، اذا اختلفت علينا الاحاديث نظرنا فيما عليه الصحابة .
فنعم والله حيهلا بتركة الاسلام وعصابة الايمان ، فلا نطلب الأعواض بعدهم.
فان قلب لا يرضي بغيرهم . ولكن لا يليق بكم أن تدعونا إلى شىء وتكونون أول
نافر عنه ومخالف له . فقد توفى النبى صير اللي عن أكثر من مائة الف كلهم قد رآه.
وسمعه. فهل يصح لكم عن هؤلاء كلهم أو عشرهم، أو عشر عشرم، أو عشر

- ٦٠٠ -
ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال « يا ابنَ عمر، ماهكذا
أمركَ اللّه تعالى، انك قدأخطأتَ السّنّةَ، والسُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْلَ الطَّرَ، فَتُطَلِّقَ
لكل قرءٍ )) قال: فأمرنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فراجعتها
ثم قال: ((إذا هى طَهُرَتْ فَطَلْقْ عند ذلك، أو أمْسِكْ)) فقلت: يارسول
الله، أرأيت لو طلقتْها ثلاثاً، أكان تَحلُّ لى أن أُراجعها؟ قال ((لا، كانت
تَبين مِنكَ، وتكون مَعَضية)) رواه الدار قطنى
عشر عشرهم القول بلزوم الثلاث بفم واحد. هذا ولوجهد تم كل الجهد لم تطيقوا
نقله عن عشرين نفسامنهم ابدامع اختلاف عنهم فى ذلك. ولو كانرناكم بالصحابة الذين
كان الثلاث على عهدهم واحدة لكانوا أضعاف من نقل عنهم خلافه . ونحن
نکاثر کم بکل صحابى مات الى صدر من خلافة عمر. ويكفيا مقدمهم وخيرم
وأفضلهم . ومن كان معه من الصحابة على عهده بل لوشئنا لقلنا ، وصدقنا : ان
هذا كان إجماعا قديمالم يختلف فيه على عهد أبى بكر اثنان. ولكن لم ينقرض
عصر المجمعين حتى حدث الخلاف بين الامة الى اليوم . ثم نقول : لم يخالف عمر
اجماع من تقدمه ، بل رأى الزامهم بالثلاث عقوبة لهم،لما علموا أنه حرام وتتابعوا
فيه . ولاريب أن هذا سائغ للأئمة أن يلزموا الناس ماضيقوا به علي أنفسهم ولم
يقبلوا فيه رخصة الله عز وجل. فكيف بعمر، وكمال نظره للامة وتأديبه لهم؟ ..
ولكن العقوبة تختلف باختلاف الازمنة والاشخاص والتمكن من العلم لتحريم
الفعل المعاقب عليه وخفائه. وعمر لم يقل لهم إن هذا عن النبي ◌َّ ◌ِلّهِ . وانما هو
رأى رآه للمصلحة . يكفهم به عن التسارع الى ايقاع الثلاث اه بتصرف
وقد كان من محاسن الصدف أن فضيلة مولانا مفتى الديار المصرية حالا العالم
المحقق السلفي التقي الشيخ عبد المجيد سليم - وهو من من الله على بدهم بقانون الطلاق
الجديد الذى سنته الحكومة السنية ولا يقع الثلاث بلفظ الا واحدة . وفيه غير ذلك من
المسائل القيمة، وفيه: هوغرة فى جبين الايام الحكومة جلالة الملك المعظم فؤاد الأول
نصره الله، وبه حلت مشكلة كانت أعقد من ذنب الضب أزما ناطوالا - كان من حسن
الصدف أن فضيلة المفتي يقرأ هذه المسئله في درسه الذى يلقيه على طلاب التخصيص
فى الشريعة الاسلامية، فبحثها بحثا مستوفيا، وقرأ فيها كل ما وصلت اليه يدهبـ وهو
1