Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الحَظْر والإباحة ويجوز للنِّساء التحلّي بالذهب، والفضة. ويكره أن يُلَبَسَ الصبيُّ الذهبَ، والحريرَ. ولا يجوز الأكلُ، والشربُ، والادِّهانُ، والتطُّبُ في آنية الذهب والفضة، للرجال، والنساء. إباحة ذلك، كما في ((الهداية)). * (ويجوز للِّساء التحلِّي بالذهب، والفضة) مطلقاً. * وإنما قيَّد بالتحلَّي؛ لأنهن في استعمال آنية الذهب، والفضة، والأكل فيها، والادِّهان منها: كالرجال، كما يأتي. [حكم إلباس الصبي الذهبَ والفضةَ : ] (ويكره) للوليِّ (أن يُلِبِسَ الصبيَّ الذهب)، والفضة، (والحريرَ)؛ لأن التحريم لمَّا ثبت في حقِّ الذكور، وحَرُمَ اللُّبْسُ: حَرُمَ الإلباسُ، كالخمر لمَّا حَرُمَ شُرْبُهُ: حَرُمُ سَقْيُه. ولأنه يجب عليه أن يعوِّدَ الصبيَّ طريقَ الشريعة، ليألفها، كالصوم، والصلاة. [حُكم استعمال أواني الذهب والفضة :] * (ولا يجوز الأكلُ، والشربُ، والادِّهانُ، والتطيُّبُ)، وجميعُ أنواع الاستعمال (في آنية الذهب والفضة، للرجال، والنساء)؛ لعموم ٣٤٢ كتاب الحَظْر والإباحة . النَّص (١). (١) * وكذا الأكلُ بمِلْعَقَةِ ذهبٍ وفضة، والاكتحالُ بميْلهما، وما أشبه ذلك من الاستعمال، كمُكْحُلَةٍ، ومرآةٍ، وقلمٍ، ودَوَاةٍ، ونحوها، يعني إذا استُعملت ابتداءً فيما صُنعت له بحسب متعارَفٍ الناس، وإلا : فلا كراهة. ** حتى لو نَقَلَ الطعامَ من إناء الذهب إلى موضع آخر، أو صَبَّ الماءَ، أو الدُّهنَ في كفَه، لا على رأسه ابتداء، ثم استعمله: لا بأس به، ((مجتبى))، وغيرُهُ، وهو ما حرَّره في ((الدرر))، فليُحْفَظ، كذا في ((الدر))(٢). (١) وهو ما رواه حذيفة رضي الله عنه قال: ((نهانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضَّة، وأن نأكل فيها)). صحيح البخاري ٢٩١/١٠ (٥٨٣٧)، قال الزيلعي في تبيين الحقائق ١١/٦: ((فإذا ثبت ذلك في الشرب والأكل، فكذا في التطيُّب، وغيره؛ لأنه مثله في الاستعمال، فيكون الوارد فيهما: وارداً فيما هو بمعناهما دلالة)). اهـ، وينظر الهداية مع شرحها البناية ١١ / ٨١. (٢) لكن ابن عابدين في حاشيته ٣٤٢/٦ لم يرتض إطلاق ذلك، وأطال بكلام نفيس محقّقاً المسألة، فقال: ((إن وَضْع الدُّهن أو الطعام مثلاً في ذلك الإناء المحرَّم: لا يجوز، لأنه استعمالٌ له قطعاً، ثم بعد وَضعه، إذا تُرك فيه بلا انتفاع: لَزِمِ إضاعةٌ المال، فلا بدَّ من تناوله ضرورة. فإذا قَصَدَ المتناوِلُ نَقْلَه من ذلك الإناء إلى محلٌّ آخر، لا على وجه الاستعمال، بل ليستعمله من ذلك المحل الآخر، كما إذا نَقَل الدهنَ إلى كفِّه، ثم دَهَن به رأسَه، = ٣٤٣ كتاب الحَظْر والإباحة ولا بأس باستعمال آنية الزجاج، والبَلُّوْرِ، والعَقيق. ويجوز الشربُ في الإناء المفضّض عند أبي حنيفة، . ٠٠ ٠ * (ولا بأس باستعمال آنية الزجاج، والبَلُّوْرِ (١)، والعَقيق)، والياقوت، والزَّبَرْجَد، ونحو ذلك؛ لأنها ليست في معنى الذهب والفضة. * (ويجوز الشربُ)، والوضوء (في الإناء المفضَّض) المزيَّن بالفضة(٢) (عند أبي حنيفة). أو نَقَل الطعام إلى الخبز، أو إلى إناءِ آخر، واستعمله منه: لا يُسمَّى مستعملاً آنية الفضة أو الذهب، لا شرعاً، ولا عُرْفاً. بخلاف ما إذا تناوله ابتداءً على قَصْد الادِّهان، أو الأكل: فإنه استعمالٌ، سواء تناوله بيده، أو بمعلقةٍ، ونحوها، فإنه كأخذ الكُحْل بالمِيْل. وسواء استعمله فيما وُضع له عرفاً، أو لا، وليس المراد بأخذ الدهن: صبَّه في الكف، لأنه استعمالٌ متعارَفٌ ... ، ومنه يظهر حكم الادهان من قُمْقُم ماء الورد، فإنه تارةً يُرَشُّ منه على الوجه ابتداءً، وتارة بواسطة الصَّبِّ في الكف: فكلاهما استعمالٌ عرفاً وشرعاً، خلافاً لما يزعمه بعض الناس في زماننا، من أنه لو صبّ في الكف: لا یکون استعمالاً، اغتراراً بظاهر كلام الشارح». اهـ (١) البلُّور: على ثلاثة أوزان: كتثُّور، وسِنَّوْر، وسِبَطْر. القاموس المحيط (بلور). ومعنىُ: ((سِبَطْر)): أي: الماضي الشَّهْم. القاموس (سبطر). (٢) سيأتي بعد قليل أن هذا فيما يخلُص لو أُذيب، وأما المموّه الذي لا يخلص: فلا بأس به بدون خلاف. ٣٤٤ كتاب الحَظْرِ والإباحة والركوبُ على السَّرْجِ المفضَّض، والجلوسُ على السرير المفضّض . * (و) كذلك يجوز عنده (الركوبُ على السَّرْج المفضّض، والجلوسُ على السرير المفضَّض). قال في ((الهداية)): إذا كان يتَّقي موضعَ الفضة، ومعناه: يتَّقي موضعَ الفم، وقيل: هذا، وموضعَ اليد في الأخذ، وفي السرير والسَّرْج: موضعَ الجلوس. وقال أبو يوسف: يكره ذلك. وقولُ محمد يروى مع أبي حنيفة، ويُروى مع أبي یوسف. وعلى هذا الاختلاف؛ الإناءُ المضَبَّبُ(١) بالذهب والفضة، والكُرسيُّ المضبَّبُ بهما. * وكذا إذا جَعَلَ ذلك في السيف، والمِشْحَذِ (٢)، وحَلْقة المرآة، أو جَعَلَ المصحفَ مُذَهَّباً، أو مفضَّضاً. (١) المضبَّب: أي المشدود بضَبَّات الفضة، وينظر: المغرب (ضبب)، البناية ١١ / ٨٣. (٢) المِشْحَذ: المِسَنُّ القاموس (شحذ). ٣٤٥ كتاب الحَظْر والإباحة ويُكره التعشير في المصحف، والنَّقْطُ. * وكذا الاختلاف في اللِّجام، والرِّكاب، والنَّفَر (١) إذا كان مفضّضاً. * وكذا الثوبُ فيه كتابةٌ بذهب أو فضة: على هذا. * وهذا الاختلاف فيما يَخْلُص(٢)، فأما التمويهُ الذي لا يخلُص: فلا بأس به بالإجماع. واختار قولَ الإمام: الأئمَّةُ المصحِّحون، كالمحبوبي، والنسفي، وصدرِ الشريعة، وغيرهم. (تصحيح)). [حكم تعشير ونَقْط المصحف : ] * (ويُكره التعشير): أي وَضْع علاماتٍ بين كل عشر آيات (في المصحف، و) كذا (النَّقْط): أي إعجامه؛ لإظهار إعرابه؛ لقول ابن مسعودٍ رضي الله عنه: ((جَرِّدوا القرآن))(٣)، ويُرْوى: ((جَرِّدوا (١) الثَّفَر: بالتحريك - وقد يُسكَّن -: السَّيْر في مؤخَّر السَّرْج. اهــ القاموس (ثفر)، وفي المغرب (ثُفر): الثَّفَر: بالتحريك: هو من السرج ما يُجعَل تحت ذنب الدابَّة. اهـ (٢) أي لو أُحمي وأُذيب المكان المضبَّب: لخَلُص منه شيء. (٣) عزاه الزيلعي في نصب الراية ٢٦٩/٤ لابن أبي شيبة في المصنّف ٥٠١/٥ (٨٦٣٥)، ولغيره، وأخرجه أبو عبيد في غريب الحديث ٤٦/٤، وفضائل القرآن ص٢٣٩. ٣٤٦ كتاب الحَظْرِ والإباحة ولا بأس بتحلية المصحف، ونَقْشِ المسجد وزَخْرفته بماء الذهب . المصاحف)) (١)، وفي التعشير والنَّقْط: تَرْكُ التجريد. ولأنَّ التعشيرَ: يُخلِّ بحفظ الآي، والنَّقْطَ: بحفظ الإعراب؛ اشكالاً عليه، فيكره. * قالوا: في زماننا لا بدَّ للعَجَم من دلالة؛ فتَرْك ذلك إخلالٌ بالحفظ، وهِجْرانٌ للقرآن، فيكون حَسَناً. ((هداية)). * قال في ((الدر)): وعلى هذا: لا بأس بكتابة أسامي السُّوَر، وعدِّ الآي، وعلاماتِ الوقف، ونحوِها؛ فهي بدعةٌ حسنةٌ. ((درر))، و((قنية)). اهـ [حكم تحلية المصحف ونَقْش المسجد بماء الذهب :] * (ولا بأس بتحلية المصحف)؛ لما فيه من تعظيمه، (ونَقْشِ المسجد)، وتزيينه، (وزَخْرفته بماء الذهب) إذا كان المقصودُ بذلك تعظيمه. ويكره إذا كان يقصد الرِّيَاءَ. ويَضْمن إذا كان من مال المسجد. (١) هذه الرواية غريبة، كما قال الزيلعي في نصب الراية ٢٦٩/٤. ٣٤٧ كتاب الحَظْر والإباحة ويكره استخدامُ الخِصْیان. ولا بأس بخِصاء البهائم، وإنزاءِ الحمير على الخيل. ويجوز أن يُقُبَلَ في الهديةِ والإذنِ قولُ . [كراهة استخدام الخصيان : ] * (ويكره استخدامُ الخِصْيان)؛ لأن الرغبة في استخدامهم تَحْمِل على هذا الصنيع، وهو مُثْلةٌ محرَّمة. [حكم خصاء الحيوانات : ] * (ولا بأس بخصاء البهائم)؛ لأنه يُفْعَل للنفع؛ لأن الدابة تَسْمَن، ويطيبُ لَحْمُها بذلك. [حكم إنزاء الحمير على الخيل : ] * (وإنزاء الحمير على الخيل)؛ لما صحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم ركِبَ البغلة (١)؛ فلو كان هذا الفعل(٢) حراماً: لما ركبه؛ لما فيه مِن فَتْح بابه. ((هداية)). [حكم قبول أخبار الصبي والعبد :] * (ويجوز أن يُقْبَلَ في الهدية، والإذن)، في التجارة (قول (١) صحيح البخاري ٧٥/٦ (٢٨٧٤)، صحيح مسلم ١٤٠٠/٣ (١٧٧٦). (٢) أي إنزاء الحمير على الخيل. ٣٤٨ كتاب الحَظْرِ والإباحة الصبيِّ، والعبدِ . ويُقبَلُ في المعاملات قولُ الفاسق. الصبيِّ، والعبد)؛ لأن العادة جاريةٌ بَبَعْث الهدايا على يد هؤلاء، والإذنِ في التجارة، ولا يُمْكِنُهم استصحابُ الشهود على الإذن معهم إذا سافروا، أو جلسوا في السوق، فلو لم يُقْبَل قولُهم: لأدَّى إلى الحرج. وهذا إذا غَلَبَ على ظنه صدقُهم، وإلا: لم يَسَعْه ذلك. * وفي ((الجامع الصغير)): إذا قالت جاريةٌ لرجلٍ: بَعَثَني مولاي إليك هديَّةً: وَسِعَه أن يأخذها؛ لأنه لا فَرْق بينما إذا أخبرت بإهداء المولى غيرَها، أو نفسَها؛ لما قلنا. ((هداية)). [حكم قبول أخبار الفاسق : ] (ويُقْبَل في المعاملات قولُ الفاسق)، والكافر؛ لكثرة وجودها بين أجناس الناس، فلو شَرَطْنا شرطاً زائداً: لأدَّى إلى الحرج، فيُقبَل قولُ الواحد فيها: عدلاً كان أو فاسقاً، كافراً أو مسلماً، عبداً أو حُرَّاً، ذكراً أو أنثى؛ دفعاً للحرج. ((هداية)). ٣٤٩ كتاب الحَظْرِ والإباحة ولا يُقبلُ في أخبار الديانات إلا قولُ العدل. ولا يجوز للرجل أن ينظر من الأجنبيّة إلا إلى وجهِها وكفّيْها، .. [ما يشترط في قبول أخبار الديانات : ] (ولا يُقبل في أخبار الدِّيانات(١) إلا قولُ العدل)؛ لعدم كثرة وقوعها حسب وقوع المعاملات، فجاز أن يُشتَرط فيها زيادة؛ فلا يُقبل إلا قولُ المسلم العدل؛ لأن الفاسق متَّهمٌ، والكافر لا يَلتزم الحكم، فليس له أن يَلزم المسلمَ. ((هدایة)). [أحكام النظر : ] * (ولا يجوز للرجل أن ينظر من الأجنبيّة) الحرّة (إلا إلى وجهها وكفَيْها)؛ ضرورةَ احتياجها إلى المعاملة مع الرجال، أخذاً وإعطاءً، وغير ذلك. * وهذا تنصيصٌ على أنه لا يباح النظر إلى قَدَمِها، وعن أبي حنيفة: أنه يُباح؛ لأن فيه بعض الضرورة. * وعن أبي يوسف: أنه يباح النظر إلى ذراعها أيضاً؛ لأنه قد يبدو (١) الديانات: جمْعُ ديانة، وهي التي يتديَّن بها العبد من العبادات ونحوها، كالإخبار عن هلال رمضان، والعيد، أو الإخبار عن نجاسة ماء، أو عن إرضاع طفل، وهكذا، وهناك تفصيل فيما يقبل فيه خبر واحد أو أكثر. ينظر البناية ١١ /٨٨. ٣٥٠ كتاب الحَظْر والإباحة فإن كان لا يأمَن الشهوةَ: لم ينظر إلى وجهها إلا لحاجةٍ. منها عادةً. ((هداية))، وهذا إذا كان يأمن الشهوة(١). * (فإن كان لا يأمن) على نفسه (الشهوة: لم (٢) ينظر إلى وجهها إلا لحاجةٍ) ضروريّة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن نَظَرَ إلى محاسن امرأة أجنبيّة عن شهوةٍ: صُبَّ في عينيه الآنُكُ يوم القيامة))(٣). (١) ((وحدُّ الشهوة: أن تنتشر آلتُه، أو تزداد انتشاراً، وقيل: أن يشتهيَ بقلبه، ولا يشترط الانتشار)). اهـ من الجوهرة ٢٣٦/١، ونَقَل الشارح الميداني في أول النكاح عند الكلام على المحرمات من النساء عن المحيط: أن الانتشار: في الشباب، والميل: في الشيخ كبيرِ السن. أما ابن عابدين في حاشيته ٢٣٣/٥ (ط بولاق)، ٣٦٥/٦ (ط البابي)، فيقول: ((إن مجرَّد النظر والاستحسان للوجه المنظور إليه: ليس هذا نظر شهوة، وإنما الشهوة: مَيْلُ الناظر بعد هذا مَيْلَ لذَّةٍ في القرب منه، وتحرُّك قلبه إليه، وفوق ذلك الميلُ إلى المعانقة، أو التقبيل، أو .... ولو بلا تحرُّك آلة)). اهـ باختصار. وعرَّفها باختصار شديد صاحب كشاف اصطلاحات الفنون ٧٨٨/١ بقوله: ((الشهوة: تَوَقَان النفس إلى المستلذات)). اهـ، ويُزاد على هذا التعريف المختصر في مسألتنا هذه قَيْد: المستلذات المحرَّمة. (٢) وفي بعض نسخ القدوري: ((لا ينظر)). (٣) قال الزيلعي في نصب الراية ٢٤٠/٤: غريب، وقال ابن حجر في الدراية ٢٢٥/٢: لم أجده، وكذلك العيني في البناية ١٤٧/١١، والآنُكُ: بضم النون: هو الرَّصاص. النهاية لابن الأثير ١/ ٧٧ (أنك). هذا، وقد وردت أحاديث كثيرة صحيحة في النهي عن النظر إلى الأجنبية، = ٣٥١ كتاب الحَظْر والإباحة ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها، وللشاهد إذا أراد الشهادة عليها : النظرُ إلى وجهها وإن خاف أن يَشتهيَ . وُ ((هداية)). قال في ((الدر)): فَحِلّ النظر مقيَّدٌ بعدم الشهوة، وإلا: فحرامٌ، وهذا في زمانهم، وأما في زماننا: فمُنْعَ من الشابة. قهستاني(١)، وغيرُهُ. اهـ * (ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها): أي المرأة (وللشاهد إذا أراد الشهادةَ عليها: النظرُ إلى وجهها وإن خاف أن يَشتهيَ)؛ مخرَّجة في الصحيحين، وفي كتب السنن، تنظر في: الترغيب والترهيب للمنذري ٣٤/٣ -٣٩، والزواجر عن اقتراف الكبائر، لابن حجر الهيتمي ٣/٢. (١) جامع الرموز ٣٠٥/٣، الذي انتهى من تأليفه سنة (٩٤١هـ). وفي مقابل الأمر بغضِّ البصر عن وجه الشابة؛ لغلبة الظن بوقوع الفتنة، فإن الشابة مأمورةٌ أيضاً بدفع فتنتها عن غيرها، وذلك بستر وجهها. وممَّن نصَّ على هذا من أئمة المذهب من المتقدمين: الإمام أبو بكر الرازي الجصاص (ت ٣٧٠هـ)، في أحكام القرآن ٣٧٢/٣ عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا التَِّىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَ يُؤْذَيْنَ﴾. الأحزاب /٥٩، فقد قال: ((في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بسَتْر وجهها عن الأجنبيين، وإظهارِ الستر والعفاف عند الخروج)). اهـ ومن المتأخرين الحصكفي (ت ١٠٨٨ هـ) في الدر المختار ٢١/٣ (مع ابن عابدين)، حيث قال: ((وتُمنع المرأة الشابة من كشف الوجه بين رجالٍ؛ لخوف الفتنة)). اهـ، قلت: فمن باب أولى عند تحقق الفتنة أو غلبة الظن. ٣٥٢ كتاب الحَظْرِ والإباحة ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع المرض منها . وينظر الرجلُ من الرجل إلى جميع بدنه، إلا ما بين سُرَّته إلى ر کبته . للحاجة إلى إحياء حقوق الناس بواسطة القضاء، وأداء الشهادة، ولكن ينبغي أن يَقْصِد به أداءَ الشهادة، أو الحكمَ عليها، لا قضاء الشهوة، تحرُّزاً عما يمكنه التحرُّزُ عنه، وهو قَصْدُ القبيح. ** وأما النظرُ لتحمُّل الشهادة إذا اشتهى: قيل: يباح، والأصحُّ أنه لا يباح؛ لأنه يوجد مَنْ لا يَشتهي، فلا ضرورة، بخلاف حالة الأداء. ((هداية)). [نظر الطبيب إلى المرأة المريضة : ] * (ويجوز) أيضاً (للطبيب أن ينظر إلى موضع المرض منها). * وينبغي أن يُعلِّم امرأةً مداواتَها؛ لأن نَظَرَ الجنس إلى الجنس أسهل. * فإن لم يَقْدر: يَسْتُر كلّ موضعٍ منها سوى موضع المرض، ثم ينظر، ويَغضُّ بصرَه ما استطاع؛ لأن ما ثَبَتَ بالضرورَة: يتقدَّر بقَدْر الضرورة، وصار كنظر الخافضة، والخَتَّان. ((هداية)). [حدود عورة الرجل مع الرجل، وحكم النظر إلى الأمرد :] * (وينظر الرجلُ من الرجل)، ولو أمردَ صبيحَ الوجه إذا أَمِنَ الشهوةَ (إلى جميع بدنه، إلا ما بين سُرَّته إلى) منتهى (ركبنه)، فالسُّرَّة ٣٥٣ كتاب الحَظْر والإباحة ويجوز للمرأة أن تنظرَ من الرجل إلى ما يَنْظِرُ الرجلُ إليه منه . ليست بعورة، والركبةُ عورةٌ. * وإنما فيَّدنا النظر إلى الأمرد بما إذا أَمِن الشهوة؛ لما في ((الهنديَّة»: والغلامُ إذا بَلَغَ مبلغَ الرجال، ولم يكن صبيحاً: فحكمه حُكْم الرجال. وإن كان صَبيحاً: فحكْمُهُ حُكْمُ النساء، وهو عورةٌ من قَرْنه إلى قَدَمه، لا يَحلِّ النظرُ إليه عن شهوة. * فأما الخلوة، والنظر إليه لا عن شهوة: فلا بأس به؛ ولذا لم يؤمر بالنقاب، كذا في ((الملتقَط)). اهـ [نظر المرأة إلى الرجل : ] * (ويجوز للمرأة أن تنظرَ من الرجل إلى ما ينظرُ الرجلُ إليه منه): أي من الرجل (١) إذا أمنت الشهوة؛ لاستواء الرجل والمرأة في النظر إلى ما ليس بعورة، كالثياب، والدواب. ((هداية)). (١) أي جميع بدنه ما عدا ما بين السرَّة إلى الركبة. ٣٥٤ كتاب الحَظْر والإباحة وتنظرُ المرأةُ من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظرَ إليه من الرجل. وينظرُ الرجلُ من أَمَته التي تَحِلُّ له، وزوجتِه إلىْ فَرْجها. [حدود عورة المرأة مع المرأة : ] * (وتنظر المرأةُ من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظرَ إليه من الرجل)؛ لوجود المجانسة، وانعدام الشهوة غالباً؛ كما في نظر الرجل إلى الرجل، وكذا الضرورة قد تحقّقت إلى الانكشاف فيما بینھنَّ. (هدایة)). [عورة أمة الرجل منه، والزوجةٍ من زوجها : ] ءُ * (وينظر الرجل من أَمَته التي تَحِلّ له) للوطء، (و) مِن (زوجته إلىْ فَرْجها)، وهذا إطلاقٌ في النظر إلى سائر بدنها، عن شهوةٍ، وعن غير شهوة. والأصلُ فيه: قولُه صلى الله عليه وسلم: ((غُضَّ بَصَرَكَ إلا عن أَمتِك وامرأتِك)»(١). (١) رواه أصحاب السنن الأربعة بلفظ: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملکت یمینُك))، سنن أبي داود ٣٨٥/٤ (٤٠١٣)، سنن الترمذي ١١٠/٥ (٢٧٩٤)، وقال: حديث حسن، وينظر نصب الراية ٢٤٥/٤، الدراية ٢٢٧/٢. ٣٥٥ كتاب الحَظْر والإباحة وينظرُ الرجلُ من ذوات محارمه إلى الوجه والرأس، والصدر، والساقين، والعضدين، ولا ينظرُ إلى ظهرها، وبطنها . ولا بأس أن یَمَسَّ ما جاز أن ينظر إليه منها . ولأنَّ ما فوق ذلك من المَسِيسِ، والغِشْيان مباح، فالنظرُّ أَوْلى، إلا أن الأَوْلى أن لا ينظر كلّ واحدٍ منهما إلى عورة صاحبه، وتمامُه ءِ في ((الهداية))(١). [عورة المرأة أمام المحارم : ] ** (وينظر الرجلُ من ذوات محارمه)، وهنَّ: مَن لا يَحلُّ له نكاحهنَّ أبداً بنسبٍ أو بسبب، (إلى الوجه، والرأس، والصدر، والساقين)، وحدُّ السَّاق: من الركبة إلى القدم، (والعضدين): أي الساعدين، وحدُّ السَّاعد: من المرفق إلى الكتف، كما في ((الصحاح)). * (ولا ينظرُ إلى ظهرها، وبطنها)؛ لأن الله تعالى حرَّم المرأةَ إذا شبَّهها بظَهْر الأم، فلولا أن النظر إليه حرامٌ: لما حَرُمَت المرأةُ بالتشبيه به، وإذا حَرُمَ النظرُ إلى الظهر: فالبطن أَوْلى؛ لأنه أدعى للشهوة. * (ولا بأس) للرجل (أن يَمَسَّ) من الأعضاء (ما جاز) له (أن ينظر إليه منها): أي من الأعضاء، من ذكرٍ أو أنثى، إذا أَمِنَ الشهوةَ (١) وينظر البناية ١١ / ١٧٠. ٣٥٦ كتاب الحَظْر والإباحة وينظرُ الرجلُ من مملوكةٍ غيره إلى ما يجوز أن ينظر إليه من ذوات محارمه . على نفسه، وعليها. وإن لم يأمَن ذلك، أو شكَّ: لم يَحِلّ له المسُّ، ولا النظر، كما في ((المجتبى))، وغيرِه. * وهذا في غير الأجنبيّة الشابة، أما هي: فلا يَحلّ مَسُّ وجهها، وكفَّيْها وإن أَمِنَ الشهوة؛ لعدم الضرورة، بخلاف النظر(١). وقيَّدنا بـ: الشابة؛ لأن العجوز التي لا تُشتَهى: لا بأس بمصافحتها، ومسِّ يدها؛ لانعدام خوف الفتنة(٢)، وتمامُه في ((الهداية)). [عورة أَمة الغير : ] * (وينظر الرجل من مملوكة غيره)، ولو مُدَبَّرةً، أو مكاتبَةً، أو أمَّ ولد (إلى ما يجوز) له (أن ينظر إليه من ذوات محارمه)؛ لأنها تخرج لحوائج مولاها، وتَخْدُم أضيافَه، وهي في ثياب مِهنتها، (١) هذا بناء على جواز النظر إلى وجه الأجنبيّة وكفَّيْها إن أُمِنت الفتنة. (٢) وكذلك إذا كان شيخاً - أي عجوزاً - يأمن على نفسه، وعليها: فلا بأس أن يصافحها، وإن كان لا يأمن على نفسه، أو عليها: فليجتنب. اهـ من ابن عابدين ٣٦٨/٦. ٣٥٧ كتاب الحَظْر والإباحة فكانت الضرورة داعيةً إليه، وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى جاريةً منقَّةً عَلَاَها بالدِّرَّة، وقال: ألْقِ عنكِ الخِمارَ يا دَفَارِ، أتتشَبَّهين بالحرائر(١)؟ * وأما الخلوةُ بها، والمسافَرةُ معها(٢)؟ فقد قيل: تباحُ، كما في المحارم، وقيل: لا تباح؛ لعدم الضرورة، وإليه مالَ الحاكمُ (٣) الشهيد(٣). (١) قال الزيلعي في نصب الراية ٢٥٠/٤: غريب، ثم ذكر عن البيهقي في قصَّة عمر رضي الله عنه: ((لا تُشَبِّهوا الإماءَ بالمحصنات)»، أنه قال: والآثار بذلك عن عمر رضي الله عنه صحيحة. اهـ. لكن الزيلعي في موضع آخر من نصب الراية ٣٠٠/١ توسّع في تخريجه، وأثبته معزوًّاً لعبد الرزاق، ولابن أبي شيبة في المصنف ٣٤٤/٤ (٦٢٩٤) (ط دار القبلة)، ولمحمد بن الحسن في الآثار. وقال العيني في البناية ١٨٠/١١: وروى أبو عبيد القاسم بن سَلاَّم بمعناه: أن عمر رضي الله عنه رأى جارية مكمكمة، فسأل عنها، فقالوا: أمة آل فلان، فضربها بالدِّرَّة، وقال: ((يا لُكَع (يا لَكْعاء)، أتتشبَّهين بالحرائر؟!)). اهـ قلت: هو في غريب الحديث لأبي عبيد ٣٤٣/٣، ومعنى: (يا لكعاء): أي (يا خَبَاث) من الخُبْث، وينظر غريب الحديث له ١٥٤/٣. ومعنىُ: (يا دَفَار) بفتح الدال: أي: يا مُنْتِنة، من الدَّفَر، وهو النتن. البناية ١٨٠/١١، غريب الحديث لأبي عبيد ١٥٤/٣. (٢) ((معها)»: ساقطة من نسخ اللباب كلها، ومثبتة في الهداية ٨٧/٤، وبها يتم المعنى. (٣) نقل ابن عابدين ٣٦٨/٦ عن الطحطاوي أن المشايخ - في المذهب - = ٣٥٨ كتاب الحَظْر والإباحة ولا بأس بأن يَمَسَّ ذلك إذا أراد الشراءَ وإن خاف أن يَشْتَهيَ . * (ولا بأس) عليه (بأن يمسّ ذلك) الموضعَ الذي يجوز النظر إليه من الأمة (إذا أراد الشراء وإن خاف أن يشْتهي). قال في ((الهداية)): كذا ذَكَرَه في ((المختصر)) (١)، وأطلق أيضاً في ((الجامع الصغير))، ولم يفصِّل، وقال مشايخنا: يباح النظر في هذه الحالة وإن اشتھی للضرورة، ولا یباح المسُّ إذا اشتھی، أو كان أكبرُ رأيه ذلك؛ لأنه نوعُ استمتاع. وفي غير حالة الشراء: يباح النظرُ والمسُّ بشرط عدم الشهوة. اهـ (٢) اختلفوا في حكم الخلوة والمسافرة بإماء الغير من غير مَحْرم: على قولين: الحِلُّ، وعدمه، وهما قولان مصحَّحان، ثم قال ابن عابدين: لكن هذا في زمانهم، لما سيذكره الشارح - الحصكفي - عن ابن كمال: أنه لا تسافر الأمة بلا محرم في زماننا، لغلبة أهل الفساد، وبه يُفتى، فتأمَّل. اهـ من ابن عابدين. (١) أي مختصر القدوري. (٢) قال ابن عابدين ٣٦٩/٦: وبه جزم في الاختيار، والخانية، والمبتغى، وذكر ابن عابدين أيضاً عن محمد بن الحسن: كراهة ذلك للشاب، وعن أبي حنيفة : جوازه. ٣٥٩ كتاب الحَظْر والإباحة والخَصِيُّ في النظر إلى الأجنبيّة كالفحل. ولا يجوز للمملوك أن ينظر من سيِّدته إلا إلى ما يجوز للأجنبيِّ النظرُ إليه منها . [حكم نظر الخصي إلى المرأة الأجنبية : ] (والخَصِيُّ)، والمجبوبُ(١)، والمخنَّثُ (في النظر إلى الأجنبيّة و كالفحل)؛ لأنه ذَكَرٌ ذو شهوة، داخلٌ تحت عموم النص(٢)، والطفل الصغير مستثنىّ بالنَّصَّ(٣). [نظر المملوك إلى سيِّدته : ] * (ولا يجوز للمملوك أن ينظر من سيِّدته إلا إلى ما يجوز للأجنبيِّ النظرُ إليه منها (٤))؛ لأنه فَحْلٌ غيرُ مَحْرَمٍ، ولا زوج، والشهوةُ متحقَّقَة؛ لجواز النكاح في الجملة، والحاجةُ قاصرةً؛ لأنه يعمل خارج البيت. (١) الخصيُّ: منزوع الخصيتين، والمجبوب: مقطوع الذكر والأُنثيين، وشهوتهما موجودة. ينظر البناية (ط باكستان) ١٤ / ٥٠٦. (٢) وهو قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾. النور / ٣٠. (٣) وهو قوله تعالى: ﴿أَوِ اُلّطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَلَّةِ﴾. النور / ٣١. (٤) قال العيني في البناية ٥٠٨/١٤: ((وفي بعض النسخ: منه إليها: أي من الأجنبي إلى المرأة.،». اهـ ٣٦٠ كتاب الحَظْرِ والإباحة ويعزِلُ عن أمته بغير إذنها، . . . ٠ والمرادُ بالنَّصِّ(١): الإماء. قال سعيدٌ، والحسن(٢)، وغيرُهما: ((لا تَغُرَنَّكم سورةُ النور(٣)؛ لأنها في الإناث، دون الذكور. ((هداية)). [حكم العَزْل : ] (ويَعزِل) السيدُ (عن أمته بغير إذنها)؛ لأنها لا حقَّ لها في * الوطء. أَوْ مَا مَلَكَتْ (١) أي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِرَ أَيْمَانُهُنَّ﴾ النور/٣١: يعني المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: الإماء، دون الغلمان، كما سيأتي بعد كلمات تفسير ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن البصري وغيرهما، رحمهم الله تعالى. ينظر البناية، ٥٠٩/١٤ (ط باكستان). وهذا جوابٌ عن استدلال الإمام مالك والشافعي بالآية السابقة، وأنها عامة تشمل العبيد والإماء، أي الذكور والإناث، فإن كلمة: ((ما)): عامة، وعليه يكون العبد كالمَحْرَم، فيجوز له أن ينظر من سيدته كما ينظر المَحْرَم إلى محارمه. ينظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢٣٢/٢، شرح المنهاج للجلال المحلي ٢١٠/٣. (٢) أي سعيد بن المسيَّب، والحسن البصري، وينظر لتخريج هذين الأثرَيْن: نصب الراية ٢٥١/٤، المصنَّف لابن أبي شيبة ٢٥٧/٩ (١٧١٨١)، ٣٧١/٩ (١٧٥٦١) (ط دار القبلة). (٣) أي قوله تعالى: ﴿أَوَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ النور / ٣١.