Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب الصلح
(ولو أعلن ما قاله سراً أخذ منه الكل للحال) ولو ادعى ألفاً وجحد فقال
أقرر لي بها على أن أحط منها مائة جاز، بخلاف على أن أعطيك مائة لأنه رشوة.
ولو قال إن أقررت لي خططت لك منها مائة فأقر صح الإقرار لا الحط. مجتبى.
(الدين المشترك) بسبب متحد كثمن مبيع بيع صفقة واحدة
في العيني والدرر. قال العيني عند قول الكنز صح: أي هذا الفعل عليه: أي على
الدائن: يعني إن أخره يتأخر، وإن حط عنه بعضه ينحط لأن المديون ليس بمكره اهـ.
ومثله في الدرر إلا أنه قال صح: أي التأخير والحط لأنه ليس بمكره عليه: أي على
الدائن فوصل عليه بمكره فتوهم الشارح أنه متعلق به، وليس الأمر كذلك لأن لفظ عليه
من المتن في الكنز والدرر، ويحتمل أنها هنا كذلك إلا أن الناسخ سوّدها وحينئذ فالعبارة
صح عليه: أي نفذ عليه التأخير أو الحط لأنه ليس بمكره، وضمير عليه: أي على الدائن
حتى أنه بعد التأخير لا يتمكن من مطالبته في الحال، وفي الحط لا يتمكن من مطالبته ما
حطه أبداً. قوله: (ولو أعلن ما قاله سراً) يعني أنه تكلم به أولاً بين الناس، وليس المراد
أنه بعد أن اتفقا على الخط أو التأخير أعلن فإنه لا ينقض الصلح، والمراد أن الدائن
سكت: إذ لو حط في الإعلان أو أقر صح بل هو أولى من حالة السرّ ط.
أقول: وظاهر كلام المصنف يوهم أنه بعد ما أخر أو حط عنه كما فهمته مما قدمناه
مع أنه ليس كذلك، فلو قال ولو أعلن. بقوله: لا أقر لك حتى تؤخره عني أو تحط
يكون إقراراً فيؤخذ للحال كله إن لم يؤخر أو يحط. قال المولى عبد الحليم: وقوله: (ولو
أعلن) أي المديون وقوله: (ما قاله سراً) أشار به إلى أن مفعوله محذوف وهو قوله لا أقر
لك بمالك الخ. قوله: (أخذ الكل منه للحال) أي تمكن من أخذ الكل بلا تأخير إن أخر
ولا حط إن حط. قال ط: لعل هذا إذا لم يؤخره الطالب ولم يحط، أما لو فعل ذلك صح
لعدم إكراهه اهـ. قوله: (فقال أقرر) بهمزة قطع مفتوحة من أقر. قوله: (جاز) أي الحط
لأنه ليس من تعليق الإبراء صريحاً بل معنى، وقد سبق جوازه. قوله: (بخلاف على أن
أعطيك مائة) فإذا أقر صح الإقرار، ولا يلزم الدائن شيء. قوله: (لا الحط) لأن الحط
إيراء وهو معلق بصريح الشرط فلا يصح كما تقدم. جلبي. والأولى أن يقول: لأنه وعد
معلق بالشرط لا يجب الوفاء به شرعاً. قوله: (الدين المشترك بسبب متحد) شامل لما إذا
اشتركا في المبيع بأن كان عيناً واحدة أو لم يشتركا بأن كانا عينين لكل عين بيعتا صفقة
واحدة بلا تفصيل ثمن اهـ. شرنبلالية. قوله: (كثمن مبيع بيع صفقة واحدة) بأن كان
لكل واحد منهما عين على حدة أو كان لهما عين واحدة مشتركة بينهما وباعا الكل صفقة
واحدة من غير تفصيل ثمن نصيب كل واحد منهما. زيلعي.
واحترز بالصفقة الواحدة عن الصفقتين، حتى لو كان عبد بين رجلين باع أحدهما

٣٤٢
كتاب الصلح
أو دين موروث أو قيمة مستهلك مشترك (إذا قبض أحدهما شيئاً منه شاركه الآخر
نصيبه من رجل بخمسمائة درهم وباع الآخر نصيبه من ذلك الرجل بخمسمائة درهم
وكتبا عليه صكاً واحداً بألف وقبض أحدهما منه شيئاً لم يكن للآخر أن يشاركه لأنه لا
شركة لهما في الدين؛ لأن كل دين وجب بسبب على حدة. عزمية. وإنما تتحد الصفقة
إذا اتحد اللفظ وقدر الثمن ووصفه، كأن قالا بعناك هذا العبد بألف لكل خمسمائة فقبل
كان صفقة واحدة، أما لو باع أحدهما بخمسمائة ثم الآخر بخمسمائة أو باعاه بألف على
أن لأحدهما خمسمائة بيضاً وللآخر سوداً أو لأحدهما ستمائة وللآخر أربعمائة فذلك كله
صفقتان، فلا يشارك أحدهما الآخر فيما قبض كما يفهم ذلك من المنح. وقید بالدين
المشترك لأنه لو كان الصلح عن عين مشتركة يختص المصالح، ببدل الصلح وليس لشريكه
أن يشاركه فيه لكونه معاوضة من وجه لأن المصالح عنه مال حقيقة، بخلاف الدين.
زيلعي. فليحفظ فإنه كثير الوقوع.
وفي الخانية: رجلان ادعيا أرضاً أو داراً في يد رجل وقالا هي لنا ورثناها من أبينا
فجحد الذي هي في يده فصالحه أحدهما عن حصته على مائة درهم فأراد الابن الآخر أن
يشاركه في المائة لم يكن له أن يشاركه، لأن الصلح معاوضة في زعم المدعي فداء يمين في
زعم المدعى عليه، فهو معاوضة من وجه استيفاء من وجه فلا يثبت للشريك حقّ الشركة
بالشك. وعن أبي يوسف في رواية لشريكه أن يشاركه في المائة ا هـ.
سئل العلامة الشلبي عن دار مشتركة بين ثلاثة أوقاف كل وقف له حصة معلومة
ومستحقون مختصون به فإذا قبض بعض النظار شيئاً من الأجرة هل لباقي النظار أن
يشاركه في المقبوض أم لا؟ فأجاب بأن لباقي النظار الشركة فيما قبضه أحدهم حيث
صدرت الإجارة منهم صفقة واحدة قياساً على ثمن المبيع صفقة واحدة اهـ. وتعقبه العلامة
الحموي بأن جوابه إنما يصح إذا كان ما أجره كل من النظار معيناً غير مشاع.
وأقول: هذا إنما يرد أن لو صدرت الإجارة في بعض الدار لما يلزم عليه حينئذ من
إجارة المشاع لغير الشريك، ولا شيوع هنا لصدور الإجارة في كل الدار، فتنبه. قوله: (أو
دین موروث) أو كان موصى به لهما أو كان بدل قرضهما. أبو السعود. قوله: (إذا
قبض) أطلقه فشمل قبضاً على طريق الاقتضاء أو الصلح. قوله: (شاركه الآخر فيه) هذا
أصل كلي يتفرع عليه فروع: يعني إذا كان لرجلين دين على آخر فقبض أحدهما شيئاً منه
ملكه مشاعاً كأصله فلصاحبه أن يشاركه في المقبوض، لأنه وإن ازداد بالقبض إذ مالية
الدين باعتبار عاقبة القبض، لكن هذه الزيادة راجعة إلى أصل الحق فيصير كزيادة الثمرة
والولد فله حق المشاركة ولكنه قبل المشاركة باق على ملك القابض لأن العين غير الدين
حقیقة وقد قبضه بدلاً عن حقه فيملكه حتى ينفذ تصرفه فيه فیضمن لشریکه حصته.

٣٤٣
كتاب الصلح
فيه) إن شاء أو اتبع الغريم كما يأتي، وحينئذ (فلو صالح أحدهما عن نصيبه على
ثوب) أي على خلاف جنس الدين (أخذ الشريك الآخر نصفه إلا إن ضمن) له
(ربع) أصل (الدين)
درر. وليس بين قوله ملكه مشاعاً كأصله. وقوله: ولكنه قبل المشاركة باق على ملك
القابض مخالفة، لأن المقبوض عين الدين من وجه وغيره من وجه كما صرح به في عامة
الكتب، والاعتبار الأول يقتضي كون المقبوض مشتركاً والاعتبار الثاني يوجب الاختصاص
بالقابض، فعملنا بالوجهين وقلنا على الوجه الأول: إنه يكون للآخر ولاية المشاركة،
وعلى الوجه الثاني: إنه يدخل في ملك القابض وينفذ تصرفه، ومن هذا يظهر الحسن.
قوله: فله حق المشاركة: أي في المقبوض، أشار به إلى أنه ليس له حقيقة المشاركة وإلا لما
نفذ تصرف القابض فيه قبل المشاركة، والمشبه لا يلزم أن یکون في حكم المشبه به من کل
وجه، فلا يلزم من تحقق حقيقة المشاركة في الثمرة والولد تحقق حقيقتها في المقبوض من
الدين كما لا يخفى. قوله: (أو اتبع الغريم) فلو اختار ثم توى نصيبه بأن مات الغريم
مفلساً رجع على القابض بنصف ما قبض ولو من غيره. بحر: أي من غير ما قبض أن
حقه فيه سقط بالتسليم فيرجع بمثله ويكون ما قبضه أخيراً صرفاً عما في الذمة.
وعبارة الزيلعي: رجع عليه كما في الحوالة، لكن ليس له أن يرجع في عين تلك
الدراهم المقبوضة لأن حقه فيها قد سقط بالتسليم فلا يعود حقه فيها بالتوي ويعود إلى
ذمته في مثلها اهـ. وعليه فكان ينبغي إسقاط لفظ ولو ويقول هكذا: ورجع على القابض
بنصف ما قبض من غيره، وذلك لأن حقه فيها قد سقط بالتسليم فلا يعود حقه فيها
بالتوي ويعود إلى ذمته في مثلها. تأمل. قوله: (وحينئذ فلو صالح) في التفريع نظر، لأن
الأصل أن يقبض من الدين شيئاً، وهذا صلح من نصيبه لا قبض. تأمل. قوله: (أي
على خلاف جنس الدین) احتراز عما إذا كان على جنسه کما تقدم فإنه يشاركه فیه أو
يرجع على المدين، وليس للقابض فيه خيار لأنه بمنزلة قبض بعض الدين. قوله: (أخذ
الشريك الآخر نصفه) أي نصف الدين من غريمه أو أخذ نصف الثوب؛ لأن الصلح وقع
عن نصف الدين وهو مشاع، وقسمة الدين حال كونه في الذمة لا تصح، وحق الشريك
متعلق بكل جزء من الدين فيتوقف على إجازته وأخذه النصف دالّ على إجازة العقد
فيصح ذلك. قوله: (إلا إن ضمن) أي الشريك المصالح. قوله: (ربع الدين) يعني إلا أن
يغرم له حصته من أصل الدين الواصل بواسطة الصلح.
وأفاد أن المصالح مخير إذا اختار شريكه اتباعه: فإن شاء دفع له حصته من المصالح
عليه، وإن شاء ضمن له ربع الدين. ولا فرق بين كون الصلح عن إقرار أو غيره وبعد
ضمان المصالح الربع لا يكون للآخر سبيل على الثوب.

٣٤٤
كتاب الصلح
فلا حق له في الثوب.
(ولو لم يصالح بل اشترى بنصفه شيئاً ضمنه) الشريك (الرابع) لقبضه النصف
وحاصله: أن الشريك الآخر مخير بين الاتباع للمديون والشريك المصالح، وأن
المصالح مخير في دفع نصف الثوب المقبوض وربع الدین، ولم يلزم عليه دفع الربع لاحتمال
تضرر المصالح، لأن الصلح على الخط غالباً فيكون ما استوفاه أنقص، بل يحتمل أن لا
يبقى له شيء من مقبوضه، وأشار بكون البدل ثوباً إلى أن هذا فيما كان بدل الصلح
خلاف جنس الدين. أما إذا وقع على جنسه ليس للمصالح خيار فيه بل لشريكه المشاركة
في المقبوض أو يرجع على المديون لأنه بمنزلة قبض بعض الدين كما في المبسوط. وأطلق
الصلح فشمل ما يكون عن إقرار أو سكوت أو إنكار.
ثم الحيلة في أن لا يرجع عليه شريكه أن يهب له الغريم مقدار حظه من الدين
ويقبضه ثم يبرئه عن حظه أو يبيعه شيئاً يسيراً ولو كفاً من زبيب بقدر حصته من الدين ثم
يبرئه عن الدين ويأخذ ثمن المبيع كما في الذخيرة والتتمة. قوله: (فلا حق له في الثوب)
لأن حقه في الدين وقد ضمنه له، وقد علم أن الخيار للمصالح.
والحاصل: أن في تخيير الشريك قيدين: أن يكون المصالح عنه ديناً والمصالح عليه
ثوباً. فإن كان المصالح عنه عيناً مشتركة ليس لشريكه أن يشاركه فيه، ولو كان المصالح
عليه من جنس الدين شاركه الشريك أو يرجع على المدين.
والفرق بين الصلح على الجنس وغيره أنه إذا صالحه على الجنس يشاركه الشريك فيه
أو يرجع على الغريم، وفي الصلح على خلاف الجنس كذلك، إلا أن يضمن له ربع الدين
لأن حقه في الدين لا في الثوب. قوله: (ضمنه شريكه الربع) يعني إن شاء لأنه صار
قابضاً حقه بالمقاصة ولا ضرورة عليه، لأن مبنى البيع على المماكسة، بخلاف الصلح لأن
مبناه على الإغماض والحطيطة، فلو ألزمناه دفع ربع الدين لتضرر.
لا يقال: قسمة الدين قبل القبض لا تتصور فكيف تتصور المقاصة فيه. لأنا نقول:
قسمة الدين قبل القبض تجوز ضمناً، وإنما لا تجوز قصداً، وهنا وقعت القسمة في ضمن
صحة الشراء وصحة المصالحة وللشريك أن لا يتبع القابض في الجميع ويرجع على المدین،
لأن القابض قبض حقه إلا أن له حق المشاركة، ولو کان للمطلوب على أحدهما دین قبل
وجوب دينهما عليه حتى صار دينه قصاصاً به فلا ضمان عليه لأنه أحد الدينين قضاء
لأولهما لا اقتضاء، والضمان إنما يجب بالاقتضاء، وكذا المشاركة لا تجب بالقضاء وإنما
تجب بالاقتضاء، ولو أبرأه أحدهما عن نصيبه لا يضمن، ولو غصب أحدهما من المدين
عيناً أو اشترى منه شراء فاسداً فهلك عنده فهو قبض والاستئجار بنصيبه قبض لا التزوج
به لعدم إمكان المشاركة فيه كالجناية على نفس المدين وكالإبراء، بخلاف التزوج على دراهم

٣٤٥
كتاب الصلح
بالمقاصة (أو اتبع غريمه) في جميع ما مر لبقاء حقه في ذمته.
(وإذا أبرأ أحد الشريكين الغريم عن نصيبه لا يرجع) لأنه إتلاف لا قبض
(وكذا) الحکم (إن) کان للمدیون على أحدهما دین قبل وجوب دينهما عليه حتى
(وقعت المقاصة بدينة السابق) لأنه قاض لا قابض.
(ولو أبرأ) الشريك المديون (عن البعض قسم الباقي على سهامه) ومثله
المقاصة، ولو أجل نصیبه صح عند الثاني؛
مطلقة فإنه قبض بالإجماع لوقوع التقاصّ زيلعي. قوله: (أو اتبع غريمه في جميع ما مر)
أي في مسألة الصلح والبيع أو القبض. قوله: (لبقاء حقه في ذمته) ولأن القابض استوفى
نصيبه حقيقة لكن له حق المشاركة فله أن يشارك. قوله: (لا يرجع) أي الشريك بنصف
المبرىء على الذي أبرأ. قوله: (لأنه إتلاف لا قبض) والرجوع يكون في المقبوض لا في
المتلف، ولم يزدد نصيب المشتري بالبراءة فلم يرجع عليه. قوله: (قبل وجوب دينهما
عليه) أما لو كان حادثاً حتى التقيا قصاصاً فهو كالقبض ويشاركه فيه كما في البحر.
قوله: (عليه) أي المديون. قوله: (لأنه قاض لا قابض) أي والمشاركة إنما تثبت في
المقبوض لا في القضاء. قوله: (ولو أبرأ الشريك المديون) بالنصب مفعول أبرأ، والأولى
أن يقول أحد الشريكين. قوله: (قسم الباقي على سهامه) أي على سهام الباقي؛ لأنه لعل
المراد بالسهام السهام الباقية لا أصلها، يظهر ذلك فيما لو كان له الثلثان فأبرأه عن الثلث
يقسم ما يؤخذ نصفين لأن الحق عاد إلى هذا القدر، ولو اعتبرنا الأصل قسم أثلاثاً، وقد
صرح ابن الكمال بالأول. قوله: (ومثله المقاصة) بأن كان للمديون على الشريك خمسة
مثلاً قبل هذا الدين فإن القسمة على ما بقي بعد المقاصصة. قوله: (صح عند الثاني)
اعتباراً بالإبراء المطلق خلافاً للطرفين لأنه يؤدي إلى قسمة الدين قبل القبض كما في
الهداية .
وفي النهاية: ما ذكره من صفة الاختلاف مخالف لما ذكر في عامة الكتب حيث ذكر
قول محمد مع قول أبي يوسف، وذلك سهل لجواز أن يكون المصنف قد اطلع على رواية
لمحمد مع الإمام.
قال في البرهان: تأجيل نصيبه موقوف على رضا شريكه عند أبي حينفة، وبه نأخذ،
وعندهما لا، وفي عامة الكتب محمد مع أبي يوسف، وذكره في الهداية مع أبي حينفة فكان
عنه روايتان كما في الشرنبلالية.
وفي البحر: وإن أجله أحدهما فإن لم يكن واجباً بعقد كل منهما بأن ورثا ديناً
مؤجلاً فالتأجيل باطل؛ وإن كان واجباً بإدانة أحدهما: فإن كانا شريكين شركة عنان، فإن

٣٤٦
كتاب الصلح
والغصب والاستئجار بنصيبه قبض لا التزوج، والصلح عن جناية عمد.
أخر الذي ولى الإدانة صح تأجيله في جميع الدين، وإن أخر الذي لم يباشرها لم يصح في
حصته أيضاً، وإن كانا متفاوضين وأجل أحدهما أيهما أجل صح تأجيلها هـ. ولم يظهر
وجه لذكر قول الثاني، وترك قول الإمام مع عدم تصحيحه. قوله: (والغصب) أي إذا
غصب أحدهما منه عيناً وهلکت عنده فإنه ينزل قابضاً نصيبه فيشاركه فيه الآخر سواء كان
من جنس الدین أو من غير جنسه وهلك في ید الغاصب وقضی علیه بقیمته من جنس
الدين، فلو كان من غير جنس الدين وكان حوجوداً رد عينه كما في الرحمتي: أي لأنه
يملكه من وقت الغصب عند أداء الضمان. قوله: (والاستئجار) أي بأجرة من جنس
الدين لأنها بيع المنافع، فصار بمنزلة ما إذا اشترى بنصيبه شيئاً فإنه يرجع عليه بربع الدين
فكذا هذا وكذا خدمة العبد وزراعة الأرض.
وصورتها بأن استأجر أحدهما من المديون داراً بحصته سنة وسكنها، وكذا لو
استأجره بأجر مطلق.
وروی ابن سماعة عن محمد: لو استأجر بحصته لم یشارکه الآخر وجعلہ کالنكاح،
هذا إذا أضاف العقد إلى الدين لأنه اتلاف كما في الزيلعي. قوله: (لا التزوج) أي تزوج
المديونة على نصيبه فإنه لا يكون قبضاً، لأنه ليس بدل مال فكان فيه معنى الإتلاف من
وجه فأشبه الإبراء، بخلاف ما إذا تزوجها على دراهم مطلقة أي حتى التقت قصاصاً
بنصيبه فإنه يكون كالقبض كما في الإتقاني.
وفي الشرنبلالية: والتزوج بنصيبه إتلاف في ظاهر الرواية حتى لا يرجع عليه صاحبه
بشيء. وعن أبي يوسف أنه يرجع بنصيبه منه لوقوع القبض بطريق المقاصة، والصحيح
الأول انتهى. قوله: (والصلح عن جنایة عمد) أي لو جنى أحدهما عليه جناية عمد فيما
دون النفس أرشها مثل دين الجاني فصالحه على نصيبه، وكذا لو كان فيها قصاص لأنه لم
يملك بمقابلته شيئاً قابلاً للشركة كما في البرهان وغيره، قيد بالعمد لأن الخطأ يسلك فيه
مسلك الأموال فكأنه قابض أفاده في النهاية وغيرها.
وفي الإيضاح: لا يلزمه لشريكه شيء لأنه كالنكاح. وفي العناية بعد نقله ما تقدم:
ورأى أنه قيد بذلك لأن الأرش قد يلزم العاقلة فلم يكن مقتضياً، وتمامه في تكملة قاضي
زاده.
قال الزيلعي: وقوله لا التزوج والصلح عن جناية عمد: أي بأن كان لهما دين على
امرأة فزوّجته عليه نفسها أو على مولى الأمة فزوجها المولى منه عليه أو على المكاتب أو على
الأمة المأذون لها فتزوّجها عليه بإذن المولى ليس بقبض في ظاهر الرواية حتى لا يرجع عليه
شريكه، لأنه لم يسلم له شيء يمكنه المشاركة فيه فصار كالجناية على نفس المدين. وعن
٠

٣٤٧
كتاب الصلح
وحیلة اختصاصه بما قبض أن يهبه الغريم قدر دينه ثم يبرئه أو يبيعه به كفاً
من تمر مثلاً ثم يبرئه. ملتقط وغيره، ومرت في الشركة.
(صالح أحد ربي السلم عن نصيبه على ما دفع من رأس المال: فإن أجازه
الشريك) الآخر (نفذ عليهما، وإن رده رد) لأن فيه قسمة الدين قبل قبضه وإنه
باطل. نعم لو كانا شريكي
أبي يوسف: أنه يرجع عليه لوجود القبض بطريق المقاصة على ما بينا. والصحيح الأول
لأنه إتلاف، ولأن النكاح يتعلق بعين الدين عند الإضافة إليه فيملكه بعينه ثم يسقط عن
ذمتها كالهبة، بخلاف ما إذا لم يضف العقد إليه بأن سمي دراهم مطلقة فوقع التقابض
بنصيبه حيث يرجع إليه شريكه بالإجماع لأنها لم تملكه وإنما ملكت غيره فالتقيا قصاصاً،
والصلح عليه عن جناية العمد ليس بقبض لأنه لم يملك شيئاً قابلاً للشركة بمقابلته اهـ.
قوله: (أن يهبه الغريم) أي المديون فيكون المقبوض هبة لا دينه. قوله: (ثم يبرئه) الضمير
في ((يبرئه)» لأحد الدائنين ففيه تشتيت: أي يبرىء الشريك الغريم، فإن بإيرائه المديون لا
يرجع عليه بشيء كما مر. قوله: (أو يبيعه) أي الطالب وهو معطوف على يهبه: أي يبيع
الشريك للمديون كفاً الخ بقدر دينه فلم يكن مقتضياً الدين بل آخذاً ثمن البيع وقابضاً
للهبة في الصورة الأولى ثم يبرئه من دينه ولا رجوع للشريك عليه بالإبراء. قوله: (به)
أي بقدر نصيبه من الدين بأن يجعل ثمن التمر بقدر نصيبه فيكون المقبوض ثمن المبيع لا
نصيبه من الدين. قوله: (ثم يبرئه) أي أحد الدائنين وهو من باع التمر. قوله: (صالح
أحد ربى السلم) إطلاق الصلح هنا مجاز عن الفسخ كما حرره صاحب غاية البيان؛ لأنه
فسخ في الحقيقة. قالوا: أطلق عليه الصلح بما فيه من الحطيطة التي هي من خواص
الصلح کما في تكملة المولی زکریا.
أقول: الحطيطة هي التي لزمت على المسلم إليه من المسلم فيه حيث سقطت بهذه
المصالحة تدبر كما لا يخفى. قوله: (عن نصيبه) أي من المسلم فيه. قوله: (على ما دفع
من رأس المال) على صحته منه، قيد به لأنه لو كان على غيره لا يجوز بالإجماع لما فيه من
الاستبدال بالمسلم فيه قبل قبضه. زيلعي. قوله: (نفذ عليهما) فيكون المقبوض بينهما،
وكذا ما بقي من المسلم فيه درر البحار: أي فيكون نصف رأس المال فيهما وباقي الطعام
بينهما سواء كان رأس المال مخلوطاً أو لا. بحر. قوله: (وإن رده رد) وبقي المسلم فيه على
حاله. بحر. قوله: (لأن فيه قسمة الدين) وهو المسلم فيه وهذا مذهبهما. وقال أبو
يوسف: يجوز اعتباراً بسائر الديون. ولهما أنه لو جاز: فإما أن يجوز في نصيبه خاصة أو
في النصف من النصيبين، فعلى الأول لزم قسمة الدين قبل القبض لأن خصوصية نصيبه
لا تظهر إلا بالتمييز ولا تمييز إلا بالقسمة وهي باطلة، وإن كان الثاني فلا بد من إجازة

٣٤٨
كتاب الصلح
مفاوضة جاز مطلقاً. بحر.
فَضْلٌ فِي التَّخَارُجِ
(أخرجت الورثة أحدهم عن) التركة وهي (عرض أو) هي (عقار بمال)
أعطوه له (أو) أخرجوه (عن) تركة هي (ذهب بفضة) دفعوها له (أو) على
(العكس) أو عن نقدين بهما (صح) في الكل
الآخر لأنه فسخ على شريكه عقده فيفتقر إلى رضاه. درر. قوله: (مفاوضة) نصب على
التمييز. قوله: (جاز مطلقاً) الذي في البحر جاز ولو في الجميع: أي جميع المسلم فيه:
يعني أن الجواز لا يخص نصيبه بل إذا فسخ في الجمیع جاز. قال: وأما إذا كانت عندنا
توقف أيضاً إن لم یکن من تجارتهما.
في الكافي: لو أسلم في كرّ برّ ثم اصطلحا على أن يزيد المسلم إليه نصف كرّ لم
يصح إجماعاً، لأنها لو صحت لخرج بعض رأس المال من ذلك السلم فيجعل بإزاء الزيادة
فيصير ديناً على المسلم إليه فكأنه أسلم ديناً، وإذا لم يجز فعليه يردّ ثلث رأس المال إلى ربّ
السلم وعليه كرّ تام عند الإمام. وقالا: لا يرد؛ لأن الإخراج للزيادة وبطلت فيبطل.
قلنا: قصداً شيئين الإخراج والإدخال فصح الأول لا الثاني اهـ. والله تعالى أعلم،
وأستغفر الله العظيم.
فَضْلٌ فِي النَّخَارُجِ
قال في المنح: هو من الخروج، وهو أي شرعاً: أن يصطلح الورثة على إخراج
بعضهم من الميراث بمال معلوم، ووجه تأخيره قلة وقوعه فإنه قلما يرضي أحد بأن يخرج
من الورثة بغير استيفاء حقه. وسببه طلب الخارج من الورثة ذلك عند رضا غيره به، وله
شروط تذكر في أثناء كلام اهـ. قوله: (أخرجت الورثة أحدهم) أي أو الموصى له بمبلغ
من التركة. سائحاني. وفي آخر الأشباه عن الكتاب: لو صولح الموصى له بالثلث على
السدس صح اهـ.
أقول: لكنه مشكل؛ لأنه من قبيل الإسقاط في الأعيان وهو لا يجوز، وقد صرحوا
بأن الوارث لا يسقط حقه من التركة بالإسقاط وهذ مثله. وأما المخارجة فبيع، ويأتي
تمامه. قوله: (صح في الكل) أي ويقسم الباقي بينهم على سهامهم الخارجة قبل التخارج
إلا أن يجعل هذا التخارج كأن لم يكن.
بيانه: امرأة وبنت وأخ شقيق أصلها ثمانية واحد للمرأة وأربعة للبنت والباقي
للأخ، فإذا أخرجت المرأة قسم الباقي على سبعة، ولو جعلت كأن لم تكن قسم نصفين.
حموي عن الشيخ عماد الدين.

٣٤٩
كتاب الصلح
صرفاً للجنس، بخلاف جنسه (قل) ما أعطوه (أو كثر) لكن بشرط التقابض فيما
هو صرف (و) في إخراجه عن (نقدين وغيرهما بأحد النقدين لا) يصح
واعلم أنه إذا أخرجوا واحداً فحصته تقسم بين البقية على السواء إن كان ما أعطوه
من مالهم غير الميراث، وإن كان مما ورثوه فعلى قدر ميراثهم. وقيده الخصاف بأن يكون
عن إنكار. أما إذا كان عن إقرار فهو بينهم على السواء مطلقاً. أبو السعود. ويأتي ذلك
أواخر الفصل. قوله: (صرفاً للجنس بخلاف جنسه) علة. لقوله: (أو نقدين بهما)،
والأولى تأخيره عن قوله: (قل ما أعطوه أو كثر)، ويوجد في بعض النسخ التعبير باللام
عوضاً عن الباء في بخلاف الجنس، وهي أولى من الباء: أي لو صالح عن الذهب
والفضة بذهب وفضة صح ويصرف الذهب للفضة وهي له، والمراد بالصرف في كلامه
الصرف المصطلح عليه في الفقه وهو بيع الثمن بالثمن، والباء فيه للمقابلة، ولو كان المراد
بالصرف اللغوي لاختص بمسألة واحدة، وهي ما إذا اشتملت التركة على ذهب وفضة
ودفع البدل كذلك ولعداه بإلى أو اللام. ولقوله: بعد ذلك (لكن بشرط التقابض فيما هو
صرف) فإنه متعين للصرف الاصطلاحي. قوله: (قل ما أعطوه أو كثر) لأنه معاوضة
لا إبراء إذ الإبراء عن الأعيان باطل كذا قيل.
وأقول: ما قيل إن الإبراء عن الأعيان باطل، قيده في البحر بما إذا كان على وجه
الإنشاء، فإن كان على وجه الإخبار. كقوله: (هو بريء مما لي قبله فهو صحيح متناول
للدين والعين فلا تسمع الدعوى)، وكذا إذا قال لا ملك لي في هذا العين. ذكره في
المبسوط والمحيط. فعلم أن قوله لا أستحق قبله حقاً مطلقاً ولا استحقاقاً ولا دعوى يمنع
الدعوى بحق من الحقوق قبل الإقرار عيناً كان أو ديناً، وتقدم الكلام عليه أوائل الإقرار،
وسيأتي آخر الفصل مستوفي إن شاء الله تعالى. قوله: (لكن بشرط التقابض) قال في
البحر: ولا يشترط في صلح أحد الورثة المتقدم أن تكون أعيان التركة معلومة، لكن إن
وقع الصلح عن أحد النقدين بالآخر يعتبر التقابض في المجلس غير أن الذي في يده بقية
التركة إن كان جاحداً يكتفي بذلك القبض لأنه قبض ضمان فينوب عن قبض الصلح،
وإن كان مقراً غير مانع يشترط تجديد القبض اهـ.
أقول: بيانه أن التركة في يد أحد الورثة أمانة، فإذا أنكرها أو منع صار غاصباً
والغاصب ضامن وقبض الأمانة لا ينوب عن قبض الضمان فيلزم تجديد القبض فيما لو
كان مقراً غير مانع، وإلا لا، وهذا في غير النقدين. أما هما في صورة ما إذا صالحا على
جنسهما فلا بد من حضور ذلك للمجلس وتجديد القبض فيه لأنه صرف محض كما يأتي.
قوله: (وغيرهما) وكذا عن النقدين فقط. قوله: (بأحد النقدين) قيد بأحد النقدين احترازاً
عما إذا كان بدل الصلح مجموع النقدين فإنه يصح كيف كان، لأنا نصرف الجنس إلى

٣٥٠
كتاب الصلح
(إلا أن يكون ما أعطى له أكثر من حصته من ذلك الجنس) تحرزاً عن الربا، ولا بد
من حضور النقدين عند الصلح وعلمه بقدر نصيبه. شرنبلالية وجلالية.
خلاف الجنس تصحيحاً للعقد كما في المبيع بل أولى؛ لأن المقصود من الصلح قطع
المنازعة، ولكن يشترط فيه التقابض قبل الافتراق لأنه صرف ط. قوله: (إلا أن يكون ما
أعطى له أكثر من حصته من ذلك الجنس) فلو كان ما أعطوه أقل أو مساوياً لنصيبه أو لا
یعلم قدر نصيبه من الدراهم فسد الصلح ط.
قال في البحر: ولو صالحوه عن النقدين وغيرهما بأحد النقدين لا يصح الصلح ما
لم يعلم أن ما أعطوه أكثر من نصيبه من ذلك الجنس إن كانوا متصادقين، وإن أنكر وراثته
جاز مطلقاً بشرط التقابض فيما يقابل النقد منه، وإن لم يعلم قدر نصيبه من ذلك الجنس
فالصحيح أن الشك إن كان في وجود ذلك في التركة جاز الصلح، وإن علم وجود ذلك
في التركة لكن لا يدري أن بدل الصلح من حصتها أقل أو أكثر أو مثله فسد. كذا في
فتاوى قاضيخان ١ هـ.
وفي المقدسي قال الحاكم: إنما يبطل حال التصادق، وفي التناكر يجوز لا يكون(١)
حينئذ بدلًا في حق الآخذ ولا حق الدافع.
وفي الغاية: قال شيخ الإسلام الصحيح أنه باطل في الوجهين، لأنه يكون معاوضة
في حق المدعي فيدخل فيه معنى الربا من الوجه الذي قلنا، وإن زاد صح فيكون قدر حظه
به والباقي بحقه في باقي التركة. قوله: (تحرزاً عن الربا) قال في الدرر ليكون حصته بمثله
والزيادة بمقابلة حقه من بقية التركة صوناً عن الربا، فلا بد من التقابض فيما يقابل حصته
من الذهب أو الفضة لأنه صرف في هذا القدر اهـ. قوله: (ولا بد من حضور النقدين
عند الصلح) لم يذكر هذا في الشرنبلالية، ولا وجه لاشتراطه، وإن أراد به حضور البدل
إذا كان منهما فقد أفاده بقوله سابقاً: ((لكن بشرط التقابض فيما هو صرف)» ط. إلا أن
يقال: أراد بالحضور الحكمي بأن يحضرهما قبل الافتراق لأن الشرط التقابض في المجلس،
أو يكون ما يراد أن يعطى للمدفوع له تحت يده لا بطريق الأمانة. قوله: (قوله وعلمه
بقدر نصيبه) أي ليعلم أن ما أخذه أزيد من نصيبه من ذلك الجنس تحرزاً عن الربا.
قال أبو السعود: وإنما اشترط العلم بقدر نصيبه لاحتمال الربا، لأن الفساد على
تقدير كونه مساوياً له أو أقل فكان أرجح وأولى بالاعتبار، بخلاف الصحة فإنها من جانب
(١) في ط (قوله لا يكون الخ) هكذا بالأصل، وعبارة والده رحمه الله تعالى في حاشية الدرر، وقال الحاكم
الشهيد: إنما يبطل على أقل من نصيبه في مال الربا حالة التصادق. وأما في حالة التناكر بأن أنكروا وراثته
فيجوز. وجه ذلك أن في حالة التكاذب ما يأخذه لا يكون بدلًا في حق الآخذ ولا في حق الدافع وهي
واضحة، بل سيأتي له في الصحيفة بعد هذه عبارة الحاكم تامة.

٣٥١
كتاب الصلح
ولو بعرض جاز مطلقاً لعدم الربا وكذا لو أنکروا إرثه لأنه حينئذ ليس ببدل
واحد، وهو ما إذا كان المأخوذ أكثر من نصيبه فكانت العبرة لجانب الفساد لكونه من
وجھین انتھی.
كتاب الوكالة / باب الوكالة بالخصومة والقبض واعلم أن صحة الصلح على
الوجه المذكور ثبتت بالأثر، وهو أن تماضر امرأة عبد الرحمن بن عوف صالحها ورثته عن
ربع ثمنها على ثمانين ألف دينار، وقيل على ثلاثة وثمانين ألفاً بمحضر من الصحابة.
وروى أن ذلك كان نصف حقها: زيلعي. وتماضر بنت أصبغ بن عمرو الكلبي التي
طلقها عبد الرحمن في مرض موته ثلاثاً ثم مات وهي في العدة فورّثها عثمان وكانت مع
ثلاث نسوة أخر فصالحوها عن ربع ثمتها على ثلاثة وثمانين ألفاً، في رواية هي دارهم،
وفي رواية هي دنانير. ابن كمال باشا.
وتماضر بضم المثناة الفوقية وكسر الضاد المعجمة؛ قدم بها المدينة فولدت أبا سلمة
في سريته إلى دومة الجندل في شعبان سنة ست كما في الواهب. قال: والضمير في
سريته لعبد الرحمن بن عوف. ودومة بضم الدال وفتحها: مدينة بينها وبين دمشق نحو
عشر مراحل، وبعدها من المدينة نحو ثلاث عشرة مرحلة؛ سميت بدوما بن إسماعيل؛
لأنه كان نزلها عليه السلام. أصبح هذا من المخضرمين وأدرك الجاهلية والإسلام ولم
يجتمع به عليه السلام، أسلم على يد سيدنا عبد الرحمن بن عوف. وقوله روى أن ذلك
كان نصف حقها فعلى كون بدل الصلح كان ثمانين ألفاً وأنها نصف حقها يكون جميع
ماله المتروك رضي الله عنه خمسة آلالف ألف ألف ومائة وعشرين ألفاً ويكون ثمنه
ستمائة ألف وأربعين ألفاً وربع الثمن مائة ألف وستون ألفاً ونصف ربع الثمن ثمانون
ألفاً. قوله: (ولو بعرض) يعني لو كان بدل الصلح عرضاً في الصور كلما جاز مطلقاً
وإن قل ولم يقبض في المجلس، وظاهره يعم ما لو كان العرض من التركة إذ حقه ليس
في جميعه فيكون مبادلاً عن نصيبه في بقية التركة بما زاد عن حقه فيه. قوله: (وكذا لو
أنكروا إرثه) أي فإنه يجوز مطلقاً. قال في الشرنبلالية: وقال الحاكم الشهيد: إنما يبطل
على أقل من نصيبه في مال الربا حالة التصادق، وأما في حالة التناكر بأن أنكروا وراثته
فيجوز. وجه ذلك إن في حال التكاذب ما يأخذه ليكون بدلًا في حق الآخذ ولا في حق
الدافع. هكذا ذكره المرغيناني. ولا بد من التقابض فيما يقابل الذهب والفضة منه لكونه
صرفاً، ولو كان بدل الصلح عرضاً في الصور كلها جاز مطلقاً وإن قل ولم يقبض في
المجلس اهـ.
أقول: لكن في قوله لا يكون بدلاً لا في حق الآخذ فيه أنه بدل في زعمه، وعليه
فينبغي أن لا يحل له الأخذ ما لم يعلم مقدار حقه من ذلك الجنس؛ لأنه إن لم يعلم قدر

٣٥٢
كتاب الصلح
بل لقطع المنازعة (وبطل الصلح إن أخرج أحد الورثة وفي التركة ديون بشرط أن
تکون الدیون لبقیتهم) لأن تمليك الدین
نصيبه من ذلك الجنس لا يصح، لأن فيه شبهة الربا وهي محرمة، وإن شك في وجود
ذلك الجنس في التركة صح، لأنه حينئذ يكون شبهة الشبهة وهي لا تحرم. قوله: (بل
لقطع المنازعة) هذا في حق المدعى عليه، أما في حق المدعي فأخذ لبعض حقه وإسقاط
للباقي لأنهم بجحودهم حقه صاروا غاصبين وصار المال مضموناً عليهم في ذمتهم من
قبيل الدين، وقد علم حكم الصلح عن الدين بجنسه، بخلاف ما إذا أقروا بذلك فإن
المال حيثنذ عين وإن كان من النقدين، ولا يصح عن الإسقاط في الأعيان فلذلك تعين أن
يكون صرفاً، لكن قد يقال فيه: إن المال القائم إذا صار مضموناً لا ينتقل للذمة، وعليه
فلا فرق بين الصورة المذكورة وما بعدها، في أن بكل منها إسقاط العين وهو لا يجوز،
وإنما جوزوا الصورة الأولى باعتبار أن ما يأخذه بدلًا لا في حق الآخذ ولا في حق
الدافع. تأمل. قوله: (وبطل الصلح الخ) أي في الكل عند الكل على الأصح، وقيل
عندهما يبقى العقد صحيحاً فيما وراء الدين ط. قال العلامة أبو السعود: هذا ليس على
إطلاقه لما سبق عن الزيلعي من أنه ينبغي أن يجوز عندهما في غير الدين إذا بينت حصته،
وأنه يشكل إن كان هو قول الكل لا خلاف لهما، لأن قياس مذهبهما في الجمع بين الحر
والعبد والشاة الذكية والميتة حيث جوّز العقد في العبد والذكية إذا بين ثمن كل منهما أن
يجوز الصلح عندهما في غير الدين إذا بينت حصته اللهم إلا أن يحمل هذا على ما إذا لم
يبين ما يقابل كل واحد منهما أو يفرق عندهما بين البيع والصلح، والظاهر أنه لم يرد نص
في الصلح عنهما، ولهذا ذكره الزيلعي بلفظ ينبغي قياساً على البيع، وكذا قول الشارح.
قيل هذا قول أبي حنيفة، وقيل هو قول الكل ظاهر في عدم ورود نص عنهما، فلهذا
اختلف المشايخ فيه انتهى. قوله: (وفي التركة ديون) أي على الناس لقرينة ما يأتي، وكذا.
لو کان الدین علی الميت.
قال في البزازية: وذكر شمس الإسلام أن التخارج لا يصح إن كان على الميت دين:
أي يطلبه رب الدين، لأن حكم الشرع أن يكون الدين على جميع الورثة اهـ. قوله:
(بشرط) متعلق بأخرج. قوله: (لأن تمليك الدين الخ) وهو هنا حصة المصالح.
قال في الدرر: لأنه يصير مملكاً حصته من الدين لسائر الورثة بما يأخذ منهم من
العين وتمليك الدين من غير من عليه الدين باطل وإن كان بعوض، وإذا بطل في حصة
الدين بطل في الكل اهـ. فقول الدرر لأنه: أي المصالح عن الدين والعين يعم العرض
والعقار والمكيل والموزون الحاضر وغير من عليه الدين هنا بقية الورثة، وقوله: بطل في
الكل لأن العقد الواحد إذا فسد في بعض المعقود عليه فسد في الكل وهو قول أبي حينفة

٣٥٣
كتاب الصلح
من غیر من عليه الدين باطل.
ثم ذكر لصحته حيلاً فقال (وصح لو شرطوا إبراء الغرماء منه) أي من حصته
لأنه تمليك الدين ممن عليه فيسقط قدر نصيبه عن الغرماء (أو قضوا نصيب المصالح
منه) أي الدين (تبرعاً) (منهم وأحالهم بحصته أو أقرضوه قدر حصته
والدليل له في مسألة البيوع(١)، وعندهما: يبقى العقد صحيحاً فيما وراء الدين، وقيل هو
قول الکل کما في الكافي وغيره کما قدمناه عنه قريباً.
أقول: وينبغي أن ليس اختلاف القولين بين المشايخ على إطلاقه، بل اللائق كون
البطلان قول الكل إذا لم يبين حصة الدين في البدل، وأما إذا بين فيصح الصلح عندهما
فیما وراء الدین بحصته، إذ لا موجب للبطلان حينئذ فیه عندهما. تدبر. وأشار إلى ذلك
ابن ملك. قوله: (من غير من عليه الدين) وهو الورثة هنا. قوله: (باطل) لما ذكر من أنه
يصير مملكاً حصته من الدين إلى آخر ما قدمناه عن الدرر: أي ثم يتعدى البطلان إلى الكل
لأن الصفقة واحدة سواء بين حصة الدين أو لم يبين.
وأقول: هذا إذا لم يسلطهم ولم يوكلهم في مقدار نصيبه من الدين، وأما إذا سلطهم
فينبغي أن يصح الصلح كذا قيل. قوله: (وصح لو شرطوا إبراء الغرماء) أي إبراء
المصالح للغرماء، والظهر أن هذه الحيل لخروحه عن كل التركة، ولذا قال في السراج
والمنح: وفي الوجهين ضرر بقية الورثة فلا يصح قول الشارح وأحالهم بحصته، لأنها
سقطت عن الغرماء كما صرح به البزازي أيضاً، وسنبينه قريباً في المقولة الآتية إن شاء الله
تعالى، ولم يذكر حيلة مع أنها أحسن مع أنها أحسن مما ذكر وكنت أقتصر عليها. ورأيتها
في المقدسي: وهي أن يأمرهم ليقبضوه له ثم لهم، لكن له أن يرجع، فالوجه الآتي أولى.
فرع ادعت امرأة ميراثها فصولحت على أقل من حظها أو مهرها صح ولا يطيب
لهم إن علموا، فإن برهنت بعد ذلك بطل الصلح اهـ. وسيأتي في المتن أنه الأشهر أو أنه
محمول على قول المتن السابق صولح على بعض ما يدعيه الخ، وإلا فهو بعيد عن القواعد
إلا أن يحصل على الدیانة، لكنه بعید أيضاً لا سيما وقد صوحت إحدى زوجات سیدنا
عبد الرحمن بن عوف على أقل من حظها بكثير بحضور جمع من الصحابة رضي الله تعالى
عنهم أجمعين كما قدمناه قريباً فلا تنسه. قوله: (منه) أي من الدين ولا يرجع عليهم
بنصيب المصالح فحينئذ يصح الصلح لأنه حينئذ تمليك الدين الخ، أو لأنه إسقاط.
قوله: (وأحالهم بحصته) لا محل لهذه الجملة هنا وهي موجودة في شرح الوقاية لابن
(١) في ط (قوله والدليل له في مسألة البيوع) وهي ما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما صفقة واحدة وبين حصة كل
واحد منهما من الثمن بطل في حق الكل عنده. وعندهما: صح في العبد، لأن الصفقة لا تتعدد بتفصيل
الثمن، بل لا بد من تكرر لفظ العقد عنده خلافاً لهما.

٣٥٤
كتاب الصلح
منه وصالحوه عن غيره) بما يصلح بدلاً (وأحالهم بالقرض على الغرماء) وقبلوا
الحوالة، وهذه أحسن الحيل. ابن كمال. والأوجه أن يبيعوه كفاً من تمر أو نحوه
بقدر الدين ثم يحيلهم على الغرماء. ابن ملك.
(وفي صحة صلح عن تركة مجهولة) أعيانها ولا دين فيها (على مكيل أو
موزون) متعلق بصلح (اختلاف) والصحيح الصحة زيلعي لعدم اعتبار شبهة
الشبهة. وقال ابن الكمال: إن في التركة جنس بدل الصلح
ملك، وهي سبق قلم إذ لم يبق له حصة بعد ما قضوه، ولذا قال في المنح: ولا يخفى ما
فيه من ضرر بقية الورثة: أي لأنه لم يستفيدوا من نصيبه في الدين شيئاً اهـ. وضاع عليهم
ما قضوه من الدين عن الغرماء. وفي بعض النسخ أو أحالهم. قال ط: ذكره رداً على
صاحب الدرر وتبعه المصنف حيث قالا: ولا يخفى ما فيه: أي هذا الوجه من الضرر
ببقية الورثة، ولكنه لا يدفع لأنه يرجع عليهم بما أحالهم به فيكون الضرر عليهم مرتين
اهـ.
أقول: في قوله فيكون الضرر الخ يأتي بيانه قريباً عن الإتقاني. قوله: (منه) أي من
الدين. قوله: (عن غيره) أي عما سوى الدين. قوله: (بالقرض) أي ببدله الذي أخذه
منهم. قوله: (وقبلوا) أي الغرماء والمصالحون؛ لأن الشرط قبول المحال عليه والمحتال.
قوله: (وهذه أحسن الحيل) لأن في الأولى ضرراً للورثة حيث لا يمكنهم الرجوع إلى
الغرماء بقدر نصيب المصالح، وكذا في الثانية لأن النقد خير من النسيئة. إتقاني. قوله:
(والأوجه الخ) لأن في الأخيرة لا يخلو عن ضرر وهو تأخير وصولهم قدر حصته مع أنه
ليس لهم نفع في هذا القدر وهو خلاف وضع الصلح غالباً. قوله: (ثم يحيلهم على
الغرماء) أو يحيلهم ابتداء من غير بيع ليقبضوه له ثم يأخذوه لأنفسهم. قوله: (ولا دين
فيها) أما إذا كان فيها دين فلا يصح الصلح لما تقدم. قوله: (اختلاف) فقال الفقيه أبو
جعفر بالصحة وهو الصحيح. وقال ظهير الدين المرغيناني: لا يصح. قوله: (لعدم اعتبار
شبهة الشبهة) لأن عدم الصحة باحتمال أن يكون في التركة مکیل أو موزون ونصيبه من
ذلك مثل بدل الصلح فيكون ربا، وقيل يصح لاحتمال أن لا يكون في التركة مكيل أو
موزون، وإن كان فيحتمل أن يكون نصيبه أقل من بدل الصلح فكان القول بعدم الجواز
مؤدياً إلى اعتبار شبهة الشبهة ولا عبرة بها اهـ. وإنما العبرة للشبهة.
وفي فتاوى قاضيخان: والصحيح ما قاله أبو جعفر من أنه يجوز هذا الصلح؛ لأن
الثابت هنا شبهة الشبهة وذلك لا يعتبر اهـ. لأنه يحتمل أن يكون في التركة من جنس بدل
الصلح على تقدير أن يكون زائداً على بدل الصلح، فاحتمال الاحتمال يكون شبهة
الشبهة. قوله: (جنس بدل الصلح) تركيب إضافي بإضافة جنس إلى بدل الصلح. قوله:

٣٥٥
كتاب الصلح
لم يجز وإلا جاز، وإن لم يدر فعلى الاختلاف.
(ولو) التركة (مجهولة وهي غير مكيل أو موزون في يد البقية) من الورثة
«صح في الأصح) لأنها لا تفضي إلى المنازعة لقيامها في يدهم، حتى لو كانت في يد
المصالح أو بعضها لم يجز ما لم يعلم جميع ما في يده للحاجة إلى التسليم.
(لم يجز) أي حتى يكون ما يأخذه أزيد من حصته من ذلك الجنس ليكون الزائد في مقابلة
ما يخصه من غير الجنس، ويشترط القبض لأنه بمنزلة البيع وبيع ما جمعهما قدر وجنس
أو أحدهما لا يجوز نسيئة، كذا تقتضيه القواعد. والمراد أنه لا يجوز اتفاقاً كما أن الثاني
يجوز اتفاقاً. قوله: (وإلا) أي إن لا يكن في التركة جنس بدل الصلح، وهذا التفصيل
لغير ما نحن فيه. قوله: (وإن لم يدر فعلى الخلاف) هي مسألة المتن ويدري بالبناء
للمجهول. قوله: (وهي غير مكيل أو موزون) كذا وقع في الغرر، ولا وجه للتقیید به إلا
إذا كان المصالح عليه مكيلاً أو موزوناً. أما إذا كان غيرهما فلا يظهر لهذا التقييد وجه،
وقد نقل المصنف هذه المسألة عن الزيلعي، وعبارة الزيلعي خالية عن هذا التقييد،
ونصها: وهذا يدل على أن الصلح مع جهالة التركة يجوز، وقيل لا يجوز لأنه بيع وبيع
المجهول لا يجوز، والأول أصح لأن الجهالة هنا لا تفضي إلى المنازعة لأنها في يد بقية
الورثة فلا يحتاج فيها إلى التسليم، حتى لو كانت في يد المصالح أو بعضها لا يجوز حتى
يصير جميع ما في يده معلوماً للحاجة إلى التسليم ط.
أقول: وكذا يشترط أن لا يكون فيها دین ووقع الصلح على مكيل وموزون كما في
الإتقاني. قوله: (صح في الأصح) وقيل لا يجوز لأنه بيع المجهول، لأن المصالح باع
نصيبه من التركة وهو مجهول بما أخذ من الميكل والموزون. إتقاني. قوله: (لأنها) أي
جهالة التركة المصالح عنها. قوله: (لا تفضي إلى المنازعة لقيامها في يدهم) يعني أن العلة
في عدم جواز المبيع إذا كان المبيع مجهولاً لإفضائه إلى المنازعة، وهنا لا يفضي إليها لأن
المصالح عنه في يد بقية الورثة فلا يحتاج فيه إلى التسليم ولا يطلبون شيئاً آخر من المصالح
بمقابلة بدل الصلح. كذا في العزمية. كمن أقر بغصب شيء فباعه المقرّ له منه جاز وإن
جهلا قدره، وقيل لا يصح لأن المصالح باع نصيبه من التركة وهو مجهول بما أخذه من
المكيل والموزون ومن جهالة المبيع لا يصح كما في شرح المجمع.
قلت: واستفيد منه أن ما يحتاج لتسليمه تلزم معرفته، وما لا فلا. در منتقى.
أقول: واستفيد أن نفس الجهالة غير مانعة لجواز البيع، بل الجهالة المفضية إلى
المنازعة مانعة؛ ألا ترى أنه لو باع قفيزاً من صبرة يجوز البيع مع الجهالة، وكذلك لو باع
المغصوب کما ذکرنا. قوله: (ما لم يعلم جميع ما في يده) أي لا يجوز حتى يصير جميع ما
في يده معلوماً للحاجة إلى التسليم كما ذكرنا عن الإتقاني، بخلاف ما إذا كانت في أيدي

٣٥٦
كتاب الصلح
ابن ملك (وبطل الصلح والقسمة مع إحاطة الدين بالتركة) إلا أن يضمن الوارث
الدين بلا رجوع أو يضمن أجنبي بشرط براءة الميت أو يوفي من مال آخر (ولا)
ينبغي أن (يصالح) ولا يقسم (قبل القضاء) للدين (في غير دين محيط، ولو فعل
بقية الورثة فإنه يجوز مع الجهالة لأنه يحتاج فيها إلى التسليم كما مر ويأتي. قوله: (ابن
ملك) لم يذكر هذا القيد أصلاً.
خاتمة التهايؤ: أي تناوب الشريكين في دابتين غلة أو ركوباً يختص جوزاه بالصلح
عند أبي حنيفة لا الجبر. وجائز في دابة غلة أو ركوباً بالصلح فاسد في غلتي عبدين عنده
ولو جبراً. درر البحار.
وفي شرحه غرر الأفكار: ثم اعلم أن التهايؤ جبراً في غلة عبد أو دابة لا يجوز
اتفاقاً للتفاوت، وفي خدمة عبد أو عبدين جاز اتفاقاً لعدم التفاوت ظاهراً أو لقلته، وفي
غلة دار أو دارين أو سكنى دار أو دارين اتفاقاً لإمكان المعادلة؛ لأن التغيير لا يميل إلى
العقار ظاهراً وأن التهايؤ صلحاً جائز في جميع الصور كما جوز أبو حينفة أيضاً قسمة
الرقيق صلحاً اهـ. قوله: (وبطل الصلح) أي مع أحد الورثة ليخرجوه عنها، فلو قسموا
التركة بين الورثة ثم ظهر دين محيط قيل للورثة اقضوه، فإن قضوه صحت القسمة، وإلا
فسخت لأن الدين مقدم على الإرث فيمنع وقوع الملك لهم، إلا إذا قضوا الدين أو أبرأ
الغرماء ذممهم فيحتئذ تصح القسمة لزوال المال، فكذا إذا لم يكن محيطاً لتعلق حق الغرماء
بها إلا إذا بقي في التركة ما يفي بالدين فحينئذ لا تفسخ لعدم الاحتياج. كذا في قسمة
الدرر. قوله: (والقسمة) أي قسمة التركة بين الورثة لأنهم لا يمكلون التركة حينئذ لتقدم
حاجته فللغريم إبطالها، ولو أجاز قبل أن يصل إليه حقه.
وفي الظهيرية: ولو لم يضمن الوارث ولكن عزلوا عيناً لدين الميت فيه وفاء بالدين
ثم صالحوا في الباقي على نحو ما قلنا جازاهـ. قال العلامة المقدسي: فلو هلك المعزول
لا بد من نقض القسمة. قوله: (بلا رجوع) أما لو كان برجوع كانت التركة مشغولة.
قال في التبيين: ولو ضمن رجل بشرط أن لا يرجع في التركة جاز الصلح، لأن .
هذا كفالة بشرط براءة الأصيل وهو الميت فتصير حوالة، فيخلو مال اليتيم عن الدين
فيجوز تصرفهم فيه اهـ. قوله: (بشرط براءة الميت) تبع فيه المصنف، وقد علم من عبارة
الزيلعي أن المدار على اشتراط عدم الرجوع في التركة وقد بين وجهه ط. قوله: (بوفى)
بالبناء للمجهول بضم ففتح فتشديد. قوله: (من مال آخر) الأولى تقديمه على أو يضمن
أجنبي، فإن الضمير فيه يرجع إلى الوارث إذا لم يبن للمجهول لفظ يوفي، وسواء وفي
الوارث من ماله الخاص به أو من عين أخرى ظهرت للميت. قوله: (ولا ينبغي أن
يصالح) أي بل يكره، وهل هي تنزيهية أو تحريمية حرره ط.

٣٥٧
. كتاب الصلح
الصلح) والقسمة (صح) لأن التركة لا تخلو عن قليل دين، فلو وقف الكل تضرر
الورثة فيوقف قدر الدين استحساناً. وقاية.
لئلا يحتاجوا إلى نقض القسمة. بحر.
(ولو أخرجوا واحداً) من الورثة فحصته تقسم بين الباقي على السواء
أقول: معنى لا ينبغي خلاف الأولى، وخلاف الأولى مكروه تنزيهاً. قال في البحر:
لا يبنغي الأولى أن لا يفعلوا ذلك حتى يقضوا الدين اهـ. قوله: (استحساناً) والقياس أن
لا يجوز، لأن كل جزء من أجزاء التركة مشغول بالدين لعدم الأولوية بالصرف إلى جزء
دون جزء فصار كالمستغرق فيمنع من دخوله في ملك الورثة.
ووجه الاستحسان ما ذكره من التعليل بقوله لأن التركة لا تخلو عن قليل دين الخ.
والأولى تقديم قوله ((استحساناً)) عند قوله ((صح)) لأن التركة الخ لأنه يوهم خلاف المراد،
وما هنا موافق لما في الزيلعي مخالف لما في مسكين والعيني، فإن عبارة مسكين: ولو على
الميت دين محيط: أي مستغرق جميع التركة بأن لا يبقى شيء بعد أدائه بطل الصلح
والقسمة، وإن لم يكن مستغرقاً لا ينبغي أن يصالحوا ما لم يعطوا دينه. ولو فعلوا قالوا
يجوز الصلح. وذكر الكرخي رحمه الله تعالى في القسمة أنها لا تجوز استحساناً وتجوز قياساً
اهـ. وعبارة الزيلعي: وإن لم يكن مستغرقاً جاز استحساناً، والقياس أن لا يجوز الخ.
قوله: (لئلا يحتاجوا) علة لقوله ((فيوقف)) قال صدر الشريعة: ولو صالح فالمشايخ قالوا
صح، لأن التركة لا تخلوا عن قليل دين والدائن قد يكون غالباً، فلو جعلت التركة
موقوفة لتضرر الورثة والدائن لا يتضرر، لأن على الورثة قضاء دينه ووقف قدر الدين
وقسم الباقي استحساناً ووقف الكل قياس الخ. قوله: (على السواء) أفاد أن أحد الورثة
إذا صالح البعض دون الباقي یصح وتکون حصته له فقط. وكذا لو صالح الموصى له كما
في الأنقروي.
مسألة في رجل مات عن زوجة وبنت وثلاثة أبناء عم عصبة وخلف تركة اقتسموها
بينهم ثم ادعت الورثة على الزوجة بأن الدار التي في يدها ملك مورّثهم المتوفي فأنكرت
دعواهم فدفعت لهم قدراً من الدراهم صلحاً عن إنكار، فهل يوزع بدل الصلح عليهم
على قدر مواريثهم أو على قدر رؤوسهم؟ الجواب قال في البحر: وحکمه في جانب
المصالح عليه وقوع الملك فيه للمدعي سواء كان المدعى عليه مقراً أو منكراً، وفي المصالح
عنه وقوع الملك فيه للمدعى عليه اهـ. ومثله في المنح.
وفي مجموع النوازل: سئل عن الصلح على الإنكار بعد دعوى فاسدة هل يصح؟
قال: لا لأن تصحيح الصلح على الإنكار من جانب المدعي أن يجعل ما أخذ عين حقه أو
عوضاً عنه لا بد أن يكون ثابتاً في حقه ليمكن تصحيح الصلح من الذخيرة، فمقتضى

٣٥٨
كتاب الصلح
إن كان ما أعطوه من مالهم غير الميراث وإن كان المعطى (مما ورثوه فعلى قدر
ميراثهم) يقسم بينهم، وقيده الخصاف بكونه عن إنكار، فلو عن إقرار فعلى
السواء، وصلح أحدهم عن بعض الأعيان صحيح ولو لم يذكر في صك التخارج
قوله وقوع الملك فيه للمدعي وقوله أن يجعل عين حقه أو عوضاً عنه أن يكون على قدر
مواريثهم. سيدي الوالد رحمه الله تعالى عن مجموعة منلا علي التركماني أمين الفتوى
بدمشق الشام. قوله: (إن كان ما أعطوه من مالهم) أي وقد استووا فيه، ولا يظهر عند
التفاوت ط. قوله: (فعلى قدر ميراثهم) قال في السراجية وشرحها: من صالح عن شيء
من التركة فاطرح سهامه من التصحيح ثم أقسم باقي التركة على سهام الباقين كزوج وأم
وعم فصالح الزوج عن نصيبه على ما في ذمته من المهر وخرج من البين فيقسم باقي التركة
بين الأم والعم أثلاثاً بقدر سهامهما سهمان للأم وسهم للعم.
فإن قلت: هلا جعلت الزوج بعد المصالحة وخروجه من البين بمنزلة المعدوم، وأي
فائدة في جعله داخلاً في تصحيح المسألة مع أنه لا يأخذ شيئاً وراء ما أخذه.
قلت: فائدته أنا لو جعلناه كأن لم يكن وجعلنا التركة ما وراء المهر لانقلب فرض
الأم من ثلث أصل المال إلى ثلث الباقي، إذ حينئذ يقسم الباقي بينهما أثلاثاً فيكون للأم
سهم وللعم سهمان وهو خلاف الإجماع، إذ حقها ثلث الأصل، وإذا أدخلنا الزوج في
المسألة كان للأم سهمان من الستة وللعم سهم واحد ويقسم الباقي بينهما على هذه
الطريقة، فتكون مستوفية حقها من الميراث ا هـ ملخصاً ط. وسيأتي آخر كتاب الفرائض
بيان قسمة التركة مفصلاً. قوله: (وقيده الخصاف) أي قيد جريان هذا التفصيل بما إذا
كان الورثة منكرين. قوله: (فعلى السواء) أي مطلقاً منح سواء كان الدفع من التركة أو
من غيرها لأنه بمنزلة البيع فكأنهم اشتروه جميعاً، ولا يظهر التساوي إلا إذا كان المدفوع
متساوياً بينهم، وعليه فينبغي أن يرجع الأكثر حصة في التركة على الأقل حصة بقدر ما
دفع من ماله عنه فليتأمل.
قال الشرنبلالي في شرح الوهبانية: والوجه أنهما في الإقرار يكونان مشتريين
فيتنصف، وفي الإنكار مدعيين العين للتركة فيكون على قدر الأنصباء، واختاره البعض.
قوله: (عن بعض الأعيان) أشار به إلى أنه كما يصح الصلح معه عن كل أعيانها يصح عن
بعضها اعتباراً للجزء بالكل.
وفي المجتبى: ادعى مالاً: أي معلوماً أو غيره فجاء رجل واشترى ذلك من المدعي
يجوز الشراء في حق المدعي ويقوم مقامه في الدعوى، فإن استحق شيئاً كان له، وإلا فلا،
فإن جحد المطلوب ولا بينة فله أن يرجع اهـ. حموي. ومثله في البحر. قال سيدي الوالد
رحمه الله تعالى: وتأمل في وجهه.

٣٥٩
كتاب الصلح
أفي التركة دين أم لا فالصك صحيح وكذا لو لم يذكره في الفتوى فيفتي بالصحة
ويحمل على وجود شرائطها. مجمع الفتاوى.
(والموصى له) بمبلغ من التركة (كوارث فيما قدمناه) من مسألة التخارج
(صالحوا) أي الورثة (أحدهم) وخرج من بينهم (ثم ظهر للميت دين أو عين لم
ففي البزازية من أول كتاب الهبة: وبيع الدين لا يجوز، ولو باع من المديون أو
وهبه جاز اهـ.
أقول: لم يظهر لي وجهه مع تصريحهم بعدم صحة بيع الدين لغير من عليه الدين .
فهو غیر صحیح فیما یظهر وفوق كل ذي علم عليم. قوله: (أفي التركة دين) هكذا في
بعض النسخ، وفي بعضها ((أن)) بدل ((أفي)) وعليها فيلزم نصب دين وعليها كتب ط.
والمراد أن الصك صحيح: يعني إذا أقر بما فيه عمل به وليس له نقضه إلا بمسوغ.
قوله: (وكذا لو لم يذكره في الفتوى) أي في السؤال الذي رفع ليكتب عليه أو يجاب عنه:
أي فلا يجب على المفتي البحث ط. قوله: (والموصى له بمبلغ من التركة كوارث)
صورتها: رجل أوصى لرجل بعبد أو دار فترك ابناً وابنة فصالح الابن والابنة الموصى له
بالعبد على مائة درهم. قال أبو يوسف: إن كانت المائة من مالهما غير الميراث كان العبد
بينهما نصفين، وإن صالحاه من المال الذي ورثاه عن أبيهما كان المال بينهما أثلاثاً لأن
المائة كانت بينهما أثلاثاً.
وذكر الخصاف في الحيل أن الصلح إن كان عن إقرار كان العبد الموصى به بينهما
نصفين، وإن كان عن إنكار فعلي قدر الميراث، وعلى هذا بعض المشايخ، وكذلك في
الصلح عن الميراث، كذا في قاضيخان. قوله: (من مسألة التخارج) أي بتفاصيلها. قوله:
(صالحوا الخ) أقول: قال في البزازية في الفصل السادس من الصلح: ولو ظهر في التركة
عين بعد التخارج لا رواية في أنه هل يدخل تحت الصلح أم لا، ولقائل أن يقول يدخل،
ولقائل أن يقول لا اهـ. ثم قال بعد نحو ورقتين: قال تاج الإسلام ويخط صدر الإسلام
وجدته: صالح أحد الورثة وأبرأ إبراء عاماً ثم ظهر في التركة شيء لم يكن وقت الصلح
لا رواية في جواز الدعوى. ولقائل أن يقول بجواز دعوى حصته منه وهو الأصح.
ولقائل أن يقول لا.
وفي المحيط: لو أبرأ أحد الورثة الباقي ثم ادعى التركة وأنكروا لا تسمع دعواه،
وإن أقروا بالتركة أمروا بالرد عليه اهـ. كلام البزازية ثم قال بعد أسطر: صالحت: أي
الزوجة عن الثمن ثم ظهر دين أو عين لم يكن معلوماً للورثة، قيل لا يكون داخلاً في
الصلح ويقسم بين الورثة لأنهم إذا لم يعلموا كان صلحهم عن المعلوم الظاهر عندهم لا
عن المجهول فيكون كالمستثنى من الصلح فلا يبطل الصلح. وقيل يكون داخلاً في الصلح

٣٦٠
كتاب الصلح
يعلموها هل يكون ذلك داخلًا في الصلح) المذكور (قولان أشهرهما لا) بل بين
الكل، والقولان حكاهما في الخانية مقدماً لعدم الدخول، وقد ذكر في أول فتاواه أنه
يقدم ما هو الأشهر فكان هو المعتمد. كذا في البحر.
قلت: وفي البزازية أنه الأصح ولا يبطل الصلح، وفي الوهبانية: [الطويل]
وفي مَالِ طِفْلٍ بِالشُّهُودِ فلَمْ يجِزْ وَمَا يَدَّعِي خَصْمٌ ولا يتنَوَّرُ
لأنه وقع عن التركة والتركة اسم للكل، فإذا ظهر دين فسد الصلح ويجعل كأنه كان
ظاهراً عند الصلح ١ هـ.
والحاصل من مجموع كلامه المذكور: أنه لو ظهر بعد الصلح في التركة عين هل
تدخل في الصلح فلا تسمع الدعوى بها أم لا تدخل فتسمع الدعوى؟ قولان، وكذا لو
صدر بعد الصلح إبراء عام ثم ظهر للمصالح عين هل تسمع دعواه فيه قولان أيضاً.
والأصح السماع بناء على القول بعدم دخولها تحت الصلح فيكون هذا تصحيحاً للقول
بعدم الدخول، وهذا إذا اعترف بقية الورثة بأن العين من التركة وإلا فلا تسمع دعواه بعد
الإبراء كما أفاده ما نقله عن المحيط، وإنما قيد بالعين لأنه لو ظهر بعد الصلح في التركة
دين فعلى القول بعدم دخوله في الصلح يصح الصلح ويقسم الدين بين الكل. وأما على
القول بالدخول فالصلح فاسد كما لو كان الدين ظاهراً وقت الصلح إلا أن يكون مخرجاً
من الصلح بأن وقع التصريح بالصلح عن غير الدين من أعيان التركة. وهذا أيضاً ذكره
في البزازية حيث قال: ثم ما ظهر بعد التخارج على قول من قال من أنه لا يدخل تحت
الصلح، لا خفاء، ومن قال يدخل تحته فكذلك، إن كان عيناً لا يوجب فساده، وإن ديناً
إن مخرجاً من الصلح لا يفسد وإلا يفسد اهـ. قوله: (أشهرهما لا) وعلى مقابله: فإن كان
الذي ظهر ديناً فسد الصلح كأنه وجد في الابتداء فيكون هو وغيره بين الكل، وإن كان
عيناً لا اهـ. منح. قوله: (بل بين الكل) أي بل يكون الذي ظهر بين الكل. قوله:
(قلت وفي البزازية الخ) وفي الثامن والعشرين من جامع الفصولين أنه الأشبه. قوله: (ولا
يبطل الصلح) أي لو ظهر في التركة عين، أما لو ظهر فيها دين فقد قال في البزازية: إن
كان مخرجاً من الصلح لا يفسد، وإلا يفسد كما سمعته: أي إن كان الصلح وقع على غير
الدين لا يفسد، وإن وقع على جميع التركة فسد كما لو كان الدين ظاهراً وقت الصلح.
قوله: (وفي مال طفل) أي والصلح في مال الطفل الثابت بالشهود لم يجز إذ لا مصلحة له،
ومفهومه: أنه يجوز الصلح حيث لا بينة للطفل. والضمير في لم يجز إلى الصلح. قوله:
(وما يدعي) عطف على مأخوذ من المقام: أي فلم يجز الصلح في مال الطفل الثابت
بالشهود ولا فيما يدعي خصم ولا يتنور: أي لم ينور دعواه لبينة.