Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كتاب الغصب فإن كانت الأرضُ تَنْقُصُ بقَلْع ذلك: فللمالك أن يَضْمَن له قيمة البناء والغرسِ مقلوعاً، ويكونُ له. وقَّد ذلك في ((المِنَح)) بما إذا كانت قيمة الأرض أكثرَ، ثم قال: وإن كانت قيمة البناء أكثرَ: فللغاصب أن يضمَنَ له قيمةَ الأرض، ويأخذَها. ذكره في ((النهاية)). وفي القهستاني عند قول الماتن (١): ((أُمِر بالقلع، والردِّ))، ما نصُّه: أي ردِّ الأرض فارغةً إلى المالك ولو كانت القيمة أكثرَ من قيمة الأرض. وقال الكرخي: إنه لا يؤمَر حينئذ، ويَضمن القيمة، وهذا أوفق لمسائل الباب، كما في ((النهاية))، وبه أفتى بعضُ المتأخرين، كصدر الإسلام، وأنه حَسَنٌّ، ولكن نحن نفتي بجواب الكتاب(٢)؛ اتَّباعاً لأشياخنا، كما في العمادي. اهـ * (فإن كانت الأرض تَنْقُصُ بقَلْع ذلك) منها: (فللمالك أن يَضْمَن له): أي للغاصب (قيمةَ البناء والغرسِ مقلوعاً، ويكونُ) ذلك مع الأرض (له): أي للمالك؛ لأن في ذلك نظراً لهما، ودفعَ الضرر (١) أي صاحب: ((النقاية مختصر الوقاية)): وهو صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت ٧٤٥هـ)، إذ القهستاني شَرَح النقاية في ((جامع الرموز)). (٢) أي مختصر القدوري، وذلك بعدم التفرقة والتفصيل، وذلك لأنه ظاهر الرواية، وهو المقدَّم، ولذا قال: ((اتباعاً لأشياخنا))، لأنهم يقدِّمون ما في القدوري. ٤٨٢ كتاب الغصب ومَن غَصَبَ ثوباً، فصَبَغَه أحمرَ، أو سَويقاً فَتَّه بسمنٍ : فصاحبُه بالخيار : إن شاء ضمَّنْه قيمةَ ثوبه أبيضَ، . عنهما. قال في ((الهداية)): وقوله: ((قيمتُه مقلوعاً)): معناه: قيمةُ بناء، أو شجرٍ يُؤمَر بقلعه؛ لأن حقه(١) فيه، إذ لا قَرَارَ له فيه (٢)؛ فتُقوَّم الأرض بدون الشجر والبناء، وتُقوَّم وبها شجرٌ أو بناءً لصاحب الأرض أن يأمره بقَلْعه(٣)؛ فيضمن فَضْلَ ما بينهما. اهـ [غصب ثوباً فصبغه : ] * (ومَن غَصَبَ ثوباً، فصَبَغَه أحمرَ)، أو غيرَه مما تزيد به قيمةٌ الثوب، فلا عبرة للألوان، بل لحقيقة الزيادة والنقصان، (أو) غَصَبَ (سَويقاً): أي دقيقاً، (فلَتَّه): أي خلطه (بسمنٍ: فصاحبُه بالخيار: إن شاء ضمَّنْه): أي ضمَّن الغاصبَ (قيمةَ ثوبه (٤) أبيض)؛ لأن الثوب (١) أي لأن حق صاحب الغرس في الغرس. البناية ١٠ / ٢٦٤. (٢) أي لا قرار للغرس. (٣) قوله: ((لصاحب الأرض أن يأمره بقلعه)): صفة لقوله: ((شجرٌ أو بناء)). البناية ١٠ / ٢٦٤. (٤) هكذا: (ثوبه)): في القدوري (٦٤٩ هـ)، والنسخة التي مع الجوهرة، ومع اللباب لليزدي، لكن في بقية نسخ القدوري المخطوطة، والتي مع اللباب للميداني: ((ثوب))، وما أثبته أنسب للمعنى. ٤٨٣ کتاب الغصب ومِثْلَ السَّوِيقِ، وسلَّمهما للغاصب، وإن شاء أخذهما، وضَمِنَ ما زاد الصِّبْغُ والسَّمْنُ فيهما . ومَن غصب عيناً، فغيَّها، فضَمَّنه المالكُ قيمتَها : مَلَكَها الغاصبُ. قيميٌّ، (ومِثْلَ السَّوِيق)؛ لأنه مثلي، (وسلّمهما): أي الثوبَ، والسويقَ (للغاصب. وإن شاء أخذهما) المالكُ، (وضَمِنَ) للغاصب (ما زاد الصِّبْغُ والسَّمْنُ فيهما)؛ لأن في ذلك رعايةً للجانبين. والخيْرةُ لصاحب الثوب؛ لكونه صاحبَ الأصل، بخلاف الساجة يُبنى فيها؛ لأن النُّقْضَ (١) له بعد النَّقْضِ (٢)، أما الصِّبْغ، فيتلاشىُ. «هداية)). * (ومَن غصب عيناً، فغيَّبها) - بالمعجمة(٣) -: أي أخفاها، (فضَمَّنْه المالكُ قيمتَها: مَلَكَها الغاصب)؛ لأن المالك مَلَكَ البدلَ بكماله، والمُبْدَل قابلٌ للنقل، فيملكه الغاصب؛ لئلا يجتمع البدلان في ملك شخص واحد. (١) النِّقض: بكسر النون، وضمها، مثل قفل، وحِمْل، بمعنى المنقوض. المصباح المنير (نقض). (٢) بفتح النون، مصدر: نَقَض. (٣) أي بِالْغَيْن المعجمة. ٤٨٤ كتاب الغصب والقولُ في القيمة قولُ الغاصب مع يمينه، إلا أن يقيم المالكُ البينة بأكثر من ذلك. فإن ظهرت العينُ، وقيمتُها أكثرُ مما ضَمِن، وقد كان ضَمِنَها بقول المالك، أو ببينةٍ أقامها، أو بنكولِ الغاصب عن اليمين : فلا خيارَ للمالك . وإن كان ضَمِنَها بقول الغاصب مع يمينه : فالمالكُ بالخيار : إن شاء أمضى الضمانَ، وإن شاء أخَذَ العينَ، وردّ العوضَ. * (والقولُ في القيمة) إذا اختلفا فيها: (قولُ الغاصب)؛ لإنكاره الزيادة، والقولُ قولُ المنكِر، (مع يمينه)، كما مرَّ. * (إلا أن يقيم المالكُ البينةَ بأكثر من ذلك)؛ لإثباته بالحجة. * (فإن ظهرت العينُ) بعد ذلك (وقيمتُها أكثرُ مما) كان (ضَمِن، وقد كان ضمنها بقول المالك، أو ببينة أقامها) المالك، (أو بنكول الغاصب عن اليمين: فلا خيار للمالك)، وهي للغاصب؛ لأنه تمَّ له الملك بسبب اتصل به رضا المالك، حيث ادعى هذا المقدار. * (وإن كان ضمنها بقول الغاصب مع يمينه: فالمالك بالخيار: إن شاء أمضى الضمان)، ولا خيار للغاصب ولو قيمته أقل؛ للزومه بإقراره، (وإن شاء أخذ العين، وردّ العوضَ)؛ لأنه لم يتمَّ رضاه بهذا المقدار، حيث يدعي الزيادة، وأَخْذه دونها؛ لعدم الحجة. ٤٨٥ كتاب الغصب وولدُ المغصوبة، ونماؤها، وثمرةَ البستان المغصوب : أمانةٌ في يد الغاصب. فإن هلك: فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدَّى فيها، أو يَطلُبُها مالكُها، فَيَمْتَعَه إِيَّاها . * ولو ظهرت العين وقيمتُها مثل ما ضمنه، أو دونه في هذا الفصل الأخير: فكذا الجواب في ظاهر الرواية، وهو الأصح، خلافاً لما قاله الكرخي؛ لأنه لم يتم رضاه، حيث لم يُعْطَ ما يدَّعيه، والخيار لفَوْت الرضا. ((هداية)). [حكم نماء الغصب : ] * (وولدٌ) العين (المغصوبة، ونماؤها) المتصل: كالسِّمَن، والحُسْنِ، والمنفصل: كالدَّرِّ، (وثمرةُ البستان المغصوب) قبل بدوِّ الثمرة: (أمانةٌ في يد الغاصب)؛ لأن الغصب إثبات اليد على مال الغير، على وجهِ يزيل يدَ المالك، كما مرَّ، ويدُ المالك ما كانت ثابتةً على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصب. * (فإن هلك): أي الولدُ، وما عُطف عليه: (فلا ضمان عليه): أي الغاصب، (إلا أن يتعدَّى فيها): أي الزيادة، بأن أتلفها، أو أكلها، أو باعها، (أو) أن (يَطلبها): أي الزيادةَ (مالكُها، فَيَمْتَعَه إياها (١))؛ (١) وفي نسخ من القدوري: ((فَيَمْنَعَها إياه)). ٤٨٦ كتاب الغصب وما نَقَصَت الجاريةُ بالولادة : فهي في ضمان الغاصب. فإن كان في قيمة الولد وفاء به: جُبِر النقصانُ بالولد، وسَقَطَ ضمانُه عن الغاصب . ولا يَضمنُ الغاصبُ منافعَ ما غَصَبه، لأنه بالمنع والتعدِّي: صار غاصباً. * (وما نَقَصَت الجاريةُ): أي انتقصت؛ لأن: ((نَقَصَ)): يجيء لازماً، ومتعدياً، وهو هنا لازمٌ، كما في ابن مَلَك، (بالولادة: فهو في ضمان الغاصب)؛ لأنه حصل في ضمانه. * (فإن كان في قيمة الولد وفاء به): أي بالنقصان: (جُبر النقصان بالولد، وسَقَطَ ضمانه عن الغاصب)؛ لأن سبب الزيادة والنقصان واحدٌ، وهو الولادة. وإن لم يكن فيه وفاء: سقط بحسابه. ولو ماتت وبالولد وفاء: كفى، هو الصحيح. ((اختيار)). [ضمان منافع الغصب : ] * (ولا يضمن الغاصبُ منافعَ ما غَصَبه) من ركوبِ الدابة، وسكنى الدار، وخدمة العبد؛ لأنها حصلت على ملك الغاصب؛ لحدوثها في يده، والإنسانُ لا يضمن ما حدث في ملكه، سواء استوفاها، أو عَطَّلها. ٤٨٧ كتاب الغصب إلا أن يَنْقُصَ باستعماله، فَيَغْرَمُ النقصانَ. وإذا استَهلك المسلمُ خمرَ الذمِّيِّ، أو خِنزيرَه: ضَمِن قيمتَهما. وإن استهلکھما لمسلمٍ : * وهذا فيما عدا ثلاثة مواضع، فيجب فيها أجر المثل على اختيار المتأخرين، وعليه الفتوى، وهي: أن يكون وقفاً، أو ليتيم، أو مُعَدّاً للاستغلال، بأن بناه أو اشتراه لذلك؛ إلا إذا سَكَنَ المعدَّ للاستغلال بتأويلٍ مِلْك، كسكنى أحد الشريكين، أو عَقْدٍ، كسكنى المرتهن، (إلا أن يَنْقُصَ) المغصوبُ (باستعماله): أي الغاصب، (فَيَغْرَمَ النقصانَ)؛ لاستهلاكه بعض أجزاء العين. [حكم ضمان خمر الذمي ونحوه لو أتلفه مسلم : ] * (وإذا استَهلك المسلمُ خمرَ الذمي، أو خنزيرَه: ضَمِن قيمتَهما)؛ لأنهما مالٌ في حقه (١)؛ إذ الخمرُ عند أهل الذمة كالخَلِّ عندنا، والخنزيرُ عندهم: كالشاة عندنا، ونحنُ أُمِرْنا بتَرْكهم وما يَدِينُونَ، ولهذا أُقِرُّوا على بيعهما، إلا أنه تجب قيمةً الخمر وإن كان وَ من ذوات الأمثال؛ لأن المسلم ممنوعٌ من تملّکه. * (وإن استهلكهما): أي الخمرَ والخنزيرَ، وهما (لمسلم)، بأن (١) أي حق الذمي. ٤٨٨ كتاب الغصب لم يَضمن . أسلم وهما في يده: (لم يضمن) المستهلك، سواءً كان مسلماً أو ذمّاً؛ لأنهما ليسا بمالِ في حقه، وهو مأمورٌ بإتلافهما، وممنوعٌ عن تملیکھما. [حكم ضمان إتلاف المعازف : ] * وتجب في كَسْر المعازف قيمتُها لغير لهوٍ(١)، كما في ((المختار)). (١) أي وهي غير صالحة للَّهو، فيضمن قيمة خشبها مخلَّعاً. ينظر البناية ١٠/ ٣١٦. ٤٨٩ كتاب الوديعة كتاب الوديعة الوديعةُ أمانةٌ في يد المودَع، إذا هَلَكت في يده : لم يضمنها . وللمودَع أن يحفظَها بنفسه، وبمَن في عياله. كتاب الوديعة * مناسبتُها للغصب: أنها تنقلب إليه عند المخالفة، أو التعدِّي. * وهي لغةً: التركُ، وشرعاً: تسليط الغير على حفظ ماله. وهي اسمٌ أيضاً لما يحفظه المودَعُ، كما عبَّر بذلك المصنِّفُ بقوله: ** (الوديعةُ) - فعيلة: بمعنى مفعولة، بتاء النقل إلى الاسمية، كما في ((نهاية)) ابن الأثير - (أمانةٌ في يد المودَع) - بالفتح .. (إذا هَلَكت في يده) من غير تعدُّ: (لم يضمنها)؛ لأن بالناس حاجةً إلى الاستيداع، فلو ضمَّنَاه: يمتنع الناسُ عن قبول الودائع؛ فتتعطل مصالحهم. ((هدایة)). [حفظ الوديعة : ] * (وللمودّع أن يحفظها): أي الوديعة (بنفسه، وبمَن في عياله)؛ لأن الظاهر أنه يلتزم حِفْظَ مال غيره على الوجه الذي يَحفظ به مالَ ٤٩٠ كتاب الوديعة فإن حَفظَها بغيرهم، أو أَودعها : ضَمِن. إلا أن يقع في داره حريقٌ، فيُسلِّمَها إلى جاره. أو يكونَ في سفينةٍ يَخافُ الغرقَ، فيُلِقِيَها إلى سفينةٍ أخرى. نفسه؛ ولأنه لا يجد بُدّاً من الدفع إلى عياله؛ لأنه لا يمكنه ملازمة بيته، ولا استصحابُ الوديعة في خروجه. * والذي في عياله: هو الذي يسكن معه، وتجري عليه نفقتُه، من امرأته، وولده، وأجيره، وعبده. وفي ((الفتاوى)): هو مَن يُساكنه، سواء كان في نفقته أَوْ لا. ((جوهرة)). * (فإن حَفظها بغيرهم): أي غير مَن في عياله، (أو أودعها) غيرَهم: (ضَمِن)؛ لأن المالك رضيَ بيده، لا بيد غيره، والأيدي تختلف في الأمانة، ولأن الشيء لا يتضمن مثله، كالوكيل لا يوكِّل غیرہ. * (إلا أن يقع في داره حريقٌ، فيُسلِّمَها إلى جاره، أو يكونَ) المودَعُ (في سفينة)، وهاجت الريح، وصار بحيث (يَخاف الغرقَ، فيُلقيها إلى سفينة أخرى)؛ لأنه تعيّن طريقاً للحفظ في هذه الحالة، فيرتضيها المالك. * ولا يُصدَّقُ على ذلك إلا ببينة؛ لأنه يدعي ضرورةً مُسْقِطةً ٤٩١ كتاب الوديعة وإن خَلَطَها المودَع بماله حتى لا تتميَّزُ : ضَمِنَها . للضمان بعد تحقق السبب، فصار كما لو ادعى الإذنَ في الإيداع. (هداية)). قال في ((المنتقى)): هذا إذا لم يكن الحريق عاماً مشهوراً عند الناس، حتى لو كان مشهوراً: لا يحتاج إلى البينة. اهـ [خَلْطُ الوديعة بمال المودَع : ] * (وإن خَلَطَها المودَع بماله، حتى) صارت بحيث (لا تتميّزُ: ضَمنَها). * ولا سبيل للمودع عليها (١) عند أبي حنيفة؛ لاستهلاكها من كل وجه؛ لتعذّر الوصول إلى عَیْن حقه. وقالا: إذا خلطها بجنسها: شَركَه إن شاء؛ لأنه وإن لم يمكنه الوصول إلى عَيْن حقه صورةً: يمكنه معنىَّ بالقسمة، فكان استهلاكاً من وجه، دون وجه، فيميل إلى أيِّهما(٢) شاء. ((هداية)). قال في ((التصحيح)): واختار قولَ الإمامِ: المحبوبيُّ، والنسفي، وأبو الفضل الموصلي، وصدر الشريعة. (١) أي بعد أن خلطها المودَع بماله، وضمنها للمودع: لم يَعُد للمودع حق في وديعته، ولا سبيل له إليها، وإنما له الضمان. ينظر الهداية ٢١٥/٣، والبناية ١٣٧/٩. (٢) أي الشركة أو الضمان. ٤٩٢ كتاب الوديعة فإن طَلَبَها صاحبُها، فحَبَسَها عنه، وهو يقدر على تسليمها : ضَمِنَها . وإن اختلطت بماله من غير فِعْله : . [طلب المودع الوديعة من المودَع : ] * (فإن طَلَبَها صاحبُها) بنفسه، أو وكيله، (فحَبَسَها عنه وهو يقدر على تسليمها)، ثم هلكت: (ضَمِنَها)؛ لتعدِّيه بالمنع، فيصير غاصباً. * قيَّد بكونه قادراً على تسليمها؛ لأنه لو حَبَسها عَجْزاً، أو خوفاً على نفسه، أو ماله: لم يضمن. * وفي القهستاني عن ((المحيط)): لو طلبها، فقال: لم أَقْدِرْ أن أُحْضرَها تلك الساعة، فتركها(١)، فهلكت: لم يضمن؛ لأنه بالترك: صار مودعاً ابتداءً. ** ولو طلبها، فقال: أُطْلُبْها غداً، فلما كان الغد قال: هَلَكَتْ: لم يضمن. * ولو قال له في السِّرِّ: مَن أَخبرك بعلامة كذا، فادفَعْها إلیه، ثم جاء رجل بتلك العلامة، ولم يدفعها إليه حتى هلكت: لم يضمن. اهـ * (وإن اختلطت) الوديعةُ (بماله من غير فعله)، كأن انشَقَّ (١) أي مالكها. ٤٩٣ كتاب الوديعة فهو شريكٌ لصاحبها . وإن أنفق المودَعُ بعضَها، وهلك الباقي : ضمن ذلك القدر. وإن أنفق المودَعُ بعضَها، ثم ردَّ مثلَه، فخلطه بالباقي، فتلفت : ضمن الجمیعَ . وإذا تعدَّىُ المودَعُ في الوديعة، بأن كانت دابةً فركبها، أو ثوباً فلبسه، أو عبداً فاستخدمه، أو أودعها عند غيره، . الظرفان، وانْصَبَّ أحدُهما على الآخر: (فهو): أي المودَع (شريكٌ لصاحبها) اتفاقاً؛ لاختلاطهما من غير جناية. [إنفاق المودَع من الوديعة : ] * (وإن أنفق المودَعُ بعضَها، وهلك الباقي: ضمن ذلك القدر. ؛ وإن أنفق المودَع بعضَها): أي الوديعةِ، (ثم ردَّ مثلَه): أي مثلَ ما أنفقه، (فخلطه): أي المردودَ (بالباقي، فتلفت: ضمن الجميع): أي جميع الوديعة: من الذي كان بقي منها، والذي ردَّه إليها عوضاً عما أنفقه؛ لخَلْطه الوديعة بماله، فيكون استهلاكاً على الوجه الذي تقدم. [تعدي المودَع ثم إزالة ما تعدَّى به : ] * (وإذا تعدَّى المودَع في الوديعة، بأن كانت دابةً فركبها، أو ثوباً فلبسه، أو عبداً فاستخدمه، أو أودعها عند غيره) ممن ليس في ٤٩٤ كتاب الوديعة ثم أزال التعدي، وردّها إلى يده : زال الضمان. فإن طلبها صاحبُها، فجَحَدَه إياها : ضمنها . فإن عاد إلى الاعتراف : لم يبرأ من الضمان. وللمودَع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حَمْلٌ ٠ عياله، (ثم أزال التعدي، وردّها إلى يده: زال الضمان)؛ لزوال سببه، وهو التعدي، وبقاء الأمر بالحفظ، فكانت يده كيد المالك حكماً؛ لأنه عاملٌ له بالحفظ، فبإزالة التعدِّي: ارتدَّت إلى يد صاحبها حكماً. [جحود المودّع الوديعة :] * (فإن طلبها صاحبُها، فجَحَدَه إياها)، فهلكت: (ضمنها)؛ لأنه لما طالبه بالردِّ: فقد عَزَله عن الحفظ، فيبقى بعده بالإمساك غاصباً، فيضمن. * (فإن عاد) بعد جحوده (إلى الاعتراف) بها: (لم يبرأ من الضمان)؛ لارتفاع العقد؛ لأن المطالبة بالردِّ: رَفْعٌ من جهة المالك، والجحودَ: فَسْخٌ من جهة المودَع، فتمَّ رَفْعُ العقد منهما، وإذا ارتفع: لا يعود إلا بالتجديد، فلم يوجد الردُّ إلى نائبه، بخلاف المخالفة، ثم العَوْد إلى الوفاق؛ لبقاء الأمر؛ فكان الرد إلى نائبه، كما في ((الهداية)). [سفر المودَع بالوديعة : ] * (وللمودَّع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حَمْلٌ): أي ثقَلٌ، ٤٩٥ كتاب الوديعة ومُؤْنةٌ . وإن أَودع رجلان عند رجل وديعةً، ثم حضر أحدُهما، فطلب نصيبَه منها : لم يَدفع إليه شيئاً حتى يَحضُرَ الآخرُ عند أبي حنيفة، وقالا : يدفع إليه نصيبه. (ومُؤْنة): أي أجرة عند أبي حنيفة؛ لإطلاق الأمر. وقالا: ليس له ذلك إذا كان لها حَمْل ومُؤْنة؛ لأن المالك تلزمه مؤنة الردِّ في ذلك، فالظاهر أنه لا يرضى به، فيتقيّد. وظاهر الهداية: ترجيحُ قولهما؛ بتأخير دليلهما. * (وإن أودع رجلان عند رجلٍ وديعةً) من ذوات الأمثال، (ثم حضر أحدُهما) دون صاحبه، (فطلب نصيبَه منها: لم يَدفع إليه): أي إلى الحاضر (شيئاً) منها (حتى يَحضر) صاحبُه (الآخرُ عند أبي حنيفة)؛ لأنه يطالبه بمُفْرَزٍ، وحقّه في مُشَاعٍ، ولا يُفرَز إلا بالقسمة، وليس للمودع ولايتُها. (وقالا: يدفع إليه نصيبَه)؛ لأنه يطالبه بدفع نصيبه الذي سلَّمه إلیه. قال في ((التصحيح)): واعتمد قولَ الإمامِ: المحبوبيُّ، والنسفي، وأبو الفضل الموصلي، وصدر الشريعة. اهـ ** قيَّدنا بذوات الأمثال؛ لأنها لو كانت من القيميات، لا يَدفع إليه اتفاقاً، على الصحيح، كما في ((الهداية))، و((الفيض)). ٤٩٦ كتاب الوديعة وإن أَودَع رجلٌ عند رجلين شيئاً مما يُقْسَم : لم يجز أن يدفعه ما أحدهما إلى الآخر، ولكنهما يقتسمانه، فيحفظَ كلّ واحدٍ منهما ءُ نصفه . وإن كان مما لا يُقسَم : جاز أن يحفظه أحدُهما بإذن الآخر . وإذا قال صاحبُ الوديعة للمودَع: لا تسلِّمْها إلى زوجتك، فسلَّمَها إليها : لم يَضمَن. : (وإن أَودَع رجلٌ عند رجلين شيئاً مما يُقْسَم)، مثلياً كان أو قيمياً: (لم يجُزْ أن يدفعه أحدُهما إلى الآخر)؛ لأن المالك لم يرض بحفظ أحدهما لكله، (ولكنهما يقتسمانه، فيحفظ كلّ واحدٍ منهما نصفَه)؛ لأنه لمَّا أودعهما مع علمه أنهما لا يقدران على تَرْك أعمالهما، واجتماعهما أبداً في مكانٍ واحد للحفظ: كان راضياً بقسمتهما، وحفظ كلّ واحدٍ للنصف دلالةً، والثابتُ دلالةً: كالثابت بالنص. * (وإن كان مما لا يُقسَم: جاز أن يحفظه أحدُهما بإذن الآخر)؛ لأن المالك رضيَ بيد كلٌّ منهما على كله؛ لعلمه أنهما لا يجتمعان عليه أبداً. * (وإذا قال صاحب الوديعة للمودَع: لا تسلّمْها إلى زوجتك، فسلَّمَها) المودَعُ (إليها): أي إلى زوجته، وهلكت: (لم يضمن)؛ لأنه لا يجد بُدّاً من ذلك، فإنه إذا خرج: كان البيت وما فيه مُسلَّماً إليها، فلا يمكنه إقامة العمل مع مراعاة هذا الشرط وإن كان مفيداً. ٤٩٧ كتاب الوديعة وإن قال له : احفَظْها في هذا البيت، فحفظها في بيتٍ آخر من الدار : لم يضمن . وإن حفظها في دارٍ أخرى : ضمن. * لكن في شرح الإسبيجابي: وهذا إذا كان لا يجدُ بُدّاً من ذلك؛ لأن الشرط - وإن كان مفيداً - لكن العمل به غير ممكن، أما إذا كان يجدُ بُدّاً منه: يلزمه مراعاة شرطه بقدر الإمكان؛ لتمكّنه من حفْظها على الوجه المأمور به، فإذا خالف: ضمن. اهـ ملخصاً. * (وإن قال له: احفظها في هذا البيت)، لبيتٍ معيَّن من الدار، (فحفظها في بيتٍ آخر من) تلك (الدار)، وهلكت: (لم يضمن)؛ لأن الشرط غير مفيدٍ، فإن البيتين في دارٍ واحدةٍ لا يتفاوتان في الحرز. * (وإن حفظها في) بيتٍ من (دارٍ أخرى: ضمن)؛ لأن الدارَيْن يتفاوتان في الحِرز، فكان مفيداً، فيصح التقييد. * ولو كان التفاوت بين البيتَيْن ظاهراً، بأن كانت الدار التي فيها البيتان عظيمة، وللبيت الذي نهاه عن الحفظ فيه عَوْرَة ظاهرة: صحَّ الشرط. ((هداية)). ٤٩٨ كتاب العارِيَّة كتاب العارِيَّة العاريَّةُ جائزةٌ، وهي تمليكُ المنافع بغير عِوَض. كتاب العارِيَّة * مناسبتُها للوديعة ظاهرةً، من حيث اشتراكهما في الأمانة. * (العاريَّة) - بالتشديد، وتُخفَّف - (جائزةٌ)؛ لأنها نوعُ إحسان، وقد استعار النبيُّ صلى الله عليه وسلم دروعاً من صفوان (١). ((هداية)). * (وهي) لغةً: إعارة الشيء، كما في ((القاموس))، وشرعاً: (تمليكُ المنافع بغير عوض). * أفاد بالتمليك: لزومَ الإيجاب والقبول ولو فعْلاً(٢). (١) ابن أمية، يوم حُنَيْن، كما في سنن أبي داود ٢٠٢/٤ (٣٥٥٧)، المستدرك للحاكم ٤٧/٢ وصححه ووافقه الذهبي، مسند أحمد ١٠١/٣، ٤٦٥/٦، وينظر نصب الراية ١١٦/٤، والتلخيص الحبير ٥٢/٣، قال ابن حجر بعد أن ذكر طرقه وشواهده: ((وأعلَّ ابنُ حزم وابنُ القطان طرقَ هذا الحديث)). اهـ، لكن قوَّاه بشواهده البيهقي في السنن ٩٠/٦، وكذلك ابن الملقن في تحفة المحتاج ٢٧٧/٢. (٢) أي يلزم الإيجاب والقبول ولو كان بالصيغة الفعلية بالأخذ والإعطاء، أي ولا يشترط أن يكونا بالصيغة القولية. ٤٩٩ كتاب العارِيَّة وتصحُّ بقوله : أعرتُكَ، و: أطعمتُكَ هذه الأرضَ، و: منحتُكَ هذا الثوبَ، و: حَمَلْتُكَ على هذه الدابة إذا لم يُرِدْ به الهبةَ، و: أخدمتُكَ هذا العبدَ، و: داري لكَ سُكنى، و: داري لكَ عُمُري سُكنى. * (وتصح بقوله: أعرتُك)؛ لأنه صريحٌ فيها. (و: أطعمتُك هذه الأرضَ): أي غَلَّتَها؛ لأن الأرض لا تُطْعَم، فينصرف إلى ما يؤخذ منها، على سبيل المجاز، من إطلاق اسم المَحَلُّ على الحالِّ(١). (و: منحتُك): أي أعطيتُك (هذا الثوبَ)، أو هذا العبد. (و: حَمَلْتُك على هذه الدابة، إذا لم يُرِدْ به): أي بقوله: أعطيتُك، وحملتُك (الهبةَ)؛ لأن اللفظ صالحَ لتمليك العين والمنفعة، والمنفعةُ أدنىُ؛ فيُحمل عليها عند عدم النية. (و: أخدمتُك هذا العبدَ)؛ لأنه إذنْ له في الاستخدام. (و: داري لك سكنى)؛ لأن معناه: سُكْناها لك. (و: داري لك عُمُري سُكنى)؛ لأن اللام وإن كان للتمليك، لكن لما أردفه بالتمييز بلفظ: ((السكنى))، المُحَكّم في إرادة المنفعة: انصرف عنه إفادةُ الملك. (١) مثل قولنا: ((جرى الميزاب)): أي الماء. ٥٠٠ كتاب العارِيَّة وللمُعِير أن يرجع في العارية متى شاء. والعاريةُ أمانةٌ في يد المستعير، إن هلكت من غير تَعدٍّ : لم یضمن . وليس للمستعير أن يؤآجر ما استعاره، ولا أن يَرْهِنَه. فإن آجره، فهلك : ضمن. وله أن يُعيره إن كان المستعار مما لا يختلف باختلاف المستعمِل. : (وللمُعِير أن يرجع في العارية متى شاء)؛ لأنها عَقْد تبرُّعٍ(١). * (والعارية): أي حُكْمُها أنها (أمانةً في يد المستعير، إن هلكت من غير تَعدُّ: لم يضمن) ولو بشرط الضمان. قهستاني. [تأجير المستعير العارية : ] * (وليس للمستعير أن يؤآجر ما استعاره، ولا أن يَرْهَنَه)؛ لأن الشيء لا يتضمَّن ما فوقه، (فإن آجره، فهلك: ضمن. [إعارة المستعير لغيره :] * وله أن يعيره إن كان المستعارُ مما لا يختلف باختلاف المستعمِل)؛ لأنه مَلَكَ المنافع، ومَن مَلَك شيئاً: جاز له أن يُملِّكه (١) أي غير لازم، كالوكالة.