Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ كتاب الحج ثم يأتي مقامَ إبراهيمَ، فيصلَي عنده ركعتين، أو حيثما تيسّر من 31 المسجد . وهذا الطواف طوافُ القدوم، وهو سُنَّةٌ وليس بواجب. وليس على أهل مكة طوافُ القدوم. كما ابتدأه به. * (ثم يأتي مقام إبراهيم) عليه السلام، وهو حَجَرٌ كان يقوم عليه عند بناء البيت، ظاهرٌ فيه أثَرُ قدمه الشريف(١)، (فيصلي عنده ركعتين، أو حيثما تيسّر من المسجد)، وهي واجبةً لكل أسبوع، ولا تُصلَّى إلا في وقتٍ مباح. * (وهذا الطواف) يقال له: (طواف القدوم)، وطواف التحية، (وهو سُنَّةٌ) للآفاقي، (وليس بواجبٍ، وليس على أهل مكة طواف القدوم)؛ لانعدام القدوم في حقهم. قولَه صاحبُ الدر، وابنُ عابدين ٦٨/٧، وغيرُهما، ولم ير بأساً بتقبيله الإمام الشافعي، كما في الأم ١٧٠/٢، وتقبيله رواية في المذهب الحنبلي، كما في المبدع ٢١٦/٣، والإنصاف للمرداوي ٧/٤، وقد فصَّلتُ ذلك في كتابي: ((فضل الحجر الأسود )) ص ٩٠ - ٩٤. (١) وقد أكرمني الله بكتابةٍ موسَّعة عن المقام، تاريخياً وفقهياً، في مائة صفحة، طبعتها مع كتابةٍ أخرى مثلها عن الحجر الأسود، مع ذكر باب خاص عن الأحكام الفقهية المتعلقة باستلام الركن اليماني، ضممتُها كلها في كتاب واحد سميته: ((فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام)). ٤٢٢ كتاب الحج ثم يخرجُ إلى الصفا، فيصعدُ عليه، ويستقبلُ البيتَ، ويكبِّرُ ويهلِّلُ، ويصلّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو الله تعالى بحاجته . ثم يَنحطّ نحو المَروة، ويمشي علىُ هِينته، فإذا بلغ إلى بطن الوادي : سعىُ بين المِيلَيْن الأخضرَيْن. [السعي بين الصفا والمروة : ] * (ثم) يعودُ إلى الحَجَر فيستلمه، و(يخرج) ندباً من باب بني مَخْزوم، المسمى بباب الصفا؛ اقتداء بخروج سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم(١) (إلى الصفا، فيصعدُ عليه) بحيثُ يَرى الكعبة من الباب، (ويستقبلُ البيت، ويكبِّر ويهلِّل، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو الله تعالى بحاجته)، رافعاً يديه نحو السماء. * (ثم يَنحطّ نحو المَروة، ويمشي علىُ هِينته) بالسَّكِينة والوَقَار، (فإذا بلغ إلى بطن الوادي) قديماً، أما الآن فقد ارتدم من السيول، حتى استوى مع أعلاه: (سعى): أي عَدَا في مشيه (بين الميلين(٢) الأخضرَيْن) المتَّخذَيْن في جدار المسجد علَمَا لموضع بطن الوادي، (١) عزاه الزيلعي في نصب الراية ٥٢/٣ إلى الطبراني في الكبير والصغير، وغيرهما، قال ابن حجر في الدراية ١٧/٢ : وإسناده ضعيف جداً، وله شاهد مرسل عن عطاء عند ابن أبي شيبة، وهو صحيح عن ابن عمر، حيث قال: وهو سنة ... اهـ (٢) المِيل في الأصل: مَنَارٌ يُبنى للمسافر. ينظر القاموس المحيط (ميل). ٤٢٣ كتاب الحج سعياً حتى يأتيَ المروةَ، فيصعدُ عليها، ويفعلُ كما فَعَل على الصفا، وهذا شوطٌ. فيطوفُ سبعة أشواطٍ، يبتدىُ بالصفا، ويختمُ بالمروة. ثم يقيمُ بمكة مُحرِماً، يطوفُ بالبيت كلَّما بدا له، ويصلي لكل أسبوع ركعتين . فوضعوا الميلين علامةً لموضع الهرولة. فيسعى (سعياً) من أول بطن الوادي عند أول مِيلٍ إلى منتهى بطن الوادي عند الميل الثاني، ثم يمشي على هِينته (حتى يأتي المروة، فيصعدُ عليها، ويفعلُ كما فَعَل على الصفا)، من استقبال البيت، والتكبير، والتهليل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. * (وهذا شوطٌ) واحدٌ، (فيطوف) ستةَ أشواط أُخَر مثله حتى تصير (سبعة أشواط، يبتدىء بالصفا) وجوباً، (ويختم بالمروة)، ويسعى في بطن الوادي في كل شوط. قال في ((التصحيح)): السعي بين الصفا والمروة واجبٌ باتفاقهم. اهـ * (ثم يقيم بمكة مُحْرِماً) إلى تمام نُسُكه، (يطوف بالبيت) تطوعاً (كلَّما بدا له، ويصلي لكل أسبوع ركعتين)، وهو أفضل مِن تطوع الصلاة للآفاقي. ٤٢٤ كتاب الحج ؛ فإذا كان قبلَ يومِ التروية بيومٍ : خَطَب الإمامُ خطبةً يعلِّم الناسَ فيها الخروجَ إلىُّ مِنىًّ، والصلاةَ بعرفات، والوقوفَ، والإفاضةَ. فإذا صلى الفجرَ يومَ التروية بمكة : خَرَج إلى مِنىًّ، فأقام بها حتى يصليَ الفجرَ يومَ عرفة [الخروج إلى منى يوم التروية : ] ؛ (فإذا كان قبل يوم التروية بيوم)، وهو سابع ذي الحجة، (خَطَب الإمامُ) بعد الزوال وصلاة الظهر (خطبةً يعلّم الناسَ فيها الخروجَ إلى منىً، والصلاةَ بعرفات، والوقوفَ) بها، (والإفاضةَ) منها. * (فإذا صلى الفجر يوم التروية)، وهو ثامن ذي الحجّة، (بمكة، خَرَج إلى مِنىَ): قريةٌ من الحرم(١)، علىُ فَرْسخٍ(٢) من مكة، وفرسخين أو أكثر من عرفات، (فأقام بها)، وبات (حتى يصليَ) بها (الفجر يومَ عرفة. (١) في نسخ اللباب كلها: ((الحِلِّ))، وهو خطأ، حيث إن: ((منى)) من الحرم باتفاق، كما في إعلام الساجد للزركشي ص ٦٧، الدر المختار ٣٨/٧، القاموس المحيط (منى)، وغيرها. (٢) الفرسخ: يعادل (٥٫٥) كم، كما قدره د/محمد الخاروف في تعليقاته على الإيضاح والتبيان ص ٧٧، وقد أصبحت ((منى)) الآن ملاصقة لمكة. ٤٢٥ كتاب الحج ثم يتوجَّهُ إلى عرفات، فيقیمُ بها . فإذا زالت الشمسُ من يوم عرفةَ: صلى الإمامُ بالناس الظهرَ والعصرَ. يبتدئُ فيخطُبُ خُطبتين قبل الصلاة، يعلِّم الناسَ فيهما الصلاةَ، والوقوفَ بعرفة، وبالمزدلفة، ورميَ الجِمار، والنحرَ، والحلقَ، وطوافَ الزيارة . ويصلي بهم الظهر والعصرَ في وقت الظهر بأذانٍ، وإقامتين. [الصعود إلى عرفة : ] * ثم) بعد طلوع الشمس (يتوجه إلى عرفات)، على طريق ضَبٍّ(١)، (فيقيم بها) إلى الزوال. * (فإذا زالت الشمس من يوم عرفة: صلى الإمامُ بالناس الظهرَ والعصرَ)، وذلك بعد ما (يبتدئ) الإمامُ (فيخطبُ خطبتين قبل الصلاة، يعلّم الناسَ فيهما الصلاةَ، والوقوف بعرفة، و) الوقوفَ (بالمزدلفة، ورميَ الجِمار، والنحرَ، والحلقَ، وطوافَ الزيارة)، ونحو ذلك. * (ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر بأذانٍ) واحدٍ، (وإقامتَيْن)؛ لأن العصر يؤدّى قبل وقته المعهود، فيُفْرَد بالإقامة؛ (١) ((ضَبّ): اسم للجبل الذي بحذاء مسجد الخَيْف، ينظر مناسك ملا علي القاري ص ١٢٨. ٤٢٦ كتاب الحج ومَن صلى الظهرَ في رَحْله وَحْدَه: صلىُ كلّ واحدةٍ منهما في وقتها عند أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : يجمع بينهما المنفردُ. إعلاماً للناس. ** ولا يَتطوَّع (١) بين الصلاتين؛ تحصيلاً لمقصود الوقوف؛ ولهذا قُدِّم العصرُ على وقته. ((هداية)). * (ومَن صلى الظهرَ في رَحْله وَحْدَه)، أو مع جماعةٍ بغير الإمام الأعظم: (صلّى كلّ واحدة منهما في وقتها) المعهود (عند أبي حنيفة)؛ لأن المحافظة على الوقت فَرْضٌ بالنصوص، فلا يجوز تَرْكه إلا فيما وَرَدَ الشرعُ به، وهو الجمع بالجماعة مع الإمام. ((هداية)). (وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما المنفردُ) أيضاً؛ لأن جوازه للحاجة إلى امتداد الوقوف، والمنفردُ محتاجٌ إليه. قال الإسبيجابيُّ: الصحيح قول أبي حنيفة، واعتمده برهان الشريعة، والنسفي(٢). (تصحيح)). (١) أي لا يتطوع الإمام، ولا القوم. العناية للبابرتي ٣٧٠/٢. (٢) أما صاحب الدر المختار ٩٢/٧ فقال عن قول الصاحبين: هو الأظهر، نقلاً عن الشرنبلالية عن البرهان، وعلق عليه ابن عابدين بقوله: لعله من جهة الدليل، وإلا فالمتون على قول الإمام، وأنه المصحَّح. ٤٢٧ كتاب الحج ثم يتوجه إلى الموقف، فيقفُ بقُرب الجبل . وعرفاتُ كلُّها موقفٌ، إلا بطنَ عُرَنَة. وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته، يدعو، ويُعلَمُ الناسَ المناسك . * (ثم يتوجه إلى الموقف، فيقف بقرب الجبل) المعروف بجبل الرَّحمة، (وعرفات كلها موقف، إلا بطن عُرَنَة) - كرُطَبَة، وبضمتين: لغةٌ (١) -: وادٍ بحذاء عرفات. * (وينبغي للإمام أن يقف بعرفة) عند الصخرات الكبار (على راحلته)، مستقبل القبلة، (ويدعوَ) بما شاء، وإن تبرَّك بالمأثور(٢): كان حَسَناً، (ويُعلِّم الناسَ المناسكَ)، وينبغي للناس أن يقفوا بقرب (١) أي: وفي لغةٍ: بضمتين. المصباح المنير (عرن)، لكن في تاج العروس (عرن): ((وحكىُ بعضٌ فيه: بضمتين، وليس بثَبْت)). اهـ (٢) وهو ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير الدعاء: دعاء يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.)). رواه الترمذي في السنن ٥٧٢/٥ (٣٥٨٥)، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. اهـ، لكن المنذري في الترغيب والترهيب ٤١٩/٢ نقل عن الترمذي أنه قال عنه: حسن غريب، ونقل الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٣٧٣/٤ عن إسماعيل الطلحي في الترغيب والترهيب أن إسناده حسن، ثم قال الزبيدي: فكأنه حسَّنه لشواهده. ٤٢٨ كتاب الحج ويُستحبُّ أن يغتسلَ قبل الوقوف بعرفات. ويجتهدَ في الدعاء. * فإذا غربت الشمسُ: أفاض الإمامُ والناسُ معه علىُ هِينتهم، حتى يأتوا المُزْدلفةَ، فينزلوا بها . الإمام؛ ليؤمِّنوا على دعائه، ويتعلّموا بتعليمه، ويقفون وراءه؛ ليكونوا مستقبلين القبلة. * (ويُستحب أن يغتسل قبل الوقوف بعرفات)؛ لأنه يومُ اجتماعٍ، کالجمعة والعیدین. * (ويجتهد في الدعاء)؛ لأنه من أرجى مواضع الإجابة. [الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة: ] * (فإذا غربت الشمس: أفاض الإمامُ والناسُ معه على هِينتهم) على طريق المأزِمَيْن، (حتى يأتوا المُزْدلفةَ، فينزلوا بها)، وحدَّها: من مَأْزِمي عرفة إلى مأزمي مُحَسِّر(١). (١) ((مُحَسِّر)): سيأتي بعد قليل في كلام الشارح أنه وادٍ بين منى ومزدلفة، وهو ليس من واحدة منهما، وطوله نحو (٥٠٠) ذراع، وقيل: ميل، وينظر ابن عابدين ١١٤/٧، إرشاد الساري إلى مناسك ملا علي القاري ص ١٤٧. ومعنى: ((المأزم)»: على وزن: مسجد: الطريق الضيق بين الجبلين. المصباح المنير (أزم). ويستحب لمن بلغ بطن ((محسِّر)): أن يسرع إن كان ماشياً أو راكباً، لفعله صلى = ٤٢٩ كتاب الحج والمستحبُّ أن ينزلوا بقُرْب الجبل الذي عليه المِيْقَدَةُ، يقال له : قُرَحُ. ويصلي الإمامُ بالناس المغربَ والعشاءَ بأذانٍ، وإقامةٍ . * (والمستحبُّ أن ينزلوا بقُرْب الجبل الذي عليه الميْقدةَ): ء موضعٌ كانت الخلفاء تُوقِد فيه النارَ في تلك الليلة ليُهتدَى بها، يقال لها: كانون آدم(١)، و(يقال له): أي لذلك الجبل: (قُزَح) - بضمِّ، ففتح -، وهو المَشْعَر الحرام على الأصح. (نهر)). * (ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء) في وقت العشاء، (بأذان) واحد، (وإقامة) واحدة (٢)؛ لأن العشاء في وقتها، فلم تحتج الله عليه وسلم. ينظر مناسك ملا علي القاري ص ١٤٨، وإسراع النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى وادي محسر في حديث جابر في صحيح مسلم ٨٩١/٢ (١٢١٨)، سنن الترمذي ٢٣٢/٣(٨٨٥)، وقال: حسن صحيح. وقد ذكر الفقهاء أنه سمي مُحسِّراً؛ لأن فِيلَ أصحاب الفيل حَسَر وأعيا فيه، فكان الوادي موقفاً لهؤلاء الظلمة، وداراً من ديارهم، وقيل: لأن إبليس وقف فيه متحسِّراً، ويسمى: وادي النار. ينظر مناسك القاري ص ١٤٨ . (١) ومعنى الكانون: الموقد. القاموس المحيط (كنن)، وقال الشيخ محمد عابد السندي الأنصاري في طوالع الأنوار ٤ /١٢٠ (مخطوط) عند شرحه لهذه الكلمة: (كانون آدم) قال: أي الموضع الذي أنضج فيه المأكول. اهـ. قلت: وكأنه الموضع الذي كان يوقِد فيه نبيُّ الله آدم عليه الصلاة والسلام حين نزل بمزدلفة، فُسب إليه، والله أعلم. (٢) بخلاف الجمع في عرفة، فإنه بإقامتين. ابن عابدين ١٠٣/٧، وكما تقدم، ((وقال زفر: بأذان وإقامتين، وهو اختيار الطحاوي، وهو القياس على الجمع الأول، = ٤٣٠ كتاب الحج ومَن صلى المغربَ في الطريق : لم تُجْزه عند أبي حنيفة ومحمد . فإذا طلع الفجرُ: صلى الإمامُ بالناس الفجرَ بغَلَس، ثم وقف، .... للإعلام، كما لا احتياج هنا للإمام(١). * (ومن صلى المغرب في الطريق: لم تُجْزه(٢) عند أبي حنيفة ومحمد)، وعليه إعادتها، ما لم يطلع الفجر. ((هداية)). قال في ((التصحيح)): واعتمد قولَهما المحبوبيُّ، والنسفيُّ. وقال أبو يوسف: يجزئه، وقد أساء. اهـ * (فإذا طلع الفجر) يوم النحر: (صلى الإمام بالناس الفجر بغَلَسٍ)؛ لأجل الوقوف، (ثم وقف) بمزدلفة وجوباً (٣). * ووقتُه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ولو لحظةً، كما مرَّ في عرفة. وظاهرِ الحديث، ولذا اختاره ابنُ الهمام أيضاً)). اهـ مناسك ملا علي القاري ص ١٤٤، وينظر الهداية مع البناية ٤ /١١٦. (١) أي إمام الحج، فلو صلاهما منفرداً: جاز. ينظر ابن عابدين ١٠٣/٧. (٢) ((تجزه)): كما في نسخة القدوري (٦١١ هـ، ٧٢٧ هـ)، ونسختي القدوري مع الجوهرة، أما نسخ اللباب كلها، ونسخ القدوري المطبوعة، ونسخة (٨٤٠ هـ) ففيها: (لم يجز))، مع اختلاف بعضها في الضبط، وبعضها بالياء، وبعضها بالتاء. (٣) هكذا: ((وجوباً)): في نسخة د، ج، وغير مثبتة في مخ، ص، أ، ن، م. ٤٣١ كتاب الحج ووقَف الناس معه، فدعا. والمزدلفةُ كلَّها موقفٌ إلا بطنَ مُحَسِّر . * ثم أفاض الإمامُ والناسُ معه قبل طلوع الشمس، حتى يأتوا مِنیَ. فيبتدىء : (ووَقَف الناس معه، فدعا)، وكَبَّر، وهلَّل، ولَبَّى، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم. * (والمزدلفة كلها موقف إلا بطنَ مُحَسِّر)، وهو وادٍ بين منى ومزدلفة. [الإفاضة من مزدلفة إلى منى، ورمي الجمرات : ] * (ثم) إذا أسفر جداً (١): (أفاض الإمامُ والناسُ معه قبل طلوع الشمس(٢))، مهللين، مكبِّرين، ملِّين، (حتى يأتوا مِنىً، فيبتدئ (١) ((إذا أسفر جداً)): هذه عبارة الإسبيجابي في زاد الفقهاء (مخطوط)، وفي البناية ٢٧/٥ (ط باكستان)، وفتح القدير ٣٨١/٢: ((ذكر في المحيط: حدَّ محمدٌ رحمه الله الإسفارَ فقال: إذا لم يبق من طلوع الشمس إلا مقدار ما يُصلَّى فيه رکعتان)).اهـ (٢) وأما قول صاحب الهداية ١٤٦/١: ((وما وقع في نُسَخ القدوري: فإذا طلعت الشمس أفاض: فهذا غلطٌ، والصحيح: إذا أسفر أفاض)): فقد بيَّن الإمام الإتقاني في غاية البيان بياناً شافياً، كما نقل عنه العيني في البناية ١٢٦/٥ (ط باكستان)، أن هذا الغلط من النُّسَّاخ، لا من القدوري. ٤٣٢ كتاب الحج بِجَمْرَة العَقَبَةِ، فيرميها من بطن الوادي بسَبْعٍ حَصَيَاتٍ مثلَ حصى الخَذْف. ويكبِّرُ مع كل حصاة . ولا يقفُ عندها. بجمرة العَقَبَة، فيرميها من بطن الوادي)، جاعلاً مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، (بسَبْعُ حَصَيَات مثل حصىُ الخَذْف) - بوزن: فَلْس -: صغار الحَصَى، قيل: مقدار الحمصة، وقيل: النواة، وقيل: الأنملة، ولو رمى بأكبر أو أصغر: أجزأه، إلا أنه لا يرمي بالكبار؛ خشيةً أن يؤذي أحداً. * ولو رمى من فوق العقبة: أجزأه؛ لأن ما حولها موضع النسك، والأفضل أن يكون من بطن الوادي. ((هداية)). * ولو وَقَعتْ على ظَهْر رجل، أو جَمَل: إن وقعتْ بنفسها بقرب الجمرة: جاز، وإلا(١): لا. * وثلاثة أذرع: بعيدٌ، وما دونه: قريبٌ. ((جوهرة)). * (ويكبِّر مع كل حصاة)، ولو سبَّح: أجزأه؛ لحصول الذِّكْر، وهو من آداب الرمي. ((هداية)). * (ولا يقف عندها)؛ لأنه لا رميَ بعدها. (١) أي وإن لم تقع بنفسها، فأخذها الرجل الذي وقعت عليه، ووضعها في المرمى: لم يجز. ينظر الجوهرة ١٩٥/١. ٤٣٣ كتاب الحج ويقطعُ التلبيةَ مع أول حصاةٍ . ثم يذبحُ إن أحبَّ. ثم يحلقُ، أو يقصِّرُ، والحلقُ أفضل، والأصل: أن كل رمي بعده رميٌّ: يقف عنده، ويدعو، وما ليس بعده رميٌّ: لا يقف عنده، والأصلُ في ذلك فعل النبي صلى الله عليه و (١) وسلم (١). * (ويقطع التلبية مع أول حصاةٍ) إن رمى قبل الحلق، وإن حلق قبل الرمي (٢): قطع التلبية؛ لأنها لا تثبت مع التحلل. * (ثم يذبح) تطوعاً (إن أحبَ)؛ لأنه مُفردٌ. * (ثم يحلق) جميعَ رأسه، ويكفي ربعه، (أو يقصِّر)، بأن يأخذ منه مقدار الأنملة، ويكفي التقصير من ربعه أيضاً، (والحلقُ أفضل) من التقصير؛ لأن الحلق أكمل في قضاء التَّفَث (٣)، وهو المقصود، (١) وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه ٥٨٢/٣ (١٧٥١) عن ابن عمر رضي الله عنهما ((أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يُسْهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى ويدعو، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يفعله)). (٢) مع التذكير بأنه يجب عليه الدم لو حلق قبل الرمي، إذ الترتيب واجب. (٣) التَّفَث: الوسخ والشعث، وقضاء التفث: أي إزالته. المغرب (تفث). ٤٣٤ كتاب الحج وقد حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساء. * ثم يأتي مكةَ من يومه ذلك، أو من الغد، أو من بعد الغد، فيطوفُ بالبيت طوافَ الزيارة سبعة أشواط . فإن كان سعىُ بين الصفا والمروة عَقِيبَ طواف القدوم: لم يَرْمُل في هذا الطواف، . فأشبه الاغتسال مع الوضوء(١). ءِ * (وقد حَلَّ له): أي بعد الحلق أو التقصير (كلّ شيءٍ) من محظورات الإحرام، (إلا النساء): أي جماعهن ودواعيه. [الإفاضة من منى إلى مكة لطواف الإفاضة: ] * (ثم يأتي مكةً من يومه ذلك): أي أول أيام النحر، (أو من الغد، أو من بعد الغد)، وأفضلُها أولُها، (فيطوفُ بالبيت طوافَ الزيارة)، ويسمى طواف الإفاضة، وطوافَ الفرض، (سبعة أشواط) وجوباً، والفرضُ منها أربعةٌ. * (فإن كان سعى بين الصفا والمروة) سابقاً (عَقِيبَ طواف القدوم: لم يَرْمُل في هذا الطواف)؛ لأن الرَّمَل في طوافٍ بعده سعي، (١) ويُذَكَّر للاستدلال لأفضلية الحلق قبل ذكر هذا التعليل، بأن النبي صلى الله عليه وسلم دعى للمحلِّقين ثلاثاً، وللمقصِّرين مرة. ينظر صحيح البخاري ٥٦١/٣ (١٧٢٧)، ولأن الله ذَكَر المحلِّقين في القرآن قبل المقصرين، فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ اُلْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ يُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ الفتح/ ٢٧، وينظر الجوهرة النيرة ١٩٥/١. ٤٣٥ كتاب الحج ولا سعيَ عليه. فإن لم يكن قدَّم السعيَ : رَمَلَ في هذا الطواف، وسعى بعده على ما قدَّمناه، وقد حلَّ له النساءُ أيضاً. وهذا الطوافُ هو المفروضُ في الحج. ويكره تأخيره عن هذه الأيام. فإن أخَّرِه. (ولا سعيَ عليه)؛ لأن تكراره غيرُ مشروع. * (فإن لم يكن قدَّم السعي) بعد طواف القدوم: (رَمَلَ في هذا الطواف)؛ استناناً، (وسعى بعده) وجوباً، (على ما قدَّمناه، وقد حلّ له النساء أيضاً)، ولكن بالحلق السابق؛ إذ هو المحلّل، لا بالطواف، إلا أنه أَخَّرَ عملَه (١) في حق النساء. ((هداية)). * (وهذا الطواف هو المفروض في الحج)، وهو ركنٌ فیه، إذ هو المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِاَلْبَيْتِ الْعَنِيقِ﴾(٢). * (ويكره) تحريماً (تأخيره عن هذه الأيام) الثلاثة، (فإن أخَّره (١) أي أخْرَّ الطوافُ عملَ الحلق في حق النساء، فإذا طاف: عَمِل الحلقُ عملَه، إذ لو طاف قبل الحلق: لم يحلّ له شيء، وهذا كالطلاق الرجعي، فيتأخر عملُه - وهو الإبانة - إلى انقضاء العدة بعدم المراجعة. ينظر ابن عابدين ١٣٤/٧. (٢) الحج / ٢٩. ٤٣٦ كتاب الحج عنها : لزمه دمٌ عند أبي حنيفة. * ثم يعودُ إلى منىَّ، فیقیمُ بها . فإذا زالت الشمسُ من اليوم الثاني من أيام النحر : رمى الجِمَارَ الثلاثَ، يبتدئُ بالتي تلي المسجدَ، فَيَرْمِيها عنها (١) : لزمه دمٌ عند أبي حنيفة (٢)). قال في ((التصحيح)): وهو المعوَّل عليه عند النسفي، والمحبوبي. [رمي اليوم الثاني : ] * (ثم يعود إلى منىً) من يومه، (فيقيمُ بها)؛ لأجل الرمي، (فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من أيام النحر: رمى الجمَار الثلاثَ)، والسُّنَّة(٣) أنه (يبتدئ بالتي تلي المسجدَ) مسجدَ الخَيْف، (فيرميها (١) أي أيام النحر الثلاثة، هذا هو الصحيح عن الإمام أبي حنيفة، خلافاً لما ذكره القدوري في شرح مختصر الكرخي: من أن آخرَه آخرُ أيام التشريق، وتبعه الكرماني (في المسالك ٤٢٧/١)، وصاحب المنافع، والمستصفى. ابن عابدين ١٣٥/٧، نقلاً عن مناسك علي القاري ص ١٥٥. ((وليس لآخر وقت طواف الإفاضة زمان معين موقت به فرضاً، بل جميع الأيام والليالي وقته فرضاً بلا خلاف بين أئمة المذهب، لكنه موقت بأيام النحر وجوباً في قول أبي حنيفة)). اهـ من بدائع الصنائع ١٣٢/٢. (٢) وقالا: ليس عليه شيء، إذ ليس لآخره زمان معين موقت . ينظر الاختيار ١٥٤/١، المسالك ٤٢٧/١، بدائع الصنائع ١٣٢/٢. (٣) تقدم تخريج هذه السنة، وأنها فِعْلُ النبي صلى الله عليه وسلم قبل قليل عند أول الكلام على الرمي. ٤٣٧ كتاب الحج بسبعٍ حَصَیَاتٍ، یکبرُ مع كل حصاةٍ . ویقفُ عندها، ويدعو . ثم يرمي التي تليها مثل ذلك، ويقفُ عندها. ثم يرمي جمرة العقبة كذلك، ولا يقفُ عندها. فإذا كان من الغد : رمىُ الحِمَارَ الثلاثَ بعد زوال الشمس کذلك. بسبع حَصَيَات). والسُّنَّةُ أنه (يكبِّر مع كل حصاة، ويقف عندها، ويدعو)؛ لأن بعده رميٌّ. (ثم يرمي التي تليها مثل ذلك) الرمي الذي ذُكر في الأُولى: من كونه بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، (ويقف عندها)، ويدعو. (ثم يرمي جمرة العقبة كذلك، و) لكنه (لا يقف عندها)؛ لأنه ليس بعده رمي. [رمي اليوم الثالث : ] * (فإذا كان من الغد)، وهو الثالث من أيام النحر: (رمى الجِمَارَ الثلاثَ بعد زوال الشمس(١)) أيضاً (كذلك): أي مثل (١) وفي رواية عن أبي حنيفة: يجوز الرمي في هذا اليوم بعد الفجر لمن أراد أن يتعجل بالنفر، وقد قوَّى هذه الرواية صاحب البحر العميق ١٨٧٩/٤، وذكر أن المرغيناني جزم بجوازه، وينظر بدائع الصنائع ١٣٧/٢، ومناسك ملا علي القاري ص ١٦٠، وكذلك ما نقله صاحب إرشاد الساري على مناسك ملا علي القاري. ٤٣٨ كتاب الحج فإذا أراد أن يتعجَّلَ النَّفْرَ : نَفَر إلى مكة . وإن أراد أن يقيم : رمى الجمار الثلاثَ في اليوم الرابع بعد زوال الشمس . فإن قدَّم الرميَ في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر : جاز عند أبي حنيفة . ويكره أن يقدِّم الإنسانُ ثَقَلَه ٠ الرمي في اليوم الثاني. * (فإذا أراد أن يتعجّل النَّفْرَ) في اليوم الثالث: (نَفَر إلى مكة) قبل طلوع فجر الرابع، لا بعده؛ لدخول وقت الرمي. * (وإن أراد أن يقيم) إلى الرابع، وهو الأفضل: (رمي الجمار الثلاث في اليوم الرابع بعد زوال الشمس) أيضاً، (فإن قَدَّم الرميَ في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر: جاز عند أبي حنيفة). قال في ((الهداية)): وهذا استحسان، واختاره برهان الشريعة، والنسفي، وصدر الشريعة. (تصحيح)). (ويكره (١) أن يقدِّم الإنسانُ ثَقَلَه) - بفتحتين -: متاعَه وخَدَمه. (١) لما روى ابن أبي شيبة في المصنَّف ٦٨٩/٨ (١٥٦٢٧) عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((مَن قَدَّم ثَقَله قبل النَّفْر: فلا حجَّ له». اهـ، قال ابن عابدين ٤ /١٤٧: ((أي: كاملاً، والظاهر أنها كراهة تنزيهية. عن البحر الرائق)). اهـ ٤٣٩ كتاب الحج إلى مكة. ویقیمُ بها حتى يرمي. فإذا نَفَرَ إلى مكة : نزل بالمُحَصَّب. ثم طاف بالبيت سبعة أشواطٍ، لا يَرْمُلُ فيها، (إلى مكة. * ويقيمُ بها): أي بمنى (حتى يرميَ)؛ لأنه يوجب شُغْل قلبه(١). [النَّفْر إلى مكة بعد الرمي :] * (فإذا نَفَرَ إلى مكة: نزل) ندباً (بالمُحَصَّب) - بضمِّ، ففتحتين -: الأبطح(٢)، ويقال له: البطحاء، وخَيْفُ بني كِنَانة، قال في ((الفتح)): وهو فناء مكة، وحدُّه: مابين الجبلين المتصلين بالمقابر، إلى الجبال المقابلة لذلك، مُصْعداً في الشِّقِّ الأيسر وأنتَ ذاهبٌ إلى منىّ، مرتفعاً عن بطن الوادي. [طواف الوداع : ] * (ثم) إذا أراد السفر: (طاف بالبيت سبعة أشواط لا يَرْمُل فيها، (١) فإن أَمِن على متاعه بمكة، ولم ينشغل قلبه به: فلا يكره، كما في الدر المختار ١٤١/٧، ونقل ابن عابدين عن الطحطاوي: أن هذا الحكم بَحْثٌ لصاحب البحر، وتبعه أخوه في النهر، أخذاً من مفهوم التعليل بشغل القلب. (٢) وهو معروف الآن في مكة المكرمة، في آخر حي المعابدة، وأنت متجه إلى حي الشِّشَّة جهة منى. ٤٤٠ كتاب الحج وهذا طوافُ الصَّدَر، وهو واجبٌ إلا على أهل مكة، .. وهذا) يقال له: (طوافُ الصَّدَر)، وطواف الوداع، وطوافُ آخر العهد بالبيت؛ لأنه یودِّع البيت، ويَصدُر به. * (وهو واجبٌ إلا على أهل مكة)، ومَن في حُكْمهم ممن كان داخل الميقات؛ لأنهم لا يَصْدُرون ولا يودِّعون، ويصلي بعده ركعتي الطواف. * ويأتي زمزمَ، فيشربُ من مائها (١). * ثم يأتي الملتزم(٢)، فيضع صدرَه ووجهَه عليه، ويتشبَّث بالأستار، ويدعو بما أحبَّ. * ويرجع فَهْقَرَى(٣) حتى يخرج من المسجد، وبصرُه ملاحظٌ (١) ولكاتب هذه السطور - رزقه الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة والمسلمين أجمعين - كتاب سماه: ((فضل ماء زمزم))، وذِكْر تاريخه، وأسمائه، وخصائصه، وبركاته، ونية شربه، وأحكامه الفقهية، والاستشفاء به، وجملة من الأشعار في مدحه، وقد جاء في طبعته العاشرة في (٣١٢) صفحة، ولله الحمد والمنَّة. (٢) وهو ما بين الحجر الأسود إلى باب البيت. البناية ٤ /١٦٣. (٣) أي إلى خلف، فيمشي وراءَه ووجهُه إلى البيت، وفي ذلك إجلالُ البيت وتعظيمه، وهو واجب التعظيم، وفيه استمرار نظره إلى البيت إلى آخر لحظة، والنظر إلى البيت عبادة. ينظر تبيين الحقائق ٣٧/٢، ابن عابدين ١٥٢/٧، ومناسك علي =