Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كتاب الإيداع / بخلاف مضارب جحد ثم اشترى لم يضمن. خانية (و) المودع (له السفر بها)، (بخلاف مضارب جحد) أي قال لرب المال لم تدفع لي شيئاً. قوله: (ثم اشترى) أي بعد ما أقر ورجع عن الجحود، بأن قال بلى قد دفعت إليّ، بخلاف ما لو أقر بعد الشراء فيضمن المتاع له. منح عن الخانية. قوله: (لم يضمن خانية) عبارتها كما في المنح: المضارب إذا قال لرب المال لم تدفع إليّ شيئاً ثم قال بلى قد دفعت إليّ ثم اشترى بالمال ذكر الناطفي أن المشتري يكون على المضاربة، وإن ضاع المال في يده بعد الجحود وقبل الشراء فهو ضامن والقياس أن يضمن على كل حال. وفي الاستحسان: إن جحد ثم أقر ثم اشتری بریء عن الضمان، وإن جحدها ثم اشترى ثم أقر فهو ضامن والمتاع له، وكذا الوكيل بشراء شيء بغير عينه بألف ودفع الموكل المال إلى الوكيل، فإن كان العبد معيناً فاشتراه في حالة الجحود أو بعد ما أقر فهو للآمر. ولو دفع رجل عبداً إلى رجل ليبيعه فجحد المأمور ثم أقر به فباعه قال محمد بن سلمة جاز ويبرأ عن الضمان. وقال غيره من المشايخ في قياس قوله ولو باعه بعد الجحود ثم أقر جاز أيضاً اهـ. وبهذا يعلم ما في عبارته من حذف مالا بد منه وهو قوله ثم أقر ثم اشترى الخ، فتأمل. وعليه فلو قال بخلاف مضارب جحد ثم أقر ثم اشترى لم يضمن لأصاب. قوله: (والمودع له السفر بها) أي براً، وأجمعوا أنه لو سافر بها بحراً يضمن. هندية عن غاية البيان. قال في البحر: ومن المخوف السفر بها في البحر لأن الغالب فيه العطب اهـ. وعزاه للاختيار. وتعقبه المقدسي بحثاً منه رحمه الله تعالى بأن من المقرر أن النادر لا حكم له، فلو العطب قليلاً والسلامة أغلب فلا ضمان سواء سافر براً أو بحراً، وبالعكس يضمن، يعمل ذلك من هنا ومن قولهم للمضارب السفر براً أو بحراً، ومن قولهم يجب الحج إذا كان الأغلب السلامة ولو بحراً، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان كما هو مشاهد فتدبر انتهى. وأجيب أيضاً بأن التقييد مستفاد من تعليله ا هـ. . أقول: وحيث كانت العلة الخوف وهو أيضاً منتف بسفينة التجار في زماننا المعروفة بالبابور فإن الغالب فيها السلامة، لأن التجار الآن لا تطمئن قلوبهم في إرسال أموالهم إلا بها بحراً، وإذا انتفت العلة انتفى المعلول. على أنا قدمنا ويأتي أن العبرة في حفظ الوديعة العرف، وحيث كان العرف كذلك فينبغي أن يقال لا فرق بين السفر بها براً أو بحراً في البابور، فتأمل وراجع. وقيد بالمودع لأن الأب أو الوصي إذا سافر بمال اليتيم لا يضمن إجماعاً. والوكيل بالبيع إذا سافر بما وكل ببيعه إن قيد الوكالة بمكان بأن قال له بعه .٤٨٢ كتاب الإيداع ولو لها حمل. دَرر (عند عدم نهي المالك و) عدم (الخوف عليها) بالإخراج؛ فلو بالكوفة فأخرجها من الكوفة يصير ضامناً عندنا؛ وإن أطلق للوكالة فسافر به، إن كان شيء له حمل ومؤنة يكون ضامناً، وإن لم يكن له حمل ومؤنة لا يصير ضامناً عندنا إذا لم يكن له بد من السفر، وإن كان له بدّ من السفر لا يكون ضامناً عند أبي حنيفة طال الخروج أم قصر. وقال أبو يوسف: إن طال الخروج يكون ضامناً، وإن قصر لا يكون ضامناً. كذا في فتاوى قاضيخان، ويأتي تمامه قريباً. قوله: (ولو لها حمل) فسره في الجوهرة بما يحتاج في حمله إلى ظهر أو أجرة حمال اهـ مكي. وفي الهندية عن المضمرات: لو كانت طعاماً كثيراً فسافر بها فهلك الطعام فإنه يضمن استحساناً اهـ. وذكر في المنح: ولا يضمن ولو كان الخروج طويلاً، ومؤنة الرد على المالك. قال في التبيين: وما يلزم الآمر من مؤنة الرد ضرورة صحة أمره فلا يعد ذلك إضراراً به اهـ. قال الزيلعي: وقال محمد: لا يخرج بما له حمل ومؤنة اهـ. وجعله في العناية قول الثاني أيضاً. ثم قال: لكن قيل عند الثاني إذا كان بعيداً. وعند محمد: مطلقاً قريباً كان أو بعيداً اهـ. واستثنى في شرح القدوري الطعام الكثير فإنه يضمن إذا سافر به استحساناً، ونقله في البحر. وفيه عن قاضيخان: للمودع أن يسافر بمال الوديعة إذا لم يكن له حمل ومؤنة. وتعقبه الحموي بأن ما في الخانية من اشتراط عدم الحمل والمؤنة مبني على قولهما، أما على قول أبي حنيفة فيسافر بها مطلقاً عند عدم النهي. قوله: (عند عدم نهي المالك وعدم الخوف عليها) قال: إذا لم يعين مكان الحفظ أو لم ينه عن الإخراج نصاً بل أمره بالحفظ مطلقاً فسافر بها: فإن كان الطريق مخوفاً فهلكت ضمن بالإجماع، وإن كان آمناً ولا حمل لها ولا مؤنة لا يضمن بالإجماع. وإن كان لها حمل ومؤنة: فإن كان المودع مضطراً في المسافرة بها لا يضمن بالإجماع، وإن كان له بدّ من المسافرة بها فلا ضمان عليه قربت المسافة أو بعدت. وعلى قول أبي يوسف: إن بعدت يضمن وإن قربت لا. هذا هو الملخص والمختار. وهذا كله إذا لم ينه عنها ولم يعين مكان الحفظ نصاً؛ وإن نهاه نصاً وعين مكانه فسافر بها وله منه بدّ ضمن. كذا في الفتاوى العتابية. إن أمكنه حفظ الوديعة في المصر الذي أمره بالحفظ فيها مع السفر بأن يترك عبداً له في المصر المأمور به أو بعض من في عياله، فإذا سافر بها والحالة هذه ضمن، وإن لم يمكنه ذلك بأن لم يكن له عيال أو كان إلا أنه احتاج إلى نقل العيال فسافر فلا ضمان. كذا في ٤٨٣ كتاب الإيداع نهاه أو خاف، فإن له بد من السفر ضمن، وإلا فإن سافر بنفسه ضمن وبأهله لا. اختیار . (ولو أودعا شيئاً) مثلياً أو قيمياً (لم) يجز أن (يدفع المودع إلى أحدهما حظه في التاثرخانية. هندية من الباب الثالث من كتاب الوديعة. قوله: (فإن له بد من السفر) هذا التفصيل في الصورتين كما أفاده الزيلعي وقد علمته من عبارة الهندية. قوله: (فإن سافر بنفسه ضمن) أي لو كان له أهل لم يسافروا معه لأن له بداً من السفر بها. فرع من استؤجر لحفظ عين أو وكل ببيعها ليس له أن يسافر بها، وكذا إذا قيد الإيداع بمكان. وفي المقدسي عن النسفي: للوكيل بالبيع أن يدفع العين إلى السمسار. قوله: (فإن سافر بنفسه ضمن وبأهله لا)؛ لأنه يمكنه أن يحفظها بعياله، وقدمناه عن الهندية معزياً للتاتر خانية. والحاصل: أن عند أبي حنيفة له أن يسافر بها مطلقاً: أي سواء كان لها حمل ومؤنة أو لا، وسواء له بدّ من السفر أو لا، ولا فرق بين الطويل والقصير. وعندهما: ليس له السفر بها إذا كان لها حمل ومؤنة وطالت مدة السفر، وهذا الخلاف في خصوص ماله حمل ومؤنة مع طول مدة السفر، أما ما ليس له حمل ولا مؤنة ولم تطل مدة سفره فله السفر بها اتفاقاً عند عدم النهي والخوف، وكذا مع النهي والخوف أيضاً إن لم يكن له من السفر بدّ كما سبق. وفي خصوص ما إذا أمكنه الحفظ في المصر بأن كان بعض عياله ثمة ولم يحتج إلى نقلهم. أما لو لم يمكنه بأن لم يكن أو كان ولكن احتاج إلى نقلهم لا يضمن بالإجماع، وإن سافر بنفسه من غير عياله يضمن، وبه صرح في البحر عن الخانية كما يستفاد ذلك من أبي السعود، وهذا كله في سفر البر كما علمت. أما في البحر فليس له أن يسافر في قولهم جيمعاً إلا على ما بحثه أبو السعود وأيدناه بما تقدم قريباً فلا تنسه. قوله: (ولو أودعا شيئاً مثلياً أو قيمياً) لكن عدم جواز الدفع في القيمي بإجماع، وفي المثلي خلاف الصاحبين فإنهما قالا بجواز دفع حظه له قياساً على الدين المشترك. وفرق أبو حنيفة بينهما بأن المودع لا يملك القسمة بينهما فكان تعدياً على ملك الغير، وفي الدين يطالبه بتسليم حقه إذ الديون تقضي بأمثالها فكان تصرفاً في مال نفسه كما في البحر. قوله: (لم يجز) قدره بناء على ما سيأتي من أنه لو دفع لم يضمن فلم يبق المراد بنفي الدفع إلا عدم الجواز، وسيأتي ما فيه. وفي البحر: وأشار بقوله: (لم يدفع) إلى أنه لا يجوز له ذلك حتى لا يأمره القاضي بدفع نصيبه إليه في قول أبي حنيفة، وإلى أنه لو دفع إليه لا يكون قسمة اتفاقاً، حتى إذا هلك الباقي رجع صاحبه على الآخذ بحصته وإلى أن لأحدهما أن يأخذ حصته منها إذا ظفر بها اهـ. ٤٨٤ كتاب الإيداع غيبة صاحبه) ولو دفع هل يضمن؟ في الدرر نعم. وفي البحر: الاستحسان لا قال المقدسي: قلنا: بل يطالبه بدفع حظ الغائب لأنه طلب المقرر وحقه مشاع، ولا يتميز إلا بالقسمة ولا يملكها، ولذا لا يقع دفعه قسمة، فلو هلك الباقي رجع صاحبه، وإذا لم يقع قسمة كان متعدياً في النصف فيضمن، وفي الدين يطالبه بتسليم حقه لأن الدين يقضي بمثله فتصرف في ملكه ولا قسمة. تتمة في أبي السعود: الغريم المديون أن يأخذ وديعته إن ظفر بها، وليس للمودع الدفع إليها شيخنا، وإذا مات المودع بلا وارث كان للمودع صرفها إلى نفسه إن كان من المصارف وإلا صرفها إلى المصرف اهـ. وعزاه إلى الحموي عن البزازية. قوله: (ولو دفع هل يضمن) أي نصيب الغائب وهو نصف المدفوع إن هلك الباقي في القسمة أو لا يضمن لأن لأحد الشريكين أن ينتفع بحصته في المثلى. قال بالأول الإمام، وبالثاني الصاحبان. واعلم أنهم قالوا: إذا دفع لا يكون قسمة اتفاقاً، حتى إذا هلك الباقي رجع الغائب على الآخذ بحصته. وفي الهندية: إذا دفع المودع إلى الحاضر نصفها ثم هلك ما بقي وحضر الغائب. قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: إن كان الدفع بقضاء فلا ضمان على أحد، وإن كان بغير قضاء فإن الذي حضر اتبع الدافع بنصف ما دفع ويرجع به الدافع على القابض، وإن شاء أخذ من القابض نصف ما قبض: كذا في الذخيرة. فإن هلك ما في يد المودع هلك أمانة بالإجماع ينابيع. ولو هلك المقبوض في يد القابض فليس له أن يشارك فيما بقي غاية البيان، فأفاد أن المودع لو دفع الكل لأحدهما بلا قضاء وضمنه الآخر حصته من ذلك فله الرجوع بما ضمنه على القابض، وهذا على قول أبي يوسف. قوله: (في الدرر نعم) أي يضمن، في فتاوى قاضيخان ما يفيده، ولفظه: ثلاثة أودعوا رجلاً مالاً وقالوا لا تدفع المال إلى أحد منا حتى نجتمع فدفع نصيب أحدهم. قال محمد: في القياس يكون ضامناً، وبه قال أبو حنيفة، وفي الاستحسان: لا يضمن، وهو قول أبي يوسف اهـ. فلو لم يقل لا تدفع حتى نجتمع هل يضمن بالدفع: أي بناء على الاستحسان الذي يأتي ذكره قريباً؟ ظاهر تقييدهم أنه لا يضمن إلا أن يأتيا بالوديعة حاملين لها وسلماها كذلك، أما إذا سلمها أحدهما بحضرة الآخر فظاهر أنه يدفع لمن سلمه وحضور الآخر لا يقتضي كونه مودعاً لجواز أن يكون شاهداً له ونحوه. كذا أفاده الحموي. من مناقب الإمام، أن اثنين أودعا الحمامي شيئاً فخرج أحدهما وأخذ الوديعة وانصرف فخرج الآخر وطلبها منه فلم يخبره الحمامي واستمهله وانطلق إلى الإمام رحمه الله تعالى فأخبره فقال له قل له أنا لا أعطي الوديعة إلا لكما معاً فانصرف ولم يعد. زيلعي. قوله: (وفي البحر الخ) أي في المثلي كالمثال الذي ذكره في البحر عن الخانية، أما في القيمي ٤٨٥ · كتاب الإيداع فكان هو المختار. (فإن أودع رجل عند رجلین ما یقسم اقتسماه وحفظ کل نصفه) کمرتهنین ومستبضعين ووصيين وعدلي رهن ووكيلي شراء (ولو دفعه) أحدهما (إلى صاحبه ضمن) الدافع (بخلاف ما لا يقسم) لجواز حفظ أحدهما بإذن الآخر. (ولو قال لا تدفع إلى عيالك أو احفظ في هذا البيت فدفعها إلى ما لابد منه أو فيضمن اتفاقاً لأنه لا يقسم بدون حضور الشريك أو نائبه. قوله: (فكان هو المختار) تعقبه المقدسي فقال: كيف يكون هو المختار مع أن سائر المتون على قول الإمام. وقال الشيخ قاسم: أختار قول الإمام النسفي والمحبوبي والموصلي وصدر الشريعة. وقال المقدسي: وقول بعضهم عدم الضمان هو المختار مستدلاً بكونه الاستحسان مخالف لما عليه الأئمة الأعيان بل غالب المتون عليه متفقون. كذا في حاشية أبي السعود عن الحموي. قوله: (اقتسماه) أي الرجلان المودعان بفتح الدال وذكر الرجل استطرادي. قوله: (وحفظ كل) أي كل واحد منهما نصفه؛ لأنه لا يمكن الاجتماع على حفظها وحفظ كل واحد منهما للنصف دلالة، والثابت بالدلالة كالثابت بالنص. قوله: (وعدلي رهن) أي العدلين اللذين وضع عندهما الرهن فهو بفتح العين تثنية عدل كذلك، فإنهما يقتسمان المثلي ويحفظ كل نصيبه، فإن دفع أحدهما نصيبه إلى الآخر ضمن ما دفع. قوله: (ووكيلي شراء) بأن دفع لهما ألفاً يشتريان به عبداً اقتسما الألف، فإن دفع أحدهما نصفه ضمن الدافع، وأجمعوا أن المدفوع إليه لا يضمن لأنه مودع المودع. هندية قوله: (ضمن) أي النصف فقط. قوله: (الدافع) أي لا القابض لأنه مودع المودع. بحر. وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: لا يضمنان به. كذا أفاده مسكين، ومثله في الهداية، وقول أبي حنيفة أقيس، لأن رضاه بأمانة اثنين لا يكون رضاً بأمانة واحد، فإذا كان الحفظ مما يتأتى منهما عادة لا يصير راضياً بحفظ أحدهما للكل كما في البيانية. قوله: (بخلاف ما لا يقسم) فسر ما لا يقسم بالمكيلات والموزونات، ومثلهما كل ما لا يتعيب بالتقسيم، وما لا يقسم هو ما يتعيب بالتقسيم الحسي اهـ مكي. قال السيد الحموي: وإذا لم تمكن القسمة فيما لا يقسم كان لهما التهايؤ في الحفظ. كذا في الخلاصة. فلو دفعه زائداً على زمن التهايؤ ينظر اهـ. قوله: (لجواز حفظ أحدهما بإذن الآخر) أقول: الصواب في التعليل أن يقول: لأنه لما أودعهما مع علمه بأنهما لا يجتمعان على حفظها دائماً كان راضياً بحفظ أحدهما. قوله: (فدفعها إلى ما لا بد منه) من عياله وغيرهم كدفع الدابة إلى عبده وما يحفظه النساء إلى عرسه. درر. وهذا إنما يظهر في صورة ما إذا منعه عن الدفع إلى بعض معين من عياله لا في النهي عن الدفع إلى العيال مطلقاً، ثم عدم الضمان فيما إذا دفع إلى بعض عياله وقد نهى عن الدفع إليه، محله إذا ٤٨٦ كتاب الإيداع حفظها في بيت آخر، من الدار، فإن كانت بيوت الدار مستوية في الحفظ) أو أحرز (لم یضمن، كانت الوديعة مما يحفظ في يد من منعه. أما لو كانت لا تحفظ عنده عادة فنهاه عن الدفع إليه فدفع ضمن، كما لو كانت الوديعة فرساً فمنعه من دفعها إلى امرأته أو عقد جوهر فمنعه من دفعه إلى غلامه ودفع ضمن. أفاده الزيلعي. ومن حوادث الفتوى: شرط على المودع الحفظ بنفسه فحفظ بزوجته هل يضمن للمخالفة أو لا؟ والذي يظهر من كلامهم عدم الضمان. حموي. وأقول: ينبغي أن يقيد عدم الضمان بالدفع إلى الزوجة بما إذا كانت الوديعة نحو عقد، فلو كانت نحو فرس ضمن. أبو السعود. وفيه: قوله وإن كان له منه بد هذه المسألة صادقة بصورتين. الأولى أن تكون الوديعة شيئاً خفيفاً يمكن المودع الحفظ بنفسه كالخاتم فإنه يضمن بدفعه إلی عیاله. الثانية: أن يكون له عيال سوى من منعه من الدفع إليه. بحر. فإن قلت: هذا إنما يتجه أن لو منعه من الدفع إلى بعض معين من عياله وهو خلاف ما يستفاد من قول المصنف: ((ولو قال لا تدفع إلى عيالك)). قلت: مبنى هذا الإشكال ما هو المتبادر من أن قوله: ((وإن كان له مند بد)» مرتبط بقوله: ((ولو قال لا تدفع إلى عيالك)) وليس كذلك، ولهذا شرح العيني قول المصنف: أي الكنز وإن كان له منه بد بقوله بأن نهاه أن يدفعها إلى امرأته فلانة وله امرأة أخرى أو نهاه أن يسلمها إلى غلامه فلان وله غلام آخر فخالفه اهـ. قوله: (لم يضمن) لأنه لا يمكنه الحفظ مع مراعاة شرطه لأن التقييد غير مفيد، لأن الدار حرز واحد بدليل أن السارق إذا أخذ من بيت من الدار فنقل إلى بيت آخر لم يقطع لعدم هتك الحرز، والحرز الواحد لا فائدة في تخصيص بعضه دون بعض، وما لا فائدة في تخصيصه في الأمر يسقط في الإيداع، كما لو قال احفظها بيمينك دون شمالك أو ضعها في يمين البيت دون يساره، وكما لو قال في كيسك هذا فوضعها في غيره أو في الصندوق، أو احفظ في الصندوق ولا تحفظ في البيت فحفظ بالبيت فإنه لا يضمن. لكن قد يفرق بين الحرز في السرقة والحرز في الوديعة، وذلك أن المعتبر في قطع السارق هتك الحرز وذلك لا يتفاوت باعتبار المحروزات، والمعتبر في ضمان المودع التقصير في الحفظ؛ ألا ترى أنه لو وضعها في داره الحصينة فخرج وكانت زوجته غير أمينة يضمن، ولو أحد سرقها يقطع لأن الدار حرز وإنما ضمن للتقصير في الحفظ، ولو وضعها في الدار وخرج والباب مفتوح ولم يكن في الدار أحد أو في الحمام أو المسجد أو الطريق أو نحو ذلك وغاب يضمن مع أنه لا يقطع ٤٨٧ کتاب الإيداع وإلا ضمن لأن التقييد مفيد. سارقها، ونظائر هذا كثيرة، فإذا اعتبرنا هنا الحرز المعتبر في السرقة لزم أن لا يضمن في هذه المسائل ونحوها، فيلزم مخالفة ما أطبقوا عليه في هذا الباب، فظهر يقيناً صحة ما قلنا من الفرق، والله تعالى أعلم. قال في البزازية: ولو قال وضعتها بين يدي وقمت ونسيتها فضاعت يضمن. ولو قال وضعتها بين يدي في داري والمسألة بحالها إن مما لا يحفظ في عرصة الدار كصرة النقدين يضمن، ولو كان مما بعد عرصتها حصناً له لا يضمن اهـ. ومثله في الخلاصة والفصولين والذخيرة والخانية وغيرها. وظاهره أنه يجب كل شيء في حرز مثله، وفي السرقة يعتبر في ظاهر المذهب كل ما كان حرزاً لنوع فهو حرز لكل الأنواع. وعليه فقد ظهر الفرق بين الحرزین. ففي السرقة يقطع بسرقة لؤلؤة من إصطبل، ولو كانت وديعة وضعها في الإصطبل وهلكت يضمن المودع، لأن الإصطبل ليس حرز مثلها، وبه ظهر جواب حادثة، وهي أن مودعاً وضع بقجة شال غالية الثمن في إصطبل فسرقت. والجواب أنه يضمن وإن قطع سارقها، والله تعالى أعلم. قوله: (وإلا ضمن) أي في المسألتين وهي: دفعها إلى من لا بد منه، بأن دفعها إلى من له منه بد: أي انفكاك وفرقة. والثانية حفظها في بيت آخر والبيوت مستوية بأن حفظها في بيت والبيوت مختلفة. قال في البدائع: والأصل المحفوظ في هذا الباب ما ذكرنا أن كل شرط يمكن مراعاته ويفيد والعمل به ممكن فهو معتبر، وكل شرط لا يمكن مراعاته ولا يفيد فهو هدر، وهنا إنما ضمن لأن التقييد مفيد كما قال الشارح، كما إذا ظهر البيت المنهيّ عنه إلى السكة كما في البحر: أي فإنه يضمن لأنه متعد، لأن من العيال من لا يؤتمن على المال: أي فيما إذا نهاه عن الدفع إلى زوجته أو غلامه وللمودع زوجته أو غلام آخر ولتفاوت البيوت في الحفظ. بقي لو أمره بالحفظ في دار فحفظ في دار أخرى، فالذي ذكره شيخ الإسلام الضمان وإن كانت الثانية أحرز. والذي في شرح الطحاوي: إذا كانت الدار التي خبأها فيها والدار الأخرى في الحرز على السواء، أو كانت التي خبأها فيها أحرز فلا ضمان عليه سواء نهاه عن الخبء فيها أو لم ينهه. كذا في المحيط. ولو قال: احفظها في هذه البلدة ولا تحفظها في بلدة أخرى فحفظها في البلدة المنهية ضمن بالاتفاق اهـ. هندية. قوله: (لأن التقييد مفيد) أي والنهي عن الوضع في الدار الأخرى مفيد، لأن الدارين يختلفان في الأمن والحفظ فصح الشرط وأمكن العمل به. وأما البيتان في دار واحدة فقلما يختلفان في الحرز، فالمتمكن من الأخذ من أحدهما يتمكن من الأخذ من الآخر فصار الشرط غير مفيد وتعذر العمل به ٤٨٨ كتاب الإيداع (ولا يضمن مودع المودع) فيضمن الأول فقط إن هلكت بعد مفارقته، وإن قبلها لا ضمان. أيضاً فلا يعتبر، وكذا الصندوقان، فإن تعيين الصندوق في هذه الصورة لا يفيد، فإن الصندوقين في بيت واحد لا يتفاوتان ظاهر إلا أن يكون لهما: أي للبيت والصندوق خلل ظاهر فحينئذ يفيد الشرط ويضمن بالخلاف، وكذا لو كان البيت أو الصندوق المأمور بالحفظ فيه أحرز من المنهي عن الوضع فيه فحينئذ يضمن أيضاً كما بينا. وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده أنه يضمن بالحفظ المنهي عنه مطلقاً كما في الظهيرية، وعليه كلام الذخيرة كما علمته من كلام الهداية المارّ قريباً. قوله: (ولا يضمن مودع المودع) أي بالهلاك عنده، أما لو استهلكه ضمن، ومودع الغاصب لو رده على الغاصب بريء؛ كما أن غاصب الغاصب لو رد على الغاصب بريء كما سيذكره في الغصب ذكره الخير الرملي. قوله: (فيضمن الأول) إذا دفع إلى غير من في عياله بغير إذن ولا ضرورة كحرق. در منتقى. وإنما ضمن الأول لأنه ترك الحفظ دون الثاني لأنه أخذ المال من أمين ولم يترك الحفظ وهذا قول الإمام. وعندهما يضمن المالك أيهما شاء، فإن ضمن الأول لم يرجع على الثاني لأنه ملكه بالضمان فظهر أنه أودع ملك نفسه، وإن ضمن الثاني رجع على الأول لأنه عامل له فيرجع عليه بما لحقه من العهد. لهما أن الأول جنى بالتسليم إلى الثاني بغير إذن المالك، والثاني تعدى بالقبض بلا إذنه فيميل المالك إلى أيهما شاء. وللإمام أن الأول لا يضمن بالدفع إلى الثاني ما لم يفارقه لأن حفظه لا يفوت ما دام في مجلسه، والمالك إنما رضي بحفظه ورأيه لا بصورة يده بدليل أنها لو هلكت قبل أن يفارقه لا يضمن واحد منهما بالإجماع، فإذا فارق الأول الثاني ضمن لأنه صار مضيعاً، والثاني أمين استمر على الحالة الأولى ولم يوجد منه تعدّ ولم يكن متعدياً من الابتداء بالقبض فلا ينقلب متعدياً من غير إحداث فعل. زيلعي. وهنا ضمن في إيداع قصدي، لأنه لو كان ضمنياً قيل لا يضمن، كما لو دخل الحمام ووضع دراهم الوديعة مع ثيابه بين يدي الثيابي قيل يضمن، لأنه إيداع المودع كما قدمناه عن جامع الفصولين معزياً للذخيرة. وفيه معزياً للمحيط: لا يضمن لأنه إيداع ضمني وإنما يضمن بإيداع قصدي اهـ. ومن هذا القبيل ما في الدرر: أودع حر عبداً محجوراً فأودع المحجور محجوراً مثله وضاع المودع ضمن الأول فقط بعد العتق لأنه سلطه على إتلافه وشرط عليه الضمان فصح التسليط وبطل الشرط في حق المولى، ولا يضمن الثاني لأنه مودع المودع. وصورة المسألة: أودع عند رجل وديعة فأودعها المودع عند شخص آخر من غير عياله فهلكت: مسكين. قوله: (لا ضمان) لأن حفظه لا يفوت ما دام في مجلسه الخ ولو ٤٨٩ كتاب الإيداع ولو قال المالك هلکت عند الثاني وقال بل ردها وهلکت عندي لم يصدق، وفي الغصب منه يصدق لأنه أمين. سراجية. وفي المجتبى: القصار إذا غلط فدفع ثوب رجل لغيره فقطعه فكلاهما ضامن. وعن محمد: أصاب الوديعة شيء فأمر المودع رجلاً ليعالجها فعطبت من ذلك، فلربها تضمين من شاء، لكن إن ضمن المعالج رجع على الأول إن لم يعلم استهلك الثاني الوديعة ضمن بالاتفاق ولصاحب الوديعة أن يضمن الأول ويرجع على الثاني وأن يضمن الثاني ولا يرجع ط. قوله: (لم يصدق) لأنه يدعي زوال سبب الضمان بعد ثبوته والمالك ينكره فالقول للمالك بيمينه والبينة للمودع. قال في جامع الفصولين: لم يصدق لأنه أقر بوجوب الضمان عليه ثم ادعى البراءة فلا يصدق إلا ببينة اهـ. ووجوب الضمان عليه هنا كونه أودع عند الغير والإيداع إلى الغير موجب للضمان فلا يصدق في رفع الموجب. قوله: (وفي الغصب منه يصدق) يعني لو غصب الوديعة من المودع غاصب وهلكت فأراد المالك أن يضمن الغاصب فقال المودع رده عليّ وهلك عندي وقال لا بل هلك عنده فالقول قول المودع إذا لم يفعل المودع ما يوجب الضمان، فهو على ما كان أمين عند الرد وقبله وبعده، بخلاف دفعه للأجنبي لأنه موجب للضمان، سائحاني. قوله: (لأنه أمين) ولم يوجد منه تعدّ يوجب الضمان. قوله: (فكلاهما ضامن) أي كل من القصار وقاطع الثوب، وللمالك الخيار في تضمين أيهما شاء، فإن ضمن القصار رجع بما ضمنه على قاطع الثوب، وإن ضمن القاطع لا رجوع له على القصار. ونظير هذه المسألة ذكره مؤيد زاده عن جامع الفصولين: لو دفع القصار إلى المالك ثوب غيره فأخذه على ظن أنه له ضمن والجهل فيه ليس بعذر. طلب ثوبه من قصار فقال دفعت ثوبك إلى رجل ظننت أنه ثوبه ضمن القصار کثیابي حمام سلم إلیه رجل ثيابه لیحفظها فقال الثیابي خرج رجل ولبس ثيابك فظننت أنها له اهـ. قوله: (فلربها تضمين من شاء) المودع لتعديه بما لم يؤمر به والمعالج لمباشرته سبب الهلاك ط. قوله: (رجع على الأول) في جامع الفصولين رامزاً للذخيرة: مرضت دابة الوديعة فأمر المودع إنساناً فعالجها ضمن المالك أيهما شاء، فلو ضمن المودع لا يرجع على المعالج ولو ضمن المعالج رجع على المودع علم أنها للغير أو لا، إلا إن قال المودع ليست لي ولم أومر بذلك فحينئذ لا يرجع اهـ. تأمل. ومثله في نور العين رامزاً للأستروشنية ومجموع النوازل. لكن قال في الهندية: فإن ضمن المودع لا يرجع على أحد؛ وإن ضمن المعالج: إن علم أنها ليست له لا يرجع عليه، وإن لم يعلم أنها لغيره أو ظنها رجع عليه، ومثله في القهستاني وهذا هو المناسب لما هنا. وأما ما ذكره في الفصولين واستظهره صاحب الدرر من انه يرجع وإن علم أن المودع غاصب في معالجة الوديعة بلا إذن ٤٩٠ كتاب الإبداع أنها لغيره، وإلا لم يرجع اهـ (بخلاف مودع الغاصب) فيضمن أياً شاء، وإذا ضمن صاحبها، وما ذكره من قوله خلافاً لما نقله القهستاني الخ يوافق ما ذكره الشارح فيما لو عالج الوديعة بإذن المودع كما نبه عليه، فليتأمل. اللهم إلا أن يحمل قوله إلا إن علم: أي بإخبار المودع صراحة، بأن قال للمعالج ليست لي ولم أومر بذلك. وأما إذا لم يقل ذلك فلا يعد عالماً، وبه يحصل التوفيق بين كلام الشارح والهندية وبين الجامع ونور العين وإن لم أره مسطوراً في كلامهم، والله تعالى أعلم. وأقول: خلاصة ما ذكرناه أن صاحب الدابة إذا ضمن من عالجها بأمر المودع فعطبت يرجع على المودع، إلا إذا قال المودع حين دفعها للمعالج ليست لي ولم أومر بذلك على ما في الفصولين. ومثله في نور العين عن الأستروشنية. وفي الهندية عن الجوهرة والشارح عن المجتبى أن صاحب الدابة إذا ضمن من عالجها فعطبت يرجع على المودع إن لم يعلم: أي المعالج أنها لغير المودع وإلا لم يرجع، وهذا الذي يعول عليه حيث صرح في صدر عبارته بالرواية عن الإمام عن محمد رحمه الله تعالى فلا يعدل عنه، والله تعالى أعلم. قوله: (بخلاف مودع الغاصب) قال في البحر: والفرق بينهما على قول أبي حنيفة أن مودع الغاصب غاصب لعدم إذن المالك ابتداء وبقاء، وفي الأول ليس بغاصب لأنه لا يضمن المودع بمجرد الدفع ما لم يفارقه، فإن فارقه صار مضيعاً لها وقت التفريق لترك الحفظ الملتزم بالعقد والقابض منه لم يكن متعدياً بالقبض بدليل عدم وجوب الضمان بالهلاك قبل أن يفارقه الأول، وبعد الافتراق لم يحدث فعلًا آخر بل هو مستمر على ذلك الفعل بل هو أمين فيه فلا يضمن ما لم يوجد منه تعدّ اهـ. قوله: (فيضمن أياً شاء) قال في شرح الزيادات: رجل غصب جارية فأودعها رجلاً فأبقت منه ثم استحقت كان له الخيار يضمن أيهما شاء، فإن ضمن الغاصب برىء المودع وكانت الجارية ملكاً للغاصب، وإن ضمن المودع كان للمودع أن يرجع على الغاصب بما ضمن لأنه عامل له وتصير الجارية بنفس تضمينه ملكاً للغاصب، حتى لو أعتقها الغاصب جاز ولو أعتقها المودع لا يجوز، ولو كانت محرماً من الغاصب عتقت عليه لا على المودع إذا ضمنها؛ لأن قرار الضمان على الغاصب لأن المودع وإن جاز تضمينه فله الرجوع بما ضمن على الغاصب والمودع لكونه عاملًا له فهو كوكيل الشراء. ولواختار المودع بعد تضمينه أخذها بعد عودها ولا يرجع على الغاصب لم يكن له ذلك، وإن هلكت في يده بعد العود من الإباق كانت أمانة وله الرجوع على الغاصب بما ضمن، وكذا إذا ذهبت عينها، وللمودع حبسها عن الغاصب حتى يعطيه ما ضمنه للمالك، فإذا هلكت بعد الحبس هلكت بالقيمة، وإن ذهبت عينها بعد الحبس لم يضمنها كالوكيل بالشراء لأن الغاية وصف وهو لا يقابله شيء، ولكن يتخير الغاصب إن شاء أخذها وأدى جميع القيمة، وإن شاء ترك كما في الوكيل بالشراء، ولو كان الغاصب أجرها ٤٩١ کتاب الإبداع المودع رجع على الغاصب وإن علم على الظاهر: درر. خلافاً لما نقله القهستاني والباقاني والبرجندي وغيرهم، فتنبه. (معه ألف ادعى رجلان كل منهما أنه له أودعه إياه فنكل) عن الحلف (لهما، أو رهنها فهو والوديعة سواء، وإن أعارها أو وهبها: فإن ضمن الغاصب كان الملك له، وإن ضمن المستعير أو الموهوب له كان الملك لهما، لأنهما لا يستوجبان الرجوع على الغاصب فكان قرار الضمان عليهما فكان الملك لهما، ولو كان مكانهما مشتر فضمن سلمت الجارية له، وكذا غاصب الغاصب إذا ضمن ملكها لأنه لا يرجع على الأول فتعتق عليه لو كانت محرماً منه، وإن ضمن الأول ملكها فتعتق علیه لو كانت محرمه، ولو كانت أجنبية فللأول الرجوع بما ضمن على الثاني لأنه ملكها فيصير الثاني غاصباً ملك الأول، وكذا لو أبرأه المالك بعد التضمين أو وهبها له كان له الرجوع على الثاني، وإذا ضمن المالك الأول ولم يضمن الأول الثاني حتى ظهرت الجارية كانت ملكاً للأول، فإن قال أنا أسلمها للثاني وأرجع عليه لم يكن له ذلك لأن الثاني قدر على ردّ العين فلا يجوز تضمينه، وإن رجع الأول على الثاني ثم ظهرت كانت للثاني اهـ. وتمام التفريعات فيه فليراجعه من رامه. مَطْلَبٌ: مُودِعُ الغَاصِبِ لَو اسْتَهْلَكَهَا لَا يَرْجِعُ عَلَىَ الغَاصِبِ إِذَا ضَمِنهَا وَإِذَا ضَمِنْهَا الغَاصِبُ يَرْجِعُ عَلَى المُودعِ قال المقدسي: قلت: فلو استهلكها مودع الغاصب فغرم الغاصب ينبغي أن يرجع، ولو غرم هو لا يرجع. قوله: (درر) وجزم به في البحر وأصله في التبيين. وعبارته: ثم مودع الغاصب إن لم يعلم أنه غاصب رجع على الغاصب قولاً واحداً، وإن علم فكذلك في الظاهر. وحكى أبو اليسر أنه لا يرجع، وإليه أشار شمس الأئمة. ذكره في النهاية. قوله: (خلافاً لما نقله القهستاني الخ) أي من أنه لا يرجع، وهو الموافق لما جزم به الشارح فيما لو عالج الوديعة بإذن المودع كما مر التنبيه عليه. وعبارة القهستاني: وإنما يرجع على الغاصب إذا لم يعلم أنه غصب كما في العمادية ا هـ. قوله: (فتنبه) أشار بالتنبيه إلى ما حررناه قريباً .. أقول: والحاصل أن المودع لو دفع الوديعة إلى أجنبي بلا عذر فللمالك أن يضمنه فقط لا رجوع على الثاني إلا إذا استهلكها. وعندهما: له أن يضمن أيا شاء، فإن ضمن الثاني رجع على الأول. وأجمعوا على ذلك في الغاصب مع مودعه فللمالك تضمين أيّ شاء، لكن إن ضمن الثاني رجع على الأول بما ضمن إن لم يعلم أنها غصب كما في القهستاني عن العمادية. قوله: (فنكل لهما) أي أنكر، وليس له عليهما بينة. ٤٩٢ كتاب الإيداع فهو لهما وعليه ألف آخر بينهما) ولو حلف لأحدهما ونكل للآخر فالألف لمن نكل له. (دفع إلى رجل ألفاً وقال ادفعها اليوم إلى فلان فلم يدفعها حتى ضاعت لم وصور هذه المسألة ستة: أقر لهما نكل لهما حلف لهما أقر لأحدهما ونكل للآخر أو حلف نكل لأحدهما وحلف للآخر. واعلم أنه إذا حلف لأحدهما لم یقض له حتى يحلفه الثاني لينكشف وجه القضاء، بخلاف ما لو أقر لأحدهما ليحكم له إذ الإقرار حجة بنفسه والنكول حجة بالقضاء، ولذا لو نكل فحلف برىء. مقدسي. وفيه: ولو قال أودعنيها أحدكما فليس له الامتناع إن اصطلحا وليس عليه ضمان ولا استحلاف، فإن لم يصطلحا فلكل أن يستحلف كما تقدم، وتمام تفصيلها في الزيلعي. قوله: (فهو لهما) لعدم الأولوية وعليه ألف آخر لإقراره به أو لبذله إياه على اختلاف الأصلين ولأيهما بدأ القاضي بالتحليف جاز لتعذر الجمع بينهما أو عدم الأولوية. والأولى عند التشاحن أن يقرع بينهما تطبيباً لقلوبهما ونفياً لتهمة الميل، فإن نكل للأول لا يقضى به لينكشف وجه القضاء هل هو لهما أو لأحدهما، ولا ضرر عليه في التأخير لأنه لا يقضى للمتقدم حتى يحلف للمتأخر. قوله: (ولو حلف لأحدهما) في التحليف للثاني يقول بالله ما هذه العين له ولا قيمتها لأنه لو أقر بها للأول ثبت الحق فيها فلا يفيد إقراره بها للثاني، فلو اقتصر على الأول لكان صادقاً. بحر. قوله: (فالألف لمن نكل له) دون الآخر لوجود الحجة في حقه دونه، ولو حلف لهما فلا شيء لهما لعدم الحجة. زيلعي. قوله: (دفع إلى رجل ألفاً وقال ادفعها اليوم الخ) أقول: ذكر في الخانية قولين في المسألة: إذا كان بعد الطلب قال مودع قال له ربّ الوديعة إذا جاء أخي فرد عليه الوديعة فلما طلب أخوه منه قال له المودع بعد ساعة أدفعها إليك فلما عاد إليه قال له هلكت لا يصدق لأنه متناقض ويكون ضامناً. وقال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل: إذا طلب المودع وقال اطلبها غداً فأعيد الطلب في الغد فقال قد ضاعت، روي عن أصحابنا أنه يسأل المودع متى ضاعت، إن قال ضاعت بعد إقراري لا يضمن، وإن قال كانت ضائعة وقت إقراري لا يقبل قوله لأنه متناقض ويكون ضامناً، لأن قوله اطلبها غداً إنما يكون للشيء القابل اهـ. وقدمنا الكلام عليه بأوضح من ذلك. قوله: (فلم يدفعها الخ) أي إذا لم يطلبها المأمور بدفعها إليه، أما لو طلبها فمنعها منه فهو كما لو منعها من مالكها، وقد تقدم الكلام فيه. فرع في البزازية: له على رجل دين فأرسل الدائن إلى مديونه رجلاً ليقبضه فقال المديون دفعته إلى الرسول وقال: أي الرسول دفعته إلى الدائن وأنكره الدائن فالقول قول ٤٩٣ كتاب الإبداع يضمن) إذ لا يلزمه ذلك (كما لو قال له احمل إلي الوديعة فقال افعل ولم يفعل حتى مضى اليوم) وهلكت لم يضمن، لأن الواجب عليه التخلية: عمادية. (قال) ربّ الوديعة (للمودع ادفع الوديعة إلى فلان فقال دفعت وكذبه) في الدفع (فلان وضاعت) الوديعة (صدق المودع مع يمينه) لأنه أمين. سراجية. (قال) المودع ابتداء (لا أدري كيف ذهبت لا يضمن على الأصح، كما لو قال الرسول مع يمينه اهـ. لكن الذي في نور العين: القول للمرسل بيمينه، فتأمل. وفي البزازية أيضاً: قال الدائن ابعث الدين مع فلان فضاع من يد الرسول ضاع من المديون. قوله: (احمل إلى) أي اليوم كما في الهندية. ويؤخذ من السياق واللحاق. قوله: (وضاعت) يعني غابت ولم تظهر ولا حاجة إليه. قوله: (صدق المودع مع يمينه) أي في براءة ذمته من الوديعة لا في إلزام المدفوع إليه. قوله: (لا يضمن على الأصح) مقتضاه أن الأجير المشترك لا يضمن، لكن أفتى الخير الرملي بالضمان في حاشية الفصولين حيث قال: وفي البزازية في متفرقات الإجارة من نوع في المتفرقات: دفع إلى المشترك ثوراً للرعي فقال لا أدري أين ذهب الثور فهو إقرار بالتضييع في زماننا ا هـ. ولا يخفى أنه ليس مذهب أبي حنيفة، وانظر إلى قوله في زماننا اهـ. قوله: (بخلاف قوله لا أدري أضاعت أم لم تضع) هذا مخالف لما في جامع الفصولين ونور العين وغيرهما، من أنه لا يضمن على الأصح، وهكذا رأيته في نسخة المنح، لكن لفظة ((لا)) ملحقة بين الأسطر وكأنها ساقطة من النسخ فنقلها الشارح هكذا، فتنبه. ثم نقل في العمادية بعدها: ولو قال لا أدري أضيعتها أم لم أضيع يضمن لأنه نسب الإضاعة إلى نفسه فكان ذلك تعدياً منه كما يأتي قريباً. قوله: (لا يضمن) أي إن كان للكرم أو للدار باب، وإن لم يكن لهما باب يضمن. هندية عن المحيط. وفي نور العين عن قاضیخان قال: وضعتها في داري فنسیت امکان لا یضمنه. ولو قال وضعتها في مكان حصين فنسيت الموضع ضمن لأنه جهل الأمانة كما لو مات مجهلاً. صع: وقيل لا یضمن کقوله ذهبت ولا أدري کیف ذهبت، ولو قال دفنت في داري أو في موضع آخر ضمن، ولو لم يبين مكان الدفن ولكن قال سرقت من مكان دفنت فيه لم یضمن. عدة: لو دفنها في الأرض يبرأ لو جعل هنالك علامة، وإلا فلا. وفي المفازة ضمن مطلقاً. ولو دفنها في الکرم یبرأ لو حصینا بأن کان له باب مغلق. ولو وضعها بلا دفن برىء لو موضعاً لا يدخل فيه أحد بلا إذن اهـ. أقول: ولا تنس ما قدمناه من أنه إذا كان الموضع حرزاً لتلك الوديعة وإلا يضمن مطلقاً ومن أن العبرة للعرف كما نقلناه عن البزازية، فتأمل. ٤٩٤ كتاب الإيداع ذهبت ولا أدري كيف ذهبت) فإن القول قوله، بخلاف قوله لا أدري أضاعت أم لم تضع أو لا أدري وضعتها أو دفنتها في داري أو موضع آخر فإنه يضمن، ولو لم يبين مكان الدفع لكنه قال سرقت من المكان المدفون فيه لا يضمن وتمامه في العمادية . وفيه: توجهت اللصوص نحوه في مفازة فدفنها حذراً فلما رجع لم يظفر بمحل دفنه، لو أمكنه أن يجعل فيه علامة ولم يفعل ضمن، وكذلك لو أمكنه العود قريباً بعد زوال الخوف فلم يعد ثم جاء ولم يجدها لا لو دفنها بإذن ربها. فظ: وضعها في زمان الفتنة في بيت خراب يضمن لو وضعها على الأرض لا لو دفنها اهـ. وفي الهندية عن النوازل: إذا قال المودع سقطت الوديعة أو وقعت مني لا يضمن. ولو قال أسقطت أو تركتها يضمن. قال الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني رحمه الله تعالى: لا يضمن في الوجهين، لأن المودع لا يضمن بالإسقاط إذا لم يترك الوديعة ولم يذهب، والفتوى عليه: كذا في الخلاصة: ولو قال: لا أدري أضاعت أو لم تضع لا يضمن. ولو قال لا أدري أضيعتها أم لم أضيع يضمن. كذا في الفصول العمادية اهـ. وقدمنا وجهه لأنه نسب الإضاعة إلى نفسه، فهذا وجه ما نقلناه، وهي مسألة أخرى، بخلاف قوله ذهبت ولا أدري كيف ذهبت وقوله أضاعت أم لم تضع الخ، فلا فرق بينهما لأن مؤدي العبارتين واحد كما لا يخفى على من تأمل، فتدبر. قال في نور العين: ولو قال أسقطت أو تركتها ضمن كذا في ث. وطعنوا أن مجرد الإسقاط ليس بسبب ضمان، إذ لو أسقطها فرفعها ولم يبرح حتى هلكت يبرأ، فهنا لا يضمن بمجرد قوله أسقطت، بل بشرط أن يقول أسقطت وتركت أو أسقطت وذهبت أو أسقطت في الماء ونحوه، وقالوا في قوله سقطت أو وقعت ينبغي الضمان للسقوط بتقصير في الشد أو في جعلها في محل لا يحتملها فيكون كحمال. وذكر أنه ينبغي أن لا يضمن بمجرد قوله أسقطت أو تركت، إذ لا يفرق العامة بين سقطت وأسقطت. ولو قال ضاعت فالقول له. ولو قال لم يذهب من مالي شيء لا يضمن. ولو قال ذهبت ولا أدري کیف ذهبت فالقول له بيمينه. ولو قال ابتداء لا أدري كيف ذهبت اختلف فيه المتأخرون، والأصح أنه لا يضمن اهـ. أقول: لكن قدمنا عن العلامة الخير الرملي أنه أفتى بالضمان معللاً بأنه تضييع في زماننا فلا تنسه. وفيه: المودع لو سقط شيء من يده على الوديعة يضمن اهـ. وفيه: نام ٤٩٥ كتاب الإيداع فروع: هدد المودع أو الوصي على دفع بعض المال: إن خاف تلف نفسه أو عضوه فدفع لم يضمن، وإن خاف الحبس أو القيد ضمن، وإن خشي أخذ ماله كله فهو عذر كما لو كان الجائر هو الآخذ بنفسه فلا ضمان. عمادیة. خيف على الوديعة الفساد رفع الأمر للحاكم ليبيعه ولو لم يرفع حتى فسد فلا ضمان. ووضعها تحت رأسه أو بجنبه يبرأ وكذا بوضعه بين يديه في الصحيح قالوا ييرأ في الفصل الثاني لو نام قاعداً، ولو مضطجعاً ضمن في الحضر لا في السفر. عدة: يبرأ لو قاعداً لا لو واضعاً جنبه على الأرض، وفي السفر لا يضمن، ولو مضطجعاً جعل ثياب الوديعة تحت جنبه، لو قصد به السرقة ضمن لا لو للحفظ. ولو جعل الكيس تحت جنبه يبرأ مطلقاً. جعل دراهم الوديعة في خفه ضمن في الأيمن لا في الأيسر لأنها في اليمين على شرف سقوط عند ركوبه، وقيل يبرأ مطلقاً، وكذا لو ربطها في طرف كمه أو عمامته، وكذا لو شدها في منديل ووضعه في كمه يبرأ، ولو ألقاها في جيبه ولم تقع فيه وهو يظن أنها وقعت فيه لا يضمن. خلاصة: ضمن. ولو دخل الحمام وهي في جيبه وتركه في الساكودة فسرق قيل يضمن. قاضيخان. جعلها في جيبه وحضر مجلس فسق فضاعت بعد ما سكر بسرقة أو سقوط أو نحوهما قيل لا يضمن لأنه حفظها في محل يحفظ مال نفسه، وقيل هذا إذا لم يزل عقله. أما إذا زال فلو بحيث لا يمكنه حفظ ماله يضمن لأنه عجز عن الحفظ بنفسه فيصير مضيعاً أو مودعاً غيره اهـ. قوله: (إن خاف الخ) ظاهر صنيعه أن المنظور إليه ما وقع عند المودع من خوف تلف نفسه أو عضوه أو حبسه أو أخذ ماله وإن كان التهديد مطلقاً أما إذا كان صريحاً بأحدها فالحكم ظاهر ط. قوله: (وإن خاف الحبس أو القيد) أو التجريس كما في الهندية. قوله: (وإن خشي أخذ ماله كله فهو عذر) لأنه يؤدي إلى تلف نفسه، بخلاف ما لو أبقى له قوت الكفاية. وفي الهندية: سلطان هدد المودع بإتلاف ماله إن لم يدفع إليه الوديعة ضمن إن بقي له قدر الكفاية، وإن أخذ كل ماله فهو معذور ولا ضمان عليه. كذا في خزانة المفتين. قال ط: ولم يبين ما المراد بقدر الكفاية هل كفاية يوم أو شهر أو العمر الغالب؟ فيحرر اهـ. والظاهر أن المراد بها هنا كفاية شهر أو يوم. قوله: (كما لو كان الجائر هو الآخذ بنفسه فلا ضمان) أي من غير تفصيل كما يؤخذ من المنح. قوله: (رفع الأمر للحاكم) أي على سبيل الأولولة. قوله: (ليبيعه) وإن لم یکن في البلد قاض باعها وحفظ ثمنها هندية، ولو أنفق عليها بلا أمر قاض فهو متبرع، ولو لم ينفق عليها ٤٩٦ کتاب الإيداع ولو أنفق عليها بلا أمر قاض فهو متبرّع. قرأ من مصحف الوديعة أو الرهن فهلك حالة القراءة لا ضمان، لأن له ولاية هذا التصرف. صيرفية. قال: وكذا لو وضع السراج على المنارة. وفيها: أودع صكاً وعرف أداء بعض الحق ومات الطالب وأنكر الوارث الأداء حبس المودع الصك أبداً. وفي الأشباه: لا يبرأ مديون الميت بدفع الدين إلى الوارث وعلى الميت دين. المودع حتى هلكت يضمن لكن نفقتها على المودع. منلا علي عن حاوي الزاهدي. وفي التاترخانية: غاب رب الوديعة ولا يدري أحيّ هو أو ميت يمسكها حتى يعلم موته ولا يتصدق بها، بخلاف اللقطة، وإن أنفق عليها بلا أمر القاضي فهو متطوع ويسأله القاضي البينة على كونها وديعة عنده وعلى كون المالك غائباً؛ فإن برهن، فلو مما يؤجر وينفق عليها من غلتها أمره به وإلا يأمره بالإنفاق يوماً أو يومين أو ثلاثة رجاء أن يحضر المالك لا أكثر بل يأمره بالبيع وإمساك الثمن، وإن أمره بالبيع ابتداء فلصاحبها الرجوع عليه به إذا حضر، لكن في الدابة يرجع بقدر القيمة لا بالزيادة، وفي العبد بالزيادة على القيمة بالغة ما بلغت؛ ولو اجتمع من ألبانها شيء كثير أو كانت أرضاً فأثمرت وخاف فساده فباعه بلا أمر القاضي، فلو في المصر أو في موضع يتوصل إلى القاضي قبل أن يفسد ذلك ضمن. قوله: (فهلك حال القراءة) نص على المتوهم فلا ضمان بعدها بالأولى. قوله: (لأن له ولاية هذا التصرف) أي وهو القراءة، وسيأتي آخر العارية ما نصه: أما كتب العلم فينبغي أن يجوز النظر فيها إذا كانت لا تتضرر بالنظر والتقليب، ويكون كالاستظلال بالحائط والاستضاءة بالنار لاسيما إذا كان مودعاً وعادة الناس في ذلك المساهلة والمسامحة، والاحتياط عدم النظر إلا بأمر. قوله: (وكذا لو وضع السراج) أي سراج الوديعة على المنارة: أي على محل النور فإنه لا يضمن إذا تلف. قوله: (أودع صكاً) أي له، أما إذا كان لغيره وقد أودعه هو وجاء الذي له الصك يطلبه فلا يدفعه إليه وعليه الفتوى. هندية. قوله: (وأنكر الوارث) أي وارث الطالب. قوله: (حبس المودع الصك) لما فيه من الإضرار، وقد تقدم نحو هذا في المصنف، ولعله محمول على ما إذا كان المكتوب عليه يقرّ به إذا عرض عليه، وإلا فمجرد الخط لا يثبت الحق، ثم ظاهر كلامه يعم ما لو أنكر الوارث لكونه لا يعلم الدفع. قوله: (أبداً) أن ما لم يقر الوارث بالأداء أي بما قبض مورثهم. قوله: (لا يبرأ مديون الميت بدفع الدين إلى الوارث) الظاهر أن يقيد عدم البراءة بما إذا كان الدين مستغرقاً لما دفعه أو لا، وسواء كان الوارث مؤتمناً أو لا، والظاهر أن يقيد عدم البراءة بما إذا كان الدين مستغرقاً لما دفعه والوارث غير مؤتمن، كما قيد بهما في المودع إذا دفع الوديعة للوارث. حموي. لكن قال في منية المفتي: إذا كان ٤٩٧ كتاب الإيداع ليس للسيد أخذ وديعة العبد. العامل لغيره أمانة لا أجر له إلا الوصيّ والناظر للميت وديعة عند إنسان وفي التركة دين فدفع المودع الوديعة إلى الوارث بغير أمر القاضي يضمن. في يده ألف وديعة لرجل مات وعليه ألف درهم دين معروف أنه عليه وترك ابناً معروفاً فقضى المستودع الألف للغريم لم يضمن؛ لأنه قضى إلى من له الحق وهو غريم المیت، ولیس للابن میراث حتی یقضي الدین ا هـ. أقول: ولعل عدم البراءة بدفع الدين إلى الوارث ديانة. قال في الفوائد الزينية: ولو قضى المودع بها دين المودع ضمن على الصحيح، فتأمل وراجع. فرع قال بعت الوديعة وقبضت ثمنها لا يضمن ما لم يقل دفعتها للمشتري. شرح تحفة الأقران. وفي منية المفتي: لرجل على آخر دين فقضاه فمنعه ظلماً فمات صاحب الدين فالخصومة في الظلم بالمنع للميت وفي الدين للوارث هو المختار. وفيها: ومن أخذ من السلطان مالًا حراماً فحق الخصومة في الآخرة لغاصب الحق مع السلطان ومع القابض إن لم يخلطه السلطان وبعد الخلط يكون مع السلطان عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. قوله: (ليس للسيد أخذ وديعة العبد) أي ولو غير مأذون لاحتمال أنه مال الغير إلا إذا أقام السيد بينة على أنه ماله وقد سلف. وفي البزازية: الرقيق إذا اكتسب واشترى شيئاً من كسبه وأودعه وهلك عند المودع فإنه يضمنه لكونه مال المولى مع أن للعبد يداً معتبرة، حتى لو أودع شيئاً وغاب فليس للمولى أخذه انتهى. هذا إذا لم يعلم أن الوديعة كسب العبد أو ماله، أما إذا علم ذلك فله حق الأخذ بلا حضور العبد كما نقله في البزازية عن الذخيرة، وقد تقدم ذلك. قوله: (العامل لغيره أمانة لا أجر له إلا الوصي) أي وصي القاضي وقد نصبه بأجر، وأما وصي الميت فلا يستحق الأجر كما في الأشباه من فن الجمع. والفرق في الكلام على أجر المثل نقلاً عن القنية. وقد علل الولوالجي عدم صحة الأجر له، ولو جعله المتوفى له لينفذ له وصاياه بأنه بقبول الوصية صار العمل واجباً عليه والاستئجار على هذا لا يجوز انتهى. قال العلامة الخير الرملي: ولا يخفى أن وصي الميت إذا امتنع عن القيام بالوصية إلا بأجر في مقابلة عمله لا يجبر على العمل لأنه متبرع، ولا جبر على المتبرع. وإذا رأى القاضي أن يعمل له أجرة على عمله وكانت أجرة المثل فما المانع قياساً واستحساناً، وهي واقعة الفتوى، وقد أفتيت به مراراً، ولا ينافيه ما في الولوالجية كما هو ظاهر لأن الموضوع مختلف کما یظهر بأدنى تأمل اهـ. ٤٩٨ کتاب الإيداع إذا عملا. قلت: فعلم منه أن لا أجر للناظر في المسقف إذا أحيل عليه المستحقون، فليحفظ، وفي الوهبانية: [الطويل] وَدَافِعُ أَلْفِ مُفْرِضاً وَمُقَارِضاً وَرِبْحُ القِرَاضِ الشَّرْطُ جَازَ وَنْذَرُ أقول: إنما كان الموضوع مختلفاً لأن موضوع مسألة الولوالجي في وجوب العمل بقبول الوصية وموضوع ما ذكره في عدم الجبر على العمل وهو لا ينافي الوجوب، لكن قال الطحطاوي: وفيه تأمل، إذ بعد القبول لا يقال إنه متبرع. والحاصل: أن وصي الميت لا أجر له إلا إذا كان محتاجاً فله الأكل من مال اليتيم بقدر عمله، وللقاضي أن يفرض له ذلك، لكن للمستقبل لا لما مضى لشروعه فيه متبرعاً. وأما وصي القاضي، فإن كان محتاجاً فكذلك، وإلا فإن نصبه القاضي وجعل له أجرة المثل جاز، وكذا إذا امتنع بعد النصب عن العمل حتى يجعل له أجرة لأن وصايته غير لازمة، لأن له أن يعزل نفسه فله أن يمتنع عن المضي في العملى إلا بأجر، وتمام الكلام على ذلك في باب الوصي آخر الكتاب فراجعه إن شئت. قوله: (إذا عملا) فيستحقان أجرة المثل. أشباه. قال في القنية: إذا عين القاضي له أجراً فهو له، وإلا فلا، وذكر أن له أجرة مثله ولو لم يعينه القاضي، وتقدم ذلك في كتاب الوقف، وذكره في الوصايا. قوله: (قلت) القول لصاحب الأشباه. قوله: (فعلم منه أن لا أجر للناظر الخ) أي من قوله: (إذا عملا) أي إلا إذا كان مشروطاً من جهة الواقف. أفاده أبو السعود. ووجه العمل أنه لاعمل حينئذ ط . والحاصل: أن الواقف إن عین للناظر شیئاً فهو له کثیراً كان أو قليلاً على حسب ما شرطه عمل أو لم يعمل حيث لم يشترطه في مقابلة العمل، وإن لم يعين له الواقف وعين له القاضي أجرة مثله جاز، وإن عين أكثر يمنع عنه الزائد عن أجرة المثل. هذا إن عمل، وإن لم يعمل لا يستحق أجرة، ويمثله صرح في الأشباه في كتاب الدعوى. وإن نصبه القاضي ولم يعين له شيئاً، ينظر، إن كان المعهود أن لا يعمل إلا بأجرة المثل فله أجرة المثل، لأن المعهود كالمشروط وإلا فلا شيء له، وبيان تفصيل ذلك مع أدلته في كتاب الوقف فارجع إليه. قوله: (ودافع ألف مقرضاً ومقارضاً) قال ابن الشحنة: مسألة البيت من البدائع. قال: ولو قال خذ هذه الألف على أن نصفها عليك قرض على أن تعمل بالنصف الآخر مضاربة على أن ربح لي فهذا مكروه لأنه شرط لنفسه منفعة في مقابلة القرض، وقد نهى رسول الله وَالچو عن قرض جرّ نفعاً، فإن عمل هذا وربح فالربح بينهما نصفان، لأن المضارب ملك نصف المال بالقرض فكان نصف الربح له والنصف الآخر بضاعة في يده فربحه لرب المال. قوله: (وربح القراض) أي لرب المال خاصة. قوله: (الشرط جاز) ويجعل النصف بضاعة ونماء ٤٩٩ کتاب الإبداع وَإِنْ يَدَّعِي ذُو المَالِ قَرْضاً وَخَصْمُهُ قِرَاضاً فَرَبُّ المَالِ قَدْ قِيلَ أَجْدَرُ وَفِ العَكْسِ بَعْدَ الرِّبْحِ فَالقَوْلُ قَوْلُهِ كَذَلِكَ فِي الأَبْضَاعِ مَا يَتَّغَبُّ يَصِحُ وَيُسْتَخْلَفْ فَقَدْ يُتَصَوَّرُ وَإِنْ قَالَ قَدْ ضَاعَتْ مِنْ البَيْتِ وَحْدَهَا وَثَارِكُ فِي قَوْمٍ لأَمْرٍ صَحِيفَةٍ النصف القرض للمستقرض، لأن المضاربة لما فسدت باشتراط كل الربح لرب المال صارت بضاعة. قوله: (ويحذر) للنهي عن قرض جر نفعاً. وإذا علم صحة الشرط فالربح الحاصل من الألف لهما والخسران عليهما لأنهما شريكان في الألف. قوله: (وإن يدعي ذو المال قرضاً وخصمه إلى آخر البيتين) قال الشارح: قد اشتمل البيتان على ثلاث مسائل: الأولى من الظهیریة: لو قال المضارب دفعته إلى مضاربة وقال رب المال دفعته إليك قرضاً فالقول قول رب المال، ومع ذلك لو هلك المال قبل التصرف لا ضمان على ذي اليد لاتفاقهما على قول المالك دفعت فإنها لا تفيد ضماناً قبل التصرف وضمن بعده: وإن أقاما بينة لرب المال فيكون كل من القول والبينة لرب المال. وفي النهاية وشرح التحرير أن القول قول المضارب والبينة على رب المال. قوله: (فرب المال قد قيل أجدر) أي بقبول قوله وإن هلك المال، فإن كان قبل العمل فلا ضمان عليه لاتفاقهما على لفظ الدفع كما تقدم. قوله: (وفي العكس) وهذه المسألة الثانية من الظهيرية أيضاً، وهي عكس الأولى. إذا قال المضارب بعد ما تصرف وربح أقرضتني هذا المال والربح كله لي وقال رب المال دفعته إليك مضاربة بالثلث أو قال دفعته إليك بضاعة أو قال مضاربة ولم أسمّ ربحاً أو يربح مائة درهم فالقول في ذلك قول رب المال وعلى المضارب البيئة. وفي دعوى البضاعة الربح لرب المال، وفيما إذا لم يسم فالربح لرب المال وللمضارب أجر المثل، وإن أقام البيئة فالبينة للعامل، وإن اختلفا قبل الربح يرد المال إلى مالكه لعدم لزوم العقد. قوله: (كذلك في الأبضاع) بأن قال رب المال دفعته بضاعة والمضارب يدعي القرض فالقول لرب المال. ولو ادعى المضاربة ورب المال الغصب وضاع المال قبل العمل فلا ضمان، وإن بعد العمل فهو ضامن؛ وإن أقاما بينة فالبينة للمضارب في الوجهين، وهذه هي المسألة الثالثة. قوله: (ما يتغير) أي الحكم في هذه الصورة، وقد قدمنا الكلام على هذين البيتين آخر كتاب المضاربة. قوله: (وإن قال قد ضاعت من البيت وحدها) مسألة البيت من الواقعات، وقد ذكرناها في هذا الباب، وهي المودع إذا قال ذهبت الوديعة من منزلي ولم يذهب من مالي شيء قبل قوله مع يمينه كما في الهندية والكافي وجامع الفصولين ونور العين وغيرها. قوله: (فقد يتصور) بأن يعجل السارق أو تكون هي المقصودة، ومعنى يصح يصدق. قوله: (وتارك) بغير تنوين. قوله: (لأمر) متعلق بتارك أو بصحيفة والصحيفة مثال، وهي قطعة من جلد أو قرطاس كتب فيه، وقدمنا ذكر هذه المسألة. وذكر شارحها العلامة ابن الشحنة أن مسألة البيت من قاضيخان قال: قوم جلوس في مكان فقام واحد منهم وترك كتابه ثم قام الباقون معاً فهلك الكتاب ضمنوا جميعاً، لأن ٥٠٠ كتاب الإيداع فَرَاحُوا وَرَاحَتْ يَضْمَنُ المُتَأَخِّرُ يُضَمَّنْ وَقَرْضُ الفَارِ بِالعَكْسِ يُؤْثَرُ وَتَارِكُ نَشِرِ الصُّوفِ صَيْفاً فَعَثَّ لَمْ الأول لما ترك الكتاب عندهم فقد استحفظهم، فإذا قاموا وتركوا الكتاب فقد تركوا الحفظ الملتزم فضمنوا جميعاً، وإن قام القوم واحداً بعد واحد كان الضمان على آخرهم لأن الآخر تعين للحفظ فتعين للضمان. قال المصنف: وهذا ليس خاصاً بالصحيفة بل يطرد في غيرها أيضاً. قال ط: وينبغي تقييد هذا الفرع بما لا يقسم فإنه إذا كان مما يقسم يكون القائم أولاً مفرطاً بعدم قسمة المودع للحفظ اهـ. قوله: (يضمن المتأخر) لتعينه للحفظ فتعين للضمان اهـ. عبد البر. ومفهومه أنهم إذا قاموا جملة ضمنوا جميعاً، وبه صرح قاضيخان. ويظهر لي أن كل مالا يقسم كذلك. سائحاني. قوله: (وتارك نشر الصوف صيفاً الخ) قد اشتمل البيتان على مسألتين من الظهيرية. قال في كتاب الوديعة: إذا أفسدها الفأر وقد اطلع المودع على ثقب معروف، إن كان أخبر صاحب الوديعة أن ها هنا ثقب الفأر فلا ضمان، وإن لم يخبره بعد ما اطلع عليه ولم يسده ضمن، وهي المسألة الثانية. والأولى ما قال في الظهيرية عن السيد الإمام أبي القاسم أن الإنسان إذا استودع عنده ما يقع فيه السوس في زمان الصيف فلم يبردها في الهواء حتى وقع السوس وفسد لا يضمن، وهذا علم من صورة النظم إلا أنه يعلم من ذلك الحكم في نظيره. انتهى ما ذكره ابن الشحنة. قال في الهندية: الوديعة إذا أفسدتها الفأرة وقد اطلع المودع على ثقب الفأرة، إن أخبر صاحبها أن ها هنا ثقب الفأرة لا ضمان عليه، وإن لم يخبر بعد ما اطلع عليه ولم يسده يضمن. كذا في الفصول العمادية. وذكر بعدها عبارة الظهيرية. ثم قال: وفي فتاوى أبي الليث: إذا كانت الوديعة شيئاً يخاف عليه الفساد وصاحب الوديعة غائب: فإن رفع الأمر إلى القاضي حتى يبيعه جاز وهو الأولى، وإن لم يرفع حتى فسدت لا ضمان عليه لأنه حفظ الوديعة على ما أمر به. كذا في المحيط. وإن لم يكن في البلد قاض باعها وحفظ ثمنها لصاحبها. كذا في السراج الوهاج انتهى. قوله: (فعث) العث بالمثلثة: السوس أو الأرضة وهي دويبة تأكل الصوف. قوله: (لم يضمن) لأنه حفظ الوديعة كما أمر به. محيط. ويضمن بتشديد الميم. قوله: (وقرض الفأر) الحاصل أنه إذا أودعه الوديعة فوضعها في محل لا ثقب فيه فقرضها الفأر أو أحرقتها النار أو أصابها بخس بالباء الموحدة بالتحتية ثم الخاء المعجمة أي نقص، أو أصابها نخس بالنون ثم الخاء: أي ثقب متسع فلا ضمان عليه. وأما إذا كان في المكان الموضوع فيه الوديعة ثقب قد اطلع عليه المودع: إن أخبر صاحبها به فلا ضمان عليه، وإن لم يخبره ولم يسده يضمن. أفاده صاحب الهندية. قوله: (بالعكس يؤثر) أي بالخلاف. قوله: