Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ العُشْرِ والخَرَاجِ ويجوز أن يشتريَ المسلمُ أرضَ الخراج من الذمِّي، ويؤخذُ منه الخراجُ. ولا عُشْرَ في الخارج من أرض الخراج. * (ويجوز أن يشتريَ المسلمُ أرضَ الخراج من الذمِّي)؛ اعتباراً بسائر أملاكه، (ويؤخذ منه): أي المسلم (الخراجُ) الذي عليها؛ لالتزامه ذلك دلالةً. قال في ((الهداية)): وقد صحَّ أن الصحابة رضوان الله عليهم اشتَرَوْا أراضي الخراج، وكانوا يؤدُّون خراجَها(١)، فدلَّ ذلك على جواز الشراء، وأَخْذِ الخراج، وأدائه للمسلم من غير كراهة. اهـ [لا يجتمع عشر وخراج على أرض : ] * (ولا عُشْر في الخارج من أرض الخراج)؛ لأن الخراج يجب في أرضٍ فُتحت عَنوةً وقَهْراً، والعشرُ في أرضِ أسلم أهلُها طوْعاً، والوصفان لا يجتمعان في أرضٍ واحدة، وسبب الحقّيْن واحد، وهو الأرض النامية، إلا أنه يُعتبر في العُشْر تحقيقاً، وفي الخراج تقديراً، ولهذا يضافان إلى الأرض، وتمامُه في ((الهداية)). (١) نصب الراية ٤٤١/٤، معزواً للبيهقي في المعرفة، ولكتاب الخراج ليحيى ابن آدم، وغيرهما، وينظر الدراية ١٣١/٢. ٣٠٢ الجزية وأحكام أهل الذمَّة * والجِزْيةُ على ضَرْبين : جزيةٌ تُوضَع بالتراضي والصلح، فتُقدَّر بحَسَب ما يقعُ عليه الاتِّفاق . وجزيةٌ يَبتدىء الإمامُ وَضْعَها إذا غَلَبَ الإِمامُ على الكفار، وأقرَّهم على أملاكهم. الجزية وأحكام أهل الذمَّة * (والجزية) - بالكسر - وهي: اسمٌ لما يُؤخذ من أهل الذمَّة؛ لأنها تُجزىء من القتل: أي تَعْصِم، والجمعُ: جِزَىَ، كلِحْية، ولِحَىِّ، (علىْ ضَرْبين): * الضربُ الأول: (جزيةٌ تُوضَع بالتراضي والصلح) قبل قَهْرهم، والاستيلاءِ عليهم، (فَتُقدَّر بحَسَب): أي بقَدْر (ما يقعُ عليه الاتّفاق)؛ لأن الموجِبَ هو التراضي، فلا يجوز التعدِّي إلى غيره؛ تحرُّزاً عن الغَدْر بهم. * (و) الضربُ الثاني: (جزيةٌ يَبتدئ الإمامُ وَضْعَها إذا غَلَبَ الإمامُ على الكفار)، واستولى عليهم، (وأقرَّهم على أملاكهم)؛ لما مرَّ أنه مخيّرٌ في عقارهم. ٣٠٣ الجزية وأحكام أهل الذمَّة فيَضعُ على الغنيِّ الظاهرِ الغِنى: في كل سنة: ثمانيةً وأربعين درهماً، يأخذُ منه في كل شهرٍ أربعةَ دراهم. وعلى المتوسط الحال : أربعةً وعشرين درهماً، في كل شهرٍ درهمين . [قَدْر الجزية : ] * (فيَضع على الغنيِّ الظاهرِ الغِنى)، وهو: مَن يملك عشرة آلاف درهم، فصاعداً، (في كل سنة: ثمانيةً وأربعين درهماً) مُنَجَّمةً على الأشهر، (يأخذ منه في كل شهرٍ أربعةَ دراهم)، وهذا لأجل التسهيل عليه، لا بيان للوجوب؛ لأنه بأوَّل الحول، كما في ((البحر)) عن (١). (البناية(١)). * (و) يضعُ (على المتوسط الحال)، وهو: مَن يملك مائتي درهم، فصاعداً: (أربعةً وعشرين درهماً) منجَّمةً أيضاً، (في كل شهرٍ درهمين. (١) هكذا: ((البناية)): في البحر الرائق ١١٩/٥، والنقل عنه، أما نسخ اللباب كلها ففيها: ((الهداية))، وليس في الهداية ١٥٩/٢ هذا التعليل، وإنما هو في البناية ٣٢٦/٩ (ط باكستان)، ٦٦٣/٦ (ط بيروت)، مع التنبيه إلى وجود تحريف كبير في هذا النص في نسخة بيروت كالعادة. ٣٠٤ الجزية وأحكام أهل الذمَّة وعلى الفقير المعتَمِل : اثني عشر درهماً، في كل شهر درهماً. وتوضع الجزیةُ على أهل الكتاب، : و) يضع (على الفقير)، وهو: مَن يَملك ما دون المائتين، أوْ لا يملك شيئاً (المُعتَمِل: اثني عشر درهماً) مُنَجَّمة أيضاً، في كل شهر درهماً). قال في ((البحر)): وظاهرُ كلامهم: أن حَدَّ الغنى، والتوسُّطِ، والفقرِ: لم يُذْكر في ظاهر الرواية، ولذا اختَلَفَ المشايخُ فيه، وأحسنُ الأقوال ما اختاره في ((شرح الطحاوي))، ثم ذَكَرَ عبارتَه بمثل ما ذكرناه. [بيان مَن تُؤخذ منهم الجزية : ] (وتوضع الجزية على أهل الكتاب)، شاملٌ لليهودي، والنصراني، ويدخلُ في اليهود: السَّامُرِيَّةُ؛ لأنهم يَدينون بشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، إلا أنهم يخالفونهم في فروع، ويدخل في النصارىُ: الفِرَنْجُ، والأَرْمَنُ. * وفي ((الخانية)): وتُؤخذ الجزية من الصابئة عند أبي حنيفة(١)، (١) لأن الإمام أبا حنيفة يعتبر الصابئة من أهل الكتاب؛ لأنهم يقرؤون الزبور، ولا يعبدون الكواكب، وأما الصاحبان فلا يعتبران الصابئة من أهل الكتاب، بل هم من عبدة الكواكب والأوثان، ولذا لا تؤخذ عندهما منهم الجزية، ينظر أحكام القرآن للجصاص ٩١/٣، ابن عابدين ٧٢٧/١٢ (ط دمشق)، ٢٦٨/٣ (ط بولاق)، = ٣٠٥ الجزية وأحكام أهل الذمَّة والمَجُوسِ، وعَبَدَةِ الأوثان من العجم. ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب، ولا المرتدِّین. خلافاً لهما. ((بحر)). * (والمجوسٍ)، ولو من العرب؛ لوَضْعه صلى الله عليه وسلم على مجوس هَجَرَ (١)، والمجوسُ: جَمْعُ: مجوسيٍّ، وهو مَن يَعْبُد النار. (وعَبَدَةِ الأوثان): جَمْعُ: وَثَن، وهو الصنم، إذا كانوا (من العجم)؛ لجواز استرقاقهم، فجاز ضَرْبُ الجزية عليهم. [مَن لا تؤخذ منهم الجزية : ] * (ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم، ونَزَلَ القرآن بلُغَتِهم، فكانت المعجزة أظهرَ في حقَهم، فلم يُعْذَروا في كُفْرهم. * (ولا) على (المرتدِّين)؛ لكفرهم بعد الهداية للإسلام، فلا يُقْبل منهما (٢) إلا الإسلام، أو الحُسَام. الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٩٣/٢٦-٣٠١. (١) صحيح البخاري ٢٥٧/٦ (٢١٥٧). (٢) أي عابد الأوثان، والمرتد. ٣٠٦ الجزية وأحكام أهل الذمَّة ولا جزيةَ على امرأةٍ، ولا صبيٍّ، ولا زَمِنٍ، ولا أعمىً، ولا فقيرٍ غير مُعْتَمِل، ولا على الرُّهبان الذين لا يخالطون الناس . وإذا ظَهَرنا عليهم: فنساؤهم، وذراريهم فَيء؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه استرقَّ نِسوان بني حَنِيفة، وصبيانَهم لما ارتدُّوا، وقَسَمَهم بين الغانمين(١). ((هداية)). * (ولا جزية على امرأةٍ، ولا صبيٍّ)، ولا مجنونٍ، ولا معتوهِ، (ولا زَمِنٍ، ولا أعمى)، ولا مفلوجٍ، ولا شيخ كبير؛ لأنها وجبت بدلاً عن القتل أو عن القتال، وهم لا يُقْتَلون، ولا يقاتلون؛ لعدم الأهليَّة. (ولا فقيرٍ غيرِ مُعْتَمِلٍ): أي مكتَسِبٍ ولو بالسؤال؛ لعدم الطاقة، فلو قَدَرَ على ذلك: وُضِعَ عليه. قُهُستاني. * (ولا على الرُّهبان الذين لا يخالطون الناس)؛ لأنهم إذا لم يخالطوا الناس: لا قَتْلَ عليهم(٢). (١) عزاه الزيلعي في نصب الراية ٤٥٠/٣ الواقدي، وكذلك ابن حجر في الدراية ١٣٥/٢. (٢) قال في الاختيار ١٣٨/٤: ((والمراد: لا تجب على الرهبان الذين لا يقدرون على العمل، والسيّاحين، ونحوهم، أما إذا كانوا يقدرون على العمل، فيجب عليهم وإن اعتزلوا وتركوا العمل؛ لأنهم يقدرون على العمل، فصاروا كالمعتملين، فتؤخذ منهم الجزية، ونظيره: تعطيل أرض الخراج)). اهـ ٣٠٧ الجزية وأحكام أهل الذمَّة ومَن أسلم وعليه جزيةٌ : سَقَطَت عنه. والأصلُ في ذلك: أن الجزية لإسقاط القتل، فَمَن لا يجب عليه القتل: لا توضع عليه الجزية، وتمامُه في ((الاختيار)). * ولا توضع على المملوك، ولا المكاتَب، ولا المدبَّرِ، ولا أمِّ الولد؛ لعدم المِلْك، ولا يؤدِّي عنهم مواليهم، لتحمُّلهم الزيادة بسببهم. * والعبرةُ في الأهليَّة، وعدمها: وقتُ وَضْع الإمام، فمَن أفاق، أو أُعتق، أو بَلَغ، أو بَرَأ بعد وَضْع الإمام: لم تُوضع عليه حتى تمضيَ تلك السنة، كما في ((الاختيار))(١). * (ومَن أسلم وعليه جزيةٌ)، ولو بعد تمام الحول: (سَقَطَت عنه)؛ لأنها تجب على وجه العقوبة، فتسقط بالإسلام، كالقتل (٢). وكذا إذا مات(٣)؛ لأن شَرْع العقوبة(٤) في الدنيا لا يكون إلا (١) لكن قال العلامة قاسم في التصحيح ص ٥٨٦: (وفي ((الحقائق)): وقت وجوب الجزية آخر الحول، كما في الزكاة في حق المسلمين، وهو الأصح، لا أول الحول. من ((المبسوط)).). اهـ، وينظر لزاما: الدر المختار، وابن عابدين ٧٢٥/١٢ (ط دمشق)، ففيه تفصيل ومناقشة. (٢) أي تسقط عنه كما لو قُتِل. (٣) أي إذا مات كافراً. (٤) أي الجزية هنا. ٣٠٨ الجزية وأحكام أهل الذمَّة وإن اجتمع عليه حولان : تداخلت الجزية. * ولا يجوز إحداثُ بِيْعةٍ، ولا كنيسةٍ .. ٠ ٠ الدفع الشرِّ، وقد اندفع بالموت(١)، وتمامُه في ((الهداية)). * (وإن اجتمع عليه): أي على الذمِّي (حولان)، فأكثر: (تداخلت الجزية (٢))؛ لأنها عقوبة، والعقوبات إذا اجتمعت: تداخلت، کالحدود. * وقيل: خراجُ الأرض على هذا الخلاف(٣). ((هداية)). [حكم إحداث وبناء الكنائس والبِيَع :] * (ولا يجوز إحداثَ بيْعةٍ): بكسر الباء، (ولا كنيسة)، (١) فلا تقام عليه الجزية بعد الموت وإن خلَّف شيئاً؛ لأن الموت كالقتل. البناية ٦ /٦٧٧. (٢) قال العلامة قاسم في تصحيح القدوري ص ٥٨٥: ((قال الإسبيجابي: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يتداخلان، والصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعليه مشى المحبوبي والنسفي، وغيرهما)). اهـ، ونصُّ الإسبيجابي كما نقله العلامة قاسم موجود في زاد الفقهاء لوحة ٣٧٨ (مخطوط). أما صاحب الهداية (مع البناية) ٦٧٨/٦، فقد ذكر أبا يوسف مع محمد، وكذا الزيلعي في تبيين الحقائق ٢٧٩/٣، وصاحب الجوهرة ٣٧٦/٢، وخلاصة الدلائل ص ٣٥٨، والمجتبى (مخطوط)، وغيرها. (٣) أي بين الإمام وصاحبيه. ٣٠٩ الجزية وأحكام أهل الذمَّة في دار الإسلام. ولا صَوْمُعة، ولا بيتِ نارٍ ، ولا مَقْبرةٍ(١) (في دار الإسلام). قال في ((البناية(٢)): يقال: كنيسةُ اليهود والنصارى لمتَعَبّدهم، وكذلك البيعةُ: كان مطلَقاً في الأصل، ثم غَلَبَ استعمالُ الكنيسة (١) قال الطحطاوي في حاشيته على الدر ٤٧١/٢: هو الظاهر، ونَقَل في جواهر الفتاوى: أنهم لا يُمنعون من اتخاذ المقابر. ((مِنَح)). اهـ وعلَّق ابن عابدين ٧٤٤/١٢ عليها بقوله: (قوله: ((ولا مقبرة)): عزاه المصنّف إلى الخلاصة، ثم ذكر ما يخالفه عن جواهر الفتاوى، ثم قال: والظاهر: الأول، ومن ثمّ عوَّلنا عليه في المختصر). اهـ وقد نقل العلامة الشيخ محمد عابد السندي الأنصاري في طوالع الأنوار شرح الدر المختار ٢٢٦/٨ (مخطوط) نصَّ الخلاصة كما يلي: اليهود والنصارى يُمنعون من إحداث المقبرة، ثم نَقَل عن جواهر الفتاوى قوله: قومٌ من أهل الذمة اشتروا من المسلمين داراً في المصر ليتخذوها مقبرة ؟ قال: لمَّا ملكوها: يفعلون بها ما شاؤوا وإن أضرَّ بيوت الجيران، لأنهم يتصرَّفون في ملكهم، والضرر ليس من جهتهم، والإنسان لا يُجبر على البناء، بخلاف ما لو اتخذوا بِيعةً أو كنيسة، أو بيت نار في المصر: لم يملكوا ذلك، لما فيه من إظهار باطلهم، وتتميم ضلالهم، بخلاف المقبرة. انتهى قال في ((المنح)): والظاهر الأول، ومن ثمة عوَّلنا عليه في المختصر، يعني متن التنوير. انتهىُ، ولم يعلِّق على هذا الشيخ محمد عابد بشيء. (٢) ٣٦٠/٩ (ط باكستان)، وقد جاء في نسخة د: ((النهاية))، وفي ج: ((الهداية)). ٣١٠ الجزية وأحكام أهل الذمَّة وإذا انهدمت الكنائسُ، والبِيَعُ القديمة : أعادوها. ويُؤْخذُ أهلُ الذمَّة بالتميُّز عن . لمتعبَّد اليهود، والبيعة لمتعبَّد النصارى. اهـ قال في ((الفتح)): وفي ديار مصر لا يُستعمل لفظ البيعة، بل الكنيسةُ لمتعبَّد الفريقَيْن، ولفظُ الدَّيْر: للنصارى خاصَّةً. اهـ، ومثلُه في الديار الشاميَّة. * ثم إطلاق: ((دار الإسلام)): يشمل الأمصار، والقرى، وهو المختار كما في ((الفتح)). * (وإذا انهدمت الكنائسُ والبِيَعُ القديمة: أعادوها) حُكْمَ ما كانت، من غير زيادة على البناء الأول، ولا يُعْدَل عن النَّقْض الأول(١) إن كفى، وتمامُه في ((شرح الوهبانيَّة))؛ لأن الأبنية لا تَبقى دائماً، ولمَّا أقرَّهم الإمامُ، فقد عَهِدَ إليهم الإعادة، إلا أنهم لا يُمكَّنون من نَقْلها(٢)؛ لأنها إحداث في الحقيقة. ((هداية)). [إلزام الإمام أهلَ الذمَّة بالتميُّز عن المسلمين : ] * (ويؤخذ أهلُ الذمَّة): أي يُكلَّفون ويُلزمون (بالتميُّز عن (١) أي الحجارة المنقوضة من الهَدْم. (٢) أي تحويلها من موضع إلى موضع آخر في المصر. البناية ٦٨٥/٦ (ط بيروت)، ٣٦٣/٩ (ط باكستان). ٣١١ الجزية وأحكام أهل الذمَّة المسلمين في زِيِّهم، ومراكِهم، وسُرُوجِهِم، وقَلانِسِهِم. المسلمين(١) في زِيِّهم) - بكسر أوَّله: لباسِهِم، وهيآتهم - (ومراكِبِهم، وسُروجِهم، وقَلانِسِهِم). * ولا يُهَّؤون(٢)، ولا يُبْدَؤون بالسَّلام، ويُضيَّق عليهم الطريق. * فلو لم يكن له(٣) علامةٌ مميّزة: فلعلَّه يُعامَلُ معاملةَ المسلمين، وذلك لا يجوز. (١) قال الإسبيجابي في زاد الفقهاء (مخطوط): ((أما التمييز، فلأن المسلم يجب تعظيمه وموالاته، والكافر: لا، فإذا اختلطوا: لا يقع الأمنُ من تعظيم الكافر، فلهذا وجب تمييزهم، فالحاصل أنه لا يُترك أحدٌ من أهل الذمة يتشبّه بالمسلمين في مركبه، ولا في هيئته، إظهاراً للذل والصَّغار في حقهم، ولأن فيه إعلاءً لكلمة الله)). اهـ وفي الهداية ١٦٢/٢: ((ويؤخذ أهل الذمة بالتميُّز عن المسلمين، إظهاراً للصَّغار عليهم، وصيانة لضَعَفَة المسلمين، ولأن المسلم يُكرم، والذمي يُهان)). اهـ باختصار. (٢) في نسخة ج: ((ويُهانون))، وكذلك في البحر الرائق ١٢٣/٥، وفي بقية نسخ اللباب ما عدا ب: ((ولا يهانون))، وهو تصحيفٌ واضح، والرسم قريب جداً مما أثبته، كما أن معناها غير سليم، حيث إن الناظر في أحكامهم يرى أن الإسلام أراد إذلالهم وهَوَانَهم وصَغَارهم، ليكون ذلك سبيلاً لإسلامهم، وينظر لإهانتهم، وحرمة تعظيمهم: حاشية فتح المعين ٤٥٤/٢، وابن عابدين ٧٦١/١٢، وما تقدم من نَقْلٍ عن الإسبيجابي في الحاشية السابقة. وقد جاء في نسخة ب من اللباب: ((ويُهانون، ولايُبدؤون .... )). (٣) أي الذمِّيُّ. ٣١٢ الجزية وأحكام أهل الذمَّة ولا يَركبون الخيلَ، ولا يَحْمِلون السِّلاحَ. * (ولا يَركبون الخيلَ. * ولا يَحْمِلون) - وفي بعض النُّسَخِ: يَتَجمَّلون(١) - (السِّلاحِ (٢)): أي لا يُمكّنون من ذلك؛ لأن في ذلك توسعةً عليهم، وتقويةً لشَّوْكتهم، وهو خلاف اللازم عليهم. ويُمْنَعون من لُبْس العمائم، وزِنَّار الإبريسم (٣)، والثياب الفاخرة، والمختَّصة بأهل العلم والشرف. * ويُظهرون الكُستيجات: بضم الكاف: جَمْع: كُستیج، فارسي مُعرَّب: الزِّنَّار من صوف، أو شعر، بحيث يكون في غِلَظِ أُصبعٍ فوق الثياب. * ويجب أن تُميَّز نساؤهم عن نسائنا في الطرقات، والحمَّامات. (١) وعليه: فلا يجوز لهم أن يتجمَّلوا ويتزيَّنوا، وينظر البحر الرائق ١٢٣/٥. (٢) وفي بعض نسخ القدوري (٦٤٩هـ، ٨٤٠هـ)، ونسخة زاد الفقهاء للإسبيجابي، وكذلك بعض نسخ اللباب: ((ولا يعملون بالسلاح))، وهكذا أيضاً نص مختصر كنز الدقائق ١٢٣/٥ (مع البحر الرائق). وعليه فيُمنعون من حمل السلاح، وكذلك يُمنعون من العمل في صناعته، وعلة ذلك واضحة بيِّنة. (٣) الحرير الطبيعي. ٣١٣ الجزية وأحكام أهل الذمَّة ومَن امتنع من أداء الجزية، أو قَتَل مسلماً، أو سبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، أو زنىُ بمسلمةٍ : لم يُنْقَضْ عهدُه. * ويُجْعَل على دورهم علاماتٌ، وتمامه في ((الأشباه)) في أحكام الذمِّ. [ما يترتب على امتناع أهل الذمَّة من التزام أحكام عقدهم : ] * (ومَن امتنع) من أهل الذمَّة (من أداء الجزية، أو قَتَل مسلماً)، أو فَتَنَه عن دينه، أو قَطَعَ الطريق، (أو سبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم)، أو القرآنَ، أو دينَ الإسلام، (أو زنى بمسلمةٍ: لم يُنْقَضْ عهدُه)؛ لأن كفرَه المقارِنَ لم يَمْنَع العهد، فالطارئُ لا يَرْفَعُه؛ فتؤخذُ منه الجزية جَبْراً إذا امتنع من أداء الجزية، ويُستوفى منه القصاص إذا قَتَلَ، ويُقام عليه الحدُّ إذا زنیُ. [حكم مَن سبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة : ] * ويؤدَّبُ ويُعاقب على السبِّ. ((حاوي))، وغیرُه. واختار بعضُ المتأخِّرِين: قَتْلَه (١)، وتَبِعه ابنُ الهمام، وأفتى به الخيرُ الرَّمليُّ. قال في ((الدر)): ورأيتُ في معروضات المفتي أبي السعود: أنه (١) أي إذا سبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، أو دينَ الإسلام. ٣١٤ الجزية وأحكام أهل الذمَّة ولا يَنتقضُ العهدُ إلا بأن يَلْحَق بدار الحرب، أو يَغلبوا على موضع، فیحاربونا . وَرَدَ أمرٌ سلطاني بالعمل بقول أئمَّتنا القائلين بقَتْله إن ظَهَرَ أنه معتادُه، وبه أفتى، وتمامُه فيه. * (ولا ينتقض العهدُ): أي عهدُ أهل الذمَّة (إلا بأن يَلْحَقَ) أحدُهم (بدار الحرب، أو يَغلبوا على موضعٍ، فيحاربونا)؛ لأنهم صاروا حَرْباً علينا، فَيَعْرىُ عقدُ الذمَّة عن الإفادة، وهو دَفْعُ شَرِّ الحِراب؛ فيُنْقَضُ عَهْدُهم، ويصیرون کالمرتدِین. * إلا أنه لو أُسِر واحدٌ منهم: يُسْتَرَقُّ. والمرتدُّ: يُقْتَلُ، ولا يُجبر على قبول الذمَّة. * والمرتدُّ: يُجْبر على الإسلام. ٣١٥ أحكام المرتدِّین وإذا ارتدَّ المسلمُ عن الإسلام: عُرِضَ عليه الإسلامُ، فإن كانت له شُبهةٌ : كُشِفَت له، ويُحْبَسُ ثلاثةَ أيام، فإن أسلم، ٠ أحكام المرتدِین ولمَّا أنهى الكلامَ على الذمِّيِّ، أَخَذَ في بيان أحكام المرتدِّ، وهو: الرَّاجعُ عن الإسلام، فقال: [ما يُفْعَل بالمرتدِّ : ] * (وإذا ارتدَّ المسلمُ عن الإسلام)، والعياذُ بالله تعالى: (عُرِضَ عليه الإسلامُ) استحباباً على المذهب؛ لبلوغه الدعوةَ. (در)). * (فإن كانت له شُبهةٌ: كُشفَت له)، بيانٌ لثمرة العَرْض؛ إذِ الظاهرُ أنه لا يرتدُّ إلا مِن شبهةٍ. * (ويُحْبَسُ ثلاثةَ أيامٍ) ندباً، وقيل: إن اسْتَمْهَلَ: وجوباً، وإلا: ندباً. * ويُعْرَضُ عليه الإسلام في كل يومٍ، (فإن أسلم): فيِهَا. * وكذا لو ارتدَّ ثانياً، لكنه يُضْرَب، فإن عاد: يُضْرَب، ويُحبَسُ حتى تَظهر عليه التوبة، فإن عاد: فكذلك، ((تتارخانية)). * قال في ((الهداية)): وكيفيَّةُ توبته: أن يَتبرَأْ عن الأديان كلِّها سوى الإسلام. ٣١٦ أحكام المرتدِّین وإلا : قُتل. فإن قَتَلَه قاتلٌ قبل عَرْض الإسلام عليه: كُره له ذلك، ولا شيء على القاتل. وأما المرأة إذا ارتدَّت : فلا تُقْتُلُ، . • ولو تبرَّأَ عمَّا انتقل إليه: كفاه؛ لحصول المقصود. اهـ * (وإلا): أي وإن لم يُسلم: (قُتِل)؛ لحديث: ((مَن تَرَكَ دينَه فاقتلوه))(١). [لو قَتَل المرتدَّ قاتلٌ قبل عَرْض الإسلام عليه : ] ** (فإن قَتَلَه قاتلٌ قبل عَرْض الإسلام عليه: كُره له ذلك) تنزيهاً، أو تحريماً، على ما مرَّ من حكم العَرْض، (ولا شيءَ على القاتل)؛ لقتله مباح الدم. [رِدَّة المرأة : ] * (وأما المرأة إذا ارتدَّت: فلا تُقْتل)؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن قَتْل النساء (٢)، من غير تفرقة بين الكافرة الأصليَّة، والمرتدَّة. (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، واللفظ المشهور: ((مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه))، وهو في صحيح البخاري ١٤٩/٦ (٣٠١٧)، ٢٦٧/١٢ (٦٩٢٢)، وغيره من كتب السنن. (٢) صحيح البخاري ١٤٨/٦ (٣٠١٥)، صحيح مسلم ١٣٦٤/٣ (١٧٤٤). ٣١٧ أحكام المرتدِین ولکن تُحبس حتى تُسْلِم . ويزول ملْكُ المرتدِّ عن أمواله برِدَّته زوالاً مراعىً، ٠ (ولكن تُحبس حتى تُسْلِم)؛ لامتناعها عن إيفاء حقِّ الله تعالى بعد الإقرار(١)، فتُجبر على الإيفاء بالحبس، كما في حقوق العباد(٢). «هداية)). [آثار الردَّة : ] * (ويزول ملْكُ المرتد عن أمواله بردَّته)؛ لزوال عصمة دمه، فکذا عصمةُ ماله. قال جمالُ الإسلام: وهذا قولُ أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يزول. والصحيحُ قولُ الإمام، وعليه مشى الإمام البرهانيّ، والنَّسفيُّ، وغيرهما. ((تصحیح)). وإنما يزول ملكُه عند أبي حنيفة (زوالاً مراعى): أي موقوفاً إلى أن يتبيَّن حالُه؛ لأن حالَه متردِّد بين أن يُسلم: فيعود إلى العصمة، وبين أن يَثْبُت على ردَّته: فِيُقْتُل. (١) أي إقرارها بالتوحيد الذي هو حق الله، وذلك حين كانت مسلمة. (٢) أي فتُجبر على العود إلى الإسلام، وإيفاء حق الله تعالى، ((لأن الحَبْس شُرع على مَنْع الحقوق مع القدرة على الأداء، كما في حقوق العباد)). الكفاية ٣١١/٥. ٣١٨ أحكام المرتدِین فإن أسلم عادت على حالها، وإن مات، أو قُتِل على رِدَّته : انتقل ما كان اكتسبه في حال إسلامه إلى ورثته المسلمين، وكان ما اكتسبه في حال رِدَّته : فَيْئاً. وإن لَحِقَ بدار الحرب مرتداً، وحَكَم الحاكمُ بلَحَاقه: عَتَقَ ... * (فإن أسلم: عادت) حرمةُ أمواله (على حالها) السابق، وصار کأنه لم يرتدَّ. (وإن مات، أو قُتِل علىْ رِذَّته)، أو لَحِقَ بدار الحرب، وحُكِم بلَحَاقه: (انتقل ما كان اكتسبه في حال إسلامه إلى ورثته المسلمين)؛ لوجوده قبل الردَّة، فَيَستند الإرثُ إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه؛ لأن رِدَّته بمنزلة موته، فيكون توريثُ المسلم من المسلم. * (وكان ما اكتسبه في حال رِدَّته فَيْئاً) للمسلمين، فيُوضع في بيت المال؛ لأن كَسْبه حالَ رِدَّته: كَسْبُ مباحِ الدم، ليس فيه حقّ لأحد، فكان فيئاً، كمال الحربي. قال الزاهدي: وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: كلاهما لورثته. والصحيحُ قولُ الإمام، واختار قولَه البرهانيُّ، والنَّسفيُّ ، وصدر الشريعة. ((تصحیح)). [ لَحَاق المرتدِّ بدار الحرب : ] * (وإن لَحِقَ بدار الحرب مرتدّاً، وحَكَم الحاكمُ بِلَحَاقِه: عَتَقَ ٣١٩ أحكام المرتدِین مُدَبَّروه، وأمهاتُ أولاده، وحَلَّت الديونُ التي عليه، ونُقِلَ ما اكتسبه في حال الإسلام إلى ورثته المسلمين . مُدَبَّروه) من ثلث ماله، (وأمهاتُ أولاده) من كلَّ ماله، وأما مكاتبُه: فيؤدِّي مالَ الكتابة إلى ورثته، ويكون ولاؤه للمرتدِّ، كما يكون للميِّت. ((جوهرة)). * (وحَلَّت الديون التي عليه، ونُقِلَ ما) كان (اكتسبه في حال الإسلام إلى ورثته المسلمين)؛ لأنه باللَّحاق صار من أهل الحرب، وهم أموات في حقِّ أحكام المسلمين؛ لانقطاع ولاية الإلزام، كما هي منقطعةً عن الموتى، فصار(١) كالموت، إلا أنه لا يستقر لَحَاقُه إلا بقضاءِ القاضي؛ لاحتمال العَوْدِ إلينا، فلا بدَّ من القضاء، وإذا تقرَّر موتُّهُ(٢): ثبتت الأحكام المتعلّقة به(٣)، وهي ما ذكرناها (٤) في الموت الحقيقي. * ثم يُعتبر كونه(٥) وارثاً: عند لَحَاقه في قول محمد؛ لأن اللَّحاق (١) أي المرتد باللحاق كالموت. البناية ٧١٠/٦. (٢) أي الحكمي بالقضاء. (٣) أي المرتد. (٤) مِن عِثْق مدَبَّريه، وحلول ديونه المؤجّلة، كما تثبت هذه الأحكام في الموت الحقيقي. البناية ٦ / ٧١٠. (٥) أي وارث المرتدِّ. البناية ٦ / ٧١٠. ٣٢٠ أحكام المرتدِّين وتُقْضى الديونُ التي لَزِمَتْه في حال الإسلام: مما اكتسبه في حال الإسلام. وما لزمه من الديون في حال رِدَّته : مما اكتسبه في حال ڕِدَّته. هو السبب، والقضاءُ لتقرُّره: يقطع الاحتمال. وقال أبو يوسف: وقتَ القضاء؛ لأنه يصير موتاً بالقضاء. * والمرتدَّة إذا لحِقَتْ بدار الحرب، فهي على هذا الخلاف. ((هداية)). [قضاء ديون المرتدِّ : ] (وتُقْضى الديونُ التي لَزِمَتْه في حال الإسلام، مما اكتسبه في حال الإسلام. وما لزمه من الديون في حال رِدَّته): يُقْضى (مما اكتسبه في حال رِدَّته). قال في ((الجوهرة)): وهذه روايةً عن أبي حنيفة، وهي قول (١) زفر(١). (١) وعن أبي حنيفة رحمه الله رواية ثانية: أنه يُبدأ بكَسْب الإسلام، فإن لم يفِ بذلك: تقضى ديونه من كَسْب الردة. الهداية ١٦٦/٢، وهذه هي رواية الحسن عن أبي حنيفة، كما هو في بدائع الصنائع ١٣٩/٧.