Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني 18 ـيبِـ وسلم صلىالله قصيدة في مدح الذات المحمدية ذات الصفات الأحمدية كأنَّ صروف الدهر ألقَتْه بالنَّوى فقلتُ له: يا طيرُ قَطَّعتَ مُهْجتي وذكَّرْتَني يوماً رمى القلبَ في العَنَا فهاكَ حديثاً عن حقيقِ محبتي فقد رَمَقَتْ عيني لوامعَ ظَبْيَةٍ وحاجبُها قد فاق حُسْناً وثغرُها ولما بَدَتْ للصبِّ ماسَتْ وقد رَنّت وفي البُعد عنها واسعُ الأرض ضيِّقٌ وكلُّ مُحِبِّ ما اهتدى بجَمَالها إليها جميع الحُسْنِ يُعزَى أصالةً إلى أن قال (١): وتغريدُه المسموعُ للقلب صادعُ ھَمَیُ مُقْلتي طیرٌ على البان ساجعُ فناح على إِلفٍ له وهو خاضِعُ وهَّمتَ مُضْنَىَ وهو بالحُبِّ والعُ ومَنْ لي وقلبي في جَوَى الحُبِّ واقعٌ تُسَلْسِله عني دموعٌ هوامِعُ لها بَرْقُ وجهٍ في دُجىُ الشِّعْر لامعُ فريدُ نظامٍ للفرائد جامعُ فما البدرُ ما الأغصان ما الرِّيم راتعُ وفي القُرْبِ منها ضيِّقَ الأرض واسعُ فذاك كَذُوبٌ في الضلالة واقعُ وحُسْنُ سواها في البرية تابعُ (١) هكذا في حلية البشر ٨٧١/٢. ١٢٢ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني وإن خَطَرتْ فالغُصنُ في الروض راكِعُ إذا أقبلتْ فالشمسُ تسجد هيبةً إليها بمَن لي في القيامة شافعُ ءِ ولي مَخلَصٌ مِن صَدِّها بتشفّعي ولولاه لم يوجد مدى الدهر طالعُ فلولاه لم نعرفْ لدِينٍ ولا تُقىِّ رسولَ إلهِ عبدُه فيه طامِعُ ولا عيبَ إن قيل الغنيميُّ مادحٌ سواه إذا اشتدَّت عليه الموانِعُ فذاكَ عُبَيدٌ للغنيِّ ومَن له هذا ما وقفتُ عليه من شعرٍ للشيخ عبد الغني الميداني، وتقدم قول صاحب حلية البشر في ترجمته: ((إن له قصائد كثيرة)). نَثْرُه : * كما كان للميداني نَثْرٌ رفيعٌ بديعٌ في مخاطبته لمشايخه وغيرهم، ومِن نَثْره: ((ما كتبه لوالدي(١) حين كان في الحجاز سنة ألف ومائتين واثنتين وأربعين(٢): غِبَّ إهداء سلامٍ تنطبقُ كُلِيَّاتُه وجزئياتُه على قضايا الأشواق، وتثبت مقدِّماته من الأشكال ما يَعجز عن وَصْفِه خاصة الرَّسْم والحَدِّ من الاشتياق، نخصُّ بذلك جنابَ سيدنا ذي القضية الموجّهة إلى كل مَجْد، الحملية على مقدمات العِزِّ، المعدولة عن العكس والطرد، (١) القائل هو صاحب حلية البشر ٨٧٠/٢. (٢) أي وعُمر الشيخ الميداني النائِر عشرون سنة. ١٢٣ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني حضرة مولانا الشيخ حسن البيطار، لا بَرَحَ لواءَ فضله منشوراً في الآفاق والأمصار، ولا زال قَدْرُه بالرِّفعة مشفوعاً، ومَقامه الأسمىُ على عاتق الجَوْزاء محمولاً وموضوعاً (١)، وعَدُوُّه عَقِيماً عن بلوغ الآمال، ذميماً على ممرِّ الأيام والليالي ... إلى آخره)). اهـ قلت: وتقدَّم في الكلام عن أخلاق الميداني وآدابه، وخشيته من ربه (٢)، ما نقلتُه من نثره العالي الرفيع في آخر شرحه للعقيدة الطحاوية، في مناجاته لله تعالى، ورجائه منه المغفرة، وحسن الختام، والفوز بالجنات. (١) «الموضوع والمحمول، وكل ما سبقه: اصطلاحات منطقية، وإجراؤها في هذا المقام يدل على سعة علمٍ وأدب)). اهـ من حاشية على حلية البشر ٨٧٠/٢. (٢) ص ٨٨. ١٢٤ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني المبحث التاسع إجازات الشيخ عبد الغني الميداني لغيره تقدَّم بيان الاشتغال الكبير للشيخ عبد الغني بصحيح البخاري، وقراءته له عدة مرات على مشايخه، واشتغاله بكتب الحديث الستة وغيرها، كما تقدم ذكر جَمْعه ثَبَتاً لشيخه الكزبري، وذكر أسانيده ومشايخه، وعليه يغلب على الظن أن تكون للشيخ الميداني إجازات كثيرةً لطلابه ومستجيزيه، ولكن لم أقف إلا على ذِكْر إجازة واحدة، ذكرها صاحب حلية البشر (١)، حيث قال: 93 ( ... وقرأ الميدانيّ على والدي الشيخ حسن البيطار، وكان يُكثر المديحَ في حقُّه لدى كل رفيع ووَضِيع، ولمَّا طلب منه الإجازة حضرةُ المحترم السيد سلمان أفندي القادري نقيبُ بغداد، كَتَبَ له بها أسماءَ وُ مشايخه المرموقين، ولما ذَكَرَ والدي قال: وكان جُلّ انتفاعي به)). اهـ * أما إجازات مشايخه له، فقد تقدَّم ذكر إجازة شيخه ابن عابدين له بنصِّها، كما تقدَّم نَقْلي للثناءات الكثيرة العالية عليه من مشايخه، وفي الحقيقة هي ثناءاتٌ تتضمن أعلى الإجازات له منهم. (١) ٨٦٨/٢. ١٢٥ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني السلام على عيسى بن مريم عليهما وقد نجز تكميل هذا الكتاب بحمد الله تعالى وصفه توفيقه على يد/ فقر العباد واخر بهم إلى شفاعة سيد للعباد عبد الغنى الفني الميدانى بلغه مولاه الأمالى منتصف شعبان المعظم سن خمس وستينا وما منه وحق عن جرع السيد الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم وشرف وكوم صورة عن خط الشيخ عبد الغني الميداني الأعلام للزركلي ٤ /٣٤ مخطوط عن المكتبة العربية بدمشق ١٢٦ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني المبحث العاشر مكتبة الشيخ الميداني من المعلوم أن وجود مكتبة كبيرة نفيسة متخصّصة لدى العالم المتيقّظ النابه المنِّه، مما يزيد في تقدُّمه العلمي، ونشاطه وبروزه، وتحقيقه وتدقيقه، ويكون لذلك الأثر الكبير في تمیُّزه على غيره، كما يُكسِب مؤلفاته مزايا علمية خاصة لا تجدها عند غيره، وفوائد أخرى كثيرة غير هذا. وإن مما أكرم الله تعالى به العلامة الشيخ عبد الغني الميداني أن رزقه الله تعالى مكتبة جامعة قيِّمة نفيسة، غنيةً نادرة متميِّزة، حَوَتْ كتباً كثيرة، وفي فنون متنوعة، وبخاصة في المذهب الحنفي. هذه المكتبة عَمِلَ علىُ جَمْعُها سنينَ طويلة شيخُه العلامة ابن عابدين صاحب الحاشية المشهورة، ثم آل معظَمُها إلى تلميذه الشيخ عبد الغني الميداني، وذلك حين أراد ورثةً ابنٍ عابدين بيعَها، فكان من وفاء الميداني لشيخه، وبرِّه بأستاذه، أنه لم يرض بتفريط الورثة بتلك المكتبة العظيمة، وضياعها شَذَرَ مَذَرَ بأيدي التجار المشترین، فاشترى غالبَها، والقسمُ الآخر اشتراه تلميذُ ابن عابدين الآخر الشيخ محمد البيطار نجل الشيخ حسن البيطار. ١٢٧ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني وقد ذكر خبر ما تقدم من بيع وشراء مكتبة ابن عابدين: الدكتور الشيخ محمد عبد اللطيف صالح الفرفور (١)، حيث قال: (حدثني شيخنا الدكتور أبو اليسر عابدين - ابن العلامة مفتي الشام الشيخ محمد أبو الخير عابدين بن أحمد بن عبد الغني بن عمر - وكانت ولادة أبي اليسر سنة ١٣٠٧ هـ، ووفاته سنة ١٤٠١ هـ، قال الشيخ أبو اليسر: ((لما توفي ابن عابدين صاحبُ الحاشية، وكان ابنه السيد علاء الدين صغيراً دون البلوغ، في الثامنة من عمره، فجاء تلاميذ ابن عابدين فابتاعوا مكتبتَه كلَّها، بما فيها مصنَّفاته، وأكثرها عند الشيخ عبد الغني الميداني في حيِّ الميدان، ووصل منها شيء للشيخ محمد البيطار (٢)، وقرأ - علاء الدين - على الميداني المذكور)). اهـ وقد جَمَعَ أكثرَها فيما بعد - ولا سيما المخطوطات - المرحوم الشيخ أبو الخير عابدين، والدكتور الشيخ أبو اليسر رحمه الله، حتى كادت تتكامل، وعنده زيادات لم تُطبع، وما بقي عند الشيخ عبد الغني ذهب حريقاً حينما قصف الإفرنسيون الميدانَ بالمدفعية). (١) ((ابن عابدين وأثره في الفقه الإسلامي)) ٣١٧/١، ١٠١٦/٢، ١١٠١. (٢) محمد ابن الشيخ حسن بن إبراهيم البيطار، ممن لازم ابن عابدين صاحب الحاشية ملازمة تامة، واستنسخ جميع مؤلفاته في حياته، وكان أمين الفتوى في دمشق، المولود سنة ١٢٣١ هـ، والمتوفى سنة ١٣١٢هـ، رحمه الله تعالى، وتقدم أنه من تلاميذ الميداني، له ترجمة في تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر ١١٩/١. ١٢٨ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني اهـ من کلام الدکتور الفرفور. * كما جاء هذا الخبر من طريق أخرى عن الشيخ الدكتور أبي اليسر عابدين، وهو ما ذكره محقق ((شرح العقيدة الطحاوية))(١) للميداني: الدكتور محمد مطيع الحافظ، فقد قال: ((ذكر لنا شيخنا العلامة أبو اليسر عابدين حفظه الله تعالى، أن كتب ومؤلفات العلامة ابن عابدين، قد جمع أكثرَها العلامة الشيخ عبد الغني الميداني بعد وفاة شيخه ابن عابدين، وانتقلت من بعده إلى ابنه الشيخ إسماعيل، ومما يؤسف له، أن كثيراً منها قد فُقد بسبب حريقٍ أصابها من قِبَل الإفرنسيين زمن الانتداب)). اهـ * وصف مكتبة العلامة ابن عابدين التي آلت للشيخ الميداني: قال الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور (٢): (وكانت عند ابن عابدين كتبٌ من سائر العلوم، لم يُجمَع على منوالها، وكان كثيرٌ منها بخطّ يده، وكان السببُ في جمعه هذه الكتب عديمة النظير والدَه، فإنه كان يشتري له كلَّ كتابٍ أراده، ويقول له: اشترِ ما بدا لكَ من الكتب، وأنا أدفع لكَ الثمن، فإنك أحييتَ ما أمتُّه أنا من سيرة سلفي، فجزاك الله خيراً يا ولدي. (١) ص ٢٠. (٢) ((ابن عابدين وأثره في الفقه)) ٢٧٨/١، وينظر ترجمة ابن عابدين بقلم ولده علاء الدين في مقدمة تكملته للحاشية ص ٨. ١٢٩ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني وأعطاه أبوه كُتُبَ أسلافه الموجودة عنده من أثرهم، الموقوفة على ذراريهم، وكان والده تاجراً عابداً صالحاً)). اهـ وقال العلامة الفقيه الشيخ مصطفى الزرقا في تقريظه لكتاب: ((ابن عابدين وأثره في الفقه الإسلامي)» (١): ( ... إن ما توافر لابن عابدين من وسائل الإحاطة بكُتُب المذهب، إلى جانب ذكائه وذاكرته، وخبرته العميقة في المراجعة عن المسائل، لم يتوافر مثلُه فيما يبدو لأحدٍ قبله، فقد كان والده غنياً موسراً، فكان يأتيه بالكتب المرجعية، وكلها مخطوطة بخطوط مختلفة، من مختلف البلاد الإسلامية، مهما كان ثمن الكتاب، على صعوبة هذه المواصلات، والبحث في ذلك العهد، فما توافر لديه من كتب المذهب بخاصة، لا يتوافر مثلُها في المكتبات العامة والخاصة، .... )). اهـ هكذا كان عظيمُ حال مكتبة العلامة ابن عابدين التي آل غالبها للشيخ الميداني، فحفظها، واستفاد منها ما يقرب من ستٍّ وأربعين سنة إلى سنة وفاته رحمه الله تعالى. وكانت سنُّه يوم شرائه لها في الثلاثين، وقد بلغ كمال النضج العلمي، مع ما آتاه الله من جدٍّ ونشاط علمي، وذكاءٍ وصلاح، حتى فاق أقرانه ومعاصریه. (١) ١/ ١٤ - ١٥. ١٣٠ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني وأما الآن فلا يُعلم عمَّا بقيَ من مكتبته شيء، وأقول هذا بعد متابعتي لأخبارها، واتصالي ببعض أحفاد الميداني، وسؤالي الكثير عنها. ١٣١ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني المبحث الحادي عشر نشاطه العلمي يظهر من خلال الوقوف على حياة الشيخ عبد الغني الميداني، وثناءات مشايخه وأساتذته عليه، أنه كان منذ صغره، وبداية طلبه للعلم نشيطاً مُجِدَّاً، واستمرَّ على ذلك مع تقدُّمٍ وازديادٍ إلى آخر حياته، ويمكن إبراز نشاطه العلمي في النقاط التالية: ١ - حرصه الشديد على حضور مجالس العلم عند شيوخه، وملازمته النادرة لهم. ٢ - برُّه بمشايخه، وتفانيه في خدمتهم وإرضائهم، والقيام بحقوقهم وواجباتهم. ٣- حُبُّه الشديد للكتُب، وجمعه لمكتبة نادرة واسعة متنوعة. ٤- نشاطه في إلقاء الدروس المتعددة، ونشره للعلم، ونفع الخاصة والعامة، وقد جاء في وَصْف مترجميه: ((أنه كان معتكفاً على خدمة الشريعة، وتدريس العلوم))(١). (١) ينظر كلام تلميذه الذي سعى بطباعة اللباب في مقدمة النسخة المطبوعة في اسطنبول سنة ١٢٧٥ هـ. ١٣٢ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني وكانت أبرز دروسه في دمشق في الفقه الحنفي وأصوله، مع تدريسه لفنون أخرى. ومن نشاطه العلمي في هذا المجال، أنه أقرأ كتابَ ((الشفا)) للقاضي عياض مرتين وهو مسافرٌ في المدينة المنورة، حين قدم حاجاً سنة ١٢٨٠ هـ، كما سيأتي في رحلاته، وهذا خبرٌ وصلنا عنه في ذلك، وما لم يصل هو أكثر، والله أعلم، إذ هذا النشاط هو الأصل في حياة العلماء أمثال الميداني. ٥- نشاطه في التأليف، والتحقيق في مسائل العلم في فنون متعددة. ٦- تسلَّمه منصبَ الإفتاء(١)، وانشغاله الكبير به مع خاصة الناس وعامتهم. ٧- بُعده عن الدنيا ومشاغلها، وزهده فيها. ٨- رحلاته المتعددة إلى بلاد الحجاز للحج والعمرة، ولُقياه علماءَ الحرمين الشريفين، وغيرهم من علماء العالم الإسلامي، وتبادُله العلوم معهم أخذاً وإعطاءً. كما رحل إلى مصر والتقى بعلماء مصر، وعلماء العالم الإسلامي الذين حضروا حفل افتتاح قناة السويس. (١) ((ابن عابدين وأثره في الفقه الإسلامي)) ٩٨٧/٢، نقلاً عن ترجمة الشيخ محمد علاء الدين لوالده العلامة ابن عابدين. ١٣٣ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني ٩ - نشاطه في ثمرة العلم، وهو العمل، ومن ذلك قيامه بأنواع العبادات والنوافل، وكثرة ذكره لربِّه جلّ وعلا، وبناؤه للمساجد والعناية بها، وإطعام الفقراء والمساكين، وغير هذا مما وفقه الله إليه بفضله سبحانه. ١٣٤ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني المبحث الثاني عشر رحلات الشيخ عبد الغني الميداني كانت للشيخ عبد الغني الميداني عدة رحلات من دمشق، فقد سافر إلى بلاد الحجاز مكة المكرمة والمدينة المنورة عدة مرات للحج والعمرة. إحداها كانت سنة ١٢٨٠ هـ، وقد أقرأ في هذه الرحلة بالمدينة المنورة كتابَ ((الشفا)) للقاضي عياض مرتين، وممن سمعه عليه في المرتين المحدِّث الشيخ علي بن ظاهر الوَتَرِي المدني (١٢٦١ هـ ـ ١٣٢٢هـ)، كما ذكر هذا العلامة السيد جعفر بن إدريس الكتاني (١) (١٢٤٦ هـ - ١٣٢٣ هـ)، حيث يروي ((الشفا)) من طريق الوَتَري. وفي سنة ١٢٨١ هـ اجتمع به في مكة المكرمة العلامة المؤرخ الشيخ أحمد الحضراوي المكي، كما ذكر هذا في كتابه: ((نزهة الفكر))(٢). وهكذا رحل من دمشق إلى بلاد مصر، ومنها إلى الحجاز، وكان عُمُرُه آنذاك أربعةً وستين عاماً، في رحلة كانت مع الأمير عبد القادر (١) في فهرست مشايخه ص ٢١٦ (ط: دار ابن حزم، بيروت). (٢) ١٧٦/٢. ١٣٥ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني الجزائري، وذلك لحضور حفل افتتاح قناة السويس (١)، الذي أقامه الخديوي إسماعيل، فبقيا في ضيافته سبعة أيام، ثم سافرا إلى الحجاز للحج، ثم عادا إلى دمشق. وكان افتتاح القناة سنة ١٢٨٦ هـ، الموافق ١٨٦٩م، وقد حضر هذا الحفل الضخم الكبير زهاء ستة آلاف من أهل الرفعة والشأن، وكان لهؤلاء الضيوف ثلاث صالات: صالة لعلماء المسلمين، وأخرى للقساوسة ونحوهم من النصارى، وصالة ثالثة للحكام والسلاطين في العالم، كإمبراطور فرنسا واليونان وإيطاليا، وغيرها من الدول. وكان ممن سافر من علماء دمشق مع الأمير الجزائري والميداني: الشريف الشيخ سليم بن نسيب حمزة الحسيني(٢)، وغيره. قلت: مَن عرف سيرة الشيخ عبد الغني الميداني، ووقف على طريقة حياته، عَرَفَ بغلبة الظن أن الشيخ الميداني ليس هو ممن يرغب في حضور مثل تلك الحفلات، لكن طلب الأمير الجزائري وإلحاحه عليه، وجَبْر الميداني لخاطره، واستجابةً لوجاهته، جعل الميداني يحضر هذا الحفل، ومن هنا تمّ لقاؤه بعلماء مصر، وعلماء العالم الإسلامي المدعوِّين مثله لحضور هذا الحفل. (١) ينظر علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري ٧٦٨/٣. (٢) تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر ٢٥/١، وينظر تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر ١٢١/٢ (ذِكْر توجه الأمير إلى الحجاز). ١٣٦ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني المبحث الثالث عشر وفاته رحمه الله تعالى قال البيطار في حلية البشر(١): ((ولم يزل على استقامته في طاعته وعبادته، وإفادته لطالبه ووارٍده، وإحسانه لراغبه وقاصده، إلى أن سَجَعَ علىُ دَوْحِه حَمَامُ الحِمَام، ودعاه إلى الرحلة داعي الأنام، فتوفي رحمه الله تعالى رابعَ ربيع الأول، سنة ألفٍ ومائتين وثمان وتسعين (١٢٩٨ هـ)(٢). وقد صُلِّي عليه في جامع الدقَّاق بالميدان، بإمامة ولده الفاضل الشيخ إسماعيل، قدَّمه للإمامة شيخُنا الفاضل الطنطاوي (٣). وكان لجنازته مشهدٌ قد غصَّ به واسعُ الطريق، ودُفن في تربة: (باب الله)، في أسفل التربة الوسطى من جهة الشرق (٤). (١) ٨٧١/٢. (٢) الموافق سنة ١٨٨١م، وقد وقع خطأ في هدية العارفين ٥٩٤/١، فجعل صاحبُها وفاةَ الميداني سنة ١٢٧٤ هـ، وهذا الذي ذكره إنما هو تاريخ بدء طباعة كتاب اللباب للميداني، في الأستانة باسطنبول. (٣) محمد بن مصطفى بن يوسف الأزهري الطنطاوي، المتوفى سنة ١٣٠١هـ، له ترجمة في حلية البشر ١٢٨٤/٣ هـ. (٤) وذكر القاسمي في تعطير المشام (مخطوط) أنه دُفن بمقبرة (القُبَيْبات)، وقد ١٣٧ الفصل الأول: ترجمة العلامة الشيخ عبد الغني الميداني وطلب مني ولده أن أنظم له أبياتاً تُكتب على القبر، فقلتُ: جليلٌ ذو مقاماتٍ شريفة همامٌ فاضلٌ شهمٌ إمامٌ حوى بحراً شمائلُه مُنِفة توى في رَمْسه فاعجبْ لرَمْسٍ سريعاً نحبَه ونحا(١) حليفَه فوا أسفاً قضى عبد الغني برَوْح وارتياحٍ مستضيفة ربيعُ الفضل حياً في ربيع لقد ماتت علوم أبي حنيفة)). اهـ بكاءً قد أتى تاريخه: زِدْ * وقد نُقل عن الشيخ عبد الغني الميداني أنه كان يقول: وبتُّ مجاوِرَ الربِّ الرحيم ((إذا أمسى وسادي من ترابي لكَ البشرىُ قَدِمتَ على فهنُّوني أحبائي، وقولوا: رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته. سألتُ عن هذا العلامة الشيخ محمد سعيد الطنطاوي الدمشقي المكي شقيق الشيخ علي الطنطاوي، فأفادني أن جامع الدقاق يسمى جامع القبيبات، وهو في وسط حي الميدان، وذلك حين زرته بمكة المكرمة يوم الأربعاء في ٣٠/ صفر / ١٤٣٠هـ. (١) نحا: ينحو. أي قصد، وجاء في المطبوع من علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري ٧٧٢/٢: ((ونجا حليفه)): بالجيم. (٢) أخذت هذه المعلومة من الإنترنت: (حمادة والغنيمي)، وهذان البيتان مكتوبان على قبر الشيخ الميداني، كما حدثني بهذا الأخ الكريم الأستاذ محمد حمادة ابن حفيدة الشيخ الميداني بنت الأستاذ يوسف بن محمد ابن الشيخ عبد الغني الميداني. الفصل الثاني دراسة عن اللباب