Indexed OCR Text
Pages 1-20
حَاشية قُلِّ ◌َعُيُ الأَخْرَةِ تَكْمِلة رَدّ المحتَّار ◌َعَلَى الدَّرُ المُختَارِ شَرح تنوير الأَبْصَار لميُى محمد علاء الرّ أخري نَجَل المؤلّف دَرَاسَة وتحقيق وتعليق الشيخ علي محمّد معوض الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجُزء الحادي عشر يحتوي على الكتب التالية الهبة - الشهادات -الوكالة - الدعوى، دَارُ عَالِ الكَبِ للطباعة والنشر وَالتوزيع الريَاضُ حِقُوق الطَّبْعَ مَحِفُوظَة طبْعَة خاصَّة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م دار عالم الكتبرا. دَارُ عَالمِ الكِبْ ـم للطباعة والنشر والتوزيع العُليا - غربْ مؤسَسَة التحلية متت : ٤٦٥١٦٨٩ - ٤٦٣١٧٢٢ ص.ب: ٦٤٦٠ - الهاضْ: ١١٤٤٢ تليفاكس : ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العَربيّة السّعوديّة طَبَعَت هذه الطّبعَة بموافقة خَاصّةِ مِنْد دار الكتب العلمية. رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت - هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١) صندوق بريد : ٩٤٢٤-١١ بيروت - لبنان :٣ خطبة الكتاب (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بهِ خَيراً يُقَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)). ((حديث شريف)) بسمِ اللهِ الرّخمنِ الرَّحِيمِ [خطبة الكتاب] الحمد لله المتوحد بإبداع المصنوعات، المتفرّد باختراع المخلوقات، المنزّه عن التحيز والسكون والحركات، المخصوص بقدم الأسماء والصفات، القريب ممن دعاه لا بقرب المسافات، المجيب لمن ناجاه بإخلاص الدعوات، الذي يغفر الذنوب ويستر العيوب، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، العالم بمكنون الأسزار ومصون الخفيات، الخبير فلا يخفى عليه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماوات، السميع فلا يعزب عن سمعه اختلاف الأصوات، البصير يرى دبيب النمل وذرّات الرمل في الظلمات، الواحد الأحد فلا ثاني له في الكائنات، الفرد الصمد المنزّه عن البنين والبنات، الباقي على الأبد ويفنى كل أحد ويقضى عليه بالممات؛ فسبحانه من إله لا يحمد على المكروه سواه، مميت الأحياء ومحيي الأموات، أبكى الآباء والأمهات، وأيتم البنين والبنات، يثيب على الطاعات والصدقات، ويضاعف الأجور على نشر العلوم النافعات، فتح بصائر أوليائه للاعتبار والتفكر في الآيات، ونوّر قلوبهم بنور الإخلاص، وقدسهم من شواغل الأسباب وشوائب المكدرات، تقلبهم يد الألطاف في مهد الكرامات والعنايات، فترضعهم ثدي العطف وتفطمهم عن الشهوات، المانعة من القرب والمشاهدات، وأهل أذهانهم لفهم معاني العبارات، والرموز والإشارات، وتنقيح الأحكام والمباني وحل المشكلات، حتى صيروها من أوضح الواضحات؛ مهد لهم فرش الأعمال بلين الصفاء، فاستعذبوا طيب الخلوة مع الحبيب لتحرير العلوم وخدمة شريعة سيد السادات ﴿تَتَجَافَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع﴾ [السجدة: ١٦] يتلذذون بالسهر وترك المستلذات، نزهوا نفوسهم عن عبادة الهوى فأضحت أطيار أرواحهم تسرح في رياض الملكوت بين جنات، له الشكر على ما أنعم علينا بمعرفتهم وخدمتهم وأنعم عليهم بأن هداهم بعنايته الأزلية وهدايته لأكمل الحالات، بفتح القدير والنعم المختارات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المكمل لأمته كل نقص وثلم بأوضح شريعة ومعجزات، صاحب المعراج غاية البيان، منحة الخالق السراج الوهاج، حاوي المقامات الشامخات، وعلى آله زواهر الجواهر ودرر البحار، ذوي المناقب والخصوصيات، وأصحابه البحور الزواخر، وتنوير الأبصار الناصرين له في الأعصر الخاليات، بصفاء النيات، وحسن الطويات، والتابعين النجوم الزواهر وخزائن الأسرار الحائزين أعلى الفضل والكمالات، والأئمة المجتهدين الأكابر، ذوي الفيض المدرار، المبرئين من الشبهات = ٤ خطبة الكتاب والتبعات والتّهات الفاسدات، لا سيما إمامنا الأعظم ذو الفضل الأقدم، الكوكب الزاهر، والإمام الباهر، الدرّ المختار، والعلم الراسخ ذو الثبات، القائم بالأوامر والزواجر، رادّ لهفة المحتار، صاحب الكرامات الفاضلات، صلاة وسلاماً دائمين متلازمين ما تعاقب الليل والنهار ومرّت الأوقات، وعرج للسماء نبيّ وضاء مصباح، وما هبت نسمات الأصحار في كل الساعات، لا تنقطع لحظة من اللحظات، من إله کریم عظيم ربّ رحيم مقبل العثرات، وغافر الزلات. أما بعد فيقول فقير رحمة ربه، وأسير وصمة ذنبه: «محمد علاء الدين ابن السيد محمد أمين ابن السيد عمر عابدين)) غفر الله تعالى ذنوبهم، وملأ من زلال العفو ذنوبهم، آمين: إنه لما سبقت الإرادة الإلهية، والمشيئة الرحمانية، بوفاة سيدي الوالد قبل إتمامه تبييض [حاشية ردّ المحتار، على الدرّ المختار، شرح تنوير الأبصار] فإنه رحمه الله تعالى ونور ضريحه، وجعل أعلا الجنان ضجيعه، لما وصل إلى أثناء شتى القضاء من هذا الكتاب، اشتاق إلى مشاهدة رب الأرباب، فنقل من دار الغرور إلى جوار مولاه الغفور؛ وكان رحمه الله تعالى بدأ أولاً في التسويد من الأول إلى الآخر، ثم شرع في التبييض فبدأ أولاً من الإجارة إلى الآخر، ثم من أول الكتاب إلى انتهاء هذا التحرير الفاخر، وترك على نسخته الدرّ بعض تعليقات، وتحريرات واعتراضات، قد كاد تداول الأيدي أن يذهبها، لعدم من يذهبها مذهبها، وكان قد جرى الأمر بطبعها في بولاق المصرية، فجمعتها برمتها بدون زيادة حرف بالكلية، وأرسلتها فطبعت ثمة، حرصاً على فوائدها الجمة؛ وكان كثيراً ما يخطر لي زيادتها مع ضم تحريرات، وبعض فروع وتقريرات لكن لم تساعد الأقدار، لا سيما مع شغل الأفكار، وقلة البضاعة في هذه الصناعة، حتى سافرت للأستانة العلية، دار الخلافة السنية، عام خمس وثمانين بعد المائتين والألف، من هجرة من تم به الإلف، وزال به الشقاق والخلف، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه ألفاً بعد ألف، ووظفت عضواً في الجمعية العلمية، التابعة لديوان أحكام العدلية، لجمع المجلة الشرعية، تحت رياسة حضرة الوزير المعظم، والمشير المفخم، مدبر أمور جمهور الأمم، الجامع بين مرتبتي العلم والعمل، والحائز لفضيلتي السيف والقلم، صاحب الدولة أحمد جودت باشا، بلغه الله تعالى من الخيرات ما شاء، وأسعد أيامه وحرسها، وألقى محبته في القلوب وغرسها، ولا زالت أعلام دولته مبتسمة الثغور، وأرقام رفعته منتظمة السطور، على مدى الدهور، آمين. وبعد إقامتي مدة تقرب من ثلاث سنين قدمت الاستعفاء، لما في قلبي من الرمضاء، من فراق الأوطان والأهل والخلان، فأمرني قبل سفري من أمره مطاع، واجب الاستماع أن أتهم نقصها، وأتلافى ثلمها حين وصولي إلى الوطن، وقراري بالسكن. فلما رجعت بعد ثلاث سنين من سفري إلى وطني دمشق الشام، ذات الثغر البسام، استخرت الله تعالى المرة بعد المرة، والكرّة بعد الكرّة، في تكملة الحزم، معتمداً ٥ خطبة الکتاب على الله تعالى في الحزم، ومتوكلا عليه في سائر الامور في أن يحفظني من الخطأ والخلل، والهفوات والزلل، ومتوسلاً إليه بنبيه النبيه المكرم، صلى الله تعالى عليه وسلم، وبأهل طاعته من كل مقام عليّ معظم، وبقدوتنا الإمام الأعظم، أن يسهل عليّ ذلك من إنعامه، ويعينني على إكماله وإتمامه، وأن يعفو عن زللي، ويتقبل مني عملي، ويجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلٍمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] وينفع به العباد، في عامة البلاد، من ساكن وباد، وأن يسلك بي سبيل الرشاد، ويلهمني الصواب والسداد، ويستر عوراتي، ويغفر خطيئاتي، ويسمح عن هفواتي وزلاتي، فإني متطفل على ذلك، لست من فرسان تلك المسالك، وهيهات لمثلي أن يكون له اسم في طرس، أو أن يكون له في صحيفة غرس بل أن يكون له في الناس ذكر، أو أن يخطر في بال أو يمرّ على فكر، فقد أوثقتني الذنوب والخطيئات، وأقعدتني عن إدراك أدنى الدرجات، مع قصور باعي واندراس رباعي، وجمود فهمي وفكري، وخمود ذكري؛ وإني لأستحي من ذلك، فقد أوقعت نفسي في المهالك، وصيرتها مرمى سهام الألسن، وموقع النظر الشزر من الأعين، حيث تجرأت على أمر غير سهل، مع كوني لست له بأهل، وتشبهت بالسادات الأعلام، الذين هم مصابيح الظلام. وهيهات أن يدرك السباق مقعد، أو أن يسلك الطريق مصفد، أو أن يقرب من عرين الأسد ابن آوى، أو أن يشبه الحباري البازي، ولو لم يكن له في الجسم ساوي، وما أشبه قول القائل بحالتي، التي كان منها على مثل هذا جراءتي: [الخفيف] أَيُّها المُدَّعِي وَلَاءِ سُلَيْمِ لَسْتَ مِنْهُمْ وَلَ قُلَامَةَ ظُفْرٍ إنَّمَا أَنْتَ فِي سُلَيْمٍ كَوَارٍ أُلْحِقَتِ بِالهِجَاءِ ظُلْماً بِعَمْرو ولكن أخفض على نفسي، وأسلبها بالتأسي، وأتمثل بقول الشهاب السهروردي: [الكامل] فَتَشِبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ إِنَّ النَّشَبَّ بِالكِرَامِ فَلاَحُ وإني أسأل الله تعالى من طوله، وأستعدّ بقوته وحوله، في أن يحفظَني من الخطأ والخلل، ويحسن ختامي عند منتهى الأجل وما توفيقي إلا بالله القريب المجيب، عليه توكلت وإليه أنيب وألتمس من الناظر لهذه التكملة أن يلحظها بعين القبول والصفاء، لا بعين الحسد والجفاء، فإن الجسد لا يخلو عن الحسد، ولكن الكريم يخفيه، واللتیم ییدیه، وأن لا ينسى جامعها وأولاده، ومظهرها وكاتبها وقارئها من دعائه المستجاب، وثنائه المستطاب، ولا يحكم بشيء منها حتى يراجع أصله المنقولة عنه والمعزّة إليه، وإن لم يكن ثمة عزو فإلى تحارير سيدي الوالد، فإني غير واثق بنفسي أتم الوثوق، فإن اليراع قد يطوش، ويغير عن مجاله تلك النقوش، ولا يبادر عليّ بالاعتراض والملام، فليست أول ٦ خطبة الكتاب قارورة كسرت في الإسلام، ويصلح ما كبا به القلم، أو زلت به القدم، فقد قدمت بین يديهم عذري، وكشفت لهم عن حقيقة أمري، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وهو يقبل عثرات المقيلين، وقد سميت ما عنيت جمعه من هذه التكملة بـ [قرة عيون الأخيار، لتكملة ردّ المحتار، على الدرّ المختار، شرح تنوير الأبصار]. وحيث قلت سيدي فالمراد به سيدي الوالد أو بعض الأفاضل، فالمراد الرحمتي أو الفتال، والكمال محال لغير ذي الجلال، وعلى الله تعالى الاتكال، في المبدأ والمآل. وكان إتمامها في عصر حضرة مولانا السلطان الأعظم، والخاقان الأعدل الأكرم، ملك ملوك العرب والعجم، ظل الله الممدود على الأمم، مجدد قوانين العدل والإنصاف، وموطد دعائم بنيان المراحم والألطاف، سلطان البرّين، وخاقان البحرين، وخادم الحرمين الشريفين، فاروقي السيرة والشيم، علويّ الشهامة والهمم، خليفة الله تعالى في الأرض، ناشر لواء المراحم في طولها والعرض، ملك أنام الأنام في ظل أمانه، وشمل العباد بسجال لطفه وإحسانه، حافظ بيضة الدين، وحامي شريعة سيد المرسلين، أمير المؤمنين، ملجأ عامة المسلمين، بل كافة الناس أجمعين، معمر الأمصار والبلاد، مدمر أهل الشرّ والفساد، قامع البدع والظلم، ومؤيد السنة بالعدل والحلم، المؤيد المظفر المعان، والمحفوف بعناية الملك الديان، صاحب العساكر القاهرة، المبيدة كل فئة باغية فاجرة، بصوارم سيوف تقطف حروفها أعناق المعتدين، وأهلة قسي ترسل نجوم سهامها على شياطين البغاة والمتمرّدين، ورايات تخفق قلوب الأعداء لخفقانها، وتخفض رتبهم لرفع شأنها، لا يرتاب متأمله في أنه البحر والعساكر أمواجه، ومراحمه الدرّ الذي يظفر بها طلاب العرف وأفواجه، السلطان ابن السلطان ابن السلطان، السلطان عبد العزيز خان، ابن السلطان الغازي محمود خان، ابن السلطان الغازي عبد الحميد خان، خلد الله تعالى ملكه، وجعل الدنيا بأسرها ملكه، وأدام سعادة أيامه، وجعل البسيطة قبضة يديه وطوع أحكامه، ولا زال لواء عدله المنشور إلى يوم النشور، ولا برحت الأيام على يديه دائرة، ووجوه السعادة إلى مساعيه سافرة، وأجنحة النعم بأبوابه مقصورة وبأنبائه طائرة، وعزائم التوفيق لآرائه مسخرة وبأعدائه ساخرة، مرفوعة أعلام دولته إلى محيط القبة الخضراء، وأوجد له في كل مكان وزمان عزّاً ونصراً، ومسرة وبشرى، ولا زالت سلسلة سلطنته مسلسلة إلى انتهاء سلسلة الزمان، رافلاً في حلل السعادة والسيادة والرضا والرضوان، ولا زال الوجود بدوام خلافته سنياً عامراً، ولا برح الإيمان في أيام سلطنته قوياً ظاهراً، ووفق وكلاءه الفخام، ووزراءه العظام، وعماله إلى السعي في صلاح الملك والملة في كافة بلاده وولاياته، وجمع القلوب كافة على طاعته وتحصيل مرضاته، آمين [البسيط]. آمِينَ آمِين لَا أَرْضَى بِوَاحِدَةٍ حَتَّى أَضْمَّ إِلَيْهَا أَلْفَ آمِينَا وفي يمن أيام حضرة صاحب الفخامة والدولة الصدر الأعظم، والمشير الأفخم، ٧ خطبة الكتاب مدبر أمور جمهور الأمم، الجامع بين مرتبتي العلم والعمل، مع قوة اليقين، والحائز فضيلتي السيف والقلم بالتمكين، ورياستي الدنيا والدين، قرّة عين المملكة والوزارة، سيف الدولة السلطانية، ولسان الصولة الخاقانية، مؤيد دولة الملوك والسلاطين، ملجأ الفقراء والضعفاء والمنقطعين؛ ألا وهو حضرة وليّ النعم، المتخلق بأخلاق سميه فخر العالم وَّر، الوزير الأفخم، والصدر الأعظم، السيد أحمد أسعد باشا المعظم، لا زالت عتبة بابه صدراً للواردين، وما برح سلاح جنابه في رقاب الحاسدين، وأطال الله تعالى عمره، وأدام عزّه ومجده ودولته، آمين. وفي مدة يمن أيام مشيخة سماحة دولة حضرة المولى الأعظم، والسيد الكبير الأفخم، الجامع بين الرتبتين الشريفتين العلم والعمل بقوة اليقين، والمحفوظ بعناية الله تعالى من الزلل بالتمكين، الحائز لرياستي الدنيا والدين، شيخ الإسلام والمسلمين، ملك العلماء المحققين، عين الأئمة المدققين، نعمة الله تعالى في هذا العصر على الأنام، ملاذ الأفاضل الكرام، مرجع الخاص والعام، حضرة مولانا صاحب الدولة والإقبال، والسماحة والأفضال، خواجة شهرياري حسن فهمي أفندي، لا زالت الفتيا مشرفة بينانه، وأحكام الشريعة مشيدة وموضحة ببيانه، وأبقاه عقداً في جید الدهر يتلألأ بالدرر، وأقرّ عينه بمحابه ونجله الإمام اللوذعي الأبر، سيدنا صاحب السماحة الهمام السميدعي حيدر، ووقاهما كل حاسد ترمي عينه بالشرر، آمين. وقد جاءت هذه التكملة من فيض فضله تعالى، وجود كرمه الذي به نتغالى، قرة لعين قاريها، ودرّة لتاج داريها، وبلغة لمعانيها، وخاض في بحار معانيها، وكفاية للطالبين، وحجة للمفتين، ومحجة للمستفتين، حاوية لدرر الفوائد، خاوية عن مستنكرات الزوائد، جمعتها من معتمدات المذهب، التي إليها يذهب، وضممت إلى ذلك بعض تحريرات وتأييد، أو بعض استدراكات أو تقوية أو تقييد، فلا غرو حينئذ أن تكون العمدة في المذهب، والحريّ بأن تكتب بماء الذهب، مستعيناً بکریم غفار حکیم ستار، مقيل العثرات، ومجيب الدعوات، وقاضي الحاجات، ومستشفعاً بمشرّع هذه المشروعات، من لا تردّ له شفاعات، عليه أفضل الصلوات وأزكى التحيات، وعلينا وعلی أعزائنا معه يا ربّ البريات. هذا، وإني أروي [الدر المختار ومتنه تنوير الأبصار، وحاشية رد المحتار] وكذا بقية كتب الفقه وغيرها من سائر العلوم والفنون عن أئمة أخيار، من شامیین ومکیین ومصریین وعراقيين وروميين وغيرهم من أهل الفضل والاستبصار، ومن أجلهم وأكثرهم إفادة لي ومداومة لديه وقراءة عليه سيدي العالم العلامة والعمدة الفهامة، علامة المعقول والمنقول، والمستخرج بغواصّ فكره ما يعجز عنه الفحول، الشيخ محمد هاشم أفندي التاجي البعلي رحم الله تعالى روحه، ونوّر مرقده الشريف وضريحه، وجعل أعلى الجنان بلوغه ومقيله ومن أجلهم علامة زمانه على الإطلاق، من انتهت إليه الرياسة باستحقاق، الإمام المتقن، خطبة الكتاب والعلامة المتفنن العلامة الثاني، من لا يوجد له ثاني الحسيب النسيب، الفاضل الأديب، الجامع بين شرفي العلم والنسب، والمستمسك بمولاه بأقوى سبب، والجامع بين الشريعة والحقيقة، وعلوم المعقول والمنقول والتصوف والطريقة أعلم العلماء العاملين، أفضل الفضلاء الفاضلين، سيدي وعمدني علامة الأنام، مرجع الخاص والعام، والدي المرحوم الشيخ السيد الشريف محمد أمين عابدين ابن السيد الشريف عمر عابدين ابن السيد الشريف عبد العزيز عابدين ابن السيد الشريف أحمد عابدين ابن السيد الشريف عبد الرحيم عابدين ابن السيد الشريف نجم الدين ابن السيد الشريف العالم الفاضل الولي الصالح الجامع بين الشريعة والحقيقة، إمام الفضل والطريقة، محمد صلاح الدين الشهير بعابدين ابن السيد الشريف نجم الدين ابن السيد الشريف محمد كمال ابن السيد الشريف تقي الدين المدرس ابن السيد الشريف مصطفى الشهابي ابن السيد الشريف حسين ابن السيد الشريف رحمة الله ابن السيد الشريف أحمد الثاني ابن السيد الشريف علي ابن السيد الشريف أحمد الثالث ابن السيد الشريف محمود ابن السيد الشريف أحمد الرابع ابن السيد الشريف عبد اللّه ابن السيد الشريف عز الدين عبد الله الثاني ابن السيد الشريف قاسم ابن السيد الشريف حسن ابن السيد الشريف إسماعيل ابن السيد الشريف حسين النتيف الثالث ابن السيد الشريف أحمد الخامس ابن السيد الشريف إسماعيل الثاني ابن السيد الشريف محمد ابن السيد الشريف إسماعيل الأعرج ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين ابن الإمام حسين ابن البتول، هي الزهراء فاطمة بنت الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وعليها وعلى جميع آله وصحبه آمين. فإنه رحمه الله تعالى ولد في سنة ثمان وتسعين بعد المائة والألف في دمشق الشام، ونشأ في حجر والده، وحفظ القرآن العظيم عن ظهر قلب وهو صغير جداً، وجلس في محل تجارة والده ليألف التجارة ويتعلم البيع والشراء، فجلس مرة يقرأ القرآن العظيم فمرّ رجل لا يعرفه فسمعه وهو يقرأ، فزجره وأنكر قراءته وقال عنه: لا يجوز لك أن تقرأ هذه القراءة. أولاً: لأن هذا المحل محل التجارة والناس لا يستمعون قراءتك فيرتكبون الإثم بسببك، وأنت أيضاً آثم. وثانياً: قراءتك ملحونة. فقام من ساعته وسأل عن أقرّ أهل العصر في زمنه فدله واحد على شيخ القراء في عصره وهو الشيخ سعيد الحموي، فذهب لحجرته وطلب منه أن يعلمه أحكام القراءة بالتجويد، وكان وقتئذ لم يبلغ الحلم، فحفظ الميدانية والجزرية والشاطبية، وقرأها عليه قراءة إتقان وإمعان حتى أتقن فن القراءات بطرقها وأوجهها، ثم اشتغل عليه بقراءة النحو والصرف وفقه الإمام الشافعي، وحفظ متن الزبد وبعض المتون من النحو والصرف والفقه وغير ذلك، ثم حضر على شيخه علامة زمانه وفقيه عصره وأوانه السيد محمد شاكر السالمي العمري ابن المقدم سعد الشهير والده بالعقاد الحنفي، وقرأ عليه علم المعقول والحديث والتفسير، ثم ألزمه بالتحول لمذهب سيدنا أبي حنيفة النعمان الإمام الأعظم عليه الرحمة والرضوان، وقرأ عليه ٩ خطبة الكتاب كتب الفقه وأصوله حتى برع وصار علامة زمنه في حياة شيخه المذكور، وألف حاشيتين على شرح المنار للعلائي كبرى وصغرى، سمى إحداهما [نسمات الأسحار على إفاضة الأنوار شرح المنار] والثانية لم يخطر لي اسمها لأنها فقدت عند مفتي مصر الشيخ التميمي رحمه الله تعالى، وألف ثبتاً لأسانيد شيخه سماه [العقود اللآلي في الأسانيد العوالي] و [شرح الكافي في العروض والقوافي] وكتب في آخر هذا الشرح: ثم في سنة خمس عشرة ومائتين وألف، وكان سنة سبع عشرة سنة، ورسالة سماها (رفع الاشتباه عن عبارة الأشباه] وحاشية على شرح النبذة سماها [فتح رب الأرباب على لب الألباب شرح نبذة الإعراب] وغير ذلك، وذلك في حياة شيخه المرقوم، ثم توفي شيخه المرقوم في اليوم الرابع من محرم الحرام سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف، وكان يقرأ عليه البحر والهداية وشروحها، وكانت وفاته في أثناء قراءته الكتب المذكورة، وكان من جملة من حضر مع سيدي الوالد على شيخه المذكور أكبر التلامذة، وهو علامة زمانه، وفقيه عصره وأوانه، فقيه النفس الشيخ محمد سعيد الحلبي الشامي، فأتم سيدي الوالد قراءته الكتب المذكورة عليه، وحضر معه لإتمام الكتب المذكورة بقية التلامذة والطلبة الذين كانوا يداومون على الشيخ محمد شاكر المذكور، ثم شرع في تأليف [ردّ المحتار على الدرّ المختار] وفي أثنائها ألف [العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية] وله من المؤلفات حاشية على حاشية الحلبي المداري سماها [رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار] وحاشية على البيضاوي، وحاشية على المطوّل، وحاشية على شرح الملتقى، وحاشية على النهر إلا أنهما لم يجردا من الهوامش، وحاشية على البحر سماها [منحة الخالق على البحر الرائق] وله مجموع جمع فيه من نفائس الفوائد النثرية والشعرية، وعرائس النكات والملح الأدبية، والألغاز والمعميات، وما يروق الناظر، ويسرّ الخاطر، ومجموع آخر ذكر فيه تاريخ علماء العصر وأفاضلهم، جعله ذيلًا لتاريخ المرادي الذي هو ذيل لتاريخ جده لأمه العلامة المحبي الذي هو ذيل الريحانة الخفاجي، وله [العقود اللآلي في الأسانيد العوالي] المتقدم ذكره، وشرح رسالة البركوي في المحيض والنفاس، سماه [منهل الواردين من بحار الفيض على ذخر المتأهلين لمسائل الحيض] وشرح منظومته [رسم المفتي والرحيق المختوم شرح قلائد المنظوم في الفرائض] وكتاب (تنبيه الولاة والحكام) وله رسائل عديدة ناهزت الثلاثين في جملة فنون. منها: نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف، ورسالة في النفقات لم يسبق لها نظير اخترع لها ضابطاً جامعاً مانعاً، والفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة، وإجابة الغوث في أحكام النقباء والنجباء والأبدال والغوث، والعلم الظاهر في نفع النسب الطاهر وذيلها، وتنبيه الغافل والوسنان في أحكام هلال رمضان، والإبانة في الحضانة، وشفاء العليل وبل الغليل في الوصية بالختمات والتهاليل، ورفع الانتقاض ودفع الاعتراض في قولهم الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض، وتحرير العبارة فيمن هو أولى ١٠ خطبة الكتاب بالإجارة، وإعلام الأعلام في الإقرار العام، وجملة رسائل في الأوقاف، وتنبيه الرقود، وسل الحسام الهندي، وغاية المطلب والفوائد المخصصة، وتحبير التحرير، وتنبيه ذوي الأفهام، ورفع الاشتباه، وتحرير النقول، والعقود الدرية، وغاية البيان، والدرر المضيئة، ورفع التردد وذيلها، والأقوال الواضحة الجلية، وإتحاف الذكي النبيه، ومتاهل السرور، وتحفة الناسك في أدعية المناسك، وغير ذلك. وله مجموع أسئلة عويصة، وله في مدح شيخه مقامات كمقامات الحريري، وله نظم الكنز، وله قصة المولد الشريف النبوي. وأما تعاليقه على هوامش الكتب وحواشيها، وكتابته على أسئلة المستفتين والأوراق التي سوَّدها بالمباحث الرائقة والرقائق الفائقة، فلا يكاد أن تحصى ولا يمكن أن تستقصی. وبالجملة فكان شغله من الدنيا التعلم والتعليم، والتفهم والتفهيم، والإقبال على مولاه، والسعي في اكتساب رضاه، مقسماً زمنه على أنواع الطاعات، والعبادات والإفادات، من صيام وقيام، وتدريس وإفتاء وتأليف على الدوام. وکان له ذوق في حل مشكلات القوم، وله بهم الاعتقاد العظيم، ويعاملهم بالاحترام والتكريم. وأخذ طريق السادة القادرية، عن شيخه المذكور ذي الفضل والمزية، حتى أخبر عنه من يوثق بصلاحه ودينه ممن صحبه في سفره من تلامذته: إني ما وجدت عليه شيئاً يشينه في دنياه ولا في دينه. وكان حسن الأخلاق والسمات، ما سمعته في سفري معه في طريق الحاج تكلم بكلمة أغاظ بها أحداً من رفقائه وخدمه، أو أحداً من الناس أجمعين، اللهم إلا إن رأى منكراً فيغيره من ساعته على مقتضى الشريعة المطهرة العادلة، وكانت ترد إليه الأسئلة من غالب البلاد، وانتفع به خلق کثیر من حاضر وباد. وکان رحمه الله تعالى جعل وقت التأليف والتحرير في الليل فلا ينام منه إلا ما قل، وجعل النهار للدروس وإفادة التلامذة وإفادة المستفتين، ويلاحظ أمر دنياه شريكه من غير أن يتعاطى بنفسه، وكان في رمضان يختم كل ليلة ختماً كاملاً مع تدبر معانيه، وكثيراً ما يستغرق ليله بالبكاء والقراءة، ولا يدع وقتاً من الأوقات إلا وهو على طهارة، ويثاير الوضوء على الوضوء. وكان رحمه الله تعالى حريصاً على إفادة الناس وجبر خواطرهم، مكرّماً للعلماء والأشراف وطلبة العلم، ويواسيهم بماله. وكان كثير التصدق على ذوي الهيئات من الفقراء الذين لا يسألون الناس إلحافاً، وكان غيوراً على أهل العلم والشرف ناصراً لهم دافعاً عنهم ما استطاع. وكان مهاباً مطاعاً نافذ الكلمة عند الحكام وأعيان الناس، يأكل من مال تجارته بمباشرة شريكه مدة حياته. وكان رحمه الله تعالى ورعاً ديناً عفيفاً، حتى أنه عرض عليه خمسون كيساً من الدراهم لأجل فتوى على قول مرجوح فردها ولم يقبل، وقد امتنع عن شراء العقارات. ١١ خطبة الكتاب الموقوفة التي عليها كدك أو محاكرة أو قيمة أو بالإجارتين، وكان وقف جده لأم أبيه مشروطاً نظره للأرشد من ذرية الواقف، فامتنع من توليته وسلمه لأخيه، ولم يتفق له قبول هدية من ذي حاجة أو مصلحة. وكان رحمه الله تعالى طويل القامة شئن الأعضاء والأنامل، أبيض اللون أسود الشعر، فيه قليل الشيب لو عدّ شيبه لعد مقرون الحاجبين، ذا هيبة ووقار، وهيئة مستحسنة ونضار، جميل الصورة حسن السريرة، يتلألأ وجهه نوراً، حسن البشر والصحية، من اجتمع به لا يكاد ينساه لطلاوة كلامه ولين جانبه وتمام تواضعه على الوجه المشروع، كثير الفوائد لمن صاحبه والمفاكهة، ومجلسه مشتمل على الآداب وحسن المنطق والإكرام للواردين عليه من أهله ومحبيه وتلامذته ومصاحبيه، كل من جالسه يقول في نفسه أنا أعزّ عنده من ولده، مجلسه محفوظ من الفحش والغيبة والتكلم بما لا يعني، لا تخلو أوقاته من الكتابة والإفادة والمراجعة للمسائل، صادق اللهجة ذا فراسة إيمانية وحكمة لقمانية، متين الدين لا تأخذه في الله لومة لائم، صداعاً بالحق ولو عند الحاكم الجائر، تهابه الحكام والقضاة وأهل السياسة. كانت دمشق في زمنه أعدل البلاد وللشرع بها ناموس عظيم، لا يتجاسر أحد على ظلم أحد ولا على إثبات حق بغير وجه شرعي ولا في غالب البلاد القريبة منها، فإنه كان إذا حكم على أحد بغير وجه شرعي جاءه المحكوم عليه بصورة حجة القاضي فيفتيه ببطلانه ويراجع القاضي فينفذ فتواه، وقلّ أن تقع واقعة مهمة أو مشكلة مدلهمة في سائر البلاد أو بقية المدن الإسلامية أو قراها إلا ويستفتى فيها مع كثرة العلماء الأكابر والمفتين في كل مدينة، وكانت أعراب البوادي إذا وصلت إليهم فتواه لا يختلفون فيها مع جهلهم بالشريعة المطهرة، وكانت كلمته نافذة، وشفاعته مقبولة، و کتابته میمونة، ما کتب لأحد شيئاً إلا وانتفع به لصدق نيته وحسن سريرته، وقوّة يقينه، وشدة دينه، وصلابته فيه. وكان رحمه الله تعالى مغرماً بتصحيح الكتب والكتابة عليها، فلا يدع شيئاً من قيد أو اعتراض أو تنبيه أو جواب أو تتمة فائدة إلا ويكتبه على الهامش ويكتب المطالب أيضاً. وكانت عنده كتب من سائر العلوم لم يجمع على منوالها، وكان كثير منها بخط يده ولم يدع كتاباً منها إلا وعليه كتابته، وكان السبب في جمعه لهذه الكتب العديمة النظير والده، فإنه كان يشتري له كل كتاب أراده ويقول له اشتر ما بدا لك من الكتب وأنا أدفع لك الثمن فإنك أحييت ما أمته أنا من سيرة سلفي، فجزاك الله تعالی خیراً یا ولدي، وأعطاه كتب أسلافه الموجودة عنده من أثرهم الموقوفة على ذراريهم، وعندي بعض منها والله تعالى الحمد. وكان رحمه الله تعالى حريصاً على إصلاح الكتب، لا يمرّ على موضع منها فيه غلط ١٢ خطبة الكتاب إلا أصلحه وكتب عليه ما يناسبه، وكان حسن الخط حسن القشط، قلّ أن يرى من يكتب مثله على الفتاوى وعلى هوامش الكتب في الجودة وحسن الخط وتناسق الأسطر وتناسبها، ولا يكتب على سؤال رفع إليه إلا أن يغيره غالباً. وكان رحمه الله تعالى فقيه النفس انفرد به في زمنه، بحاثاً ما باحثه أحد إلا وظهر عليه، وقد حكى تلميذه صاحب الفضيلة العلامة محمد أفندي جابي زاده قاضي المدينة المنورة أن شيخ الإسلام عارف عصمت بك مفتي السلطنة بدار الخلافة العلية قال له: إني كنت أؤمل أن تطلب لي الإجازة من شيخك للتبرك، وكان تلميذه العلامة الشيخ محمد أفندي الحلواني مفتي بيروت يقول لي: ما سمعت مثل تقریر سیدي والدك في درسه، حتى إني كثيراً ما أجتهد في مطالعة الدرس، وأطالع عليه سائر الحواشي والشروح والكتابات على الدرس، وأظن من نفسي أني فهمت سائر الإشكالات وأجوبتها، وحين أحضر الدرس يقرر شيخنا الدرس ويتكلم على جميع ما طالعته مع التوضيح والتفھیم، ویزیدنا فوائد ما سمعنا بها ولا رأيناها، ولم يخطر على فكر أحد ذكرها. وكان رحمه الله تعالى باراً بوالديه، ومات والده في حياته سنة سبع وثلاثين بعد المائتين والألف وصار يقرأ كل ليلة عند النوم ما تيسر من القرآن العظيم ويهديه ثوابه مع ما تقبل له من الأعمال حتى رأى والده في النوم بعد شهر من وفاته وقال له: جزاك الله تعالى خيراً يا ولدي على هذه الخيرات التي تهديها إليّ في كل ليلة، وكانت جدة سيدي أم والده من بنات الشيخ المحبي صاحب التاريخ المشهور، وله أوقاف على ذريته جارية إلى الآن، وأتناول حصتي منها. وأما والدة سيدي فقد توفي في حياتها، وكانت صالحة صابرة تقرأ من الجمعة إلى الجمعة مائة ألف مرة سورة الإخلاص وتهب ثوابها لولدها سيدي الوالد، وتصلي كل ليلة خمس أوقات قضاء احتياطاً، وكانت كثيرة الصلاة والصيام، عاشت بعده سنتين صابرة محتسبة لم تفعل ما تفعله جهلة النساء عند فقد أولادهن، بل كان حالها الرضا بالقضاء والقدر، وتقول: الحمد لله على جميع الأحوال، وكانت من سلالة طاهرة من ذرية الحافظ الداودي المحدّث الشهير، وكان عمها الشيخ محمد بن عبد الحي الداودي صاحب التأليفات الشهيرة: منها حاشية المنهج، وحاشية ابن عقيل، ومجموع الفوائد وغيرها. وعلى ما سمعت واشتهر أن نسبتهم إلى حضرة سيدنا العباس إلا أنه ليس بدرجة الثبوت، وليس عندهم نسب عليه شهادة العلماء والنقباء كما جرت عادة أصحاب الأنساب. وکان سيدي رحمه الله تعالى قد عرض عليه شيخه بنته للزواج، فمنعه والده من زواجها وقال له: أخاف عليك من غضب شيخك وعقوقه إن أغضبت ابنته يوماً ما، وهذا مما لا تخلو منه الجبلة الإنسانية غالباً. وكان والده رحمه الله تعالى شفوقاً عليه ويحبه محبة تامة، ١٣ خطبة الكتاب حتى أنه لما حج سيدي سنة خمس وثلاثين امتنع والده من دخول داره الجوانية مدة غياب سيدي ولم ينم على فراش تلك المدة وهي أربعة أشهر بل بقي نائماً في داره البرانية. وكان سيدي رحمه الله تعالى ورعاً في سائر أحواله، وعلى الخصوص في حال إحرامه في حجته المذكورة فإنه تحرى للطعام غاية التحري مع قلة تناول الطعام إلا بقدر الضرورة. ١ وكان رحمه الله تعالى كثير البرّ والصلة الأرحامه يواسيهم بأفعاله وأقواله وماله، وبالخصوص شقيقه العلامة الفاضل الفقيه الصوفي التقي الصالح السيد عبد الغني، وكان يعتني ويتفرس الخير بأكبر أولاده، وهو العالم العلامة العمدة الفهامة الشيخ السيد أحمد أفندي أمين الفتوى بدمشق حالاً، ويهتم بتربيته ويقول لوالده: دع لي من ولدك السيد أحمد وأنا أربيه وأعلمه، فعلمه القرآن العظيم وأقرأه مسلسلات العلامة ابن عقيلة، وأجازه إجازة عامة حتى صار من أفاضل عصره، وله تأليفات عديدة: منها شرح مولد ابن حجر شرحه شرحاً لم يسبق على منواله، وشرح على علم الحال الذي ألف صاحب السماحة والفضيلة جندي زاده أمین أفندي العباسي رئيس ديوان تمييز ولاية سورية. ونشأ له ولدان نجیبان فاضلان: أحدهما السید محمد أبو الخبر، مسوّد الفتوى بدمشق، وخطیب جامع برسبابي الشهير بجامع الورد ومدرسه. وثانيهما السيد راغب إمام الجامع المذكور. وکان سیدي رحمه الله تعالى ذهب مرة مع شيخه السيد محمد شاكر المذكور لزيارة بعض علماء الهند وصلحائها الشيخ محمد عبد النبي لما ورد دمشق، فلما دخلا عليه جلس شیخ سيدي وبقي سيدي واقفاً في العتبة بين يدي شيخه حاملاً نعله بيده کما هو عادته مع شيخه، فقال الشيخ محمد عبد النبي لشيخ سيدي مر هذا الغلام السيد فليجلس فإني لا أجلس حتى يجلس فإنه ستقبل يده وينتفع بفضله في سائر البلاد وعليه نور آل بيت النبوة، فقال له الشيخ محمد شاکر اجلس یا ولدي، وکذلك وقع له مع شيخه المذکور إشارة نظير هذه من الإمام الصوفي الشهير والولي الكبير الشيخ طه الكردي قدس سره، ومن ذاك الوقت زاد اعتناء الشيخ به والتفاته إليه بالتعليم. وكان شيخه المذكور كثيراً ما يأخذه معه ويحضره دروس أشياخه، حتى أنه أخذه وأحضره درس شيخه العلامة العامل الولي الصالح شيخ الحديث الشيخ محمد الكزبري، واستجازه له فأجازه وكتب له إجازة عامة على ظهر ثبته، مؤرخة في افتتاح ليلة غرة سنة عشر ومائتين وألف، وترجمه سيدي المرحوم في ثبته ترجمة حسنة فراجعها، ورثاه أيضاً سيدي عند وفاته ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وعشرين ومائتين وألَّف بقصيدة مؤرخاً وفاته فيها، ومطلعها: [البسيط] خَطْبٌ عَظِيْمٌ بِأهْلِ الدِّيْنِ قَدْ نَزَلَا فَحَسْبُنَا اللهُ فِي كُلِّ الأُمُورِ وَلا ١٤ خطبة الكتاب وبيت التاريخ: [البسيط] إِمَامُنَا الكُزْبَرِيُّ(١) نَجْمٌ أَفَلَ(٢) فَلَيْلُ جلّقِهِ مَا زَالَ مُنْسَدِلَا وكذلك أحضره درس العالم العلامة الشيخ الكبير المحدّث الشهير الشيخ أحمد العطار، واستجازه له فأجازه، وكتب له إجازة عامة على ظهر ثبته بخطه مؤرخة في منتصف محرم الحرام سنة ست عشرة ومائتين وألف. وقد ترجمه سيدي المرحوم الوالد في ثبته عقود الآلي ترجمة حسنة فراجهها، ورثاه عند وفاته مع غروب الشمس نهار الخميس التاسع من ربيع الثاني سنة ثمان عشرة ومائتين وألف بقصيدة مؤرخاً وفاته بها، ومطلعها: [البسيط] لِيَفْدَحِ الجَهْلُ فِي الْبُلْدَانِ بِالشَّرَرِ وَلْيَكن العِلْمُ فِي كُتْبٍ وَفِي سَطْرٍ وقد أخذ سيدي عن مشايخ كثيرين منهم الشيخ الأمير الكبير المصري، وأجازه إجازة عامة كتبها له بخطه الشريف وختمها بختمه المنيف، وأرسلها له مؤرخة في غرّة رمضان المعظم قدره من شهورعام ثمانية وعشرين بعد الألف والمائتين من الهجرة النبوية، وكذا أخذ عن مشايخ کثیرین یطول ذكرهم هنا من شامیین ومصریین وحجازيين وعراقیین ورومیین. وكان له عم من أهل الصلاح ومظنة الولاية ومن أهل الكشف، اسمه الشيخ صالح اسم على مسمى، حتى أنه بشر أمه به قبل ولادته، وهو الذي سماه محمد أمين حين كان في بطن أمه، يضعه في حال صغره في حجره ويقول له أعطيتك عطية الأسياد في رأسك. وكان رحمه الله تعالى له خيرات عامة: منها تعمير المساجد، وافتقاد الأرامل والفقراء. وكانت تسعى إليه الوزراء والأمراء والموالي والعلماء والمشايخ والكبراء والفقراء وذا الحاجات، وعظمت بركته وعم نفعه، وكثر أخذ الناس عنه. وغالب من أخذ عنه وقرأ عليه أكابر الناس وأشرافهم وأجلاؤهم من الموالي والعلماء الكبار والمفتين والمدرسين وأصحاب، التأليف والمشاهير، وقصده الناس من الأقطار الشاسعة للقراءة عليه والأخذ عنه. فممن قرأ عليه وأخذ عنه شقيقه العلامة الفاضل الفقيه الصوفي السيد عبد الغني المذكور. ومنهم ولد أخيه المذكور الشيخ أحمد أفندي أمين الفتوى بدمشق حالاً صاحب التأليف الشهيرة. ومنهم ابن لن عمه الشيخ صالح ابن السيد حسن عابدين، ومنهم صاحب الفضيلة والسماحة العالم العلامة عمدة الموالي العظام جابي زاده السيد محمد (١) في ط. قوله: (إمامنا الكزبري الخ) هكذا بالأصل، والشطر الأول ناقص ما يتم به الوزن والتاريخ. (٢) الشطر الأول ناقص وعليه «لا يتم الوزن. ١٥ خطبة الكتاب أفندي قاضي المدينة المنورة سابقاً، ومن أصحاب بایه إسلامبول الحائز للنشيان العالي المجيدي من الرتبة الثانية من تشرفت في حضرته باية إسلامبول، وافتخرت فيه على من نالها بفضائله وعلمه الذي أقرت به الفحول. وبکمان علمه وقدره مع فضله زاد فيه. رفعة وعز النشيان العالي المجيدي من الرتبة الثانية التي افتخرت فيها أعاظم الرجال وهي فيه فاقت وتبخترت على أكابر أهل الكمال فإنه أخذ عنه سائر العلوم وبه انتفع. ومنهم العالم العلامة الزاهد العابد الورع التقي النقى فقيه النفس الشيخ يحيى السردست أحد أفاضل الصوفية في زمنه فإنه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرج. ومنهم العالم العلامة العمدة الفهامة فقيه العصر الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني شارح القدوري وعقيدة الطحاوي، فإنه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرج. ومنهم العالم العلامة والعمدة الفهامة الشيخ حسن البيطار فإنه قرأ عليه العقود الدرية، وعليه تخرج في مذاهب السادة الحنفية. ومنهم ولد المرقوم العالم العلامة الشيخ محمد أفندي البيطار فإنه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرج، وهو أمين فتوى دمشق الشام حالاً. ومنهم العالم العلامة أحمد أفندي الإسلامبولي محشي الدرر، فإنه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرج. ومنهم الشيخ الفاضل والعالم الكامل فرضي دمشق ورئيس حسابها السيد حسين الرسامة، فإنه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرّج. ومنهم العالم العلامة القدوة الفهامة صاحب التأليف المفيدة والتصانيف النفيسة في المعقول والمنقول: الشيخ يوسف بدر الدين المغربي، فإنه عنه أخذ وبه انتفع وعليه تخرج. ومنهم العلامة الفاضل الشيخ عبد القادر الجابي، ومنهم الشيخ محمد الجقلي. ومنهم الشيخ محمد أفندي المنير أحد أصحاب باية أزمير المجردة. ومنهم العلامة الفاضل الشيخ عبد القادر الخلاصي شارح الدر المختار والألفية لابن مالك وغيرهما. ومنهم عمدة الموالي الكرام علي أفندي المرادي مفتي دمشق الشام. ومنهم العالم العلامة، العمدة الفهامة، نخبة الموالي الفخام عبد الحليم ملا قاضي الشام وقاضي عسكر أناطولي. ومنهم الشيخ حسن بن خالد بك. ومنهم الشيخ محمد تلو. ومنهم الشيخ محيي الدين اليافي. ومنهم الشيخ أحمد المحلاوي المصري شيخ القرّاء في زمنه. ومنهم الشيخ عبد الرحمن الجمل المصري. ومنهم الشيخ أيوب المصري. ومنهم الشيخ الملا عبد الرزاق البغدادي أحد مشاهير علماء بغداد وأفاضلها. ومنهم الشيخ مصلح قاضي جینین. ومنهم الشيخ أحمد البزري قاضي صيدا. ومنهم أخوه الشيخ محمد أفندي مفتيها. ومنهم الشيخ محمد أفندي الآتاسي مفتي حمص وأخوه أمين أفندي أمين فتواه. ومنهم الشيخ أحمد سليمان الأروادي وغيره ممن يطول ذكرهم هنا ولا يحصى عددهم من أفاضل وأعيان، فإنهم اتتفعوا به وأخذوا عنه وعليه تخرجوا. مات رحمه الله تعالى ضحوة يوم الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الثاني سنة ١٢٥٢، وكانت مدة حياته قريباً من أربع وخمسين سنة، ودفن بمقبرة دمشق في باب ١٦ خطبة الكتاب الصغير في التربة الفوقانية، لا زالت سحائب الرحمة تبلّ ثراه في البكرة والعشية. وكان قبل موته بعشرين يوماً قد اتخذ لنفسه القبر الذي دفن فيه، وكان دفن فيه بوصية منه لمجاورته لقبر العلامتين: الشيخ العلائي شارح التنوير والشيخ صالح الجينيني إمام الحديث ومدرسه تحت قبة النسر، وهذا مما يدل على حبه للشارح العلائي، لا سيما وقد حشى له شرحيه على الدرّ والملتقى وشرحه على المنار، وسماني باسمه وأرّخ ولادتي على ظهر كتابه الدرّ المختار في ليلة الثلاثاء لثلاثة مضين من شهر ربيع الثاني ١٢٤٤ رحمه الله تعالى العزيز الغفار، وقد مدحه بقصيدة وهي قوله: [الوافر] عَلَاءَ الدِّينِ يَا مُفْتِي الأَنَامِ جَزَاكَ اللّهُ خَيرِ عَلَى الدَّوَامَ(١) لَقَدْ أَبْرَزَتْ لِلْفَتْيَا كِتَاباً لَقَدْ أُعْطِيْتَ فَضْلاً لَا يُضَامي فَكُنْتُ بِهِ فَرِيدَ العَصْرِ حَتْماً وَكَانَ بِكَ الزَّمَانُ خَصِیبَ عَيْشٍ وَفَاقَ بِدُرَّكَ المُخْتَارِ عِقْدٌ بِأَلْفَاظِ تَرَيْنَ الصَّعْبَ سَهْلًا إِذَا مَا قُلْتَ قَوْلَا قِيلَ فيهِ مُبِيناً لِلحَلَلِ وَلِلحَرَامِ وَعِلْماً وَافِراً كَالصَّبٌ طَامَ كَمِثْلِ البَدْرِ في وَفْقِ التِّمَامِ رطيباً ذَا حُبُورٍ وَأَبْتِسَامٍ لِفِقهِ أَبِي حَنِيفَةً ذُو انْتِظَامِ وَمَطْروحَاً عَلَى طَرَفِ الثّمَّامِ عَلَى قَوْلٍ إِذَا قَالَتْ حَذَّامٍ صَغِيرُ الحَجْمِ حَاوِي الجُلِّ مِمَّا تَنَفَّحَ فِي رُبَى الكُتُبِ العِظَامِ فَكُلُّ الصَّيْدِ فِي جَوْفِ الفَرَا إِنْ تَقُلْ ذَالَسْتَ تَخشَى مِنْ مَلَامِ حَوَى اسْماً قَدْ أَتَّى طِبْقَ المسَمَّى. وَمَا تَأْتِي كَذَا كُلُّ الأَسَامِيَ وكانت له جنازة حافلة ما عهد نظیرها، حتى أن جنازته رفعت على رؤوس الأصابع من تزاحم الخلق، وخوفاً من وقوعها وإضرار الناس بعضهم بعضاً حتى صار حاكم البلدة وعساكره يفرقون الناس عنها، وصار الناس عموماً ييكون نساء ورجالاً كباراً وصغاراً، وصلي عليه في جامع سنان باشا، وغص بهم المسجد حتى صلوا في الطريق، وصلى عليه إماماً بالناس الشيخ سعيد الحلبي، وصلى عليه غائبة في أكثر البلاد، ولم يترك أولاداً ذكوراً غير هذا الحقير العاجز الفقير الملتجي إلى عناية مولاه القدير جامع هذه التكملة، جعلها الله تعالى خالصة لوجهه الكريم، ورحم الله تعالى روحه، ونوّر مرقده وضريحه، وجزاه الله تعالى عني وعن المسلمين خيراً، ونفعني به ويعباده الصالحين في الدنيا والآخرة. (١) في ط. قوله: (على الدوام) يقرأ بوصل عين على بدال الدوام وحذف ما بينهما لفظ لاستقامة الوزن. ١٧ كتاب الهبة وقد حرّر محشي الأشباه المنع قياساً على مسألة السفل والعلو أنه لا يتد إذا أضر، وكذا إذا أشكل على المختار للفتوى كما في الخانية. قال المحشي: فكذا تصرفه في ملكه إن أضرّ أو أشكل يمنع، وإن لم يضر لم یمنع. قال: ولم أر من نبه علیه، فلیغتنم فإنه من خواص کتابي انتهى. (ادعى) على آخر (هبة) مع قبض (في وقت فسئل) المدعي (بينة فقال) قد (جحدنيها) أي الهبة (فاشتريتها منه أو لم يقل ذلك) أي جحدنيها ومفاده الاكتفاء وهذا أوان الشروع في المقصود، بعون ذى الفضل والجود، فنقول بعون الله تعالى: قول العلائي. قوله: (قال المحشي) هو الشيخ صالح على ما يتبادر من سابقه ومن نقله عنه كثيراً، ولا حاجة إلى هذه العبارة للاستغناء عنها بما قبلها ط. مَطْلَبٌ: دَعْوَى الهِبَةِ مِنْ غَيرِ قَبْض غَيرِ صَحِيْحَةٍ قوله: (مع قبض) قيد به، لأن دعوى الهبة من غير قبض غير صحيحة، فلا بد في دعواها من ذكر القبض ولهذا صوّر المسألة شراح الهداية بأنه ادعى أنه وهبها له وسلمها ثم غصبها منه. مَطْلَبٌ: الإِقْرَارُ بِآلِهِبَةِ هَلْ يَكُونُ إِقْرَاراً بِالْقَبْضِ؟ وذكر العمادي اختلافاً في الإقرار بالهبة أيكون إقراراً بالقبض، قيل نعم لأنه كقبول فيها، والأصح لا، وقيد بذكر التاريخ لهما لأنه لو لم يذكر لهما تاريخ أو ذكر لأحدهما فقط تقبل لإمكان التوفيق بأن يجعل الشراء متأخراً اهـ بحر. وفيه أيضاً وأشار المؤلف إلى أنه لو ادعى الشراء أوّلًا ثم برهن على الهبة أو الصدقة، فإن وفق فقال جحدني الشراء ثم وهبها مني أو تصدق قبل وإلا فلا كما في خزانة الأكمل وفي منية المفتي: ادعاها إرثاً ثم قال جحدني فاشتريتها وبرهن تقبل اهـ. وذكر مسائل من التناقض: منها لو ادعى الشراء من أبيه في حياته وصحته فأنكر ولا بينة فحلف ذو اليد فبرهن المدعي أنه ورثها من أبيه تقبل لإمكان التوفيق. مَطْلَبٌّ: بَرْهَنَ عَلَى أَنْهُ لَهُ بِالإِزْثِ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَكُنْ لي قَطُّ ولو ادعى الإرث أولاً ثم الشراء لا تقبل لعدمه. ومنها برهن على أنه له بالإرث ثم قال: لم يكن لي قط أو لم يزد قط لم يقبل برهانه وبطل القضاء. مَطْلَبُ: دَعْوَى الَشِّرَاءِ بَعْدَ الْهِبَةِ مَسْمُوعَةٌ مُطْلَقاً وَالشِّرَاءُ قَبْلَ هَبَةٍ مِنْ غَيْ قَبْضٍ مَسْمُوعَةٌ أَيْضاً وتقييده بالقبض ليس للاحتراز عن دعوى الشراء بعدما ادعى الهبة بدون التسليم أبو السعود. قوله: (في وقت) ظرف لهبة لا لادعی اهـ ح، وذلك کما إذا ادعى أنه وهبها له في رمضان. قوله: (ومفاده) أي مفاد قوله: (أو لم يقل ذلك) اهـ ح. ١٨ کتاب الهبة بإمكان التوفيق، وهو مختار شيخ الإسلام من أقوال أربعة. واختار الخجندي مَطْلَبْ: التَّوفيِقُ بِالْفِعْلِ شَرْطٌ في الاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الأَصَحُّ قوله: (بإمكان التوفيق) أي مطلقاً من المدعي أو المدعى عليه تعدد وجهه أو اتحد. بحر. وفيه أن هذا هو القياس والاستحسان أن التوفيق بالفعل شرط. قال الرملي: وجواب الاستحسان هو الأصح كما في منية المفتي. أقول: لكن نقل في نور العين عن فتاوى رشيد الدين: لو أتى بالدفع بعد الحكم في بعض المواضع لا يقبل، نحو أن يبرهن بعد الحكم أن المدعي أقرّ قبل الدعوى أنه لا حق له في الدار لا يبطل الحكم، لجواز التوفيق بأنه شراء بخيار فلم يملكه في ذلك الزمان ثم مضت مدة الخيار وقت الحكم فملكه، فلما احتمل هذا لم يبطل الحكم الجائز بشك، ولو برهن قبل الحكم يقبل ولا يحكم، إذ الشك يدفع الحكم ولا يرفعه. يقول الحقير: الظاهر أنه لو برهن قبل الحكم فيما لم يكن التوفيق خفياً ينبغي أن لا يقبل ويحكم على مذهب من جعل إمكان التوفيق كافياً، إذ لا شك حينئذ لأن إمكانه كتصريحه عندهم، والله تعالى أعلم اهـ. كذا في نسختي نور العين. والذي يظهر زيادة ((لا)) في قوله ينبغي أن لا يقبل كما هو ظاهر لمن تأمل، وسيأتي تمام الكلام على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى عند قوله ((ومن ادعى على آخر مالاً الخ)). مَطْلَبٌ: مَنْ سَعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَسَعْيُهُ مَرْدُودٌ عَليَهِ إِلَّ فِي مَوْضِعَين قوله: (وهو مختار شيخ الإسلام) قيده في البحر في فصل الفضولي، بأن لا يكون ساعياً في نقض ما تمّ من جهته، لأن كل من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه، فقولهم: إن إمكان التوفيق يدفع التناقض على أحد القولين مقيد بما إذا لم يكن ساعياً في نقض ما تم من جهته، لأن من سعى في نقض ما تم من جهته لا يقبل إلا في موضعين: الأول: فيما إذا اشترى عبداً وقبضه ثم ادعى أن البائع باعه قبله من فلان الغائب بکذا وبرهن یقبل. الثاني: وهب جاریته واستولدها الموهوب له ثم ادعی الواهب أنه کان دبرها أو استولدها ويرهن يقبل ويستردها والعقر اهـ. وتمامه فيه فراجعه إن شئت. مَطْلَبٌ في ارْتِفَاعِ الْتَنَاقُضِِ أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ قوله: (من أقوال أربعة) الأول: لا بد من التوفيق بالفعل ولا يكفي الإمكان. الثاني: كفاية الإمكان مطلقاً: أي من المدعي أو المدعى عليه تعدد وجه التوفيق أو اتحد. الثالث: ما ذكره، الخجندي. : ١٩ كتاب الهبة أنه يكفي من المدعى عليه لا من المدعي لأنه مستحق وذاك دافع. والظاهر يكفي للدفع لا للاستحقاق. بزازية (فأقام بينة على الشراء بعد وقتها) أي وقت الهبة (تقبل) في الصورتين (وقبله لا) لوضوح التوفيق في الوجه الأول وظهور التناقض في الثاني، ولو لم يذكر لهما تاريخاً أو ذكر لأحدهما تقبل لإمكان التوفيق بتأخير الرابع: كفاية الإمكان إن اتحد وجه التوفيق لا إن تعددت وجوهه. وهذا الخلاف يجري في كل موضع حصل فيه التناقض من المدعي أو منه ومن شهوده أو من المدعى عليه كما في البحر، ومثله في حاشية سيد الوالد عليه. مَطْلَبُ: هَلْ يَكْفِي إِمْكَانُ التَّوْفيقِ لِدَفْعِ التَّنَاقُضِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْهُ بِالفِعْلِ قوله: (أنه يكفي من المدعى عليه) هذا اختصار. وأصل عبارة الخجندي كما في البحر: إن التناقض إن كان من المدعي فلا بد من التوفيق بالفعل ولا يكفي الإمكان، وإن كان المدعى عليه يكفي الإمكان، لأن الظاهر عند الإمكان وجوده ووقوعه، والظاهر حجة في الدفع لا في الاستحقاق والمدعي مستحق والمدعى عليه دافع، والظاهر يكفي في الدفع لا في الاستحقاق. ويقال أيضاً: إن تعدد الوجوه لا يكفي الإمكان وإن اتحد يكفي الإمكان والتناقض كما يمنع الدعوى لنفسه يمنع الدعوى لغيره. قوله: (بعد وقتها) كشوال وهو ظرف للشراء كقبله اهـ ح. قوله: (في الصورتين) يعني ما إذا قال جحدنيها أولاً ح. قوله: (وقبله) أي قبل وقت الهبة كشعبان. قوله: (لوضوح التوفيق في الوجه الأول) وهو ما إذا كان الشراء بعد وقت الهبة. وهذا التعليل إنما يظهر فيما إذا قال جحدنيها، وأما إذا لم يقله فالذي فيه إمكان التوفيق. قوله: (وظهور التناقض في الثاني) لأنه يدعي الشراء بعد الهبة وشهوده تشهد له به قبلها، وهو تناقض ظاهر لا يمكن التوفيق بينهما، ومرادهم بالتناقض ما يكون بين الدعوى والبيئة، وإلا فالمدعي لا تناقض منه لأنه لم يدّع الشراء سابقاً على الهبة، والتناقض يبطل الدعوى. مَطْلَبٌ: يَكُونُ التَّنَاقُضُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ وَمِنِ آَثْنَيْنْ وکما یکون من متكلم واحد یکون من متکلمین کمتكلم واحد حكماً كوارث وموّث ووكيل وموكل. والأولى (١) في البزازية: ولم أر الآن الثانية صريحاً وهي ظاهرة من الأولى. بحر. مَطْلَبُ: لَا تُسْمَعُ دَعْوَى أَلَوَارِثٍ فِيمَا لَا تُسْمَعُ دَهْوَى مُوَرّثِ فِيْهِ قال أبو السعود: وفي هذا دلالة ظاهرة على ما نقله الشيخ حسن الشرنبلالية في رسالة الإبراء عن فتاوى الشيخ الشلبي حيث حكى الإجماع على أن دعوى الوارث لا (١) في ط. قوله: (الأولى) أي مسألة الوارث المورث. ٢٠ کتاب الهبة الشراء، وهل يشترط كون الكلامين عند القاضي أو الثاني فقط؟ خلاف وينبغي ترجيح الثاني. بحر. لأن به التناقض والتناقض يرتفع بتصديق الخصم وبقول المتناقض تسمع في شيء لا تسمع فيه دعوى مورّثه أن لو كان حياً، كما إذا أقر مورثه بقبض ما يخصه من التركة وأبرأ إبراء عاماً لا تسمع دعوى الوارث بعده الخ. وإذا عرف هذا في الإبراء فكذا في غيره من بقية الموانع، كما لو ترك الدعوى في حق لا من جهة الإرث حتى مضى خمس عشرة سنة، وقولهم لا تسمع الدعوى بعد خمس عشرة سنة إلا في الإرث يحمل على ما إذا لم تمض الخمس عشرة سنة قبل موت مورّثه اهـ ط. مَطْلَبُ: هَلْ يُشْتَطُ كَوْنُ الْكَلَامَيْنِ الْمُتَنَاقِضَين في مَجْلِسِ القَاضِي أوِ الثَّاني فَقَط؟ قوله: (وهل يشترط كون الكلامين) أي المتناقضين. قوله: (أو الثاني فقط) أي ويحتاج إلى إثبات الأول عند القاضي ليدفع به دعوى المدعي. قوله: (وينبغي ترجيح الثاني) ولعل وجهه أنه الذي يتحقق به التناقض منح. وفي النهر من باب الاستحقاق: والأوجه عندي اشتراطهما عند الحاكم، إذ من شرائط الدعوى كونها لديه اهـ. وفي شرح المقدسي: ينبغي أن يكفي أحدهما عند القاضي، بل يكاد أن يكون الخلاف لفظياً لأن الذي حصل سابقاً على مجلس القاضي لا بد أن يثبت عنده ليترتب على ما عنده حصول التناقض، والثابت بالبيان كالثابت بالعيان فكأنهما في مجلس القاضي، فالذي شرط كونهما في مجلسه يعم الحقيقي والحكمي في السابق واللاحق اهـ. وهو حسن. لكن ذكر سيدي الوالد رحمه الله تعالى في حاشيته على البحر بعد ذكر نحو ما تقدم: قلت: وسيأتي في الوكالة أن الوكيل بالخصومة يصح إقراره لو أقر عند القاضي لا عند غيره، ولكنه يخرج به عن الوكالة. وعند أبي يوسف: يصح إقراره مطلقاً، لأن الشيء إنما يختص بمجلس القضاء إذا لم يكن موجباً إلا بانضمام القضاء إليه كالبينة والنكول. ولهما: أن المراد بالخصومة الجواب مجازاً، والجواب يستحق في مجلس الحكم فيختص به، فإذا أقر في غيره لا يعتبر لكونه أجنبياً فلا ينفذ على الموكل لكنه يخرج به عن الوكالة لأن إقراره يتضمن أنه ليس له ولاية الخصومة اهـ. والحاصل: أن اختصاصه بمجلس القاضي لكون لفظ الخصومة يتقيد به، وهنا ليس كذلك، فالذي يظهر ترجيح عدم اشتراط كون الكلامين في مجلس القاضي اهـ. قوله: (يرتفع بتصديق الخصم) أي بكلاميه المتناقضين. مَطْلَبٌ: يَرْتَفِعُ التَّنَاقُضُ بِقَوْلِ المُتَنَاقِضِ تَرَكْتُ قوله: (ويقول المتناقض تركت الأول الخ) أقول: فيه أنه حينئذ لا يبقى تناقض