Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
برقّ وحدّ وشركة.
وفي فتاوى النسفي: لو شهد بعض أهل القرية على بعض منهم بزيادة الخراج لا
تقبل ما لم يكن خراج كل أرض معيناً أو لا خراج للشاهد، وكذا أهل قرية شهدوا
على ضيعة أنها من قريتهم لا تقبل، وكذا أهل سكة يشهدون بشيء من مصالحه لو
غیر نافذة. وفي النافذة إن طلب حقاً لنفسه لا تقبل، وإن قال لا آخذ شيئاً تقبل،
البعض بطل في الكل لكونها غير متجزئة إذ هي شهادة واحدة. عناية. قوله: (برق) فإذا
طعن المدعى عليه في الشهود أنهم عبيد فعلى المدعي إقامة البينة على حريتهم. بحر عند
قوله: إلا أن يتحملا في الرق والصغر؛ لكل نقل بعده عن الخلاصة في الكلام على الجرح
المجرد أنه يقال للشاهدين أقيما البينة على الحرية وهو صريح ما قدمه في شرح قوله
والمملوك، وما هنا صريح في أن ذلك على المدعي وهو قوله فعلى المدعي إقامة البينة على
حريتهم، فتأمل. قوله: (وحد) فلو قال هم محدودون في قذف فعلى الطاعن إقامة البينة.
حموي. وله الطعن ولو بعد الحكم ولو عدلهم الخصم قبلها فله الطعن ولو عدلهم بعد
الشهادة لا يقبل طعنه ط. قوله: (وشركة) أي إذا ادعى الخصم أن الشاهد شريك المدعي
وأقام بينة تقبل شهادة بينته ولا يكلف المدعي إقامة بينة على أنه ليس شريكاً له على الظاهر
لأنها بينة نفي ط. قوله: (بزيادة الخراج) أي الذي لم يكن معيناً لا تقبل لأنه يدفع عن
نفسه بها مغرماً. قوله: (ما لم يكن خراج كل أرض معيناً) فإن الشاهد بشهادته لا يجرّ
لنفسه مغنماً ولا يدفع بها مغرماً، وكذا يقال فيما بعد. قوله: (أو لا خراج للشاهد) أي
عليه كما في الهندية عن الخلاصة. قوله: (شهدوا على ضيعة) أي يعود نفعها لجميعهم،
أما إذا كانت لجماعة معينين فلا مانع من القبول فيما يظهر ط. وعبارة البزازية ((على قطعة))
لكن في الفتح كما هنا ((على ضيعة)) وفي القاموس: الضيعة: العقار والأرض المغلة.
قال في الهندية: أهل القرية أو أهل السكة الغير النافذة شهدوا على قطعة أرض أنها
من قريتهم أو سكنهم لا تقبل، وإن كانت نافذة: إن ادعى لنفسه حقاً لا تقبل، وإن قال
لا آخذ شيئاً تقبل. كذا في الوجيز للكردري. قوله: (يشهدون بشيء من مصالحه) بأن
شهدوا على قطعة أرض أنها من سكتهم كما قدمناه عن الهندية. قوله: (وفي النافذة الخ)
صورته: ادعى أهل السكة قطعة أرض أنها من السكة وشهد بعضهم: إن كان الشاهد لا
غرض له إلا إثبات نفع عامّ لا جرّ مغنم له تقبل، وإن أراد أن يفتح باباً فيها لا تقبل ط.
قوله: (لا تقبل) وقيل تقبل مطلقاً في النافذة. فتح. قوله: (وإن قال لا آخذ شيئاً تقبل)
في قاضيخان: دار بيعت ولها شفعة وأنكر البائع البيع فشهد بذلك بعض الشفعاء: إن
كان لا يطلب الشفعة وقال أبطلت شفعتى جازت شهادته، وإلا لا لأن حق الشفعة مما
يحتمل الإبطال. أما في المسألة الآتية في الوقف على المدرسة من كان فقيراً من أصحاب

١٨٢
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وكذا في وقف المدرسة انتهى. فليحفظ (والأجير الخاص لمستأجره) مسانهة
المدرسة يكون مستحقاً للوقف استحقاقاً لا يبطل بإبطاله، فإنه لو قال أبطلت حقي كان له
أن يطلب ويأخذ بعد ذلك، فكان شاهداً لنفسه فيجب أن لا تقبل شهادته. وعن بعض
المشايخ: إذا شهد اثنان من أهل سكة على وقف تلك السكة: إن كان الشاهد يطلب
لنفسه حقاً لا تقبل شهادته، وإن كان لا يطلب تقبل ونظر فيه اهـ ملخصاً. ويؤيده ما
نذكره من الكلام عليها في المقولة الآتية فاحفظه. قوله: (وكذا) أي تقبل في وقف
المدرسة: أي في وقفية وقف على مدرسة كذا وهم من أهل تلك المدرسة؛ وكذلك
الشهادة على وقف مكتب وللشاهد صبي في المكتب، وشهادة أهل المحلة في وقف
عليها، وشهادتهم بوقف المسجد، والشهادة على وقف المسجد الجامع، وكذا أبناء السبيل
إذا شهدوا بوقف على أبناء السبيل فالمعتمد القبول في الكل، بزازية. وقيد بالشهادة بوقف
المدرسة، لأن شهادة المستحق فيما يرجع إلى الغلة كشهادته بإجارة ونحوها لا تقبل لأن له
حقاً في المشهود به فكان متهماً. بحر.
قال ابن الشحنة: ومن هذا النمط مسألة قضاء القاضي في وقف تحت نظره أو
مستحق فيه اهـ. وهذا كله في شهادة الفقهاء بأصل الوقف، أما شهادة المستحق فيما يرجع
إلى الغلة كشهادته بإجارة ونحوها لم تقبل لأن له حقاً فيه فكان متهماً.
وقد كتبت في حواشي جامع الفصولين أن مثله شهادة شهود الأوقاف المقررين في
وظائف الشهادة بما يرجع إلى الغلة لما ذكرنا، وتقريره فيهما لا يوجب قبولها. وفائدتها
إسقاط التهمة عن المتولي فلا يحلف، ويقوّيه أن البينة تقبل لإسقاط اليمين، كالمودع إذا
ادعى الرد أو الهلاك فالقول له مع اليمين، فإن برهن فلا يمين. بحر ملخصاً، فراجعه.
قال الرملي: ويعلم من قوله ومن هذا النمط الخ جواز شهادة الناظر في وقف تحت نظره،
لأن القضاء والشهادة من باب واحد كما تقدم. وقد أفتى به شيخ الإسلام الشيخ محمد
الغزي في واقعة الحال بقوله الظاهر قبولها، كما شهد بوقف مدرسة وهو صاحب وظيفة
بها. والله تعالى أعلم، فتأمل اهـ.
ويرد على ما مر من الفرق في البزازية من قوله: أهل القرية إذا شهدوا على قطعة
أرض أنها من أراضي قريتهم لا تقبل. وأجاب عنه التمرتاشي بحمله على قرية مملوكة كما
في التنقيح. قوله: (انتهى) أي ما في فتاوى النسفي، ونقله عنه في الفتح آخر الباب.
قوله: (والأجير الخاص) وذلك لأن منافعه مستحقة للمستأجر ولهذا لا يجوز له أن يؤجر
نفسه من آخر في تلك المدة، فلو جازت شهادته للمستأجر كانت شهادة بالأجر لأن
شهادته من جملة منافعه، فلا تقبل شهادته في تجارة أستاذه ولا في شيء آخر اهـ. شلبي.
وقيد بالخاص لأن شهادة المشترك كالخياط تقبل لأنه لا يستوجب أجراً إلا بعمله، فإذا لم

١٨٣
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
يستوجب بإجارته- شيئاً انتفت التهمة عن شهادة اهـ. وتقبل شهادة من استأجره يوماً في
ذلك اليوم استحساناً كما في البزازية، ولا تقبل شهادة المستعير لمعيره بالمستعار، ولو رهن
داراً فشهد له من استأجره للبناء يقبل، وإن شهد له من استأجره لهدمها لا .
قال في الهندية: رجل ادعى داراً في يد رجل فشهد له شاهدان بها وأن المدعي
استأجرهما على بنائها وغير ذلك مما لا يجب عليه الضمان في ذلك جازت شهادتهما، وإن
قالا استأجرنا على هدمها فهدمناها لا تقبل شهادتهما بالملك للمدعي ويضمنان قيمة البناء
للمدعى عليه، كذا في فتاوى قاضيخان. وشهادة الأستاذ للتلميذ مقبولة، وكذا المستأجر
للأجير. فتح. ولا تقبل شهادة المستأجر للآجر بالمستأجر. بحر.
لو استأجر داراً شهراً فسكن الشهر كله ثم جاء مدع آخر فشهد بها المستأجر ورجل
آخر معه فالقاضي يسأل المدعي عن الإجارة أكانت بأمره أو بغير أمره؟ فإن قال كانت
بأمري لم تقبل شهادة المستأجر لأنه مستأجر شهد بالمستأجر للآجر، وإن قال كانت بغير
أمري تقبل شهادته لأنه ليس بمستأجر في حقه، ولو لم يسكن الشهر كله لم تجز شهادته
وإن لم يدّع المدعي أن الإجارة كانت بأمره.
ولو شهد المستأجران أن المدعي للذي آجرهما لإثبات الإجارة أو الإنسان آخر على
المؤجر لفسخ الإجارة، قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: جازت شهادتهما سواء كانت
الأجرة رخيصة أو غالية. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: لا تجوز شهادتهما في فسخها
لأنهما يدفعان عن أنفسهما الأجرة، وإن كانا ساكنين في الدار بغير أجر جازت
شهادتهما. هندية عن المحيط .
وفيها إذا شهد الأجير لأستاذه وهو أجير شهر فلم ترد شهادته ولم يعدل حتى
مضى الشهر ثم عدل لم تقبل شهادته، فمن شهد لامرأته ثم طلقها قبل التعديل لا تقبل
شهادته، وإن شهد ولم يكن أجيراً ثم صار أجيراً قبل القضاء بطلت شهادته، ولو أن
القاضي لم يرد شهادته وهو غير أجير ثم صار أجيراً ثم مضت مدة الإجارة لا يقضى
بتلك الشهادة وإن لم يكن أجيراً عند القضاء ولا عند الشهادة، فلو أن القاضي لم يبطل
شهادته ولم يقبل فأعاد الشهادة بعد انقضاء مدة الإجارة جازت شهادته اهـ. ولا تجوز
شهادة الكيال بخلاف الذراع، وشهادة الدائن لمديونه تقبل وإن كان مفلساً كما في الهداية.
وفي المحيط: لا تقبل بدين له بعد موته. بحر. قال العلامة التمرتاشي في فتاويه: تقبل
شهادة ربّ الدين لمديونه حال حياته إذا لم يكن مفلساً قولاً واحداً.
واختلف فيما إذا شهد له في حال كونه مفلساً: ففي المحيط: لا تقبل. وشمس
الأئمة الحلواني والد صاحب المحيط قال: تقبل. وأما إذا شهد له بعد الموت فلا تقبل

١٨٤
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
أو مشاهرة أو الخادم أو التابع أو التلميذ الخاص الذي يعدّ ضرر أستاذه ضرر نفسه
ونفعه نفع نفسه. درر. وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام ((لَا شَهَادَةً لِلْقَانِعِ
بِأَهْلِ البَيْتِ))(١) أي الطالب معاشه منهم من القنوع لا من القناعة،
قولاً واحداً لتعلق حقه بالتركة كالموصى له. كذا في شرح الوهبانية اهـ. قوله: (أو
مشاهرة) أو مياومة هو الصحيح، جامع الفتاوى. ومثله في الخلاصة، ويلحق به المزارع
فإنه لا يلزم أن تكون مسانهة أو مشاهرة، فقد يزارعه على إنهاء هذا الزرع لكنه في حكمه
فلا تصح شهادته لرب البذر كما تقدم. قوله: (أو الخادم أو التابع) يحرر الفرق بين
المذکورین.
وقد يقال: إن المراد بالخادم من يخدم بغير أجر، والتابع من يكون يتعيش في منزل
المشهود له من غير خدمة كملازم في البيت؛ والمراد بالتلميذ الصناع التابعون لكبيرهم ط.
وفي الخلاصة: هو الذي يأكل معه وفي عياله وليس له أجر معلوم. وقيل المراد الأجير
مسانهة أو مشاهرة أو مياومة. وتمامه في الفتح. وكان بين الخادم وبين الأجير عموم
وخصوص من وجه، فالأجير يستأجر لغير الخدمة الخاصة به، كما لو استأجره لرعي
الغنم أو للخياطة أو الخبز مسانهة أو مشاهرة والخادم قد يخدمه بلا أجر طمعاً في طعامه أو
أمر آخر، فيجتمعان فيمن استأجره مسانهة أو مشاهرة للخدمة، وينفرد الأجير فيما لو
استأجره للخياطة مثلاً كذلك، وينفرد الخادم فيما إذا كان يخدمه طمعاً في طعامه وشرابه
بدون استئجار، والتابع هو الذي يكون عالة عليه وإن لم يخدمه، والتلميذ هو الذي يتعلم
منه علماً أو غيره من الصنائع ويدخله في نفقته، وهو الذي أراد بقوله ((يعد ضرر أستاذه
الخ)) بدليل قوله ((وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام الخ)). قوله: (من القنوع) بالضم.
قنع يقنع قنوعاً: إذا سأل، فيكون المراد به السؤال كما هو أحد معانيه. قال تعالى:
﴿وأطعموا القانع﴾ قال بعضهم: القانع هو السائل الذي لا يلح في السؤال ويرضى بما
يأتيه عفواً، ويطلق على التذلل. ومن دعائهم: نسأل الله القناعة ونعوذ به من القنوع،
ويطلق على الرضا بالقسم فهو ضد. وفي المثل: خير الغنى القنوع، وشرّ الفقر الخضوع،
والفعل كمنع واسم الفاعل قانع وقنيع. أما القناعة فالرضا بالقسم كالقنع محركاً والفعل
كفرح واسم الفاعل قنع وقانع وقنوع وقنيع. أفاده في القاموس وبهذا علمت أن قوله من
القناعة: يعني أن المراد بالقنوع إما السؤال وإما التذلل، وعلمت أن القنوع يأتي بمعنى
القناعة. ط بزيادة. قوله: (لا من القناعة) الاجتزاء باليسير من الأعراض المحتاج إليها،
يقال قنع يقنع قناعة وقنعاناً إذا رضي، وللحن البابين أشار الشاعر بقوله: [الكامل]
العَبْدُ حُرٍّ إِنْ قَنِعْ وَالحُرُّ عَبْدٌ إِنْ طَمِعْ
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢٠٤/٢.

١٨٥
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
ومفاده قبول شهادة المستأجر والأستاذ له (ومخنث) بالفتح (من يفعل الرديء)
ويؤتى، وأما بالكسر: فالمتكسر المتلين في أعضائه وكلامه خلقة فيقبل. بحر
(ومغنية) ولو لنفسها لحرمة رفع صوتها. درر.
فَأَقْنَعْ وَلَا تَطْمَعْ فَمَا شَيْءٌ أُضَرُّ مِنَ الطَّمَغْ
قوله: (ومفاده) أي الحديث الخ صرح به في الفتح جازماً به، ونقله في
الشرنبلالية: أي إذا كان العلة في عدم قبوله شهادتهما هو طلب معاشهم من المشهود له،
إذ حينئذ يتمتعون بما يحصل له من الخير، وذلك لا يوجد في المستأجر والأستاذ فتصح
شهادتهم. لكن في التاتر خانية عن الفتاوى الغيائية: ولا تجوز شهادة المستأجر للأجير.
وفي حاشية الفتال عن المحيط للسرخسي قال أبو حنيفة في المجرد: لا ينبغي
للقاضي أن يجيز شهادة الأجير لأستاذه ولا الأستاذ لأجيره اهـ. وهو مخالف لما استنبطه
من الحديث. قوله: (من يفعل الرديء) أي من أفعال النساء من التزين بزينتهن والتشبه
بهن في الفعل والقول، فالفعل مثل كونه محلاً للواطة، والقول مثل تليين كلامه باختياره
تشبهاً بالنساء اهـ. مغرب. وجعل بعضهم الواو في قوله والقول بمعنى أو، فأحدهما
كاف لأن التشبيه بقولهن حرام للرجال. وجعل القهستاني المخنث خلقة بمنزلة امرأة
واحدة في الشهادة، وهو غريب ط. قال في الهندية: أما إذا كان في كلامه لين وفي
أعضائه تكسر خلقة ولم يشتهر بشيء من الأفعال الرديئة فهو عدل مقبول الشهادة، هكذا
في التبيين اهـ. وإنما كانت معصية لو بقصده لحديث ((لَعَنَ اللَّهُ المُخَنَّثينَ مِنَ الرِّجَالِ
وَأَلْمُتَرَجُلَاتٍ مِنَ النِّسَاءِ))(١). قوله: (ومغنية) ولو بشعر في حكمة. قهستاني. لأنه وَلجو
نهى عن الصوتين الأحمقين: المغنية، والنائحة. وصف الصوت بصفة صاحبه.
اعلم أن التغني للهو أو جمع المال حرام بلا خلاف والنوح كذلك خصوصاً إذا كان
من المرأة، لأن رفع الصوت منها حرام بلا خلاف اهـ. شلبي. قوله: (لحرمة رفع صوتها)
ظاهره أنه يحرم رفع صوتها في مكانها الخاص بها بحيث لا يسمعها الأجنبي.
قال في النهاية: فلذا أطلق في قوله ((مغنية)) وقيد في غناء الرجال بقوله للناس.
وتمامه في الفتح. ويأتي إن شاء الله تعالى عند قوله ((ومن يغني للناس)) لكن نظر فيه
الطحطاوي واستظهر عليه بما في الهندية عن شرح أبي المكارم، فلا تسمع شهادة مغنية
تسمع الناس صوتها وإن لم تتغن لهم اهـ. قال في السعدية: وما ذكره: أي صاحب الدرر
من قوله ولو لنفسها الخ جار في النوح بعينه، فما باله لم يكن مسقطاً للعدالة إذا ناحت في
مصيبة نفسها اهـ.
(١) ذكره الهيثمي في المجمع ١٠٣/٨ والعجلوني في كشف الخفا ٢/ ٢٠٥.

١٨٦
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وينبغي تقييده بمداومتها عليه ليظهر عند القاضي كما في مدمن الشرب على اللهو.
ذكره الواني (ونائحة في مصيبة غيرها)
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: يمكن الفرق بأن المراد رفع صوت يخشى منه
الفتنة اهـ. قوله: (وينبغي تقييده الخ) مثله كل من أتى باباً من أبواب الكبائر. أفاده
الكمال. وإنما خص الظهور عند القاضي بالمداومة، لأن الشهادة على ذلك جرح مجرد،
لكن فيه أنه تقبل الشهادة عليه سراً. تأمل. قوله: (ونائحة في مصيبة غيرها) في المغرب:
ناحت المرأة على الميت: إذا ندبته، وذلك أن تبكي عليه وتعدّد محاسنه. والنياحة الاسم،
ومنها الحديث على ما قرأته في الفائق ((ثَلَاثَةٌ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلَيَّةِ: الطّغْنُ فِي الأَنْسَابِ
وَالنِّيَاحَةُ، وَالأَنْوَاءُ))(١) فالطعن معروف، والنياحة ما ذكر. والأنواء جمع نوء: هي منازل
القمر والعرب كانت تعتقد أن الأمطار والخير كلها تجيء منها، وقيل النوح: بكاء معه
صوت اهــ رملي على المنح.
قال في البحر: قولهم إن النائحة لا تسقط عدالتها إلا إذا ناحت في مصيبة غيرها مع.
أن النياحة كبيرة للتوعد عليها لكن لا تظهر إلا في مصيبة غيرها غالباً اهـ. وهذا الذي
ينبغي التعليل به، وأما الذي يذكره الشارح عن الواني فلا ينبغي تضييع المراد به، إذ
ظاهره أنه يباح لها حينئذ، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة.
قال في التاترخانية معزياً للمحيط: لا تقبل شهادة النائحة، ولم يرد به التي تنوح في
مصيبتها، وإنما أراد التي تنوح في مصيبة غيرها واتخذت ذلك مكسبة اهـ. ونقله في الفتح
عن الذخيرة. ثم قال: ولم يتعقب هذا من المشايخ أحد فيما علمت، لكن بعض متأخري
الشارحين نظر فيه بأنه معصية فلا فرق بين كونه للناس أو لا. قال ﴾: ((لَعَنَ اللّهُ
الصَّالِقَةَ وَالْحَالِقَةَ وَالشَّاقَّةَ)) وقال ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقّ الْجُيُوب وَدَعًا
بِدَغْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)) وهي في صحيح البخاري(٢). ولا شك أن النياحة ولو في مصيبة نفسها
معصية، لكن الكلام في أن القاضي لا يقبل شهادتها لذلك وذلك يحتاج فيه إلى الشهرة
ليصل إلى القاضي، فإنما قيد بكونها للناس لهذا المعنى، وإلا فهو يرد عليه مثله في
قولهم: ولا مدمن الشرب على اللهو، يريد شرب الأشربة المحرمة خمراً أو غيره. ولفظ
محمد في الأصل: ولا شهادة مدمن خمر، ولا شهادة مدمن السكر، يريد ولو من الأشربة
المحرمة التي ليست خمر فقال هذا الشارح يشترط الإدمان في الخمر وهذه الأشربة: يعني
الأشربة المحرمة لسقوط العدالة مع أن شرب الخمر كبيرة بلا قيد الإدمان، ولهذا لم
يشترط الخصاف في شرب الخمر الإدمان، لكن نص عليه في الأصل كما سمعت فما هو
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ٧٩/١٧.
(٢) أخرجه البخاري ١٦٣/٣ (١٢٩٤)، ومسلم ٩٩/١ (١٠٣/١٦٥).

١٨٧
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
بأجر. درر وفتح. زاد العيني: فلو في مصيبتها تقبل، وعلله الواني بزيادة
اضطرارها وانسلاب صبرها واختيارها، فكان کالشراب للتداوي (وعدو بسبب
الدنیا) جعله ابن الکمال (مکس
جوابه؟ هو الجواب في تقييد المشايخ بكون النياحة للناس، ثم هو نقل كلام الشيخ في
توجيه اشتراط الإدمان أنه إنما شرط ليظهر عند الناس، فإن من شربها سراً لا تسقط
عدالته ولم يتنفس فيه بكلمة واحدة، فكذا التي ناحت في بيتها لمصيبتها لا تسقط عدالتها
لعدم اشتهار ذلك عند الناس، وانظر إلى تعليل المصنف بعدم ذکر الإدمان بأنه ارتکب.
محرم دينه مع أن ذلك ثابت بلا إدمان، فإنما أراد أنه إذا أدمن حينئذ يظهر أنه مرتكب
محرم دينه فتردّ شهادته، بخلاف التي استمرت تنوح للناس لظهوره حينئذ، فيكون كالذي
يسكر ويخرج سكراناً وتلعب به الصبيان في رد شهادته، وصرح بأن الذي يتهم بشرب
الخمر لا تسقط عدالته. ومنهم من فسر الإدمان بنيته، وهو أن يشرب ومن نيته أن يشرب
مرة أخرى، وهذا هو معنى الإصرار، وأنت تعلم أنه سيذكر ردّ من يأتي باباً من أبواب
الكبائر التي يتعلق بها الحد، وشرب الخمر منها من غير توقف على نية أن يشرب، ولأن
النية أمر مبطن لا يظهر للناس، والمدارات(١) التي يتعلق بوجودها حكم القاضي لا بد أن
تكون ظاهرة لا خفية لأنها معرفة، والخفي لا يعرف والظهور بالإدمان الظاهر لا بالنية.
نعم بالإدمان الظاهر يعرف إصراره، لكن بطلان العدالة لا يتوقف في الكبائر على الإصرار
يل أن يأتيها ويعلم ذلك، وإنما ذلك في الصغائر، وقد اندرج فيما ذكرنا شرح ذلك اهـ.
قوله: (بأجر) أطلق في مسكين وأشار إليه في الكافي، وكذا في القهستاني كما يأتي النقل
عنه قريباً. قوله: (زاد العيني فلو في مصيبتها تقبل) اعلم أن هذا التفريع بعض من المفهوم
السابق، فالعجب من قوله ((زاد الخ)) بل في اقتصار العيني وتعليل الوافي إشارة إلى أنهما
نقصا من العبارة السابقة اشتراط الأجر، ولهذا قال القهستاني: ولو بلا أجر، وتقدم
الكلام على ما في ظاهر التعليل، فافهم. قوله: (بزيادة اضطرارها) أي وفي النوح تخفيف
هذه الضرورة، وإنما قلنا ذلك ليظهر قوله ((فكان كالشرب للتداوي)» ط. قوله:
(واختيارها) مقتضاه لو فعلته عن اختيارها لا تقبل. سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله:
(فكان كالشرب) أي شرب محرم للتداوي فإنه يجوز عند الثاني للضرورة. قولة: (وعدو)
أي على عدوه كما في الملتقى. قوله: (بسبب الدنيا) لأن المعاداة لأجلها حرام، فمن
ارتکبها لا یؤمن من التقول علیه. أما إذا کانت دینیة فإنها لا تمنع لأنها تدل علی کمال
دينه وعدالته. وهذا لأن المعاداة قد تكون واجبة بأن رأى فيه منكراً شرعاً ولم ينته بنهيه،
(١) في ط. قوله: (والمدارات) المدارات بفتح الميم والدال والراء المهملات: أي مدار الأمر لعدم قبول الشهادة النية
وهي أمر خفي لا بد أن تكون الخ.

١٨٨
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
بدليل قبول شهادة المسلم على الكافر مع ما بينهما من العداوة الدينية، والمقتول وليه على
القاتل، والمجروح على الجارح، أو الزوج على امرأته بالزنا. ذكره ابن وهبان.
وفي خزانة المفتين: والعدوّ من يفرح لحزنه ويحزن لفرحه. وقيل يعرف بالعرف اهـ.
ومثال العداوة الدنيوية أن يشهد المقذوف على القاذف والمقطوع عليه الطريق على القاطعِ،
وفي إدخال الزوج هنا نظر، فقد صرحوا بقبول شهادته عليها بالزنا إلا إذا قذفها أولًا،
وإنما المنع مطلقاً قول الشافعي. وفي بعض الفتاوى: وتقبل شهادة الصديق لصديقه اهـ:
أي إلا إذا كانت متناهية بحيث يتصرف أحدهما بمال الآخر كما تقدم.
ثم اعلم أن المصرح به في غالب كتب أصحابنا والمشهور على ألسنة فقهائنا ما ذكره
المؤلف من التفصيل.
ونقل في القنية أن العداوة بسبب الدنيا لا تمنع، ما لم يفسق بسببها أو يجلب منفعة
أو يدفع بها عن نفسه مضرة، وهو الصحيح وعليه الاعتماد. وما في الواقعات وغيرها
اختيار المتأخرين. وأما الرواية المنصوصة فبخلافها. وفي كنز الرؤوس: شهادة العدو على
عدوه لا تقبل لأنه متهم. وقال أبو حنيفة: تقبل إذا كان عدلًا. قال أستاذنا: وهو
الصحيح وعليه الاعتماد، لأنه إذا كان عدلًا تقبل شهادته، وإن كان بينهما عداوة بسبب
أمر الدنيا اهـ. واختاره ابن وهبان، ولم يتعقبه ابن الشحنة، لكن الحديث شاهد لما عليه
المتأخرون كما رواه أبو داود مرفوعاً ((لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا
زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ»(١) والغمر: الحقد. ويمكن حمله على ما إذا كان غير عدل
بدلیل أن الحقد فسق للنهي عنه.
وقد ذكر ابن وهبان رحمه الله تعالى تنبيهات حسنة لم أرها لغيره.
الأول: الذي يقتضيه كلام صاحبه القنية والمبسوط أنا إذا قلنا إن العداوة قادحة في
الشهادة تكون قادحة في حق جميع الناس لا في حق العدو فقط، وهو الذي يقتضيه
الفقه، فإن الفسق لا يتجزأ حتى يكون فاسقاً في حق شخص عدلً في حق آخر اهـ.
: قلت: ولهذا لم يقل المؤلف على عدوه بل أطلقه، ويقاس على قولهم إن الفسق لا
يتجزأ الناظر إذا كان عليه أنظار وقف عديدة وثبت فسقه بسبب خیانته في واحد منها،
فهل يسري فسقه في كلها فيعزل؟ أجاب سيدي الوالد بالسريان وأنه يعزل منها جميعاً، وبه
أفتى أبو السعود، وكتب الرملي هنا: الظاهر من كلامهم أن عدم القبول إنما هو للتهمة
لا للفسق، ویؤيده ما یأتي عن ابن الکمال، وما صرح به يعقوب باشا و کثیر من علمائنا
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٣٢٠/٨ (١٥٣٦٤) وأحمد في المسند ١٨١/٢ وأبو داود (٣٦٠٠ - ٣٦٠١)
وابن ماجة (٢٣٦٦) والدارقطني ٢٤٤/٤ (١٤٤).
١

١٨٩
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
صرحوا بأن شهادة العدو على عدوه لا تقبل، فالتقييد بكونها على عدوه ينفي ما عداه وهو
المتبادر للأفهام، فتأمله اهـ.
أقول: أنت خبير بأن فعل الكبيرة والإصرار على الصغيرة قادح في العدالة، وقد
شرط في القنية لعدم القبول كونه فسق بتلك العداوة. وعلى هذا فعدم قبولها مطلقاً
ظاهر، وينبغي تقييده بما إذا كانت عداوة ظاهرة كما يفيده ما يأتي عن الفتح في شرح
قوله أو يرتكب ما يوجب الحد. فتحرر أن الوجه عدم القبول مطلقاً، والتعليل بالاتهام
كما مر عن كنز الرؤوس لا ينافيه، لأن الفاسق لا يقبل للاتهام أيضاً، وما يأتي عن ابن
الكمال يمكن حمله على ما إذا لم يفسق بها فليتأمل اهـ. قاله سيدي الوالد رحمه الله تعالى.
الثاني: لو ادعى شخص عداوة آخر يكون مجرد دعواه اعترافاً منه بفسق نفسه، ولا
يكون ذلك قادحاً في عدالة المدعي أنه عدو ما لم يثبت المدعي أنه عدوّ له.
الثالث: لو قضى القاضي بشهادة العدو على عدوّه أو على غير عدوه هل يصح أو
لا؟ قلنا: إن المانع من قبول الشهادة هو الفسق فيكون حينئذ صحيحاً نافداً، لأن القاضي
إذا قضى بشهادة الفاسق نفذ قضاؤه ويصح، وإن قلنا: إنه لمعنى آخر أقوى من الفسق لا
يصح في حق العدو ويصح في حق غيره. وذكر ابن الكمال في إصلاح الإيضاح أن
شهادة العدو لعدوه جائزة عكس شهادة الأصل لفرعه اهـ. وهذا يدل على أنها لم تقبل
للمتهمة لا للفسق اهـ.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: قوله لأن القاضي إذا قضى بشهادة الفاسق نفذ
قضاؤه ويصح.
قال الرملي: وصرح يعقوب باشا في حاشيته بعدم نفاذ قضاء القاضي بشهادة العدوّ
على عدوّه. وأقول: وقياسه يقتضي أن العصبية كذلك، فلا ينفذ قضاء القاضي بشهادته
لأنه الذي يبغض الرجل لكونه من بني فلان أو من قبيلة كذا كما سيأتي قريباً منقولًا عن
معین الحكام، فتأمل اهـ.
الرابع: قد يتوهم بعض المتفقهة والشهود أن كل من خاصم شخصاً في حق وادعى
عليه حقاً أنه يصير عدوه فيشهد بينهما بالعداوة وليس كذلك، بل العداوة إنما تثبت بنحو
ما ذكرت. نعم لو خاصم الشخص آخر في حق لا تقبل شهادته عليه في ذلك الحق،
كالوكيل لا تقبل شهادته فيما هو وكيل فيه ونحو ذلك، لأنه إذا تخاصم اثنان في حق لا
تقبل شهادة أحدهما على الآخر لما بينهما من المخاصمة اهـ.
قلت: ويدل له ما في فتاوى قاضيخان من باب ما يبطل دعوى المدعي: رجل
خاصم رجلاً في دار أو في حق ثم إن هذا الرجل شهد عليه في حق آخر جازت شهادته
إذا كان عدلاً اهـ.

١٩٠
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
الفرع لأصله) فتقبل له لا عليه، واعتمد في الوهبانية والمحبية قبولها
واعلم أنه لو شهد على رجل آخر فخاصمه في شي قبل القضاء لا يمتنع القضاء
بشهادته إلا إذا ادعى أنه دفع له كذا لئلا يشهد عليه وطلب الرد وأثبت دعواه ببينة أو
إقرار أو نکول فحينئذ بطلت شهادته، وهو جرح مقبول کما صرحوا به، وسيأتي في بیان
الجرح.
الخامس: إذا قلنا: لا تجوز شهادة العدو على عدوه إذا كانت دنيوية هل الحكم في
القاضي كذلك حتى لا يجوز قضاء القاضي على من بينه وبينه عداوة؟ لم أقف عليه في
كتب أصحابنا، وينبغي أن يكون الجواب فيه على التفصيل: إن كان قضاؤه عليه بعلمه
ينبغي أن لا ينفذ، وإن كان بشهادة العدول وبمحضر من الناس في مجلس الحكم بطلب
خصم شرعي ينبغي أن ينفذ. وفرق الماوردي من الشافعية بينهما بأن أسباب الحكم
ظاهرة وأسباب الشهادة خافية. بحر. وقدمنا أوائل الباب أن في المسألة قولين
معتمدین.
أحدهما: عدم قبولها على العدوّ، وهو اختيار المتأخرين، وعليه صاحب الكنز
والملتقى، ومقتضاه أن العلة العداوة لا الفسق، وإلا لم تقبل على غير العدو أيضاً.
ثانيهما: أنها تقبل إلا إذا فسق بها، واختاره ابن وهبان وابن الشحنة فراجعه، وكذا
تقدم في أول القضاء الكلام على ذلك فارجع إليه.
وفي فتاوى الحانوتي: سئل في شخص ادعى عليه وأقيمت عليه بينة فقال إنهم
ضربوني خمسة أيام فحكم عليه الحاكم ثم أراد أن يقيم البينة على الخصومة بعد الحكم فهل
تسمع؟ الجواب: قد وقع الخلاف في قبول شهادة العدوّ على عدوه عداوة دنيوية، وهذا
قبل الحكم، وأما بعده فالذي يظهر عدم نقض الحكم، كما قالوا: إن القاضي ليس له أن
يقضي بشهادة الفاسق ولا يجوز له، فإذا قضى لا ينقض اهـ. لكن يعارضه ما قدمناه آنفاً
عن الرملي، وصرح يعقوب باشا في حاشيته بعدم نفاذ قضاء القاضي بشهادة العدو على
عدوه .
وأقول: وقياسه يقتضي أن العصبية كذلك، فلا ينفذ قضاء القاضي بشهادته لأنه
الذي يبغض الرجل لكونه من بني فلان أو من قبيلته كما في معين الحكام اهـ.
أقول: وقدم الشارح عبارة اليعقوبية أول القضاء وأقرها سيدي الوالد، وكذا الخير
الرملي في فتاواه فتنبه. قوله: (فتقبل له لا عليه) هذا يفيد قبولها لغير عدوه إذا لم يفسق
به كما يأتي. قوله: (واعتمد في الوهبانية والمحبية قبولها الخ) قد علمت ما تحصل مما
سبق أن شهادة العدو على عدوه لا تقبل وإن كان عدلاً وعدم نفاذ القضاء بها، والمسألة

١٩١
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
ما لم يفسق بسببها. قالوا: والحقد فسق للنهي عنه.
وفي الأشباه في تتمة قاعدة: إذا اجتمع الحرام والحلال ولو العداوة للدنيا لا
تقبل سواء شهد على عدوه أو غيره، لأنها فسق وهو لا يتجزأ.
وفي فتاوى المصنف: لا تقبل شهادة الجاهل على العالم لفسقه بترك ما يجب
دوارة في الكتب فاحفظه. قوله: (ما لم يفسق بسببها) وهي الرواية المنصوصة والإطلاق
اختيار المتأخرين. وفي القهستاني ما يفيد أن ما عليه المتأخرون هو الصحيح في زمانهم
وزماننا اهـ. وينبغي أن يقال فيه ما قيل في مدمن الخمر من الاشتهار ط. قوله: (قالوا
والحقد فسق للنهي عنه) فسره في الطريقة المحمدية بأن يلزم نفسه بغضه وإرادة الشرّ له.
وحكمه: إن لم يكن بظلم أصابه منه بل بحق وعدل كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فحرام، وإن كان بظلم أصابه منه فليس بحرام، وإن لم يقدر على أخذ الحق فله تأخيره
إلى يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلُمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلِ
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ
أليم﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢] وساق للنهي أحاديث دالة عليه. منها قوله وله: ((لَا تُظْهِرِ
الشّمَاتَةَ لَأَخِيكَ فَيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِكَ))(١). ومنها قوله ◌َِله: ((لَ يُحِلٌ لِمُؤْمِنِ أَنْ يُهْجُرَ
مُؤْمِناً فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَإِذَا مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ فَلْيَلْقَهُ وَلْيُسَلِّمُ عَليهِ، فَإِنْ رَدَّ عَليهِ فَقَدِ اُشْتَرَكَا فِي
الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدِّ عَلَيَهِ فَقَدْ بَاءَ بِآلإِثْم))(٢) وهذا محمول على الهجر لأجل الدنيا، وأما
لأجل الآخرة والمعصية والتأديب فجائز بل مستحب من غير تقدير اهـ. قوله: (سواء
شهد على عدوه أو غيره) أو لهما قيل عليه مفاده أن عدوّ الشخص لا تقبل شهادته على
الشخص ولا على غيره ولا معنى له، إذ شهادة عدوّ زيد على عمرو مقبولة، فلعل في
العبارة سقطاً اهـ.
أقول: حيث كان عدم قبول شهادة العدوّ على عدوه مبنياً على أنه يفسق بالمعاداة
والفسق مما لا يتجزأ فله معنى، وليس في العبارة سقط حينئذ لا فرق بين ذلك الشخص
وغيره، وإنما يفرق الحال لو كان عدم القبول مبنياً على التهمة. فتأمل. ذكره الحموي.
قوله: (لا تقبل شهادة الجاهل) قال في معين الحكام: ولا من لا يحكم فرائض الوضوء
والصلاة. ومن سافر فاحتاج للتيمم فلم يحسنه ولا المنجم وإن اعتقد عدم تأثير النجوم
وادعى أنها أدلة ويؤدّب حتى يكفّ عن هذا الاعتقاد ولا يصدق لقوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ
عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّ من آرْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]. قوله: (على العالم) ليس
بقيد بدليل التفريع والتعليل ح. قوله: (لفسقه بترك ما يجب تعلمه شرعاً) قدم في باب
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨٦/٥ وابن القيسراني في التذكرة (٩٥٤) وفي جامع مسانيد أبي حنيفة ٢٥/١ - ٨٦.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص ١٤٩ وأبو داود (٤٩١٢) والبيهقي في السنن ٦٣/١٠.

١٩٢
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
تعلمه شرعاً، فحينئذ لا تقبل شهادته على مثله ولا على غيره، وللحاكم تعزيره على
تركه ذلك. ثم قال: والعالم من يستخرج المعنى من التركيب كما يحق وينبغي
(ومجازف في كلامه) أو يحلف فيه كثيراً
التعزيز أن للقاضي أن يسأل عن سبب فسق الشاهد، فلو قال الطاعن هو ترك واجب
سأل القاضي المشتوم عما يجب عليه بعلمه من الفرائض، فإن لم يعرفها ثبت فسقه لما في
المجتبى: من ترك الاشتغال بالفقه لا تقبل شهادته، والمراد ما يجب تعلمه منه اهـ. قوله:
(والعالم الخ) أتى به دفعاً لتوهم أن العالم المدرس. قوله: (من يستخرج المعنى) السين
والتاء زائدتان، والمراد بإخراجه من التركيب فهمه منه، والظاهر أن المراد به من يعلم
العلوم الشرعية وبعض آلاتها ط. قال في الأشباه: والأهلية للتدريس لا تخفى على من له
بصيرة، والذي يظهر أنها بمعرفة منطوق الكلام ومفهومه وبمعرفة المفاهيم، وأن تكون له
سابقة الاشتغال على المشايخ بحيث صار يعرف الاصطلاحات ويقدر على أخذ المسائل من
الكتب، وأن يكون له قدرة على أن يسأل ويجيب إذا سئل، ويتوقف ذلك على سابقة
اشتغال في النحو والصرف بحيث صار يعرف الفاعل من المفعول إلى غير ذلك، وإذا قرأ
لا یلحن، وإذا لحن قاریء بحضرته ردّ علیه اهـ.
أقول: لكن يؤيد أن المراد به من يعلم العلوم الشرعية ما قاله قاضيخان: أوصى
لأهل العلم بيلخ يدخل أهل الفقه والحديث اهـ. قوله: (ومجازف في كلامه) هو المكثر منه
الذي لا يتحرّى الصدق، فإن من كثر كلامه كثر سقطه. والمجازفة: هي التكلم بلا معيار
شرعي.
روي أن الفضل بن الربيع وزير الخليفة شهد عند أبي يوسف فرد شهادته، فعاتبه
الخليفة وقال: لم رددت شهادته؟ قال: لأني سمعته يوماً يقول للخليفة أنا عبدك، فإن كان
صادقاً فلا شهادة للعبد، وإن کان کاذباً فكذلك، لأنه إذا لم یبال في مجلسك بالكذب فلا
یبالي في مجلسي، فعذره الخليفة اهـ. زاد في فتح القدير بعده: والذي عندي أن ردّ أبي
يوسف شهادته ليس للكذبة، لأن قول الحر لغيره أنا عبدك إنما هو مجاز باعتبار معنى
القيام بخدمتك وكوني تحت أمرك ممتثلاً له على إهانة نفسي في ذلك، والتكلم بالمجاز على
اعتبار الجامع، فإن وجه التشبه ليس كذباً محظوراً شرعاً، ولذا وقع المجاز في القرآن،
ولکن رده لما يدل عليه خصوص هذا المجاز من إذلال نفسه وطاعته لأجل الدنیا، فربما
يضرّ هذا الكلام إذا قيل للخليفة فعدل إلى الاعتذار بأمر يقرب من خاطره اهـ. قوله: (أو
يحلف فيه) أي في كلامه كثيراً: أي وإن كان في صدق فإن جرأته على ذلك تقتضي قلة
مبالاته بأمور الدين، ولأنه ربما أداه ذلك إلى الكذب فيه. وقد عده في الطريقة المحمدية
من جملة آفات اللسان وساق آيات وأحاديث، ثم قال: إن الحلف بالله تعالى صادقاً جائزاً

١٩٣
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
أو اعتاد شتم أولاده أو غيرهم لأنه معصية كبيرة كترك زكاة أو حج على رواية
بلا خلاف، لكن إكثاره مكروه لقوله:﴿((الحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمْ)) (١) وتمامه فيها. قوله:
(أو اعتاد شتم أولاده أو غيرهم) کممالیکه وأهله، فإن كان ذلك يصدر منه أحياناً لا يؤثر
في إسقاط العدالة، لأن الإنسان قلما يخلو منه: هندية.
قال في الفتح: وقال نصير بن يحيى: من يشتم أهله ومماليكه كثيراً في كل ساعة لا
يقبل، وإن كان أحياناً يقبل، وكذا الشتام للحيوان كدابته اهـ.
قال في شرح أدب القاضي: إن من سبّ واحداً من المسلمين لا يكون عدلاً كما في
الشرنبلالية: وحرر ابن وهبان مسألة الشتم حيث قال: والفقه في ذلك أن الشتم لا يخلو
إما أن يكون بما فيه أو بما ليس فيه في وجهه أو غيبته، فإن كان في غيبته فهو غيبة وإنها
توجب الفسق، وإن كان في وجهه ففيه إساءة أدب، وإنه من صنيع رعاع الناس وسوقتهم
الذين لا مروءة لهم ولا حياء فيهم، وإن ذلك مما يسقط العدالة، وكذا إذا كان السبّ
باللعنة والإبعاد كما يفعله من لا خلاق لهم من السوقة وغيرهم اهـ: أي وإن كان بما
ليس فيه كذب وحكمه ظاهر، ومما يؤيد ذلك ما ورد في الحديث ((سُبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ
وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))(٢) قال ابن الأثير في النهاية: السبّ: الشتم، يقال سبه يسبه سباً وسباباً، قيل
هذا محمول على من سبّ أو قاتل مسلماً بغير تأويل، وقيل إنما قال ذلك على جهة
التغليظ لا أنه يخرجه إلى الكفر والفسق. وأقول: هذا خلاف الظاهر اهـ. قوله: (لأنه) أي
الاعتياد. قوله: (كبيرة) أي إذا أصرّ عليه بالعود ولذا قيده بالاعتياد، وإلا فهو صغيرة.
قوله: (كترك زكاة) أي من غير عذر وبه أخذ الفقيه. قال الإمام فخر الدين: والفتوى
عليه. وذكر الخاصي عن قاضيخان أن الفتوى على سقوط العدالة بتأخيرها من غير عذر
لحق الفقراء دون الحج خصوصاً في زماننا. كذا في شرح النظم الوهباني. منح في الفروع
آخر الباب. والصحيح أن تأخير الزكاة لا يبطل العدالة كما في الهندية. قوله: (أو حج)
قال في الهندية: كل فرض له وقت معين كالصلاة والصوم إذا أخر من غير عذر سقطت
عدالته. وما ليس له وقت معين كالزكاة والحج. روى هشام عن محمد رحمه الله تعالى أن
تأخيره لا يسقط العدالة وبه أخذ محمد بن مقاتل. وقال بعضهم: إذا أخر الزكاة والحج
من غير عذر ذهبت عدالته، وبه أخذ الفقيه أبو الليث. ويتأخير الحج لا تسقط خصوصاً
في زماننا كما في المضمرات. قوله: (على رواية فوريته) في العام الأول عند الثاني،
وأصح الروايتين عن الإمام ومالك وأحمد: أي فيفسق وتردّ شهادته بتأخير سنين، لأن
تأخيره صغيرة، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا بالإصرار. بحر.
(١) أخرجه البيهقي في السنن ٩/ ٣٢٠ والحاكم في المستدرك ٣٠٣/٤ وابن أبي شيبة ٢٢/٧ وذكره المتقي الهندي في
الكنز (٤٦٣٩٨).
(٢) أخرجه البخاري ٥١٤/١٠ (٦١٠٤) ومسلم ٧٩/١ (١١١ - ٦٠).

١٩٤
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
فوريته أو ترك جماعة أو جمعة أو أكل فوق شبع بلا عذر، وخروج لفرجة قدوم
ووجهه أن الفورية ظنية، لأن دليل الاحتياط ظني، ولذا أجمعوا أنه لو تراخى كان
أداء وإن أثم بموته قبله كما نقله الشارح في الحج. قوله: (أو ترك جماعة) قال في الفتح:
منها ترك الصلاة بالجماعة بعد كون الإمام لا طعن عليه في دين ولا حال، وإن كان
متأولاً في تركها كأن يكون معتقداً أفضلية أول الوقت والإمام يؤخر الصلاة أو غير ذلك
لا تسقط عدالته بالترك.
أقول: والجماعة سنة مؤكدة في قوة الواجب، وقیل واجبة، وقیل فرض كفاية،
وقيل فرض عين. والقول بوجوبها هو قول عامة مشايخنا، وبه جزم في التحفة وغيرها.
قال في البحر: وهو الراجح عند أهل المذهب، وهو أعدل الأقوال وأقواها ولذا قال في
الأجناس: لا تقبل شهادته إذا تركها استخفافاً بأن لا يستعظم أمرها كما يفعله العوام أو
مجانة أو فسقاً إما سهواً أو بتأويل، ككون الإمام من أهل الأهواء أو فاسقاً فكره الاقتداء
به ولا يمكنه أن يصرفه، أو لا يراعى مذهب المقتدي فتقبل. والقائل بالفرضية لا
يشترطها للصحة فتصح صلاته منفرداً، وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة. وتمام الكلام في
شرحنا على [نور الإيضاح المسمى بمعراج النجاح] فراجعه، فإن فيه فوائد خلت عنها أكثر
الشروح. قوله: (أو جمعة) من غير عذر، فمنهم من أسقطها بمرة واحدة كالحلواني،
ومنهم من شرط ثلاث مرات كالسرخسي، والأول أوجه. فتح. لكن قدمنا عنه أن
الحكم بسقوط العدالة بارتكاب الكبيرة يحتاج إلى الظهور. تأمل. سيدي الوالد رحمه الله
تعالى. قال في تهذيب القلانسي قال: في ترك الجماعة مجاناً شهراً. وفي الذخيرة: هذا إن
لم يستخف بالدين وإن استحق فهو كافر اهـ. قوله: (أو أكل فوق شبع) عند الأكثرين.
والظاهر أن المراد بالشبع ما لا يضره، وبما زاد عليه ما يضره لأنه هو الذي يحرم ط.
قوله: (بلا عذر) راجع إلى الثلاثة قبله. ومثال العذر في الأكل مؤانسة الضيف وقصد
التقوّي على صوم الغد كما في الشرنبلالية والفتح. ومن العذر ما إذا أكل أكثر من حاجته
ليتقاياه. قال الحسن: لا بأس به، قال: رأيت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يأكل
ألواناً من الطعام ويكثر ثم يتقاياً وينفعه ذلك. خانية.
أقول: وهل مثله ما إذا كان مضيفاً ولا يرضى صاحب الطعام إلا بذلك؟ بحر.
والذي في حفظي أنه عذر أيضاً فليراجع. أما مسألة الضيف فالظاهر إذا لم يكن بينهما
مباسطة تامة، أما إذا كان فلا يكون عذراً وليحرر أيضاً. قوله: (وخروج لفرجة قدوم
أمير) في الهندية: إذا قدم الأمير بلدة فخرج الناس وجلسوا في الطريق ينظرون إليه، قال
خلف: بطلت عدالتهم إلا أن يذهبوا للاعتبار فحينئذ لا تبطل عدالتهم، والفتوى على
أنهم إذا خرجوا لا لتعظيم من يستحق التعظيم ولا للاعتبار تبطل عدالتهم. كذا في

١٩٥
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
أمير، وركوب بحر، ولبس حرير، وبول في فسوق أو إلى قبلة أو شمس أو قمر،
الظهيرية وقاضيخان. وعلله في الفتاوى الصغرى بشغله الطريق فصار مرتكباً للحرام لأنه
حق العامة ولم يعمل للجلوس اهـ. وهذا التعليل يفيد أنه إذا تجرّد عن شغل الطريق لا
يكون قادحاً مطلقاً، ولا ينافيه ما تقدم إذا تأملته، لكن كلام قاضيخان يفيد خلافه. قال
ابن وهبان: وينبغي أن يكون ذلك على ما اعتاده أهل البلد، فإن كان من عادة أهل البلد
أنهم يفعلون ذلك ولا ينكرون ولا يستخفون فينبغي أن لا يقدح. وذكر ابن الشحنة
بعده: فقول المصنف وينبغي الخ ليس كما ينبغي اهـ. ومثله في البحر. قال الخير الرملي:
أقول فتحرر من مجموع ما ذكر أنه إن كان الأمير غير صالح قدح في العدالة مطلقاً. وإن
كان صالحاً ولم يشغل الطريق لا يقدح، وإن شغله قدح، وأنت على علم بأن الحكم يدور
مع العلة والعلة في القدح ارتكاب ما هو محظور وتعظيم الفاسق كذلك، فعلى ذلك يدور
الحكم. تأمل اهـ.
أقول: هذا بمعزل عما قدمناه فيما إذا خرج للاعتبار ولم يجلس في الطريق وكان
الأمير صالحاً أو فاسقاً ولم يقصد تعظيمه فحينئذ لا يقدح كما علمت، فافهم. قوله:
(وركوب بحر) أي بحر الهند، وهو البحر الأحمر المعروف الآن ببحر السويس بأنه إذا
رکب البحر إلى الهند فقد خاطر بنفسه ودینه؛ ومنها سكنی دار الحرب وتکثیر سوادهم
وعددهم وتشبهه بهم لينال بذلك مالً ويرجع إلى أهله غنياً، فإذا كان لا يبالي بما ذكر لا
يأمن أن يأخذ من عرض الدنيا فيشهد بالزور. وقال ظهير الدين: لا يمنع.
قال العلامة عبد البر: والذي يظهر أن المانع ليس الركوب له مطلقاً بل مع ما اقترن
به، وهذا حين كان الهند كله كفراً كما يرشد إليه التعليل. كيف والنص القطعي أباح
ركوب البحر مطلقاً إلا عند ظن الهلاك، وما زال السلف يركبون البحار من غير إنكار،
ونص القرآن العظيم أعظم دليل على الجواز اهـ بتصرف. وفي القهستاني: وقيل يشهد
راكب البحر للتجارة وغيرها، وهو الصواب اهـ ط.
أقول: لا سيما في زماننا الآن فإنه لا مخاطرة بالنفس، ولا محل لظن الهلاك في
السفن المخترعة الآن وهي المعروفة ببابور النار، فإن سيرها بالعجل لا بالريح، فإن سيرها
بالعجل يدور ببخار الماء المغلي بالنار فلا يخشى من تلف إلا نادراً من غفلة الملاحين.
قوله: (ولبس حرير) إلى قوله ((أو قمر)) محمل ذلك فيما يظهر على من شهر بذلك ط. أما
لبس الحرير فلحرمته إلا ما استثنى. وأما البول في السوق فلإخلاله بالمروءة. وأما
استقبال الشمس والقمر في البول فلكراهة ذلك لأنهما آيتان عظيمتان من آيات الله
الباهرة، وقيل لأجل الملائكة الذين معهما، والمراد بالاستقبال استقبال عينهما، فلو كان
في مكان مستور ولم تكن عينهما بمرأى منه بأن كان ساتر يمنع عن العين ولو سحاباً فلا

١٩٦
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وطفيلي ومسخرة، ورقاص وشتام للدابة، وفي بلادنا يشتمون بائع الدابة. فتح
وغيره.
وفي شرح الوهبانية: لا تقبل شهادة البخيل، لأنه لبخله يستقصي فيما
يتقرض من الناس فيأخذ زيادة على حقه فلا يكون عدلاً، ولا شهادة الأشراف من
أهل العراق لتعصبهم، ونقل المصنف عن جواهر الفتاوى:
كراهة، كما إذا لم يكونا في كبد السماء كما حررته في (معراج النجاح على نور
الإيضاح).
أقول: ومثل لبس الحرير استعمال ما يحرم شرعاً كفضة وذهب، وقوله ((أو إلى
قبلة)) ظاهره ولو في بناء مع أن الأئمة يقولون بعدم الكراهة فيه، فالظاهر أن يقيد هو وما
بعده في الصحراء. قوله: (وطفيلي) يتتبع الدعوات من غير أن يدعي وصار عادة له وإن
أثم بمرة: أي بلا خلاف كما في البحر. قوله: (ومسخرة) لرفضه المروءة إن اعتاد ذلك
واشتهر، ولارتكاب المحظورات غالباً بلا خلاف كما في الهندية. قوله: (ورقاص) ومنه
الكوشت والحربية والمعروف بالسماع كل ذلك حرام، فمن اعتاده واشتهر عنه يقدح في
عدالته دون ما يقع ممن غلب عليهم الحال ويفعلون ذلك بدون اختيار، نفعنا الله تعالى
بهم، كما أوضح ذلك سيدي الوالد في رسالة (شفاء العليل وبلّ الغليل في حكم الوصية
بالختومات والتهاليل). قوله: (وشتام للدابة) محمول على الاعتياد. أفاده في الهندية.
قوله: (وفي بلادنا يشتمون بائع الدابة) فيجري فيه التفصيل في الاعتياد وعدمه، وكثيراً ما
يلعنون الدابة وبائعها فلا يجوز لعن الدابة وغيرها من الجماد، وقد ورد التصريح بالنهي
عن اللعن. قوله: (لا تقبل شهادة البخيل) ذكره في الهندية عن المحيط. قوله:
(يستقصي) بالصاد المهملة: أي يبالغ. قوله: (فيما يتقرض) وفي نسخة ((يقبض)) وهو
كذلك في الخلاصة. والذي في شرح الوهبانية لعبد البرّ والشرنبلالي ((يقرض)) بالياء المثناة
تحت والقاف اهـ ح. قوله: (ولا شهادة الأشراف من أهل العراق لتعصبهم) لأنهم قوم
يتعصبون، فإذا ناب قوم أحد منهم نائبة أتی سید قومه فیشفع فلا یؤمن أن يشهد له بزور
اهـ. وعلى هذا كل متعصب لا تقبل شهادته. بحر.
قال الرملي: قال الغزي قلت: وفي الخلاصة من كتاب القضاء: فإن عدله اثنان
وجرحه اثنان فالجرح أولى، إلا إذا كان بينهم تعصب فإنه لا يقبل جرحهم لأن أصل
الشهادة لا تقبل عند العصبية فالجرح أولى اهـ. وفي (معين الحكام) في موانع قبول
الشهادة قال: ومن العصبية أن يبغض الرجل الرجل لأنه من بني فلان أو من قبيلة كذا
اهـ.

١٩٧
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
ولا من انتقل من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه. قال:
وكذا بائع الأكفان والحنوط لتمنيه الموت، وكذا الدلال
أقول: من التعصب أن يبغضه لأنه من حزب فلان أو من أصحابه أو من أقاربه
أو منسوبيه اهـ. قال عبد الحليم في حاشية الدرر: ولا يذهب عليك أن أكثر طائفة
القضاة بل الموالي في عصرنا بينهم تعصب ظاهر لأجل المناصب والرتب، فينبغي أن لا
تقبل شهادة بعضهم على بعض ما لم يتبين عدالته كما لا يخفى اهـ. قوله: (ولا من انتقل
من مذهب أبي حنيفة الخ) أي استخفافاً لأنه لا يكون أهلاً للشهادة فلا يعتمد عليه.
منح، وتقدم في باب التعزير أن من ارتحل إلى مذهب بدون حاجة شرعية يعزّر فكان
ذلك معصية موجبة لرد شهادته، ولأنه ليس للعامي أن يتحوّل من مذهب إلى مذهب
ويستوي فيه الحنفي والشافعي، وقيل لمن انتقل إلى مذهب الشافعي ليزوّج له أخاف أن
يموت مسلوب الإيمان لإهانته بالدين بجيفة قذرة. قنية من كتاب الكراهية.
وفي آخر هذا الباب من المنح: وإن انتقل إليه لقلة مبالاة في الاعتقاد والجرأة على
الانتقال من مذهب إلى مذهب كما يتقوله ويميل طبعه إليه لغرض يحصل له فإنه لا
تقبل شهادته اهـ. فعلم بمجموع ما ذكرناه أن ذلك غير خاص بانتقال الحنفي، وأنه إذا
لم يكن لغرض صحيح، فافهم ولا تكن من المتعصبين فتحرم بركة الأئمة المجتهدين
نفعنا الله تعالى بهم أجمعين في الدنيا والآخرة آمين. وتقدم هذا البحث مستوفى في فصل
التعزير فارجع إليه. قوله: (وكذا بائع الأكفان والحنوط) أي إذا ابتكر وترصد لذلك،
أما إذا كان يبيع الثياب ويشتري منه الأكفان تجوز شهادته. جامع الفتاوى وبحر. وفي
الهندية: إذا كان الرجل يبيع الثياب المصورة أو ينسجها لا تقبل شهادته اهـ: أي صورة
ذي روح. قوله: (لتمنيه الموت) وإن لم يتمنه بأن كان عدلًا تقبل. كذا قيده شمس
الأئمة. قال الرحمتي: وينبغي أن يكون مثله بائع الطعام لتمنيه الغلاء والشدة على الناس
اهـ.
أقول: وهذا أيضاً إن لم يتمنه بأن كان عدلاً تقبل. قوله: (وكذا الدلال) أي فيما
عقده لعدم صحة الشهادة على فعل نفسه أو مطلقاً لكثرة كذبه.
في التنقيح لسيدي الوالد: سئل في شهادة الدلال العدل الذي لا يحلف ولا
يكذب هل تقبل؟ الجواب نعم إذا كان كذلك تقبل. قال في البحر: وكذا لا تقبل
شهادة النخاس، وهو الدلال إلا إذا كان عدلًا لم يكذب ولم يحلف اهـ. وقدمنا عن
الفتح أن أهل الصناعات الدنيئة الأصح أنها تقبل كالزبال والحجام لأنها تولاها قوم
صالحون، فما لم يعلم القادح لا يبني على ظاهر الصناعة، وكذا الدلالون والنخاسون،
ويحتمل أن المراد الدلال إذا شهد على البيع، فإنه قال في الهندية: الوكيلان بالبيع

١٩٨
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
والوكيل لو بإثبات النكاح. أما لو شهد أنها امرأته تقبل، والحيلة أنه يشهد بالنكاح
ولا يذكر الوكالة. بزازية وتسهيل، واعتمده قدري أفندي في واقعاته، وذكره
المصنف في إجارة معينه معزياً للبزازية.
وملخصه: أنه لا تقبل شهادة الدلالين والصكاكين والمحضرين والوكلاء
المفتعلة علی أبوابهم، ونحوه في فتاوی مؤيد زاده.
والدلالان إذا شهدا وقالا نحن بعنا هذا الشيء من فلان لا تقبل شهادتهما اهـ. قوله:
(والوكيل) أي بالنكاح. قوله: (ولو بإثبات النكاح) أي لا تقبل بإثبات النكاح لأنها
شهادة على فعله، وقوله ((لو بإثبات النكاح)) للتمثيل لا للتقييد، ومثله سائر العقود التي
باشرها لا يصح شهادته بها إذا صرح بأنه باشرها وكالة، أما إذا شهد أنه ملكه أو في
إجارته تقبل. وفي بعض نسخ الشرح زيادة واو قبل ((لو)): أي ولو بإثبات النكاح ترقياً
إذ هو هنا سفير وهي الأولى. قوله: (أما لو شهد أنها امرأته تقبل) لأنه شهد بقيام
النكاح لا بعقده. قوله: (والحيلة الخ) مقتضاه أن من لا تقبل شهادته لعلة يجوز له أن
يخفيها ويشهد، كما إذا كان عبداً للمشهود له أو ابنه أو نحو ذلك، فليتأمل. سيدي
الوالد رحمه الله تعالى.
أقول: وسيأتي قريباً عن البحر عن الملتقط أن لشارب الخمر أن يشهد إذا لم يطلع
عليه، وأنه لا يحل له أن يهتك ستره بذكر فسقه وإبطال حق المدعي. قوله: (بالنكاح) أي
بإثباته، ولا يذكر الوكالة: أي أنه كان وكيلاً فيه. قوله: (بزازية) عبارتها: وشهادة
الوكيلين أو الدلالين إذا قالا نحن بعنا هذا الشيء، أو الوكيلان بالنكاح أو بالخلع إذا قالا
نحن فعلنا هذا النكاح أو الخلع لا تقبل، أما لو شهد الوكيلان بالبيع أو النكاح أنها
منکوحته أو ملكه تقبل.
وذكر أبو القاسم: أنكر الورثة النكاح فشهد رجل قد تولى العقد والنكاح يذكر
النكاح ولا يذكر أنه تولاه انتهت. قوله: (وملخصه) أي ملخص ما ذكره المصنف في
كتاب الإجارة من كتابه المسمى بالمعين. قوله: (الدلالين والصكاكين) إذا كان غالب
حالهم الفساد لكثرة الكذب منهم غالباً، أما إذا غلب عليهم الصلاح فالصحيح أنها تقبل
كما في الهندية، وقدمناه آنفاً. قوله: (والمحضرين والوكلاء المفتعلة على أبوابهم) أي
القضاة، وهو متعلق بالثاني وحذف من الأول نظيره. قال ح: الوكلاء المفتعلة الذين
يجتمعون على أبواب القضاة يتوكلون للناس في الخصومة اهـ.
قال فخر الدين: لما سئل عن شهادة أعوان الحاكم والوكلاء على أبواب القضاة.
قال: لا تسمع شهادتهم لأنهم ساعون في إبطال حق المستحقين فهو فسق فلا تسمع.

١٩٩
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وفيها: وصيّ أخرج من الوصاية بعد قبولها لم تجز شهادته للميت أبداً، وكذا
الوكيل بعد ما أخرج من الوكالة إن خاصم اتفاقاً، وإلا فكذلك عند أبي يوسف
(ومدمن الشرب) لغير الخمر لأن بقطرة منها يرتكب الكبيرة فترد شهادته،
قوله: (وفيها) مكرّر مع ما يأتي متناً. قوله: (أخرج من الوصاية) نص على المتوهم، لأنه
إذا لم يخرج فشهادته للميت بدين أو غيره باطلة سواء كانت الورثة كباراً أو صغاراً، ولو
شهد على الميت بدين قبلت على كل حال. هندية. قوله: (بعد قبولها) أما إذا لم يقبل بعد
موت الموصي ولم يرد فشهد فالقاضي يقول له أتقبل الوصاية؟ فإن قبل أبطلها، وإن رد
أمضاها، وإن لم يخبر بشيء توقف القاضي. ملتقط. قوله: (للميت) ولا لليتيم. هندية.
قوله: (أبداً) أي وإن لم يخاصم. هندية. قوله: (وكذا الوكيل) أي شهادة الوكيل
للموكل. قوله: (فكذلك) أي لا تقبل عند أبي يوسف وتقبل عند الإمام ومحمد. كذا في
الذخيرة. وإنما اقتصر المؤلف على قول الثاني لما قيل إن الفتوى والقضاء على قوله في
الوقف والقضاء ط. قوله: (ومدمن الشرب) قال في النهاية معزياً إلى الذخيرة: أراد به
الإدمان في النية: يعني يشرب ومن نيته أن يشرب بعد ذلك إذا وجده. قال الرملي في
حاشية المنح: بخلاف ما إذا أقلع عنه فإنه فاسق تاب فتقبل شهادته اهـ. فإذا تم هذا فلا
فرق بين الخمر وغيره، لأنه وإن كان بقطرة منها ارتكب الكبيرة وتردّ شهادته، لكن
بالتوبة يزول فسقه ويعود عدلاً وتقبل شهادته، لكن لا تتم بالتوبة بمجرد نية عدم
الشرب، بل لا بد من الندم والإقلاع في الحال والعزم على أن لايعود. وإذا علمت معنى
الإدمان وأن غير المدمن تائب بأنه قد أقلع عنه ونوى أن لا يعود إليه سقط هذا الكلام
كله، لأن التائب تقبل شهادته سواء تاب عن الصغيرة أو الكبيرة.
أقول: لكن قدمنا عن الفتح عند الكلام على النائحة أن تفسير الإدمان بالنية أمر
خفيّ لا يصلح أن يكون مداراً لعدم قبول الشهادة. فتأمل. قوله: (لأن بقطرة منها) فيه
حذف اسم أن. قوله: (يرتكب الكبيرة) لأنه يحرم قليلها وكثيرها، والقليل يطلق على
القطرة بالإجماع، خلافاً للمعتزلة فإنهم يقولون بإباحة القليل.
قال في الهداية: وهذا كفر لأنه جحود للكتاب فإنه سماه رجساً. والرجس: ما هو
محرّم العين، وقد جاءت السنة متواترة أن النبي ولير حرّم الخمر وعليه انعقد إجماع الأمة،
ولأن قليله يدعو إلى كثيره، وهذا من خواصّ الخمر، ولأنه لو أقرّ بشرب قطرة واحدة
يلزمه الحد كما قرر في محله. قوله: (فترد شهادته) أي من غير إدمان، هذا مخالف لما في
الكافي حيث قال: وإنما شرط الإدمان ليكون ذلك ظاهراً منه، فإن من شرب الخمر سراً
ولا يظهر منه ذلك لا يخرج من أن يكون عدلاً وإن شربها كثيراً وإنما تسقط عدالته إذا
كان ذلك يظهر منه أو يخرج سكران فتلعب به الصبيان فإنه لا مروءة لمثله ولا يحترز عن

٢٠٠
كتاب الشهادات / باب القبول وعدمه
وما ذكره ابن الكمال غلط كما حرره في البحر. قال: وفي غير الخمر يشترط
الكذب عادة، وكذا من يجلس مجلس الفجور والمجانة في الشرب لا تقبل شهادته وإن لم
یشرب.
وفي فتاوى قاضيخان: لا تقبل شهادة مدمن الخمر ولا مدمن السكر لأنه كبيرة.
وفي الذخيرة: لا تقبل شهادة مدمن الخمر. زيلعي وعيني. وفي النهاية: الإدمان شرط في
الخمر أيضاً في حق سقوط العدالة اهـ. فهذه نقول صريحة في عدم الفرق في اشتراط
الإدمان بين الخمر وغيره، فما ذكره الشرح تبعاً لصاحب البحر لا يعوّل عليه. أبو
السعود. وقد تقدم أنه يشترط الاشتهار في كل من أتى باباً من أبواب الكبائر. ط بزيادة.
أقول: وكذلك صحح شرط الإدمان في شرب الخمر لسقوط العدالة. البرجندي
وصاحب التتمة، وعليه كلام الدرر حيث عمم الشرب شرب الخمر والعرقى والوزج
ونحوها كما في عبد الحليم. قوله: (وما ذكره ابن الكمال) من أن شرب الخمر ليس
بكبيرة فلا يسقط العدالة إلا بالإصرار عليه. قوله: (كما حرره في البحر) قال فيه: وذكر
ابن الكمال: أن شرب الخمر ليس بكبيرة فلا تسقط العدالة إلا بالإدمان عليه.
قال في الفتاوى الصغرى: ولا تسقط عدالة شارب الخمر بنفس الشرب، لأن هذا
الحد لم يثبت بنص قاطع إلا إذا داوم على ذلك اهـ. وهو غلط من ابن الكمال لما قدمناه
عن المشايخ من التصريح بأن شربها كبيرة، ولمخالفتها للحديث المشهور في الكبائر أنها
سبع، وذكر منها شرب الخمر اهـ. بل إنما شرط الإدمان عليها للاشتهار لا لأنها صغيرة،
لأن الشهادة لا تردّ إلا بالإدمان وظهوره بالاشتهار. وأما مجرد الشرب مع قطع النظر عن
سقوط الشهادة فقد علمت أنه كبيرة ولو بقطرة، فلو تغفل.
قال السائحاني: أقول: نسبة الغلط إلى هذا الهمام في الفرق بين شرط الإدمان
للخمر وغيره من الأشربة غير مسلمة لما صرح قاضيخان في فتاواه. وعبارته: ولا تقبل
شهادة مدمن الخمر ولا مدمن السكر لأنها كبيرة، وإنما شرط الإدمان ليظهر ذلك عند
الناس، فإن من اتهم بشرب الخمر في بيته لا تبطل عدالته وإن كانت كبيرة، وإنما تبطل
إذا ظهر ذلك أو يخرج سكران يسخر منه الصبيان، لأن مثله لا يحترز عن الكذب. وذكر
الخصاف رحمه الله تعالى أن شرب الخمر يبطل العدالة. وقال محمد رحمه الله تعالى: ما لم
يظهر ذلك يكون مستور الحال اهـ. وفي المقدسي: ومحمد شرط الإدمان وهو الصحيح.
نعم إذا حمل الغلط على قول ابن الكمال إن شرب الخمر ليس بكبيرة يظهر لما قدمناه قريباً
من أن شرب قطرة منه كبيرة. وفي البدائع: شرب الخمر أحياناً للتقوي لا للتلهي يكون
عدلًا، وعامة المشايخ لا يكون عدلاً لأن شرب الخمر كبيرة محضة اهـ. قوله: (قال وفي
غير الخمر) قد علمت أنها يشترط فيها أيضاً. قوله: (يشترط الإدمان) قدمنا أنه اختلف في