Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ باب الاعتكاف ولا بأس بأن يبيع، ويبتاع في المسجد من غير أن يُحضِر السلعة. ولا يتكلَّمُ إلا بخيرٍ، ويكره له الصمت. فإن جامع المعتكفُ ليلاً أو نهاراً : بَطَل اعتكافه. [ما يباح للمعتكف فعله :] * ولا بأس بأن يبيع) المعتكفُ، (ويبتاعَ في المسجد) ما لا بدَّ منه، كالطعام ونحوه؛ لضرورة الاعتكاف؛ لأنه لو خرج إليها: فَسَدَ اعتكافه، لكن (من غير أن يُحضر السلعة)؛ لأن المسجد مُحْرَزٌ عن حقوق العباد، وفي إحضار السلعة شُغْلُ للمسجد، فيكره، كما يكره لغير المعتكف مطلقاً. * (ولا يتكلّم) المعتكفُ (إلا بخيرٍ)، وكذا غيرُه، إلا أن المعتكف به أحرى. * (ويكره له الصمت) إن اعتقده قُربةً؛ لأنه ليس قربةً في شريعتنا، أما حفظ اللسان عمَّا لا يعني الإنسان: فإنه من حُسْن الإيمان. [مبطلات الاعتكاف : ] ** (فإن جامع المعتكفُ ليلاً أو نهاراً)، عامداً أو ناسياً، أنزل أَوْ لا: (بَطَل اعتكافُه)؛ لأن حالة المعتكف مذكَّرَةٌ، فلا يُعذَر بالنسيان. * ولو جامع فيما دون الفرج، أو قبَّل أو لَمَسَ، فأنزل: بطل ٤٠٢ باب الاعتكاف ومَن أوجب على نفسه اعتكافَ أيامٍ: لزمه اعتكافُها بلياليها، وكانت متتابعةً وإن لم يَشترطِ التتابعَ فيها . اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع، حتى يفسدُ به الصوم. * ولو لم يُنزل: لا يفسد وإن كان محرَّماً؛ لأنه ليس في معنى الجماع، ولهذا لا يفسد به الصوم. ((هدایة)). ؛ (ومَن أوجب على نفسه اعتكافَ أيامٍ): يومين فأكثر: (لزمه اعتكافها بلياليها)؛ لأن ذِكْر الأيام على سبيل الجمع: يتناول ما بإزائها من الليالي. (وكانت متتابعةً وإن لم يشترط التتابع فيها)؛ لأن مبنى الاعتكاف على التتابع؛ لأن الأوقات كلَّها قابلةٌ له، بخلاف الصوم؛ لأن مبناه على التفرُّق؛ لأن الليالي غيرُ قابلة للصوم، فيجب على التفرُّق حتى ينصَّ على التتابع. * وإن نوى(١) الأيامَ خاصة: صحَّ؛ لأنه نوى الحقيقة. ((هداية)). (١) أي في الاعتكاف، كما في الجوهرة ١ / ١٨٢. ٤٠٣ كتاب الحج كتاب الحج الحَجُّ واجبٌ على الأحرار، المسلمين، البالغين، العقلاءِ، الأصحَّاءِ، إذا قَدِروا على الزاد . كتاب الحج * خَتَم به العبادات الخالصة، اقتداء بحديث: ((بني الإسلام على خَمْس))(١). ء * (الحِجُّ) - بفتح الحاء، وكسرها - : لغةً: القصد مطلقاً، كما في (الجوهرة))، وغيرها، تبعاً لإطلاق كثيرٍ من كتب اللغة. ونَقَل في ((الفتح)) عن ابن السِّكَّيت: تقييدَه بالمعظّم، وكذا قيَّده به السيد الشريف في ((تعريفاته)). وشرعاً: زيارةُ مكانٍ مخصوصٍ، في زمنٍ مخصوصٍ، بفعلٍ مخصوص. * وهو (واجبٌ): أي فرضٌ في العمر مرَّةً، (على الأحرار، المسلمين (٢)، البالغين، العقلاء، الأصحَّاء، إذا قَدَروا على الزاد) (١) صحيح البخاري ٤٩/١ (٨)، صحيح مسلم ٤٥/١ (١٦). (٢) كلمة: ((المسلمين)): مثبتة في القدوري (٧٤٥هــ، ١٣٠٩هـ)، وينظر الاختيار ١٤٠/١، ابن عابدين ٦ / ٤٦٢. ٤٠٤ کتاب الحج والراحلةِ، فاضلاً عن مسكنه، وما لا بدَّ منه، وعن نفقة عياله إلى حين عَوْدِهِ، وكان الطريقُ آمِناً . ذهاباً وإياباً، (والراحلة) من زاملة (١)، أو شِقِّ مَحْمِل(٢). * (فاضلاً): أي زائداً ذلك (عن مسكنه، وما لا بدَّ) له (منه)، كالثياب، وأثاث المنزل، والخادم، ونحو ذلك؛ لأنها مشغولةٌ بالحاجة الأصلية، (و) زائداً أيضاً (عن نفقة عياله) ممن تلزمه نفقته، (إلى حين عوده)؛ لتقدُّم حقِّ العبد؛ لحاجته. * (وكان الطريقُ آمناً) بغلبة السلامة؛ لأن الاستطاعة لا تثبت دونه. ثم قيل: هو شَرْطُ الوجوب، حتى لا يجبُ عليه الإيصاء، وهو مرويًّ عن أبي حنيفة. وقيل: شَرْط الأداء، دون الوجوب (٣). ((هداية)). (١) زَمل الشيء: حمله، ومنه: الزاملة: البعير يَحمل عليه المسافرُ متاعه وطعامه. المغرب ٣٦٨/١، والهاء في: زاملة: للمبالغة. المصباح المنير (زمل). (٢) بوزن: مَجْلِس: بفتح أوله وكسر اللام، أو بالعكس: الهَوْدج الكبير الحَجَّاجي، نسبة للحج. المغرب ٢٢٦/١. (٣) قال في الجوهرة ١٨٤/١: وهو الصحيح. نهاية. اهـ، وفي ابن عابدين ٤٧٩/٦: أنه الأصح، وعلى هذا: تجب الوصية به إذا مات قبل أمن الطريق، أما بعد أمن الطريق: فتجب اتفاقاً. ٤٠٥ كتاب الحج ويُعتبرُ في حقِّ المرأة أن يكون لها مَحْرٌ يَحُجُ بها، أو زوجٌ. ولا يجوز لها أن تحجَّ مع غيرهما إذا كان بينها وبين مكةَ مسيرةُ ثلاثة أيامٍ ولياليها، فصاعداً. * (ويُعتبر في حقّ(١) المرأة) - ولو عجوزاً - (أن يكون لها مَحْرِمٌ) بالغٌ(٢)، عاقل، غير فاسق، برَحِمٍ أو صِهْريَّة، (يحج بها، أو زوجٌ. * ولا يجوز لها): أي يكره تحريماً على المرأة (أن تحج مع غيرهما (٣)): أي المَحْرَم، والزوج (إذا كان بينها وبين مكة) مدة سفر، ويجوز(٤) حجُّها، وهي (مسيرة ثلاثة أيام ولياليها(٥)، فصاعداً). * وقد اختلفوا في أن المَحْرَمَ شَرْطُ الوجوب، أو شرطُ الأداء، على حسب اختلافهم في أمن الطريق(٦). (١) كلمة: ((حق)): مثبتة في نسخة القدوري التي مع خلاصة الدلائل ص ٦٩، ونسخة (١٣٠٩ هـ). (٢) والمراهق كبالغٍ. الدر المختار مع ابن عابدين ٤٨٣/٦. (٣) وفي نسخ أخرى من القدوري: ((بغيرهما)). (٤) أي يقع حجها صحيحاً لو كان بدون محرم أو زوج، لكن مع الكراهة التحريمية والإثم. ابن عابدين ٦ / ٤٨٧. (٥) وتعادل بالكيلو متر: (٨٨٫٧)، كما قدَّرها د/محمد الخاروف في تعليقاته على رسالة ابن الرفعة ص ٧٧. (٦) ينظر ابن عابدين ٦ /٤٨٦. ٤٠٦ كتاب الحج وإذا بلغ الصبيُّ بعد ما أحرم، أو أُعتق العبدُ، فمَضَيًا على ذلك : لم يُجْزِهما عن حَجَّة الإسلام. ؛ والمواقيتُ التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسانُ إلا مُحْرِماً خمسةٌ : * (وإذا بلغ الصبيُّ بعد ما أحرم، أو أُعتق العبد، فمَضَيًا على) إحرامهما (ذلك: لم يُجْزِهما عن حجة الإسلام)؛ لأن إحرامهما انعقد لأداء النفل، فلا ينقلب لأداء الفرض. * ولو جدَّد الصبيُّ الإحرامَ قبل الوقوف، ونوى حجةَ الإسلام: جاز، والعبدُ لو فَعَل ذلك: لم يجز؛ لأن إحرام الصبي غير لازم (١)؛ لعدم الأهلية، أما إحرام العبد: فلازمٌ، فلا يمكنه الخروج منه بالشروع في غيره. ((هداية)). [مواقيت الإحرام : ] * (والمواقيتُ): أي المواضع (٢) (التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسانُ) مريداً مكةَ (إلا مُحْرِماً) بأحد النُّسْكَيْن (خمسةٌ: (١) أي يجوز له أن يفسخه، ولا يلزمه إتمامه، وليس عليه جناية. (٢) هناك بحث قيمٌ لفضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، بالاشتراك مع د/معراج نواب مرزا، عنوانه: مواقيت الحج الزمانية والمكانية، دراسة فقهية، جغرافية، تاريخية، في مئة صفحة، نشر في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، الرياض، عدد/٢٩، شوال / ١٤١٦. ٤٠٧ كتاب الحج لأهل المدينة : ذو الحُلَيْفة. ولأهل العراق : ذاتُ عِرْق. ولأهل الشام : الجُحْفَةُ. ولأهل نَجْدٍ : قَرْنُ المنازل. : لأهل المدينة: ذو الحُلَيْفَةَ) - بضمٌّ، ففتحٍ -: موضعٌ على ستة أميال من المدينة، وعَشْرٍ مراحلَ من مكة، وتُعرف الآن بآبار علي(١). * (ولأهل العراق: ذاتُ عِرْقٍ) - بكَسْرٍ، فسكونٍ -: على مرحلتين من مكة (٢). * (ولأهل الشام: الجَحْفَةَ): على ثلاث مراحلَ من مكة(٣)، بقرب رابغ. * (ولأهل نَجْد: قَرْنُ المنازل) - بسكون الراء - ((مغرب))، على (١) بينها وبين المسجد النبوي (١٣) كم، ومنها إلى مكة (٤٢٠) كم. (٢) ويبعد عن مكة شرقاً (١٠٠) كم، ومكانه مهجور الآن، لعدم وجود الطرق إليه، كما ذكر هذا الشيخ عبد الله البسام رحمه الله في نيل المآرب ١/ ٤٧٢. (٣) كانت الجُحْفة قريةً عامرة من محطات الحجاج، ثم جحفتها السيول، فصار الإحرام من قرية (رابغ)، التي تبعد عنها غرباً (٢٢) كم، وتحاذي الجحفة، وهي تبعد عن مكة من المدينة (٢٠٨) كم، وأما (رابغ) فتبعد عن مكة من المدينة (١٨٦) كم، كما ذكر هذا الشيخ عبد الله البسام في نيل المآرب ١ / ٤٧٢. ٤٠٨ كتاب الحج ولأهل اليمن : يَلَمْلَمُ. مرحلتين من مكة(١). * (ولأهل اليمن: يَلَمْلَم): جبلٌ على مرحلتين(٢) أيضاً. * وكذا لمَن مرَّ بها من غير أهلها، كأهل الشام الآن، فإنهم يمرُّون بميقات أهل المدينة، فهي ميقاتهم، لكنهم يمرُّون بالميقات الآخر (٣)، فُيُخَيَّرون بالإحرام منهما؛ لأن الواجب على مَن مرَّ بميقاتين أن لا يتجاوز آخرَهما إلا مُحْرِماً، ومن الأول أفضل. * وإن لم يمرَّ بميقاتٍ: تحرَّى، وأحرم إذا حاذى (٤) أحدَها. (١) ويسمىُ: السيل الكبير، ومسافته من بطن الوادي إلى مكة (٧٨) كم، والطريق الأعلى لقرن المنازل هو: وادي مُحْرِم، وقد أنشئ فيه مسجد كبير للإحرام والصلاة فيه، وهو على طريق الطائف إلى مكة النازل من جبل (كَرًا)، يبعد عن مكة (٧٥) كم. نيل المآرب ٤٧٣/١. (٢) يَلَمْلَم: وادٍ عظيم يمرُّ به القادم من اليمن إلى مكة المكرمة، عن طريق الخط الموازي للبحر، يبعد عن مكة (١٢٠) كم، وقد أنشئ فيه مسجد كبير للإحرام والصلاة فيه. نيل المآرب ١/ ٤٧٣. (٣) وهو: (رابغ)، وللعلامة الشيخ عبد الغني النابلسي (ت ١١٤٣) رسالة خاصة في هذه المسألة سماها: ((النِّعَم السوابغ في إحرام المدني من رابغ))، وقد أكرمني الله تعالى بخدمتها وتحقيقها، وطبعت في (٨٠) صفحة. (٤) في نسخ اللباب كلها: ((إذا حاذاه أحدُها))، إلا نسخة: د، فكما أثبته، وتتمة الجملة تؤكد ما أثبته، والمواقيت هي الثابتة وهو المتحرك، وهذه الجملة منقولة من الدر المختار ٥٢٥/٦ (مع ابن عابدين ط دمشق)، وعلق عليها ابن عابدين قائلاً: (قوله: ((إذا حاذى أحدَها))، وفي بعض النسخ: ((إذا حاذاه أحدُها))). اهـ. ٤٠٩ كتاب الحج فإن قدَّم الإحرامَ على هذه المواقيت : جاز. ومَن كان منزلُه بعد المواقيت : فميقاتُه الحِلُّ. ومَن كان بمكة : فميقاتُه في الحج : الحرمُ، وفي العمرة : الحِل. 93 وإن لم يكن بحيث يحاذي أحدها: فعلى مرحلتين. * (فإن قدَّم الإحرامَ على هذه المواقيت: جاز)، وهو أفضل إن أَمِنَ مواقعة المحظورات. [ميقات مَن هم داخل المواقيت : ] * (ومَن كان منزلُه بعد المواقيت): أي داخلها، وخارجَ الحرم: (فميقاتُه) للحج والعمرة: (الحِلّ)، ويجوز لهم دخول مكةً لحاجة من ءِ غير إحرام. [ميقات أهل مكة : ] * (ومَن كان بمكة: فميقاتُه في الحج: الحرم(١)، وفي العمرة: الحلّ)؛ ليتحقق نَوْع سفرٍ (٢)؛ لأن أداء الحج في عرفة، وهي في 31 الحِلَ، فيكون الإحرام من الحرم، وأداء العمرة في الحرم، فيكون (١) أي حرم مكة، والمراد من داخل حدوده. (٢) هكذا: ((نوع سفر)): في نسخ الهداية، والنقل عنها، وهو الأنسب للمعنى، وفي نسخ اللباب: ((وقوع السفر)). ٤١٠ كتاب الحج وإذا أراد الإحرامَ : اغتسل، أو توضأ، والغُسلُ أفضل. ولَبِسَ ثوبَيْن جديدَيْن، أو غَسِيلَيْن: إزاراً، ورداءً. الإحرام من الحل، إلا أن التنعيم أفضل (١)؛ لورود الأثر(٢) به. «هداية)). [صفة الإحرام : ] * (وإذا أراد) الرجل (الإحرامَ) بحجٍّ أو عمرة: (اغتسل أو توضأ، وُ ءِ والغُسلُ أفضل)؛ لأنه أتمّ نظافةً، وهو للنظافة، لا للطهارة (٣)، ولذا تؤمر به الحائض، والنفساء. (وَبَسَ ثوبين جديدَيْن، أو غَسيلَيْن)، طاهرَيْن أبيضين ككفن الميت: (إزاراً) من السُّرَّة إلى تحت الركبتين، (ورداءَ) على ظهره؛ (١) أي أفضل من بقية أماكن حدود الحرم، والتنعيم: موضعٌ قريب من مكة، على حدود حرمها وأنت قادم من المدينة المنورة، بينه وبين المسجد الحرام (الكعبة المشرفة): حوالي (١٣) كم، وعنده مسجد كبير للإحرام يسمى: مسجد السيدة عائشة رضي الله عنها؛ لإحرامها منه. (٢) ففي حجة الوداع، كانت السيدة عائشة رضي الله عنها قد قَدِمت مكة وهي حائض، فحجَّت دون أن تعتمر، ولما انتهى الحج أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم مع أخيها عبد الرحمن رضي الله عنهما إلى التنعيم، فأحرمت منه للعمرة، وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذه مكان عمرتك)). صحيح البخاري ٤١٥/٣ (١٥٥٦) (١٧٨٤)، صحيح مسلم ٢ / ٨٨٠ (١٢١٢). (٣) فلا يشترط الوضوء والطهارة لصحة الإحرام. ٤١١ كتاب الحج ومَسَّ طِيْباً إنْ كان له طِيْبٌ. وصلَّى ركعتين، وقال عَقِيبَ الصلاة : اللهم إني أريد الحجَّ، فيسِّرِه لي، وتقبَّلْه مني. ثم يلِّ عَقِیبَ صلاته، لأنه ممنوعٌ من لُّبْس المَخِيط(١)، ولا بدَّ من ستر العورة، ودَفْعِ الحَرِّ والبرد، وذلك فيما عيَّناه، والجديدُ أفضل؛ لأنه أقرب إلى الطهارة. ((هداية)). * (ومَسَّ طِيْباً) استحباباً (إنْ كان): أي وُجد (له طِيْبٌ)، وقَصَّ أظفاره، وشاربه، وأزال عانته، وحَلَق رأسَه إن اعتاده، وإلا سرَّحه. * (وصلَّى ركعتين) في غير وقتٍ مكروه، (وقال عقيب الصلاة: اللهم إني أريد الحجَّ، فيسِّره لي، وتقبّله مني)؛ لأن أداءه في أزمنةٍ متفرقة، وأماكن متباينة، فلا يَعْرَى عن المشقة، فيسأل الله تعالى التيسير، بخلاف الصلاة؛ لأن مدتها يسيرة، وأداؤها عادةً ميسَّر. * (ثم يلبِّ عَقِيبَ صلاته)؛ لما روي ((أن النبي صلى الله عليه (١) المخيط هو: ما يُلبس من الثياب على الوجه المعتاد، وهيئته المعتادة، كما سيأتي قريباً. وممنوع أيضاً من لُبْس المُحيط - بالحاء المهملة - أي الملبوس المعمول على قدر البدن، أو قدر عضو منه، بحيث يحيط به بخياطة أو نسج أو لصق. ينظر مناسك ملا علي القاري ص ٢٠١. ٤١٢ كتاب الحج فإن كان مُفرِداً بالحج : نوی بتلبیته الحجّ. والتلبيةُ أن يقول: لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبِّيْك، لَبِّيْكَ لا شريكَ لكَ لَبَّيْك، إن الحمد والنِّعمةَ لكَ والملكَ، لا شريكَ لك. ولا ينبغي أن يُخِلّ بشيءٍ من هذه الكلمات. فإذا زاد فيها : جاز. وسلم لبَّى في دُبُر صلاته))(١)، وإن لَبَّى بعد ما استوت به راحلتُه: جاز، ولكن الأول أفضل. ((هدایة)). * (فإن كان مُفْرِداً) الإحرامَ (بالحج: نوى بتلبيته الحجّ)؛ لأنه عبادة، والأعمال بالنيات. * (والتلبية أن يقول: لَبَّيْك اللهم لَبَّيْك، لَبَّيْك لا شريك لك لَبَّيْك، إن الحمد) - بكسر الهمزة، وتُفتح - (والنِّعمةَ لك والملك، لا شريك لك)، وهي المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢). * (ولا ينبغي أن يُخِلّ بشيءٍ من هذه الكلمات)؛ لأنه هو المنقول باتفاق الرواة، فلا يُنقِصُ عنه. * (فإذا زاد فيها): أي عليها بعد الإتيان بها: (جاز) بلا كراهة(٣)، (١) سنن الترمذي ١٨٢/٣ (٨١٩)، وقال: حسن غريب، وينظر نصب الراية ٢١/٣. (٢) صحيح البخاري ٤٠٨/٣ (١٥٤٩)، صحيح مسلم ٨٤١/٢ (١١٨٤). (٣) ففي صحيح مسلم ٨٤١/٢: ((وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يزيد = ٤١٣ كتاب الحج وإذا لَبَّى: فقد أحرم، فليتَّقِ ما نهى اللهُ تعالى عنه، من الرَّفَث، والفسوقِ، والجِدالِ . ولا يَقتلُ صيداً، ولا يُشير إليه، ولا يَدلّ عليه. ولا يلبسُ قميصاً، ولا سراويلَ، أما في خلالها: فيكره(١)، كما في ((الدر))، وغيره. [محظورات الإحرام : ] * (وإذا لَّى) ناوياً: (فقد أحرم)، ولا يصير شارعاً في الإحرام بمجرد النية، ما لم يأت بالتلبية(٢)، (فليتَّق ما نهى الله تعالى عنه من الرَّفَث)، وهو الجماع، أو الكلامُ الفاحش، أو ذِكْر الجماع بحضرة النساء، (والفسوقِ): أي المعاصي، وهي في حال الإحرام أشدُّ حُرْمةً، (والجدالِ): أي الخِصام مع الرُّفقة والخَدَم والمُكَارِين. ((بحر)). * (ولا يَقتلُ صيداً) برِّيَّاً، (ولا يُشير إليه) حاضراً، (ولا يدلُّ عليه) غائباً. * (ولا يَلْبَسُ قميصاً، ولا سراويلَ): يعني اللبس المعتاد، أما فيها: لبيك، لبيك وسَعْدَيْك، والخير بيديك، لبيك والرَّغباء إليك والعمل)). اهـ، وغير هذه الزيادة من الصيغ المذكورة في كتب المناسك، وينظر نصب الراية ٢٥/٣. (١) فالزيادة الجائزة إنما تكون بعد الإتيان بها، لا في أثنائها: فتكره تحريماً. ينظر ابن عابدين ٢٠/٧. (٢) ولا يصير محرماً بالتلبية فقط. ٤١٤ کتاب الحج ولا عمامةً، ولا قَلَنْسُوَةً، ولا قَبَاءً، ولا خُفِّين، إلا أن لا يجد الثَّعلين، فَيَقْطَعُهما أسفلَ من الكعبين. إذا اتّزر بالقميص، أو ارتدى بالسراويل: فلا شيء عليه. ((جوهرة)). * (ولا) يلبس (عِمامةَ، ولا قَلَنْسُوة) - بفتح القاف -: ما تُدار ے عليه العمامة، (ولا قَبَاءَ) - بالفتح والمد -: كِساءَ منفرجٌ من أمام، يُلَس فوق الثياب، والمرادُ اللبس المعتاد، كما تقدَّم. حتى لو أنَّزر، أو ارتدى بعمامته، وألقى القَباء على كتفيه من غير إدخال يديه في كُمَّيْه، ولا زَرِّه: جاز، ولا شيء عليه، غير أنهم قالوا: إن إلقاء القَبَاء والعَبَاء ونحوهما على الكتفين: مكروهٌ. قال شيخنا(١): ولعلَّ وجهه: أنه كثيراً ما يُلبس كذلك. تأمَّل. اهـ * (ولا) يَلبس (خُفّين إلا أن لا يجد النَّعلين(٢)، فيقطعهما): أي الخفين (أسفلَ من الكعبَيْن)، والكعبُ هنا: المفْصَل الذي في وسط القدم، عند مَعْقد الشِّراك. ((هداية)). (١) أي ابن عابدين رحمه الله تعالى. (٢) ((النَّعْل: هو المِداس - بكسر الميم - وهو ما يلبسه أهلُ الحرمين مما له شراك)). اهـ ابن عابدين ٤٠/٧. ٤١٥ كتاب الحج ولا يُغطّي رأسَه، ولا وجهَه. ولا يَمَسُّ طِيْباً. ولا يَحِلِقُ رأسَه، ولا شعرَ بدنه، ولا يَقصُّ من لحيته، ولا مِن ظفره . ولا يَلبسُ ثوباً مصبوغاً بوَرْسٍ، ولا بزَعْفرانٍ، ولا بعُصْفَرٍ، * (ولا يُغَطَّي رأسَه، ولا وجهَه) يعني التغطية المعهودة(١)، أما لو حَمَلَ على رأسه عِدْلَ بُرٍّ، وشِبْهَه: فلا شيء عليه؛ لأن ذلك لا يحصل به المقصود من الارتفاق. ((جوهرة)). * (ولا يَمَسُّ طِيْباً) بحيث يَلَزَقُ شيء منه بثوبه أو بدنه، كاستعمال ماء الورد والمِسْك وغيرهما. * (ولا يحلق رأسَه، ولا شعرَ بدنه)، ويستوي في ذلك إزالته بالموسىُ وغيره، (ولا يقصُّ) شيئاً (من لحيته)؛ لأنه في معنى الحلق، (ولا مِن ظفره)؛ لما فيه من إزالة الشَّعَث. * (ولا يَلبس ثوباً مصبوغاً بوَرْسٍ): بوزن: فَلْس: نَبْتٌ أصفر، يُزرع في اليمن، ويُصَبَغ به. ((مصباح))، (ولا بزَعْفرانٍ، ولا بعُصْفُرٍ)؛ (١) قال ابن عابدين ٢٢٩/٧: ((ولا بأس بتغطية أذنيه، وقفاه، وكذا بقية البدن إلا الكفين والقدمين، للمنع من لبس القفازين، والجوربين، فلا يستر القدمين مما فوق معقد الشراك)). ابن عابدين ٣٤/٧، وينظر مناسك ملا علي القاري ص ٨١. ٤١٦ كتاب الحج إلا أن يكون غَسِيلاً لا يَنْفُض. ولا بأس أن يغتسلَ، ويدخلَ الحَمَّامَ، ويستظلّ بالبيت، والمَحْمِل . ويَشُدَّ فِي وَسْطُه الهِمْيان. ولا يَغْسلُ رأسَه، ولا لحيتَه بالخِطْمِيِّ. ويُكثِرُ من التلبية عَقِيبَ. لأن لها رائحةً طيبةً، (إلا أن يكون) ما صُبغ بها (غَسيلاً لا يَنْفُض): أي لا تفوح رائحته، وهو الأصح. ((جوهرة))؛ لأن المنع للطيب، لا للَّون. ((هداية)). [ما لا يُمنع منه المحرِم] و * (ولا بأس أن يغتسل) المُحْرِمُ، (ويدخلَ الحَمَّام)؛ لأنه طهارة، فلا يُمنَع منها، (ويستظلّ بالبيت)، والفُسطاط، (والمَحْمل): بوزن: مجلس: واحدُ محامل الحاج. ((صحاح))، (وَيَشُدَّ فِي وَسْطه الهمْيان) - بالكسر -، وهو ما تُجعل فيه الدراهم، ويُشَدُّ على الوسط، ومثله المنْطَقة. * (ولا يَغْسلُ رأسَه ولا لحيته بالخِطْمِيِّ) - بكسر الخاء -؛ لأنه نوعُ طِيْب، ولأنه يقتل هوامَّ الرأس. ((هداية)). : (ويُكثِرُ من التلبية) ندباً، رافعاً بها صوتَه من غير مبالغة (عَقِيبٌ ٤١٧ كتاب الحج الصلوات، وكلَّما علا شَرَفاً، أو هَبَط وادياً، أو لقيَ رُكباناً، وبالأسحار. * فإذا دخل مكةَ ابتَدَأ بالمسجد الحرام. فإذا عاين البيتَ : كَبَّر وهلَّل. الصلوات)، ولو نفلاً، (وكلَّما علا شَرَفاً): أي مكاناً مرتفعاً، (أو هَبَط وادياً، أو لقي ركباناً): أي جماعة ولو مشاةً، (وبالأسحار)؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يُلُبُّون في هذه الأحوال(١). والتلبية في الإحرام على مثال التكبير في الصلاة، فيُؤتى بها عند الانتقال من حال إلى حال. ((هداية)). [دخول مكة، والطواف بالبيت :] * (فإذا دخل مكةَ: ابتَدَأ بالمسجد الحرام) بعد ما يأمن على أمتعته، داخلاً من باب السلام، خاشعاً متواضعاً، ملاحظاً عظمة البیت وشرفه. : (فإذا عاين البيتَ: كبّر) الله تعالى، الأكبرَ من كل كبيرٍ، ثلاثاً، (وهلَّل) كذلك ثلاثاً، ومعناه: التبرِّي من عبادة غيره تعالى، ويلزمه (١) عزاه الزيلعي في نصب الراية ٣٣/٣ لابن أبي شيبة في المصنف ٦٠٩/٨ - ٦١١ (ط دار القبلة)، وينظر الدراية ١٢/٢، وتصحيحه لسنده. ٤١٨ كتاب الحج ثم ابتدأ بالحجر الأسود، فاستقبَلَه، وكَبَّر وهلَّل، ورَفَعَ يديه مع التكبير، واستَلَمه، وقبّله إن استطاع من غير أن يؤذيَ مسلماً. ثم أخذ عن يمينه مما يلي البابَ، وقد اضطبع رداءه قبل ذلك، فيطوفُ بالبيت سبعة أشواط . التبرِّي من عبادة البيت المشاهَد. * ودعا بما أحبَّ، فإنه من أرجى مواضع الإجابة. * ثم أخذ بالطواف؛ لأنه تحية البيت، ما لم يَخَف فوتَ المكتوبة أو الجماعة. * (ثم ابتدأ بالحجر الأسود، فاستقبلَه، وكَبَّرَ وهلَّلَ، ورفعَ يديه مع التكبير) كرَفْعهما للصلاة، (واستلمه) بباطن كفيه، (وقبّله) بينهما (إن استطاع، من غير أن يؤذيَ مسلماً)؛ لأنه سُنَّةٌ، وتَرْكُ الإيذاء واجب، فإن لم يقدر: يضعهما، ثم يقبِّلهما أو إحداهما، وإلا يمكنه: يُمِسُّه شيئاً في يده، ثم يقبِّله، وإلا: أشار إليه بباطن كفيه، كأنه وضعهما عليه، وقبّلهما. * (ثم أخذ) يطوف (عن يمينه): أي جهة يمين الطائف، وهي (مما يلي) الملتَزَمَ، و(البابَ، وقد اضطبع (١) رداءه)، بأن يجعله تحت إبطه الأيمن، ويُلقيَه على كتفه الأيسر، (قبل ذلك): أي قبل الشروع، وهو سُنَّةٌ، (فيطوف بالبيت سبعة أشواط)، كلّ واحد من (١) سبعة أشواط. ينظر ابن عابدين ٥٨/٧. ٤١٩ كتاب الحج ويجعلُ طوافَه من وراء الحَطيم. ويَرْمُلُ في الأشواط الثلاثة الأُوَل، الحَجَر إلى الحَجَر. * (ويجعلُ طوافَه من وراء الحَطيم) وجوباً، ويقال له: (الحجْر) أيضاً؛ لأنه حُطِم من البيت، وحُجِرَ عنه: أي مُنِع؛ لأن ستة أذرعٍ(١) منه من البيت، فلو طاف من الفُرْجة التي بينه وبين البيت: لا يجوز؛ احتياطاً، ويأتي(٢). (ويَرْمُلُ)، بأن يُسرع مَشْيَه، مع تقارب الخُطا، وهَزِّ الكتفَيْن (في الأشواط الثلاثة الأَوَل)، من الحَجَر إلى الحَجَر. فإذا زَحَمه الناس: قام(٣)، فإذا وجد مسلكاً: رَمَل؛ لأنه لا بَدَلَ (١) أو نحوها، وفي رواية: سبعة أذرع، ينظر صحيح البخاري ٤٣٩/٣ (١٥٨٦)، صحيح مسلم ٩٧١/٢ (٤٠٣)، وهذه المسافة التي هي من الكعبة أصلاً، ثم ضُمَّت إلى الحِجْر، وتعادل: (٣،٢٣) متراً، وأما طول المسافة في الحِجْر من جدار الكعبة تحت الميزاب إلى منتصف دائرة الحِجْر فيبلغ: (٨,٤٤) متراً، وعليه فبقية الحِجْر التي ليست من الكعبة يكون مقدارها (٥,٢١) متراً، كما حققتُ ذلك في كتابي المسمَّى: ((حِجْر الكعبة المشرفة)). (٢) في أحكام الطواف. (٣) يعني وقف إلى أن يجد فرصة للرمل، وإنما قال: ((قام))، ولم يقل: ((وقف)): يشير إلى أنه لا يقعد. اهـ البناية ٤ / ٧٧. ونقل ابن عابدين ٦٧/٧ عن فتح باب العناية ٤٦٩/١ قال: وفي شرح الطحاوي : = ٤٢٠ كتاب الحج ويمشي فيما بقي علی هینته. ويستلمُ الحَجَرَ كلَّما مرَّ به إن استطاعِ، ويختمُ الطوافَ بالاستلام. له، فيقف حتى يقيمَه على وجه السَّنَّة. ((هداية)). (ويمشي فيما بقي) من الأشواط (على هِينته) بسكِينةٍ ووَفَار. * (ويستلمُ الحَجَر كلَّما مرَّ به)؛ لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة، فكما يفتتح كلّ ركعة بالتكبير: يفتتح كل شوطٍ باستلام 13 الحَجَرَ. ((جوهرة))، (إن استطاع)، كما مرَّ. * ويستلمُ الركنَ اليماني أيضاً (١)، (ويختمُ الطوافَ بالاستلام)، يمشي حتى يَجِدَ الرمل. اهـ قال علي القاري: وهو الأظهر، لأنه مخالف للسنة، لأن الموالاة بين الأشواط وأجزاء الطواف سنةٌ متفق عليها، بل قيل: واجبة، فلا يتركها لسنة مختلف فيها. اهـ. وعلَّق على هذا ابن عابدين بقوله: قلت: ينبغي التفصيل جمعاً بين القولين، بأنه إن كانت الزحمة قبل الشروع: وقف، لأن المبادرة إلى الطواف مستحبة، فيتركها لسنة الرمل المؤكَّدة، وإن حصلت الزحمة في أثناء الطواف: فلا يقف، لئلا تفوت الموالاة. اهـ، كما يسبب الوقوف في الطواف عرقلة في سير الطائفين لا تخفى. (١) فائدة : في استحباب تقبيل الركن اليماني : ومِن استلام الركن اليماني: تقبيلُه، فقد روى ابن خزيمة في صحيحه ٢١٧/٤ وغيره «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّل الركن اليماني، ووضع خدَّه عليه)»، ولا ينزل الحديث عن رتبة الحسن، وقد قال بسنية تقبيله محمد بن الحسن، ونَصَر =