Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ أحكام المرتدِّین . وما باعه، أو اشتراه، وعن أبي حنيفة(١): أن ديونَه كلَّها: مما اكتسبه في حال الردَّة خاصَّةٍ (٢)، فإن لم يَفِ به: كان الباقي فيما اكتسبه في حال الإسلام؛ لأن كَسْب الإسلام حقُّ الورثة، وكَسْبَ الردة خالصُ حقِّه، فكان قضاءُ الدَّيْن منه أَوْلِى، إلا إذا تعذّر، بأن لم يَفِ به، فحينئذٍ تُقْضى من كَسْبِ الإسلام؛ تقديماً لحقُّه. ((هداية))(٣). [حكم تصرُّفات المرتدِّ : ] * (وما باعه) المرتدُّ، (أو اشتراه)، أو أعتقه، أو رَهَنَه، (١) وهذه هي الرواية الثالثة، وهي روايةُ أبي يوسف عن أبي حنيفة، وقد أخَّر صاحب الهداية ١٦٧/٢ التدليلَ لها، مما يشعر بتقديمها عنده، وأنها المختارة لدیه، لكن الكاسانيّ في بدائع الصنائع ١٣٩/٧ قال عن رواية الحسن: وهو الصحيح، لأن دَيْن الإنسان يُقضى من ماله، وهو كَسْب الإسلام، لا من مال غيره أي كَسْب الردة، لأنه لجماعة المسلمين. ونقل ابن عابدين ٨٩/١٣ (ط دمشق) هذا التصحيح عن الكاساني، والولواجية، وينظر البحر الرائق ١٤٢/٥، وتضعيفه لرواية المتن، وتعقب ابن عابدين، بأن الحكم بالضعف غير مسلّم، وأنه جرى عليه أصحاب المتون. ((وعلى هذا، يكون في المسألة اختلافُ تصحيح. حموي)). اهـ من حاشية منلا مسكين على شرح الكنز ٤٦٣/٢. (٢) أي تقضى ديونه كلُّها ممَّا اكتسبه في حال الردَّة. البناية ٦ / ٧١٢. (٣) وقال أبو يوسف ومحمد: تُقضى ديونه من الكسبَيْن. الهداية ١٦٧/٢. ٣٢٢ أحكام المرتدِین أو تصرَّف فيه من أمواله في حال ردَّته : موقوفٌ. فإن أسلم: صحَّت عقودُه، وإن مات، أو قُتِل، أو لَحِقَ بدار الحرب : بَطَلَت . (أو تصرَّف فيه من أمواله في حال ردَّته): فهو (موقوفٌ) إلى أن يتبيَّن حالُه. (فإن أسلم: صحَّت عقودُه)؛ لما مرَّ أنه يصير كأنه لم يرتدَّ. (وإن مات، أو قُتِل) علىُ رِدَّته، (أو لَحِقَ بدار الحرب)، وحُكِم بِلَحَاقِهِ: (بَطَلَت) عقودُه كلَّها؛ لأن بطلان عصمته أوجبَ خَلَلاً في الأهليّة، وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يجوز ما صَنَعَ في الوجهَيْن؛ لوجود الأهليّة؛ لكونه مخاطَباً، والملكِ؛ لقيامه قبل موته. والصحيح قولُ الإمام، كما سبق. [أقسام تصرُّفات المرتد : ] * قال في ((الهداية)): واعلم أن تصرُّفات المرتدِّ على أقسام: - نافذٌ بالاتفاق، كالاستيلاد، والطلاق؛ لأنه لا يَفْتَقِر إلى حقيقة الملك، وتمام الولاية. - وباطلٌ بالاتفاق، كالنكاح، والذبيحة؛ لأنه يَعتمد الملَّة، ولا مَّة له. ٣٢٣ أحكام المرتدِّين وإن عاد المرتدُّ بعد الحكم بلَحَاقه إلى دار الإسلام مسلماً: فما وَجَدَه في يد ورثته من ماله بعَيْنه : أَخَذه. ـ وموقوفٌ بالاتفاق، كالمفاوضة (١)؛ لأنها تعتمد المساواة، ولا مساواة بين المسلم والمرتدِّ ما لم يُسْلِم. ـ ومُخْتَلَفٌ في توقّفه، وهو ما عددناه. اهـ [عَوْد المرتدِّ إلى الإسلام: ] * (وإن عاد المرتدُّ بعد الحكم بلَحَاقه إلى دار الإسلام مسلماً: فما وَجَدَه في يد ورثته)، أو في بيت المال (من ماله بعَيْنه: أَخَذْه)؛ منه؛ لأن الوارثَ، أو بيتَ المال إنما يَخْلُفه لاستغنائه(٢)، فإذا عاد مسلماً: احتاج إليه، فيُقدَّم عليه؛ لأنه مَلَكَ عليه بغير عوض، فصار کالهبة. قيَّد بما بعد الحكم؛ لأنه إذا عاد قبله: فكأنه لم يرتدَّ، كما مرَّ. (١) أي إذا عَقَد المرتدُّ شركة مفاوضة مع مسلم: فلا تصحُّ؛ لأن شركة المفاوضة تتضمَّن وكالة وكفالة، وأن يتساويا مالاً، وتصرُّفاً، ودِيناً، ولذا لا تصحُّ. ينظر البناية ٧١٦/٦، وينظر كتاب الشركة من هذا الكتاب (اللباب). (٢) أي لاستغناء المرتدِّ عنه حيث دخل دار الحرب مرتداً، فهو كالميِّت. وينظر البناية ٦ /٧١٩. ٣٢٤ أحكام المرتدِّين والمرتدَّةُ إذا تصرَّفت في مالها في حال رِدَّتها : جاز تصرُّفها . ونصارى بني تَغْلبَ يُؤْخَذُ من أموالهم ضِعْفُ ما يُؤْخَذُ من المسلمین من الزكاة، وبالمال(١)؛ لأن أمهات أولاده، ومُدَبَّريه لا يعودون إلى الرقِّ. * وبوجوده بعَيْنه؛ لأن الوارث إذا أزاله عن مِلْكه: لا يُرجع عليه(٢)؛ لأن القضاء قد صحَّ بدليلٍ مصحَّح، فلا يُنْقَض، كما في ((الهداية)). [حكم تصرُّفات المرتدَّة في مالها :] ** (والمرتدَّةُ إذا تصرَّفت في مالها في حال ردَّتها: جاز تصرُّفها)؛ لأن ردتها لا تُزيل عصمتها في حقِّ الدم، ففي حقِّ المال بالأَوْلى. [ما يؤخذ من نصارى بني تغلب : ] * (ونصارى بني تَغْلبَ) بنِ وائل، من العرب من ربيعة، تنصَّروا في الجاهلية، وصاروا ذمةً للمسلمين (يُؤخَذُ من أموالهم ضِعْفُ ما يُؤْخَذُ من المسلمين من الزكاة(٣)؛ لأن الصلح وَقَعَ كذلك. (١) أي وقيَّد بالمال. (٢) أي لا يضمنه. (٣) أي نصف العشر، وهو ما يعادل خمسة بالمائة، وقد ذكر المؤلّف أحكامهم هنا على حِدَة؛ لأن حكمهم يخالفُ سائر النصارى؛ فإنهم حين دعاهم عمر رضي الله = ٣٢٥ أحكام المرتدِین ويُؤخذُ من نسائهم، ولا يُؤخذُ من صبيانهم . وما جَبَاه الإمامُ من الخراج، ومن أموال بني تغلب، وما أهداه أهلُ الحرب إلى الإمام، والجزيةُ: يُصْرَف في مصالح المسلمين . (ويُؤخذُ من نسائهم. * ولا يُؤخذُ من صبيانهم)؛ لأن الصلح على الصدقة المضاعفة، والصدقة تجب عليهنَّ دون الصبيان؛ فكذا المضاعَف. [مصارف الخراج والجزية : ] * (وما جَبَاه الإمامُ من الخراج، ومن أموال بني تغلب)؛ لأنه جزية، (وما أهداه أهلُ الحرب إلى الإمام، والجزيةً)، وما أُخذ منهم من غير حرب، ومنه تَرِكَةُ ذمِّي(١): (يُصْرَف في مصالح المسلمين) العامة : عنه إلى الجزية: أبَوْا دَفْعها، بحجة أنهم عرب، وكان لهم بأس شديد، وقالوا: نحن عَرَبٌ، خُذْ منَّا كما يأخذ بعضُكم من بعض، فإنا نأنف من ذُلِّ الجزية، فإن أردتَ أخذ الجزية منا: فإنا نَلْحق بأعدائك بأرض الروم. فأشار الصحابة على عمر رضي الله عنهم أجمعين أن يأخذ منهم الجزية باسم الصدقة، وقالوا له: لا تُعِن عدوَّك عليك، فضعَّف عليهم عمر رضي الله عنه الصدقة، وأجمع الصحابة على ذلك. ينظر البناية ٦٩١/٦، فتح القدير ٣٠٤/٥، الجوهرة ٣٧٩/٢. (١) أي ليس له وارث. ٣٢٦ أحكام المرتدِّین فتُسَدُّ منه الثغور، وتُبنى القناطرُ والجسورُ. ويُعطى قضاةُ المسلمين، وعُمَّالُهم، وعلماؤهم منه ما يكفيهم، وتُدْفَع منه أرزاقُ المقاتلة، وذرارِيْهم. (فتُسَدُّ منه(١) الثغور(٢): جَمْعُ: ثَغْرِ، كَفَلْس، وهو: موضع المَخافة من فروج البلدان. ((صحاح))، (وتُبنىْ) منه (القناطرُ): جَمْعُ: قَنْطرة: ما يُعْبَر عليها النهر، ولا تُرْفَع (٣)، (والجسورُ): جَمْعُ: حِسْر: بكسر الجيم، وفَتْحِها: ما يُعْبَر عليه، ويُرْفَعُ، كما في ((البحر)) عن ((العناية)). (ويُعطى قضاةُ المسلمين، وعُمَّالُهم)، كمُقْتٍ، ومحتَسِبٍ، ومرابطٍ، (وعلماؤهم منه ما يكفيهم)، وذراريهم. * (وتُدْفَع منه) أيضاً (أرزاق المقاتِلة، وذراريهم)؛ لأن هذه الأموال حَصَلت بقوة المسلمين من غير قتال، فكانت لهم مُعَدَّةً لمصالحهم العامة، وهؤلاء عَمَلَتُهم، ونفقة الذراري على الآباء، فلو لم يُعْطَوْا كفايتهم: لاحتاجوا إلى الاكتساب؛ فلا يتفرَّغون لتلك الأعمال. (١) وفي بعض نسخ القدوري: ((منها)): بالتأنيث. (٢) وفي نسخة القدوري (٧٢٧ هـ): ((في مصالح المسلمين: مِن سَدِّ الثغور، وبناء القناطر والجسور)). (٣) أي لا تُرفع كثيراً فوق الماء، أما الجسور فتُرفع أكثر. ٣٢٧ كتاب البُغَاة كتاب البُغَاة وإذا تغلَّبَ قومٌ من المسلمين على بلدٍ، وخَرَجوا عن طاعة الإمام : كتاب البُغَاة(١) ولمَّا أنهى الكلامَ على أحكام المرتدِّين، أَخَذَ في الكلام على أحكام البُغَاة. ** والبُغَاةُ: جَمْع: باغٍ: مِن: بَغى على الناس: ظَلَمَ، واعتدى. * وفي عُرْف الفقهاء: الخارجُ عن طاعة الإمام الحقِّ بغير حقٍّ، كما في ((التنوير)). ** (وإذا تغلَّب قومٌ من المسلمين على بلدٍ)، قيَّد بالمسلمين؛ لأن أهلَ الذمة إذا غلبوا على موضعٍ للحِرَاب: صاروا أهلَ حرب، كما مرَّ، (وخَرَجوا عن طاعة الإمام)، أو طاعة نائبه. (١) هكذا جاء هذا العنوان في نسخة القدوري (٦٤٩هـ)، وكذلك في المجتبى (مخطوط)، أما نسخة (البابي، ١٣٠٩ هـ، ١٣٢٤هـ)، ففيها: ((باب البغاة))، وأما بقية النسخ المخطوطة من القدوري، فليس فيها هذا العنوان، وكذلك نسخ اللباب للميداني، وغيره من الشروح. ٣٢٨ كتاب البُغَاة دعاهم إلى العَوْد إلى الجماعة، وكَشَفَ عن شُبْهتهم. * قال في ((الخانية)) من السِّير: قال علماؤنا: السُّلطانُ يصير سلطاناً بأمرَيْن: بالمبايعة معه، ويُعتبر في المبايعة: مبايعةُ أشرافهم، وأعیانهم. والثاني: أن يَنْفُذْ حُكْمُهُ فِي رعيَّته خوفاً من قَهْره وجبروته. فإن بايع الناسُ، ولم يَنْفُذْ حُكْمُه فيهم، لعجزه عن قَهْرهم: لا يصير سلطاناً. فإذا صار سلطاناً بالمُبَايعة، فجارَ(١): إن كان له قَهْرٌ وَغَلبةٌ: لا ينعزل؛ لأنه لو انعزل يصير سلطاناً بالقهر والغلبة، فلا يفيد، وإن لم یکن له قھرٌ وغلبة: ینعزل. اهـ [ما يفعله الإمام مع البغاة : ] * (دعاهم): أي الإمامُ، أو نائبُه استحباباً (إلى العود إلى الجماعة) والطاعة، (وكَشَفَ عن شُبْهتهم) إن أبدَوْا شبهةً، لعلَّ الشرَّ یندفع به. (١) من الجَوْر: أي الظلم. ٣٢٩ كتاب البُغَاة ولا يَبدؤهم بقتالٍ حتى يبدؤوه، فإن بدؤوا : قاتلهم حتى يُفرِّق جَمْعَهم. * (ولا يَبدؤهم بقتالٍ حتى يبدؤوه)؛ إبلاءَ للعُذْر، وإقامةً للحجة ے عليهم، ولذا بَعَثَ عليّ رضي الله عنه إلى أهل حَرُوْراءَ (١) مَنْ يُنَاظِرُهم قبل القتال (٢). * (فإن بدؤوا) بالقتال: (قاتَلهم حتى يُفرِّق جَمْعَهم). * قال في ((الهداية)): هكذا ذكر القدوريُّ في ((مختصره))، وذكر الإمام المعروف بخُوَاهَرْ زاده: أن عندنا يجوز أن يبدأ بقتالهم إذا تعسكروا واجتمعوا؛ لأن الحكم يُدَارُ مع الدليل، وهو الاجتماع والامتناع، وهذا لأنه لو انتظر الإمامُ حقيقةَ قتالهم: ربَّما لا يُمكنه الدفع؛ فيُدار على الدليل؛ ضرورةَ دَفْعِ شَرِّهم. (١) نسبة إلى بلدة حروراء، من جانب الكوفة بالعراق، وهم الخوارج، وكانوا قد خرجوا على عليٍّ رضي الله عنه، وكانوا ثمانية آلاف، وقيل: ستة، فأرسل إليهم ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، فناظرهم، وكشف شبهاتهم، فرجع منهم ألفان، وبقي منهم أربعة آلاف، فقُتلوا، وقيل: كانوا أربعة وعشرين ألفاً، فرجع عشرون ألفاً، وبقي أربعة آلاف، ينظر معجم البلدان ٢٤٥/٢، فتح الباري ٢٨٣/١٢، فتح القدير لابن الهمام ٣٣٤/٥. (٢) عزاه الزيلعي في نصب الراية ٤٦١/٣ للنسائي في سننه الكبرى ١٦٥/٥ (٨٥٧٥)، وهو في المستدرك ٢/ ١٥٠، سنن البيهقي ١٧٩/٨. ٣٣٠ كتاب البُغَاة فإن كانت لهم فئةٌ : أَجْهَزَ علىُ جريحهم، واتَّبَعَ مُوَلُِّهم. وإذا بَلَغَه أنهم يشترون السِّلاح، ويتهيّؤون للقتال: ينبغي أن يأخذَهم، ويَحْبِسَهم حتَّى يُقلِعوا عن ذلك، ويُحْدِثُوا توبةً؛ دفعاً للشرِّ بقدر الإمكان. * والمرويُّ عن أبي حنيفة من لزوم البيت(١): محمولٌ على حال عدم الإمام، أما إعانة الإمامِ الحقِّ: فمن الواجب عند الغَنَاءِ، والقدرة. اهـ * (فإن كانت) البغاةُ (لهم فئةٌ): أي طائفةٌ يَلْتَحقون بها، أو حصْنٌ يلتجؤون إليه: (أَجْهَزَ علىُ جريحهم): أي تمَّم قَتْله، قال في ((الصحاح)): أجْهَزْتُ على الجريح: إذا أسرعتُ قَتْلَه، وقد تمَّمْتُ علیه. : (واتَّبَعَ مُوَلَيَهم): أي هاربَهم؛ دفعاً لشرِّهم، كي لا يَلْتَحقًا(٢) بهم: أي بفئتهم، أو يلتجئا إلى حِصْنهم. (١) أي من قول الإمام أبي حنيفة: (إن الفتنة إذا وقعت بين المسلمين: فالواجب على كل مسلم أن يعتزلَ الفتنة، ويقعدَ في بيته، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من فَرَّ من الفتنة: أعتق الله رقبتَه من النار))، وقال لواحدٍ من الصحابة: ((كُن حِلْساً من أحلاس بيتك)). رواه عنه الحسن بن زياد). اهـ من فتح القدير لابن الهمام ٣٣٦/٥، البناية ٧٤٠/٦ (ط بيروت)، ونقله العينيُّ عن الكرخي في مختصره عن الحسن بن زياد. (٢) أي الجريحُ، والمولِّي. ٣٣١ كتاب البُغَاة وإن لم يكن لهم فتةٌ : لم يُجْهِزْ على جَريحهم، ولم يَتَّبِعْ مُؤَلِيُهم . ولا تُسْبَى لهم ذريٌَّ، ولا يُغْتَمُ لهم مالٌ. ولا بأس أن يُقاتَلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه. * (وإن لم يكن لهم فئةٌ)، ولا حِصْنٌ: (لم يُجْهِزْ على جَريحهم، ولم يَتَبَعْ مُوَلَيَهم)؛ لأن المقصود تفريقُ جَمْعِهم، وتبديدُ شَمْلهم، وقد حصل، فلا داعيَ لقتلهم. * وفيه إشعارٌ بأنه لو أُسِرَ أحدٌ منهم: لم يَقْتُلْه إن لم يكن له فئة، وإلا: قَتَلَه، كما في ((المحيط)). قهستاني. * (ولا تُسْبَى لهم ذريٌَّ)، ولا نساءٌ، (ولا يُغْنَمْ (١) لهم مالٌ)؛ لأنهم مسلمون، والإسلام يَعْصِمُ النفس والمالَ. (ولا بأس أن يُقَاتَلوا) - بالبناء للمجهول -: أي البغاةٌ (بسلاحهم)، ويُرْتَفَقَ بكَرَاعهم (إن احتاج المسلمون): أي المطيعون (إليه)؛ لأن للإمام أن يفعل ذلك في مال العادِل عند الحاجة، ففي مال الباغي أُوْلی. (١) هكذا: ((يُغْنَم)): في نسخ القدوري: (٦١١ هـ، ٦٤٩ هـ، ٨٤٠هـ، البابي)، لكن في نسخ أخرى، وبعض شروحه، والهداية: ((يُقْسَم))، وسيأتي بعد قليل جداً في القدوري: ((ولا يقسمها))، فالأَوْلى ما أثبت، لئلا تتكرر المسألة، وتمام كلام الشارح يؤكد هذا. ٣٣٢ كتاب البُغَاة ويَحْبِسُ الإِمامُ أموالَهم، ولا يَرُدُّها عليهم، ولا يَقْسِمُها حتى يتوبوا، فَيَرُدُّها عليهم . وما جباه أهلُ البغي من البلاد التي غَلَبوا عليها من الخراج، والعُشْر: لم يأخذه الإمامُ ثانياً. [ما يفعله الإمام بأموال البغاة : ] (وَيَحْبِسُ الإمامُ أموالَهم)؛ دفعاً لشرِّهم باستعانتهم به على القتال، إلا أنه يبيع الكَرَاعَ؛ لأن حَبْسَ الثمن أنظرُ(١)، وأيسر. ((هداية)). * (ولا يَرُدُّها عليهم، ولا يَقْسِمُها) بين الغانمين، لما مرَّ أن أموالَهم لا تُغْنَم، ولكنَّها تُحْبَس، (حتى يتوبوا، فَيَرُدُّها عليهم)؛ لزوال بَغْيهِم. * (وما جباه أهلُ البغي من البلاد التي غَلَبوا عليها من الخراج، والعشر: لم يأخذه الإمامُ ثانياً)؛ لأن ولايةَ الأخذ له باعتبار الحماية، ولم يَحْمِهم. (١) أي أَنظَرُ للمالك، وأيسرُ للحافظ؛ لأن إبقاءه: يحتاج إلى النفقة والخدمة. البناية ٦ /٧٤٤. ٣٣٣ كتاب البُغَاة فإن كانوا صَرَفوه في حَقِّه : أجزا مَن ◌ُخِذَ منه. وإن لم يكونوا صَرَفوه في حَقَّه : أفتىُ أهلَه فيما بينهم وبين الله تعالى أن يُعيدوا ذلك ثانياً. : (فإن كانوا): أي البغاةُ (صَرَفوه في حَقِّه: أجزا مَن أُخِذَ منه)؛ الوصول الحق إلى مُسْتَحِقُه. * (وإن لم يكونوا صَرَفوه في حَقِّه: أفتى أهلَه) - وفي بعض النُّسخ: (فعلى أهله)) - (فيما بينهم وبين الله تعالى أن يُعيدوا ذلك ثانياً(١))؛ لأنه لم يَصِلُ إلى مُسْتَحِقُّه. * قال في ((الهداية)): قالوا: لا إعادة عليهم في الخراج(٢)؛ لأنهم مقاتلة، فكانوا مصارِفَ وإن(٣) كانوا أغنياء. وفي العُشْر إن كانوا فقراء: فكذلك (٤)؛ لأنه حقُّ الفقراء، وقد بيناه في الزكاة. (١) كلمة: ((ثانياً)»: مثبتة في نسخة القدوري (٦١١ هـ). (٢) ديانة أيضاً، لأنهم محلُّ الخراج، لأنهم مقاتلة. البناية ٧٤٥/٦. (٣) (إن): هنا وصليَّة. (٤) أي كذلك لا إعادة عليهم، لأن العُشْر حق الفقراء من أهل الإسلام. البناية ٧٤٥/٦. ٣٣٤ كتاب البُغَاة وفي المستقبل (١): يأخذه الإمامُ؛ لأنه يَحْميهم فيه، لظهور ولا یته. اهـ (١) أي في الحول الآتي يأخذ الإمام العشر والخراج. البناية ٤٣٦/٩ (ط باكستان)، ٧٤٥/٦ (ط بيروت). ٣٣٥ كتاب الحَظْر والإباحة كتاب الحَظْر والإباحة كتاب الحَظْر والإباحة * أخَّره عن العبادات، والمعاملات؛ لأن له مناسبةً بالجميع، فيكون بمنزلة الاستدراك لما فاتها. وعَنْوَنَ له في ((الهداية)) وغيرِها بـ: الكراهية(١)، والاستحسان. : والحَظْرُ لغةً: المَنْعِ والحَبْس، وشرعاً: ما مُنْعَ من استعماله شرعاً. * والإباحةُ: ضدُّ الحظر، والمباح: ما أُجيز للمكلَّفين فِعْلُه، وتَرْكُه، بلا استحقاقِ ثوابٍ، ولا عقاب، نعم يُحاسَب عليه حساباً (١) قال العيني في البناية ٤٠٨/١٤ (ط باكستان): (اختلفت عبارات الكتب في ترجمة هذا الباب فخصَّه بلفظ: ((الكراهية)): في الجامع الصغير، وشرح الطحاوي، وتَبِعَهما صاحبُ الهداية ٧٨/٤، ويلفظ: ((الحظر والإباحة)): في مختصر الكرخي، والقدوري، والإيضاح ... ، وبلفظ: ((الاستحسان)): في الأصل للإمام محمد، والمحيط، والذخيرة ... ). اهـ، وسمِّي بالاستحسان؛ لأن فيه بيان ما حسَّنه الشرع وقبّحه، كما في الاختيار ١٥٣/٤. ٣٣٦ كتاب الحَظْر والإباحة يسيراً. ((اختيار))(١). (١) وقد استدلَّ صاحب الاختيار ١٧٣/٤ لمسألة: مَن فَعَلَ المباحَ، فإنه يحاسَب حساباً يسيراً، بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بعَرْقِ (عِذْق) فيه تمرٌّ ورُطَب، فقال: ((إنكم لتحاسبون في هذا))، فرفعه عمر، ورفَضَه، وقال: أفي هذا نحاسب؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((إي والله، والذي نفسي بيده، لتحاسبون يوم القيامة في الماء البارد، والماء الحارِّ، إلا خرقة تستر بها عورتك، وكسرةَ خبز تردُّ بها جَوْعتك، وشَربة ماء تطفئ بها عطشك)». اهـ وقد أخرج هذا الحديث أبو نعيم، كما عزاه إليه القرطبي في تفسيره ١٧٦/٢٠ ، قلت: لعلَّه في ((الحلية))، وقد ذكره العلامة قاسم في: ((التعريف والإخبار بتخريج أحاديث الاختيار)) (مخطوط)، ولم يذكر له تخريجاً، وكذلك لم يخرجه محققو(؟!) الطبعة الجديدة للاختيار ١٧٢/٤ (ط الرسالة)، بل علقوا عليه بتخريج حديث آخر؟! هذا ما ذكره صاحب الاختيار من الاستدلال للمسألة، ونقله صاحب الدر المختار (مع ابن عابدين) ٣٣٦/٦ (ط البابي)، دون نقل الحديث، وعلَّق عليه ابن عابدين بقوله: ((لا يقال إن ذلك عذاب)). اهـ ونقل مثلَه علي القاري في فتح باب العناية ٢١٧/٢ فقال: ((وقد أغرب العيني في شرح تحفة الملوك، حيث قال: ((ومباح، وهو أدنى الشِّبَع بنيّة أن يتقوَّى به على العبادة))، قال: وهذا القِسْم لا أجر فيه ولا وِزْر، ولكن يحاسب فيه حساباً يسيراً ولو كان من حِلِّ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. التكاثر / ٨)). اهـ وقد ذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٧٦/٢٠ عشرة أقوال في تفسير هذه الآية الكريمة، يُستخلص منها: أن العبد يُسأل عن النِّعَم المَبَاحة له: هل شكَرِ ذلك، أم كَفَر؟ ونَقَل عن القشيري: بأن الكلَّ يُسألون، ولكن سؤالَ الكفار: سؤالُ = ٣٣٧ كتاب الحَظْر والإباحة لا يَحِلُّ للرجال لُبْسُ الحرير، ويَحِلُّ للنّساءِ. [حُكم لُبْس الحرير : ] ءِ * و(لا يَحِلّ للرجال لُبْسُ الحرير)، ولو بحائلٍ بينه وبين بدنه، على المذهب. وعن الإمام(١): إنما يَحْرُم إذا مسَّ الجلدَ، قال في ((القُنْية)): وهي رخصةٌ عظيمة في موضع عمَّت به البلوى. اهـ * إلا إذا كان قَدْرَ أربع أصابع، كما في ((القنية))، وغيرِها. * وفيها (٢): عمَامةٌ طَرْزُها قَدْرُ أربع أصابع من إبريسَم من أصابع عمر رضي الله عنه، وذلك قِيْسَ بشِبْرِنا(٣): يُرَخَّصُ فيه. اهـ * وكذا الثوبُ المنسوج بذهبٍ: يَحِلّ إذا كان هذا المقدار، وإلا: لا ، كما في الزيلعي، وغيره. * (ويَحِلُّ): أي الحرير (للنِّساء)؛ لحديث: ((إن هذَيْن - مُشيراً لما في يَديه، وكان في إحداهما ذهبٌ، والأخرى حريرٌ -: حرامٌ على توبيخٍ، لأنه قد ترك الشكر، وسؤالَ المؤمن: سؤالُ تشريفٍ، لأنه شكر. اهـ (١) أي أبي حنيفة رحمه الله. (٢) أي في ((القنية))، للزاهدي. (٣) أي أربع أصابع عمريَّة رضي الله عن صاحبها، تساوي شبراً من أشبارنا، وهكذا أيضاً كانت الذراع العمريَّة أطول من ذراع عامَّة الناس. ٣٣٨ كتاب الحَظْر والإباحة ولا بأس بتوسُّدِه عند أبي حنيفة، وقالا : يكره توسُّدُه. ذكور أُمَّتي، حِلٌّ لإناثهم)) (١). [حكم توسُّد الحرير : ] * (ولا بأس بتوسُّده): أي جعله وِسادةً، وهي المِخَدَّة. * وكذا افتراشُه، والنومُ عليه (عند أبي حنيفة)؛ لأن ذلك استخفافٌ به، فصار كالتصاوير على البساط، فإنه يجوز الجلوسُ عليه، ولا يجوزُ لُبْس التصاوير. (اختيار)). (وقالا: يكره توسُّدُه)، وافتراشُه، ونحو ذلك؛ لعموم النَّهي؛ ولأنه زِيُّ مَن لا خَلاق له من الأعاجم. قال في ((الهداية)): وفي ((الجامع الصغير)): ذَكَرَ قولَ محمد وحدَه، ولم يذكر قولَ أبي يوسف، وإنما ذَكَرَه القدوريُّ وغيرُه من المشايخ. * وكذا الاختلاف في سِتْر الحرير، وتعليقِه على الأبواب. اهـ ءِ واختار قولَ الإمامِ: البرهانيّ والنسفي وصدر الشريعة، وغيرُهم. ((تصحیح)). (١) سنن أبي داود ٤٠٣/٤ (٤٠٥٤)، سنن ابن ماجه ١١١٨/٢ (٣٥٩٥)، سنن الترمذي ٢١٧/٤ (١٧٢٠)، وقال: حديث حسن صحيح. ٣٣٩ كتاب الحَظْر والإباحة ولا بأس بلُبْس الديباج في الحرب عندهما، ويكره عند أبي حنيفة . ولا بأس بلُبْس المُلْحَم إذا كان سَدَاه إبريسَماً، ولُحْمَتُه قُطْناً، أو خَزَّاً. [حكم لبس الديباج : ] * (ولا بأس بلُبْس الديباج)، وهو ما سَدَاه، ولُحْمَتُه إبريسَم. ((مصباح))، (في الحرب عندهما)؛ لأن الحاجة ماسَّةٌ إليه ، فإنه يُرُدُّ الحديدَ بقوته، ويكون رُعْباً في قلوب الأعداء؛ لكونه أهْيَب في أعينهم ببريقه ولَمَعانه. ((كافي)». (ويكره) لُبْسُه (عند أبي حنيفة)؛ لعموم النهي، والضرورةُ تندفع بالمخلوط، واعتمد قولَه المحبوبيُّ، والنسفيُّ، وغيرهما. ((تصحيح)). * (ولا بأس بلِّبْس المُلْحَم) بغير إبريسم، في الحرب وغيره (إذا كان سَدَاه إيريسَماً، و) كانت (لُحْمَتُه قُطْنَاً، أو خَزَّاً)، أو كَتَّاناً، أو نحوَه؛ لأن الثوب إنما يصير ثوباً بالشَّسْج، والنَّسْجُ باللُّحْمة، فكانت هي المعتبرةُ، دون السَّدَى. * وأما إذا كانت لُحمته حريراً، وسَدَاه غيرُه: لا يحلّ لُبْسه في غير الحرب، ولا بأس به في الحرب إجماعاً، كما ذكره الخُجندي. ٣٤٠ كتاب الحَظْر والإباحة ولا يجوز للرجال التحلِّي بالذهب، والفضةِ، إلا الخاتَمَ، والمِنْطَقةَ، وحليةَ السيف من الفضة. [حكم التحلِّي بالذهب والفضَّة للرجال :] * (ولا يجوز للمرجال التحلّي): أي التزيُّن (بالذهب، والفضة) مطلقاً، (إلا الخاتَمَ) بقَدْر مثقال(١)، فما دونه، وقيل: لا يبلغ المثقال(٢)، كما في ((الجوهرة)). ** (والمنْطَقةَ)، قال في ((القاموس)): مِنْطَقَة: كمِكْنَسَة: ما يُنْتَطَقُ به، وانتطق الرجلُ: شَدَّ وسَطَه بمِنْطَقة. اهـ * (وحليةَ السيف) بشرط أن لا يضع يده على موضع الفضة(٣). إذا كان كلّ واحدٍ منها (٤) (من الفضة)؛ لما جاء من الآثار(٥) في (١) المثقال= ٥غ، كما حرَّره العلامة الشيخ عبد العزيز عيون السود رحمه الله تعالى، أمين الفتوى في حمص، في رسالته عن المقادير الشرعية، ومنهم من جعله: ٤,٢٥ غ. ينظر الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٧/١١. (٢) وهذا ما رجَّحه ابن عابدين في رد المحتار ٢٣٠/٥ (ط بولاق)، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث إباحة خاتم الفضة للرجل: ((ولا تُتِمَّه مثقالاً))، وهو عند أبي داود والترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان. ينظر نصب الراية ٤ /٢٣٢. (٣) كما هو في ابن عابدين ٣٥٩/٦. (٤) أي إذا كان كلٌّ من الخاتم، والمنطقة، والسيف من الفضة، لا من الذهب. (٥) خرَّج الزيلعي في نصب الراية ٢٣٢/٤ بطول ما ورد من أحاديث وآثار في إباحة كون الخاتم، والمنطقة، وحِلية السيف من الفضة، وينظر البناية ١٢٥/١١.