Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ كتاب الهبة أي بلا عوض، لا أن عدم العوض شرط فيه. وأما تمليك الدين من غير من عليه والصدقة وغيرهما، اللهم إلا أن يقال: إن المصنف جرى على طريقة المتقدمين من جواز التعريف بالأعم والأخص اهـ. سري الدين عن المجتبى. وزاد ابن الكمال قوله للحال لإخراج الوصية، وخرج الإباحة والعارية والإجارة والبيع وهبة الدين ممن عليه فإنه إسقاط وإن كان بلفظ الهبة. منح. قوله: (أي بلا عوض) أي بلا شرط عوض على حذف مضاف، لكن هذا يظهر لو قال بلا عوض كما في الكنز، لأن معنى مجاناً عدم العوض لا عدم اشتراطه. على أنه اعترضه الحموي كما في أبي السعود بأن. قوله: ((بلا عوض)) نص في اشتراط عدم العوض والهبة بشرط العوض نقيضه فكيف يجتمعان اهـ: أي فلا يتم المراد بما ارتكبه وهو شمول التعريف للهبة بشرط العوض، لأنه يلزم خروجها عن التعريف حينئذ كما نبه عليه في العزمية أيضاً. قلت: والتحقيق أنه إن جعلت الباء للملابسة متعلقة بمحذوف حالاً من تمليك لزم ما ذكر، أما لو جعل المحذوف خبراً بعد خبر: أي هي كائنة بلا شرط عوض على معنى أن العوض فيها غير مشروط، بخلاف البيع والإجارة فلا يرد ما ذكر، فتدبر. قوله: (إلا أن عدم العوض شرط فيه) وإلا لما شمل الهبة بشرط العوض. والحاصل: أن المعتبر في الهبة تمليك العين سواء كان بعوض أو بلا عوض لما سيأتي من أن الهبة بشرط العوض صحيحة فليس عدم العوض شرطاً في تحققها، فمعناه أن الهبة تتحقق ولا يشترط فيها العوض، وليس عدم العوض شرطاً فإنه يقتضي أنها لا تتحقق مع العوض وليس كذلك. وقد فرقوا بين الوجود بلا شرط شيء وبين الوجود بشرط لا شيء بأن الأول أعم من الثاني، وعليه فإن العوض لا يشترط في تعريفها، بل قد تكون بعوض كما إذا شرطه، وقد تكون بلا عوض؛ فمعنى قوله بلا عوض: أي ليس العوض من لازمها ومطرداً فيها، بخلاف البيع فإنه لا بد فيه من العوض حتى لو باعه بلا عوض فسد، ولو أسقط هذا النفي لكان تعريفاً للهبة من كل وجه وهي الهبة بلا عوض مشروط، ويكون معنى قوله بلا عوض: أي بلا شرط عوض سواء عوّضه من تلقاء نفسه أو لا، أما الهبة بشرط العوض فهي هبة ابتداء بيع انتهاء كما سيأتي بيانه، وهذا كله على جعل الباء للملابسة الخ. قوله: (وأما تمليك الدين الخ) هذا جواب عن سؤال مقدر وهو أن تقييده بالعين مخرج لتمليك الدين من غير من عليه مع أنه هبة إذا أمره بقبضه فيخرج عن التعريف. فأجاب بأنه يكون عيناً مالاً، فالمراد بالعين في التعريف ما كان عيناً حالًا أو مآلًا وهو خارج عن القياس، إذ الهبة لا تصح إلا في الملك والعين غير مملوكة له وقت الهبة وهو نظير الحمل ولا يصح هبثه مع أنه سيصير عيناً مملوكة، وقد يفرق بأن تمام الحمل غير متحقق إذ هو متوقف على إتمام الله ٥٦٢ كتاب الهبة الدين، فإن أمره بقبضه صحت لرجوعها إلى هبة العين. (وسببها إرادة الخير للواهب) تعالى له وفصله عن أمه والعبد لا يقدر عليه، والدين ثابت في ذمة المديون مأمور يدفعه لربه وصاحبه قادر على قبضه شرعاً فيقدر على تسليمه. قال بعض الفضلاء: ولهذا لا يلزم إلا أذا قبض، وله الرجوع قبله فله منعه حيث كان بحكم النيابة عن القبض، وعليه تبتني مسألة موت الواهب قبل قبض الموهوب له في هذه، فتأمل. بقي هل الإذن يتوقف على المجلس الظاهر؟ نعم فليراجع .. ولا ترد هبة الدين ممن عليه لأنها مجاز عن الإسقاط، والفرد المجازي لا ينقض، والله سبحانه أعلم. قال في البحر عن المحيط: ولو وهب ديناً له على رجل وأمره أن يقبضه فقبضه جازت الهبة استحساناً فيصير قابضاً للواهب بحكم النيابة، ثم يصير قابضاً لنفسه بحكم الهبة، وإن لم يأذن بالقبض لم يجز اهـ. وفي أبي السعود عن الحموي: ومنه يعلم أن تصيير معلومة المتجمد للغير بعد فراغه له غير صحيح ما لم يأذنه بالقبض، وهي واقعة الفتوى. لكن قال في الأشباه: تصح ويكون وكيلاً قابضاً للموكل ثم لنفسه، ومقتضاه أن له عزله عن التسليط قبل قبضه اهـ. وهل منه ما تعورف في زماننا من بيع أوراق الجامكية وكذا أوراق الكميالي والقنصليد إلى غريمه أو إلى غيره أو لمن عليه أموال أميرية أو لغيره فإنه غير مديون لعين ولعدم تعينه لقضاء الجامكية. قال المصنف في فتاواه: سئل عن بيع الجامكية، وهو أن يكون لرجل جامكية في بيت المال، ويحتاج إلى دراهم معجلة قبل أن تخرج الجامكية فيقول له رجل بعني جامكيتك التي قدرها بكذا أنقص من حقه في الجامكية فيقول له بعتك فهل البيع المذكور صحيح أم لا لكونه بيع الدين بنقد؟ أجاب إذا باع الدين من غير من هو عليه كما ذكر لا يصح. قال مولانا في فوائده: وبيع الدين لا يجوز، ولو باعه من المديون أو وهبه جاز اهـ. أقول: وكان الأولى للشارح أن يقول: ولا يرد تمليك الدين وقد أمر بقبضه لرجوعه إلى تمليك العين بسبب الأمر بقبضه. قوله: (فإن أمره يقبضه صحت) ويكون وكيلاً قابضاً للموكل ثم لنفسه كما تقدم. قال في الحاوي القدسي: فإن قال الدين الذي لي على زيد هو لعمرو ولم يسلطه على القبض ولكن قال واسمي في كتاب الدين عارية صح، ولو لم يقل هذا لا يصح. وفي البزازية: المرأة وهبت مهرها الذي على زوجها لابنها الصغير من هذا الزوج، إن أمرت بالقبض صحت وإلا لا؛ لأنه هبة الدين من غير من عليه الدين .. ذكره الحموي. قوله: (إرادة الخير للواهب) يقصد بها دفع شر الموهوب له، وقد يراد به الخير ٥٦٣ كتاب الهبة دنيوي: كعوض ومحبة وحسن ثناء وأخروي. قال الإمام أبو منصور: يجب على المؤمن أن يعلم ولده الجود والإحسان، كما يجب عليه أن يعلمه التوحيد والإيمان، للموهوب له. قوله: (دنيوي) بضم الدال وكسرها كما هما في دنيا. قوله: (كعوض) يشمل المال والمنفعة والدعاء، لما ورد في الحديث ((مَنْ أَسْدَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرُوا فَادْعُوا لَهُ))(١) فكان الدعاء عوضاً عن العجز. قوله: (ومحبة) أي من الموهوب له للواهب، لما ورد في الحديث (تَهَادَوْا تَحَابَو)»(٢) ولأن القلوب جبلت على حبّ من أحسن إليها، بل الفعل الجميل محبب حتى لغير من وصل إليه الجميل عند النفوس الكريمة. قوله: (وحسن ثناء) لأن الواهب يوصف بالجود ومكارم الأخلاق، وينتفي عنه سيمة البخل بالجود الذي هو دواء الداءات. قوله: (وأخروي) أي وهو الثواب إن حسنت النية، وحذفه للعلم به. وصرح به في شرح الملتقى فقال: أو الأخروي كالنعيم المقيم، ولأن منه امتثال أمر الله تعالى في قوله ﴿وَتَعَلَوَنوا عَلَىَ أَلْبِرِّ وَالْتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وأمر النبي في قوله: ((تهادوا)) واتباعاً للسنة لما كان عليه النبي وأصحابه من التهادي وإيثار الإخوان على النفس، وهو واجب على المؤمن أن يفعله ويعلمه ولده، لما نقله الشارح عن الإمام أبي منصور، وفاعل الواجب يثاب في الآخرة. قوله: (قال الإمام أبو منصور) بيان للأخروي. قوله: (يجب على المؤمن) الذي تفيده هذه العبارة أن هذا التعليم فرض عين ط. قال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام، وسخاؤها بما ملكت على الخاص والعام، وجميع خصال الخير من فروعه. قال عليه الصلاة والسلام ((تَجَافَوْا عَنْ ذَنْب السَّخيِّ، فَإِنَّ اللَّهَ آَخِذٌ بِيَدِهِ كُلِمَا عَثَرَ، وَفَاتِحْ لَهُ كُلَّمَا اقْتَقَرَ)(٣) وعن جابر بن عبد الله قال ((مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّ اللَّهُ عَلِيهِ وسَلَّم شَيْئاً فَقَالَ لَا))(٤) وعنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال ((السَّخي قِرِيبٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ الجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ. وَالبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ الجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ))(٥) وقال بعض السلف: منع الجود سوء ظن بالمعبود، وتلا (١) ذكره العجلوني في كشف الخفا ٢/ ١٣٢. (٢) أخرجه البيهقي في السنن ١٦٩/٦ ومالك في الموطأ (٩٠٨) وابن عبد البر في التمهيد وذكره الهيثمي في المجمع ١٤٦/٤. (٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٠٨/٤ والخطيب في التاريخ ٣٣٥/٨ وذكره الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٨٢. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١٥/١١ وابن سعد ٩٣/٢/١. (٥) أخرجه الترمذي ٣٤٢/٤ (١٩٦١) وقال حديث غريب لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد بن محمد في رواية هنا الحديث عن يحيى بن سعيد، إنما يروى عن يحيى بن سعيد عن عائشة شيء مرسل. وأخرجه الخرائطي في المكارم ص ٦٢ وابن أبي حاتم في العلل ٢/ ٢٨٤ وعزاه المتقي الهندي في الكنز (١٥٩٢٨) للبيهقي في الشعب والطبراني في الأوسط. ٥٦٤ كتاب الهية إذ حب الدنيا رأس كل خطيئة. نهاية. وهي مندوبة وقبولها سنة، قال ◌َّ*ر: ((تهادوا تحابوا)). ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِن شَيءٍ فَهُوَ يْلِفُهُ وَهُوَ خَيرِ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وقال عليّ كرم الله وجهه: ما جمعت من المال فوق قوتك فإنما أنت فيه خازن لغيرك. ومما يحكى في الجواد والإيثار ما روي عن حذيفة العدوي أنه قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى ومعي شيء من الماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى، فقلت أسقيك؟ فأشار إليّ أن نعم، فإذا برجل يقول آه، فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت أسقيك فأشار إليّ أن نعم، فسمع آخر يقول آه، فأشار إليّ أن انطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات رحمهم الله تعالى. قوله: (إذ حب الدنيا الخ) علة لمحذوف تقديره: ولا يتركه من غير تعليم ما ذكر فيشب على حبّ الدنيا وهو مذموم، إذ هو رأس كل خطيئة: أي فيهذا التعليم يخلص من هذه الآفة. قوله: (وهي) أي الهبة. قوله: (وقبولها سنة) أي إلا لعارض، كأن علم أنه مال حرام أو أنه يمتن عليه بما أهداه إليه. قوله: (تهادوا) بفتح الدال وضمها خطأ، وبسكون الواو لأنه صيغة خطاب للجماعة من التهادي، وأصله تهادیوا لأنك تقول: تهادی تهادياً تهاديوا قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم حذفت لالتقاء الساكنين فصار تهادوا كما في مادة تعالوا أصله تعاليوا قال تعالى ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] والأصل أن فعل الأمر إذا لحقته واو الجماعة ينظر إلى مضارعه، فإن ختم بألف کیتهادی یفتح ما قبل الواو وإن ختم بياء كيرمي أو واو كيدعو يضم ما قبلها. قوله: (تحابوا) بتشديد الباء المضمومة، وهو أيضاً صيغة خطاب للجماعة وأصله تحابون ولكن سقطت النون لأنه جواب الأمر، وأصله تحابيوا لأنه من التحابب من المحبة أدغمت الباء في الباء. وقال الحاكم: تحابوا إما بتشديد الباء من الحب وإما بالتخفيف من المحاباة. قلت: رجح الأول الذي هو المشهور ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن صفية بنت حرب عن أم حكيم بنت وداع أو قال وادع قالت: سمعت رسول الله (وَ﴾. يقول ((تَهَادَوْا يَزِيدُ في القَلْبِ حُباً)(١) وفي رواية (تَهَادَوُا تَحَابُوا تَذْهَبُ الشَّحْنَاءُ بَينكُمْ)) وقال عليه الصلاة والسلام ((الهديَّةُ مُشْتَرَكَةٌ) وقال عليه الصلاة والسلام ((مَنْ سَأَلَكُمْ باللَّهِ فأَعْطُوهُ، وَمَن أَسْتَعَاذَكُمْ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ أَهْدى إِلَيْكُمْ كَراعاً فَاقْبَلُوهُ»(٢) وكان صلى الله (١) ذكره المتقي الهندي بنحوه في الكنز (١٥٠٦١). (٢) أخرجه النسائي ٥/ ٨٢ وأحمد في المسند ٦٨/٢ والحاكم في المستدرك ٤١٢/١ والبيهقي في السنن ١٩٩/٤ والطبراني في الكبير ٣٩٧/١٢ وابن حبان (٢٠٧١). ٥٦٥ كتاب الهبة وشرائط صحتها في الواهب: (العقل والبلوغ والملك) فلا تصح هبة صغير ورقيق ولو مكاتباً. تعالى عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ما هو خير منها. وفسر بعضهم ﴿وَإِذَا حُبِيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُوُهَا﴾ [النساء: ٨٦] بالهدية. وفي الأمثال: إذا قدمت من سفرك فأهد إلى أهلك ولو حجراً. وقال الفضل بن سهل: ما استرضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سلت السخائم، ولا دفعت المغارم، ولا استميل المحبوب، ولا توقي المحذور بمثل الهدية. وفي كلام بعضهم: يفرح بالهدية خمسة: المهدي إذا وفق للفضل(١) والمهدى إليه إذا أهل لذلك، والحمال إذا حملها، والملكان إذ يكتبان الحسنات. كذا في بعض كتب الأدب. قوله: (وشرائط صحتها في الواهب) قال في الهندية: وأما ركنها فقول الواهب وهبت لأنه تمليك، وإنما يتم بالمالك وحده، والقبول شرط ثبوت الملك للموهوب له؛ حتى لو حلف لا يهب فوهب ولم يقبل الآخر حنث. كذا في محيط السرخسي. وأما شرائطها فأنواع: يرجع بعضها إلى نفس الركن، وبعضها يرجع إلى الواهب، وبعضها يرجع إلى الموهوب. أما ما يرجع إلى نفس الركن: فهو أن لا يكون معلقاً بما له خطر الوجود والعدم من دخول زيد وقدوم خالد ونحو ذلك، ولا مضافاً إلى وقت بأن يقول وهبت هذا الشيء منك غداً أو رأس شهر. كذا في البدائع. وأما ما يرجع إلى الواهب: فهو أن يكون الواهب من أهل الهبة؛ وكونه من أهلها: أن يكون حراً عاقلاً بالغاً مالكاً للموهوب، حتى لو كان عبداً أو مكاتباً أو مدبراً أو أم ولد أو من في رقبته شيء من الرق، أو كان صغيراً أو مجنوناً أو لا يكون مالكاً للموهوب لا يصح. هكذا في النهاية اهـ. قوله: (العقل) للحجر على المجنون والمعتوه وعدم صحة تصرف الصبي ومن في حكمه كالمعتوه المأذون، والمراد بالعقل ولو حكماً، فتصح هبة السكران. قال العلامة أبو السعود: وإنما قلنا: ولو حكماً ليشمل السكران. قوله: (فلا تصح هبة صغير) والأولى ذكر المجنون. قوله: (ورقيق) لعدم ملكه. قوله: (ولو مكاتباً) أو مدبراً أو أم ولد أو من في رقبته شيء من الرق. قوله: (وشرائط صحتها) أي بقائها على الصحة كما سیاتي. قال في الهندية: وأما ما يرجع إلى الموهوب فأنواع: منها: أن يكون موجوداً وقت الهبة، فلا يجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد بأن وهب ما تثمر نخيله العام وما تلد أغنامه السنة ونحو ذلك، وكذلك لو وهب ما في بطن (١) في ط (قوله إذا وفق للفضل الخ) هكذا بأصله في المواضع الثلاثة بلفظ ((إذا)) الشرطية، ولعله بلفظ ((إذ)) العليلية، ويؤيده قوله في الموضع الرابع: والمكان إذ يكتبان بدون ألف. ٥٦٦ كتاب الهبة (و) شرائط صحتها (في الموهوب: أن يكون مقبوضاً، غير مشاع، هذه الجارية أو ما في بطن هذه الشاة أو ما في ضرعها وإن سلطه على القبض عند الولادة والحلب؛ وكذلك لو وهب زبداً في لبن أو دهناً في سمسم أو دقيقاً في حنطة لا تجوز وإن سلطه على قبضه عند حدوثه لأنه معدوم للحال فلم يوجد محل حكم العقد وهو الأصح هكذا في جواهر الأخلاطي. إذا وهب صوفاً على ظهر غنم وجزه وسلمه فإ ومنها: أن يكون مالاً منقولًا، فلا تجوز هبة ما ليس بمال أصلاً كالحر والميتة والدم وصيد الحرم والخنزير وغير ذلك، ولا هبة ما ليس بمال مطلق كأم الولد والمدبر والمطلق والمكاتب ولا هبة ما ليس بمال متقوم كالخمر كذا في البدائع. ومنها: أن يكون الموهوب مقبوضاً، حتى لا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض، وأن يكون الموهوب مقسوماً إذا كان مما يحتمل القسمة، وأن يكون الموهوب متميزاً عن غير الموهوب، ولا يكون متصلاً؛ ولا مشغولًا بغير الموهوب، حتى لو وهب أرضاً فيها زرع للواهب دون الزرع أو عكسه أو نخلاً فيها ثمرة للواهب معلقة به دون الثمرة أو عكسه لا تجوز، وكذا لو وهب داراً أو ظرفاً فيها متاع للواهب. كذا في النهاية. ومنها: أن يكون مملوكاً، فلا تجوز هبة المباحات لأن تمليك ما ليس بمملوك محال. ومنها: أن يكون مملوكاً للواهب، فلا تجوز هبة مال الغير بغير إذنه لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك للواهب: كذا في البدائع. وهي نوعان: تمليك وإسقاط، وعليهما الإجماع كذا في خزانة المفتين. قوله: (أن يكون مقبوضاً) فلا يثبت الملك للموهوب له قبل القبض كما قدمنا. وفي الزيلعي: وأما القبض فلا بد منه لثبوت الملك، إذ الجواز ثابت قبل القبض بالاتفاق ا هـ. سري الدين، وهذا يفيد أن القبض شرط لثبوت الملك لا للصحة خلاف ما يعطيه كلام المصنف. قوله: (غير مشاع) هذا شرط الجواز في محتمل القسمة لا في غيره كما يأتي، وهذا في الهبة. وأما إذا تصدق بالكل على اثنين فإنه يجوز على الأصح بحر، أي بخلاف ما إذا تصدق بالبعض على واحد فإنه لا يصح كما يأتي آخر المتفرقات، لكن سيأتي أيضاً أنه لا شيوع في الأولى. قال في جامع الفصولين: لو وهب من اثنين ما يقبل القسمة لم يجز عند أبي حنيفة رواية واحدة من غير اختلاف على قوله. وفي الصدقة اختلف المشايخ على قوله: فقيل لا يجوز، وقيل فيه روايتان: لا يجوز على رواية الأصل، ويجوز على رواية الجامع الصغير، وهو الصحيح، كذا حشى. : ٥٦٧ كتاب الهبة وفي هد: لو تصدق بعشرة دراهم على محتاجين يجوز، وكذا لو وهبها لهما. ولو تصدق بها على غنيين أو وهبها لهما لم يجز. وقالا: يجوز لغنيين أيضاً، فرّق بين الصدقة والهبة في الحكم، وسوى في الأصل. وقال: إذ الشيوع مانع فيهما لتوقفهما على القبض. والفرق أن الصدقة يراد بها وجه الله تعالى وهو واحد فلا شيوع، ويراد بالهبة وجه الغني وهما اثنان، وقيل هذا هو الصحيح، والمراد بما ذكر في الأصل التصدق على غنيين فقط. والأظهر أن في المسألة روایتین. بح: قيل جاز التصدق على غنيين لأنهما محل صدقة التطوّع. مق: لا يجوز. وعند أبي يوسف يجوز بشرط المساواة. وعند محمد يجوز في الحالين اهـ. وفيه: وهبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة تجوز من شريكه ومن غيره، وفيما يحتملها لم تجز لا من شريكه ولا من أجنبي، وطروّ الشيوع لا يفسد الهبة بالاتفاق. ولو وهب الكل من اثنين، فإن أجمل بأن قال وهبت منكما لم يجز عند أبي حنيفة. وعندهما يجوز. ولو فصل بالتنصيف فهو على هذا الخلاف، ولو بالتثليث يجوز عند محمد لا عندهما انتهى. قال الخير الرملي: قوله وفيما يحتملها الخ. أقول: في شرح الغزي وفي الزاهد العتابي أنها تجوز. أقول: وفي الفتاوى التاجية أنها تجوز من شريكه، قال: وهو المختار اهـ. ولا يخفى عليك أنه خلاف المشهور انتهى كلام الغزي. قال المقدسي: ولو عليه ألف جيدة وألف غلة (١) فقال ربه وهبتك أحد المالين، قال محمد: جازت وله البيان، وكذا وارثه من بعده. وفي منية المفتي: قال: وهبت نصيبي من هذه الدار والموهوب له لا يعلم كم نصيبه صحت انتهى. ولعل المتفاحشة جهالته لا تصح هبته كقوله وهبتك شيئاً من مالي أو من كذا، وبذا يتضح ما يأتي من اشتراط كون الموهوب معلوماً فيما يتم بمجرد العقد. وفي الهندية عن البحر: ويشترط في صحة المشاع الذي لا يحتمل القسمة أن يكون قدراً معلوماً، حتى لو وهب نصيبه من عبد ولم يعلم به لم يجز، فإن علمه الموهوب له ينبغي أن يجوز عند الإمام دونهما. وفيها قبل ذلك: جميع ما أملكه لفلان يكون هبة لا تجوز بدون القبض، ومر ذلك متناً في الإقرار. وفي الفصولين أيضاً: وهبا من واحد داراً جاز إذا سلماه جملة وقبض فلا شيوع. (١) في ط (قوله غلة) هكذا بالأصل. ٥٦٨ كتاب الهبة مميزاً غير مشغول) كما سيتضح (وركنها): هو (الإيجاب والقبول) كما سيجيء. ولو وهبه واحد من اثنين لم يصح عند أبي حنيفة. وقالا: يصح، لأن هذه هبة الجملة منهما لتوحيد التمليك فلا شيوع كرهن من رجلين، وله أنها هبة النصف لكل منهما. وكذا لو فيما لا يقسم فقبل أحدهما صح، ولأن الملك ثبت لكل في النصف فكذا التمليك لأنه حکمه فتحقق الشیوع، بخلاف الرهن انتهى. وفيه: التسليم يمكن في الشائع، وهو رفع الموانع عن القبض اهـ. وسيأتي الكلام على أحكام المشاع مفصلاً قريباً إن شاء الله تعالى. قوله: (مميزاً غير مشغول) هو بمعنی غير مشاع، ولعله أراد محوزاً: أي مجموعاً احترازاً عن الثمر على الشجر، أو المراد مميزاً عن غير الموهوب وغیر مشغول بغير الموهوب حتى لو وهب أرضاً فيها زرع للواهب دون الزرع أو عكسه أو نخلاً فيها ثمرة للواهب معلقة به دون الثمر أو عكسه لا يجوز؛ وكذا لو وهب داراً أو ظرفاً فيها متاع الواهب. هندية. قوله: (هو الإيجاب والقبول) لأنها عقد كسائر العقود. بحر. لكن في الثاني خلاف. ففي القهستاني: وتصح الهبة بوهبت، وفيه دلالة على أن القبول لیس برکن كما أشار إليه في الخلاصة وغيرها، وقدمنا عن الهندية أن ركنها قول الواهب وهبت لأنه تمليك وإنه يتم بالمالك وحده، فحينئذ لا بد من القبض لثبوت الملك، وذكر الكرماني أن الإيجاب في الهبة عقد تام، وفي المبسوط أن القبض كالقبول في البيع، ولذا: لو وهب الدين من الغريم لم يفتقر إلى القبول كما في الكرماني، لكن في الكافي والتحفة أنه رکن، وذكر في الكرماني أنها تفتقر إلى الإيجاب، لأن ملك الإنسان لا ينقل إلى الغير بدون تمليكه، وإلى القبول لأنه إلزام الملك على الغير، وإنما يحنث إذا حلف أن لا يهب فوهب ولم يقبل، لأن الغرض عدم إظهار الجود ولقد وجد الإظهار، ولعل الحق الأول، فإن التأويلات التصريح بأنه غير لازم، ولذا قال أصحابنا: لو وضع ماله في طريق ليكون ملكاً للرافع جاز اهـ. لكن يمكن الجواب بأن القبول كما يكون بالصريح يكون بالدلالة فیکون أخذه قبولاً دلالة كما يأتي. وفي أبي السعود: ورکنها الإيجاب والقبول ولو دلالة، وإنما حنث لو حلف لا يهب فوهب ولم يقبل الموهوب له لأنه إنما منع نفسه عما هو في وسعه ويقضي بالبيع. وأجاب المقدسي بأن الهبة عقد تبرع فتتم بالمتبرع، بخلاف البيع اهـ. وفيه: واختلف في أن ركنها الإيجاب والقبول أو الإيجاب فقط، وإلى الثاني ذهب صاحب الهداية والوقاية. واعلم أن المراد بالإيجاب خصوص ما یوجد من طرف الواهب، واستدل له بما نقلناه عن القهستاني عن الخلاصة، بما نقلناه عن الكرماني ثم قال: فقولهم الإيجاب ما ٥٦٩ كتاب الهبة (وحكمها: ثبوت الملك للموهوب له غير لازم) فله الرجوع والفسخ (وعدم صحة خيار الشرط فيها) فلو شرطه صحت يتلفظ به أولًا ليس على إطلاقه بل بالنسبة لعقود المعاوضات اهـ. وفيه: والقبول، ولو فعلا، ومنه ما قدمناه لو قال قد وهبت جاریتي هذه لأحدكم فليأخذها من شاء فأخذها رجل منهم تكون له وكان أخذها قبولاً، وما في المحيط من أنه أن لا يشترط في الهبة القبول مشكل. بحر. وأقول: يمكن الجواب بأن المراد بالقبول القبول بالقول. وفي الولوالجية: قال وهبت منك هذه العين فقبضها الموهوب له بحضرة الواهب ولم يقل قبلت صح، لأن القبض في باب الهبة جار مجرى الركن فصار كالقبول اهـ. وفي شرح المجمع لابن ملك عن المحيط: لو كان أمره بالقبض حين وهب لا يتقيد بالمجلس، ويجوز قبضه بعده اهـ. وفي البحر: وكذا بقوله أذنت للناس جميعاً في ثمر نخلي، من أخذ شيئاً فهو له فبلغ الناس من أخذ شيئاً يملكه. كذا في الملتقى. وظاهره أن من أخذه ولم يبلغه مقالة الواهب لا يكون له كما لا يخفى اهـ. وأقول: في جامع الفتاوى عن القنية: لو قال رجل من يتناول من مالي فهو مباح فتناول رجل من غير أن يعلم إباحته جاز الخ، فتأمل. قال في خزانة الفتاوى: إذا دفع لابنه مالًا فتصرف فيه الابن يكون للأب إلا إذا دلت دلالة التمليك. بيري. قلت: قد أفاد أن التلفظ بالإيجاب والقبول لا يشترط بل تكفي القرائن الدالة على التمليك، كمن دفع لفقير شيئاً وقبضه ولم يتلفظ واحد منهما بشيء، وكذا يقع في الهدية ونحوها فاحفظه، ومثله ما يدفعه لزوجته وغيرها، وعليه فتصح الهبة بالتعاطي، وسيأتي تمامه قريباً إن شاء الله تعالى. قوله: (وحكمها) أي الأثر المترتب عليها. منح. قوله: (غير لازم) أي إلا في الصور السبعة. قوله: (فله الرجوع) أي مع كراهة التحريم كما يأتي. قوله: (والفسخ) عطف خاص، فإن الفسخ من الألفاظ الدالة على الرجوع. قوله: (وعدم صحة خيار الشرط فيها) الأولى وعدم صحتها بخيار الشرط بقرينة التفريع، وإلا فمفاده أنها صحيحة مطلقاً والشرط باطل لأنه يمنع تمام القبض وهي لا تتم إلا به، وهذا لو شرط للمالك، فلو للموهوب له لا، إلا إن اختار قبل التفرق أو أبرأه صح لانتفاء المانع من صحة القبض. قوله: (فلو شرطه) بأن وهبه على أن الموهوب له بالخيار ثلاثة أيام. وقوله: ((وكذا لو أبرأم)) هذا فيما لو كان شرط الخيار من جانب الواهب كما علمت، وكان عليه أن يذكرها كما في المنح. ولو أبرأه على أنه بالخيار ثلاثة أيام صح ٥٧٠ کتاب الهبة إن اختارها قبل تفرقهما، وكذا لو أبرأه صح الإبراء وبطل الشرط. خلاصة، (و) حكمها أنها (لا تبطل بالشروط الفاسدة) فهبة عبد على أن يعتقه تصح ويبطل الإبراء وبطل الخيار. قوله: (إن اختارها قبل تفرقهما) لانتفاء المانع من صحة القبض. قوله: (وكذا لو أبرأه) أي كما تصح إن اختار الهبة وسقط الخيار؛ وكذا لو أبرأه عن كل حق له عليه فيشمل حق الخيار فيصح الإبراء ويبطل الشرط لدخوله في عموم الإبراء؛ وكذا لو أبرأه عن خصوص شرط الخيار، لكن في اشتراط كونه قبل التفرق نظر لأنها تتم بالقبض، ولا يشترط كونه في المجلس فلم لا تنقلب صحيحة بعد سقوط الخيار، ولو بعد المجلس. يتأمل. قال الحلبي: والصواب إسقاط كذا كما عبر به في المنح، وإلا فالتشبيه غير صحيح اهـ. أقول: لا غبار عليه؛ لأن التشبيه في عدم صحة خيار الشرط ولا يخفى حسنه، بل الصواب ما فعله الشارح. قوله: (صح الإبراء وبطل الشرط) لدخوله في عموم الإبراء، وهذا موافق لما تقدم في باب خيار الشرط من أن الشرط يدخل في الإبراء، بأن قال أبرأتك على أني بالخيار ذكره فخر الإسلام من بحث الهزل. بحر. قال في الأشباه: إن الإبراء عن الدين يثبت فيه خيار الشرط اهـ. وفي الشرنبلالية عن الواقعات أنه لو أبرأه عن حقه على أنه بالخيار صح الإبراء وبطل الخيار، لأن الإبراء دون الهبة في كونه تمليكاً؛ ولو وهب عيناً على أنه بالخيار صحت الهبة وبطل الخيار فهذا أولى اهـ. لكن نقل الحموي عن العمادية: لو أبرأه من الدين على أنه بالخيار فالخيار باطل، ولعل في المسألة خلافاً، وبالثاني جزم الشارح. قوله: (وحكمها أنها لا تبطل بالشروط الفاسدة) قال في الخلاصة من البيع بشرط من كتاب البيوع: تعليق الهبة بالشرط باطل إن ذكر بكلمة إن: وإن ذكر بكلمة على، إن كان ملائماً بأن قال وهبتك هذا على أن تعوضني كذا صحت الهبة والشرط، وإن كان الشرط مخالفاً صحت الهبة وبطل الشرط اهـ أنقروي. وفي منهواته معزياً للبحر: من الشروط المفسدة في البيع، وقيد بعلى لأن الشرط لو كان بإن فإن البيع يفسد في جميع الوجوه إلا في مسألة ما إذا قال إن رضي أبي أو فلان في ثلاثة أيام، والظاهر من كلامهم أن كلمة بشرط كذا بمنزلة على لا إن اهـ. أقول: والظاهر الفرق بين البيع والهبة. قال في الهندية في البقالي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: إذا قال لغيره هذه العين لك إن شئت ودفعها إليه فقال شئت يجوز، وعن محمد رحمه الله تعالى في الثمر إذا طلع فقال صاحب الثمر لغيره هو لك إن أدرك أو قال إذا كان غد فهو جائز، بخلاف دخول الدار. كذا في الذخيرة. ٥٧١ كتاب الهبة الشرط. (وتصح بایجاب کوهبت، لو وهب غلاماً أو شيئاً على أن الموهوب له بالخيار ثلاثة أيام، إن أجاز قبل الافتراق جاز، وإن لم يجز حتى افترقا لم يجز. ولو وهب شيئاً على أن الواهب بالخيار ثلاثة أيام صحت الهبة وبطل الخيار، لأن الهبة عقد غير لازم فلا يصح فيها شرط الخيار. كذا في فتاوى قاضیخان. رجل له على آخر ألف درهم فقال إذا جاء غد فالألف لك أو قال أنت بريء منه أو قال إذا أديت إليّ نصف المال فأنت بريء من النصف الباقي أو قال ذلك النصف الباقي فهو باطل. وكذا في الجامع الصغير اهـ. وسيأتي لذلك فروع آخر الباب إن شاء الله تعالى. قوله: (وتصح بإيجاب) عبر في الإصلاح بتنعقد. قال في الإيضاح: لم يقل وتصح لأن الصحة أمر آخر وراء الانعقاد لها شرائط إن صادفتها تصح وإلا تنعقد فاسدة، والكلام ها هنا في بيان انعقادها بألفاظ مخصوصة اهـ. وقد يقال: المقصد انعقادها على وجه الصحة لأنه هو الذي يخلو عن الإثم ط. قال العلامة الرملي: أقول إذا أطلقت الهبة يراد بها تمليك العين لا لإرادة الثواب من غير حمل على وجه الهداية، فإن ما يراد به الثواب يسمى صدقة، وما يحمل يسمى. هدية. ويدخل في مسمى الهبة لغة، ولكن لا يشترط في هذين الإيجاب والقبول وأن كل واحد منهما هبة. تأمل اهـ. قوله: (كوهبت) فإنه أصل فيها. قال في الهندية: وأما الألفاظ التي تقع بها الهبة فأنواع ثلاثة: نوع تقع به الهبة وضعاً. ونوع تقع به الهبة كناية وعرفاً. ونوع يحتمل الهبة والعارية مستوياً. أما الأول: فكقوله وهبت هذا الشيء لك أو مكلته منك أو جعلته لك أو هذا لك أو أعطيتك أو نحلتك، هذا فهذا كله هبة. وأما الثاني: فكقوله كسوتك هذا الثوب أو أعمرتك هذه الدار فهو هبة، كذا لو قال هذه الدار لك عمري أو عمرك أو حياتي أو حياتك فإذا مت فهو رد عليّ جازت الهبة وبطل الشرط. وأما الثالث: فكقوله هذه الدار لك رقبى أو لك حبس ودفعها إليه فهو عارية عندهما. وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى هي هبة، كذا في محيط السرخسي. ولو قال: أطعمتك هذا الطعام، فإن قال فاقبضه فهو هبة، وإن لم يقل فاقبضه يكون هبة أو عارية فقد اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى في شروحهم. كذا في المحيط. ولو قال: حملتك على هذه الدابة يكون عارية إلا أن ينوي الهبة. وقيل هو من السلطان هبة. كذا في الظهيرية. ٥٧٢ كتاب الهبة ونحلت وأطعمتك هذا الطعام ولو) ذلك (على وجه المزاح)، والأصل في هذه المسائل أنه إذا أتى بلفظ ينبىء عن تمليك الرقبة يكون هبة، وإذا كان منبئاً عن تمليك المنفعة يكون عارية، وإذا احتمل هذا وذاك ينوي في ذلك كذا في المستصفى شرح النافع. وكل ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يكون هبة كقوله منحتك هذا الطعام أو هذه الدراهم أو هذه الدنانير، فإن أضافها إلى ما يمكن الانتفاع به مع قيامه حملناها على العارية لأنها الأدنى وإن أضافها إلى ما لا يمكن الانتفاع به إلا بالاستهلاك حملناها على الهبة. كذا في محيط السرخسي اهـ. قوله: (ونحلت) لكثرة استعماله فيه. قال في مختصر الصحاح: نحل بالكسر أعطى عن طيب نفس من غير مطالبة، وقيل من غير أن يأخذ عوضاً اهـ. والنحلة: العطية. مغرب. قوله: (وأطعمتك هذا الطعام) زاد صاحب الدرر فأقبضه تبعاً لما تقدم عن المحيط فقال: إضافة الإطعام إلى ما يطعم عينه يحتمل التمليك والإباحة، فإذا احتمل الأمرين، فإذا قال اقبضه دل ذلك على أن المراد التمليك الخ. قوله: (ولو ذلك على وجه المزاح) نقله في البحر عن الخلاصة. ورده المقدسي عليه بأنه ليس في الخلاصة ما يفيد دعواه. والذي فيها أنه طلب الهبة مزاحاً لا جداً فوهبه جداً وسلم صحت الهبة، لأن الواهب غير مازح، وقد قبل الموهوب له قبولاً صحيحاً. كذا في حاشية أبي السعود عن الحموي. قلت: وليس في كلام البحر ما يقتضي أن المزاح وقع في الإيجاب، إذ عبارته أطلقها فشمل ما إذا كان على وجه المزاح فإن الهبة صحيحة، وعزاه إلى الخلاصة، لأن قوله أطلقها: أي أطلق الهبة. قوله: (فشمل ما إذا كان): أي طلبه لها. تأمل. وعبارة الخلاصة قال: هب لي على وجه المزاح فوهب وقبل وسلم صح، وهذا لا يدل على ذلك، إذ المزاح إنما وقع في طلبها وهي وقعت بلا مزاح مستجمعة للشرائط، وما نقله المصنف عن الخزانة مستدلاً به على ما في متنه لا يفيده أيضاً فإنه نحو ما في الخلاصة. وكذا ما في القهستاني لا يفيده أيضاً، ونصه: ويدخل فيه ما يكون على وجه المزاح، فلو قال وهبت لي كذا فقال وهبت وقال الآخر قبلت وسلم إليه جاز اهـ. على أن الهبة تمليك والتمليك يعتمد الرضا والرضا غير حاصل في الهزل. نعم ذكر في المنح أنه أخذه مما روي عن عبد الله بن المبارك أنه مر بقوم يضربون الطنبور فوقف عليهم وقال هبوه مني حتى تروا كيف أضرب فدفعوه إليه فضربه على الأرض وكسره، فقال: رأيتم كيف أضرب؟ قالوا أيها الشيخ خدعتنا، وذكر هذه الواقعة في الخانية. ثم قال: وإنما قال لهم ذلك احترازاً عن قول أبي حنيفة فإن عنده كسر الملاهي يوجب الضمان وهذا دليل على ما مر من أن هبة المازح جائزة. كذا في فتاوى قاضيخان. والذي ٥٧٣ كتاب الهبة بخلاف أطعمتك أرضي فإنه عارية لرقبتها وإطعام لغلتها. بحر (أو الإضافة إلى ما) أي إلى جزء (يعبر به عن الكل كوهبت لك فرجها وجعلته لك) لأن اللام للتمليك، بخلاف جعلته باسمك، مر هو قوله رجل قال لآخر هب لي هذا الشيء مزاحاً فقال وهبت وسلم. قال أبو نصر: إنما يجوز ذلك اهـ. فهذه هبة صحيحة وقعت مزاحاً، لأن ابن المبارك بزهده وجلالة قدره لا يناسبه هبة الملاهي، فالظاهر أن ذلك وقع على سبيل المزاح، وكأنه أخذ الهزل من قولهم خدعتنا لأنهم لو وهبوه قصداً لم يروه خداعاً منه وفيه تأمل لأن الإنسان يسمح بالهبة لمن يحتاج الشيء ولا يسمح به لمن يريد كسره، فقد رأوه خداعاً لهم حيث أوهمهم أنه يستمنح كرمهم وهو يريد إزالة منكرهم، على أن فعل ابن المبارك لو سلم أنه كان على طريق الهزل ليس بحجة، بل لا بد له من دليل يستند إليه فليطلب ذلك الدليل. قوله: (بخلاف أطعمتك أرضي الخ) مفهوم قوله هذا الطعام. وقدمنا عن الهندية: لو قال منحتك هذه الأرض أو هذه الدار أو هذه الجارية فهو إعارة. ولو قال منحتك هذ الطعام أو هذه الدراهم أو الدنانير وكل ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يكون هبة. قوله: (فإنه عارية لرقبتها) بهجر الحقيقة لأن الأرض لا تطعم، فهو كمسألة النخلة فإن اليمين تنعقد على ثمرتها وهنا التمليك ينعقد على منفعتها فيكون عارية. قوله: (وإطعام لغلتها) أي التي يزرعها المستعير كما تقدم ما يفيده. قوله: (أو الإضافة الخ) معطوف على محذوف مأخوذ من الكلام السابق وهو قوله كوهبت الخ، فإن الأفعال الثلاثة واقعة على الطعام وهو كل، فكأنه قال بإيجاب بإضافة الكل وهو المشار إليه بقوله كوهبت الخ أو الإضافة إلى ما يعبر به عن الكل. وظاهر عبارة المصنف أنه معطوف على مزاح. والأوضح في التعبير ولو بالإضافة: أي ولو صدر الإيجاب بالإضافة الخ. تأمل. قوله: (وجعلته لك) معطوف على مدخول الكاف في قوله كوهبت. قوله: (لأن اللام للتمليك) ولأن الجعل عبارة عن التمليك. قاله قاضيخان. قوله: (بخلاف جعلته باسمك) فإنه يحتمل الهبة ويستعمله البياع كثيراً يريد إني خبأته لك البيع، وكذا هي لك حلال يحتمل أن يكون بالعارية أو الهبة أو البيع، فلا تثبت الهبة مع الاحتمال إلا بالقرينة وهي التي عناها بقوله إلا أن يكون الخ. قال في البحر: قيد بقوله لك لأنه لو قال جعلته باسمك لا يكون هبة، ولهذا قال في الخلاصة: لو غرس لابنه كرماً، إن قال جعلته لابني يكون هبة، ولو باسم ابني لا يكون هبة. ولو قال اغرس باسم ابني فالأمر متردّد وهو إلى الصحة أقرب اهـ. قال في المنح: وفي الخانية: قال جعلته لابني فلان يكون هبة لأن الجعل عبارة عن ٥٧٤ كتاب الهبة فإنه ليس بهبة، وكذا هي لك حلال، التمليك وإن قال اغرسه باسم ابني لا يكون هبة، وإن قال جعلته باسم ابني يكون هبة؛ لأن الناس يريدون به التمليك والهبة اهـ. وفيه مخالفة لما في الخلاصة كما لا يخفى. قال الرملي في حاشية المنح: ما في الخانية أقرب لعرف الناس اهـ. ورأيت في الولوالجية ما نصه: رجل له ابن صغير فغرس كرماً له فهذا على ثلاثة أوجه: إن قال اغرس هذا الكرم باسم ابني فلان أو قال جعلته لابني فلان هبة لأن الجعل إثبات فيكون تمليكاً، وإن قال جعلته باسم ابني فالأمر متردد وهو أقرب إلى الوجه الأول اهـ. ولتراجع نسخة أخرى تأمل، نعم جرى عرف الناس بالتمليك مطلقاً. تأمل. بقي ما لو قال ملكتك هذا الثوب مثلاً فإن قامت قرينة على الهبة صحت وإلا فلا، فإن التمليك أعم من الهبة لصدقه على البيع والوصية والإجارة وغيرها، وفي الكازروني أنها هبة، لكن في الحامدية عن الخير الرملي ناقلاً عن جامع الفصولين في خليل المحاضر والسجلات برمز التتمة: عرض علي محضر كتب فيه ملكه تمليكاً صحيحاً ولم يبين أنه ملكه بعوض أو بلا عوض. قال: أجبت أنه لا تصح الدعوى ثم رمز لشروط الحاكم اكتفى به في مثل هذا بقوله: وهب له هبة صحيحة وقبضها، ولكن ما أفاد في التتمة أجود وأقرب إلى الاحتياط اهـ. قوله: (فإنه ليس بهبة) هذا أحد قولين وهو غير الأظهر. قال في الهندية: أبو الصغير غرس كرماً أو شجراً ثم قال جعلته لابني فهو هبة، وإن قال جعلته باسم ابني لا يكون هو الأظهر وعليه أكثر مشايخنا غيائية، وإن لم يود الهبة يصدق ملتقط، ولو قال اغرسه باسم ابني لا يكون هبة. خانية. قال الأب جميع ما هو حقي وملكي فهو ملك لولدي هذا الصغير فهذا كرامة لا تمليك، بخلاف ما لو عينه فقال حانوتي الذي أملكه أو داري لايني الصغير فهو هبة ويتم بكونها في يد الأب. قنية. ولو قال هذا الشيء لولدي الصغير فلان جاز ويتم من غير قبول. تاترخانية اهـ. فقولهم القبول شرط لثبوت الملك في الموهوب يستثنى منه الهبة للصغير من أبيه. قوله: (وكذا هي لك حلال) لأنه إن كان أمة يحتمل حل النكاح أو الإباحة ولا إباحة في الفروج. فروع: قال لغيره أنت في حل مما أكلت من مالي له أن يأكل إلا إذا قامت أمارة النفاق. ولو قال من أكل من شجرتي فهو في حل يأكل منها الغنيّ والفقير على المختار. ولو قال حللني من كل حق هو لك عليّ ففعل وأبرأ، إن كان صاحب الحق عالماً به بريء حكماً وديانة، وإن لم يكن عالماً به برىء حكماً إجماعاً وديانة عند الثاني وعليه الفتوى، والمباح له لا يحل له التناول حتى يعلم بالإذن والإباحة، ولو تناول قبل ذلك تناول حراماً. ٥٧٥ كتاب الهبة إلا أن يكون قبله كلام يفيد الهبة. خلاصة (وأعمرتك هذا الشيء وحملتك على هذه الدابة) ناوياً بالحمل الهبة، كما مر (وكسوتك هذا الثوب، وداري لك هبة) أو عمرى (تسكنها) لأن قوله تسكنها مشورة وفي البزازية: لو قال أنت في حل مما أكلت من مالي أو أخذت أو أعطيت حل له الأكل والأخذ والإعطاء اهـ. ولو قال المغصوب منه أنت في حلّ مما غصبت مني والمغصوب قائم فذلك على البراءة من ضمانها والعين للمغصوب منه اهـ. وفي الخانية: رجل أضل لؤلؤة فوهبها لآخر وسلطه على طلبها وقبضها متى وجدها. قال أبو يوسف: هذه هبة فاسدة لأنها على خطر، والهبة لا تصح مع الخطر. وقال زفر: تجوز. قال المقدسي: فكأنه قاسها على من سيب دابة. قوله: (إلا أن يكون قبله كلام يفيد الهبة) كأن يقول أتهبني ذلك أو إن نفسي رغبت في إعطاء هذا الشيء أو أنت لم تهبني شيئاً قبل هذا ط. قوله: (وأعمرتك هذا الشيء) هي أن يملكها له طول عمره فإذا مات تردّ على المعمر، وهذا كان قبل الإسلام ثم جاء في الحديث ((مَنْ أَعْمَرَ عُمْرِى فِهِيَ لِلْمُعَمِرِ له ولورثته مِنْ بَعْدِهِ))(١) ولأنها تمليك شرط فيه الاسترداد بعد الموت وهو شرط فاسد لا تبطل به الهبة بل يبطل الشرط كما في الزيلعي. قوله: (وحملتك على هذه الدابة) لأن الحمل على الدابة إركاب، وهو تصرف في منافعها لا في عينها فتكون عارية، إلا أن يقول صاحبها أردت الهبة لأنه نوى محتمل كلامه وفيه تشديد عليه، ومثله أخدمتك هذه الجارية. بحر. ولا يخفى أن التعيين باسم الإشارة في هذا وما قبله وما بعده تحرّزاً عن الجهالة إذا كان للمعمر ومن بعده غيره. قوله: (ناوياً بالحمل الهبة) لأن الحمل يستعمل في الهبة والعارية وإن كان أصله العارية لأن الحمل تصرف في المنفعة، فإذا نوى الهبة صحت لوجود استعماله في التمليك يقال حمل الأمير فلاناً على دابة إذا ملكه إياها ط. قوله: (كما مر) أي في العارية من قوله ومنحتك ثوبي وجاريتي وحملتك على دابتي. قوله: (وكسوتك هذا الثوب) لأنه يراد به التمليك. قال تعالى: ﴿أَوْ كِسْوْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فإن المراد به تمليك العين لأن الكفارة لا تتأدى بالمنافع، ويقال كسا الأمير فلاناً ثوباً: إذا ملكه لا إذ أعاره. وفي الخلاصة: لو دفع إلى رجل ثوباً وقال ألبس نفسك ففعل يكون هبة. ولو دفع إليه دراهم وقال أنفقها تكون قرضاً اهـ. ولو قال متعتك بهذا الثوب أو بهذه الدراهم فهي هبة، كذا في المحيط. بحر. قوله: (وداري لك) مبتدأ وخبر قوله: (هبة) نصب على الحال من ضمير الظرف واللام في لك للتمليك اهـ. درر قوله: (مشورة) بتسكين الشين وفتح (١) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٤/ ١٢٣. ٥٧٦ كتاب الهبة لا تفسیر لأن الفعل لا يصلح تفسیراً للاسم فقد أشار علیه في ملکه بان یسکنه، فإن شاء قبل مشورته، وإن شاء لم يقبل (لا) لو قال (هبة سكنى أو سكنی هبة) بل تكون عارية أخذاً بالمتيقن. وحاصله: أن اللفظ إن أنبأ عن تمليك الرقبة فهبة أو المنافع فعارية أو احتمل اعتبر النية. نوازل. وفي البحر: اغرسه باسم ابني الأقرب الصحة الواو ويضم الشين وسكون الواو بمعنى الشورى: وهي استخراج رأي على غالب الظن اهـ. إتقاني. قوله: (لا تفسير) لأن الفعل لا يصلح تفسيراً للاسم، وهذا لا ينافي الهبة بل ينبه على المقصود بمنزلة هذا الطعام لك تأكله كما يأتي قريباً قوله: (فقد أشار عليه في ملكه) كقوله هذا الطعام لك تأكله وهذا الثوب لك تلبسه. بحر. وقد تقدم أن العمرى کالهبة، فقوله هنا هبة لیس بقید، بل لو قال داري لك عمری تسکنھا کان کذلك نص عليه في الهداية، ولذا نص عليه الشارح رحمه الله تعالى. قوله: (لا لو قال هبة سكنى) أي داري لك هبة سكنى بنصب هبة على الحال كما تقدم، وسكنى منصوب على التمييز لما في قوله داري لك من الإبهام: يعني أنها عارية فيهما، لأن السكني محكم في تمليك المنفعة فكان عارية قدم لفظ الهبة أو أخره، ولو ذكر بدل سكنى عارية كان عارية بالأولى، ولو قال هي لك هبة إجارة كل شهر بدرهم أو إجارة هبة فهي غير لازمة فيملك كل فسخها بعد القبض ولو سكن وجب الأجر. كذا في البحر عن المحيط. قوله: (أخذ بالمتيقن) برفع أخذ على أنه خبر مبتدأ محذوف كما في بعض النسخ، وفي النسخة التي بيدي أخذاً بالنصب. قوله: (إن أنبأ عن تمليك الرقبة) أي فقط، وكذا يقال فيما بعد. قوله: (اعتبر النية) وعند عدم النية يثبت الأدنى وهو العارية، وهذه المسألة: أعني داري لك هبة سكنى على تزد تعريف الهبة بأنها تمليك العين الخ لأنه بالنسبة للهبة المطلقة بأن كانت غير مقيدة فلهذا كانت لتمليك المنفعة، بخلاف تسكنها حيث لا ينافي ثبوت الملك في العين لأنه للتنبيه على ما هو المقصود فلم يكن للتقييد، وأما هبة الدين ممن عليه فمجاز عن الإسقاط كما سبق، فالتعريف المذكور بالنسبة للحقيقة، وكذا لا يرد على التعريف الوصية لأن المتبادر من تعريفها بأنها تمليك العين أي حالًا. على أن الكرماني ذكر أنها هبة معلقة بالموت. ثم رأيت في القهستاني ما يفيد كون العارية من أفراد الهبة حيث قال بعد أن عرف الهبة بأنها تمليك العين ما نصه: ويخرج عنه الإجارة والعارية والمهايأة، لكن في النظم أن الهبة لعموم التمليك، حتى لو قال وهبت لك هذه الدار والثوب لتسكن فيها أو تلبسه شهراً فقبل يصح انتهى. لكن اللائق بالتعريف الذي ذكره المصنف ما قدمناه من الجواب بأن سكنى للتقييد. قوله: (وفي البحر الخ) نقله عن الخلاصة، والذي في الهندية ٥٧٧ "كتاب الهبة (و) تصح (بقبول) أي في حق الموهوب له، أما في حق الواهب فتصح بالإيجاب عن فتاوى قاضيخان أنه لا يكون هبة وعليه الاعتماد، وقدمنا الكلام فيه قريباً. وأقول: قوله جعلته باسمك ليس بصحيح كما مر، فكيف يكون ما هو أدنى رتبة منه أقرب إلى الصحة؟ على أن الغرس باسم فلان يقصد به في عرفنا التبرك. وقد يفرق بأن ما مر ليس خطاباً لابنه بل لأجنبي، وما هنا مبني على العرف تأمل. قال في جامع الفتاوى: قطع ثوباً لولده الصغير صار واهباً له بالقطع له مسلماً له قبل الخياطة، ولو كان كبيراً لا تصح الهبة إلا بعد الخياطة والتسليم. وفي البزازية: اتخذ لولده ثياباً ليس له أن يدفعها إلى غيره إلا إذا بين وقت الاتخاذ أنها عارية، وكذا لو اتخذ لتلميذه ثياباً فأبق التلميذ فأراد أن يدفعها إلى غيره انتهى. لكن فرق في الخانية بين التلميذ والولد الصغير بأن بمجرد اتخاذ الأب لولده الصغير تصير ملكاً له، أما التلميذ وولده الكبير فلا بد من التسليم كما ذكرنا. ثم إن قوله إن بين وقت الاتخاذ الخ يفيد أنه لو سلمها لتلميذه ولم يبين أنها إعارة ليس له دفعها إلى غيره، ولعل وجهه أنه جعلها في مقابلة خدمته له فلا تكون هبة خالصة فلا يمكنه الرجوع فيها وإلا فما المانع منه. تأمل. قوله: (وتصح بقبول) أي ولو فعلا ومنه وهبت جاریتي هذه لأحدکما فليأخذها من شاء فأخذها رجل منهما تكون له وكان أخذه قبولاً كما قدمنا، وكذا ما ذكره المقدسي: دفع له ثوبين فقال أيما شئت لك والآخر لابنك فلان، إن بين الذي له قبل التفريق جاز وإلا لا اهـ. وما في البحر عن المحيط من أنها تدل على أنه لا يشترط في الهبة القبول مشکل انتهى. قلت: يظهر لي أنه أراد بالقبول قولًاً، وعليه يحمل كلام غيره أيضاً، وبه يظهر التوفيق بين القولين باشتراط القبول وعدمه، والله تعالى الموفق، وتقدم نظيره في العارية، نعم القبول شرط لو كان الموهوب في يده کما یآتي. قال في التاترخانية: وفي الذخيرة: قال أبو بكر رحمه الله تعالى: إذا قال الرجل لغيره وهبت عبدي هذا منك والعبد حاضر فقبض الموهوب له العبد ولم يقل قبلت جازت الهبة، كذلك لو كان العبد غائباً فذهب وقبضه ولم يقل قبلت جازت الهبة. قال الفقيه أبو الليث: وبقول أبي بكر نأخذ. وفي التهذيب: ولو قال قبضته قال أبو بكر جازت الهبة من غير قوله قبلت، ويصير قابضاً في قول محمد وقال أبو يوسف: لا يصير قابضاً ما لم يقبض انتهى، وقد سبق عن القهستاني أنه لا يشترط القبول، فإن من وضع ماله في الطريق ليكون لمن رفعه جاز، لكن قال المقدسي: وفي الخانية ما يخالف ما اختاره. قال رجل قال لختنه بالفارسية: ٥٧٨ كتاب الهبة وحده، لأنه تبرّع حتى لو حلف أن يهب عبده لفلان فوهب ولم يقبل برّ وبعكسه حنث بخلاف البيع (و) تصح (بقبض بلا إذن في المجلس) فإنه هنا كالقبول فاختص بالمجلس (وبعده به) أي بعد المجلس بالإذن. وفي المحيط: لو كان أمره بالقبض حين وهبه لا يتقيد بالمجلس، ويجوز ابن زمين ترا: أي هذه الأرض لك فذهب وزرعها إن قال الختن عندما قال هذه المقالة قبلت صارت الأرض له، فإن لم يقل قبلت لا شيء له اهـ. وما مر ويأتي من مسألة العبد يخالف هذه المسألة في الجواب فليتأمل. فرع: في التاترخانية: رجل مات فوهبت له امرأته مهرها جاز؛ لأن قبول المديون ليس بشرط ولو وهب الغريم والدين من الوارث صح بلا خلاف. وقال قاضیخان: رجل له على آخر دین فبلغه أنه مات فقال جعلته في حل أو قال أبرأته ثم ظهر أنه حيّ ليس للطالب أن يأخذ منه لأنه وهب له بغير شرط اهـ. قوله: (لأنه تبرع) أي وعقود التبرّع يكفي فيها الإيجاب وحده بالنظر للموجب. قوله: (حتى لو حلف) تقدم الكلام عليه، وقد أطال الكلام في ذلك قاضي زاده. قوله: (بخلاف البيع) أي إذا حلف أنه يبيع لفلان كذا فباع ولم يقبل فإنه يحنث، لأن البيع عقد معاوضة لا يتم "إلا بالإيجاب والقبول، فما لم يوجد القبول لا يقال إنه باع، وهذا تعرّض لصاحب الدرر حيث قال وقبول عطف على إيجاب، فإنها كالبيع لا تصح إلا بالإيجاب والقبول اهـ. وكأنه اقتفى فيه أثر صاحب الكافي والكفاية والتحفة. وقال الإمام خواهر زاده في مبسوطه: ركنها مجرد إيجاب الواهب، والقبول شرط ثبوت الملك للموهوب له، ومال إليه أكثر الشراح وتبعهم الشارح. وفي البدائع: القبول ليس بركن استحساناً. والقياس أن يكون ركناً وهو قول زفر. وذكر في المنبع إنما عدل القدوري عن لفظ تنعقد إلى لفظ تصح؛ لأن الهبة تتم من جانب الواهب لأنه تمليك من جانب واحد، وباقي التفصيل في التكملة فراجعه. قوله: (وتصح بقبض) قال في المنح: أفاد أنه لا بد من القبض فيها لثبوت الملك لا للصحة لما في المجتبى: فأما القبض فشرط لثبوت الملك اهـ. قوله: (فإنه هنا كالقبول) فاختص بالمجلس، وهذا استحسان، والقياس أنه لا يجوز إلا بإذنه. وجه الاستحسان أن القبض كالقبول في الهبة ولهذا لا يملك بها قبله ويغني عن القبول، والمقصود من الإيجاب إثبات الملك فيكون تسليطاً على القبض دلالة إذ ملكه لا يتصور إلا به فيتقيد ذلك بالمجلس كالقبول لأنه بمنزلته اهـ. زيلعي. قوله: (وبعده به) لأن الإذن ثبت نصاً، والثابت نصاً ثابت من كل وجه فيثبت في المجلس وبعد المجلس شلبي. قوله: (لا يتقيد بالمجلس) لما ذكر أن الإذن ثبت نصاً الخ. ٥٧٩ كتاب الهبة القبض بعده، (والتمكن من القبض كالقبض؛ فلو وهب لرجل ثياباً في صندوق قال في الهندية: ولا يتم حكم الهبة إلا مقبوضة، ويستوي فيه الأجنبي والولد إذا كان بالغاً. هكذا في المحيط والقبض الذي يتعلق به تمام الهبة وثبوت حكمها القبض بإذن المالك، والإذن تارة يثبت نصاً وصريحاً، وتارة يثبت دلالة، فالصريح أن يقول اقبضه إذا كان الموهوب حاضراً في المجلس ويقول اذهب، واقبضه إذا كان غائباً عن المجلس. ثم إذا كان الموهوب حاضراً وقال له الواهب اقبضه فقبضه في المجلس أو بعد الافتراق عن المجلس صح قبضه وملكه قياساً واستحساناً. ولو نهاه عن القبض بعد الهبة لا يصح قبضه لا في المجلس ولا بعد الافتراق عن المجلس، وإن لم يأذن له بالقبض صريحاً ولم ينهه عنه، إن قبضه في المجلس صح قبضه استحساناً لا قياساً، وإن قبضه بعد الافتراق عن المجلس لا يصح قبضه قياساً واستحساناً، ولو كان الموهوب غائباً فذهب وقبض، إن كان القبض بإذن الواهب جاز استحساناً لا قياساً، وإن كان بغير إذنه لا يجوز قياساً واستحساناً هكذا في الذخيرة. لو وهب شيئاً حاضراً من رجل فقال الموهوب له قبضته صار قابضاً عند محمد رحمه الله تعالى خلافاً لأبي يوسف رحمه الله تعالى. كذا في السراجية. وفي البقالي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: إذا قال اقبضه فقال قبضت والموهوب حاضر جاز إذا لم يبرح الموهوب له قبل قوله قبضت، ولا يكفي قوله قبلت. وإذا لم يقل اقبضه فإنما القبض أن ينقله، فإذا لم يقل قبلت لم يجز وإن نقل إلا أن تكون الهبة بمسألته. كذا في المحيط. ولو قال لرجل هب لي هذا العبد فقال وهبت تمت الهبة كذا في الينابيع انتهى، وتقدم الكلام عليه قريباً فلا تنسه. قوله: (والتمكن من القبض) أي العادي لا العقلي، وموضوع هذا فيما إذا قبض الموهوب له وغيره. وأما التمكن بالتخلية فقد ذكره بعد ط. قوله: (كالقبض) ولهذا قال في الاختيار: ولو وهب من رجل ثوباً فقال قبضته صار قابضاً عند أبي حنيفة وجعل تمكنه من القبض كالقبض كالتخلية في البيع. وقال أبو یوسف: لا بد من القبض بيده اهـ. بحر. قال ابن الكمال: قبض كل شيء بما يناسبه، فقبض مفتاح الدار قبض لها، وقبض ما يحتمل القسمة يكون بها، وقبض ما لا يحتملها يكون بقبض كله اهـ. قال في التاترخانية: قد ذكرنا أن الهبة لا تتم إلا بالقبض والقبض نوعان: حقيقي وأنه ظاهر. وحكمي وذلك بالتخلية؛ وقد أشار في هذه المسألة أي مسألة التمكن من القبض قبض إلى القبض الحكمي وهو القبض بطريق التخلية، وهذا قول محمد خاصة. وعند أبي يوسف: التخلية ليست بقبض، وهذا الخلاف في الهبة الصحيحة. فأما الهبة ٥٨٠ كتاب الهبة مقفل ودفع إليه الصندوق لم يكن قبضاً) لعدم تمكنه من القبض (وإن مفتوحاً كان قبضاً لتمكنه منه) فإنه كالتخلية في البيع اختيار. وفي الدرر: والمختار صحته. بالتخلية في صحيح الهبة لا فاسدها، وفي النتف: ثلاثة عشر عقداً لا تصح بلا قبض. الفاسدة فالتخلية ليست بقبض اتفاقاً اهـ. قوله: (والمختار صحته) أي القبض بالتخلية ظاهرة وإن لم يقبضه الموهوب له، وهو خلاف ما في حاشية الشلبي عن شرح الإسبيجابي أنه إذا كان العبد حاضراً فقال الواهب قد خليت بينك وبين الهبة فاقبضها فانصرف الواهب فقبضه الموهوب له جاز؛ لأن التخلية إقباض منه، فإذا قبضه بإذنه تم العقد أما البيع فينزل قابضاً بمجرد التخلية وإن لم يباشر القبض. والفرق أن القبض واجب عليه في البيع والبائع محتاج إلى إخراج نفسه من عهدة المبيع، فإذا أتى بما وسعه فقد برىء، وليس في وسعه إلا التخلية، وأما الهبة فإن التسليم ليس بواجب عليه فيها فإذا لم يسلمه إليه ويقبضه لا يعد مسلماً اهـ بتصرف. ونقل بعده عن المحيط ما نصه: ومن النوادر: رجل وهب من رجل ثوبا وهو حاضر فقال الموهوب له قبضته. قال أبو حنيفة: صار قابضاً لأنه متمكن من قبضه فأقيم تمكنه مقام قبضه كالتخلية في باب البيع. وقال أبو يوسف: لا يصير قابضاً ما لم يقبضه بنفسه لأنه غير قابض حقيقة اهـ. فعلى هذا محمد مع أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، والقبض حقيقة عنده بالنقل من ذلك المكان اهـ ط. وفي الخانية: الأصح أن الإقرار بالهبة لا يكون إقراراً بالقبض اهـ. فرع: لو وهب الغائب دراهم وأرسلها فقال الموهوب له تصدق بها عليك أو على غنيّ لا يجوز، وإن تصدق يضمن للواهب. فرع آخر: اختلف الواهب والموهوب له في القبض القول للموهوب له إن قال وهبته لي وقبضته بإذنك وإن قال كان بمنزلنا لا بحضرتنا فأمرتني بقبضه فقبضته لا. قوله: (وفي النتف الخ) عبارتها: أحدها الهبة والصدقة والرهن والوقف في قول محمد بن الحسن والأوزاعي وابن شبرمة وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والعمري والنحلة والحبيس والصلح ورأس المال في السلم والبدل في السلم إذا وجد بعضه زيوفاً، فإذا لم يقبض بدلها قبل الافتراق بطل حصتها من السلم، والحادي عشر: الصرف، والثاني عشر: إذا باع الكيلي بالكيلي والجنس مختلف، مثل الحنطة بالشعير جاز فيها التفاضل، ولا تجوز النسيئة، والثالث عشر: إذا باع الوزني بالوزني مختلفاً مثل الحديد بالصفر أو الصفر بالنحاس أو النحاس بالرصاص جاز فيها التفاضل، ولا يجوز فيها النسيئة. وقوله الحبيس بالحاء المهملة