Indexed OCR Text
Pages 1-6
مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد ، هو اللطيف الخبير ، الحكيم العليم ، الرؤف الرحيم ، اقتضت صفانه العلية، وأسماؤه الحسنى، أن يخلق الانس والجن ليعبدوه وحده، ولا يشركوا فى عبادته غيره، كما أنه لم يكن معه فى خلقهم ورزقهم أحد، وشاءت حكمته أن يصطفى من خلقه من يكون بينه وبينهم سفيرا ، لما يطلب من العبادة موضحا، ولسبيل الوصول إلى مرضاته مبينا. لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما، وكان خاتم أولئك السفراء وسيد أولئك الأنبياء، الرسول الأكرم والامام الأعظم ، صاحب النور الأتم ، والخير الأعم، الصفوة الصافية . والروح الطيبة الزا كية (سيدنا محمد بن عبد الله) عليه من الله الكريم ذى العرش العظيم، أفضل الصلوات وأتم التسليم أرسله الله تعالى وقد عم الأرض الأباطيل، وراز على الناس عمى الهوى والعصبية والتقليد الأعمى، فعبدوا اللّه باهوائهم وما استحسنت عقولهم، عبادة كانوا بها مشركين. وركبوا متن التقليد الأعمى الآباء والأجداد فكانوا من أضل الهالكين . وأحثَت الجاهلية العمياء على قلوبهم نطاقها ، فكانوا من الاخسرين، فحين أرسل الله ذلك الرسول تبين الرشد من الغي، والكفر من الإيمان ، والنور من الظلام فتفتحت لهديه قلوب اراد الله سعادتها، وعشيت عنه أفئدة غلبت عليها شقوتها ( هو الذى بعث فى الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا - ر - ١ من قبل لفى ضلال مبين) وأشرق عليهم نور كتاب مبين يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم ، فيه الرحمة والشفاء العاجل ، والبشرى للمحسنين . فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء، واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم . وما زال فضل الله عليهم متناليا ، ونعمه الجليلة عليهم تترى ، حتي أكمل اللّه لهم الدين وأتم عليهم النعمة، وارتضى لهم الاسلام دينا . ثم قبض اليه حيلبه الاكرم، وصفيه الاعظم ، ورفعه إلى الرفيق الأعلى، بعد أن أدى الرسالة، وبلغ الأمانة ، ونصح الأمة، وتركهم على المحجة البيضاء، والحنيفية السمحاء، ليلها كنهارها، لا يضل عنها إلا هالك ولقد عرف أولئك الرعيل الأول والسلف الصالح - رضى الله عنهم - للّه الكريم نعمته، وللرسول الرحيم مزيته، فقاموا على تلك التركة المباركة قيام الناصح الأمين ، وبذلوا فى نصرتها واعلاء كلمتها ، المهج والأموال والأولاد وكل ثمين . فأيدهم الله بنصره، وآتاهم من عظيم فضله. وجعلهم خير أمة أخرجت للناس ثم خلف من بعدهم خلوف، قلوبهم ليست كقلوبهم ، وصدقهم فى حب الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ليس كصدقهم ، وقوة ثقتهم بالله وحده وما عنده - مما لا ينفد- ليس كقوة ثقتهم، فأخذ الشيطان ينفذ اليهم من ذلك النقص ، ويعمل فيهم كيده ، قرنا بعد قرن، وكلما أخذ بهم إلى سبيله خطوة أتبعها أخرى، حتى عمت الناس - إلا قليلا من الصابرين على الهدى الاول - الفتنة، وغشيتهم ظلمات البدع والمحدثات ، وأشربوا فى قلوبهم عجل الهوى والعصبيات . وعادت الجاهلية بعض سيرتها . واتبعوا خطوات الشيطان ، والشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ثم مازالت هذه الحال تَحِزُّ فى نفوس المؤمنين ، المشفقين من عافية - ش - الاستمرار فى البعد عن القرآن والسنة ، وتُقِضُّ مضجعهم، فيرفعون الى الله أكف الضراعة، مبتهاين إليه أن يكشف هذه الغمة، ويزيح عن وجه الاسلام هذه الظلمة - حتى رأوا قبسا من النور قد انبعث من الأزهر المعمور - الذى طالما أشرقت منه أنوار الهداية ، فى أعصر كان السلطان فيها والكلمة العليا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة السلف المهتدين فان العناية المتضاعفة بهذا المعهد الاسلامى - من جلالة الملك الغيور على الاسلام ( احمد فؤاد الأول) ملك مصر المعظم - أطال الله أيامه. وأفر عين الاسلام بدوام تعطفاته، وجهوده . قد حفزت رجال الأزهر ، وقادة الرأى فيه أن يفكروا في الأمر تفكيراً جديا . وأن يعملوا جهد طاقتهم على انتشال الأمة من وهدة هى منحدرة فيها ، بدافع المحدثات والبدع، التى تمكنت بسبب ضعف سلطان العلم الصحيح على النفوس . فأجمع شيوخ الأزهر - وفقهم الله دائما لخير الاسلام والمسلمين - على انتهاج منهج جديد . وسلوك طريق أقوم مما كان الطلاب يأخذونه إلى العلم وعدلوا نظم التدريس على وجه - نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل ثمرته طيبة عاجلة . وخيره عميما عظيما - وكان من هذا النظام تقرير دراسة كتاب (المنتقى من أخبار المصطفى) صلى الله عليه وسلم، الذى جمعه الامام المحدث أبو البركات مجد الدين عبد السلام ابن عبد الله بن أبى القاسم بن الخضر بن محمد بن على بن تيمية الحرانى - ولدسنة ٥٩٠ تقريبا. وتوفى بعد عصر يوم الجمعة يوم عيد الفطر من سنة ٦٥٣ - كان هذا الحبر الجليل فريد عصره ، وقريع دهره فى العلوم الشرعية ، خصوصا منها الحديث . فجاء كتابه هذا فريدا فى بابه، وسد حاجة كبيرة طالما تشوق اليها طلاب الحديث، وحقق أمنيه طالما تشوفت اليها نفوس الفقهاء قال الأمام الحافظ ابن رجب رحمه الله فى ترجمة المجد ابن تيمية - ومن - ث - تصانيفه الأحكام الكبرى فى عدة مجلدات . والمنتقى فى أحاديث الأحكام، وهو الكتاب المشهور الذى انتقاه من الأحكام الكبرى، ويقال : ان القاضى بهاء الدين بن شداد هو الذى طلب ذلك منه محلب اهـ ولكن العلماء قد أخذوا على المجد ابن تيمية - رحمه الله وغفر له - أنه لم يبين درجة الحديث من الصحة والحسن والضعف، بل يرويه ويسكت عليه . وقد كان ذلك البيان ضروريا ، وهو على مثله أمر هين يسير، لايكلفه ما يكلفنا فى وقتنا، ولا ينيله من المشقة ما ينيلنا . حتى إنه يسوق حديث الترمذى . ولا يذكر ماذكر الترمذى فيه من بيان حاله . من الغرابة أو الضعف أو الشذوذ، أو النكارة ، أو نحو ذلك. وقد اجتهدت طاقتي فى القيام بهذا الواجب فيما علقت عليه . وان كان ذلك أمرا على مثلى كبيرا. لعل الله أن يحشرنا فى زمرة أهل الحديث؛ خدامه وقد اعثنى بشرح المنتقى والكتابة عليه كثير من أئمة الإسلام وخيرة العلماء الأعلام ، مثل الحافظ العلامة المحقق محمد بن احمد بن عبد الهادى المقدسى المتوفى ٧٤٤ ومثل العلامة سراج الدين عمر بن على الملقن الشافعى المتوفى سنة ٨٠٤. ولكنه لم يتمه . ومثل أبى العباس احمد بن المحسن القاضى ان قاضى الجبل الحنبلى المتوفى سنة ٧٧١ . ولم يتمه أيضا، ومثل العلامة القاضى محمد بن على الشوكانى المتوفى سنة ١٢٥٠ سمى شرحه نيل الأوطار. اعتمد فيه كثيرا على فتح البارى شرح صحيح البخارى فى المسائل الفقهية . وعلى التلخيص الحبير فى تخريج الأحاديث . وكلاهما للحافظ ابن حجر العسقلانى . وقد طبع المنتقى بالهند عدة مرات . وكان اخواننا الهنود بذلك سابقين إلى الفضل وخدمة الحديث. كما أن لهم فى هذا الميدان آثارًطيبة ، بارك الله فيهم ، فهم أصحاب اليد المحمودة فى رفع لواء السنة ونشر عبيقها اليوم فى أرجاء المعمورة. كما أن السيد صديق حسن خان ملك به وبال رحمه الله هو الذى - ث - أحيا كتاب نيل الأوطار، وطبعه فى المطبعة الأميرية المصرية من عدة سنين ، فكان من وراء طبعه ، وانتشاره فى أيدى طلاب العلم فتح دينى عظيم وقد دب فى مصر روح الرغبة الصادقة فى اعادة المجد الأول الذى كان لها فى العالم الاسلامى ، واحلالها من ميدان خدمة الاسلام مكانها الذى كانت تقبوؤه ، أيام كان الناس يستضيئون بنور الأزهر وما ينبعث من بين جوانبه من آثار ، هى غرة الدهر الى اليوم وبعد اليوم ومن يعمل لذلك فيخدم مصر حقاً (الحاج مصطفى محمد) صاحب المكتبة والمطبعة التجارية الكبرى . فانه - بارك الله فيه- يبذل عناية كبيرة فى احياء الكتب العلمية النافعة . ويعطى فن الحديث من هذه العناية أعظم قسط . وقد انتدب لطبع هذا الكتاب الجليل والسفر النفيس . ووكل الىَّ مباشرة تصحيحه وتعليق بعض الهوامش الضرورية عليه. مما قد يكون فيه بعض الغناء عن الموسوعات والكتب المطولة . وقد حرصت فى هذه التعليقة التى صنعتها على متن المنتقى طاقتي - على عزو كل قول لصاحبه ، وبيان موضع ذلك من الكتب المطبوعة لتطمئن النفس إليها ، ويسهل الرجوع عند الحاجة إلى موضعها ، فلعل هناك فائدة زائدة . وكان بين يدى من الكتب للمراجعة: فتح البارى - طبعة الخشاب - وشرح النووى على مسلم -طبع محمد عبد اللطيف والتلخيص الحبير، طبع المطبع الانصارى فى دهلى فى الهند. ونيل الأوطار - طبع الشيخ منير - وسبل السلام شرح بلوغ المرام طبع الشيخ منير . وزاد المعاد - طبع محمد عبد اللطيف - وفتاوى ابن تيمية - طبع فرج الكردى - وتهذيب سنن أبى داود للحافظ ابن القيم مخطوط ، وشرح السنة البغوى مخطوط. وعون المعبود شرح سنن أبى داود طبع الهند . وتحفة الاحوذى شرح الترمذى للشيخ عبد الرحمن المباركفورى طبع دهلى بالهند ، وسنن البهيقى طبع حيدر أباد . - خ - ومشارق الأنوار فى غريب الآثار والاخبار للقاضى عياض طبع تونس - والإصابة فى أسماء الصحابة طبع الخانجى . وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم طبع الحلبى . والمحرر لابن قدامة ، والمغنى فى فقه الإمام أحمد طبع المنار . وغير ذلك من كتب الرجال والفقه والحديث وقد عنيت كثيرا بتصحيح المتن على عدة نسخ،موجود اثنان منها بدار الكتب المصرية العامرة رقم (٥٤٣) مقابلة بالأصل المسموع على المصنف و(٥٣٦) بخط صلاح الدين خليل بن عيسى القيمرى فرغ منها يوم الاثنين عشرى شعبان سنة ٧٢١ أعانى على الحصول عليهما الأستاذ الكريم على فكرى الامين الأول لدار الكتب - ونسخة فضيلة الأخ الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر القاضى الشرعى كتبت فى سادس شهر ربيع الأول سنة ٧٢١ بمدينة بعلبك على يد الفقير الى الله محمد بن بردس بن نصر الحنبلى جاء على أتم مايمكن من الضبط والتصحيح. إلا أنه لا يخلو-مهما حرص الانسان على الكمال - من بعض غلط فى الطبع أو خطأ فى التعليق. فنرجو من المؤمن المحب للعلم أن يقدر المجهود. ويغفر بجانبه الخطأ، ويقيل العثرة وأسأل الله أن يجعل ذلك العمل خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به ، وأن يثيبنى عليه وطابعه ما تقتضيه رحمته وفضله. كما أسأله تعالى أن يديم علم العلم الاسلامى على الأزهر المعمور مرفوعا، فى ظل جلالة مليكنا المحبوب الملك فؤاد الأول أيده الله بعزيز نصره . واقر عينه وعين الأمة بولى عهده وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد بن عبد الله الرسول الأمين . وعلى اخوانه من الانبياء والمرسلين ومن انبعه بإحسان إلى يوم الدين وكتبه الفقير الى الله تعالى محمَ عَامِد الفقى القاهرة المحروسة: سنة ١٣٥٠ هـ ١٩٣١ م