Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ كتاب الهبة (ولو نهاه عن القبض لم يصح) قبضه (مطلقاً) ولو في المجلس لأن الصريح أقوى من الدلالة (وتتم) الهبة (بالقبض) الكامل (ولو الموهوب شاغلًا لملك الواهب والياء الموحدة بعدها ياء تحتية وبالسين المهملة كما هو مثبت بخط السائحاني في هامش الدر نقلًا عن المنح، وقد راجعت المنح بخط الشيخ محفوظ ابن المصنف رحمهما الله تعالى فوجدته ترك لها بياضاً ولم يثبت شيئاً، وفي بعض النسخ قال السابع: الجنس بالجنس بالجيم والنون والسين، وهي ظاهرة، وفي بعضها الجنين، وظاهره أنه يصح إذا قبضه بعد الولادة، لكن نص المصنف فيما يأتي أنه لو وهب الحمل وسلمه لا يجوز لأن في وجوده احتمالاً فصار كالمعدوم اهـ. فظهر أنهما نسختان الأولى الجنس بالجنس، والثانية الحبيس وهي الموافقة لما في نسختي النتف لكنها داخلة في الوقف، لأن الحبيس من الخيل الموقوف في سبيل الله تعالی کما في القاموس، فتأمل. ثم رأيت في الخانية ما نصه: ولو قال هذه الدار لك حبيس فدفعها إليه كان باطلاً في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف: هي هبة جائزة وقوله: حبيس أو رقبي باطل اهـ. قوله: (لأن الصريح أقوى من الدلالة) وهذا الصريح أفاد الرجوع عن الهبة قال شيخ الإسلام: لأن نهي الواهب الموهوب له عن القبض رجوع عن الإيجاب لأن القبض في باب الهبة بمنزلة القبول في باب البيع. والبائع لو نهى المشتري عن القبول بعد الإيجاب كان ذلك رجوعاً منه عن الإيجاب دلالة فكذلك هذا ولو رجع ثم قبض لا يصح قبضه، فكذلك هذا اهـ. والحاصل: أنه إن أذن بالقبض صريحاً صح قبضه في المجلس وبعده ولو نهاه لم يصح قبضه له في المجلس ولا بعده؛ لأن الصريح أقوى من الدلالة، ولو لم يأذن ولم ينه صح قبضه في المجلس لا بعده، ولو كان الموهوب غائباً فذهب وقبض إن كان بإذن صح وإلا لا ذكره القهستاني ط. قوله: (وتتم الهبة بالقبض الكامل) قدمنا قريباً عن ابن الكمال بيانه، وهو أن قبض كل شيء بما يناسبه الخ. قال في الدرر: والقبض الكامل في المنقول بما يناسبه وفي العقار بما يناسبه، فقبض مفتاح الدار قبض لها، والقبض الكامل فيما يحتمل القسمة بالقسمة حتى يقع القبض على الموهوب بالأصالة من غير أن يكون بتبعية قبض الكل، وفيما لا يحتمل القسمة بتبعية الكل اهـ. وكذا الحكم من غير فرق في الصدقة والقرض والرهن والبيع الفاسد، لأنها كالهبة في الافتقار إلى القبض كما في المنبع هذا الذي ذكره في هبة العين. أما إذا وهب الدين فإنه لم يجز ما لم يأذن في قبضه وقبضه في المجلس بحضرته لا يجدي نفعاً كما في الشروح وتقدم ذلك ويأتي. وفي الخانية: وكل الموهوب له رجلين بقبض الدار فقبضاها جاز. قوله: (ولو الموهوب شاغلًا لملك الواهب لا مشغولاً به) قال الشمني: ولو وهب داراً بمتاعها وسلمها فاستحق المتاع صحت الهبة في الدار؛ ٥٨٢ كتاب الهبة لا مشغولاً به)، والأصل أن الموهوب إن مشغولاً بملك الواهب، لأن الاستحقاق ظهر به أن يده في المتاع كانت يد غصب وصار كما لو غصب الدار والمتاع. وهب المالك له الدار، أو أودعه الدار والمتاع ثم وهب له الدار فإنه يصح ولو وهب أرضاً وزرعها وسلمها فاستحق الزرع بطلت الهبة في الأرض، لأن الزرع مع الأرض بحكم الاتصال كشيء واحد، فإذا استحق أحدهما صار كأنه استحق البعض الشائع فيما يحتمل القسمة، فتبطل الهبة في الباقي اهـ. وفي الهندية: واشتغال الموهوب بملك غير الواهب، هل يمنع تمام الهبة ذكر صاحب المحيط في الباب الأول من هبة الزيادات أنه لا يمنع، فإنه قال: لو أعار داره من إنسان ثم المستعير غصب متاعاً ووضعه في الدار، ثم وهب المعير الدار من المستعير صحت الهبة في الدار، وكذلك لو أن المعير هو الذي غصب المتاع ووضعه في الدر ثم وهب الدار من المستعير كانت الهبة تامة، وإن تبين أن الدار مشغولة بما ليس بموهوب، لما أنها لم تكن مشغولة بملك الواهب وهو المانع من تمام الهبة. كذا في الفصول العمادية. لو أودعه الدار والمتاع ثم وهب الدار صحت الهبة، فإن هلك المتاع ولم يحوّله ثم جاء مستحق واستحق المتاع كان له أن يضمن الموهوب له وذكر ابن رستم أن هذا قول محمد رحمه الله تعالى. أما في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى: لو استحق وسادة منها تبطل الهبة في الدار، كذا في التاترخانية ومثله في البحر عن المحيط اهـ. لكن صرح في زيادات قاضيخان: أن الاشتغال بملك غير الموهوب له يمنع صحة الهبة. سواء كان ملك الواهب أو غيره، لكن الهبة إنما تمتنع إذا كان الاشتغال بمتاع في يد الواهب، أو في يد غير الموهوب له أما إذا كان المتاع في يد الموهوب له بغصب أو عارية، أو غير ذلك فلا تمتنع. واستدل عليه بمسائل الإجارة والغصب والاستحقاق، فظهر أن الأصل أن الهبة إذا كانت مشغولة بملك الواهب أو بملك غير الموهوب له تمنع الهبة إذا لم يكن في يد الموهوب له، كما في جامع الفصولين وأقره في نور العين، فتأمل. قوله: (والأصل أن الموهوب إن مشغولاً بملك الواهب منع تمامها وإن شاغلاً لا) عبارة العمادية: هبة الشاغل تجوز وهبة المشغول لا تجوز، والأصل في جنس هذه المسائل أن اشتغال الموهوب بملك الواهب يمنع تمام الهبة، لأن القبض شرط. وأما اشتغال ملك الواهب بالموهوب، فلا يمنع تمام الهبة. مثاله: وهب جراباً فيه طعام لا يجوز، ولو وهب طعاماً في جراب جازت، وعلى هذا نظائره اهـ. ٥٨٣ کتاب الهبة منع تمامها، وإن شاغلاً لا فلو وهب جراباً فيه طعام الواهب أو داراً فيها متاعه أو دابة عليها سرجه وسلمها كذلك لا تصح، وبعكسه قال الزيلعي: واعلم أن الدار التي فيها المتاع والجوالق الذي فيه الدقيق كالمشاع، لأن الموهوب مشغول بمتاع الواهب حتى لو نزع وسلم صح اهـ. وكلامه يعطي أن هبة المشغول فاسدة، والذي في العمادية أنها غير تامة. قال السيد الحموي في حاشية الأشباه: فيحتمل أن في المسألة روايتين كما وقع الاختلاف في هبة المشاع المحتمل للقسمة، هل هي فاسدة أو غير تامة والأصح كما في البناية أنها غير تامة فكذلك هنا. كذا بخط شيخنا. ومنه يعلم ما وقعت الإشارة إليه في الدر المختار حيث قال: والأصل أن الموهوب إن مشغولاً الخ، فأشار إلى أحد القولين بما ذكره أولًا من عدم التمام، وإلى القول الثاني بما ذكره آخراً من عدم الصحة. فتدبر. أبو السعود. واعلم أن الضابط في هذا المقام أن الموهوب إذا اتصل بملك الواهب اتصال خلقة وأمكن فصله لا تجوز هبته ما لم يوجد الانفصال والتسليم، كما إذا وهب الزرع أو الثمر بدون الأرض والشجر أو بالعكس وإن اتصل اتصال مجاورة: فإن كان الموهوب مشغولاً بحق الواهب لم يجز كما إذا وهب السرج على الدابة؛ لأن استعمال السرج إنما يكون للدابة، فكانت للواهب عليه يد مستعملة فتوجب نقصاناً في القبض؛ وإن لم يكن مشغولاً جاز، كما إذا وهب دابة مسرجة دون سرجها لأن الدابة تستعمل بدونه. ولو وهب الدابة وعليها حمل لم يجز لأنها مستعملة بالحمل، ولو وهب الحمل عليها دونها جاز لأن الحمل غير مستعمل بالدابة. ولو وهب داراً دون ما فيها من متاعه لم يجز وإن وهب ما فيها وسلمها دونها جاز. كذا في المحيط شرح المجمع. قوله: (منع تمامها) ولا يعد قبضها حينئذ قبضاً وفاعل منع ضمير يعود على الشغل. قوله: (وإن شاغلاً لا) وذلك أن المظروف يشغل الظرف وأما الظرف فلا يشغل المظروف. قال في جامع الفصولين: تجوز هبة الشاغل لا المشغول. قال العلامة خير الدين في حاشيته عليه أقول: هذا ليس على إطلاقه فإن الزرع والشجر في الأرض شاغل لا مشغول ومع ذلك لا تجوز هبته، لاتصاله بها تأمل اهـ. وما في الضابط الذي ذكرنا. كفاية. قوله: (فلو وهب جراباً) بكسر الجيم: ومن لطائف الكلام لا تفتح الجراب والخزانة ولا تكسر القنديل والقصعة. قوله: (وسلمها كذلك لا تصح) قال صاحب جامع الفصولين: فيه نظر إذ الدابة شاغلة للسرج واللجام لا مشغولة. يقول الحقير: صل: أي الأصل عكس في هذا، والظاهر أن هذا هو الصواب، ٥٨٤ كتاب الهبة تصح في الطعام والمتاع والسرج فقط لأن كلا منها شاغل لملك الواهب لا مشغول به، لأن شغله بغیر ملك واهبه لا یمنع تمامها يؤيده ما في قاضيخان: وهب أمة لرجل عليها حلي وثياب وسلمها جاز وكذا الصدقة، ويكون الحليّ وما فوق ما يستر عورتها من الثياب للواهب لمكان العرف، ولو وهب الحلي والثياب دونها لا يجوز حتى ينزعهما ويدفعهما إلى الموهوب له، لأنها ما داما عليها يكون تبعاً لها ومشغولاً بالأصل، فلا تجوز هبته. نور العين. وفي البحر عن المحيط: إن وهب داراً فيها متاع وسلمها كذلك ثم وهب المتاع منه أيضاً جازت في المتاع خاصة، وإن بدأ فوهب له المتاع، وقبض الدار والمتاع ثم وهب الدار جازت الهبة فيهما لأنه حين هبة الدار لم يكن للواهب فيها شيء، وحين هبة المتاع في الأولى زال المانع عن قبض الدار، لكن لم يوجد بعد ذلك فعل في الدار ليتم قبضه فيها فلا ينقلب القبض الأول صحيحاً في حقها اهـ. قوله: (وتصح في الطعام الخ) كان عليه أن يقول يصح القبض، لأن العقد صحيح حتى في المشاع وإنما الكلام في القبض، حتى لو وهب الكل وسلم النصف لا يجوز، ولو وهب النصف ثم الآخر وسلم الكل يصح القبض، ولو وهب الشاغل وسلم بالظرف صح لأن اليد على المظروف يد على المتبوع، فهي أقوى من قيام اليد على الظرف، لأنه تابع كهبة أمة بحلى دونه يصح القبض فيها معه لا عكسه وتعليل الشارح عليل لأنه علل الصحة في الشاغل دون المشغول بأنه شاغل لا مشغول ويأتي قريباً ما هو أوضح من هذا، فتأمل. قوله: (شاغل لملك الواهب لا مشغول به) أقول: الذي في البحر والمنح وغيرهما: تصوير المشغول بملك الغير بما إذا ظهر المتاع مستحقاً، أو كان غصبه الواهب أو الموهوب له قال في الزيادات: جاز هبة المشغول بملك غير الواهب، فلو أعار بيتاً فوضع فيه المعير أو المستعير متاعاً غصبه، ثم وهب البيت من المستعير جاز، وكذا لو وهب بيتاً بما فيه، أو جوالق بما فيه من المتاع، وسلمه ثم استحق المتاع جاز في الدار والجوالق إذ يد الواهب كانت ثابتة على البيت والمتاع جميعاً حقيقة فصح التسليم، ثم بالاستحقاق ظهر أن المتاع لغيره ولم يظهر أن البيت مشغول بملك الواهب وهو المانع. وكذا الرهن والصدقة إذ القبض شرط تمامها كالهبة، وقدمنا تمامه عن جامع الفصولين، وأقره نور العين كما علمت فلا تنسه. قوله: (لأن شغله بغير ملك واهبه) هذا تعليل لمفاد من كلام المصنف كأنه يقول: وإنما قيد عدم التمام بكونه مشغولاً بملك الواهب، لأن شغله الخ. وفي نسخة: لا شغله أي لا يمنع تمامها شغله الخ وعليها يضيع فائدة قوله لا يمنع تمامها ط. أقول: ولعل في عبارة الشارح سقطاً، وهو قيد الشغل بملك الواهب الخ ثم رأيت المصنف ذكر هذه المسألة حيث قال: واشتغال الموهوب بملك غير الواهب هل يمنع تمام ٥٨٥ كتاب الهبة كرهن وصدقة لأن القبض شرط تمامها. وتمامه في العمادية. وفي الأشباه: هبة المشغول لا تجوز إلا إذا وهب الأب لطفله. قلت: وكذا الدار المعارة الهبة؟ ذكر صاحب المحيط في الباب الأول من هبة الزيادات: أنه لا يمنع إلى آخر ما قدمناه قريباً عن الهندية وهو سالم من النقد. قوله: (كرهن وصدقة) فإنهما لا يتمان إلا بالقبض الكامل ويضر كونه مشغولاً بملك الراهن والمتصدق لا شاغلًا لهما، فالتشبيه راجع إلى كلام المصنف. قال في المنح: وكل جواب عرفته في هبة الدار والجوالق بما فيها من المتاع فهو الجواب في الرهن والصدقة لأن القبض شرط تمامها كالهبة انتهى: أي كما أن شغل الرهن والصدقة بملك غير الراهن وغير المتصدق لا يمنع تمامها، كما في المحيط وغيره. مدني. قوله: (وفي الأشباه هبة المشغول لا تجوز الخ) قال الحموي: وذلك كما لو كان لرجل دار وفيها أمتعة فوهبها من رجل لا يجوز لأن الموهوب مشغول بما ليس بموهوب، فلا يصح التسليم فرق بين هذا، وبين ما إذا وهبت المرأة دارها من زوجها وهي ساكنة فيها ولها أمتعة فيها والزوج ساكن معها حيث يصح، والفرق أنها وما في يدها في الدار في يده فكانت الدار مشغولة بعياله وهذا لا يمنع صحة قبضه كذا في الولوالجية انتهى. وقد أوضح المقام في هذه المسألة سيدي الوالد رحمه الله تعالى في تنقيحه فراجعه إن شئت. قوله: (إلا إذا وهب الأب لطفله) كأن وهبه داراً والأب ساكنها أو له فيها متاع لأنها مشغولة بمتاع القابض لكنه مخالف لما في الخانية فقد جزم أولاً بأنه لا تجوز، ثم قال: وعن أبي حنيفة في المجرد تجوز ويصير قابضاً لابنه. تأمل. قال في الولوالجية: رجل تصدق على ابنه الصغير بدار والأب ساكنها، قال الإمام: لا يجوز، وقال أبو يوسف: يجوز، وعليه الفتوى انتهى. لأن الشرط قبض الواهب هبتها وكون الدار مشغولة بمتاع الواهب لا يمنع قبض الواهب. وفي البزازية: وهب لابنه الصغير داراً وفيها متاع الواهب أو تصدق لابنه الصغير بدار وفيها متاع الأب والأب ساكن فيها يجوز وعليه الفتوى، أو أسكنها غيره بلا أجر والأم كالأب، لو ميتاً والابن في يدها، وليس له وصي وكذا من يعوله، والصدقة في هذا كله كالهبة كما في التبيين، ويفهم من قوله بلا أجر أن الغير لو كان يسكنها بالأجر لم تجز الصدقة، وبه صرح البزازي ووجهه في الذخيرة بأنه إذا كان يسكنها بأجر فيده على الموهوب ثابتة بصفة اللزوم، فيمنع قبض غيره تمام الهبة، بخلاف ما إذا كان بغير أجر اهـ. قوله: (قلت وكذا الدار المعارة) بأن أعار داره إنساناً ثم إن المستعير أو المعير غصب متاعاً ووضعه في الدار، ثم وهب المعير الدار من المستعير صحت الهبة في الدار، لأنه تبين ٥٨٦ كتاب الهبة والتي وهبتها لزوجها على المذهب، لأن المرأة ومتاعها في يد الزوج فصح التسليم، وقد غيرت بيت الوهبانية فقلت: [الطويل] وَمَنْ وَهَبَتْ لِلزَّوْجِ دَاراً لَهَا بها مَتَاعٌ وَهمْ فِيهَا تَصِحُّ المحرَّرُ وفي الجوهرة: وحيلة هبة المشغول أن يودع الشاغل أولًا عند الموهوب له ثم يسلمه الدار مثلاً فتصح لشغلها بالمتاع (في يده) في متعلق بتتم (محوز) مفرغ (مقسوم أن الشاغل ملك غير الواهب ط وقدمنا قريباً نحوه عن الزيادات. ونقل في الخانية بما لو (١) وهب طفله داراً يسكن فيها قوم بغير أجر جاز ويصير قابضاً لابنه لا لو كان بأجر وهو مستدرك بأن الشغل هنا بغير ملك الواهب، والمراد شغله بملكه، وكأن الشارح قصد به تكملة عبارة الأشباه، وعليه فما نقله في الخانية أولى، وانظر إذا وهبها لغير الصغير هل يصح؟ تقدم أن شغلها بملك غير الواهب لا يمنع تمامها، فتأمل. قوله: (والتي وهبتها لزوجها) تقدمت صورتها قريباً من أنها تصح الهبة وهو المذهب خلافاً لما عن أبي يوسف من أنه لا يجوز، لأن يد الواهب ثابتة على الدار كما في الذخيرة. قوله: (المحرر) أي هذا هو المحرر المعول عليه، وبيت الأصل: الطويل وَمَنْ وَهَبَتْ لِلزَّوْجِ دَاراً لَهَا بِهِا مَتَاعٍ وَهِمْ فِيهَا فَقَوْلَانِ يُزْبَرُ قوله: (أن يودع الشاغل أوّلاً) قال في الجوهرة: لو وهب داراً فيها متاع الواهب وسلم الدار إليه أو سلمها مع المتاع لم يصح. والحيلة فيه: أن يودع المتاع أولًا عند الموهوب له ويخلي بينه وبينه ثم يسلم الدار إليه فتصح الهبة، وبعكسه لو وهب المتاع دون الدار وخلى بينه وبينه صح، وإن وهب له الدار والمتاع جميعاً وخلي بينه وبينهما صح فيهما جميعاً. قوله: (ثم يسلمه الدار) فلو سلمها ثم وهبه المتاع صح فيه خاصة، ولو عكس صح فيهما: أي لأن اليد إذا كانت على المظروف تکون علی الظرف، بخلاف العكس. وأقول: هذا مشكل جداً؛ لأنه لما صح في المظروف لم لا يصح في الظرف تبعاً مع أن عقد الهبة الأولى باق إلا أن يقال: هذا قول من جعل أن القبض في الهبة الفاسدة غير مفيد للملك، بل عليه الضمان فصارت يده يد ضمان، فلا ترتفع بيد الهبة التي هي عقد تبرع خصوصاً وأن القبض فيه تبعي، وأما على القول بأن هذا القبض غير موجب للضمان، فيجب أن يصح العقد، والقبض في المشغول لو وهبه الشاغل الذي في يده أمانة بعد ذلك. قوله: (متعلق بتتم) الأولى أن يؤخره بعد. قوله ((محوز)) لأن المتعلق المجرور. قوله: (محوز) أي مجموع المراد به أن يكون مفرغاً عن ملك الواهب وحقه، واحترز به عن (١) في ط (قوله بما لو) هكذا بالأصل. ٥٨٧ كتاب الهبة ومشاع، لا) يبقى، منتفعاً به بعد أن (يقسم) هبة الثمر على النخل اهـ. درر. وكصوف على غنم وزرع في أرض فقوله ((مفرغ)) تفسير لمحوز، إلا أن فيه شائبة تكرار مع قوله لا مشغولاً به، والأولى أن يفسر المحوز بالمجموع، لأنه من حازه إذا جمعه لأجل أن يظهر لقوله متميزاً فائدة، فإنه أفاد به أنه لو حازه غير مقسوم بأن حاز الثمر مع النخل لا تتم به الهبة بل حتى يقسم. وفي القاموس : الحوز الجمع وضم الشيء كالحيازة والاحتياز اهـ المراد منه ط. قوله: (ومشاع) أي غير مقسوم في الصحاح سهم شائع أي غير مقسوم. واعلم أن الشائع على قسمين: شائع يحتمل القسمة كنصف الدار ونصف البيت الكبير، وشائع لا يحتملها كنصف قنّ ورحی وحمام وثوب وبيت صغير، والفاصل بينهما حرف واحد وهو أن القاضي لو أجبر أحد الشريكين على القسمة بطلب الآخر فهو من القسم الأول، ولو لم يجبر فهو من الثاني إذ الجبر آية القبول. وأمهات مسائل الشيوع سبع: بيع الشائع، إجارته وإعارته، ورهنه وهبته، وصدقته ووقفه، أما هبته فيما لا يحتمل القسمة جائزة من شريكه ومن غيره وفيما يحتملها لم تجز من شريكه ولا من أجنبيّ. وفي شرح الغزي وفي الزاهد العتابي أنها تجوز. أقول: وفي الفتاوى التاجية أنها تجوز من شريكه. قال: وهو المختار اهـ. ولا يخفى عليك أنه خلاف المشهور اهـ كلام الغزي. أفاده خير الدين الرملي. وطرؤ الشيوع لا يفسد الهبة بالاتفاق. ولو وهب الكل من اثنين. فإن أجمل بأن قال وهبت منكما لم يجز عندح، وعند سم: يجوز. ولو فصل بالتنصيف فهو على هذا الخلاف. ولو بالتثليث يجوز عندم لا عندهما وتقدمت. هد: وهبا من واحد داراً جاز إذا سلماه جملة وقبض جملة فلا شيوع، ولو وهبه واحد من اثنين لم يصح عندح وقالا يصح، لأن هذه هبة الجملة منهما لتوحد التمليك فلا شيوع كرهن من رجلين، وله أنها هبة النصف لكل منهما. وكذا لو فيما لا يقسم فقبل أحدهما صح، ولأن الملك ثبت لكل في النصف، فكذا التمليك، لأنه حكمه فتحقق الشیوع، بخلاف الرهن، لأن حکمه الحبس وهو ثبت لکل منھما کملًا إذ لا تضایق فیه، ولذا لو قضى دين أحدهما لا يسترد شيئاً من الرهن، ولو نص على التبعيض لم يجز عند حس. وفي التنصيف روايتان عند س. ولو رهن عند رجلين، ونصّ على الأبعاض لم يجز وفاقاً، ولو وهب مشاعاً تفسد، فلو قسمه وسلمه جاز إذ تمامه بالقبض، وعنده لا شيوع فقط. قال لهما: وهبت لكما هذه الدار لذا نصفها ولذا نصفها لم يجز، ولو وهب لهما درهماً فالصحيح أنه يجوز، وهبة المشاع الفاسدة لا تفيد الملك، ولو قبض الجملة فروى ٥٨٨ كتاب الهبة عن ح: ولو وهب دقيقاً في برّ أو دهناً في سمسم، أو سمناً في لبن لم يجز، إذ الموهوب معدوم، ولذا لو استخرجه الغاصب يملكه، ولو طحن وسلم لم يجز، بخلاف المشاع. والفرق أن المشاع محل للتمليك، والخلل في القبض، ويزول بالقسمة. وبخلاف ما إذا وهب لبناً في ضرع أو صوفاً على ظهر غنم، أو نخلاً أو زرعاً في أرض أو ثمراً في شجر أو أرضاً فيها نخل أو زرع دونهما أو داراً أو ظرفاً فيها متاع الواهب لزوال الخلل بالتفريغ، والفرق بين لبن في ضرع وبين هبة ولد في بطن. فإنها لم تجز بتسليمه بعد الولادة في الصحيح، إذ لا يمكن الوقوف على الولد إذ ليس في وسعه، فيكون كتعليقه بالخطر ويمكن الوقوف على اللبن بالحلب، لأنه في وسعه، فكان كتأخير هذه الجملة. في هد: والتصدق بالشائع كهبته في كل ما مر، إلا أنه لو وهب من اثنين ما يقبل القسمة، لم يجز عند أبي حنيفة رواية واحدة من غير اختلاف على قوله. وفي الصدقة اختلف المشايخ على قوله: فقيل لا يجوز، وقيل فيه روايتان: لا يجوز على رواية الأصل، ويجوز على رواية الجامع الصغير، وهو الصحيح. كذا حش. وفي هد: لو تصدّق بعشرة دراهم على محتاجين يجوز، وكذا لو وهبها لهما. ولو تصدق بها على غنيين أو وهبها لهما لم يجز، وقالا: يجوز لغنيين أيضاً فرق بين الهدية والصدقة في الحكم، وسوّى في الأصل وقال: إذ الشيوع مانع فيهما لتوقفهما على القبض. والفرق أن الصدقة يراد بها وجه الله تعالى، وهو واحد فلا شيوع، ويراد بالهبة وجه الغني وهما اثنان. وقيل: هذا هو الصحيح، والمراد بما ذكر في الأصل: التصدق على غنيين فقط، والأظهر أن في المسألة روايتين. بخ: قيل: جاز التصدق على غنيين؛ لأنهما محل صدقة التطوّع. مق: لا تجوز وعند س: تجوز بشرط المساواة، وعندم: تجوز في الحالين. جامع الفصولين. وتمام تفاصيل المشاع، وما يتعلق به فيه في الفصل الحادي والثلاثين فراجعه إن شئت وقد مرّ بعض ما ذكرناه ويأتي بعضه. قال في البحر: وأما إجارته فإن كان من شريكه فهو جائز، وإن من أجنبي لا يجوز مطلقاً عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: وهي فاسدة على قوله فيجب أجر المثل على الأصح خلافاً لمن قال ببطلانها فلم يوجب شيئاً، وأما الشيوع الطارىء ففي ظاهر الرواية لا يفسد الإجارة، وأما إعارته فجائزة إن كانت من شريكه، وإلا فإن سلم الكل فهي إعارة مستأنفة للكل، وإلا لا يجبر. وأما رهنه فهو فاسد فيما ينقسم أوّلاً من شريكه أو من أجنبي، بخلاف الرهن من اثنين فإنه جائز. وأما وقفه فهو جائز عند أبي يوسف خلافاً لمحمد فيما يحتملها، وإن كان مما لا يحتملها فجائز اتفاقاً، وأفتى الكثير بقول محمد، ٥٨٩ كتاب الهبة واختار مشايخ بلخ قول أبي يوسف. وأما وديعته فجائزة وتكون مع الشريك. وأما قرضه فجائز كما إذا دفع إليه ألفاً وقال خمسمائة قرض وخمسمائة شركة. كذا في النهاية هنا. وأما غصبه فمتصوّر. قال البزازي: وعليه الفتوى، وذكر له في الفصول صوراً. وأما صدقته: فكهبته، إلا إذا تصدق بالكل على اثنين فإنه يجوز على الأصح، وإذا عرف هذا فهبة المشاع فيما لا ينقسم تفيد الملك للموهوب له على وجه لا يستحق المطالبة بالقسمة، لأنها لا تمكن. وأما المهايأة فلا تجب في ظاهر الرواية، لأنها إعارة فإن كل واحد منهما يصير معيراً نصيبه من صاحبه. والجبر على الإعارة غير مشروع، وفي رواية: يجب وهو الذي يفيده كلام الزيلعي، لأنها قسمة المنافع، والتبرع وقع في العين، فيكون إيجاباً في غير ما تبرع به فلا يبالي به، وإنما المحظور الإيجاب في عين ما تبرع به. وقال قاضي زاده بعد نقل: إن المهايأة لا تجب مع علته عن صاحب غاية البيان، لعل هذا الجواب غير صحيح لأن التهايؤ يجب، ويجري فيه جبر القاضي إذا طلبه أحد الشركاء، لا سيما فيما لا يقسم. نص عليه في عامة الكتب. وأما دعوى الشائع إذا ادعى رجل ثلاثة أسهم من عشرة أسهم من دار، وقال هذه الثلاثة الأسهم من العشرة الأسهم من الدار المحدودة ملكي وحقي وفي يد هذا الرجل بغير حق، ولم يذكر أن جميع هذه الدار في يده وكذلك لم يشهد شهوده أن جميع هذه الدار في يده، فإن الدعوى صحيحة والشهادة مقبولة. وأما استحقاق الشائع إذا استحق نصف الدار شائعاً أو ثلثها أو ربعها فالمشتري بالخيار عندنا: إن شار رد ما بقي ورجع بكل ثمنه، وإن شاء أمسك ما بقي ورجع بثمنه على بائعه انتهى بزيادة. قوله: (لا يبقى منتفعاً به بعد أن يقسم) أي ليس من شأنه أن يقسم بمعنى أنه لا يبقى منتفعاً به بعد القسمة أصلاً كعبد واحد ودابة واحدة أو لا يبقى منتفعاً به بعد القسمة من جنس الانتفاع الذي كان قبل القسمة كالبيت الصغير والحمام الصغير انتهى. درر: أي فإن البيت الصغير إذا قسم ربما ينتفع به مخزناً أو مربطاً للحمار، ولكنه لا ينتفع به للبينونة كالانتفاع السابق، فهو مما لا يقسم، فيصح هبة بعضه مشاعاً، وكذا الحمام الصغير إذا قسم يمكن أن يجعل بيتاً أو مربطاً للدوابّ، ولكن لا يمكن أن يبقى حماماً كما كان فهو مما لا يقسم، بخلاف الحمام الكبير الذي يمكن أن يقسم، ويجعل له موقد ثان أو أكثر، فإن هبة بعضه مشاعاً لا تصح. واحتياجه إلى موقد ثان لا يخرجه عن كونه قابلاً للقسمة، حيث أمكن أن يتخذ له موقداً كالمقسم الذي يحتاج إلى طريق أو مسيل، ويمكن فيه ذلك فإنه قابل للقسمة، فكذا هذا. وفي أول كتاب القسمة من البزازية: لا يقسم حمام وحائط وبيت ودكان صغير؛ لأنه لو قسم لا يبقى لكل فائدة، وانتفاع فيما يخصه وإن بقي فائدة يقسم بينهما اهـ. ٥٩٠ كتاب الهبة كبيت وحمام صغيرين، لأنها (لا) تتم بالقبض (فيما يقسم قال في الحامدية: لا يقسم الحمام والحائط والبيت الصغير والدكانة الصغيرة، وهذا إذا كان بحال لو قسم لا يبقى لكل واحد بعد القسمة موضع يعمل فيه، وإن كان فيقسم. خزانة الفتاوى ومثله في الخلاصة والبزازية انتهى. أقول: وعليه فينبغي أن يقيد الحمام بالصغير خلافاً لما فهمه الحلبي من أن الحمام لا يقسم مطلقاً، وفسر سيدي الوالد رحمه الله تعالى الحمام الكبير بما إذا كان له خزانتان والرحى بما إذا كانت ذات حجرين، فتأمل. وإنما صح فيه الهبة لأن القبض لا يتصوّر فیه إلا بالقبض الناقص وهو قبض الكل فاكتفى به. قال في البحر: هبة المشاع فيما لا يقسم تفيد الملك للموهوب له على وجه لا يستحق المطالبة بالقسمة، لأنها لا تمكن. وأما المهايأة فلا تجب في ظاهر الرواية، وفي رواية تجب انتهى. وقدمنا قريباً أن التهايؤ يجب، ويجري فيه جبر القاضي إذا طلبه أحد الشركاء لا سيما فيما لا يقسم نص عليه في عامة الكتب، فلا تنسه. وفي البحر: ويشترط في صحة هبة المشاع الذي لا يحتملها أن يكون قدراً معلوماً، حتى لو وهب نصيبه من عبد ولم يعلم به لم يجز، لأنها جهالة توجب المنازعة اهـ. قال في الهندية: لو وهب نصيبه من عبد ولم يعلم به لم يجز فإن علمه الموهوب له ينبغي أن يجوز عند الإمام دونهما، وفيها قبل ذلك جميع ما أملكه لفلان يكون هبة لا تجوز بدون القبض. وفي منية المفتي: قال: وهبت نصيبي من هذه الدار والموهوب له لا يعلم كم نصيبه صحت اهـ. ولعل المتفاحش جهالته لا تصح هبته كقوله: وهبتك شيئاً من مالي أو من كذا. وفي التاترخانية مثل ما في المنية، فتأمل. قوله: (كبيت وحمام صغيرين) الحد الفاصل بين ما يحتمل القسمة وبين ما لا يحتملها أن ما لا يبقى منتفعاً به بعد القسمة أصلاً كعبد واحد ودابة واحدة، أو لم ينتفع بها انتفاعاً قبل القسمة كالحمام والطاحونة والبيت الصغير فإنها لا تصح، وكل ما يوجب قسمته نقصاناً فهو مما لا يقسم وإلا فمما يقسم، واختار الأول أكثر الشراح والثاني صاحب الذخيرة، فإذا وهب درهماً صحيحاً لرجلين لا يصح لأن تنصيف الدرهم لا يوجب نقصاناً فهو مما يقسم، والصحيح أنه يصح؛ لأن الصحيح لا يكسر عادة فهو مما لا يقسم انتهى. وذكره الشارح آخر الباب، فتأمل. قوله: (لأنها لا تتم) لا موقع لهذا التعليل إلا بتقدير: وإنما قيدنا بمشاع لا يقسم؛ لأنها الخ ط. بل لو قال لأنه لا يتأتى القبض في مثل ذلك إلا بقبض الكل ولا تتم بذلك فيما يقسم الخ لكان حسناً. وفي العناية: الهبة فيما يقسم جائزة، ولكن غير مثبتة للملك قبل تسليمه مفرزاً. قوله: (لا تتم بالقبض فيما يقسم) قال علماؤنا: هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تتم، ٥٩١: كتاب الهبة ولو) هبة (لشريكه) أو لأجنبي لعدم تصوّر القبض الكامل كما في عامة الكتب فكان هو المذهب. وفي الصيرفية عن العتابي: وقيل يجوز لشريكه وهو المختار (فإن قسمه وسلمه صح) لزوال المانع (ولو سلمه شائعاً لا يملكه فلا ينفذ تصرفه فيه) ولا تفيد الملك قبل القسمة، وبعض أصحابنا قال: إنها فاسدة، والأصح الأول كالهبة قبل القبض اهـ. شلبي عن الإتقاني. وأشار الشارح أنه إنما شرط أن يكون الموهوب مقسوماً أو مشاعاً لا يقبل القسمة؛ لأن الهية لا تتم إلا بالقبض، والقبض إنما يكون في المقسوم، وكذا في المشاع الذي لا يقسم لأن قبض كل شيء بحسبه، والمشاع الذي لا يقبل القسمة لا يكون قبضه إلا مشاعاً فاكتفى به كذلك وتمت به الهبة، أما المشاع الذي يقبل القسمة فإنه يمكن تسليمه بعد قسمته ويكون قبضه كاملاً، فلا يكتفى بتسليمه مشاعاً ولا يعدّ قابضاً له مع الشيوع، ولا فرق أن يكون وهبه لشريكه أولأجنبي خلافاً لما في الصيرفية من جوازه من الشريك، وذكر أنه المختار، ووجهه ظاهر لتصوّر قبض الشريك له مع شيوعه، لأن نصيب الشريك في يده فيمكنه قبض الشقص الثاني مشاعاً، ولكنه لما كانت عامة الكتب على إطلاق المنع، وهي موضوعة لنقل المذهب كما قال، فكان هو المذهب فوجب العمل به، سواء ظهر وجهه أو لا لأن المقلد عليه اتباع ما قاله إمامه سواء وقف على دليله أو لا، والله تعالى أعلم. قوله: (ولو هبة لشريكه) لو وصلية: أي ولو كانت الهبة لشريك الواهب. قوله: (أو لأجنبي) الأولى إسقاطه لأنه مفهوم من لو، ولا خلاف فيه إنما الخلاف في الشريك كما مر ويأتي. قوله: (لعدم تصور القبض الكامل) أي فيما يتصور فيه. قوله: (كما في عامة الكتب) وصرح به الزيلعي وصاحب البحر. منح. قوله: (فكان هو المذهب) راجع المسألة الشريك كما في المنح. قوله: (وهو المختار) الظاهر من عباراتهم اعتماد الأول، حتى نسب الثاني شيخ الإسلام إلى ابن أبي ليلى بعد ما حكي الإطلاق عن أهل المذهب. وفي مؤيد زاده: وهب مشاعاً ينقسم لشريكه لا يجوز خلافاً لابن أبي ليلى اهـ. قال الرملي: وجد بخط المؤلف: يعني صاحب المنح بإزاء هذا ما صورته: ولا يخفى عليك أنه خلاف المشهور. قوله: (فإن قسمه) أي الواهب بنفسه أو نائبه أو أمر الموهوب له بأن يقسم مع شريكه كل ذلك تتم به الهبة، كما هو ظاهر لمن عنده أدنى فقه. تأمل رملي. قوله: (صح لزوال المانع) وهو الإشاعة فإنها زالت بالقسمة والتسليم لأنه كان عاجزاً عن القبض الكامل الذي تتم به الهبة ومعناه أنها تملك بذلك، لا أن الصحة متوقفة على القسمة، ولو كان شرطاً للصحة لاحتيج إلى تجديد العقد. بحر بزيادة. قوله: (ولو سلمه شائعاً) بأن سلمه الكل. قوله: (لا يملكه) لعدم وجود القبض الكامل فيما يتصور فيه. : ٥٩٢ كتاب الهبة فيضمنه وينفذ تصرف الواهب. درر. لكن فيها عن الفصولين: الهبة الفاسدة تفيد قوله: (فيضمنه) أي بعد إتلافه ويجب عليه رده قبله، ولا يمتنع الرد ببيعه لعدم نفاذه. قوله: (لكن فيها عن الفصولين الخ) قال في التاترخانية: بعد نقل هذا القول، وفي السراجية: وبه يفتى اهـ. ومع إفادتها للملك يحكم بنقضها للفساد كالبيع الفاسد ينقض له. تأمل رملي. قوله: (الهبة الفاسدة الخ) ظاهره أن هبة المشاع قبل القسمة فاسدة، مع أنها صحيحة غير تامة. ولذا قال الشلبي: قوله لأنه لو صح هبة المشاع فيما يقسم ظاهره كما ترى يشعر بعدم الصحة، وقد قدمت قريباً أن الأصح أنها صحيحة غير تامة لا فاسدة كما قال به بعض مشايخنا، والله تعالى أعلم اهـ. ويدل عليه كلام صاحب البحر المتقدم، وعبارة الهندية الآتية تفيد أن الفتوى على الفساد ط. قال في الفتاوى الخيرية: ولا تفيد الملك في ظاهر الرواية. قال الزيلعي: ولو سلمه شائعاً لا یملکه، حتى لا ينفذ تصرفه فيه فيكون مضموناً عليه، وينفذ فيه تصرف الواهب. ذكره الطحاوي وقاضیخان. وروي عن ابن رستم مثله، وذكر عصام أنها تفيد الملك وبه أخذ بعض المشايخ اهـ. ومع إفادتها للملك عند هذا البعض أجمع الكل على أن للواهب استردادها من الموهوب له، ولو كان ذا رحم محرم من الواهب. قال في جامع الفصولين رامزاً لفتاوى الفضلي: ثم إذا هلكت أفتيت بالرجوع للواهب هبة فاسدة لذي رحم محرم منه، إذ الفاسدة مضمونة على ما مر، فإذا كانت مضمونة بالقيمة بعد الهلاك كانت مستحقة الرد قبل الهلاك اهـ. وكما يكون للواهب الرجوع فيها يكون لوارثه بعد موته، لكونها مستحقة الرد، وتضمن بعد الهلاك كالبيع الفاسد إذا مات أحد المتبايعين فلورثته نقضه؛ لأنه مستحق الرد ومضمون بالهلاك، ثم من المقرر أن القضاء يتخصص، فإذا ولى السلطان قاضياً ليقضي بمذهب أبي حنيفة لا ينفذ قضاؤه بمذهب غيره، لأنه معزول عنه بتخصيصه فالتحق فيه بالرعية نص على ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى اهـ ما في الخيرية. وأفتى به في الحامدية أيضاً والتاجية، وبه جزم في الجوهرة والبحر، ونقل عن المبتغى بالغين المعجمة: أنه لو باعه الموهوب له لا يصح، وفي نور العين عن الوجيز: الهبة الفاسدة مضمونة بالقبض، ولا يثبت الملك فيها إلا عند أداء العوض، نص عليه محمد في المبسوط، وهو قول أبي يوسف، إذ الهبة تنقلب عقد معاوضة اهـ. وذكر قبله هبة المشاع فيما يقسم لا تفيد الملك عند أبي حنيفة، وفي القهستاني: لا تفيد الملك، وهو المختار كما في المضمرات، وهذا مرويّ عن أبي حنيفة وهو الصحيح اهـ. فحيث علمت أن ظاهر الرواية وأنه نص عليه محمد ورووه عن أبي حنيفة ظهر أنه الذي عليه العمل، وإن صرح بأن المفتى به خلافه، ولا سيما أنه يكون ملكاً خبيثاً كما ٥٩٣ كتاب الهبة الملك بالقبض، وبه يفتى. ومثله في البزازية، على خلاف ما صححه في العمادية، لكن لفظ الفتوى آكد من لفظ الصحيح كما بسطه المصنف مع بقية أحكام المشاع. وهل للقريب الرجوع في الهبة الفاسدة؟ قال في الدرر: نعم. وتعقبه في الشرنبلالية يأتي ويكون مضموناً كما علمته فلا يجدي نفعاً للموهوب فاغتنمه، وإنما أكثرت النقل في مثل هذه لكثرة وقوعها وعدم تنبه أكثر الناس للزوم الضمان على قول المخالف، ورجاء لدعوة نافعة في الغيب. قوله: (بالقبض) لكن ملكاً خبيثاً، وبه يفتى. قهستاني: أي وهو مضمون كما علمت آنفاً، فتنبه. قوله: (وبه يفتى) قال في الهندية: هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تجوز، سواء كانت من شريك أو من غير شريك، ولو قبضها هل يفيد الملك ذكر حسام الدين رحمه الله تعالى في كتاب الواقعات: أن المختار أنه لا يفيد الملك، وذكر في موضع آخر أنه يفيد الملك ملكاً فاسداً، وبه يفتى. كذا في السراجية اهـ. قوله: (ومثله في البزازية) عبارتها: وهل يثبت الملك بالقبض؟ قال الناطفي عند الإمام: لا يفيد الملك. وفي بعض الفتاوى: يثبت فيها فاسداً، وبه يفتى. ونص في الأصل: أنه لو وهب نصف داره من آخر، وسلمها إليه فباعها الموهوب له لم يجز وأنه لا يملك، حيث أبطل البيع بعد القبض، ونص في الفتاوى أنه هو المختار اهـ. ورأيت بخط بعض الأفاضل على هامش المنح بعد نقله ذلك، وأنت تراه عزا رواية إفادة الملك بالقبض والإفتاء بها إلى بعض الفتاوى، فلا تعارض رواية الأصل، ولذا اختارها قاضيخان. وقوله ((لفظ الفتوى الخ)) قد يقال يمنع عمومه لا سيما مثل هذه الصيغة في مثل سياق البزازي، فإذا تأملته تقضي برجحان ما دل عليه الأصل اهـ. قوله: (على خلاف ما صححه في العمادية) أي عن العدة بلفظ هو المختار. قوله: (لكن لفظ الفتوى) استدراك على ما يستفاد من قوله ما صححه في العمادية من أن القولين، سواء وحيث كان لفظ الفتوى آكد، فيكون العمل على ما في الفصول والبزازية لأنه قال: وبه يفتى، وهو آكد من الصحيح الذي في العمادية، فحينئذ يمتنع الرجوع بعد بيعه لتعلق حق المشتري به كما تقدم نظيره في البيع الفاسد. قوله: (مع بقية أحكام المشاع) من بيعه فإنه جائز فيما يقسم، وما لا يقسم ومن إجارته، ومن إعارته وغير ذلك كما قدمناه قريباً. قوله: (قال في الدرر نعم) عبارتها: قال بعض المشايخ: كانت المسألة واقعة الفتوى وفرقت بين الهبة الصحيحة والفاسدة، وأفتيت: أي في الفاسدة بالرجوع، وقال الإمام الأسروشني والإمام عماد الدين: هذا الجواب مستقيم، أما على قول من لا يرى الملك بالقبض في الهبة الفاسدة فظاهر، وما على قول من يرى الملك فلأن المقبوض في حكم الهبة الفاسدة مضمون على ما تقرر، فإذا كان مضموناً بالقيمة بعد الهلاك كان مستحق الرد قبل الهلاك، فيملك الرجوع والاسترداد انتهى. قوله: (وتعقبه في الشرنبلالية) حيث ٥٩٤ كتاب الهبة بأنه غير ظاهر على القول المفتى به من إفادتها الملك بالقبض، فليحفظ (المانع) من، تمام القبض (شيوع مقارن) للعقد (لا طارىء) كأن يرجع في بعضها شائعاً فإنه لا قال: قوله وأما على قول من يرى الملك فلأن المقبوض بحكم الهبة الفاسدة مضمون الخ هذا غير ظاهر؛ لأن قوله فلأن المقبوض بحكم الهبة الفاسدة مضمون لا يكون متجهاً إلا على القول بعدم الملك، وإلا فكيف يكون مالكاً وضامناً؟ انتهى. ونظر فيه الشيخ شاهين بأن المقبوض في البيع الفاسد مملوك بالقبض مضمون بقيمته فلا يبعد كون الشخص مالكاً وضامناً، فكان الجواب مستقيماً، وكان القول بالضمان متجهاً، حتى على قول من قال يملك الموهوب فاسداً اهـ. ذكره أبو السعود، وفيه: أن هذا قياس مع الفارق، فإن المبيع فاسداً مقبوض في عقد معاوضة، فلا بد من العوض وقد ألغينا الثمن لعدم الصحة. وأوجبنا القيمة عوضاً وإلا لزم أخذ ما عقد للمعاوضة بلا عوض. أما المقبوض في الهبة الفاسدة فهو مقبوض بغير عوض أصلاً، وقد قال القائل بالملك فيها، والملك في الموهوب بلا عوض. أما لو نظرنا إلى كونه ملكاً خبيثاً، كما قال المؤلف في شرح الملتقى وقيل يملكه بالقبض لكنه ملك خبيث، وبه يفتى. قهستاني عن المضمرات، يكون موجبه التصدق بقيمته هالكاً كما قيل به في نظائره، فليتأمل. ويتفرّع على القول بثبوت الملك بالقبض في الهبة الفاسدة ما في البحر عن الإسعاف من أنه إذا وقف الأرض التي وهبت له هية فاسدة صح وعليه قيمتها انتهى. وهذا يؤيد ما ذكره الشيخ شاهين تبعاً للإمامين الأسروشني والعمادي. وفي أبي السعود عن القهستاني: وكما لا يمنع الرجوع في الهبة الفاسدة القرابة فكذا غيرها من الموانع انتهى. ويؤيد ذلك أيضاً ما قدمناه عن الخيرية ونور العين فلا تنسه. قوله: (من تمام القبض) أي كون القبض تاماً. قوله: (لا طارىء) بالهمز؛ لأنه حدث بعد وجود القبض وتمام الهبة فلا يؤثر شيئاً. أقول: ومنه لو وهب داراً في مرضه وليس له سواها ثم مات ولم تجز الورثة الهبة بقيت الهبة في ثلثها، وتبطل في الثلثين كما صرح به في الخانية. قوله: (كأن يرجع في بعضها شائعاً) فإنه لا يفسدها اتفاقاً، ونظيره ما قالوا: إن الردة لا تبطل التيمم؛ لأن الإسلام شرط لوجود النية التي هي شرط لصحة التيمم، فإذا صح التيمم بوجود شرطه، وهو النية من المسلم، ثم طرأ عليه الكفر بعد ذلك والعياذ بالله تعالى لم يبطل تيممه؛ لأنه قد تم بوجود شرطه. وكذلك هنا الشائع لا تصح هبته لفقد شرطه، وهو القبض الكامل، فإذا وهب غير الشائع وتمت الهبة بقبضه الكامل، ثم طرأ عليه الشيوع بعد استيفاء شرطه، ولم يبق إلا مجرد الملك للموهوب في الهبة والشيوع لا ينافي الملك كما أن الكفر لا ينافي رفع الحدث، فكما أن التيمم لا يبطل بالردة كذلك الهبة لا تبطل بطرق ٥٩٥ كتاب الهبة يفسدها اتفاقاً (والاستحقاق) شيوع (مقارن) لا طارىء فيفسد الكل، حتى لو وهب أرضاً وزرعها وسلمهما فاستحق الزرع بطلت في الأرض لاستحقاق البعض الشائع فيما يحتمل القسمة والاستحقاق إذا ظهر بالبينة كان مستنداً إلى ما قبل الهبة فيكون مقارناً لها لا طارئاً كما زعمه صدر الشريعة وإن تبعه ابن الكمال، فتنبه. (ولا تصح هبة لبن في ضرع وصوف على غنم ونخل في أرض وتمر في نخل) لأنه کمشاع الشيوع بعد تمامها. قوله: (حتى لو وهب الخ) وهذا بخلاف ما إذا وهب داراً بمتاعها وسلمها فاستحق المتاع صحت في الدار، إذ بالاستحقاق ظهر أن يده في المتاع كانت يد غصب، وقد تقدم أن الهبة المشغولة بملك الغير تصح، بخلاف المشغولة بملك الواهب وإنما بطلت الهبة في مسألتنا وخالفت مسألة الدار والمتاع لأن الزرع مع الأرض بحكم الاتصال كشيء واحد، فإذا استحق أحدهما صار كأنه استحق البعض الشائع فيما يحتمل القسمة، فتبطل الهبة في الباقي. كذا في الكافي. درر. ويدل لهذا التعليل قول المؤلف الآتي (كمشاع)) قال في الخانية: والزرع لا يشبه المتاع. قوله: (لاستحقاق البعض الشائع) أي حكماً كما علمت. قوله: (إذا ظهر بالبيئة الخ) انظر ما لو ثبت الاستحقاق بإقرار الواهب، والظاهر أنه لغو؛ لأنه أقر بملك الغير وما لو أقر به الموهوب له، والظاهر أنه يعامل بإقراره، فيثبت الزرع لمستحقه وهل تبطل الهبة يحرر ط. قوله: (فيكون مقارناً لها لا طارئاً) هذا الذي في الظهيرية والذي في دعوى النهاية والكرماني جعله من الطارىء. قال القهستاني: فلعل في المسألة روايتين، وبه تعلم أن صدر الشريعة وابن الكمال لهما سلف فیما ذهبا إليه. والحاصل: أن صدر الشريعة جعل المفسد هو الشيوع المقارن، لأن الشيوع الطارىء كما إذا وهب، ثم رجع بالبعض الشائع واستحق البعض الشائع. ورد عليه صاحب الدرر والمصنف حيث قال في الدرر: أقول: عدة صور الاستحقاق من أمثلة الشيوع الطارىء غير صحيح، والصحيح ما ذكر في الفصولين والكافي، وعبارة الفصولين أن الشيوع الطارىء لا يفسد الهبة بالاتفاق، وهو أن يرجع ببعض الهبة شائعاً، أما الاستحقاق فيفسد الكل لأنه مقارن لا طارىء. كذا ذكره شيخ الإسلام أبو بكر في المحيط اهـ. قوله: (كمشاع) قال في شرح الدرر: هذه نظائر المشاع لا أمثلته فلا شيوع في شيء منها لكنها في حكم المشاع حتى إذا فصلت وسلمت صح. قال الخير الرملي: أقول: لا يذهب عنك أنه لا يلزم أن يأخذ حكمه في كل شيء، وإلا لزم أن لا تجوز هبة النخل من صاحب الأرض وكذا عكسه، والظاهر خلافه، ٥٩٦ كتاب الهبة (ولو فصله) وسلمه (جاز) لزوال المانع وهل يكفي فصل الموهوب له بإذن الواهب؟ والفرق بينهما أنه ما من جزء من المشاع وإن دق إلا وللشریك فيه ملك فلا تصح هبته، ولو من الشريك لأن القبض الكامل لا يتصور، وأما نحو النخل في الأرض والثمر في النخل والزرع في الأرض لو كان كل واحد منها لشخص فوهب صاحب النخل نخله كله لصاحب الأرض أو عكسه، فإن الهبة تصح لأن ملك كل منهما متميز عن الآخر فيصح قبضه بتمامه، ولم أر من صرح به، لكن يؤخذ الحكم من كلامهم، وقد صرحوا بأن المانع إنما يعتبر وقت القبض، لا وقت العقد. هذا، وقد قدم عن الصيرفية: لو وهب نصيبه من الدار لشريكه أو من شيء يحتمل القسمة فإنه يجوز إجماعاً. وفي فتاوى الزاهد العتابي: لو وهب النصف من شريكه من دار لم يجز، وقيل: يجوز هو المختار وراجعت الصيرفية فرأيته قال: وفي فتاوى زين: لو وهب النصف من شريكه الخ، فإذا كان هذا في المشاع فما بالك في المتصل الممكن فصله، ولا أدري ما يمنع من ذلك، ولكن النقل إذا وجد لا يسعنا معه إلا التسليم اهـ. أقول: ومثال مشاع يقبل القسمة كنصف دار كبيرة وربع صبرة معينة ونحوهما مما سبق من الأمثلة، وإنما أورد النظائر لاهتمام الإفادة، وللتنبيه على أن الحكم فيها بالطريق الأولى كما هو حال التشبيه ظاهراً، غايته التساوي، فيكون من قبيل تشبيه أحد المتساويين في الحكم بالآخر، والأول هو الظاهر. قال في العمادية: إن هبة اللبن في الضرع في رواية لا تجوز، وفي رواية: تجوز إذا سلطه على الحلب انتهى. وفي التاترخانية: وهبة اللبن في الضرع لا تجوز في إحدى الروايتين من كتاب الهبة، وإن سلط على الحلب هو الصحيح اهـ. لعل صحة عدم الجواز لأن الحلب يقبل التفاوت فيؤدي إلى النزاع على أن القبض لم يوجد إذ اللبن في الضرع عند الهبة، وهو متصل بملك الواهب. هذا. وقال في الكافي: ولو وهب زرعاً في أرض أو ثمراً في شجر أو حلية في سيف أو بناء في دار أو قفيزاً من صبرة وأمره بالحصاد والجذاذ والنزع والنقض والكيل وفعل صح استحساناً، ويجعل كأنه وهبه بعد الحصاد والجذاذ ونحوهما اهـ. لعل وجه الاستحسان: أن الحصاد ونحوه لا يقبل التفاوت فلا يؤدي إلى النزاع هذا فيكون كطعام في جرابه، إلا أنه لما كان اتصال كل منها بملك الواهب خلقة عدّ من قبيل المشاع، فتأمل. قوله: (ولو فصله وسلمه جاز) إنما جاز في اللبن وإن كان في وجوده شك، لأنه قد یکون ريحاً أو دماً لترجح جانب الوجود بالتصرف فيه، فإنه بانفصاله تيقن وجوده، بخلاف هبة الحمل فإنه لا يصح، ولو سلمه بعد الولادة لعدم إمكان التصرف وقت ٥٩٧ كتاب الهبة ظاهر الدرر نعم (بخلاف دقيق في برّ ودهن في سمسم وسمن في لبن)، حيث لا يصح أصلا لأنه معدوم فلا يملك إلا بعقد جديد (وملك) بالقبول الهبة. قوله: (ظاهر الدرر نعم) فإنه قال: وكذا يجوز هبة البناء دون العرصة إذا أذن له: أي للموهب له الواهب في نقضه وهبة أرض فيها زرع دونه: أي دون الزرع ونخل فيها ثمر دونه: أي دون الثمر إذا أمره: أي الواهب الموهوب له بالحصاد في الزرع والجذاذ في الثمر لزوال اشتغال الموهوب بملك الواهب انتهى بتصرف. وأفاد عزمي زاده أنه صحيح في الأول دون الأخيرين، فإنه لا يصح فيهما مطلقاً لأنه متصل به اتصال خلقة، فكان بمنزلة المشاع الذي يحتمل القسمة، فلا تتم بدون الإفراز والحيازة. نعم الحكم صحيح في عكسهما وهو هبة زرع بدون أرضه وهبة ثمر بدون شجره، فإنه يصح استحساناً إن أمره بالحصاد والجذاذ وفعله انتهى. وعلى كل فما ذكره الشارح صحيح، وبحث عزمي زاده في التمثیل ط. أقول: ويحتمل أن الشارح فهم من قول الدرر حتى إذا فصلت هذه الأشياء عن ملك الواهب وسلمت صح هبتها كما في المشاع ما إذا فصلها الواهب أو الموهوب له بإذنه. وقال الخير الرملي في حاشيته على المنح: قوله ((ولو فصله وسلمه)) أي الواهب، فلو فصله الموهوب له بغير إذن الواهب لا يملكه إلا بعقد جديد اهـ. فقوله بغير إذن الواهب: إنه لو كانَ بإذنه كان كفصله بنفسه، ويحتمل أنه أخذه الشارح من العبارة التي ذكرناها أولاً عن الطحطاوي، وكأن الشارح رأى أنه لا فرق بينهما وإن كانت العلة التى ذكرها في الدرر لا تجري هنا، لأنه علل بأن المانع الاشتغال بملك الواهب، فإذا أذن بالجذاذ والحصاد وفعل الموهوب له ذلك زال المانع فجازت الهبة، وهنا يقال: المانع هو شبه الشيوع، فإذا زال بإذن المالك زال المانع، والله أعلم. قال في الخانية: ولو وهب زرعاً بدون الأرض أو ثمراً بدون النخل وأمره بالحصاد والجذاذ ففعل الموهوب له ذلك جاز، لأن قبضه بالإذن يصح في المجلس وبعده اهـ. ومثله في الحامدية عن جامع الفتاوى، وهو نظير ما فهمه الشارح أولًا. قوله: (حيث لا يصح أصلا) أي سواء أفرزها وسلمها أو لا. درر. قوله: (لأنه معدوم) قال في الدرر: لأنه في حكم المعدوم وسره أن الحنطة استحالت وصارت دقيقاً وكذا غيرها، وبعد الاستحالة هو عين أخرى على ما عرف في الغصب اهـ. وأما الوصية فتجوز بهذه الأشياء لأنها تجوز بالمعدوم كما ذكره العيني. قوله: (فلا يملك إلا بعقد جديد) لأنه بعد الاستحالة عين أخرى بخلاف المشاع، لأنه محل للملك إلا أنه لا يمكن تسليمه، فإذا زال المانع جاز. درر ومنح. قوله: (وملك بالقبول) إنما اشترط القبول نصاً لأنه إذا لم يوجد كذلك يقع ٥٩٨ كتاب الهبة (بلا قبض جديد) لو الموهوب في يد الموهوب له ولو بغصب أو أمانة، لأنه حينئذ عامل لنفسه، والأصل أن القبضين إذا تجانسا ناب أحدهما عن الآخر، وإذا تغايرا ناب الأعلى عن الأدنى الملك في الهبة بغير رضاه لأنه لا حاجة إلى القبض، ولا يجوز أن يقع الملك للموهوب له بغير رضاه لما فيه من توهم الضرر، بخلاف ما إذا وهب عبداً له لم يكن في يده، وأمره بقبضه فإنه يصح إذا قبض. ولا يشترط القبول؛ لأن العبد ليس في يده حال الهبة، فكان الموهوب له محتاجاً إلى إحداث قبض حتى يملك الهبة، فإذا أقدم على القبض كان ذلك إقداماً على القبول ورضا منه بوقوع الملك له فيملكه. قوله: (بلا قبض) أي بأن يرجع إلى الموضع الذي فيه العين، وينقضي وقت يتمكن فيه من قبضها. قهستاني. قوله: (لو الموهوب في يد الموهوب له) لأن القبض ثابت فيها، وهو الشرط سواء كانت في يده أمانة أو مضمونة، لأن قبض الأمانة ينوب عن مثله لا عن المضمون، والمضمون ينوب عنهما والأصل أنه متى تجانس القبضان ناب أحدهما عن الآخر، وإن اختلفا ناب الأقوى عن الأضعف، دون العكس، هذا إذا كان الموهوب مضموناً في يده كالغصب والمرهون والمقبوض على سوم الشراء لا إشكال فيه، لأن القبض فيه حقيقة وحكماً، فيبرأ عن الضمان بمجرد قبول الهبة، وكذا إذا كان في يده عارية أو إجارة لأنه قبضها لنفسه ويده ثابتة فيه. وأما إذا كانت في يده بطريق الوديعة فمشكل، لأن يده يد المالك، لكن لما لم يكن عاملاً للمالك بعد الهبة اعتبرت يده الحقيقية. زيلعي. واعلم أن في قول الزيلعي: فيبرأ عن الضمان إشارة إلى أن العين المرهونة تكون مضمونة في يد الموهوب له بمثلها أو قيمتها احترازاً عما إذا كانت العين مضمونة بغيرها كالمبيع المضمون بالثمن وكالرهن المضمون بالدين، فلا بد من قبض مستأنف بعد عقد الهبة، ومضي وقت يتمكن من قبضها لأن العين وإن كانت في يده مضمونة، إلا أن هذا الضمان لا تصح البراءة منه مع وجود القبض الموجب له فلم تكن الهبة براءة، وإذا كان كذلك لم يوجد القبض المستحق بالهبة، فلم يكن بد من تجديد قبض آخر. غاية عن شرح الأقطع. قوله: (لأنه حينئذ) أي حين إذ قبل عامل لنفسه: أي بسبب وضع يده على ملكه. قوله: (والأصل أن القبضين إذا تجانسا) كأن كان عنده وديعة فأعاره له، فإن كان القبضين قبض أمانة، فيصح من غير قبض مستأنف أو غصب شيئاً فباعه المالك منه. قوله: (وإذا تغايرا) كأن غصبه منه وأخذه ثم وهبه منه. قوله: (ناب الأعلى عن الأدنى) أي ولا يحتاج إلى قبض فناب المغصوب عن قبض الهبة، لأن في الأعلى مثل ما في الأدنى وزيادة، وليس في الأدنى ما في الأقوى، وكذا لو كان مقبوضاً في يده بطريق البيع الفاسد، لأنه قبض ضمان. أما المبيع فاسداً فإنه يملك بقبض الضمان كما لو كان في يده ٥٩٩ كتاب الهبة لا عكسه، وهبة من له ولاية على الطفل (في الجملة) وهو كل من يعوله مغصوباً قبل الشراء الفاسد، ولا يقبض بقبض الأمانة لأن قبض الأمانة دون قبض الضمان فلا ينوب عنه. قوله: (لا عكسه) وهو أن قبض الأمانة لا ينوب عن قبض الضمان كما في البيع والرهن فقبض الوديعة مع قبض الهبة يتجانسان، لأنهما قبض أمانة ومع قبض الشراء يتغايران؛ لأنه قبض ضمان فلا ينوب الأول عنه كما في المحيط، ومثله في شرح الطحاوي لكن ليس على إطلاقه، فإنه إذا كان مضموناً بغيره كالبيع المضمون بالثمن والمرهون المضمون بالدين لا ينوب قبضه عن القبض الواجب كما في المستصفى، ومثله في الزاهدي، فلو باع من المودع احتاج إلى قبض جديد وتمامه في العمادي. قهستاني. قال الأقطع في شرحه: والأصل في ذلك أن العين الموهوبة إذا كانت في يد الموهوب أمانة كالوديعة والعارية ملكها بعقد الهبة من غير تجديد قبض استحساناً لا قياساً. وجه الاستحسان أن الهبة تقف صحتها على مجرد القبض، فلا يلتفت إلى قبض بصفة ومجرد القبض موجود عقب العقد فصحت الهبة، ولا يشبه هذا بيع الوديعة ممن هي في يده، لأن البيع يقتضي مبيعاً مضموناً وقبض المودع عقب العقد قبض أمانة، فلا بد من تجديد القبض، وذلك لا يكون إلا بالتخلية بينه وبين الوديعة. وأما إذا كانت العين في يد الموهوب له مضمونة فهو على وجهين: إن كانت مضمونة بمثلها أو بقيمتها كالعين المغصوبة والمقبوضة على وجه السوم، فإنه يملكه بالعقد، ولا يحتاج إلى تجدید قبض، وذلك لأن القبض الذي تقتضيه الهبة قد وجد وزيادة، وهو الضمان وذلك الضمان تصح البراءة منه؛ ألا ترى أنه لو أبرأ الغاصب من ضمان الغصب جاز وسقط، فصارت الهبة براءة من الضمان فبقي قبض من غير ضمان فتصح الهبة؛ وإن كانت العين مضمونة بغيرها كالبيع المضمون بالثمن وكالرهن المضمون بالدين، فلا بد من قبض مستأنف بعد الهبة وهو أن يرجع إلى الموضع الذي فيه العين، ويمضي وقت يتمكن فيه من قبضها، وذلك لأن العين وإن كانت في يده مضمونة إلا أن هذا الضمان لا تصح البراءة منه مع وجود القبض الموجب له، فلم تكن الهبة براءة؛ وإذا كان كذلك لم يوجد القبض المستحق بالهبة فلم يكن بد من تجديد قبض اهـ. قوله: (وهبة الخ) هو من إضافة المصدر إلى فاعله: أي أن يهب من له الولاية على الطفل للطفل يتم بالعقد، ولا يفتقر إلى القبض لأنه هو الذي يقبض له فكان قبضه كقبضه، وصار كمن وهب لآخر شيئاً وكان الموهوب في يد الموهوب له، فإنه لا يحتاج إلى قبض جديد كما مر قبيل هذه المسألة. قوله: (في الجملة) أي وإن لم يكن له تصرف في ماله، وقوله ((على الطفل)) أخرج به الولد الكبير، فإن الهبة لا تتم إلا بقبضه، ولو كان في عياله ولا يملك المولى قبض ما وهب لعبده ٦٠٠ كتاب الهبة فدخل الأخ والعم عند عدم الأب لو في عيالهم (تتم بالعقد) لو الموهوب معلوماً وكان في يده أو يد مودعه لأن قبض الولي ینوب عنه، المحجور، وإذا قبضه العبد ملكه المولى، لأنه كسب عبده ط. قوله: (فدخل الأخ) الأولى: نحو الأخ لما سيأتي من أن الأم والملتقط ممن يعوله لو في حجرهما. قوله: (عند عدم الأب) لأن تصرفهم كان للضرورة، ولا ضرورة مع حضوره والمراد بعدم الأب: ما يعم الغيبة المنقطعة. أفاده في البحر. وأفاد المؤلف أن قبض غير الأب مشروط بشرطين: عدم الأب، وكون الصغير في عياله. والظاهر أن القول الصحيح الآتي في أنه لا يشترط عدم الأب في الهبة الصادرة من الأجنبي يأتي هنا، والمراد بالأب من له ولاية التصرف في ماله ط. قوله: (تتم بالعقد) أي بالإيجاب فقط كما يشير إليه الشارح، فلو أرسل العبد في حاجة أو كان آبقاً في دار الإسلام فوهبه من ابنه صحت، ولو لم يرجع العبد حتى مات الأب لا يصير ميراثاً عن الأب. تاترخانية. لكن يعكر على صحة الهبة في الآبق ما قدمناه من أنها لو سقطت لؤلؤة فوهبها لرجل وسلطه على قبضها وطلبها فطلب وقبضها فالهبة باطلة، لأن في قيامها وقت الطلب خطراً. ووجهه أن الآبق في وجوده خطر، اللهم إلا أن يحمل على ما إذا علم وجوده وقت الهبة، أو لأن يد المولى باقية عليه حكماً لقيام يد أهل الدار عليه، فيمنع ظهور يده تملكهم إن دخل فيها؛ ولو وهبه بعد دخوله فيها لم يجز. ذكره الشراح في باب استيلاء الكفار، فتأمل. وإذا وهب أحد لطفل ينبغي أن يشهد، وهذا إذا أعلمه يشهد عليه والإشهاد للتحرز عن الجحود بعد موته والإعلام لازم لأنه بمنزلة القبض. بزازية ويأتي قريباً. قوله: (لو الموهوب معلوماً) إذ لا يصح تمليك المجهول كنحو وهبت شيئاً من مالي ويأتي في قوله وضعوا هدايا الختان بين يد الصبي الخ، وهل يشترط فيه أن يكون محوزاً مقسوماً كما هو الشرط في الهبة، أو يقال: إنما شرط ذلك لأجل تمام القبض وهذا مقبوض لوليّ القبض فلا يفتقر إلى ذلك الظاهر؟ نعم لأن من أودع إنساناً داره الكبيرة وسلمه إياها ثم وهبه نصفها فإنها لا تصح الهبة مع أنها مقبوضة بيده، وإن كان قبضاً غير کامل. قال محمد رحمه الله تعالى: كل شيء وهبه لابنه الصغير وأشهد عليه وذلك الشيء معلوم في نفسه فهو جائز، والقصد أن يعلم ما وهبه له، والإشهاد ليس بشرط لازم، فإن الهبة تتم بالإعلام. تاترخانية. قوله: (وكان في يده أو يد مودعه) وكذا في يد مستعيره لا مستأجره وغاصبه أو مرتهنه أو المشترى منه بشراء فاسد. بزازية. قال الطحطاوي: واحترز بما ذكر: أي كونه في يده أو يد مودعه عما إذا كانت في يد الغاصب من الولي أو المرتهن أو المستأجر حيث لا تجوز الهبة لعدم قبضه، لأن قبضهم لأنفسهم اهـ. واستظهر