Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ کتاب السیر وأما الخُمُسُ، فيُقْسَم على ثلاثة أسهم : سهمٌ للیتامیُ، * قال في ((الهداية)): ثم العبد إنما يُرْضَخُ له إذا قاتل؛ لأنه دخل لخدمة المولى، فصار كالتاجر. والمرأةُ يُرْضَخُ لها إذا كانت تداوي الجرحى، وتقوم على المرضى؛ لأنها عاجزة عن حقيقة القتال، فيُقام هذا النوع من الإعانة مقامَ القتال. * والذمِّيُّ إنما يُرْضَخ له إذا قاتَل، أو دلَّ على الطريق؛ لأن فيه منفعةً للمسلمين، إلا أنه يُزاد له على السهم في الدلالة إذا كانت فيه منفعةٌ عظيمة(١). انتھی باختصار. [بيان تقسيم خُمُس الغنيمة : ] * (وأما الخُمُسُ، فيُقْسَم على ثلاثة أسهم (٢): سهمٌ لليتامىُ) (١) إذا قاتل الذِّمِّيُّ: لا يُزاد على سهم الراجل إن كان راجلاً، ولا على سهم الفارس إذا كان فارساً، لأن القتال جهاد، والذمي تبعٌ للمسلمين، فلا يُسوَّى بينه وبين المسلم، لنقصان منزلتهم، وانحطاط رُتبتهم. ينظر البناية ٥٨٢/٦، والجوهرة ٣٧٠/٢. (٢) ونُقِل هذا التقسيم على ثلاثة أسهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين رضي الله عنهم، وكان ذلك بمَحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُنكَر عليهم، فحلَّ محلّ الإجماع. ينظر الهداية (ومعها البناية) ٦ / ٥٨٣. ٢٨٢ كتاب السِّير وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لأبناء السبيل. ويَدخُلُ فقراءَ ذوي القربى فيهم، ويُقدَّمون، ولا يُدفَعُ إلى أغنيائهم شيء. وأما ذِكْرُ الله تعالى في الخُمُس؛ فإنما هو لافتتاح الكلام، تبرُّكاً الفقراء، (وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لأبناء السبيل)، وهم المنقطعون عن مالهم. * ويجوز صَرْفه لصنفٍ واحد، كما في ((الفتح)) عن ((التحفة)). * (ويَدخلُ فقراءُ ذوي القربى) من بني هاشم (فيهم): أي في الأصناف الثلاثة، (و) لكن (يُقدَّمون) على غيرهم؛ لعدم جواز الصدقة علیھم. * (ولا يُدفع إلى أغنيائهم) منه (شيء)؛ لأنه إنما يُستَحَقُّ بالفقر والحاجة. * (وأما ذكرُ الله تعالى في الخُمُس) في قوله جلّ ذِكْرُه: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمُتُمْ مِن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾(١)، (فإنما هو لافتتاح الكلام، تبرُّكا (١) الأنفال / ٤١، وتمام الآية: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. ٢٨٣ کتاب السِّير باسمه تعالی. وسهمُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سَقَطَ بموته، كما سَقَطَ الصَّفِيُّ. ءِ وسهمُ ذوي القربى كانوا يستحقّونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالنُّصْرة، وبعدَه بالفقر . بأسمه تعالى(١)، وسهمُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سَقَطَ بموته، كما سَقَطَ الصَّفِيُّ)، وهو شيء كان يصطفيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم لنفسه(٢)، أي يختاره من الغنيمة، مثلُ دِرْعٍ، وسيفٍ، وجاريةٍ. * (وسهمُ ذوي القربى كانوا يستحقّونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالنُّصْرة) له، ألا يُرى أنه علَّل فقال: ((إنهم لن يزالوا معي هكذا في الجاهلية والإسلام، وشبَّك بين أصابعه))(٣)، (وبعدَه): أي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم (بالفقر)؛ لانقطاع النصرة. (١) روي هذا التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما. ينظر نصب الراية ٤٢٦/٣. (٢) سنن أبي داود ٤٦٤/٣ (٢٩٨٤)، سنن النسائي ٣٣/٧ (٤١٤٢)، المستدرك ١٢٨/٢، وصححه، وقد روي هذا الحديث بطرقٍ عدَّة، منها المرسل وغيره، وينظر نصب الراية ٤٢٧/٣. (٣) سنن أبي داود ٤٥٣/٣ (٢٩٧٣) بلفظ: ((أنا وبنو المطّلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيء واحد، وشبَّك بين أصابعه)). وينظر أصل القصة في صحيح البخاري ٥٣٣/٦ (٣٥٠٢) بلفظ: «إنما بنو هاشم وبنو المطّلب شيءٌ واحد))، كما ينظر نصب الراية ٤٢٥/٣. ٢٨٤ بير کتاب السير وإذا دَخَلَ الواحدُ، أو الاثنان إلى دار الحرب مُغِيْرين بغير إذن الإمام، فأخذوا شيئاً : لم يُخَمَّس. وإن دَخَلَ جماعةٌ لهم مَنَعَةٌ، فأخذوا شيئاً: خُمِّس وإن لم يأذن لهم الإمام. [ما لا يُخمَّس : ] * (وإذا دَخَلَ الواحدُ) من المسلمين (أو الاثنان إلى دار الحرب مُغِيْرِين بغير إذن الإمام، فأخذوا شيئاً: لم يُخَمَّس)؛ لأنه مالٌ مباحٌ أُخذ على غير وجه الغنيمة؛ لأنها المأخوذةُ قهراً وغَلَبَةً، لا اختلاساً وسرقة، والخُمُس وظيفةُ الغنيمة. * قيَّد بكونه بغير إذن الإمام؛ لأنه إذا كان بالإذن: ففيه روايتان، والمشهور أنه يُخمَّس؛ لأنه لمَّا أَذن لهم: فقد التزم نُصرتَهم، كما في ((الهداية)). * (وإن دَخَلَ جماعةٌ لهم(١) مَنَعَةُ): أي قوة، (فأخذوا شيئاً: خُمِّس) ما أخذوه (وإن لم يأذن لهم الإمام)؛ لأنه غنيمةٌ، لأَخْذه على وجه القهر والغلبة؛ ولأنه يجب على الإمام نُصرتُهم؛ إذ لو خَذَلَهم: كان فيه وَهْنٌ على المسلمين، بخلاف الواحد والاثنين؛ لأنه لا تجب عليه نُصرتُهم. ((هداية)). (١) وفي بعض نسخ القدوري: ((لها)). ٢٨٥ کتاب السیر وإذا دخل المسلمُ دارَ الحرب تاجراً : فلا يَحِلُّ له أن يتعرَّض لشيءٍ من أموالهم، ولا من دمائهم. وإن غَدَرَ بهم، وأَخَذَ شيئاً، وخَرَج به : مَلَكَه مِلْكاً محظوراً، ... * قيَّد بالمَنَعة؛ لأنه لو دخل جماعةٌ لا مَنَعَةَ لهم بغير إذن، فأخذوا شيئاً: لا يُخمَّس؛ لأنه اختلاسٌ، لا غنيمة، كما في ((الجوهرة)). [عدم جواز تعرُّض المسلم لأموال الحربيين :] * (وإذا دخل المسلمُ دارَ الحرب) بأمان (تاجراً) أو نحوه: (فلا يَحلّ له أن يتعرَّض لشيءٍ من أموالهم، ولا) لشيءٍ (من دمائهم)، أو فروجهم؛ لأن ذلك غَدْرٌ بهم، والغَدْرُ حرامٌ، إلا إذا صَدَرَ غَدْرٌ من مَلِكِهم، أو منهم بعِلْمه، ولم يأخذ على يدهم؛ لأن النَّقْض يكون من جهتهم. قيَّد بالتاجر؛ لأن الأسير غيرُ مستأمَن؛ فيباح له التعرُّض المالِهم، ودمائهم، كما في ((الهداية)). [التصدُّق بالأموال التي أخذها المسلم بطريقٍ محظور : ] * (وإن) تعدَّى التاجرُ ونحوُهُ، و(غَدَرَ بهم، وأَخَذَ شيئاً) من مالهم، (وخَرَج به) عن دارهم: (مَلَكَه مِلْكاً محظوراً)؛ لإباحة أموالهم، إلا أنه حَصَلَ بالغَدْر، فكان خبيثاً؛ لأن المؤمنين عند ٢٨٦ کتاب السِّير ويُؤمَرُ أن يتصدَّق به . وإذا دخل الحربيُّ إلينا مستأمِناً: لم يُمَكَّن أن يُقيم في دارنا سَنَةً، ويقولُ له الإمام : إن أقمتَ تمامَ السَّنَة : وَضَعتُ عليك الجزيةَ . فإن شروطهم، (ويُؤمَر أن يتصدَّق به)؛ تفريغاً لذمَّته، وتداركاً لجنايته. [حكم الحربي المستأمَن في دار الإسلام :] (وإذا دخل الحربي إلينا مستأمناً): أي طالباً للأمان: (لم يُمكّن أن يقيم في دارنا سنة)، فما فوقها؛ لئلا يصير عَيْناً لهم، وعَوْناً علينا. ** (ويقولُ له الإمام) إذا أَمَّنَه، وأَذِن له في الدخول إلى دارنا: (إن أقمتَ) في دارنا (تمامَ السنة؛ وَضَعتُ عليك الجزية). والأصل: أن الحربيَّ لا يُمكِّن من إقامة دائمةٍ في دارنا إلا بالاسترقاق، أو الجزية؛ لأنه يصير عَيْناً لهم، وعَوْناً علينا، فتلتحق المضرَّة بالمسلمين. ويُمكَّن من الإقامة اليسيرة؛ لأن في مَنْعِها قَطْعَ المِيْرة والجَلَب، وسدّ باب التجارة، ففَصَلْنا بينهما بسَنَةٍ؛ لأنها مدَّةً تجب فيها الجزية، فتكون الإقامةُ لمصلحة الجزية. ((هدایة)). * (فإن) رَجَعَ بعد ذلك قبل تمام السنة إلى وطنه: فلا سبيل عليه. ٢٨٧ كتاب السير أقام: أُخِذت منه الجزيةُ، وصار ذمَّيَّاً، ولم يُترَك أن يَرْجع إلى دار الحرب . وإن عاد إلى دار الحرب، وتَرَكَ وديعةً عند مسلمٍ، أو ذمِّيٍّ، أو دَيْناً في ذمَّتهم : فقد صار دَمُه مباحاً بالعَوْد، وما في دار الإسلام من ماله على خَطَرٍ . [ما يصير به الحربي المستأمن ذمِّيّاً : ] * وإن (أقام) تمامَ السنة: (أُخذت منه الجزية، وصار ذمَّيًَّ)؛ لالتزامه ذلك، (ولم يُترك) بعدها (أن يَرْجع إلى دار الحرب)؛ لأن عَقْد الذمة لا يُنْقَضُ. * وللإمام أن يوقّت في ذلك ما دون السنة، كالشهر، والشهرين، كما في ((الهداية)). * (وإن عاد) المستأمِنُ (إلى دار الحرب)، ولو إلى غير داره، (وَتَرَكَ وديعةً عند) معصومٍ (مسلمٍ، أو ذمِّيٍّ، أو) تَرَكَ (دَيْناً في ذمَّتهم: فقد صار دَمُّه مباحاً بالعَوْد)؛ لبطلان أمانه، (وما) كان (في دار الإسلام من ماله)، فهو (على خَطَرٍ): أي موقوفٍ (١)؛ لأن يد المعصوم عليه باقية. (١) قال في البناية ٦٢٨/٦ (ط بيروت): ((على خطر: أي تردُّد، وبَيَّن التردد بقوله: فإن أُسِرٍ ... )). اهـ ٢٨٨ کتاب السير فإن أُسِرَ، أو قُتِلَ: سقطت ديونُه، وصارت الوديعةُ فَيْئاً. وما أَوْجَف عليه المسلمون من أموال أهل الحرب بغير قتالٍ : يُصْرَف في مصالح المسلمين، كما يُصْرَف الخَرَاجُ. (فإن أُسِرَ، أو قُتِلَ: سقطت ديونه)؛ لأن يد مَن عليه الدَّين أسبقُ إليه من يد العامة، فَيَختَصُّ به، فيسقط، (وصارت الوديعةُ)، وما عند شريكه ومُضَارِبِه، وما في بيته في دارنا (فَيْئاً)؛ لأنها في يده حُكْماً؛ لأن يد المودَع، والشريك، والمضارِب كيده، فيصير فَيْئاً، تَبَعاً لنفسه. [ما أُخِذ من أموال أهل الحرب بدون قتال :] * (وما أَوْجَف عليه المسلمون): أي أسرعوا إلى أَخْذه (من أموال أهل الحرب بغير قتالٍ: يُصْرَف) جميعُه (في مصالح المسلمين، كما يُصْرَف الخراجُ)، والجزية؛ لأنه حَصَلَ بقوة المسلمين من غير قتالٍ؛ فكان كالخراج، والجزية. ٢٨٩ العُشْر والخَرَاج * وأرضُ العرب كلَّها أرضُ عُشْر، ٠ العُشْرِ والخَرَاج ولمَّا أنهى الكلامَ على بيان ما يصير الحربيُّ به ذمِّيّاً، أَخَذَ في بيان ما يؤخذ منه(١)، وبيانِ العُشْر؛ تتميماً للوظائف الماليّة. وقدَّم بيانَ العُشْر؛ لِمَا فيه من معنى العبادة، فقال: [أرض العشر : ] * (وأرضُ العرب كلَّها أرضُ عُشْرٍ)؛ لأن الخراج لا يجب ابتداء وُ إلا بعقد الذمَّة، وعَقْدُ الذمَّة من مشركِ العرب لا يصحّ. (١) من الخراج والجزية، وكذلك بيَّن العُشر، وسيأتي فصل خاص للجزية. أما العُشر: فهو اسمٌ للمأخوذ من المسلم في زكاة الأرض العشرية، وهي الأرض التي أسلم أهلها طوعاً، أو فُتحت عَنوة، وقُسمت بين الغانمين، وتسمى أرض المسلمین. والخراج: ما يَخرج من غلة الأرض، ثم سمِّي ما يأخذه السلطان: خراجاً، أي وظيفةً وضريبة، يفرضها الإمام على رقبة الأرض الخراجية النامية، وهي كل أرض فُتحت عنوة، وأُقِرَّ أهلُها عليها، أو صالحهم عليها، وتسمى أرض الكفار، وهكذا يقال: أدى فلان خراج أرضه، وأدى أهل الذمة خراج رؤوسهم: يعني الجزية. والعُشر يتفق مع خراج المقاسمة: في أنهما يَجِبَان في الخارج من الأرض، ويختلفان في محلهما، فمحل العُشر: الأرض العشرية التي يملكها مسلمٌ، ومحل الخراج: الأرض الخراجية. ينظر المغرب ٢٤٩/١، ومختصر القدوري في هذا الفصل، والموسوعة الفقهية الكويتية ١٩/ ٥٢. ٢٩٠ العُشْرِ والخَرَاج وهي ما بين العُذَيْب إلى أقصىُ حَجَرٍ باليمن بمَهْرَةَ، إلى حَدِّ الشام. * (وهي): أي أرضُ العرب: أي حَدُّها (ما بين العُذَيْب) - بضم العين المهملة، وفتح الذال المعجمة: قرية من قرى الكوفة - (إلى أقصى): أي آخر (حَجَرٍ) - بفتحتين: واحدُ الأحجار، بمعنى الصخرة، كما وقع التحديد به في غير موضعٍ -: (باليمن بِمَهْرَةَ) - بفتح الميم، وسكون الهاء(١): اسمُ موضعٍ باليمن، يُسمَّى باسم (٢) مَهْرَةَ بنِ حَيْدَانَ، أبي قبيلةٍ تُنْسَب إليه الإبل المَهْرِيَّة، فيكون قوله: (بمَهْرَةَ»: بدلاً من قوله: ((باليمن))، كما في ((البناية)) (٣)- (إلى حَدِّ الشام). وفي ((المغرب)): عن أبي يوسف في ((الأمالي)): حدودُ أرض (١) هكذا: ((مَهْرَة)»: بفتحِ ثم سكون في كتب الحنفية، وكذلك في القاموس، وشرحه ((تاج العروس))، لكن الحموي في معجم البلدان ٢٣٤/٥، قال: ((بالفتح ثم السكون، هكذا يرويه عامة الناس، والصحيح: ((مَهَرَة)): بالتحريك، وجَدْتُه بخطوط جماعة من أئمّة العلم القدماء، لا يختلفون فیه)). اهـ (٢) بدون كلمة: ((باسم)): في نسخ اللباب كلِّها، ما عدا نسخة د، وفي البناية ٦٤٠/٦، والعناية، والكفاية ٢٧٨/٥: ((أنه اسم رجلٍ سمي المقام به)). (٣) هكذا: ((البناية)): في نسخ اللباب كلِّها، وجاء النص خطأ في نسخة د: ((النهاية))، والنص من قوله: ((فيكون ... ))، موجود في البناية ٦/ ٦٤٠، وأما أول نص اللباب في التعريف بمَهْرة، فمنقول من الجوهرة ٣٧٢/٢ بتصرف، بدون تصريح. ٢٩١ العُشْرِ والخَرَاج والسَّوَادُ : أرضُ خَرَاج، العرب: ما وراءَ حدود أرض الكوفة إلى أقصى صخرةٍ باليمن، وهو مَهْرَة. وقال الكرخي: هي أرضُ الحجاز، وتهامة، واليمن، ومكة، والطائف، والبريَّة: يعني: البادية. وقال محمد: أرض العرب: من العُذَيْب إلى مكة، وعَدَنِ أَبْيَنَ إلى أقصى حَجَرٍ بالیمن بمھْرة. اهـ باختصار. وهذه العبارات متقاربةٌ، يفسِّرِ بعضها بعضاً، وعَدَنُ - بفتحين -: بلدةً باليمن، تُضاف إلى بانيها؛ فيقال: عَدَنُ أَبْيَن، كما في ((المصباح)). [أرض الخراج :] : (والسَّوَادُ): أي أرضُ سَوَاد العراق، سُمِّي سواداً؛ لخُضْرة أشجاره وزروعه، وهو الذي فُتِحَ على عهد سيدنا عمر رضي الله عنه، فأقرَّ أهلَه عليه، ووَضَعَ على رِقابهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج (١): (أرضُ خَرَاج (٢))؛ لأنه وظيفةُ أرض الكفار. (١) تقدَّم تخريج هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه. (٢) أي أرض السَّواد: أرضُ خراج. ٢٩٢ العُشْرِ والخَرَاجِ وهي ما بين العُذَيْب، إلى عَقَبَة حُلْوان، ومن العَلْث، إلى عَبَّادان. (وهي): أي أرضُ السَّوَاد، حدُّها عرضاً: (ما بين العُذَيْب) المتقدمة (إلى عَقَبَة حُلْوان): بضمِّ الحاء المهملة، وسكون اللام: اسم بلدةِ مشهورة، بينها وبين بغداد نحو خمسٍ مراحلَ، وهي طَرَفُ العراق من المشرق، سُمِيت باسم بانيها، وهو حُلْوَان بنُ عِمْران بنِ الحارث، كما في ((المصباح)). (و) حدُّها طولاً: (من العَلْث): بفتح العين المهملة، وسكون اللام، وآخره ثاءٌ مثلثة: قريةٌ موقَفَةٌ على العلوية(١)، على شرق دِجْلة (إلى عَبَّادان): بتشديد الباء الموحَّدة: حِصْنٌ صغير على شط البحر. * وقال في ((المغرب)): حدُّه طولاً: من حديثة المَوْصل إلى عَبَّادان، وعرضاً: من العُذَيْب إلى حُلْوان. اهـ وقال في باب الحاء: حديثةُ المَوْصل: قريةٌ، وهي أول حدِّ السواد طولاً، وحديثةُ الفرات: موضعٌ آخر. وقال في باب الثاء: الثَّعْلبية: من منازل البادية، ووَضْعُها مَوْضعَ العَلْث في حَدِّ السواد: خطأٌّ. اهـ والظاهر من كلامه: أن كلاً من العَلْث، وحديثةِ المَوْصل حدٌّ (١) وفي المغرب ٧٨/٢ (علث): ((على العلوية، وهي أول العراق)). ٢٩٣ العُشْرِ والخَرَاجِ وأرضُ السواد مملوكةٌ لأهلها : يجوز بَيْعُهم لها، وتصرُّفُهم فيها . وكلُّ أرضٍ أسلم أهلُها عليها، أو فُتحت عَنوةً، وقُسِمت بين الغانمين : فهي أرضُ عُشْر. وكلُّ أرضٍ فُتِحت عَنوة، وأُقِرَّ أهلُها عليها: فهي أرضُ خراج. للسواد؛ لكونهما متحاذيَتَيْن، وأما التحديد بالثّعْلبية، كما في بعض الكتب: فخطأ، والله أعلم. * (وأرضُ السواد مملوكةٌ لأهلها: يجوز بَيْعُهم لها، وتصرَّفُهم وو فيها)؛ لأن الإمامَ إذا فَتَحَ أرضاً عَنوة وقهراً، كان بالخيار: بين أن يقسمها بين الغانمين، وبين أن يَمْتَنَّ بها على أهلها، ويَضَعَ عليهم الجزيةَ والخراجَ؛ جبايةً للمسلمين، كما مرَّ. * (وكلُّ أرضٍ أسلم أهلها عليها) قبلَ أن يُقْدَرَ عليها، (أو فُتحت عَنوةً، وقُسمتْ بين الغانمين: فهي أرض عُشْر)؛ لأنها وظيفةُ أرض المسلمين؛ لما فيه من معنى العبادة. * (وكلُّ أرضٍ فُتِحت عَنوة، وأُقِرَّ أهلُها عليها)، وكذا إذا صالحهم الإمامُ: (فهي أرضُ خراجٍ)؛ لما مرَّ أنه وظيفةُ أرضِ الكفَّار، لما فيه من معنى العقوبة. * قال في ((الهداية)): ومكة مخصوصةٌ من هذا، فإنَّ رسولَ الله ٢٩٤ العُشْرِ والخَرَاجِ ومَن أحيا أرضاً مَوَاتاً : فهي عند أبي يوسف معتبرةٌ بحيِّزها، فإن كانت من حَيِّزِ أرض الخراج: فهي خراجيّةٌ، وإن كانت من حيِّز أرض العشر : فهي عُشْرِيَّة . والبصرةُ عنده عُشْرِيَّةٌ بإجماع الصحابة رضي الله عنهم. صلى الله عليه وسلم فَتَحَها عَنوةً(١)، وتَرَكَها لأهلها، ولم يوظّف الخراج. اهـ [حكم ما أُحبيَ من أرض الموات عُشْراً أو خراجاً :] * (ومَن أحيا) من المسلمين (أرضاً مَوَاتاً): أي غيرَ مُنْتَفَعٍ بها: (فهي عند أبي يوسف معتبرةٌ بحيِّزها): أي بما يَقْرُب منها، (فإن كانت من حَيِّز أرض الخراج: فهي خراجيَّة، وإن كانت من حيّز أرض العشر: فهي عُشْرِيَّة)؛ لأن ما قارب الشيء يُعطى حكمه، كفنَاء الدار: له حُكم الدار، حتى يجوزُ لصاحبها الانتفاعُ به. * (والبصرةُ عنده): أي عند أبي يوسف (عُشْرِيَّةً بإجماع الصحابة رضي الله عنهم)، وكان القياسُ أن تكون عنده خراجيّة؛ لأنها بحَيِّز أرض الخراج، إلا أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وظّفُوا عليهم (١) ينظر: نصب الراية ٤٣٩/٣، فقد ذكر عدَّة أحاديث في الصحيحين استنبط منها العلماء أن مكَّة فُتحت عنوة، ولم تفتح صلحاً، وينظر البناية ٦ / ٦٤٤. ٢٩٥ العُشْرِ والخَرَاج وقال محمد : إن أحياها ببئرٍ حَفَرَها، أو عينٍ استخرجها، أو ماءِ دِجلة، أو الفُراتِ، أو الأنهارِ العِظَام التي لا يَملكها أحدٌ: فهي عشريَّةٌ. وإن أحياها بماء الأنهار التي احتفرها الأعاجمُ، مثلُ نهرِ المَلِكِ، العشر (١)؛ فتَرَك القياسَ؛ لإجماعهم. ((هداية)). (وقال محمد): تُعتبر بشِرْبها؛ إذ هو السبب للثَّماء، (إن أحياها) بماء السماء، أو (ببئرٍ حَفَرَها، أو عينٍ استخرجها، أو ماء دجلة، أو الفُرات، أو الأنهارِ العِظَام التي لا يَملكها أحدٌ)، كسَيْحونَ، وجَيْحُونَ: (فهي عشريَّة)؛ لأنها مياهُ العُشْرِ. (وإن أحياها بماء الأنهار التي احتفرها): أي شقّها (الأعاجمُ)، وذلك (مثلُ نهر المَلِكِ) كِسْرِئُ أَنُوْشِرْوَان(٢)، وهو نهرٌ على طريق الكوفة من بغداد، وهو يَستقي من الفرات، ((مغرب))، (١) قال الزيلعي في نصب الراية ٤٤٠/٣: ((ذكره ابن عمر، وغيره)). اهـ. وقال ابن حجر في الدراية ١٢١/٢: ((لم أجده هكذا، وقد ذكره أبو عمر، وغيره. قلت: قد أخرجه عمرو بن شبَّة في تاريخ البصرة، ويحيى بن آدم في كتاب الخراج مفسَّراً مبيّناً». اهـ. وينظر: الخراج ليحيى بن آدم ص ٢٩ (٥٧)، وأيضاً يحرر نص نصب الراية: ((أبو عمر))، أم: ((ابن عمر))، فقد صرَّح ابن الهمام في فتح القدير ٢٨١/٥، فقال: ((ذكره أبو عمر بن عبد البر)). (٢) وفي البناية ٢٩٩/٩ (ط باكستان): ((كِسْرىُ نوشِيروان)). ٢٩٦ العُشْرِ والخَرَاجِ ونهرِ يَزْدَجْرِد : فهي خراجيّة . ** والخراجُ الذي وَضَعَه عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه على أهل السواد من كل جَرِيْبٍ يَبْلُغه الماءُ : قَفِيزٌ هاشميٌّ، (ونهرٍ يَزْدَجْرِد): بوزن: يَسْتَعْتِب (١): اسمُ مَلِكٍ من ملوك العجم : (فهي خراجيّة). قال في ((التصحيح)): واختار قول أبي يوسف: الإمامُ المحبوبيُّ والنسفيُّ، وصدر الشريعة. اهـ [قَدْر الخراج الذي وضعه عمر رضي الله عنه : ] ** (والخراجُ الذي وَضَعَه) أميرُ المؤمنين (عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه على أهل السواد) هو (من كل جرِيْبٍ): بفتح الجيم التحتيّة، وكَسْرِ الراء: قطعةُ أرض، طولها ستُّون ذراعاً، وعَرْضُها كذلك، قالوا: والأصل فيه المكيال، ثم سُمِّي به المَبْذَر(٢). ((مغرب))، (يَبْلُغُه الماء)، ويَصْلُحُ للزراعة: (قَفِيزٌ هاشميٌّ) مما يُزْرَع فيها، كما في ((شرح الطحاوي))، وقال الإمام ظهير الدين: من حنطة، أو شعير. (١) وضبطها أبو السعود في حاشيته على شرح الكنز لمنلا مسكين ٤٤٨/٢ : ((يَزْدَجُرْد: بفتح الياء، وسكون الزاي المعجمة، وفتح الدال المهملة، وضم الجيم، وسكون الراء المهملة، وآخره دال مهملة)). شيخنا. اهـ، والمراد من قوله: ((شيخنا)): أي والده، كما صرَّح بذلك في مقدمة حاشيته. (٢) المَبْذَر: هو موضع البذْر. ٢٩٧ العُشْرِ والخَرَاجِ وهو الصاعُ، ودرهمٌ. ومن جَريب الرَّطْبة : خمسةُ دراهم. ومن جَرِيب الكَرْم المتَّصلِ، والنخلِ المتصل : عشرة دراهم. (وهو): أي القفيز الهاشمي: (الصاعُ) النَّبويُّ، (ودرهمٌ(١) : عَطْفٌ على: قفيز: من أجود النقود. زيلعي. * (ومن جَريب الرَّطْبة): بفَتْح الراء، قال العيني: هي البَرْسيم، ومثلُها البُقُول: (خمسةُ دراهم. * ومن جَرِيب الكَرْم): شَجَرِ العنب، ومثلُه غيرُه (المتَّصل) بعضُهُ ببعض، بحيث تكون الأرض مشغولةً به، (والنخلِ المتصل) كذلك ٩ (عشرة دراهم). هذا هو المنقول عن عمر رضي الله عنه(٢)، فإنه بَعَثَ عثمانَ بن حَنِيفٍ رضي الله عنه حتى يَمسَحَ سَوَادَ العراق، وجَعَلَ حذيفةَ عليه مُشْرِفاً، فبلغ ستّاً وثلاثين ألفَ ألفِ جَريب، ووَضع ذلك على ما قلنا، وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من (١) الصاع النبوي عند الحنفية (٤,١٢٧) ليتر، كما ذكره الدكتور محمد الخاروف ص ٥٧ في تحقيقه لرسالة: الإيضاح والتبيان، لابن الرفعة. (٢) الخراج لأبي يوسف ص ٣٦، الأموال لأبي عبيد ص ٦٩، المصنف لعبد الرزاق ١٠٠/٦، وينظر نصب الراية ٤٣٨/٣، ٤٤٠، الدراية ١٣١/٢. ٢٩٨ العُشْرِ والخَرَاج وما سوى ذلك من الأصناف : يوضع عليها بحسب الطاقة، . . . . غير نكير؛ فكان ذلك إجماعاً منهم. ولأن المُؤَنَ متفاوتةٌ، والكرمَ أخفُّها مؤنة، والمَزَارِعَ أكثرُها مؤنة؛ والرِّطابَ بينهما؛ والوظيفةُ تتفاوت بتفاوتها؛ فجُعل الواجبُ في الكَرْم أعلاها، وفي الزَّرْع أدناها، وفي الرَّطبة أوسَطُها. ((هداية)). قَّد بالاتصال؛ لأنها إذا كانت متفرّقةً بجوانب الأرض، ووَسْطُها مزروعٌ: لا شيء فيها. * وكذا لو غَرَسَ أشجاراً غير مثمرة، كما في ((البحر)). * (وما سوى ذلك من) بقيّة (الأصناف(١))، مما ليس فيه توظيفُ الإمام عمر رضي الله عنه، كالبستان، وهو: كلَّ أرضِ يحوطها حائطٌ، وفيها أشجار متفرِّقةٌ يمكن الزرعُ تحتها، فلو ملتفَّةً: أي متَّصلةً لا يمكن زراعة أرضها: فهو كَرْم، كما في ((الدر))، (يوضَع عليها بحسب الطاقة)؛ لأن الإمام(٢) رضي الله تعالى عنه إنما اعتبر فيما وظّف الطاقةَ، فَنَعتبرُها فيما لا توظيف فيه، وغايةُ الطاقة: نصفُ الخارج؛ لأن التنصيف عينُ الإنصاف، فلا يُزاد عليه وإن أطاقت، وتمامُه في «الكافي)). (١) وفي نسخة القدوري (٦١١ هـ): ((أصناف الأراضي)). (٢) أي عمر رضي الله عنه. ٢٩٩ العُشْرِ والخَرَاج فإن لم تُطِقٍ ما وُضِعَ عليها : نَقَصَهُم الإمامُ. وإن غَلَبَ الماءُ على أرضِ الخراج، أو انقطع عنها، أو اصطلم الزرعَ آفةٌ : فلا خراجَ عليهم. * (فإن لم تُطِق ما وُضِعَ عليها)، بأن لم يبلغ الخارجُ ضِعفَ الخراج: (نَقَصَهُم الإمامُ) إلى قَدْر الطاقة وجوباً، وينبغي أن لا يُزاد على النصف، ولا يُنقصَ عن الخُمُس، كما في ((الدر))، عن الحدادي. [الأسباب التي توجب سقوط الخراج : ] * (وإن غَلَبَ الماءَ على أرضِ الخراج)، حتى مَنَعَ زراعتها، (أو انقطع) الماء (عنها، أو اصطلم): أي استأصل (الزرعَ آفةٌ) سماويَّةٌ لا يمكن الاحترازُ عنها، كغَرَقٍ، وحَرَقٍ، وشدَّةِ بَرْدٍ: (فلا خراج ءِ عليهم)؛ لفوات التمكّن من الزراعة، وهو النماء التقديري المعتَبَر في الخراج. حتَّى لو بقيَ من السَّنَة ما يُمكن الزرعُ فيه ثانياً: وَجَبَ؛ لوجود التمكّن. * قيَّدنا الآفةَ بالسماويَّة التي لا يمكن الاحترازُ عنها؛ لأنها إذا كانت غيرَ سماويَّة، ويمكن الاحتراز عنها، كأكل القِرَدة، والسباع، والأنعام: لا يسقط. ٣٠٠ العُشْرِ والخَرَاج وإن عطَّلها صاحبُها : فعليه الخراجُ. ومَن أسلم من أهل الخراج: أُخِذَ منه الخراجُ على حاله. * وقيَّد الاصطلام للزرع؛ لأنه لو كان بعد الحصاد: لا يسقط، وتمامُه في ((البحر)). * (وإن عطَّلها صاحبُها) مع إمكان زراعتها: (فعليه الخراجُ)، لوجود التمكُّن. * وهذا إذا كان الخراج موظّفاً(١)؛ أما إذا كان خراجَ مقاسَمةٍ: فإنه لا يجب عليه شيء، كما في ((الجوهرة))، عن ((الفوائد)). ** (ومَن أسلم من أهل الخراج: أُخِذَ منه الخراج على حاله)؛ لأن الأرض قد اتصفت بالخراج؛ فلا تتغيَّر بتغيُّر المالِك. (١) خراج الوظيفة، هو: خراج المقاطعة أو الضريبة، فالإمام ينظر إلى مساحة الأرض، ونوع ما يُزرع فيها، ثم يفرض عليها خراجاً، ويكون واجباً في الذمَّة، فيجب على مالك الأرض ولو لم يزرع فيها، إذ التمكّن من الانتفاع قائم. قال في الجوهرة النيرة ٣٧٣/٢: «الخراج على ضربين: خراج مقاطَعَةٍ، وخراج مقاسمة، فخراج المقاطعة هو الذي ذكره الشيخ - أي القدوري -، وخراج المقاسمة هو: ما إذا افتتح الإمام بلداً، ومنَّ عليهم، ورأى أن يضع عليهم جزءاً من الخراج، إما نصف الخراج، أو ثلثه، أو ربعه، فإنه يجوز، ويكون حكمه حكمَ العشر، بمعنى أن يتعلَّق بالخارج، لا بالتمكُّن من الزراعة، حتى إذا عطّل الأرض مع التمكن: لا يجب عليه شيء، كما في العشر)). اهـ. وينظر ابن عابدين ٦٨٩/١٢ (ط دمشق).