Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة لتعذر المماثلة بين البضع والمال (بخلاف ما لو شهدا عليها بقبض المهر أو بعضه قال في الفتح: وما في الهداية وشروحها هو المعروف ولم ينقلوا سواه، وهو المذكور في الأصول كالمبسوط وشرح الطحاوى والذخيرة وغيرها، وإنما نّقلوا فيها خلاف الشافعي، فلو كان لهم شعور بالخلاف في المذهب لم يعرضوا عنه بالكلية، ولم يشتغلوا بنقل خلاف الشافعي اهـ. قال الرملي: وفي المصفى: لو أثبتوا نكاحها فأوكسوا لم يضمنوا إن رجعوا ما بخسوا. وصورته: ادعى نكاح امرأة على مائة وقالت تزوجني على ألف ومهر مثلها ألف وأقام شاهدين على مائة وقضى بها ثم رجعا بعد الدخول بها لا يضمنان شيئاً لها. وقالا: يضمنان لها تسعمائة، على أن عندهما القول قولها إلى تمام مهر مثلها، فكان يقضي لها بألف لولا شهادتهما فما أتلفا عليها تسعمائة، وعنده القول قول الزوج، فلم يتلفا عليها شيئاً اهـ. ومثله في الحقائق شرح المنظومة. قال في التاترخانية: شهدا على امرأة أن فلاناً تزوجها على ألف درهم، وقبضت ذلك وهي تنكر ومهر مثلها خمسمائة فقضى القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما ضمنا مهر المثل دون المسمى، ولو وقعت الشهادة بالعقد بالألف أولًا فقضى القاضي به ثم شهدا بقبض الألف وقضى القاضي به ثم رجعا عن الشهادتين ضمنا للمرأة المسمى. قوله: (لتعذر المماثلة بين البضع والمال) قال في الفتح: وذكروا وجهه بأن البضع متقوم لثبوت تقوّمه حال الدخول، فكذا في غيره، لأنه في حال الخروج عين ذلك الذي ثبت تقومه. وأجابوا بحاصل توجيه المصنف بأن تقومه حال الدخول ليس إلا لإظهار خطره حيث كان منه النسل المطلوب في الدنيا والآخرة وغير ذلك من النفع، كما شرطت الشهادة على العقد عليه دون سائر العقود لذلك، لا لاعتباره متقوماً في نفسه كالأعيان المالية لأنه لا يرد الملك على رقبته والمنافع لا تتقوم، فلا يضمن لأن التضمين يستدعي المماثلة بالنص، والمماثلة بين الأعيان التي تحرز وتتمول والأعراض التي تتصور ولا تبقى. وفرّع في النهاية على الأصل المذكور خلافته، هي ما إذا شهدوا بالطلاق الثلاث ثم رجعوا بعد القضاء بالفرقة لم يضمنوا عندنا، وكذا إذا قتل رجل امرأة رجل لا يضمن القاتل لزوجها شيئاً، وكذا إذا ارتدت المرأة لا شيء عليها لزوجها، وعنده: عليها وعلى القاتل للزوج مهر المثل، وأورد على قولنا نقضاً أنهم أوجبوا الضمان بإتلاف منافع البضع حقيقة فيما إذا أكره مجنون امرأة فزنى بها يجب في ماله مهر المثل، فكذا في الإتلاف الحكمي. وأجاب نقلاً من الذخيرة بأنه في الإتلاف الحقيقي بالشرع على خلاف القياس والحكمي دونه، فلا يكون الوارد فيه وارداً في الحكمي، ونظيره ما في شرح الطحاوي: لو ٣٤٢ كتاب الشهادات / بات الرجوع عن الشهادة ثم رجعا) ضمنا لها لإتلافهما المهر (وضمنا في البيع والشراء ما نقص عن قيمة المبيع لو الشهادة على البائع) (أو زاد) لو الشهادة على المشتري ادعى أنه استأجر الدار من هذا شهراً بعشرة وأجرة مثلها مائة والمؤجر ينكر فشهدا بذلك ثم رجعا لا ضمان عليهما؛ لأنه أتلف المنفعة ومتلف المنفعة لا ضمان عليه اهـ. قوله: (ثم رجعا) أي بعد القضاء ضمنا لها لأنهما أتلفا عليها مالاً وهو المهر قليلاً كان أو كثيراً دون البضع. منح. قوله: (وضمنا في البيع والشراء ما نقص عن قيمة المبيع) أما لو شهدا بمثل القیمة أو أكثر فلا ضمان، لأنه إتلاف بعوض، وإن شهدا به بأقل من قیمته ضمنا النقصان؛ لأنه بغير عوض أطلقه، فشمل ما إذا شهدا به باتا أو بخيار شرط للبائع ومضت المدة لإسناد الحكم عند سقوطه إلى السبب السابق وهو البيع، بدليل استحقاق المشتري الزوائد، وأما إذا رد البائع البيع فلا إتلاف، أو أجازه اختياراً بقول أو فعل فللرضا به قيد الشهادة بالبيع: أي فقط، لأنهما لو شهدا به مع قبض الثمن فإن شهدا بهما متفرقين، ثم رجعا عن شهادتهما فإنهما يضمنان الثمن، لأن الثمن تقرر في ذمة المشتري بالقضاء ثم أتلفاه عليه بشهادتهما بالقبض فيضمنانه، وإن كان الثمن أقل من قيمة المبيع يضمنان الزيادة أيضاً مع ذلك لأنهما أتلفا عليه هذا المقدار بشهادتهما الأولى. فإن قلت: حيث ضمنا الزيادة أيضاً فما الفرق بين هذه وبين الثانية فإنه يؤول إلى تضمين القيمة. قلت: يظهر فيما إذا كان الثمن أكثر من القيمة فيضمنه هنا، وفي الثانية: لا يضمن إلا بالقيمة. تأمل. وإن شهدا عليه بالبيع وقبض الثمن جملة واحدة وجبت القيمة عليهما لأن القاضي يقضي بالبيع لا بوجوب الثمن، لأن القضاء بالثمن يقارنه ما يوجب سقوطه: أي الثمن وهو القضاء بالقبض، والقضاء بالشيء إذا اقترن به ما يوجب بطلانه لا يقضي به كما لو شهدا بالبيع والإقالة معاً فلا ضمن كما يأتي توضيحه قريباً. قوله: (لو الشهادة على البائع) بأن ادعى المشتري بأن يقول اشتريت هذا العبد من هذا الرجل بألف، وهو يساوي ألفين فأنكر المدعى عليه فشهد شاهدان ثم رجعا يضمنان للبائع ألفاً لأنهما أتلفاه عليه. درر. قوله: (أو زاد لو الشهادة على المشتري) بأن يقول البائع أن المشتري اشترى مني هذا العبد بألفين وعليه الثمن وأنكر المشتري فشهد شاهدان أنه اشترى العبد بألفين وهو يساوي ألفاً ثم رجعا يضمنان للمشتري ألفاً لأنهما أتلفاه عليه. درر. وباقي تفصيل هاتين المسألتين في المبسوط والكافي، ولا حاجة لإيراد هذه المسألة وإن لم تدخل في الأول لأنها داخلة في مسألة الدين، لما أن مقصود البائع من دعوى البيع توطئته إلى دعوى الثمن، وهو الدين وهو مطلوبه لا نفس المبيع، بخلاف ما إذا كانت الدعوى من جانب المشتري، فإن مطلوبه عين المبيع أصالة دون الثمن، فتكون شهادتهما ٣٤٣ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة للإتلاف بلا عوض، ولو شهدا بالبيع وبنقد الثمن فلو في شهادة واحدة ضمنا القيمة، ولو في شهادتين ضمنا الثمن. عيني (ولو شهدا على البائع بالبيع بألفين إلى متعلقة بالبيع قصد إلا بالدين، فظهر أن تدقيق صدر الشريعة وإن تبعه المصنف وصاحب الدرر دقيق لمن لم يتأمل. نص عليه صاحب المفاتيح وقدمناه قريباً فلا تغفل. قال في البحر: وشمل قوله: أو زاد ما إذا كان المشهود عليه المشتري، فلا ضمان لو شهدا بشرائه بمثل القيمة أو أقل، وإن كان بأكثر ضمناً ما زاد عليها، ولو كان بخيار له وجاز البيع بمضي المدة، وأما إذا فسخه، وأجازه اختياراً فلا كما في البدائع. وفي خزانة المفتين: وإن شهدا على البائع بالبيع بألفين إلى سنة وقيمته ألف: فإن شاء ضمن الشهود قيمته حالً، وإن شاء أخذ المشتري بالثمن إلى سنة وأياماً اختار برىء الآخر، وإن اختار الشهود رجعوا بالثمن على المشتري ويتصدقون بالفضل، فإن رد المشتري المبيع بعيب بالرضا أو تقابلا رجع على البائع بالثمن ولا شيء على الشهود، وإن رد بقضاء فالضمان على الشهود بحاله، وإن أديا رجعا بما أديا انتهى. وفي منية المفتين: شهدا بالبيع بخمسمائة وقضى القاضي ثم شهدا أن البائع أخر الثمن ثم رجعا عن الشهادتين جميعاً ضمنا الثمن خمسمائة عند الإمام، كما لو شهدا بأجل دين، ثم رجعا ضمنا انتهى. قوله: (للإتلاف بلا عوض) علة للمسألتين. قوله: (ولو شهدا بالبيع وبنقد الثمن) قدمنا قريباً الكلام على الشهادة على البيع مع قبض متفرقاً أو جملة فلا تنسه، ولا يظهر تفاوت بين المسألتين في الحكم بالضمان، لأنه فيهما يضمن القيمة لأنه في الأولى إن كان الثمن مثل القيمة فيها، وإن كان أقل منها يضمنان الزيادة أيضاً. وقد يقال: إن الفرق ظاهر فيما إذا كان الثمن أكثر من القيمة في الصورة الأولى فإنهما يضمنانه، فلغا قولنا لأنه فيهما يضمن القيمة. تأمل. قوله: (ضمنا القيمة) لأن المقضي به البيع دون الثمن؛ لأنه لا يمكن القضاء بإيجاب الثمن لاقترانه بما يوجب سقوطه وهو القضاء بالإيفاء، ولذا قلنا: لو شهدا أنه باع من هذا عبده وأقاله بشهادة واحدة لا يقضي بالبيع لمقارنة ما يوجب انفساخه وهو القضاء بالإقالة. فتح. قوله: (ولو في شهادتين) أي شهدا بالبيع وبثمن معلوم ثم طلب البائع الثمن ثم شهدا عليه بأنه قبض الثمن ثم رجعا يضمنان الثمن صرفاً للرجوع إلى الأخير كما ظهر لي. سائحاني. قوله: (ضمنا الثمن) لأن القضاء بالثمن لا يقارنه ما يسقطه، لأنهما لم يشهدا بالإيفاء بل شهدا به بعد ذلك، وإذا صار الثمن مقضياً به ضمناه برجوعهما. فتح. وهذا إذا كان بمثل القيمة أو أزيد والمدعي هو المشتري، فلو أنقص يضمنان ما نقص أيضاً لأنهما أتلفا عليه هذا القدر بشهادتهما الأولى، فإن كان المدعي هو البائع ضمنا الزيادة كما يفهم من الرمز والتبيين. قوله: (عيني) عبارته: وإن شهدا بنقد الثمن مع شهادتهما بالبيع ينظر: فإن شهدا بالبيع بألف مثلاً ٣٤٤ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة سنة وقيمته ألف: فإن شاء ضمن الشهود قيمته حالاً، وإن شاء أخذ المشتري إلى سنة وأيا ما اختار برىء الآخر) وتمامه في خزانة المفتين، وفي الطلاق قبل وطء وخلوة: ضمنا نصف المال المسمى (أو المتعة) إن لم يسم. فقضى به القاضي ثم شهدا عليه بعد القضاء بقبض الثمن فقضى به ثم رجعا عن الشهادتين ضمنا الثمن، وإن كان أقل من قيمة المبيع يضمنان الزيادة أيضاً مع ذلك، وإن شهدا عليه بالبيع وقبض الثمن جملة واحدة فقضى به ثم رجعا عن شهادتهما يجب عليهما القيمة فقط اهـ. قوله: (فإن شاء ضمن الشهود قيمته حالًا) وهي ألف ويرجعون بألفين على المشتري ويتصدقون بالفضل ط. قوله: (وإن شاء أخذ المشتري) أي بألفين. قوله: (برىء الآخر) أي من مؤاخذته فقط، وإلا فالشهود يرجعون على المشتري بالثمن إذا ضمنوا القيمة حالاً. قوله: (وتمامه في خزانة المفتين) عبارتها كما في المنح: فإن اختار الشهود رجعوا بالثمن على المشتري ويتصدون بالفضل، فإن رد المشتري المبيع بعيب بالرضا أو تقايلا رجع على البائع بالثمن ولا شيء على الشهود، وإن رد بقضاء فالضمان على الشهود بحاله، وإن أديا رجعا بما أديا ا هـ: أي إن كان بعد مضيّ الأجل ودفع الثمن، ويسقط عنه الثمن إن كان قبل ذلك، ولا شيء على الشهود لوصول المال إلى مالكه، مع أنه في هذه الصورة بيع جدید في حق ثالث، والشهود ثالث فهما أجنبیان عن هذه المقابلة، وإنما شهادتهما في أصل البيع، وإن رد بقضاء فالضمان على الشهود لأنه حينئذ فسخ في حق الكل، ولكن ينظر ما الذي يضمنانه بعد أن وصل المبيع إلى المشهود عليه. قوله: (وفي الطلاق قبل وطء وخلوة) أي إن شهدا على رجل أنه طلق امرأته قبل الوطء والحلوة. قوله: (ضمنا نصف المال المسمى أو المتعة إن لم يسم) لأنهما قد يفترقان قبل الدخول بنحو مطاوعتها لابن الزوج أو ارتدادها، وذلك بمنزلة الفسخ فيوجب سقوط المهر أصلاً فقررا عليه ما كان على شرف السقوط، ولأن الفرقة قبل الدخول في معنى الفسخ فتوجب سقوط جميع المهر كما مر في النكاح، ثم يجب نصف المهر ابتداء بطريق المتعة فكان واجباً بشهادتهما. كذا في الهداية. قال في البحر: والتعليل الأول للمتقدمين والثاني للمتأخرين. وقالوا: لا نسلم التأكيد بشهادتهم بل وجب متأكداً بالعقد، ولم يبق بعده إلا الوطء الذي بمنزلة القبض، وهذا العقد لا يتعلق تمامه بالقبض. ولئن سلمنا التأكيد فلا نسلم أن التأكيد الواجب سبب للضمان، فإن الشهود لو شهدوا على الواهب بأخذ العوض حتى قضى القاضي بإبطال حق الرجوع ثم رجعا وقد هلكت الهبة لم يضمنوا للواهب شيئاً. كذا في الأسرار. فلما كان قول المتأخرين أقرب إلى التحقيق اختاره فخر الإسلام. كذا في التقرير شرح أصول فخر الإسلام. ٣٤٥ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة (ولو شهدا أنه طلقها ثلاثاً وآخران أنه طلقها واحدة قبل الدخول ثم رجعوا فضمان نصف المهر على شهود الثلاث لا غير) للحرمة الغليظة (ولو بعد وطء أو خلوة فلا ضمان) ولو شهدا بالطلاق قبل الدخول وآخران بالدخول ثم رجعوا وفي العتابية: لو أقرّ الزوج بالطلاق بعد التضمين أو السيد بالإعتاق رد الضمان علیهم. وفي المحيط: شهد رجلان وامرأتان بالطلاق قبل الدخول ثم رجع رجل وامرأة فعليهما ثمن المهر أثلاثاً ثلثاه على الرجل وثلثه على المرأة. ولو شهد رجلان بالطلاق ورجلان بالدخول ثم رجع شاهدا الطلاق لا ضمان عليهما لأنهما أوجبا نصف المهر، وقد بقي من يثبت بشهادته جميع المهر وهو شاهد الدخول، وإن رجع شاهدا الدخول لا غير يجب عليهما نصف المهر، لأنه ثبت بشهادة شهود الطلاق نصف المهر وتلف بشهادة شاهدي الدخول نصف المهر، وإن رجع من كل طائفة واحد لا يجب على شاهدي الطلاق شيء ويجب على شاهدي الدخول الرابع اهـ. وإنما قيد بالمتعة فيما إذا لم يسم لأنها الواجبة وقد أتلفاها. وفي المحيط: تزوجها بلا مهر وطلقها قبل الدخول فشهدا أنه صالحها من المتعة على عبد وقبضته وهي تنكر ثم رجعا لا يضمنان العبد بل المتعة، وإن كان مهر مثلها عشرة ضمنا لها خمسة دراهم، لأن القاضي لم يقض لها بالعبد لكونه مقبوضاً، فقد أتلفا بشهادتهما على المرأة المتعة لا العبد، بخلاف ما لو شهدا أنه صالحها عنها بعبده وقضی لها به ثم شهدا بقبضه ثم رجعا ضمنا قيمة العبد لوقوع القضاء بالعبد اهـ. وأطلق في ضمانها فشمل ما بعد موت الزوج لما في المحيط: شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا بعد موت الزوج ضمنوا للورثة نصف المهر؛ لأنهم قائمون مقام المورث، ولا ميراث للمرأة ادعت الطلاق أو لا أقرت الورثة أنه طلقها أو لا. وهذا قول أبي حنيفة. وقالا: ترث ولا يضمن الشاهدان ميراثها بناء على أن قضاء القاضي بالطلاق بشهادة الزور ينفذ ظاهراً وباطناً عنده خلافاً لهما، ولو شهد بذلك بعد موت الزوج وادعى ذلك الورثة فقضى لها بنصف المهر ثم رجعا ضمنا للمرأة نصف المهر والميراث اهـ. قوله: (قبل الدخول) قيد في الشهادتين ح. قوله: (لا غير) لأنه لم يقض بشهادة شهود الواحدة لأنه لا يفيد، لأن حكم الواحدة حرمة خفيفة وحرمة الثلاث حرمة غليظة. قوله: (للحرمة الغليظة) أي للقضاء بها. قوله: (ولو بعد وطء أو خلوة فلا ضمان) أي على أحد لتأكيد المهر بالدخول، فلم يقررا عليه ما كان على شرف السقوط ح. ولأنه لا تقوم للبضع حالة الخروج. ذكره الكمال. ونقل عن التحفة أنهما يضمنان ما زاد على مهر المثل، لأن الإتلاف بقدر مهر المثل إتلاف بعوض، وهو منافع البضع التي استوفاها اهـ. ٣٤٦ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة ضمن شهود الدخول ثلاثة أرباع المهر وشهود الطلاق ربعه. اختيار. (ولو شهدا بعتق فرجعا ضمنا القيمة) لمولاه (مطلقاً) ولو معسرين قال في البحر: ومما يناسب هذا النوع مسألتان. الشهادة بالخلع، والنفقة. أما الأولى ففي المحيط: شهدا على امرأة أنها اختلعت من زوجها قبل الدخول أو بعده على أنها أبرأته من المهر وهي تجحد ثم رجعا ضمنا لها نصف المهر في الصورة الأولى، لأنهما أوجبا عليها ذلك بغير عوض، ولو كان دخل بها يضمنان كل المهراهـ. وأما النفقة، ففي المحيط: فرض القاضي لها النفقة أو المتعة ثم شهدا بالاستيفاء وقضى ثم رجعا ضمنا للمرأة، وكذلك نفقة الأقارب. قيل في نفقة الأقارب سهو، لأنها لا تصير ديناً بقضاء فما أتلفا شيئاً. وقيل إنها مؤولة، وتأويلها أن القاضي قضى له وأمره بالاستدانة عليه حتى يرجع بما استدانه على المقضي عليه بالنفقة، وقد استدان وصار ديناً له على المقضي عليه، فقد شهدا عليه باستيفاء دين مستحق له على المقضي عليه فضمنا بالرجوع اهـ. قوله: (ضمن شهود الدخول ثلاثة أرباع المهر وشهود الطلاق ربعه) أي لأن شهود الدخول أتلفوا الكل والآخران النصف فمتلف النصف، يقول: شاركني فيه متلف الكل فانقسم فأصاب متلف النصف نصف النصف وهو ربع، وأصاب متلف الكل الربع زيادة على ما تفرّد بإتلافه وهو النصف فلذا غرم ثلاثة أرباع، ولو رجع شاهدا الطلاق فقط لا ضمان عليهما لأن الحجة بإيجاب الكل لم ترجع، ولو رجع شاهدا الدخول فقط ضمنا نصف المهر؛ لأنه غاية ما يزيد به الدخول على عدمه، ولو رجع من كل طائفة واحد لا يجب على شاهد الطلاق شيء لأن متلف الكل باق مع رفيقه فكان النصاب باقياً، ويضمن شاهد الدخول الراجع الريع لأن رفيقه شاهد بالنصف ورفيق الشاهد بالطلاق شاهد بالربع، وهما لم يرجعا فكان المتلف الربع فقط فيضمنه. سائحاني. قوله: (اختيار) علله بأن الفريقين اتفقا على النصف فيكون على كل فريق ربعه، وانفرد شهود الدخول بالنصف فينفر دون بضمانه اهـ. فتال. قوله: (ولو شهد بعتق) أطلقه فانصرف إلى العتق بلا مال، فلو شهدا أنه أعتق عبده على خمسمائة وقيمته ألف فقضى ثم رجعا، إن شاء ضمن الشاهدين الألف ورجعا على العبد بخمسمائة، وولاء العبد للمولى. كذا في المحيط . - وفي البزازية: شهدا على رجل بإعتاق عبده وأربعة أخر أنه زنى وهو محصن فحكم بالعتق والرجم ورجم ثم رجعوا، فالقيمة على شهود العتق للمولى والدية على شهود الزنا للمولى أيضاً إن لم يكن له وارث آخر، والمولى إن كان جاحداً للعتق يمنع أخذ الدية، لكن زعمه باطل بالحكم، وصار كالمعدوم ووجوب القيمة بدل المالية ووجوب الدية بدل النفس، ثم الدية للمقتول حتى تقضى بها ديونه فلا يلزم بدلان عن مبدل واحد اهـ. ٣٤٧ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة لأنه ضمان إتلاف (والولاء للمعتق) لعدم تحوّل العتق إليهما بالضمان فلا يتحول الولاء. هداية بحر. قوله: (لأنه ضمان إتلافه) أي إتلاف مالية الملك وهو العبد من غير عوض، لأنهما بشهادتهما أتلفا ملك صاحب العبد فيجب عليهما الضمان مطلقاً: أي سواء كانا موسرين أو معسرين، بخلاف من أعتق نصيبه من عبد مشترك فإنه لم يتلف إلا ملك نفسه ولزم منه فساد ملك صاحبه فضمنه الشارع صلة ومواساة له فاختص باليسر. قوله: (والولاء للمعتق) لأن العتق لا يتحول إليهما بالضمان، وهو لا يصلح عوضاً لأنهما إنما ضمناه بعد عتقه وإتلاف ماليته وعدم قبوله للتملك والعتق وقع على مالكه في ملكه فكان ولاؤه له. قوله: (فلا يتحوّل الولاء) أي إليهما بالضمان، لأن العتق لا يحتمل الفسخ، فلا يتحول بالضرورة، إذ الولاء لمن أعتق. قال في البحر: ولو شهدا أنه أعتق عبده عام أول في رمضان، وقضى القاضي بعتقه، ثم رجعا ضمنا قيمة العبد يوم أعتقه القاضي وحكم حدوده وجزاء جنايته فيما بين رمضان إلى أن أعتقه القاضي حكم الحر، لأن القاضي أثبت حريته من رمضان بالبينة، والثابت بالبينة العادلة كالثابت بالمعاينة، وفي حق إيجاب الضمان يعتبر حراً يوم القضاء، لأن التلف حصل يوم القضاء، لأن المنع والحيلولة بين المولى وعبده حصل يوم القضاء. ولو شهدا أنه طلق امرأته عام أول في رمضان قبل الدخول وقضى به وألزمه نصف المهر ثم رجعا وضمنا ثم شهد آخران أنه طلقها عام أول في شوّال قبل الدخول بها لم تقبل، ولا يقع الأولان لأنها صارت مبانة بالطلاق الأول قبل الدخول، فلا يتصور تطليقها بعد ذلك، فكانت الشهادة الأخيرة باطلة، وبقي الضمان على الفريق الأول بحاله؛ ولو أقر الزوج بذلك يرد على الشاهدين ما ضمنا؛ وكذا إقرار المولى بالعتق، قيل: هذا عند أبي يوسف ومحمد خلافاً لأبي حنيفة بناء على نفاذ القضاء باطناً، فمتى نفذ القضاء في رمضان باطناً عنده لم يصح إقراره بالطلاق والعتاق في شوّال من هذا العام، فبقي التلف مضافاً إلى شهادتهما لا إلى إقراره، وعندهما: لما لم ينفذ القضاء باطناً بقي النكاح والرق إلى شوّال باطناً فصح إقراره في شوّال، وكان التلف مضافاً إلى إقراره لا إلى الشهادة. كذا في المحيط . ثم قال: ولو شهدا بالتدبير وآخران بالعتق فرجعوا فالضمان على شهود العتق، لأن القضاء بالتدبير مع العتق لا يفيد لأن حكم التدبير بقاء الرق إلى وقت الموت، ولا يبقى الرق مع العتق البات، فلا يقضي بالتدبير فإن قضى بشهادة التدبير ثم شهد آخران بالعتق البات فقضى به ثم رجعوا ضمن شهود التدبير ما نقصه التدبير، وشهود العتق قيمته مدبراً؛ لأن القضاء بالتدبير يفيد حكمه، لأنه ليس حالة القضاء بالتدبير شهادة قائمة ٣٤٨ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة (وفي التدبير ضمنا ما نقصه) وهو ثلث قيمته، ولو مات المولى عتق من الثلث ولزمهما بقية قيمته. وتمامه في البحر (وفي الکتاب یضمنان قيمته) کلها بالعتق، فأمكن القضاء بالتدبير، وشاهدا العتق أزالا المدبر عن ملكه بغير عوض، فيضمنان قیمته مدبراً ا ه. وفي العتابية: ولو شهد واحد بإقراره بالعتق أمس وآخر بإقراره بالعتق من سنة وقضى به ثم أقام الشاهدان بينة على إعتاقه من سنين برئا عن الضمان، وهذا قولهما لأن عندهما الدعوى ليست بشرط ا هـ: يعني ثم رجعا بعد القضاء ثم برهنا اهـ. قوله: (وفي التدبير ضمنا ما نقصه) وهو ما بين قيمته مدبراً وغير مدبر. فتح. لأنه بالتدبير فات بعض المنافع، لأنه لا يخرجه من ملكه بنحو بيع. قوله: (وهو ثلث قيمته) قال في البحر: وقدمنا أن الفتوى أن قيمته مدبر نصف قيمته لو كان قناً ا هـ. فعليه يكون اللازم نصف القيمة لأنه الفائت بالتدبير. قوله: (ولزمهما بقية قيمته) فإن لم یکن له مال غير العبد عتق ثلثه وسعى في ثلثيه وضمن الشاهدان ثلث القيمة بغير عوض ولم يرجعا به على العبد، فإن عجز العبد عن الثلثين يرجع به الورثة على الشاهدين ويرجع به الشاهد على العبد عندهما. بحر. ويأتي تمام عبارته في المقولة الآتية. قوله: (وتمامه في البحر) حيث قال فيه: ففي المحيط: لو شهدا أنه دبر عبده فقضى ثم رجعا ضمنا ما نقصه التدبير فإنه بالتدبير فات بعض المنافع من حيث التجارة بالإخراج عن ملكه فانتقص ملكه فضمنا نقصانه بتفويتهما، وإن مات المولى والعبد يخرج من ثلثه عتق وضمن الشاهدان قيمته مدبراً لأنهما أزالا الباقي عن ملك الورثة بغير عوض، فإن لم يكن له مال غير العبد عتق ثلثه وسعى في ثلثيه وضمن الشاهدان ثلث القيمة بغير عوض ولم يرجعا به على العبد، فإن عجزا العبد عن الثلثين يرجع به الورثة على الشاهدين ويرجع به الشاهد على العبد عندهما اهـ. وبه علم أن ما ذكره الشارح الزيلعي: من أن العبد إذا كان معسراً فإنهما يضمنان جميع قيمته مدبراً ويرجعان به عليه إذا أيسر سهو، لما علمت أنه إنما يرجعان عليه بالثلثين، وهو مصرح به في المبسوط، وصرح فيه بأنهما يضمنان ثلث قيمته مدبراً، وعليه يحمل ما في المحيط، وقدمنا أن الفتوى أن قيمته مدبراً نصف قيمته، لو كنا قناً. انتهت عبارة البحر. قوله: (وفي الكتابة يضمنان قيمته) قال في البحر معزياً للمحيط: شهدا أنه کاتب عبده على ألف إلى سنة فقضی ثم رجعا يضمنان قیمته، ولا يعتق حتى يؤدي ما عليه إليهما، فإذا أداه عتق والولاء للذي كاتبه، فإن عجز فرد في الرق كان لمولاه أن يرد ما أخذه على الشهود اهـ. وبه علم أن ما في فتح القدير من أن الولاء للذين شهدوا عليه بالكتابة سهو، والصواب أن يبدل قوله للذين شهدوا عليه، بقوله للذي شهدوا عليه اهـ. وإنما ضمنا بالكتابة دون التدبير لأنهما بها حالا بين المولى وبين مالية العبد بشهادتهما، ٣٤٩ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة وإن شاء اتبع المكاتب (ولا يعتق حتى يؤدي ما عليه إليهما) وتصدقا بالفضل والولاء لمولاه، ولو عجز عاد لمولاه ورد قيمته على الشهود (وفي الاستيلاد يضمنان فكانا غاصبين فيضمنان قيمته، بخلاف التدبير فإنه لا يحول بل تنقص ماليته. فتح. قوله: (وإن شاء) أي المولى اتبع المكاتب ولا يضمن الشهود، وكان الأولى تأخير هذه الجملة لئلا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه. قوله: (وتصدقا بالفضل) أي إن كان بدل الكتابة أكثر، لأنه إن كان بدل الكتابة مثل قيمته أو أقل يطيب لهما ما أخذا من المكاتب، وإن كان أكثر تصدقا بالفضل. ذكره الزيلعي. وفي البحر عن المحيط: شهدا أنه كاتب عبده على ألف إلى سنة وقيمته خمسمائة ثم رجعا يخير المولى بين تضمين الشاهدين وبين اتباع العبد بالكتابة إلى أجله: فإن اختار المولى ضمان الشاهدين وقبض منهما القيمة لم يعتق المكاتب حتى يؤدي ألفاً إلى الشاهدين ويتصدقان بالفضل. وعند أبي يوسف: يطيب له، فإن تقاضى المولى المكاتب وهو يعلم برجوع الشاهدين أو لا يعلم فهو رضا بالكتابة، ولا يضمنان إلا إذا كانت المكاتبة أقل من القيمة فله أن يأخذ المكاتبة ويرجع عليهما بفضل القيمة، ولم يذكر الشارحون ما إذا شهدا علی المکاتب ثم رجعا. وفي المحيط: ادعى العبد أن مولاه كاتبه على ألف وأنه قيمته وقال المولى كاتبته على ألفين وأقام البينة وقضى وأداها ثم رجعوا ضمنوا ألف درهم للمكاتب، فإن أنكر المكاتب الكتابة وادعاها المولى على ألفين لم تقبل بينته عليه ويقال للمكاتب إن شئت فامض عليها أو دع اهـ. قوله: (والولاء لمولاه) لأنه لا يمكن أن يتملكاه بالضمان لثبوت كتابته. قوله: (وفي الاستيلاد) أي لو شهدا أنه أقر أن أمته ولدت منه والمولى ينكر ذلك فقضى به ثم رجعا. فإن لم يكن معها ولد فرجعا في حياته ضمنا نقصان قيمتها بأن تقوم قنة، وأم ولد لو جاز بيعها فيضمنان النقصان، فإن مات المولى عتقت وضمنا بقية قيمتها للورثة، فإن كان معها ولد فرجعا في حياته ضمنا قيمة الولد مع ضمان نقصانها، فإن مات المولى بعده: فإن لم يكن مع الولد شريك في الميراث لم يضمنا له شيئاً ورجعا على الولد بما قبض الأب منهما من تركته إن كانت، وإلا فلا ضمان علیه، وإن کان له أخ ضمنا له نصف البقية من قيمتها ويرجعان على الولد بما أخذ الأب منهما لا بما قبض الأخ، ولا يضمنان للأخ ما أخذه الولد من الميراث؛ فإن رجعا بعد وفاة المولى: فإن لم يكن مع الولد شريك فلا ضمان عليهما، وإلا ضمنا للأخ نصف البقية من قيمتها ونصف قيمة الولد لا ميراثه، ولا يرجعان على الولد هنا؛ وإن كانت الشهادة بعد موت المولى بأن ترك ولداً وعبداً وأمة وتركة فشهدا إن هذا العبد ولدته هذه الأمة من الميت وصدقهما الولد والأمة لا الابن وقضى ثم رجعا ضمنا قيمة العبد والأمة ونصف الميراث اهـ. ٣٥٠ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة نقصان قيمتها) بأن تقوّم قنة وأم ولد لو جاز بيعها فيضمنان ما بينهما (فإن مات المولى عتقت وضمنا) بقية (قيمتها) أمة (للورثة) وتمامه في العيني (وفي القصاص الدية) قال الرملي: وإنما رجعا على الولد بما قبض الأب منهما الخ لاعتراف الولد باشتغال التركة بما أخذ والده منهما، لأنه يزعم أنه أخذ ما أخذه منهما ظلماً فرجعا في التركة، فتأمل. وقوله وإن كانت الشهادة بعد موت المولى الخ: يؤخذ من هذه المسألة أنهما لو شهدا بأنه من مستحقي هذا الموقف فقضى القاضي به بشهادتهما ثم رجعا لا يضمنان شيئاً للمشهود عليهم من الغلة فيما يستقبل بشهادتهما، لأنهما لم يتلفاها عليهم لعدم وجودها وقتئذ، حتى لو كان شيء من الغلة موجوداً وقت الشهادة وحكم به يضمنان بالرجوع ما أخذه المشهود له أو استهلك المشهود عليهم غلة السنين الماضية وحكم عليهم له بها، فكذلك يضمنانها لأنهما أتلفاه على المشهود عليهم بشهادتهما، كمسألة الشهادة بعد موت المولى هنا، ولم أر من صرح بذلك. وقد سألت عنه فاستخرجت الجواب من مسألة البدائع المذكورة، فتأمل ذلك الخ. قوله: (فيضمنان ما بينهما) فيه أنه تقدم في باب الاستيلاد وعتق المبعض أن قيمة أم الولد ثلث قيمتها قنة فيضمنان ثلث قيمتها. قوله: (وتمامه في العيني) عبارته: وإن رجعا والمولى ميت ضمنا جميع قيمتها للورثة، وإن كان معها ولد ضمنا قيمتها وقيمة الولد كلها وما أخذ الولد بالإرث اهـ. وإن شهدا أنه أقر أن أمته ولدت منه والمولى ينكر فقضى به ثم رجعا: فإن لم يكن معها ولد والمولى حيّ يضمنان له نقصان قيمتها، فإذا مات المولى يضمنان للورثة باقي قيمتها، وإن رجعا والمولى ميت ضمنا جميع قيمتها للورثة، وإن كان معها ولد والمولى حي ضمنا نقصان قيمتها وقيمة جميع الولد، فإذا مات المولى إن لم يكن مع الولد شريك في الميراث لا يضمنان له شيئاً ويرجعان على لولد بما قبضه الأب منهما إن كان له تركة، وإلا فلا شيء على الابن، وإن كان معه شريك فإنهما يضمنان لشريكه نصيبه من قيمة الولد من باقي قيمة الأم ويرجعان على الولد بما قبضه الأب منهما إن ترك مالاً، ولا يرجعان بما أخذه منهما شريكه، ولا يضمنان لشريكه ما أخذه الابن من الإرث؛ وإن رجعا بعد وفاة المولى: فإن شهدا بعد وفاته، والمسأل بحالها فقضى به ثم رجعا، فإن لم يكن معها ولد ضمنا جميع قيمتها للورثة، وإن كان معها ولد ضمنًا قيمتها وقيمة الولد كلها وما أخذه الولد بالإرث ا هـ ح. قوله: (وفي القصاص الدية الخ) أي إذا شهد بأن فلاناً قتل فلاناً عمداً فقضى القاضي بالقتل فقتل ثم رجعا كان عليهما الدية لا القصاص، لأن القتل منهما ليس مباشرة ولا تسبباً، لأن السبب ما يفضي إليه غالباً ولا يفضي بالشهادة هنا لأن العفو مندوب إليه. ٣٥١ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة في مال الشاهدين وورثاه (ولم يقتصا) قال في البحر: وَشمل ما إذا شهدوا به في النفس أو ما دونه، وما إذا رجع الولي معهما أو لم يرجع، لكن إن رجع معهما خير الولي بين تضمين الولي الدية أو الشاهدين كما لو جاء المشهود بقتله حياً، وأيهما ضمن لا يرجع على صاحبه عنده؛ وعندهما: له الرجوع عليه، لأنهما عاملان له واتفقوا على رجوعهما عليه في الخطأ أشار بقيد القصاص، لأنهما لو شهدا بالعفو عن القصاص ثم رجعا لم يضمنا في ظاهر الرواية، لأن القصاص ليس بمال؛ ألا ترى أن ولي القصاص لو مريضاً فعفا ثم مات من مرضه ذلك لا يعتبر من الثلث، ولو كان مالاً لاعتبر منه، وعن أبي يوسف: يضمنان الدیة، وصاحب المنبع نقل رجحان ظاهر الرواية؛ ولو شهدا أنه صالحه من دم العمد على ألف ثم رجعا لم يضمنا أيهما كان المنكر للصلح. وقيل: إذا كان القاتل منكراً فالصحيح أنهما يضمنان له الألف، والصحيح جواب الكتاب. وتمامه في المحيط. وفيه: شهدا أنه صالحه على عشرين ألفاً والقاتل يجحد فقضى ثم رجعا ضمنا الفضل على الدية، وقيل: الصحيح أن يضمنا جميع المال. قال الطالب: صالحتك على ألف وقال الخصم لا بل على خمسمائة فالقول للمدعى عليه مع يمينه لإنكاره الزيادة، فإن برهن الطالب وقضى ثم رجعا ضمنا الخمسمائة الواجبة بشهادتهما. وفيه دليل على أن الجواب في المسألة الأولى سهو حيث أجابوا بعدم الضمان . شهدا على العفو عن دم فيه مال أو جرح عمد فيه مال ثم رجعا ضمنا الدية وأرش الجراحة في ثلاث سنين أو سنة انتهى. وفي البدائع: شهدا بالقتل خطأ ثم رجعا ضمنا الدية في مالهما، وكذا لو شهدا بقطع يد خطأ ضمنا نصفها، وكذا إذا شهد بسرقته فقطع ثم رجعا انتهى مع زيادة. قوله: (في مال الشاهدين) أي لا على عاقلتهما كما قاله في الفتح، لأن الشهادة بمنزلة الإقرار والعاقلة لا تعقل الإتلاف بالإقرار كما في المنبع. وذكر في السراجية الدية التي تكون على الشاهدين تكون في مالهما في ثلاث سنين ولا كفارة عليهما، ولا يحرمان الميراث بأن كانا ولدي المشهود عليه فإنهما يرثانه ا هـ. فظهر أن ما في الفتح من أن الدية تكون على عاقلتهما ضعيف، بل خلاف الصواب كما أفاده المولى عبد الحليم. قوله: (وورثاه) أي ورث الشاهدان المشهود عليه لو كانا وارثين له لما تقدم عن السراجية، ولما سيأتي في الجنايات من أن القتل بسبب لا يمنع الميراث لعدم قتل المتسبب حقيقة. قوله: (ولم يقتصا) أي من الشاهدين عندنا. وقال الشافعي: يقتص منهما لوجود القتل تسبباً فأشبه المكره بل أولى لأن الولي يعان على الاستيفاء والمكره يمنع عن القتل ولا يعان عليه؛ ٣٥٢ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة لعدم المباشرة، ولو شهدا بالعفو لم يضمنا لأن القصاص ليس بمال. اختيار (وضمن شهود الفرع برجوعهم) لإضافة التلف إليهم لأن الشاهد بمنزلة المكره بكسر الراء والولي بمنزلة المكره بفتح الراء. قوله: (لعدم المباشرة) بل المباشر اختيار ولي الدم؛ لأن القتل مباشرة لم يوجد، وكذا تسبباً لأن السبب ما يفضي إليه غالباً، ولا يفضي لأن العفو مندوب إليه، بخلاف المكره لأنه يؤثر حياته ظاهراً، ولأن الفعل الاختياري مما يقطع النسبة ثم أقل من الشبهة وهي دارئة للقصاص، بخلاف المال لأنه يثبت مع الشبهات. قوله: (ولو شهدا بالعفو) بأن قالا: إن ولي المقتول عفا عن القاتل فحكم القاضي بشهادتهما ثم رجعا لم يضمنا شيئاً. قال في الهندية: في الباب الحادي عشر في المتفرقات: إذا شهد شاهدان على رجل أنه عفا عن دم خطأ أو جراحة خطأ أو عمداً فيها أرش وقضى القاضي بذلك ثم رجعا عن شهادتهما ضمنا الدية وأرش تلك الجراحة، وتكون الدية عليهما في ثلاث سنين، وما بلغ من أرش الجراحة خمسمائة فصاعداً إلى ثلث الدية ففي سنة، وما زاد إلى الثلثين ففي سنة أخرى، وما كان أقل من خمسمائة ضمناه حالاً، وإن كانت الدية وجبت حالاً ولم يؤخذ منها شيء وشهد شاهدان أنه أبرأه منها وقضى بالبراءة ثم رجعا ضمنا ذلك حالاً. كذا في الحاوي اهـ. قوله: (لأن القصاص ليس بمال) فإذا لم يكن مالًا يضمن الشهود عندنا كما تقدم. قوله: (وضمن شهود الفرع برجوعهم) لأن الشهادة في مجلس القضاء صدرت منهم، فكان التلف مضافاً إليهم وبنى الحكم عليها فكان التلف مضافاً إليهم. وفي المحيط: شهدا على شهادة أربعة وآخرون على شهادة شاهدين وقضى ثم رجعوا فعلى شاهدي الأربعة ثلثا الضمان وعلى الآخرين الثلث عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وقال محمد: على الفريقين نصفان. وأجمعوا على أنه إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين وشهد أربعة على شهادة شاهدين فقضى القاضي به ثم رجعوا إن الضمان على الفريقين نصفان، هكذا في المحيط: إذ شهد شاهدان على شهادة شاهدين على رجل بألف درهم وشهد آخران على شهادة شاهد واحد بذلك الألف بعينه وقضى القاضي بالألف بالشهادتين جميعاً ثم رجع كواحد من الفريق الأول وواحد من الفريق الثاني كان عليهما ثلاثة أثمان المال: الثمنان على أحد الأولين، والثمن على أحد الآخرين، ولو لم يرجع إلا أحد الأولين كان عليه ربع الحق، ولو رجع الآخران مع أحد الأولين ضمنوا نصف المال يكون نصفه على الراجع من الأولين ونصفه على الآخرين. كذا في الذخيرة ولو شهد كل فريق على شهادة شاهدين، ورجع واحد من هذا وواحد من ذلك ضمنا ثمنين ونصفا. وذكر في المبسوط النصف، وعن الكرخي الربع، وعن عيسى بن أبان الثلث. والأصح أن المذكور في المبسوط جواب القياس، والمذكور في الجامع جواب الاستحسان. كذا في ٣٥٣ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة (لا شهود الأصل بقولهم) بعد القضاء (لم نشهد الفروع على شهادتنا أو أشهدناهم وغلطنا) وكذا لو قالوا رجعنا عنها لعدم إتلافهم، ولا الفروع لعدم رجوعهم (ولا اعتبار بقول الفروع) بعد الحكم (كذب الأصول أو غلطوا) فلا ضمان، ولو رجع الكل ضمن الفروع فقط محيط السرخسي. قوله: (لا شهود الأصل الخ) قال المصنف في وجهه: لأنهم أنكروا السبب وهو الإشهاد، وذلك لا يبطل القضاء لأنه خبر يحتمل الصدق والكذب، فصار كرجوع الشاهد بعد القضاء لا ينقض به الشهادة لهذا، بخلاف ما إذا أنكروا الإشهاد قبل القضاء لا يقضي بشهادة الفرعين كما إذا رجعوا قبله. فتح. قوله: (أو أشهدناهم وغلطنا) أي فلا ضمان عليهم وهذا قولهما، وقال محمد: يضمنون لأن الفروع نقلوا شهادة الأصول، فصار كأنهم حضروا وشهدوا ثم حضروا ورجعوا، ولهما أن القضاء لم يقع بشهادتهم، بل وقع بشهادة الفروع لأن القاضي يقضي بما يعاين من الحجة، وهي شهادتهم، وهذا الاختلاف مبني على أن الشهادة على الشهادة إنابة وتوكيل عندهما، وعنده تحميل، وأكثر الشروح صرحوا بأن الفروع نقلوا نيابة هنا وفي المسألة الآتية، ومن ذلك رجحوا قولهما على قوله لأنهم لو كانوا نائبين عنهم في الشهادة لما كان لهم ذلك بعد المنع، ثم الخلاف في هذه المسألة في إنكار الإشهاد وعدم الضمان فيه اتفاقي؛ لأنهم لم يرجعوا وإنما أنكروا التحميل كما في الشروح. قوله: (وكذا لو قالوا رجعنا) أي فالحكم كذلك عندهم على الاختلاف بالطريق الأولى، إذ الغلط يستلزم الرجوع دون العكس كما لا يخفى فقوله ((غلطنا» اتفاقي. قوله: (لعدم إتلافهم) ولأن القضاء وقع بشهادة الفروع لأن القاضي يقضي بما يعاين من الحجة وهي شهادتهم، خلافاً لمحمد فإنه يقول يضمن الأصول كما لو أدوها بأنفسهم ثم رجعوا. قوله: (فلا ضمان) لأن ما أمضى من القضاء لا ينتقض بقولهم، فلا يجب الضمان عليهم لأنهم ما رجعوا عن شهادتهم إنما شهدوا عن غيرهم بالرجوع. قوله: (ولو رجع الكل) أي الأصول والفروع. قوله: (ضمن الفروع فقط) أي عندهما، لأن سبب الإتلاف الشهادة القائمة في مجلس القضاء إذا وجد من الفروع وعند محمد: المشهود عليه مخير بين تضمين الفروع وتضمين الأصول، لأن القضاء وقع بشهادة الفروع من حيث إن القاضي عاين شهادتهم، ووقع بشهادة الأصول من حيث إن الفروع نائبون عنهم نقلوا شهادتهم بأمرهم. درر. وأشار بقوله: لأن القضاء الخ إلى أنه لا تجانس بين شهادتي الفريقين، فيجعل كل منهما كالفريق المنفرد من ذلك لم يجمع بينهما في التضمين، وأي ضمن لم يرجع على الآخر كما في الشروح، واعترض عليه بأن الفروع مضطرون بالأداء بعد التحمل يأثمون بالامتناع، ولا علم لهم بحال الأصول، فكان ينبغي أن لا يضمنوا إلا إذا علموا أنهم غير محقين وشهدوا ثم رجعوا، وأيضاً أنهم ٣٥٤ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة (وضمن المزكون ولو الدية) بالرجوع عن التزكية (مع علمهم بكونهم عبيداً) خلافاً لهما (أما مع الخطأ فلا) إجماعاً. بحر (وضمن شهود التعليق) قيمة القن ونصف لو اعترفوا بعد التحميل ورجعوا، بناء على ذلك ينبغي أن يضمنوا، وإن قالوا رجعنا تبعاً للأصول لأنهم رجعوا عما حملونا ونحن تبعناهم ينبغي أن لا يضمنوا. أقول: الجواب عن الأول: أن الحكم أضيف إلى شهادة الفروع، وظاهر حالهم أنهم محقون فيها، فاللازم عليهم أن لا يرجعوا سواء رجع أصولهم أو لم يرجعوا، فلما رجعوا توجه الضمان إليهم فلا خفاء فيه. وعن الثاني: بأن التعارض وقع بين خبري الأصول، وقد قوي خبرهم الأول: باتصال القضاء إليه بواسطة أداء الفروع إياه على طريق الشهادة، فظاهر حالهم أن لا يتبعوا خبرهم الثاني، مع أنه خلاف الظاهر، وأنه ضعيف. تدبر. قوله: (وضمن المزكون) أي للرجوع عن التزكية عنده، وقالا: لا يضمنون لأنهم أثنوا على الشهود فصاروا كشهود الإحصان له أن التزكية إعمال الشهادة، إذ القاضي لا يعمل بها إلا بالتزكية، فصار في معنى علة العلة، بخلاف شهود الإحصان، لأنهم شرط محض، والخلاف فيما إذا تعمدوا أو علموا أنهم عبيد وزكوهم كما قيده المصنف. وقيل: الاختلاف فيما إذا أخبر بحرية الشاهد وعدالته، أما إذا قال هو عدل فبان عبداً لا ضمان إجماعاً، لأن العبد قد يكون عدلاً كما في البحر وغيره. مَطْلَبٌ فِي عِلَّةِ العِلَّةِ أقول: وعلة العلة كما في الدرر كالرمي، فإنهُ سبب لمضيّ السخهم في الهواء، وهو سبب الوصول إلى المرمي إليه؛ وهو سبب الجرح، وهو سبب ترادف الألم، وهو سبب الموت، ثم أضيف الموت إلى الرمي الذي هو العلة الأولى. قوله: (ولوالديه) أي والحق لو زكوا شهود الزنا فرجم فإذا الشهود عبيد أو مجوس، فالدية على المزكين عنده لما في السراجية أن المشهود به لو كان زنا فإذا الشهود عبيد أو كفرة فالدية على المزكين لو قالوا علمنا أنهم عبيد ومع ذلك زكيناهم، بخلاف ما لو زعموا أنهم أحرار فلا ضمان عليهم ولا على الشهود، ولا حدّ على الشهود لأنهم قذفوا حياً وقد مات ولا يورث عنه. وقالا: الدية على بيت المال اهـ. قوله: (مع علمهم بكونهم عبيداً) أما إذا ثبتوا عليها، وزعموا أنهم أحرار فلا ضمان عليهم، ولا على الشهود. قوله: (أما مع الخطأ) بأن قال أخطأت في التزكية. قوله: (وضمن شهود التعليق) يعني لو شهد بتعليق العتق أو الطلاق قبل الدخول بشرط وآخران بوجود الشرط: أي دخول الدار مثلًا فقضى القاضي ورجع الفريقان بعد الحكم، كالضمان على شهود اليمين لا شهود الشرط، فيضمنان قيمة العبد ونصف المهر، لأن اليمين هي العلة فأضيف الحكم إلى من شهد بها، والشرط وإن منع ٣٥٥ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة المهر لو قبل الدخول (لا شهود الإحصان) لأنه شرط، بخلاف التزكية لأنها علة فإذا وقع أضيف التلف إلى العلة لا شهود وجود الشرط؛ لأن شهود التعليق أثبتوا العلة الموجبة للحكم، وشهود وجود الشرط أثبتوا شرطه، والشرط لا يعارض العلة في إضافة الحكم، لأن إضافة الحكم إلى العلة حقيقة وإضافته إلى الشرط مجاز كما الشمني. وفي المنية: شهدا أنه أمر امرأته أن تطلق نفسها وآخران أنها طلقت قبل الدخول فرجعوا يضمن شهود الطلاق لإثباتهما السبب والتفويض شرط كونه سبباً، وعلى هذا إذا شهدا أنه جعل عتق عبده بيد فلان وآخران أنه أعتقه ثم رجعوا، ولو شهدوا أنه أمره بالتعليق وآخران أن المأمور علق وآخران أعتقه ثم رجعوا، ولو شهدوا أنه أمره بالتعليق وآخران أن المأمور علق وآخران على وجود الشرط ثم رجعوا فالضمان على شهود التعليق. قوله: (لو قبل الدخول) أما بعد الدخول إذا رجعوا لا يلزمهم شيء لأنه استوفى منافع البضع والإتلاف بعوض كلا إتلاف كما قدمنا. قوله: (لا شهود الإحصان) صورته: أن يشهد أربعة على الزنا ويشهد آخران على أنه محض ثم رجعوا، فالضمان على شهود الزنا لأنه علة وهي المؤثرة في الحكم، وأفرده بالذكر مع أنه داخل في الشرط على ما نص عليه بقوله: لأنه شرط لمكان الاختلاف فيه أنه شرط أو علامة، ثم الشرط هو ما يتعلق الوجود عليه دون الوجوب، والعلامة هي ما يعرف الوجود به من غير تعلق وجوب ولا وجود به. ونص فخر الإسلام وأبو زيد وشمس الأئمة على أن الإحصان علامة لا شرط، وأثبتوا مدعاهم بوجهين، وذهب المتقدمون من أصحابنا وعامة المتأخرين أنه شرط لا علامة، بدليل أن وجوب الحد يتوقف عليه بلا عقلية تأثير له في الحكم ولا إفضاء إليه. وهذا شأن الشرط. واختاره المحقق ابن الهمام في تحريره ونصره، وأجاب عن الوجهين بما لا مزيد عليه، هذا ثم كونه شرطاً محضاً إنما هو بالنسبة إلى التزكية لمقابلته بها. تدبر. قوله: (لأنه شرط) والشرط (١) يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم فلا يلزم من كونه محصناً أنه يرجم، وإنما يرجم بفعله الزنا بشرط أن يكون محصناً فكان المتسبب في رجمه هم شهود الزنا فيلزمهم الضمان برجوعهم. رحمتي. قوله: (بخلاف التزكية) أي إذا رجع الشهود عنها فإنهم يضمنون. قوله: (لأنها) أي التزكية علة، إذ العلة الباعث على الشيء المؤثر في وجوده، فكان تزكيتهم ملجئة للقاضي على الحكم فيضمنون بالرجوع كما تقدم، لكن الأولى أن يقول علة العلة، لأن العلة الشهادة عند القاضي والتزكية إعمال لها، لأن القاضي لا يعمل بها، فصارت في (١) في ط. قوله: (والشرط الخ) هذا سهو، وتعريفه أنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجود وجوده ولا عدم لذاته. ٣٥٦ كتاب الشهادات / باب الرجوع عن الشهادة (والشرط) ولو وحدهم على الصحيح. عيني. قال: وضمن شاهدا الإيقاع لا التفويض لأنه علة والتفويض سبب اهـ. معنى علة العلة، إلا أن يقال: إنه عند وجود العلة لا يضاف الحكم إلا إليها. والحاصل: أنه إذا اجتمع شهود التزكية مع شهود الزنا ورجعوا جميعاً فالضمان على شهود التزكية، لأن الحكم يضاف إليها فكانت علة فيه، وإذا اجتمع شهود الزنا مع شهود الإحصان فرجعوا فالضمان على شهود الزنا لا الإحصان؛ لأن علة الحكم الشهادة والإحصان شرط كما ذكره الأكثر لتوقف وجوب الحد عليه. قوله: (والشرط) عطف على الإحصان، وظاهره أن المصنف مال إلى قول من قال: إن الإحصان علامة لا شرط، على خلاف ما فسره الشارح بأنه شرط على ما اختاره صاحب البحر تبعاً للأكثر. واختار البزدوي: أن الشرط ما ليس بعلة فشمل السبب فلا ضمان على شهود التفويض بل على شهود الإيقاع، وعلى كل فقد اتفقوا على عدم تضمين شهود الإحصان كالشرط، فلو شهد شهود بالزنا وآخران أن الزاني محصن فرجم، أو شهدا بتعليق عتق وطلاق وآخران بوقوع الشرط ثم رجعوا، فضمان الدية وقيمة القن ونصف المهر ليس إلا على شهود الزنا، والتعليق إذ شهادتهم على العلة، وهذا بالاتفاق. أما لو رجع شهود الشرط وحدهم ففيه الاختلاف، ولذا قال: ولو وحدهم على الصحيح. قال في الكافي: ولو رجع شهود الشرط وحدهم يضمنون عند البعض؛ لأن الشرط إذا سلم عن معارضة العلة صلح علة، لأن العلل لم تجعل عللاً بذواتها فاستقام أن يخلفها الشرط، والصحيح أن شهود الشرط لا يضمنون. بحال نص عليه في الزيادات، وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي، وإلى الأول فخر الإسلام البزدوي. شرنبلالية. قوله: (قال) أي العيني، وضمن شهود الإيقاع: أي لو قامت بينة أنه فوض إليها الطلاق وأخرى أنها أوقعته ثم رجعتا كان الضمان على بينة الإيقاع فقط لأن العلة. قوله: (لا التفويض) أي تفويض الطلاق إلى المرأة أو تفويض العتق إلى العبد، وشهد آخران أنها طلقت وأن العبد عتق الخ. شمني. قوله: (لأنه) أي الإيقاع علة. قال في البحر: وأراد من الشرط ما ليس بعلة فشمل السبب فلا ضمان على شهود التفويض والضمان على شهود الإيقاع كما قدمناه. واستشهد الحسامي على عدم تضمين شهود الشرط بما لو قال لعبده إن ضربك فلان فأنت حرّ فضربه فلان يعتق العبد ولا يضمن الضارب لأنه عتق بيمين مولاه لا بالضرب، فكذلك هذااهـ. والله سبحانه وتعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم. ٣٥٧ كتاب الوكالة كِتَابُ الوِكَالَّةِ كِتَابُ الوِگالَةِ هي بفتح الواو وكسرها: اسم للتوكيل والكلام فيها في مواضع. الأول: في معناها لغة. قال في المصباح: وكلت الأمر إليه وكلاً من باب وعد ووكولا: فوّضته إليه، واكتفيت به، والوكيل فعيل بمعنى مفعول لأنه موكول إليه، ويكون بمعنى فاعل إذا كان بمعنى الحافظ، ومنه. حسبنا الله ونعم الوكيل. والجمع وكلاء، ووكلته توكيلاً فتوكل: قبل الوكالة، وتوكل على الله: اعتمد عليه. والحاصل أنها في اللغة بمعنى التوكيل، وهو تفويض الأمر إلى الغير. الثاني: في معناها اصطلاحاً، فهي إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم، كذا في العناية. حتى أن التصرف إن لم يكن معلوماً يثبت به أدنى تصرفات الوكيل وهو الحفظ، وذكر في المبسوط وقد قال علماؤنا فيمن قال لآخر وكلتك بمالي أنه يملك بهذا اللفظ الحفظ فقط. كذا في النهاية. الثالث: في ركنها، وهو ما دل عليه من الإيجاب والقبول، ولو حكماً كالسكوت كم سنبينه قبيل الرابع. وستأتي التفرقة في الحكم بين القبول الصريح وبين السكوت، فلو قال وكلتك في هذا كان وكيلاً بحفظه لأنه الأدنى فيحمل عليه، وقيدوا بقوله في هذا لأنه لو قال وكلتك فقال قبلت الوكالة فقال الوكيل طلقت امرأتك ثلاثاً أو أعتقت عبدك فلاناً أو زوجت بنتك فلانة من فلان أو تصدقت من مالك بكذا على الفقراء فقال الرجل لا أرضى بذلك، فهذا الكلام متوجه إلى الذي تحاورا فيه، وقليلاً ما يكون هذا الكلام والتفويض الأبناء على سابقة تجري بينهما، فإن كان كذلك فالأمر على ما تعارفوه بما جرت المخاطبة فيه، فإن فعل شيئاً خارجاً من ذلك النوع لم ينفذ على الموكل دون إنفاذه. كذا في خزانة المفتين. ولو قال أنت وكيلي في كل شيء كان تفويضاً للحفظ، والقياس أن لا يكون وكيلاً به للجهالة، والاستحسان انصرافها إلى الحفظ، ولو قال أجزت لك بيع عبدي هذا يكون توكيلاً بالبيع، ولو زاد على قوله أنت وكيلي في كل شيء جائز أمرك ملك الحفظ والبيع والشراء ويملك الهبة والصدقة، حتى إذا أنفق على نفسه من ذلك المال جاز حتى يعلم خلافه من قصد الموكل، وعن الإمام تخصيصه بالمعاوضات، ولا يلي العتق والتبرع، وعليه الفتوى. وكذا إذا قال طلقت امرأتك ووقفت أرضك في الأصح لا يجوز. وفي الروضة فوّضت أمري إليك، قيل هذا باطل، وقيل هذا والأول سواء في أنه تفويض الحفظ. ولو قال مالك المستغلات فوّضت إليك أمر مستغلاتي وكان أجرها من إنسان ملك تقاضى الأجرة وقبضها، وكذا لو قال إليك أمر ديوني ملك التقاضي، ولو قال ٣٥٨ كتاب الوكالة فوّضت إليك أمر دوابي وأمر مماليكي ملك الحفظ والراعي والتعليف والنفقة عليهم، ولو قال فوّضت إليك أمر امرأتي ملك طلاقها واقتصر على المجلس، بخلاف قوله ملكتك حيث لا يقتصر على المجلس. كذا في البزازية. وفي كافي الحاكم: لو وكله بالقيام على داره وإجارتها وقبض غلتها، والبيع لم يكن له أن يبني ولا أن يرم منها شيئاً وليس وكيلاً في خصومتها، ولو هدم رجل منها شيئاً كان وكيلاً في الخصومة لأنه استهلك شيئاً في يديه، وكذا لو أجرها من رجل فجحد ذلك الرجل الإجارة كان خصماً فيها حتى يثبتها وكذا إذا سكنها وجحد الأجراهـ. وقال في باب الوكالة في الدين: لو وکله بتقاضي کل دین ثم حدث له دین بعد ذلك فهو وكيل في قبضه، ولو وكله بقبض غلة أرضه وثمرتها كان له أن يقبض ذلك كل سنة اهـ. وقال في باب قبض العارية والوديعة: ولو وكله بقبض عبد عند رجل فقتل العبد خطأ كان للمودع أن يأخذ القيمة من عاقلة القاتل، وليس للوكيل أن يقبض القيمة لأنها كالثمن، ولو كان الوكيل قبض العبد فقتل عنده كان له أن يأخذ القيمة، وهو الآن بمنزلة الأول، ولو جنى على العبد جناية قبل أن يقبضه الوكيل فأخذ المستودع أرشها فللوكيل أن يقبض العبد دون الأرش، وكذا لو كان المستودع أجره بإذن مولاه لم يأخذ الوكيل أجره، وكذا مهر الأمة إذا وطئت بشبهة ولو وكله بقبض أمة أو شاة فولدت كان للوكيل أن يقبض الولد مع الأم، ولو كانت ولدت قبل أن يوكله بقبضها لم يكن له أن يقبض الولد، وكذلك ثمرة البستانى بمنزلة الولد اهـ. قال في البدائع: وأما ركن التوكيل فهو الإيجاب والقبول، فالإيجاب من الموكل أن يقول وكلتك بكذا أو فعل كذا أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه. وزاد في الهندية: لو قال شئت بيع كذا فسكت وباع جاز، ولو قال لا أقبل بطل. كذا في محيط السرخسي اهـ. إذا قال لغيره إن لم تبع عبدي هذا فامرأتي كذا يصير ذلك الغير وكيلاً بالبيع. كذا في الذخيرة. رجل قال لغيره: سلطتك على كذا فهو بمنزلة قوله وكلتك. في المحيط البرهاني: إذا قال الرجل لغيره أحببت أن تبيع عبدي هذا أو قال هویت أو قال رضيت أو قال شئت أو قال أردت أو قال وافقني فهذا كله توكيل وأمر بالبيع اهـ. ولو قال لغيره أنت وكيلي بقبض هذا الدين يصير وكيلاً، وكذا لو قال أنت جربي، وكذا لو قال أنت وصيي في حياتي، ولو قال أنت وصيي لا یکون وکیلاً. ٣٥٩ كتاب الوكالة والقبول من الوكيل أن يقول قبلت وما يجري مجراه، فما لم يوجد لم يتم، ولهذا لو وكل إنساناً بقبض دينه فأبى أن يقبض ثم ذهب فقبض لم يبرأ الغريم لأنه ارتدّ بالرد. قال في الهندية: وقبول الوكيل ليس بشرط الصحة الوكالة استحساناً، ولكن إذا رد الوكيل الوكالة ترتد. هكذا ذكر محمد رحمه الله تعالى. كذا في الذخيرة. ثم الركن: قد يكون مطلقاً وقد يكون معلقاً بشرط نحو إن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذا العبد، وقد يكون مضافاً إلى وقت بأن يوكله في بيع هذا العبد غداً، ويصير وكيلاً في الغد وما بعده لا قبله ا هـ. فإن قلت: فما الفرق بين التوكيل والإرسال، فإن الإذن والأمر توكيل كما علمت؟ قلت: الرسول أن يقول له أرسلتك أو كن رسولاً عني في كذا، وقد جعل منها الزيلعي في باب خيار الرؤية أمرتك بقبضه، وصرح في النهاية فيه معزياً إلى الفوائد الظهيرية أنه من التوكيل، وهو الموافق لما في البدائع، إذ لا فرق بين افعل كذا وأمرتك بكذا. كذا في البحر. لكن قدم في باب خيار الرؤية نقلاً عن الفوائد جعل الأمر من ألفاظ الرسالة لا من ألفاظ التوكيل، وسيأتي في باب الوكالة بالخصومة أنه ليس بتوكيل، فتدبر. وفيه أيضاً: واعلم أنه ليس كل أمر يفيد التوكيل فيما أمر به. ففي الولوالجية: دفع له ألفاً وقال اشتر لي بها أو بع أو قال اشتر بها أو بع ولم يقل لي كان توكيلاً، وكذا اشتر بهذا الألف جارية وأشار إلى مال نفسه، ولو قال اشتر جارية بألف درهم كانت مشورة، وما اشتراه المأمور فهو له دون الآمر، قال: وكذا لو قال اشتر له هذه بألف إلا إذا زاد على أن أعطيك لأجل شرائك درهماً، لأن اشتراط الأجر له يدل على الإنابة اهـ. أقول: وحاصله أنه لا بد أن يكون في الأمر ما يدل على أن المأمور يفعل أمراً للآمر بطريق النيابة عنه. قال في تهذيب القلانسي: الوكيل من يباشر العقد، والرسول من يبلغ المباشرة، والسلعة أمانة في أيديهما اهـ. قال في المعراج: قيل الفرق بين الرسول والوكيل أن الوكيل لا يضيف العقد إلى الموكل، والرسول لا يستغني عن إضافته إلى المرسل، وإليه الإشارة في قوله تعالى ﴿ يا أيها الرسول بلغ﴾. وقوله. ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾. نفى الوكالة وأثبت الرسالة اهـ. قال في الدرر في أوائل البيع: الرسول معبر وسفير فكلامه كلام المرسل، فالفرق أن الوكيل لا يتوقف على إضافة العقد إلى الموكل بل يضيفه لنفسه، إلا في مواضع كالنكاح والخلع والهبة والرهن ونحوها، فإن الوكيل فيها كالرسول، حتى لو أضاف النكاح لنفسه كان له والرسول لا يستغني عن إضافته إلى المرسل، فإذا لم يضف الرسول العقد إلى ٣٦٠ كتاب الوكالة المرسل لم يقع، بل يقع للرسول. قال في البحر: لو ادعى أنه رسول وقال البائع أنه وكيل وطالبه بالثمن فالقول للمشتري والبينة على البائع. وجه كون القول للمشتري أنه منكر إضافة العقد لنفسه والبائع يدعي عليه ذلك، والقول قول المنكر بيمينه، إليه الإشارة في الخانية في البيوع، وشرطه الإضافة إلى مرسله: أي شرط كون القول للمشتري إضافة عقد الشراء إلى مرسله، فلو أضافه لنفسه لزمه الثمن. الرابع: في شرائطها، وهي أنواع ما يرجع إلى الموكل وما يرجع إلى الوكيل وما يرجع إلى الموكل به فما يرجع إلى الموكل كونه ممن يملك فعل ما وكل به بنفسه، وسنتكلم عليه عند شرح الكتاب؛ وما يرجع إلى الوكيل فالعقل، فلا يصح توكيل مجنون وصبيّ لا يعقل لا البلوغ والحرية وعدم الردة فيصح توكيل المرتد، ولا يتوقف لأن المتوقف ملكه وتوكيل الصبي الذي يعقل والعبد في النكاح والطلاق والخلع والصلح والاستعارة والهبة والبيع والشراء والإجارة وكل ما يعقده الموكل بنفسه. مَطْلَبٌ: يُشْتَطُ العِلْمُ لِلْوَكِيلِ بِالتَّوْكِيْلِ ومما يرجع للوكيل أن يعلم بالتوكيل، فلو وكله ولم يعلم فتصرف توقف على إجازة الموكل أو الوكيل بعد علمه. وحكي في البدائع فيه اختلافاً، ففي الزيادات أنه شرط، وفي الوكالة أنه ليس بشرط، ويثبت العلم إما بالمشافهة أو الكتاب إليه أو الرسول إليه أو بإخبار رجلين فضوليين أو واحد عدل أو غیر عدل وصدقه الوكيل، وإلا فعنده لا، وعندهما نعم. وأما ما يرجع إلى الموكل به فإن لا يكون بإثبات حدّ أو استيفائه إلا حد السرقة والقذف، وعمم أبو يوسف الحد والقصاص على الاختلاف، وأن لا يكون فيه جهالة متفاحشة كما سيأتي. الخامس: في حكمها، فمنه ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل، ومنه التوكيل العام، وقد صنف صاحب البحر فيه رسالة سماها [المسألة الخاصة في الوكالة العامة]. وحاصلها: أن الوكيل وكالة عامة يملك كل شيء إلا الطلاق والعتاق والهبة والصدقة على المفتى به. وتمامه فيها. وسيأتي في هذا الكتاب تمام الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى، ومنه أن لا يوكل الوكيل إلا بإذن أو تعميم أو تفويض إلا في مسألتين. الأولى: الوكيل بقبض الدين إذا وكل من فيه عياله فلا يصح فيبرأ المديون بالدفع إليه، ولو قبضه وضاع لم يضمن. الثانية: الوكيل يدفع الزكاة إذا وكل غيره ثم وثم فدفع الآخر جاز، ولا يتوقف كما في أضحية الخانية، ومنه أنه أمين فيما في يده كالمودع فيضمن بما يضمن به المودع،