Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب الوكالة (و) صح (بإيفائها) وكذا بـ (استيفائها) المسائل، وانظر هل المراد بالشرف العرفي فيدخل أغنياء الدنيا فإنهن بغناهن مصونات عن الخروج، وإن لم تكن من بنات العلماء ولا آل البيت، الظاهر نعم ط. قوله: (وصح بإيفائها) أي حقوق العباد: أي يصح التوكيل بإيفاء جميع الحقوق واستيفائها إلا في الحدود والقصاص، لأن لكل منهما مباشر الموكل بنفسه، فيملك التوكيل به، بخلاف الحدود والقصاص فإنها تندرىء بالشبهات، والمراد بالإيفاء هنا دفع ما عليه وبالاستيفاء القبض، فيكون معناه: صح التوكيل بدفع ما عليه ويقبض ماله. منح. قوله: (وكذا باستيفائها) قال في المنح: المراد بالإيفاء هنا دفع ما عليه وبالاستيفاء القبض، فيكون معناه: صح التوكيل بدفع ما عليه وبقبض ماله. قاله في البحر. أما الأول: فمن مسائله قالوا: لو وكله بقضاء الدين وكله بأن يدفع الوكيل من مال نفسه إلى دائن الموكل فجاء الوكيل وزعم قضاءه وصدقه موكله فيه فلما طالبه وكيله برد ما قضاه لأجله قال الموكل أخاف أن يحضر الدائن وينكر قضاء وكيلي ويأخذه مني ثانياً لا يلتفت إلى قول الموكل ويؤمر بالخروج عن حق وكيله، فإذا حضر الدائن وأخذ من الموكل يرجع الموكل على الوكيل بما دفعه إليه، وإن كان صدقه بالقضاء ا هـ. وتمامه فيه. قال العلامة الحموي نقلاً عن العلامة المقدسي: هذا إذ قال أخاف أن ينكر الدائن القبض، فلو قال الدائن أنكر القبض وطالبني، هل يكون كما قال أخاف أو يتوقف؟ ينبغي أنه إن برهن على إنكاره يرجع، وإلا فلا لأن الوكيل يبرأ بحلفه كما ذكره في الكافي ا هـ. أما لو دفع إليه دراهم وقال له اقض بها ديني الذي لزيد فادعى الوكيل الدفع إلى زيد الدائن وكذبه كل من الموكل والدائن فالقول للوكيل في براءة نفسه بيمينه، والقول للدائن في إنكاره القبض بيمينه أيضاً كما في فتاوى قارىء الهداية. وفي البحر أيضاً وفي كتاب الحوالة: أمره بقضاء دينه: أي من مال نفسه: أي مال الوكيل فقال قضيت وصدقه الآمر فيه ثم حلف الدائن على عدم وصوله إليه وأخذه من الآمر لا يرجع المأمور بما قضاه بمال نفسه على الآمر؛ لأن الآمر كذب في إقراره حيث قضى عليه بالدين، لأن الإقرار إنما يبطل بالحكم على خلافه إذا كان الحكم بالبينة، أما بغيرها فلا. والصحيح أنه يعلل لعدم رجوع المأمور على الآمر إن المأمور وكيل بشراء ما في ذمة الآمر بمثله، ونقد الثمن من مال نفسه، وإنما يرجع على الآمر إذا سلم له ما في ذمته كالمشتري إنما يؤمر بتسليم الثمن إلى الآمر إذا سلم الآمر ما اشتراه. أما إذا لم يسلم فلا. وذكر القدوري أن ربّ الدين يرجع على المأمور يرجع على المديون بما قضى. قال قضيت دينك بأمرك لفلان فأنكر كونه مديون فلان وأمره وقضاءه أيضاً والدائن غائب فبرهن لمأمور على الدين والآمر والقضاء يحكم بالكل؛ لأن الدائن وإن غالباً لكنه عنه خصم حاضر، فإن المدعي على ٣٨٢ كتاب الوكالة الغائب سبب لما يدعي على الحاضر؛ لأنه ما لم يقض دينه لا يجب له عليه شيء، وبينهما اتصال أيضاً وهو الأمر، وبعد السببية والاتصال ينتصب خصماً؛ ولو قال لا تدفع الدين إلا بمحضر فلان ففعل بلا محضره ضمن كذا في البزازية. ولو ادعى الوكيل أنه دفع بمحضره أو قال لا تدفع إلا بشهود فادعى دفعه بشهود وأنكر الدائن القبض حلف الوكيل أنه دفع بشهود، فإذا حلف لم يضمن. كذا في كافي الحاكم. ولو قال أدفعه بشهود فدفع بغيرهم لم يضمن. قال في التاترخانية في أواخر الفصل الحادي عشر عازياً للمحيط: نوع آخر فيما إذا حصل التوكيل بشرط ما يجب اعتباره وما لا يجب الأصل في هذا النوع، أن الموكل إذا شرط على الو کیل شرطاً مفيداً من كل وجه بأن کان ینفعه من كل وجه، فإنه يجب على الوكيل مراعاة شرطه، أكده بالنفي أو لم يؤكده، بيانه: فيما إذا قال بعه بخيار فباعه بغير خيار لا يجوز، وإن شرط في العقد شرطاً لا يفيد أصلاً بأن كان لا ينفعه بوجه بل يضره، لا يجب على الوكيل مراعاته أكده الموكل بالنفي أو لم يؤكده، بيانه: فيما إذا قال بعه بألف نسيئة أو قال لا تبعه إلا بألف نسيئة فباعه بألف نقداً يجوز على الأمر، فإذا شرط شرطاً يفيد من وجه ولا يفيد من وجه بأن كان ينفع من وجه ولا ينفع من وجه، إن أكده بالنفي يجب مراعاته، وإن لم يؤكده بالنفي لا يجب مراعاته. بيانه: فيما إذا قال بعه في سوق كذا فباعه في سوق آخر، فإن لم يؤكده بالنفي بأن لم يقل لا تبعه إلا في سوق كذا فباعه في سوق آخر ينفذ على الآمر، وإن أكده بالنفي لا ينفذ على الآمر. كافي. ولو قال بعه في السوق لا ينفذ به، حتى لو باع في داره جاز، وعند زفر: لا يجوز م. وإذا عرفنا هذه الجملة جئنا إلى تخريج المسائل فنقول: إذا أمره أن يبيع ويشهد على بيعه: فإن لم يؤكده بالنفي بأن قال بع وأشهد فباع ولم يشهد جاز، وإن أكده بالنفي بأن قال لا تبع إلا بالمشهود فباع ولم يشهد لا يجوز، وإذا أمره أن يبيع برهن أو كفيل فباع من غير رهن أو من غير كفيل لا يجوز، أكده بالنفي أو لم يؤكده، وإذا قال برهن ثقة لم يجز إلا برهن يكون بقيمته وفاء بالثمن أو تكون قيمته أقل مقدار ما يتغابن الناس فيه، وإذا أطلق جاز برهن قليل، وعندهما: لا يجوز إلا بنقصان لا يتغابن الناس فيه، وتمام التفاريع فيها فراجعها. وأما الثاني: أعني الوكيل بقبض الدين فيقبل قوله في قبضه وضياعه ودفعه إلى الموكل، ويبرأ الغريم ولو كان ممن لا تقبل شهادته للوكيل، بخلاف إقراره بقبض الطالب، ولو وجب على الوكيل بالقبض مثله لمديون موكله وقعت المقاصة وكان الوكيل مديون الموكل، ولا يملك الوكيل بقبضه الإبراء والهبة وأخذ الرهن وملك أخذ الكفيل بخلاف الوكيل بالبيع حيث ملك الكل وليس للوكيل بالقبض قبول الحوالة، ويصح ٣٨٣ كتاب الوكالة إلا في حدّ وقود التوكيل بالقبض والقضاء بلا رضا الخصم، ولا ينعزل بموت المطلوب وينعزل بموت الطالب. فلو زعم الوكيل قبضه وتسليمه إلى الطالب حال حياته لم يصدق بلا حجة، فإن احتال الطالب بالمال بعد التوكيل على إنسان ليس للوكيل أن يطالب المحيل والمحتال، فلو توى المال على المحال عليه وعاد الدين عل المحيل فالوكيل يملك الطلب، ولو كان بالمال كفيل أو أخذ الطالب كفيلاً بعد التوكيل ليس للوكيل أن يتقاضى الكفيل، وللوكيل بالقبض قبض بعضه إلا إذا نص على أن لا يقبض إلا الكل معاً اهـ. ما في البزازية. لكن قال في الأشباه: كل أمين ادعى إيصال الأمانة إلى مستحقها قبل قوله كالمودع والوكيل والناظر، إلا في الوكيل بقبض الدين إذا ادعى بعد موت الموكل أنه قبضه ودفعه له في حياته لم يقبل إلا ببينة، بخلاف الوكيل بقبض العين، والفرق في الولوالجية اهـ. وأقول: تعقبه الشرنبلالي أخذاً من كلام الولوالجية وغيرها من كتب المذهب بأن دعوى الوكيل الإيصال تقبل لبراءته بكل حال، وأما سراية قوله على موكله ليبرا غريمه فهو خاص بما إذا ادعى الوكيل حال حياة موكله، وأما بعد موته فلا تثبت براءة الغريم إلا ببينة أو تصديق الورثة إلى آخر ما ذكره في الرسالة المسماة [بمنة الجليل في قبول قول الوكيل] كذا في حاشية أبي السعود. قلت: وللعلامة المقدسي أيضاً رسالة في هذه المسألة ذكرها الشرنبلالي في مجموعة رسائله عقب الرسالة التي ألفها واستشهد بها على ما ادعاه، فارجع إلى تلك الرسالتين فقد أشبعنا الكلام فيهما، جزاهما الله تعالى خيراً. والحاصل أن الوكيل بقبض الدين يخالف الوكيل بالبيع وقبض الثمن في مسائل، فلو كفل الوكيل بقبض الثمن المشتري صحت، ولو كفل الوكيل بالبيع لم تصح كما في الخانية وتقبل شهادة الوكيل بقبض الدين به على المديون كما في شهادة البزازية، بخلاف الوكيل بالبيع، ولو باع الوكيل وقبض الثمن ثم رد المبيع بعيب بعد ما دفع الثمن للموكل فللمشتري مطالبة الوكيل، بخلاف الوكيل بقبض الثمن لا مطالبة عليه كما في القنية، ولا يصح إبراء الوكيل بالقبض ولا حطه ولا أخذه الرهن ولا تأجيله ولا قبول الحوالة بخلاف الوكيل بالبيع. قوله: (إلا في حد وقود) أي قصاص في نفس أو ما دونها، وهذا استثناء من قوله وبإيفائها واستيفائها، وقوله بغيبة موكله قيد للثاني فقط، كما نبه عليه في البحر. لكن ظاهر كلام الزيلعي وصريح كلام العيني والفتح قصر المستثنى منه على الاستيفاء حيث قال: وهو استثناء من قوله واستيفائها لا من قوله وصح التوكيل، لأن التوكيل بإثباتهما جائز، ولكن لا يجوز استيفاؤهما إن غاب الموكل، ووجه العدول عما هو الظاهر من كون الاستثناء من كل من الإيفاء والاستيفاء، أن الإيفاء تسليم ظهر القاذف وتسليم ٣٨٤ كتاب الوكالة بغيبة موكله عن المجلس. ملتقى (وحقوق عقد لا بد من إضافته) أي ذلك العقد نفس الجاني، وهذا لا يتصور الوكالة فيه كما نقله السيد الحموي عن شرح النقاية آخراً، لكن نقل أوّلاً عن شرح الطحاوي وما يخالف ذلك، وأن الاستثناء من كل منهما لكن في الإيفاء على إطلاقه، وفي الاستيفاء إن غاب الموكل عن المجلس، أما إذا كان حاضراً وأمر باستیفائه فإنه يجوز ا هـ. واعلم أن ظاهر ما سبق عن العيني صحة التوكيل بإثبات الحد مطلقاً، وليس كذلك كما قدمناه، وقدمنا أن ما ذكره الزيلعي من صحة التوكيل بإثبات حد السرقة مخالف لما ذكره قاضيخان بقوله: رجل وكل رجلاً بإثبات السرقة: إن كان الوكيل يريد القطع كان باطلاً، وإن كان يريد المال فهو مقبول، وهو كما لو طلب المسروق منه أن يحلف السارق يقول له القاضي تريد المال أو القطع: إن قال أريد المال حلفه، وإن قال أريد القطع لا يحلفه الخ. اللهم إلا أن يحمل كلام الزيلعي على ما إذا كان الموكل لا يريد القطع بالمال. واعلم أن جواز التوكيل بإثبات القذف مذهب الإمام، ومنعه أبو يوسف، وقول محمد مضطرب وعلى هذا الخلاف التوكيل بالجواب من جانب من عليه الحد والقصاص، غير أن الوكيل لا يقبل عليه لأن فيه شبهة عدم الأمر به، وغير خاف أن قصر الاستثناء على الحد والقود يشعر بصحة التوكيل بإثبات التعزير، وبه صرح القهستاني عن شرح الطحاوي. قوله: (بغيبة موكله عن المجلس) هو قيد للاستيفاء فقط، إذ الموكل لو كان حاضراً وأمر باستيفائهما يجوز كما في شرح الطحاوي وغيره، وعلله في غاية البيان باحتمال العفو المندوب إليه، بخلاف حال حضرته لانعدام الشبهة، وبخلاف حال غيبة الشهود حيث يستوفيان حال غيبتهم وإن كان رجوعهم محتملًاً؛ لأن الظاهر عدمه احترازاً عن الكذب والفسق، ولم يذكر المؤلف التوكيل بإثباتهما لدخولهما تحت قوله: فصح بخصومة، لأن التوكيل بإثباتهما هو التوكيل بالخصومة فيهما، فهو جائز خلافاً لأبي يوسف كما في العيني. أما التوكيل بإثبات حد الزنا والشرب فباطل اتفاقاً إذ لا حق لأحد فيه، بل تقام البينة حسبة. وأما التوكيل باستيفاء التعزير فيجوز مطلقاً لأنه حق العبد ولا يسقط بشبهة. قوله: (وحقوق عقد) مبتدأ خبره قوله ((تتعلق به)) وجملة قوله ((لا بد من إضافته)) في محل جر صفة قوله ((عقد)) والمراد بالإضافة المعنى اللغوي وهو الإسناد بأن يقول بعت أجرت صالحت. قوله: (لا بد من إضافته إلى الوكيل الخ) قال في البحر: والمراد فيما يضيفه الوكيل في كل عقد لا بد من إضافته إليه لينفذ على الموكل، وليس المراد ظاهر العبارة من أنه قد يضيفه وقد لا يضيفه، فإن أضافه إلى نفسه تتعلق بالوكيل، وإن أضافه إلى موكله تتعلق بالموكل كما فهمه ابن ملك في شرح المجمع، لما في الخلاصة والبزازية: وكيل شراء العبد جاء إلى مالكه فقال بعت هذا العبد من الموكل وقال الوكيل ٣٨٥ كتاب الوكالة قبلت لا يلزم الموكل، لأنه خالف حيث أمره أن لا ترجع إليه العهدة وقد رجع. قال أبو القاسم الصفار: والصحيح أن الوكيل يصير فضولياً، ويتوقف العقد على إجازة الموكل ا هـ. وفي المجمع: وتعلق حقوق العقد فیما یضاف إلى الو کیل به. قال ابن ملك: قيد بقوله فيما يضاف إلى الوكيل، لأن الوكيل بالبيع والشراء لو أضاف العقد إلى الموكل ترجع حقوق العقد إلى الموكل اتفاقاً. كذا في الفصول اهـ. فقد ادعى الاتفاق مستنداً للفصول فكيف يكون مجرد فهم منه، فتأمل. وفي المجتبى: كل عقد يضيفه الوكيل إلى نفسه أراد به أن تصح إضافته إلى نفسه ويستغني عن إضافته إلى الموكل لا أنه شرط، ولهذا لو أضاف الوكيل بالشراء الشراء إلى الموكل صح بالإجماع، وقوله وكل عقد لو أضافه إلى الموكل كالنكاح مراده أنه لا يستغني عن الإضافة إلى موكله، حتى لو أضافه إلى نفسه لا يصح، فلفظ الإضافة واحد ومراده مختلف اهـ. قال الخير الرملي: هذا شاهد لما فهمه شارح المجمع اهـ. وهو بظاهره إقرار لصاحب البحر بأن ما في شرح المجمع فهم من شارحه، إلا أن يكون ذكره مجاراة لعبارة البحر. هذا، ولك أن تنفي المنافاة بين ما في البزازية وشرح المجمع بحمل ما في شرح المجمع من قوله: لأن الوكيل بالبيع والشراء على النافذين لتبادرهما لغيرهما لا تتعلق حقوقه بالموكل قبل الإجازة لفرعية تعلق الحقوق عن النفاذ، وليس في عبارة البزازية ما ينفي تعلق الحقوق بالموكل بعد النفاذ بالإجازة فلنلتزمه ليحصل التوفيق. وقد علمت أن عدم تعلق الحقوق بالموكل في مسألة البزازية إنما تأتي من المخالفة، فلو صدر التوكيل على وجه ينفي المخالفة بأن أذن له الموكل بإضافة العقد إليه، فالظاهر نفاذ العقد لعدم المخالفة كما هو مفهوم البزازية وإذا نفذ العقد هل تتعلق بالموكل أو الوكيل؟ لا شيء في كلام البزازية يدل على إيجابه أو نفيه. فنقول: تتعلق بالموكل عملاً بما في شرح المجمع والمجتبى إذ لم يوجد ما ينافيهما، كيف وقد ادعيا الاتفاق، فتأمله بعين التحقيق فإنه بالتأمل حقيق ليظهر حقيقة الحال، والله الميسر لبلوغ الآمال. وتوجيه ما في البحر بأن يقال: إن عبارة شرح المجمع مطلقة، فالظاهر أنها شاملة لصورة المخالفة الواقعة في البزازية وأنه إذا أضاف إلى الموكل فيهما ينفذ البيع للحال وتتعلق الحقوق به، مع أن المنقول بخلافه، وحيث وقع في الفصول الحكم مطلقاً كما استند إليه الشارح المذكور فهو مقيد بما في البزازية، غير أن الشارح فهمه على إطلاقه ولم يقيده بالبيع النافذ، وظاهر من كلام البحر: عدم منع الحكم في النفاذ، وإذا حملت كلام شارح المجمع على ما قلناه وقيدت مستنده بما في البزازية وعلمت أن كلام ٣٨٦ کتاب الوكالة البحر لا ينبو عن الحكم المذكور ارتفع الخلاف، كما يشهد بذلك الإنصاف، فالمؤاخذة التي وردت على صاحب شرح المجمع من صاحب البحر تستند إلى إطلاق عبارة شارح المجمع لا غير، والله تعالى أعلم. أقول: فما في شرح المجمع مقيد بما إذا أجاز الموكل العقد، فلا ينافي ما ذكره الصفار، وإذا صح هذا التوفيق ظهر الجواب عما نقل عن المقدسي من قوله: ثم إذا أجاز الموكل ذلك هل ترجع الحقوق إلى الوكيل؛ لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابق اهـ. وهذا التعليل مؤيد للتوفيق المتقدم، والله أعلم. وفي حاشية أبي السعود: وتعبير ابن الكمال بقوله يكتفي بالإضافة إلى نفسه صريح في أن إضافته إلى نفسه ليس بلازم، خلافاً لمن عبر به بلا بد كالبحر وتبعه المصنف، لكن الشارح نقل كلام ابن ملك وأمر بحفظه، وأيده بقول ابن الكمال المتقدم، ورد على المصنف فما يأتي بقوله: فقوله لا بد فيه ما فيه، وحينئذ يتجه ما ذكره ابن ملك ويسقط ما اعترض به في البحر عليه. وما في الخلاصة والبزازية لا ينافي جواز الإضافة إلى كل منهما، وإن كان اللزوم على الموكل فيما إذا لم يضف الوكيل العقد إلى نفسه بأن أضافه إلى الموكل يتوقف على صدور الإجازة منه، ثم رأيت في الزيلعي من باب الوكالة بالبيع والشراء التصريح بعدم لزوم إضافة الوكيل في الشراء ونحوه العقد إلى نفسه حيث قال في شرح قول المصنف: ولو وكله بشراء شيء بعينه لا يشتريه لنفسه ما نصه: بخلاف ما لو وكله أن يزوجه امرأة معينة حيث جاز له أن يتزوج بها، لأن النكاح الذي أتى به الوكيل غير داخل تحت أمره، لأن الداخل تحت الوكالة نكاح مضاف إلى الموكل، وفي الوكالة بالشراء الداخل فيها شراء مطلق غير مقيد بالإضافة إلى أحد، فكل شيء أتى به لا يكون مخالفاً الخ، فهذا من الزيلعي صريح فيما ذكره ابن ملك. واعلم أن قول الزيلعي: وفي الوكالة بالشراء الداخل فيها شراء مطلق الخ، صريح أيضاً في أن الوكيل إذا أضاف العقد إلى الموكل لا يكون مخالفاً، ويلزمه العقد ولا يتوقف على إجازته، خلافاً لما سبق عن الخلاصة والبزازية ا هـ ملخصاً. أقول: وفي نور العين رامزاً للجامع الأصغر: أمره بشراء قنّ بألف فقال مالكه بعت قنى هذا من فلان الموكل فقال الوكيل قبلت لزم الوكيل إذا أمره الوكيل أن يقبل عن نفسه ليلزم العهدة على الوكيل فخالف بقبوله على موكله. قاضيخان فيه نظر. وينبغي أن يلزم الموكل أو يتوقف على إجازته، إذ الوكيل لما خالف صار كأن البائع قال ابتداء بعت عبدي من فلان بكذا وقال الوكيل قبلت يتوقف على إجازة الموكل ولا يصير الوكيل مشترياً لنفسه . . يقول الحقير: أصاب في إيراد النظر لكنه أهمل جانب قوله يلزم الموكل حيث لم ٣٨٧ كتاب الوكالة (إلى الوكيل كبيع وإجارة وصلح عن إقرار يتعلق به) ما دام حياً يعلله، بل أفاد بما ذكره من تعليل التوقف على الإجازة أنه لا يلزم الموكل بل يتوقف، فبين كلاميه تناف، غير خاف على ذي فهم صاف، ثم إن الظاهر أنه لا يتوقف بل يلزم الموكل لما مر في شراء الفضولي نقلاً عن شحي: إن الفضولي لو شرى شيئاً وأضاف عقد الشراء إلى من شرى له بأن قال لبائعه بعه من فلان وقبله له يتوقف على فلان، ولو قال شريته لفلان فقال بائعه بعت أو قال بعته منك لفلان فقال المشتري قبلت نفذ على نفسه ولم يتوقف. وهذا لو لم يسبق من فلان التوكيل ولا الأمر، فلو سبق أحدهما فشرى الوكيل نفذ على موكله، وإن أضاف الوكيل الشراء إلى نفسه، وعلى الوكيل العهدة اهـ. يقول الحقير: وظهر بقوله وعلى الوكيل العهدة أن الوكيل لم يخالف موكله كما ظنه الإمام قاضيخان تبعاً لصاحب الجامع الأصغر، غاية ما في الباب أن يكون في المسألة روايتان، أو يكون أحد ما ذكر في شرح الطحاوي وفتاوى قاضيخان غير صواب كما لا يخفى على ذوي الألباب ا هـ. أقول: الذي يظهر أنه لا ينافي، إذ التعليل إنما هو للحكم بالتوقف إذ فيه غموض يجب إيضاحه، ولم يذكر علة لقوله يلزم الموكل إذ لزومه إياه واضح وجهه عنده أو بالنسب إلى من له مسكة بالفقه، بل علته ظاهرة إذ الوكيل شرى ما وكله بشرائه موكله فالظاهر لزوم الموكل، وعدم لزومه يحتاج لدليل، أما اللزوم فلا، فليتأمل. وأقول: ومراده بما في شرح الطحاوي ما رمزه بقوله ((شحى)) وهو موافق لما مر عن الزيلعي، فتأمل في هذا المحل فإنه من مداحض الأقدام، والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (إلى الوكيل) أي إسناده في الصيغة. قوله: (وصلح عن إقرار) أي في دعوى مال ومنفعة لأنه حينئذ يكون بيعاً أو إجارة، وهذه الأمثلة للعقد ذي الحقوق، ويأتي أمثلة الحقوق فقد. قوله: (يتعلق به) أي بالوكيل، بخلاف الرسول لأنه يضيف العقد إلى مرسله، وبخلاف النكاح لأنه لا بد فيه من ذكر الموكل وإسناد العقد إليه. عيني. ولو اختلف في كون المشتري رسولاً أو وكيلاً فالقول للمشتري والبينة على البائع. بحر. وعند مالك والشافعي وأحمد: تتعلق بالموكل، لأن الحقوق تتعلق بالحكم والوكيل ليس بأصل فیه فلا یکون أصلا فيها فصار کالرسول والوكيل بالنكاح. ولنا أن الوكيل أصل في العقد بدليل استغنائه عن إضافته إلى الموكل، ولو كان سفيراً كما زعموا لما استغنى، وإنما جعل نائباً في الحكم للضرورة، كي لا يبطل مقصود الموكل ولا ضرورة في حق الحقوق، ولأن العاقد الآخر اعتمد رجوع الحق إليه، فلو لم يرجع لتضرر على تقدير كون الموكل مفلساً أو من لا يقدر على مطالبته. عيني. قوله: (ما دام حياً) أما إذا مات الوكيل. قال الفضلي: تنتقل الحقوق إلى وصيه لا الموكل وإن لم يكن ٣٨٨ كتاب الوكالة ولو غائباً. ابن ملك (إن لم يكن محجوراً كتسليم مبيع وصي يرفع إلى الحاكم ينصب وصياً عند القبض وهو المعقول، وقيل ينتقل إلى موكله ولاية قبضه فيحتاط عند الفتوى محيط. هذ إذا اتفقا على أنه وكيل، أما إذا اشترى فقال الشراء لفلان وقال البائع بل لك فالحكم فيه ما قاله مؤيد زاده: اشتری شیئاً وقال كنت رسول فلان ولا ثمن لك عليّ وقال البائع بعته منك فالقول للمشتري. وفي الخيرية عن الخلاصة: امرأة اشترت شيئاً وقالت كنت رسول زوجي إليك ولا ثمن لك عليّ وقال البائع إنما بعت منك والثمن عليك فالقول قولها، وعلى البائع البينة. ونقل مثله عن الخانية وكثير من الكتب. ثم قال في البحر: والوكيل بالشراء إذا اشترى بالنسيئة فمات الوكيل حلّ عليه الثمن، ويبقى الأجل في حق الموكل، وجزمه هنا يدل على أن المعتمد في المذهب ما قال إنه المعقول، وقد أفتيت به بعد ما احتطت كما قال فيما سبق ا هـ. وتأتي عبارة البحر قريباً. قوله: (ولو غائباً) فإذا باع وغاب لا يكون للموكل قبض الثمن كما في البحر. قوله: (إن لم يكن) أي الوكيل محجوراً، فإن كان محجوراً كالعبد والصبي المحجورين فإنهما إذا عقدا بطريق الوكالة تتعلق حقوق عقدهما بالموكل، إذ لا يصح من المحجور التزام العهدة لقصور أهليته، ولحق مولى العبد كما في الرسول والقاضي وأمينه، ثم العبد إذا أعتق تلزمه تلك العهدة والصبي إذا بلغ لا تلزمه. وفي الخانية: عبد شرى شيئاً فقال البائع لا أسلم لك المبيع لأنك محجور وقال العبد أنا مأذون فالقول للعبد، فلو برهن البائع أن العبد قال أنا محجور قبل أن يتقدم إلى القضاء بعد الشراء، لم يقبل. ولو قال عبد بعتك وأنا محجور وقال المشتري وأنت مأذون القول للمشتري، لأن الإقدام على البيع دليل الإذن، والأصل بقاء ما كان على ما كان عليه. وقوله إن لم يكن محجوراً يشير إلى أن العبد والصبي المأذون لهما تتعلق بهما الحقوق وتلزمهما العهدة، وظاهر كلام المصنف أن العهدة على المأذون مطلقاً. وفصل في الذخيرة بين أن يكون وكيلاً بالبيع العهدة عليه سواء باع بثمن حالٌ أو مؤجل، وبين أن يكون وكيلاً بالشراء، فإن كان بثمن مؤجل فهو على الموكل لأنه في معنى الكفالة، وإن كان بثمن حال فهو على الوكيل لكونه ضمان ثمن. حموي. وفيه إيماء إلى ما بسطه الزيلعي من الفرق، وفي البحر ما في الزيلعي عن الإيضاح: إذا أمره أن يشتري بالنقد جاز والعهدة عليه، وإن أمره بالشراء نسيئة كان ما اشتراه له دون الآمر مخالف لما في الذخيرة. قوله: (كتسليم مبيع) هذا وما بعده أمثلة للحقوق التي تتعلق بالوكيل، ففي كلامه لفّ ونشر مرتب: أي إذا كان وكيل البائع وأطلقه فشمل ما إذا قبض الوكيل الثمن أو لا وما إذا قال لا تدفع المبيع بعد البيع حتى تقبض الثمن فدفع الوكيل قبل قبض الثمن فإنه جائز عندهما خلافاً للثاني، وكان النهي باطلًا كما في القنية. وقيده في ٣٨٩ كتاب الوكالة البزازية بما إذا كان المبيع في يد الوكيل، فلو في يد الموكل وأبى عن الدفع قبل قبض ثمنه له ذلك، أما لو نهاه عن البيع حتى يقبض الثمن لم يجز بيعه، حتى يقبض الثمن من المشتري ثم يقول بعتك بهذه الدراهم التي قبضت منك. ولو دفع وكيل البيع المبيع إلى الدلال فضاع في يده يضمن في المختار، كما لو قال بعته وسلمته من رجل لا أعرفه وضاع الثمن يضمن قال القاضي لأنه لا يملك التسليم قبل قبض ثمنه، والحكم صحيح، والعلة لا لما مر أن النهي عن التسليم قبل قبض ثمنه لا يصح، فلما لم يعمل النهي عن التسليم فلأن لا يكون منوعاً عن التسليم أولى. وهذه المسألة تخالف مسألة القمقمة اهـ. قلت: مراد القاضي أنه لا يملك التسليم ممن لا يعرفه لا مطلقاً فصح التعليل أيضاً. حموي. مَطْلَبُ: مَسْأَلَةُ القُمْقُمَةِ أقول: ومسأل القمقمة ما قاله في متفرقات الوكالة من التاتر خانية عازياً للظهيرية: الوكيل إذا دفع قمقمة إلى إنسان لإصلاحها بأمر الموكل ونسي من دفعها إليه لا يضمن. قال في النوازل: وصار كالذي وضعه في موضع من داره ثم نسيه فلا ضمان عليه، كذا هذا ا هـ. قال في العلامة أبو السعود: وأقول: لم يظهر لي وجه ما في القنية من بطلان النهي عن تسليم المبيع قبل قبض ثمنه، مع أن المصرح به أن المشتري يؤمر بتسليم الثمن أولاً حيث كان الثمن حالاً، وعللوا ذلك بقولهم: ليتعين حقِ البائع فيه، أما المشتري فقد تعين حقه في المبيع بمجرد العقد، لأن الثمن لا يتعين بالتعيين حتى لو أضيف العقد إلى دراهم معينة كان له أن ينقد غيرها، فالظاهر أن ما في القنية من بطلان النهي عن تسليم المبيع قبل قبض ثمنه ضعيف انتهى. أقول: وينبغي تقیید ضمان وكيل البيع إذا دفع للدلال وغاب أو ضاع في يده بما إذا لم تكن العادة جارية في ذلك، أما إذا كان شيئاً لا يبيعه الوكيل بنفسه بل يدفع في العادة إلى دلالة ليعرضه على البيع لا يضمن، لأنه بمقتضى العادة يكون مأذوناً بذلك. وفي الفتاوي الخيرية: سئل فيما إذا جرت عادة التجار أن يبعث بعضهم إلى بعض بضاعة يبيعها ويبعث بثمنها مع من يختاره ويعتقد أمانته من المكارية بحيث اشتهر ذلك بينهم اشتهاراً شائعاً فيهم، وباع المبعوث إليه البضاعة المبعوثة في مدينته، وأرسل مع من اختاره منهم لباعثها ثمنها على دفعات متعددة حسبما تيسر له وأنكر المبعوث إليه بعض الدفعات، هل يكون القول قول باعث الثمن بيمينه، وإن لم يعلم تفاصيل ذلك لطول المدة أم لا بد له من البينة؟ ٣٩٠ كتاب الوكالة وقبضه وقبض ثمن ورجوع به عند استحقاقه أجاب: القول قوله بيمينه إذ له بعثه مع من يختاره ويراه أميناً لأنه أمين لم تبطل أمانته والحالة هذه بالإرسال مع من ذكر. وقد ذكر الزاهدي رامزاً لبکري خواهر زاده: جرت عادة حاکة الرستاق أنهم يبعثون الکرابیس إلى من يبيعها لهم في البلد ويبعث بأثمانها إليهم بيده من شاء ويراه أميناً، فإذا بعث البائع ثمن الكرابيس بيد شخص ظنه أميناً وأبق ذلك الرسول لا يضمن الباعث إذا كانت هذه العادة معروفة عندهم. قال أستاذنا رحمه الله تعالى وبه أجبت أنا وغيري اهـ. وقد عضد بقولهم: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، والعادة محكمة، والعرف قاض إلى غير ذلك من كلامهم ا هـ ما في الخيرية. تنبيه:اعلم أن الحقوق التي للوكيل كقبض المبيع ومطالب ثمنه والمخاصمة في العيب والرجوع بثمن المستحق غير واجبة عليه لأنه متبرع، لكن ينبغي أن يوكل الموكل بهذه الأفعال. وأما الحقوق التي على الوكيل كتسليم المبيع والثمن ونحوهما فالوكيل فيها يدعي عليه فللمدعي أن يجبره على ذلك، كما في الكافي والبرجندي وصدر الشريعة. قوله: (وقبضه) أي إذا كان وكيل المشتري. قوله: (وقبض ثمن) أي من المشتري: أي إذا كان وكيل البائع فعلم أن مراده بالوكيل بالبيع ما يشمل الشراء، وكذلك في الإجارة ما يشمل الاستئجار. قال في البحر: واستفيد من قوله ((وقبض ثمن)) أنه لو ضمن الوكيل الثمن لا يصح ضمانه، ولو أحال المشتري الموكل على وكيله به بشرط براءة المشتري لم يصح، ولو أحال الوكيل موكله بالثمن على المشتري صحت، وهي وكالة لا حوالة لأنه لا شيء للموكل على وكيله، وأن الوكيل لو منع المشتري من دفع الثمن إلى موكله صح، وله الامتناع عن الدفع إليه، ولكن لو دفع له صح ويرىء استحساناً وأنه يصح، ويصح إبراء وكيل البيع قبل قبضه الثمن وحوالته على الأملاء والمماثل والأدون وإقالته وحطه وتأجيله والتجوز بدون حقه عندهما، ويضمن خلافاً لأبي يوسف هذا قبل قبضه، أما بعد قبضه لا يملك الحط والإبراء والإقالة، وبعد ما قبل بالثمن حوالة لا يصح كما بعد الاستيفاء، والوكيل بالإجارة إذا فسخها بعدها صح لا بعد مضيّ المدة، وبعد قبض الأجرة ديناً كان أو عيناً لا يصح الفسخ، وأن الوكيل لو وكل موكله بقبض الثمن صح وله عزله، إلا إذ خاصم الموكل معه في تأخيره المطالب فألزم القاضي الوكيل أن يوكل موكله لا يملك عزله. ومن أحكامه أن وكيل البيع لا يطالب بالثمن من مال نفسه. بخلاف وكيل الشراء، ولا يجبر على التقاضي لأنه متبرع، بخلاف الدلال والسمسار والبياع لأنهم يعملون بأجراهـ. عن البزازية. قوله: (ورجوع به عند استحقاقه) أي رجوع التوكيل بالبيع أو الشراء عند استحقاق ما قبضه من مبيع أو ثمن: أي عند ظهور المستحق للمبيع، وكذا الرجوع بالثمن عند استحقاقه. ٣٩١ كتاب الوكالة وخصومة في عيب فلا فصل بين حضور موكله وغيبته) لأنه العاقد حقيقة وحكماً، لكن في الجوهرة: لو حضرا فالعهدة على آخذ الثمن لا العاقد في أصح الأقاويل، والحاصل أن هذه المسألة شاملة لمسألتين: الأولى: ما إذا كان الوكيل بائعاً وقبض الثمن من المشتري ثم استحق المبيع فإن المشتري يرجع بالثمن على الوكيل سواء كان الثمن باقياً في يده أو سلمه إلى الموكل وهو يرجع على موكله. الثانية: ما إذا كان مشترياً فاستحق المبيع من يده فإنه يرجع بالثمن على البائع دون موكله. وفي البزازية: المشتري من الوكيل باعه من الوكيل ثم استحق من الوكيل رجع الوكيل على المشترى منه، وهو على الوكيل والوكيل على الموكل، وتظهر فائدته عند اختلاف الثمن اهـ. بحر. قال الحموي قلت: فعلى هذا يكون المصدر مشتركاً بين مصدر الفاعل والمفعول. قوله: (وخصومة في عيب) أي فيرد المعيب إلى البائع لو كان بيده وبعده تسليمه إلى الموكل يرده بإذنه. قال في البحر: وهو شامل لمسألتين أيضاً، أما إذا كان بائعاً فيرده المشترى عليه، وأما إذا كان مشترياً فيرده الوكيل على بائعه لكن بشرط كونه في يده، فإن سلمه إلى الموكل فلا يرده إلا بإذنه كما سيأتي في الكتاب. وأشار المؤلف إلى أن الوكيل لو رضي بالعيب لزمه، ثم الموكل إن شاء قبله، وإن شاء ألزم الوكيل، وقبل أن يلزم الوكيل لو هلك يهلك من الموكل، ولو مات الوكيل بالشراء وظفر الموكل بالمشتري عيباً يرده وارثه أو وصيه، وإلا فالموكل. وكيل البيع إذا مات وظفر مشتريه به عيباً رده على وصي الوكيل أو وارثه، وإلا فعلى الموكل. كذا في البزازية. وفي الخانية: الوكيل بالشراء لا يملك إبراء البائع عن العيب عند أبي حنيفة ومحمد. واختلفوا في قول أبي يوسف: والوكيل بالشراء إذا اشترى بالنسيئة فمات الوكيل حل عليه الثمن، ويبقى الأجل في حق الموكل، وجزمه هنا يدل على أن المعتمد في المذهب ما قال إنه المعقول، وقد أفتيت به بعد ما احتطت كما قال فيما سبق، وقد كتبنا في الأشباه والنظائر حكم التوكيل بالتوكيل. ومما فرع على أن الوكيل أصيل في الحقوق ما في كافي الحاكم: ولو وكل القاضي وكيلاً ببيع شيء فباعه ثم خاصمه المشتري في عيبه جاز قضاء القاضي للوكيل ا هـ. قوله: (فلا فصل) حال من مدخول الكاف وهو الحقوق المتقدمة. قوله: (بين حضور موكله) أي حالة العقد لأن الموكل لو كان حاضراً حالة العقد ترجع الحقوق على الوكيل كما لو كان غائباً كما أوضحه في المنح. قوله: (وغيبته) أي وقت عقد الوكيل. قوله: (لأنه) أي الوكيل العاقد حقيقة، لأن العقد يقوم بالكلام وهو منه. قوله: (وحكماً) فإن أحكام العقد ترجع إليه وهو محط العلة. قوله: (في أصح الأقاويل) وقال القاضي الإمام أبو ٣٩٢ کتاب الوكالة ولو أضاف العقد إلى الموكل تتعلق الحقوق بالموكل اتفاقاً. ابن ملك. فليحفظ. فقوله لا بد فيه ما فيه، ولذا قال ابن الكمال: يكتفى بالإضافة إلى نفسه، فافهم. (وشرط) الموكل (عدم تعلق الحقوق به) أي بالوكيل (لغو) باطل جوهرة (والملك يثبت للموكل ابتداء) المعالي: إن العهدة على الموكل؛ لأنه إذا كان حاضراً كان كالمباشر بنفسه فعليه العهدة. قوله: (اتفاقاً) هذا ينافي ما في الخلاصة والبزازية: وكيل بشراء العبد جاء إلى مالكه فقال بعت هذا العبد من الموكل وقال الوكيل قبلت لا يلزم الموكل، وقد تقدم تعليله والكلام عليه مستوفي. قوله: (فيه ما فيه) أي فيه نظر وعبر عنه بما تفخيماً: أي لأن البدية منقوضة بما ذكر ابن ملك، وبما قال ابن الكمال أيضاً: لو أضاف الوكيل بالشراء الشراء لموكله صح بالإجماع، على أن البدية الآتية منقوضة أيضاً بمسألة الطلاق ووكيل المرأة في النكاح کما يأتي: وأقول: توضيحه أنك قد علمت من كلامه أنه لا يكون وكيلاً إلا إذا أضافه إلى نفسه، وإذا أضافه إلى الموكل ففيه الخلاف السابق في المنح، وقيل بالوكيل لأن الرسول لا ترجع الحقوق إليه. وشرطه: الإضافة إلى مرسله لما في البزازية: والرسول في البيع والطلاق والعتاق والنكاح إذا أخرج الكلام مخرج الوكالة بأن أضاف إلى نفسه، بأن قال طلقتك وبعتك وزوجت فلانة منك لا يجوز، لأن الرسالة لا تتضمن الوكالة لأنها فوقها، وإن أخرجه مخرج الرسالة جاز بأن يقول إن مرسلي يقول بعت منك اهـ. قوله: (يكتفي) أي من غير لزوم. قوله: (لغو) كما لو نهاه عن تسليم المبيع حتى يقبض الثمن فإنه يكون باطلًا كما تقدم، وكما لو وكله بالبيع بشرط أن لا يقبض الثمن فالنهي باطلًا أيضاً، ولو كتب الصك باسم الموكل لا يسقط حقه في قبض الثمن إلا أن يقرأ الموكل بقبضه ط. قوله: (والملك يثبت للموكل ابتداء) جواب عن سؤال مقدر تقديره: إذا كانت الحقوق في هذا الفصل راجعة إلى الوكيل ينبغي أن يعتق قريبه إذا اشتراه بالوكالة، لأن شراء القريب إعتاق. فأجاب عنه بقوله: والملك يثبت للموكل ابتداء: أي في ابتداء الأمر خلافة عنه بمعنى أن الوكيل أصل في حق العقد، لكن في حق الحكم يخلفه الموكل فيقع له من غير أن يكون أصلاً فيه كالعبد يتهب أو يصطاد، فكما أن المولى يثبت الملك له ابتداء فيما اتهبه عبده أو اصطاد خلاف عنه فکذا الموکل یثبت له الملك ابتداء فيما اشتراه و کیله خلافة عنه. قال الشمني: وهذه طريقة أبي طاهر الدباس. وقال في البحر أنه الأصح. وقال الكرخي: يثبت للوكيل ثم ينتقل للموكل. وقال القاضي أبو زيد: الوكيل نائب في حق الحكم أصيل في الحقوق فوافق الكرخي في الحقوق وأبا طاهر في الحكم وهو حسن. كذا ٣٩٣ كتاب الوكالة في الأصح (فلا يعتق قريب الوكيل بشرائه ولا يفسد نكاح زوجته به) ولكن (هما) ثابتان (على الموكل لو اشترى وكيله قريب موكله وزوجته) لأن الموجب للعتق والفساد الملك المستقر (وفي كل عقد لا بد من إضافته إلى موكله) يعني لا يستغني عن الإضافة إلى موکله حتى لو أضافه إلى نفسه لا يصح ابن كمال في البزازية. قوله: (في الأصح) قال الشمني: وعلى طريقة الكرخي لا يعتق أيضاً، لأنه یثبت للو کیل ملك غیر متقرر، وكذا لا يفسد نكاحه إذا اشترى زوجته بالوكالة فلا ثمر لهذا الاختلاف؛ لأن الموجب للملك والفساد الملك المستقر، ولهذا إذا اشترى الوكيل قريب موكله يعتق عليه، ويفسد نكاحه إذا اشترى زوجة موكله. قوله: (فلا يعتق قريب الوكيل بشرائه ولا يفسد نكاح زوجته به) في هذا التفريع نظر، فإن هذه الأحكام ثابتة على القولين كما أفاده في المنح، أما على الأصح فظاهر، وأما على قول الكرخي: فلما علل به الشارح من قوله لأن الموجب الخ، وإن كان ظاهره تعليلاً للقول الأصح لكنه لا يصح علة له. قوله: (لأن الموجب) قد علمت أن هذا لا يناسب كلام المصنف بل هو جار على القول الثاني من أنه يثبت للوكيل ابتداء ثم ينتقل إلى الموكل. قوله: (حتى لو أضاف لنفسه لا يصح) أي على الموكل فلا ينافي قوله الآتي حتى لو أضاف النكاح لنفسه وقع النكاح له کما ظن. وفي البزازية: الوكيل بالطلاق والعتاق إذا أخرج الكلام مخرج الرسالة، بأن قال: إن فلاناً أمرني أن أطلق أو أعتق ينفذ على الموكل لأن عهدتهما على الموكل على كل حال، ولو أخرج الكلام في النكاح والطلاق مخرج الوكالة بأن أضافه إلى نفسه صح إلا في النكاح. والفرق أن في الطلاق أضافه إلى الموكل معنى لأنه بناه على ملك الرقبة، وتلك للموكل في الطلاق والعتاق، فأما في النكاح فذمة الوكيل قابل للمهر، حتى لو كان بالنكاح من جانبها، وأخرج مخرج الوكالة لا يصير مخالفاً لإضافته إلى المرأة معنى، فكأنه قال: ملکتك بضع موکلتي ا هـ. قال العلامة أبو السعود: ليس المراد أن الطلاق والعتاق يقع بمجرد قوله إن فلاناً أمرني أن أطلق أو أعتق، بل لا بد من الإيقاع مضافاً إلى موكله فيما إذا خرج الكلام مخرج الرسالة أو إلى نفسه إذا خرج الكلام مخرج الوكالة على ما يأتي اهـ. قلت: وفي السابع والعشرين من التاتر خانية: ولو قال الوكيل طلقك الزوج لا يقع هو الصحيح اهـ. قال في البحر فعلى هذا معنى الإضافة إلى الموكل مختلف ففي وكيل: النكاح من قبل الزوج على وجه الشرط وفيما عداه على وجه الجواز فيجوز عدمه اهـ. وفي الأشباه: الوكيل بالإبراء إذا أبرأه ولم يضفه إلى موكله لم يصح. كذا في الخزانة اهـ. أقول: وظاهر ما في البحر أنه لا تلزمه الإضافة إلا في النكاح، وهو مخالف لكلام ٣٩٤ كتاب الوكالة غيره، قال في الدرر بعد قوله في المتن تتعلق بالموكل، وفسره أن الحكم فيها لا يقبل الفصل عن السبب، لأنها من قبيل الإسقاطات والوكيل أجنبي عن الحكم فلا بد من إضافة العقد إلى الموكل ليكون الحكم مقارناً للسبب. أما النكاح فلأن الأصل في البضع الحرمة، فكان النكاح إسقاطاً لها والساقط يتلاشى، فلا يتصور صدور السبب عن شخص على سبيل الأصالة، ووقوع الحكم لغيره فجعل سفيراً ليقارن الحكم السبب، حتى لو أضاف النكاح إلى نفسه وقع له، بخلاف البيع فإن حكمه يقبل الفصل عن السبب كما في البيع بخيار فجاز صدور السبب عن شخص أصالة ووقوع الحكم لغيره خلافة، وأما الخلع فلأنه إسقاط للنكاح والناكح المرء والمنكوحة المرأة والوكيل إما منه أو منها، وعلى التقديرين يكون سفيراً محضاً، فلا بد من الإضافة إلا الموكل. وأما الصلح عن إنكار فإنه أيضاً إسقاط لا يشوبه معاوضة فلا بد من الإضافة إلى الموكل، وكذا الصلح عن دم العمد فإنه إسقاط محض والوكيل أجنبي سفير فلا بد من الإضافة إلى الموكل، وكذا الحال في البواب. هذا ملخص ما ذكره القوم في هذ المقام انتهى. أقول: يمكن التوفيق بأن يكون معنى الإضافة اشتراط ذكر الموكل، وإن أسند الوكيل الفعل إلى نفسه، فإذا كان وكيلاً من جانب المرأة يقول للزوج خالع امرأتك على هذه الألف فخالع يتم بقبول الوكيل كما صرحوا به في الخلع، أما لو قال خالع فقط فلا. ولو كان وكيلاً من الجانبين فقال خلعت فلانة من زوجها على كذا جاز في الصحيح من أنه يكون وكيلاً من الجانبين في الخلع. وصرحوا أيضاً بأنه لو قال لغيره طلق امرأتي رجعية فبين فقال لها الوكيل طلقتك بائناً تقع رجعية، ولو وكله بالبائن فقال لها الوكيل أنت طالق تطليقة رجعية تقع واحد بائنة، وصرحوا بأنه يصح توكيل الصبي والمجنون، ويصير كأنه علق الطلاق على تلفظهما. وفي طلاق الفتاوي الهندية: الوكيل في الطلاق والرسول سواء. كذا في التاتر خانية: الرسالة أن يبعث الزوج طلاق امرأته الغائبة على يد إنسان، فيذهب الرسول إليها ويبلغها الرسالة على وجهها فيقع عليها الطلاق. كذا في البدائع. فقد ثبت بهذا أن قول الوكيل خلعت وطلقت يكفي، ثم الذي يظهر من كلامهم أن المراد هنا بالوكيل الوكيل من جهة من يثبت له الملك بقرينة التعليل بأن الحكم فيها لا يقبل عن السبب. ففي النكاح يقول وكيل الزوج زوّج بنتك لفلان، فيضيفه إلى الموكل، ولو قال زوجني وقع له لا للموكل، وأما وكيل الزوجة فيقول زوجت فيصح. وفي الطلاق يقول وكيل الزوج طلقت فلانة، وفي الخلع يقول وكيل الزوج خالعتها على ألف، وأما وكيل المرأة فيقول قبلت بدون إضافة إليها، وكذا في العتق على مال والكتابة. ولو كان الطلب من جهة وكيل المرأة أو العبد يقول طلق فلانة بألف أو اخلعها بألف على ألف أو أعتق ٣٩٥ كتاب الوكالة (کنکاح وخلع عبدك بكذا أو كاتبه على كذا فيقول وكيل الزوج أو السيد فعلت فيكتفي بالإضافة من أحد الجانبين، لأن الملك من كل منهما فإن المرأة تملك نفسها وكذا العبد، كما أن الزوج أو السيد يملك العوض. وفي الصلح عن إنكار أو دم عمد يقول الوكيل صالح فلاناً عن دعواك عليه على هذا المال أو الدم فيقبل المدعي، ولو قال الوكيل في هذه المواضع أعتقني أو طلقني أو كاتبني أو صالحني لم يصح، بخلاف بعني وأجرني فإنه يصح إضافتها إلى نفسه كما مر. وكذ بقية الصور الآتية يقول الوكيل من جهة طالب التملك هب فلاناً أو تصدق عليه أو أعره أو أودعه أو ارهن عنده كذا أو أقرضه كذا. ولو قال هبني أو تصدق عليّ أو أعرني الخ يقع له لا للموكل. وأما الوكيل من الجانب الآخر كما إذا دفع لرجل مالاً ووكله بأن يهبه لفلان مثلاً فإنه يقول وهبتك أو تصدقت عليك أو أعرتك أو أودعتك الخ من غير أن يقول وهبتك هذه الألف التي لفلان الموكل. ثم اعلم أن هذه المذكورات یفترق بعضها عن بعض، من حیث إن ما کان منها إسقاطاً يضيفه الوكيل إلى نفسه مع التصريح بالموكل، فيقول زوجتك فلانة وصالحتك عما تدعيه على فلان من المال أو الدم، أما ما كان منها تمليكاً لعين أو منفعة أو حفظ فلا يضيفه إلى نفسه بل إلى الموكل فقط، كقوله لفلان كذا أو أودعه كذا أو أقرضه كذا فلا بد في هذا من إخراج كلامه مخرج الرسالة، فلا يصح أن يقول هبني كذا كما مر ولا هبني لفلان وأودعني لفلان، وعلى هذا فقولهم التوكيل بالاستقرض باطل، معناه: أنه في الحقيقة رسالة لا وكالة، فلو أخرج الكلام مخرج الوكالة لم يصح، بل لا بد من إخراجه مخرج الرسالة كما قلنا. وبه علم أن ذلك غير خاص بالاستقراض، بل كل ما كان تمليكاً إذا كان الوكيل من جهة طالب التملك لا من جهة المملك، فإن التوكيل بالإقراض والإعارة صحيح لا بالاستقراض والاستعارة، بل هو رسالة. هذا ما ظهر لي فتأمله. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى آمين. قوله: (كنكاح) فلو لم يضف النكاح إلى الموكل، وأضافه إلى نفسه وقع له. قال في البحر معزياً للبزازية: الوكيل بالطلاق والعتاق إذا أخرج الكلام مخرج الرسالة بأن قال إن فلاناً أمرني أن أطلق أو أعتق ينفذ على الموكل، لأن عهدتهما على الموكل على كل حال، ولو أخرج الوكيل الكلام في النكاح والطلاق مخرج الوكالة بأن أضاف إلى نفسه صح إلا في النكاح. والفرق أن في الطلاق أضافه إلى الموكل معنى لأنه بناه على ملك المتعة والرقبة وهو للموكل، وأما في النكاح فذمة الوكيل قابل للمهر، حتى لو كان وكيلاً بالنكاح من جانبها وأخرج الكلام مخرج الوكالة لا يصير مخالفاً لإضافته إلى المرأة معنى، لأن صحة النكاح بملك البضع وهو لها فكأنه قال ملكتك بضع موكلتي. وفي الجوهرة: إذا قال أبو الصغير زوجتها من ابنك فقال الأب قبلت ولم يقل لابني جاز النكاح للابن، لأن الإيجاب له ٣٩٦ كتاب الوكالة وصلح عن دم عمد أو عن إنكار وعتق عن مال وكتابة وهبة وتصدق وإعارة وإيداع ورهن وإقراض) وشركة ومضاربة. عيني (تتعلق بموكله) لا به لكونه فيها سفيراً والقبول يتقيد به فصار كقوله قبلت لابني ولو قال زوجت ابنتي ولم يزد وقع للأب هو الصحيح. وينبغي للوكيل بالنكاح أن يقول قبلت لأجل فلان. واعلم أن ما في البزازية من أنه لو أضاف الطلاق إلى نفسه يصح. حكاه في جامع الفتاوي بقيل حيث قال: ولو قال أنت مني طالق أو أنت طالق مني لم يقع، وقيل يقع، وقوله مني لغو. قال: واستفيد الوقوع بأنت طالق من غير إضافة بالاتفاق انتهى. قوله: (وصلح عن دم عمد أو عن إنكار) ومثله عن السكوت: يعني أن زيداً إذا ادعى داراً على عمرو فوكل عمرو وكيلاً على أن يصالح على المائة فيقول زيد صالحت عن دعوى الدار على عمرو بالمائة ويقبل الوكيل فيتم الصلح، ولا فرق بين أن يكون الصلح عن إنكار أم عن إقرار كما في صدر الشريعة. ورد عليه ابن كمال بقوله: هذا الصلح لا تصح إضافته إلى الوكيل، بخلاف الصلح عن إقرار فإنه تصح إضافته إلى كل منهما، وقد عرفت اختلاف الإضافة في الموضعين فافترق الصلحان في الإضافة. قال العلامة أبو السعود: قال الشيخ باكير: في التقييد بكون الصلح عن إنكار نظر، فإنه لا فرق في الصلح بين أن يكون عن إنكار أو عن إقرار في الإضافة، فإن زيداً إذا ادعى على عمرو فوكل عمرو وكيلاً على أن يصالح على مائة فإذا قال زيد صالحت عن دعوى الدار على عمرو بالمائة وقبل الوكيل هذا الصلح يتم الصلح، سواء كان عن إقرار أو إنكار، إلا أنه إذا كان عن إقرار يكون كالبيع فترجع الحقوق إلى الوكيل كما في البيع فتسليم بدل الصلح على الوكيل، وإذا كان عن إنكار فهو فداء يمين في حق المدعى عليه، فالوكيل سفير محض فلا ترجع إليه الحقوق. حموي. قلت: هذا الذي ذكره الشيخ باكير هو عبارة صدر الشريعة، وما اعترضه في الدرر رده عزمي زاده ا هـ. قوله: (وهبة وتصدق) قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: انظر ما حقوق الهبة والصدقة المتعلقة بالموكل ١ هـ. أقول: لعلها عند استحقاق عين الهبة والصدقة والرجوع فيهما وليحرر. قوله: (وشركة ومضاربة) يزاد الإبراء لأنه لا بد من إضافته إلى موكله، فلو لم يضف إليه لم يصح كما ذكرنا. قوله: (تتعلق بموكله لا به) قال في الدرر: والسرّ فيه أن الحكم فيها لا يقبل الفصل عن سبب، لأنها من قبيل الإسقاطات، والوكيل أجنبي عن الحكم فلا بد من إضافة العقد إلى الموكل ليكون الحكم مقارناً للسبب إلى آخر ما قدمناه. وفي البزازية؛ وقبض المهر لها لا للوكيل. قوله: (لكونه فيها سفيراً محضاً) فإنه يضيفها إلى موكله فإنه يقول خالعك موكلي بكذ وكذا في أمثاله. ابن ملك. قال منلا على السفير حاك قول غيره. ومن حكى قول غيره لا يلزمه حكم ذلك القول هـ. والسفير: الرسول والمصلح ٣٩٧ كتاب الوكالة محضاً، حتى لو أضافه لنفسه وقع النكاح له فكان كالرسول (فلا مطالبة عليه) في النكاح (بمهر وتسليم) للزوجة (وللمشتري الإباء عن دفع الثمن للموكل وإن دفع له صح ولو مع نهي الوكيل) استحساناً (ولا يطالبه الوكيل ثانياً) لعدم الفائدة. نعم تقع المقاصة بدين الوكيل لو وحده بين القوم. صحاح: أي يظهر عن موكله عبارته، فالعاقد هو الموكل بهذه العقود لا الوكيل، ولذا لا يستغني عن الإضافة إلى موكله ولذا غياه بقوله حتى لو أضافه لنفسه وقع النكاح له، فالغايتان في الحقيقة لشيء واحد، فقوله فيما تقدم ((حتى لو أضافه لنفسه)) لا يصح عند إمكان إنصراف العقد إليه، وقوله هنا: حتى لو أضافه الخ عند الإمكان إذ يصح انصراف النكاح إليه. قوله: (فكان كالرسول) أي في كونه سفيراً محضاً في نوعي العقود حتى لا بد أن يقول أرسلني إليك فلان بكذا فيضيفه إلى مرسله بلفظها فترجع الحقوق إلى مرسله لا إليه في النوعين. قال في البحر: وشرطه الإضافة إلى مرسله بأن يقول إن مرسلي يقول بعت منك ونحوه اهـ. وقال في المنح: وهذا لأن الحكم فيها لا يقبل الفصل عن السبب لأنه إسقاط فيتلاشى، فلا يتصوّر صدوره من شخص وثبوت حكمه لغيره فكان سفيراً اهـ. قوله: (فلا مطالبة عليه في النكاح بمهر) أي إذا كان وكيل الزوج. قوله: (وتسليم للزوجة) أي إذا كان وكيلها ولا يلي قبض مهرها، كما أن الوكيل بالخلع لا يلي قبض البدل ويصح ضمانه مهرها، وتخير المرأة بين مطالبته أو الزوج، فإذا أخذت من الوكيل لا ترجع على الزوج، ولو ضمن وكيل الخلع البدل صح، وإن لم تأمره المرأة بالضمان ولذا يرجع قبل الأداء اهـ. بحر. قوله: (وللمشتري الإباء عن دفع الثمن للموكل) لكونه أجنبياً عن الحقوق لرجوعها إلى الوكيل أصالة. وقدمنا أحكام قبض الثمن وأنه لا فرق بين حضرة الوكيل الموكل وغيبته وإن وصى الوكيل ترجع الحقوق إليه بعد موته لا إلى الموكل، فلو وكل الوكيل الموكل بقبض الثمن فله ذلك ولايقدر على المنع. أفاده عزمي زاده. ولو دفع الموكل بالشراء الثمن إلى الوكيل فاستهلكه وهو معسر كان للبائع حبس المبيع، ولا مطالبة له على الموكل فإن لم ينقد الموكل الثمن إلى البائع باع القاضي الجارية بالثمن إذا رضيا وإلا فلا اهـ. خزانة المفتين. قوله: (وإن دفع له صح) لأن الثمن المقبوض حق الموكل وقد وصل إليه، ولا فائدة في الأخذ منه ثم الدفع إليه. قوله: (لعدم الفائدة) لأن المقبوض حقه وبرئت ذمة المشتري لوصول الثمن إلى مستحقه. عيني. قوله: (نعم تقع المقاصة بدين الوكيل لو وحده) أي لو كان وكيل البيع وحده مديوناً للمشتري وقع الثمن مقاصة بما عليه من الدين، ويضمن الوكيل للموكل لأنه قضى دينه بمال الموكل، وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: لا تقع المقاصة بدين الوكيل، وهو مبني على جواز إبراء الوكيل بالبيع من الثمن فعندهما يجوز إبراؤه فتقع المقاصة، ٣٩٨ كتاب الوكالة ويضمنه لموكله، بخلاف وكيل يتيم وصرف. عيني (ومثله) أي مثل الوكيل عبد (مأذون لا دین علیه مع مولاه) فلا يملك قبض ديونه ولو قبض صح استحساناً ما لم يكن عليه دين لأنه للغرماء. بزازية. فرع: التوكيل بالاستقراض باطل لا الرسالة. درر. وعنده لا يجوز فلا تقع، ووجه البناء أن المقاصة إبراء بعوض، فيعتبر بالإبراء بغير عوض، ولو كان للمشتري دين على الموكل تقع المقاصة بمجرد العقد، ولو كان له عليهما دين تقع المقاصة بدين الموكل دون دين الوكيل. ذكره في البحر تبعاً للشمني. وبه يعلم قول الشارح ((لو وحده)) فتنبه ومثل المقاصة في جانب الوكيل يقال فيما إذا باعه من دائنه بدينه فإنه يصح وبرىء وضمن الوكيل للموكل كما في الذخيرة. قوله: (ويضمنه) أي الوكيل لموكله لأنه قضى دينه بمال الموكل، وإن هلك المبيع في يده قبل تسليمه بطلت المقاصة، ولا ضمان للموكل على الوكيل؛ لأنه بالهلاك انفسخ البيع من أصله، ولو أبرأ الوكيل والموكل المشتري عن الثمن معاً برىء بإبراء الموكل. قوله: (بخلاف وكيل يتيم) الجار متعلق بقول المتن ((فإن دفع له صح)) والمراد بوكيل اليتيم وصيه كما في العيني: يعني لو دفع المشتري من الوصي الثمن لليتيم لا يصح، لأنه لا يخرج عن العهدة، بل يجب عليه الدفع للوصي ثانياً لأن اليتيم ليس له قبض ماله فكان الدفع إليه تضييعاً فلا يعتد به. أبو السعود. قوله: (وصرف) أي وكيل صرف: يعني أن الوكيل بالصرف إذا صارف وقبض الموكل بدل الصرف يبطل الصرف لافتراق أحد العاقدين من غير قبض، لأن التقابض فيه بمنزلة الإيجاب والقبول، وهما يتعلقان بالمتعاقدين، فكذا القبض فيه. ذكره الشمني. قوله: (مع مولاه) متعلق بقوله مأذون. قوله: (فلا يملك) أي المولى قبض ديونه لأنه أعلى منزلة من الوكيل لأنه يتصرف لنفسه والوكيل لغيره. قوله: (ما لم يكن عليه دين) إلا قعد في التعبیر، أما إذا كان علیه دین الخ، ويكون محترز قول المصنف ((لا دين عليه)) ط. قوله: (لأنه للغرماء) أي لأن الحق فيما بيده والأولى التصريح به. قوله: (التوكيل بالاستقراض باطل) وعليه الفتوى. قهستاني عن الخزانة. حتى لو وكل به فاستقرض كان له لا للموكل، لأن البدل فيه لا يجب ديناً في ذمة المستقرض بالعقد بل بالقبض، والأمر بالقبض لا يصح لأنه ملك الغير، بخلاف البيع فإن حكمه يثبت بالعقد فيقوم غيره مقامه فيه. والمذكور في الذخيرة ونحوه في الخانية أن المأمور بالاستقراض إن تصرف في عبارة نفسه بأن قال للمقرض أقرضني عشرة دراهم كان الاستقراض لنفسه لا للآمر، فله أن يمنع العشر منه، وإن تصرف في عبارة الآمر بأن قال مثلًا إن فلاناً استقرض منك عشرة دراهم فقبل القرض كانت العشرة للآمر لكن المأمور في هذه الصور رسول لا وكيل والباطل الوكالة في الاستقراض دون الرسالة ط. وقدمنا الكلام عليه مستوفي فلا تغفل. قوله: (لا الرسالة) أي فإنها غير باطلة لانتفاء تفويض التصرف ٣٩٩ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء والتوكيل بقبض القرض صحيح، فتنبه. بَابُ اَلَوِ كَالَةٍ بِالْتَنْعِ وَالْشِّرَاءِ الأصل أنها إن عمت أو علمت فيها، لأن الرسول سفير محض، وقد مر أن التوكيل بالإقراض صحيح لأنه تفويض التصرف في ملكه. قوله: (والتوكيل بقبض القرض صحيح) بأن يقول لرجل أقرضني ثم يوكل رجلاً بقبضه اهـ. وفي هذه الصور منافاة لقوله في العبارة التي قبل هذه والأمر بالقبض لا يصح لأنه ملك الغير ط. وارجع إلى ما قدمناه. فرع: التوكيل بالإقرر صحيح، ولا يكون التوكيل به قبل الإقرار إقراراً من الموكل. وعن الطواويسي: معناه أن يوكل بالخصومة ويقول خاصم، فإذا رأيت لحوق مؤنّة أو خوف عار علي فأقر بالمدعي يصح إقراره على الموكل. كذا في البزازية. وللشافعية فيها قولان، أصحهما لا يصح. وقدم الشيخ: يعني صاحب البحر في كتاب الشركة في الكلام على الشركة الفاسدة أنه لا يصح التوكيل في أخذ المباح، وأنه باطل. رملي على البحر. والفرع سيأتي متناً في باب الوكالة بالخصومة، والله تعالى أعلم وأستغفر الله العظيم. بَابُ الوِكَالَةِ بِالبَنْعِ وَالشّرَاءِ أفردهما بباب على حدة وقدمهما على سائر الأبواب لكثرة أحكامهما وكثرة الاحتياج إليهما وقدم بحث الشراء لأنه ينبىء عن إثبات الحق والبيع ينبىء عن إزالته والإزالة بعد الإثبات. واعلم: أن الوكيل بالشراء إذا اشترى نسيئة فحل بموته لا يحل على الآمر كما في منية المفتي. قوله: (الأصل أنها إن عمت) بأن يقول ابتع ما رأيت جازت الوكالة، لأنه فوّض الأمر إلى رأيه، فأي شيء اشتراه له یکون ممتثلاً به. درر. وفي البحر عن البزازية: ولو وله بشراء: أي ثوب شاء صح، ولو قال اشتر لي الأثواب لم يذكره محمد رحمه الله تعالى. قيل يجوز، وقيل لا. ولو أثواباً لا يجوز، ولو ثياباً أو الدواب أو الثياب أو دواب يجوز وإن لم يقدر الثمن اهـ. وفي حاشية الدر للمولى عبد الحليم: وفرقوا بين ثياباً وأثواباً فقالوا: الأول للجنس، لا كان الفرق نشأ من عرفهم. كذا في الكافي والخلاصة. والتحقيق فيه أنه ذكر الثياب ونحوها من ألفاظ العموم يصح التفويض إلى الوكيل، بخلاف ثوب أو أثواب لا يظهر العموم فيها فيصير شائعاً في جنسه متفاحش الجهالة فلا يصح كما في المقدسي اهـ. قوله: (أو علمت) أي بالشخص كأن قال هذا الشيء المعين أو بالنوع المحض وأراد به ما تقاربت آحاده، وهو الذي عناه بقوله أو جهلت جهالة يسيرة الخ. ٤٠٠ كتاب الوكالة / باب الوكالة بالبيع والشراء أو جهلت جهالة يسيرة وهي جهالة النوع المحض كفرس صحت، وإن فاحشة وهي جهالة الجنس كدابة بطلت، مَطْلَبُ: الجَهَالَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعِ قوله: (أو جهلت جهالة يسيرة) قال في الكفاية: الأصل أن الجهالة ثلاثة أنواع: فاحشة: وهي جهالة الجنس كالتوكيل بشراء الثوب والدابة والرقيق، وهي تمنع صحة الوكالة وإن بين الثمن. ويسيرة: وهي جهالة النوع كالتوكيل بشراء الحمار والبغل والفرس والثوب الهروي والمروي فإنها لا تمنع صحة الوكالة، وإن لم يبين الثمن. ومتوسطة: وهي بين الجنس والنوع كالتوكيل بشراء عبد وشراء أمة أو دار، فإن بين الثمن أو النوع تصح، وتلحق بجهالة الجنس لأنه يمنع الامتثال. قوله: (وهي جهالة النوع المحض كفرس صحت) احتراز بالمحض عما تردد بين الجنس والنوع كالعبد والدار ففيه التفصيل المتقدم والآتي. قوله: (وإن فاحشة وهي جهالة الجنس كدابة بطلت) أي وإن بين الثمن والجنس عند الفقهاء، وهو المقول على كثيرين مختلفين في الأحكام، ولا شك أن الدابة في اللغة ما يدبّ على الأرض، ويشمل المكلف والطاهر ونجس الغبن نجس السؤر، وما فيه الزكاة وما يحل بيعه إلى غير ذلك. وفي العرف: ذوات الأربع، وهو قريب منه، فإذا جرى العرف على غير ذلك اتبع، لأن المتكلم يقصد المتعارف عنده، فالمدني إذا قال وكلتك بشراء دابة لا يقصد منها إلا الحمار، فهو كما لو سماه وفي بعض الجهات يريدون بالحيوان الحمار، ولا يعرفون لحيوان معنى سواه. وفي دمشق يباع ثياب معلومة من القطن في سوق معين بعد صلاة العصر، فلو وكل أحداً ممن يتعاطاها أن يشتري له ثوباً لم ينصرف إلا لها، وعلى هذا يقاس قوله: ((وإن متوسطة)) وهي جهالة النوع الغير المحض وهو ما تفاوتت أفراده تفاوتاً فاحشاً كعبد، ولذا لا يجري فيه الجبر على القسمة . قال في النهاية: وحاصل هذا أن الجهالة لا تخلو ما إن كانت في المعقود عليه وهو المبيع والمشترى، أو في المعقود به وهو الثمن، فالجهالة بالمعقود عليه لا تخلو من ثلاثة أوجه: جهالة فاحشة: وهي ما كانت في الجنس مثل التوكيل بشراء الثوب والدابة والرقيق، فلا يصح سواء سمي الثمن أو لم يسم، لأن اسم الرقيق يتناول الذكر والأنثى، وهما من بني آدم جنسان مختلفان، حتى لو اشترى شخصاً على أنه غلام فإذا هو جارية كان البيع باطلًا، وكذلك اسم الدابة يقع على ما يدب على وجه الأرض، دليله قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وجهالة يسيرة: وهي ما كنت في النوع المحض كالتوكيل بشراء شاة أو بقر أو فرس أو ثوب هروي أو جارية تركية أو هندية وهو صحيح بين الثمن أو لم يبين. وجهالة متوسطة بين منزلة الجنس والنوع،