Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب الإكراه
.
تتعلّق بالاعتقاد، ألا ترى أنه لو كان قَلبُه مطمئنًاً بالإيمان: لا يكفُر،
وفي اعتقاده الكفرَ: شكٌّ، فلا تثبت البينونة بالشك.
* فإن قالت المرأةُ: قد بِنْتُ منك، وقال هو: قد أظهرتُ ذلك،
وقلبي مطمئنٌّ بالإيمان: فالقولُ قولُه؛ استحساناً؛ لأن اللفظ (١) غيرُ
موضوع للفُرقة، وهي(٢): بتبدُّل الاعتقاد، ومع الإكراه: لا يَدُلُّ على
التبدُّل، فكان القولُ قولَه. ((هداية)).
(١) يعني كلمة الكفر. البناية ٧٩/١٠.
(٢) أي الفُرقة. البناية ٨٠/١٠.

٢٤٢
کتاب السِّير
کتاب السیر
کتاب السِّير
* مناسبتُه للإكراه لا تَخفى(١)؛ فإن كلاً منهما للزَّجْر، والرَّدِّ إلى
الوَفاء، إلا أن الأول في المسلمين والكفَّارِ عامٌّ، بخلاف الثاني، فكان
أَوْلِىُ بالاهتمام، والأولُ زاجِرٌ عن العصيان، والثاني عن الكفر
والطغيان، فترقَّى من الأدنى إلى الأعلى، كما في ((غاية البيان)).
* والسِّيَر: بكسر السين، وفتح الياء: جمع: سِيْرة، وهي: الطريقةُ
في الأمور.
وفي الشرع: يختصُّ بسَيْر النبي صلى الله عليه وسلم في مَغازِيه.
((هداية)).
* وترجم له الكثيرُ بـ: الجهاد، وهو لغةً: مصدر: جاهد في سبيل
الله.
(١) ما ذكره الشارح من مناسبةٍ بين كتاب السِّير والإكراه هو سَبْق قلمٍ منه، فهي
مناسبةٌ بين كتاب قطع الطريق والجهاد، كما هو في ترتيب أبواب الهداية، وقد نقل
هذا عن شرحها غاية البيان للإتقاني، وأما في القدوري: فيأتي الإكراه ثم الجهاد،
والمناسبة مختلفةٌ عن تلك، وهكذا جَلَّ مَن لا يسهو، وكلُّنا مستدرِكٌ ومستدرَكٌ عليه.
ويصلح أن يُقال هنا: إن تحمُّل المشقة كما يكون في الإكراه: فكذلك في الجهاد.

٢٤٣
کتاب السِّير
الجهادُ فرضٌ على الكفاية، إذا قام به فريقٌ من الناس : سَقَط عن
الباقين .
وشرعاً: الدعاء إلى الدِّين الحقِّ، وقتالُ مَنْ لم يَقْبَلْهُ، كما في
الشُّمُنِّي.
[حكم الجهاد : ]
* (الجهادُ فرضٌ على الكفاية)؛ لأنه لم يُفرض لعَيْنِه(١)، إذ هو
إفسادٌ في نفسه(٢)، وإنَّما فُرِض لإعزاز دين الله، ودَفْع الفساد عن
العباد.
وكلُّ ما هو كذلك: فهو فرضُ كفاية، إذا حصل المقصود
بالبعض، وإلا : فَفَرْضُ عَيْنٍ، كما صرَّح بذلك حيث قال:
(إذا قام به فريقٌ من الناس: سَقَطَ) الإثمُ (عن الباقين)؛ لحصول
المقصود بذلك، كصلاة الجنازة، ودَفْنِها، ورَدِّ السلام، فإن كلّ
واحدٍ منها إذا حَصَلَ من بعض الجماعة: يَسقط الفرضُ عن الباقين.
(١) بل لغيره، وهو ردُّ الأعداء.
(٢) هذا نصُّ الهداية، وقد علَّق عليه صاحب العناية ١٩٠/٥ بقوله: ((إفسادٌ في
نفسه، بتخريب البلاد، وإفناء العباد، لكن لإعزاز دين الله)). اهـ، ((فليس المقصود
منه ابتلاء المكلَّفين، بل إعزاز الدين، ودفع شرِّ الكفّار عن المؤمنين)). اهــ فتح القدير
١٩٠/٥.

٢٤٤
کتاب السِّير
وإن لم يَقُم به أحدٌ : أَثِمَ جميعُ الناس بتركه .
وقتالُ الكفّار واجبٌ وإن لم يبدؤونا.
ولا يجبُ الجهادُ على صبيٍّ، ولا عبدٍ ، .
· وهذا إذا كان بذلك الفريق كفايةٌ، أما إذا لم يكن بهم كفايةٌ:
فُرِض على الأقرب فالأقرب من العدوِّ، إلى أن تحصل الكفاية.
** (وإن لم يَقُم به أحدٌ: أَثِمَ جميعُ الناس بتركه)؛ لتركهم فرضاً
عليهم.
* (وقتال الكفّار واجبٌ وإن لم يبدؤونا)؛ للنصوص العامَّة(١).
[مَن لا يجب عليه الجهاد : ]
* (ولا يجب الجهاد على صبيٍّ)؛ لعدم التكليف، (ولا عبد،
(١) أي لأن النصوص الموجبة للجهاد لم تُقيِّد الوجوب ببدأتهم، بل جاءت
مطلقة، كقوله تعالى: ﴿فَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ التوبة/٥، وقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى
لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ الأنفال/٣٩، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ
عَلَيَكُمُ الْقِتَالُ﴾ البقرة/٢١٦، بل إن ما رواه الشيخان من قوله صلى الله عليه
وسلم: ((أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)): يوجب أن نبدأهم، وغير
هذه النصوص كثير. ينظر: العناية وفتح القدير ١٩٣/٥، البناية ١١٧/٩ (ط باكستان).
أما قوله تعالى: ﴿فَإِن قَلُوكُمْ فَقْتُلُوهُمْ﴾ البقرة / ١٩١ : فهو منسوخٌ بالآيات السابقة.
ينظر البناية ٤٩٣/٦ (ط بيروت)، ١١٨/٩ (ط باكستان).

٢٤٥
کتاب السِّير
ولا امرأةٍ، ولا أعمىُ، ولا مُقْعَدٍ، ولا أقطعَ.
فإن هَجَمَ العدوُّ على بلدٍ : وَجَبَ على جميع المسلمين الدَّفْعُ.
تَخرجُ المرأةُ بغير إذن زوجها، والعبدُ بغير إذن سيِّده.
وإذا دخل المسلمون دارَ الحرب، فحاصروا مدينةً، أو حِصْناً:
دَعَوْهم إلى الإسلام، فإن أجابوهم : كَفُّوا.
ولا امرأةٍ)؛ لتقدُّم حقِّ المولى والزوج، (ولا أعمىُ، ولا مُقْعَد، ولا
أقطعَ)؛ لأنهم عاجزون، والتكليفُ بالقدرة.
[تعيُّن الجهاد حال مداهمة العدو بلدَ الإسلام:]
* (فإن هَجَمَ العدوُّ على بلدٍ: وَجَبَ على جميع المسلمين(١)
الدَّفْعُ)، حتى (تَخرجُ المرأةُ بغير إذن زوجها، والعبدُ بغير إذن
سيِّده)؛ لأنه صار فرضَ عينٍ، كالصلاة، والصوم، وفَرْضُ العين
مقدّمٌ على حقِّ الزوج، والمولى.
[دعوة الكفَّار إلى الإسلام قبل قتالهم :]
(وإذا دخل المسلمون دار الحرب، فحاصروا مدينةً، أو
حصْناً: دَعَوْهم) أوَّلاً (إلى الإسلام، فإن أجابوهم) إلى ذلك: (كَفَّوا
(١) وفي نسخ قديمة من القدوري (٦١١هـ، ٦٤٩هـ، ٧٢٧هـ، ٧٤٥هـ):
((جميع الناس))، وكذلك في الهداية ١٣٥/٢.

٢٤٦
کتاب السير
عن قتالهم.
وإن امتنعوا : دَعَوْهم إلى أداء الجزية، فإن بذلوها : فلهم ما
للمسلمين، وعليهم ما عليهم.
عن قتالهم)؛ لحصول المقصود، وقد قال صلى الله عليه
وسلم: ((أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)).
الحديث(١).
[دعوة أهل الكتاب لدفع الجزية إن لم يسلموا : ]
* (وإن امتنعوا) عن الإسلام (دَعَوْهم إلى أداء الجزية) إذا كانوا
ممَّن تُقْبَل منهم الجزية، بخلاف مَنْ لا تُقبل منهم، كالمرتدِّين،
وعَبَدَة الأوثان من العرب، فإنه لا فائدة في دعائهم إلى قبول الجزية؛
لأنه لا يُقبل منهم إلا الإسلام، قال الله تعالى: ﴿نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُونَ﴾(٢). ((هداية)).
* (فإن بذلوها): أي قَبِلوا بَذْلَها: كانوا ذِمَّةً للمسلمين، (فلهم ما
للمسلمين، وعليهم ما عليهم)؛ لأنهم إنما بذلوها لذلك.
(١) صحيح البخاري ٧٥/١ (٢٥)، صحيح مسلم ٥٣/١ (٢٢).
(٢) الفتح / ١٦.

٢٤٧
کتاب السیر
ولا يجوز أن يقاتِل مَن لم تَبْلُغْه دعوةُ الإسلام، إلا بعد أن
يَدْعُوَهم إلى الإسلام.
[حكم قتال مَن لم تبلغه الدعوة :]
* (ولا يجوز) للإمام (أن يقاتِلَ) أحداً مِن (مَن لم تَبْلُغْه دعوةُ
الإسلام إلا بعد أن يدعوهم إلى الإسلام)؛ لأنهم بالدعوة إليه يَعلمون
أنا نقاتلُهم على الدِّين، لا على سَلْب الأموال، وسَبْي الذراري،
فلعلَّهم يُجيبون، فنُكْفى مؤنةَ القتال.
* ولو قاتلهم قبل الدعوة: أثِمَ للَّهي(١)، ولا غرامة؛ لعدم
العاصِم، وهو الدِّين، أو الإحراز بالدار، فصار كقتل الصبيان،
والنِّسوان. ((هداية)).
(١) وهو ما رواه عبد الرزاق في المصنف ٢١٧/٥ عن علي رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه: ((لا تقاتِل قوماً حتى تدعوهم)).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٠٥/٥: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله
رجال الصحيح غير عثمان بن يحيى، وهو ثقة. اهـ
وروى ابن عباس رضي الله عنهما ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاتل قوماً
حتى دعاهم إلى الإسلام))، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٠٤/٥: ((رواه أحمد،
وأبو يعلى، والطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح))، وينظر: البناية
٥٠٠/٦، نصب الراية ٢٧٨/٣.

٢٤٨
کتاب السِّير
ويُستحبُّ أن يَدْعُوَ مَن بَلَغَتْه دعوةُ الإسلام، ولا يجب ذلك.
وإن أبَوْا: استعانوا بالله عليهم، وحاربوهم، ونَصَبوا عليهم
المَجَانیق،
* (ويستحبُّ أن يدعوَ مَن بَلَغَتْه دعوة الإسلام) أيضاً، مبالغةً في
الإنذار، (و) لكن (لا يجب ذلك) عليه؛ لأن الدعوة قد بَلَغَتْهم، وقد
صحَّ ((أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أغار على بني المُصْطَلِقِ(١)، وهم
غَارُونَ - أي: غافلون -، ونَعَمُهم تُسقى على الماء))(٢). ((جوهرة)).
[قتال الكفَّر حال إبائهم الإسلامَ وبَذْلَ الجزية : ]
* (وإن أبَوْا): أي امتنعوا عن الإسلام، وبَذْلِ الجزية: (استعانوا
بالله عليهم، وحاربوهم)؛ لأنه تعالى هو النَّاصر لأوليائه، والمدمِّرُ
لأعدائه.
(ونَصَبَوا عليهم المَجانِيق): جَمْعٍ: مَنْجَنيق، قال في
((الصحاح)): وهي التي تُرمى بها الحجارة، معرَّبة، وأصلُها بالفارسيّة:
مَنْجِي نِيك: أي: ما أَجْوَدني! وهي مؤنَّثة، وجَمْعها: مَنْجنيقات،
(١) بنو المُصْطَلِقِ: بطنٌ شهيرٌ من خُزَاعة، وقد أصاب منهم النبيُّ صلى الله عليه
وسلم جُوَيْرِيَة بنت الحارث بن أبي ضِرار، وكان أبوها سيدَ قومه في بني المصطلق،
وقد أسلم بعد ذلك، وصارت جويرية أُمَّاً للمؤمنين. ينظر فتح الباري ١٧١/٥.
(٢) صحيح البخاري ١٧٠/٥ (٢٥٤١)، صحيح مسلم ١٣٥٦/٣ (١٧٣٠).

٢٤٩
کتاب السِّير
وحرَّقوهم، وأرسلوا عليهم الماءَ، وقَطَعوا شَجَرَهم، وأفسدوا
زروعهم.
ولا بأس برَمْيهم وإن كان فيهم مسلمٌ أسيرٌ، أو تاجرٌ.
ومجانيق، وتصغيره: مُجَيْنيق. اهـ، وقد نَصَبَها النبيُّ صلى الله عليه
وسلم على الطائف(١).
(وحرَّقوهم)؛ لأنه عليه الصَّلاة والسَّلام أَحرق البُوَيْرَةَ(٢)،
وهي: موضعٌ بقُرْب المدینة.
* (وأرسلوا عليهم الماء، وقَطَعوا شَجَرَهم، وأفسدوا زروعَهم)؛
لأن في ذلك كَسْرَ شَوْكتهم، وتفریقَ جَمْعِهم.
* (ولا بأس برَمْهم وإن كان فيهم مسلمٌ أسيرٌ، أو تاجرٌ)؛ لأنه
(١) سنن الترمذي ٩٤/٥ (٢٧٦٢)، ولكنه رواه معضلاً، ولم يصِلْ سنده به،
كما قال الزيلعي في نصب الراية ٣٨٢/٣، وقال الزيلعي أيضاً: رواه أبو داود في
المراسيل، وابن سعد في الطبقات، والواقدي في المغازي. اهـ ملخَّصاً، وينظر سنن
البيهقي ٨٤/٩، والتلخيص الحبير ١٠٤/٤.
وقال الإمام العيني في البناية ٥٠٣/٦ (ط بيروت)، ١٢٧/٩ (ط باكستان):
((ورواه العقيلي في الضعفاء مسنَداً من حديث عبد الله بن خراش، عن العوام بن
حوشب عن أبي صادق، عن علي رضي الله عنه مرفوعاً.
(٢) صحيح البخاري ٣٢٩/٧ (٤٠٣١)، صحيح مسلم ١٣٦٥/٣ (١٧٤٦)،
والبويرة هي: موضع نخل بني النضير، الذي أحرقه صلى الله عليه وسلم، كما جاء
في نصِّ الحديث في الصحيحين، وينظر معجم البلدان ١/ ٥١٢.

٢٥٠
کتاب السِّير
و ءِ
وإن تترَّسوا بصبيان المسلمين، أو بالأَسَارى: لم يَكُفّوا عن
رَمْهم، ويَقْصِدون بالرمي الكفارَ.
ولا بأس بإخراج النساء، والمصاحفِ مع
قلَّ ما يخلو حِصْنٌ عن مسلم؛ فلو امتنع باعتباره: لانسدَّ بابه(١).
و ۶
* (وإن تترَّسوا بصبيان المسلمين، أو بالأَسارى: لم يَكُفّوا عن
رَمْيهم)؛ لأنه يؤدِّي إلى أن يتَّخذوا ذلك ذريعةً إلى إبطال قتالهم
أصلاً.
* (و) لكن (يَقْصدون بالرمي الكفارَ)؛ لأن المسلم لا يجوز
اعتماد قَتْله؛ فإذا تعذَّر التمييز فعلاً، وأمكن قَصْداً: التُزم(٢)؛ لأن
الطاعة بحسب الطاقة.
* وما أصابوه منهم: لا ديةَ عليهم، ولا كفارة؛ لأن الجهاد
فرضٌ، والغرامات لا تقترن بالفروض، كما في ((الهداية)).
[حكم إخراج النساء والمصاحف مع المسلمين حال القتال :]
* (ولا بأس بإخراج النساء، والمصاحف)، وكتب الفقه،
والحديث، وكل ما يجب تعظيمه، ويَحْرُم الاستخفاف به (مع
(١) أي باب الجهاد. العناية ١٩٨/٥.
(٢) أي التُزم قصد الكفَّار، لا المسلمين حال تعذّر التمييز بينهم.

٢٥١
کتاب السِّير
المسلمين إذا كان عَسْكَراً عظيماً يُؤمَن عليه.
ويُكره إخراجُ ذلك في سَرِيَّةٍ لا يُؤْمَن عليها .
المسلمين إذا كان عسكراً عظيماً يُؤْمَن عليه)؛ لأن الغالب هو
السلامة، والغالب كالمتحقِّق.
(ويُكره إخراج ذلك في سَرِيَّة لا يؤمَن عليها)؛ لأن فيه
تعريضَهنَّ على الضياع والفضيحة، وتعريضَ المصاحف على
الاستخفاف؛ لأنهم يستَخِفَّون بها مغايظةً للمسلمين، وهو التأويل
الصحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تسافروا بالقرآن في
أرض العدو))(١).
* ولو دخل مسلمٌ إليهم بأمانٍ: لا بأس بأن يَحْمِلَ معه المصحف
إذا كانوا قوماً يوفون بالعهد؛ لأن الظاهر عدمُ التعرُّض.
* والعجائزٌ يُخْرَجْنَ (٢) في العسكر العظيم؛ لإقامة عملٍ يليق
بهنَّ، كالطبخ، والسقي، والمداواة.
* وأما الشَّوَابُّ: فَمُقَامُهنَّ في البيوت؛ أدفعُ للفتنة.
* ولا يباشرْن القتالَ؛ لأنه يُستدلَّ به على ضَعْف المسلمين، إلا
عند الضرورة.
(١) صحيح البخاري ١٣٣/٦ (٢٩٩٠)، صحيح مسلم ١٤٩٠/٣ (١٨٦٩).
(٢) أي يجوز إخراجهن.

٢٥٢
کتاب السِّير
ولا تقاتلُ المرأةُ إلا بإذن زوجها، ولا العبدُ إلا بإذن سيِّده، إلا أن
یھجُمَ العدوُّ.
وينبغي للمسلمين أن لا یغْدِروا،
٠
* ولا يُستحبُّ إخراجهن للمباضعة(١)، والخدمة، فإن كانوا لا
بدَّ مُخرِجين: فبالإماء، دون الحرائر. ((هداية)).
* (ولا تقاتل المرأةُ إلا بإذن زوجها، ولا العبدُ إلا بإذن سيِّده)؛
لما تقدَّم أن حقَّ الزوج، والمولى مقدَّمٌ، (إلا أن يهجُمَ العدوُّ)؛
لصَيْرورته فرضَ عين، كما سبق.
[ما لا يجوز فعله في المعركة : ]
* (وينبغي (٢) للمسلمين أن لا يَغْدِروا): أي يخونوا بنَقْض العهد.
(١) أي للجماع. البناية ٩ /١٣٤.
(٢) هكذا عبَّر القدوري بقوله: ((ينبغي))، وكذلك في الهداية ١٣٧/٢، وشَرَحَها
ابن الهمام في فتح القدير ٢٠٠/٥، بقوله ((أي يحرم عليهم)). اهـ.
وأما صاحب الدر المختار ١٢ / ٤٩٠، فعَدَل عن تعبير القدوري، وغيره، وقال:
((ونُهينا عن غَدْرٍ وغلول ... ))، وعلَّق على هذا ابنُ عابدين فقال: ((عَدَل عن ذلك؛ لأن
المشهور عند المتأخرين استعمال: ((ينبغي)): بمعنى: (يندب))، و: ((لا ينبغي)): بمعنى:
(يكره تنزيهاً))، وإن كان في عُرف المتقدمين استعماله في أعم من ذلك، ونقل ابن
عابدين عن المصباح المنير قوله: ((وينبغي أن يكون كذا)): معناه: يجب، أو يندب،
بحسب ما فيه من الطلب)». اهـ من ابن عابدين.

٢٥٣
کتاب السِّير
ولا يَغُلُّوا، ولا يُمثِّلوا.
: (ولا يَغُلُّوا): أي يسرقوا من الغنيمة.
(ولا يُمثِّلُوا) بالأعداء: بأن يَشُقَّوا أجوافَهم، ويَرضَخوا
*
رؤوسهم، ونحو ذلك.
والمُثْلةُ المرويَّة في قصة العُرَنيين(١): منسوخةٌ بالنَّهي المتأخِّر (٢)،
هو المنقول. ((هداية)).
قال في ((الجوهرة)): وإنما تُكره المُثْلَة بعد الظَّفَر بهم، أما قَبْله:
فلا بأس بها. اهـ
(١) صحيح البخاري ١٥٣/٦ (٣٠٧٨)، صحيح مسلم ١٢٩٦/٣ (١٦٧١)،
وقصَّة العرنيين هذه كما رواها مسلم: ((أن ناساً من عُرينة قدموا على رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فاجتَوَوْها - أي مرضوا -، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا، فصحُّوا،
ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم، وارتدُّوا عن الإسلام، وساقوا ذَوْد رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فبعث في إثرهم، فأُتيَ بهم،
فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، وتركهم في الحَرَّة حتى ماتوا)).
وفي رواية البخاري: ((ثم أمر بمسامير فأُحميت، فكخَّلهم بها، وطرحهم بالحرَّة
يستسقون، فما يُسقون حتى ماتوا)).
(٢) وهو ما روي من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المُثْلة، كما في صحيح
البخاري ١١٩/٥ (٢٤٧٤)، ٤٥٨/٧ (٤١٩٢)، وينظر: ناسخ الحديث ومنسوخه،
لابن شاهين ص ٢٦٩، والاعتبار، للحازمي ص ١٩٩.

٢٥٤
کتاب السِّير
ولا يَقتلوا امرأةً، ولا شيخاً فانياً، ولا صبيّاً، ولا أعمىَّ، ولا
مُقْعَداً، إلا أن يكون أحدُ هؤلاء ممَّن له رأيٌ في الحرب، أو تكون
المرأةُ مَلِكةً أو ساحرةً، ولا يَقتلوا مجنوناً.
: (ولا يَقتلوا امرأةً، ولا شيخاً فانياً)، وهو الذي فَنيت قُوَاه،
(ولا صبيّاً، ولا أعمىَّ، ولا مُقْعَداً)؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل
القتال، والمبيحُ للقتل عندنا: المحارَبة(١)، فلو قاتل أحدٌ منهم: يُقتَل
دَفْعاً لشرِّه.
(إلا أن يكون أحدُ هؤلاء ممَّن له رأيٌّ في الحرب): فيُقْتَل؛
لأن مَن له رأيٌّ: يُستعان برأيه أكثر ممَّا يُستعان بمقاتلته.
* (أو تكون المرأةُ مَلِكةً)؛ لأن في قتلها تفريقاً لجَمْعهم، (أو
ساحِرَةً(٢)).
وكذا إذا كان مَلِكُهم صبيّاً صغيراً، وأحضروه معهم في
الوَقْعة، وكان في قَتْله تفريقُ جَمْعِهم: فلا بأس بقتله. ((جوهرة)).
* (ولا يَقتلوا مجنوناً)؛ لأنه غير مُخاطَبٍ؛ إلا أن يقاتل: فيُقتَل؛
دفعاً لشرِّه.
(١) وكذلك مَن كان مظنة للمقاتلة والحراب، فتح القدير لابن الهمام ٢٠٢/٥.
(٢) ((أو ساحرةً)»: مثبتة في نسخ من القدوري دون نسخ.

٢٥٥
كتاب السِّير
؛ وإذا رأى الإمامُ أن يصالح أهلَ الحرب، أو فريقاً منهم، وكان
في ذلك مصلحةٌ للمسلمين : فلا بأس به.
فإن صالحهم مدَّةً، ثم رأى أن نَقْضَ الصلح أنفعُ
.
* غير أن الصبيَّ، والمجنون يُقْتَلان ما داما يقاتلان، وغيرُهما لا
بأس بقتله بعد الأسر؛ لأنه من أهل العقوبة، لتوجُّه الخطاب نحوه (١).
((هداية)).
[الموادعة والهدنة في الحرب : ]
* (وإذا رأى الإمامُ أن يصالح أهلَ الحرب) على تَرْك القتال
معهم، (أو فريقاً منهم): مجَّاناً، أو على مالٍ مِنَّا، أو منهم، (وكان
في ذلك مصلحةٌ للمسلمين: فلا بأس به)؛ لأن الموادَعة جهادٌ معنىً
إذا كان(٢) خيراً للمسلمين؛ لأن المقصود - وهو دَفْع الشرِّ - حاصل
به.
* بخلاف ما إذا لم يكن خيراً؛ لأنه تَرْكُ الجهاد صورةً ومعنىً،
وتمامُه في ((الهداية)).
* (فإن صالحهم مدَّةً) معلومةً، (ثم رأى أن نَقْضَ الصلح أنفعُ
(١) بالعقل والبلوغ. البناية ٦ / ٥١٢.
(٢) أي إذا كان هذا النوع من الجهاد المعنوي فيه خير.

٢٥٦
کتاب السِّير
للمسلمين : نَبَذَ إليهم، وقاتَلَهم.
وإن بدؤوا بخيانةٍ : قاتَلَهم، ولم يَنْبِذْ إليهم إذا كان ذلك باتفاقهم.
للمسلمين: نَبَذَ إليهم) عهدَهم، (وقاتَلَهم)؛ لأن المصلحة لمَّا تبدَّلت:
كان النَّبْذ جهاداً، وإيفاءُ العهد (١): تَرْكٌ للجهاد صورةً ومعنىً.
ولا بدَّ من النّبْذ؛ تَحَرُّزاً عن الغَدْرِ، ولا بدَّ من اعتبار مدةٍ يَبلُغ
خَبَرُ النَّبْذ إلى جميعهم، كما في ((الهداية)).
* (وإن بدؤوا بخيانةٍ: قاتَلَهم، ولم يَنْبِذْ إليهم إذا كان ذلك
باتفاقهم)؛ لأنهم صاروا ناقضين للعهد، فلا حاجة إلى نَفْضه.
* بخلاف ما إذا دخل جماعة منهم، فقطعوا الطريقَ ولا مَنَعَةً
لهم؛ حيث لا يكون هذا نَقْضاً للعهد في حقّهم.
* ولو كانت لهم مَنَعةٌ، وقاتلوا المسلمين علانيةً: يكون نقضاً
للعهد في حقَّهم، دون غيرهم؛ لأنه (٢) بغير إذن مَلِكِهم؛ فَفَعْلُهم لا
يُلزِم غيرهم.
* حتَّى لو كان بإذن مَلِكِهم: صاروا ناقضين للعهد؛ لأنه باتفاقهم
معنىً. ((هدایة)).
(١) أي أن الاستمرار في الهدنة إن لم يكن فيه خير للمسلمين: فهو تركٌ للجهاد.
ينظر البناية ٥١٦/٥.
(٢) أي هذا الفعل منهم.

٢٥٧
کتاب السِّير
وإذا خَرَجَ عبيدُهم إلى عسكر المسلمين : فهم أحرارٌ.
ولا بأس أن يَعْلِفَ العسكرُ في دار الحرب، ويأكلوا ما وجدوه من
الطعام،
[لُحوقُ عبيد الكفار بالمسلمين : ]
* (وإذا خَرَجَ عبيدُهم إلى عسكر المسلمين: فهم أحرارٌ)؛ لأنهم
أحرزوا أنفسَهم بالخروج إلينا مراغِمين لمواليهم.
* وكذا إذا أسلموا هناك، ولم يخرجوا إلينا، وظَهَرْنا على
دارهم: فهم أحرارٌ.
* ولا يثبت الولاء عليهم لأحد؛ لأن هذا عتْقٌ حُكْمي.
((جوهرة)).
[حكم الاحتطاب ونحوه في دار الحرب : ]
* (ولا بأس أن يَعْلِفَ العسكرُ في دار الحرب) دوابَّهم، (ويأكلوا
ما وَجَدُوه من الطعام)، كالخبز، واللحم، والسمن، والزيت.
* قال الزاهدي: وهذا عند الحاجة، وفي الإباحة من غير حاجة:
روایتان(١). اهـ
(١) وفي البناية ٥٥٣/٦: أن الكرخي والقدوري اختارا رواية الإطلاق، وعدم
التقييد بالحاجة.

٢٥٨
کتاب السير
ويستعملوا الحَطَبَ، ويَدَّهِنوا بالدُّهن، ويقاتِلوا بما يَجِدُونه من
السلاح، كلّ ذلك بغير قسمة .
ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئاً،
.
(ويستعملوا الحطب)، وفي بعض النسخ(١): ((الطيب)).
((هداية))، (ويَدَّهِنوا بالدُّهن(٢))؛ لِمَساس الحاجة إلى ذلك.
* (ويقاتلوا بما يَجِدُونه من السلاح.
· كلُّ ذلك بغير قسمةٍ): يعني إذا احتاج إليه، بأن انقطع سيفُه،
*
أو انكسر رُمْحُه، أو لم يكن له سلاح، وكذا إذا دَعَتْه حاجةٌ إلى
ركوب فَرَسٍ من المَغْنَم ليقاتل عليها: فلا بأس بذلك، فإذا زالت
الحاجة: رُدَّت في الغنيمة.
* ولا ينبغي أن يستعمل من الدوابِ، والثياب، والسلاح شيئاً
لتبقى به دابَّتُه، وثيابُه، وسلاحه؛ لأنه من الغُلُول؛ لاستعماله من غير
حاجةٍ، وتمامُه في ((الجوهرة)).
* (ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك) الطعام ونحوه (شيئاً،
(١) قال العيني في البناية ٥٥٤/٦: ((أي نسخ القدوري، وهذا ليس صحيح؛
لأن القدوري نفسَه قال في شرح مختصر الكرخي بعدم جواز الانتفاع بالطيب)). اهـ
(٢) أي المأكول، كالزيت، أو دهن السمسم، وإذا لم يكن مأكولاً، كدهن
البنفسج: لا يُنتفع به، بل يردُّ إلى الغنيمة. البناية ٦ / ٥٥٤.

٢٥٩
كتاب السير
ولا يتموَّلوه.
ومَن أسلم منهم : أَحرَزَ بإسلامه نفسَه، وأولادَه الصغارَ، وكلّ
مالٍ هو في يده، أو وديعةً في يد مسلمٍ، أو ذمِّي.
ولا يتموَّلوه)؛ لأنه لم يُمْلك بالأخذ، وإنما أُبيح التناولُ للضرورة.
* فإذا باع أحدُهم: رَدَّ الثمنَ إلى المَغْنَم.
[إسلام الكافر في دار الحرب قبل أسره : ]
* (ومَن أسلم منهم) في دار الحرب قبل أَخْذه: (أَحْرَز بإسلامه نفسَه)؛
لأن الإسلام ينافي ابتداءً الاسترقاقَ، (وأولادَه الصغارَ)؛ لأنهم مسلمون
تبعاً لإسلامه، (وكلّ مالٍ هو في يده)؛ لسَبْقُها (١) إليه، (أو وديعةً(٢)
في يد)؛ معصومِ الدم: (مسلمٍ أو ذمِّي)؛ لأنه(٣) في يدٍ صحيحة(٤)
(١) أي يده.
(٢) قال ابن الهمام في فتح القدير ٢٣١/٥: ((بنصب: وديعة)). اهـ. أي أحرز كلَّ
مالٍ في يده، أو وديعةً أودعها في يد مسلم أو ذمِّي.
وقال العيني في البناية ٥٥٩/٦: ((وديعةٌ)): بالرفع، عطفاً على قوله: ((هو في
یده)).
(٣) أي المال.
(٤) قال في العناية ٢٣١/٥: ((قوله: صحيحة: احتراز عن يد الغاصب، وقوله:
محترمة: احتراز عن يد الحربي)). اهـ، ومثله في الكفاية، وقال في الجوهرة ٣٦٢/٢:
وأما ما كان في يد حربي: فهو فيءٌ، لأن الحربيَّ ليس له يدٌ صحيحة. اهـ

٢٦٠
کتاب السير
فإن ظَهَرْنا على الدار: فعقارُهُ فَيْءٌ، وزوجتُهُ فَيءٌ، وحَمْلُها فِيْءٌ،
وأولادُه الكبارُ فَيءَ.
محترمة، ویدُه(١) كَيَدِهِ.
* (فإن ظَهَرْنا على الدار: فعَقاره(٢) فَيْء)؛ لأنه في يد أهل الدار،
إذ هو من جملة دار الحرب، فلم يكن في يده حقيقةً.
* (و) كذا (زوجتُه فَيءَ)؛ لأنها كافرةٌ حربيةٌ، لا تَتْبَعُه في
الإسلام.
* (و) كذا (حَمْلُها فَيْءٌ)؛ لأنه جزءٌ منها، فيَتْبعُها في الرِّقِّ
والحرية وإن كان تبعاً للأب في الإسلام؛ لأن المسلم مَحَلٌّ للتملك
تبعاً لغيره.
* بخلاف المنفصل: فإنه حُرُّ؛ لعدم الجزئية عند ذلك.
* (و) كذا (أولادُه الكبار فَيءٌ)؛ لأنهم كفارٌ حربيُّون، ولا تبعيَّةً
لهم؛ لأنهم على حُكم أنفسهم.
(١) أي يدُ المودَعِ مسلماً كان أو ذمِّياً، كيد هذا الذي أسلم. ينظر الجوهرة
٣٦٢/٢.
(٢) أي عقار مَن أسلم منهم في دار الحرب.