Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ کتاب الجنايات وَقَاصِدُ شَخْصٍ إِنْ أَصَابَ خِلَافَهُ فَذَا خَطَأْ وَالقَتْلُ فِيهِ مُعَذَّرُ وَقَاصِدُ شَخْصٍ حَالَةَ النَّوْمِ إِنْ يَمُنَّ فَيَقْتَصُّ إِنْ أَبْقَى دَماً مِنْهُ يُشْهَرُ (و) الرابع (ما جرى مجراه) مجرى الخطأ (كنائم انقلب على رجل فقتله) لأنه معذور كالمخطىء (وموجبه) أي موجب هذا النوع من الفعل وهو الخطأ وما جرى مجراه (الكفارة والدية على العاقلة) والإثم دون إثم القتل، إذ الكفارة تؤذن بالإثم لترك العزيمة (و) الخامس (قتل بسبب كحافر البئر وواضع حجر في غير ملكه) بغير إذن من السلطان. ابن كمال. وكذا وضع خشبة على قارعة الطريق ونحو ذلك إلا (والقتل فيه معذو) أي القصاص فيه ممتنع. قوله: (حالة النوم) أي نوم الشخص. قوله: (إن أبقى دماً) أي تركه ينهر: أي يسيل منه، والذي في الوهبانية: يقطر، وانظر ما وجه التقييد بحالة النوم، وقد مر أن الإبرة إذا أصابت المقتل ففيه القود، ولعل وجهه أن محل القصد غير مقتل، وإذا كان غير نائم وترك دم نفسه يسيل يكون موته منسوباً إليه. فليتأمل. قوله: (والرابع ما جری مجراه الخ) فحکمه حکم الخطا في الشرع، لکنه دون الخطإ حقيقة، فإن النائم ليس من أهل القصد أصلاً، وإنما وجبت الكفارة لترك التحرز عن نومه في موضع يتوهم أن يصير قاتلاً، والكفارة في قتل الخطإ إنما تجب لترك التحرز أيضاً، وحرمان الميراث لمباشرة القتل وتوهم أن يكون متناعساً لم يكن نائماً قصداً منه إلى استعجال الإرث، والذي سقط من سطح فوقع على إنسان فقتله أو كان في يده لبنة أو خشبة فسقطت من يده على إنسان أو كان على دابة فأوطأت إنساناً فقتله مثل النائم لكونه قتلاً للمعصوم من غير قصد. كفاية. قوله: (لترك العزيمة) وهي هنا المبالغة في التثبت. قال في الكفاية: وهذا الإثم إثم القتل، لأن نفس ترك المبالغة في التثبت ليس بإثم، وإنما يصير به آثماً إذا اتصل به القتل فتصير الكفارة لذنب القتل وإن لم يكن فيه إثم قصد القتل ١ هـ. تأمل. قوله: (وواضع حجر) أي إذا لم ينحه غيره، فإن نحاه فعطب به رجل ضمن المنحى كما سيذكره المصنف في باب ما يحدثه الرجل في الطريق. قوله: (في غير ملكه) قيد للحفر والوضع. درر. فلو في ملكه فلا تعدي فلا دية ولا كفارة ط. قوله. (من السلطان) الظاهر أن المراد ما يعم نائبه ط. قوله: (ونحو ذلك الخ) أي نحو الخشبة كقشور بطيخ فيضمن ما تلف به كما أفتى به قارىء الهداية، وكذا إذا رشّ الطريق. قال في الذخيرة: كذا أطلقه في الكتاب، قالوا: إنما يضمن الراش إذا مر المار على الرش ولم يعلم به بأن كان ليلاً أو المار أعمى، وكذا المرو على الخشبة أو الحجر. ومن المشايخ من فصل بوجه آخر وقال: إن رش بعض الطريق حتى أمكنه المرور في الجاف لا ضمان، وإن ١٦٢ کتاب الجنابات إذا مشى على البئر ونحوه بعد علمه بالحفر ونحوه. درر (وموجبه الدية على العاقلة لا الكفارة) ولا إثم القتل بل إثم الحفر والوضع في غیر ملکه. درر (و کل ذلك يوجب حرمان الإرث) لو الجاني مكلفاً. ابن كمال: (إلا هذا) أي القتل بسبب لعدم قتله، وألحقه الشافعي بالخطأ في أحكامه. فَصْلٌ فيما يُوجِبُ القَوَدَ وَمَا لَا يُوجِبُهُ (يجب القود) أي القصاص (بقتل كل محقون الدم) بالنظر لقاتله. درر. وسيتضح عند قوله ((وقتل القاتل أجنبي)) (على التأبيد عمداً) وهو المسلم والذمي لا رش فناء حانوت بإذن صاحبه فالضمان على الآمر استحساناً. وتمامه في التاتر خانية. فرع: تعقل بحجر فسقط في بئر حفرها رجل فالضمان على واضع الحجر، فلو لم يضعه أحد فعلى الحافر؛ وكذا لو زلق بماء صبه رجل فوقع في البئر فالضمان على الصاب، ولو بماء مطر فعلى الحافر. تاترخانية. وفي الجوهرة: القول قول الحافر أنه أسقط نفسه استحساناً. قوله: (وكل ذلك) أي ما تقدم من أقسام القتل الغير المأذون فيه ط. قوله: (لو الجاني مكلفاً) فلو صبياً أو مجنوناً يرث كما في شرح السراجية للسيد ط. قوله: (لعدم قتله) أي مباشرة، وإنما ألحق بالمباشر في إيجاب الضمان صيانة للدم عن الهدر على خلاف الأصل فبقي في الكفارة، وحرمان الميراث على الأصل. كفاية. والله أعلم. فَضْلٌ فيما يُوجِبُ القَوَدَ وَمَا لا يُوجِبُهُ قوله: (محقون الدم) الحقن هو المنع: قال في المغرب: حقن دمه إذا منعه أن يسفك. واحترز به عن مباح الدم كالزاني المحصن والحربي والمرتد، والمراد الحقن الكامل، فمن أسلم في دار الحرب فقد صار محقون الدم على التأبيد، ولا يقتص من قاتله هناك لأن كمال الحقن بالعصمة المقومة والمؤثمة، وبالإسلام حصلت المؤثمة دون المقومة لأنها تحصل بدار الإسلام. أفاده في الكفاية. قوله: (بالنظر لقاتله) أي لا مطلقاً، فإنه لو قتل القاتل عمداً أجنبي عن المقتول يقتص من الأجنبي للقاتل إن قتله الأجنبي عمداً. قال الواني: والظاهر أن هذا أعم من أن يكون قبل الحكم أو بعده لاحتمال عفو الأولياء بعد الحكم ا هـ ط. قوله: (على التأبيد) احترز به عن المستأمن. ولا يشكل على هذا الحد قتل المسلم ابنه المسلم عمداً حيث لا يقتص منه، لأن القصاص واجب في الأصل، لكن انقلب مالاً بشبهة الأبوّة وذلك عارض، والكلام في الأصل ولهذا كان الابن شهيداً بهذا القتل فلا يغسل، وكذا قتل عبد الوقف عمداً فإنه لا ١٦٣ کتاب الجنايات المستأمن والحربي (بشرط كون القاتل مكلفاً) لما تقرر أنه ليس لصبيّ ومجنون عمد. في البزازية: حكم عليه بقود فجنّ قبل دفعه للولي انقلب دية. من يجنّ ويفيق قتل في إفاقته قتل، فإن جنّ بعده: إن مطبقاً سقط، وإن غير مطبق قتل. قتل عبد مولاه عمداً لا رواية فيه. وقال أبو جعفر: يقتل قتل عبد الوقف عمداً لا قود فيه. قتل ختنه عمداً وبنته في نكاحه سقط القود اهـ (و) بشرط (انتفاء الشبهة) يجب القود كما يأتي، لأن القود هو الموجب الأصلي وانقلب مالاً لعارض مراعاة نفع الوقف اهـ. ط عن المكي ملخصاً. قوله: (لما تقرر الخ) سيأتي تقريره قبيل فصل الجنين. قوله: (انقلب دية) أي ولا قصاص عليه استحساناً. ولو جن بعد الدفع له قتله لأن شرط وجوب القصاص عليه كونه مخاطباً حالة الوجوب وذلك بالقضاء ويتم بالدفع، فإذا جنّ قبل الدفع تمكن الخلل في الوجوب فصار كما لو جن قبل القضاء والوالجية. قوله: (من يجن) بالبناء للمفعول ويفيق من أفاق ط. ومن مبتدأ، وقتل الأول مبني للفاعل حال أو شرط لأداة شرط محذوفة، وقتل الثاني مبني للمفعول خبر بمعنى يحكم بقتله. قوله: (فإن جن بعده) أي بعد ما قتل في إفاقته، والظاهر أن يقيد بما إذا كان جنونه قبل القضاء والدفع أخذاً مما قبله. فليتأمل. قوله: (إن مطبقاً) بأن كان شهراً أو سنة على اختلافهم فيه. ولوالجية. قوله: (سقط) أي القصاص. قوله: (وإن غير مطبق قتل) يعني بعد الإفاقة كما في الوالجية وغيرها. قوله: (وقال أبو جعفر يقتل) وهذا تقدم صريحاً عند قول المتن ((وجنايته على الراهن والمرتهن معتبرة)) وقال الحموي: لأن القصاص من جهة الآدمية وهو فيها أجنبي عن المولى. سائحاني. قوله: (لا قود فيه) بل ينقلب مالاً لكونه أنفع للوقف كما تقدم عن المكي. وفي الشرنبلالية: لعل وجهه اشتباه من له حق القصاص، لأن الوقف حبس العين على ملك الواقف عند الإمام، وعندهما على حكم ملك الله تعالى، ولم يتعرض لما يلزم القاتل ولعله القيمة فلينظر اهـ. أقول: قال في وقف البحر: ولا يخفى أنه تجب قيمته كما لو قتل خطأ، ويشتري بها المتولي عبداً ويصير وقفاً، كما لو قتل المدبر خطأ وأخذ المولى قيمته فإنه يشتري بها عبداً ويصير مدبراً، وقد صرح به في الذخيرة اهـ. قوله: (قتل ختنه) الختن: هو كل من كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ، هكذا عند العرب، وعند العامة: زوج ابنته. مغرب. والمراد هنا الثاني. قوله: (سقط القود) لأنها ورثت قصاصاً على أبيها ا هـ ح. أقول: بل قد ثبت لها ابتداء لا إرثاً كما أورده الشارح على صدر الشريعة فيما أ ١٦٤ کتاب الجنايات كولاد أو ملك أو أعم كقوله اقتلني فقتله (بينهما) كما سيجيء (فيقتل الحر بالحر وبالعبد) غير الوقف كما مر خلافاً للشافعي. ولنا إطلاق قوله تعالى: ﴿أن النفس بالنفس﴾ فإنه ناسخ لقوله تعالى: ﴿الحر بالحر﴾ الآية كما رواه السيوطي في الدر المنثور عن النحاس عن ابن عباس: على أنه تخصيص بالذكر فلا ينفي ما عداه. كيف ولو دل لوجب أن لا يقتل الذكر بالأنثى ولا قائل به. قيل ولا الحر بالعبد وردّ بدخوله بالأولى: ولأبي الفتح البستي نظماً قوله: [الطويل] خُذُوا بِدَمِي هَذَا الغَزَالَ فَإِنه رَمَاني بِسَهْمَي مُقْلَتَيْهِ عَلَ عَمْدِ وَلَا تَقْتُلُوهُ إِنَّنِي أَنَا عَبْدُهُ وَلَمْ أَرَ حُرَّا قَطُّ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ فأجابه بعض الحنفية راداً عليه بقوله: خُذُوا بِدَمِي مَنْ رَامَ قَتْلي بِلَحْظِهِ وَلَمْ يَخْشَ بَطْشَ الله فِي قَاتِلِ العَمْدِ سيأتي عند قول المصنف ((ويسقط قود ورثه على أبيه)). قوله: (أو أعم كقوله اقتلني) هذا سقط من بعض النسخ، وفي بعضها ((أو أمر)) بدل قوله أو أعم، وهو أولى، وسيأتي آخر الفصل أنه تجب الدية في ماله في الصحيح. قوله: (كما سيجيء) أي من المسائل الثلاث في هذا الفصل متناً. قوله: (خلافاً للشافعي) فعنده لا يقتل الحرّ بالعبد. قوله: (أن النفس) بفتح الهمزة لأنه معمول لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فيها﴾ [المائدة ٤٥]. قوله: (على أنه تخصيص بالذكر الخ) الاقتصار في الآية على الحر وهو بعض ما شمله قوله تعالى: ﴿أَنَّ النّفْسَ بِالنَّفْسِ) [المائدة ٤٥] لا يقتضي نفي الحكم عن العبد فهو كالمقابلة في قوله تعالى. ﴿والأنثى بالأنثى﴾. ولم يمنع قتل الذكر بالأنثى. قال الزيلعي: وفي مقابلة الأنثى بالأنثى دليل على جريان القصاص بين الحرة والأمة. قوله: (قيل ولا الحر بالعبد) صوابه ولا العبد بالحر كما هو في المنح ١ هـ ح، يعني أنه قيل في الإيراد على الشافعي: لو دل قوله تعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ [المائدة ٤٥] على أن الحر لا يقتل بالعبد للتخصيص بالذكر لوجب أن لا يقتل العبد بالحر قوله: (ورد) أي هذا القيل لأنه إذا قتل الحر بالحر بعبارة النص يقتل العبد به بدلالة الأولى لأنه دونه كما دلت حرمة التأفيف على حرمة الضرب، وأصل الإيراد لصدر الشريعة والراد عليه منلا خسرو وابن الكمال. قوله: (ولأبي الفتح ألخ) ساقط من بعض النسخ. قوله: (خذوا بدمي الخ) لا يخفى ما فيه من عدم صدق المحبة. قوله: (ولا تقتلوه الخ) فيه منافاة لما قبله، فإن الأخذ بالدم يقتضي القتل ولا يصح أن يحمل على الدية، لأن العبد لا تجب ديته على مولاه ط. قوله: (ولم أر حراً قط يقتل بالعبد) وفي بعض النسخ ((وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد)). ١٦٥ کتاب الجنايات وَقُودُوا بِهِ جَبِراً وَإِنْ كُنْتُ عَبْدَهُ لِيُعْلَمَ أَنَّ الحُرَّ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ (والمسلم بالذمي) قوله: (ليعلم الخ) فيه أن الحر لا يقتل بعبد نفسه، فإن أراد عبد غيره لا يناسبه قوله ((وإن كنت عبده)) اهـ ح. أقول: المراد إظهار الحكم بأسلوب لطيف، فلا يدقق عليه بمثل ذلك، وإلا لزم أن يعترض بأنه قال: من رام ولم يصرح بالقتل، وبأن القتل بمجرد اللحظ لا يقاد به إذ لا يصدق عليه تعريف العمد، وقد نظمت ذلك خالياً عن الطعن مع الأدب، ومراعاة ما للحبيب على من أحبّ فقلت: [الطويل] دَعُوا مَن بِرُمْحِ القَدِّقَدْ قَدَّ مُهْجَتِي وَصَارِمُ لَخظٍ سَلَّهُ لِي عَلَى عَمْدٍ فَضْلَا قَوْدَ في قَتْلِ مَوْلَى لعَبْدِهِ وَإِنْ كَانَ شَرْعاً يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ قوله: (والمسلم بالذمي) لإطلاق الكتاب والسنة وحديث ابن السلماني ومحمد بن المنكدر ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌ِ﴿ أُتَ بِرَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ قَتَلَ مُعَاهَداً مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأُمِرَ بِهِ فَضُرِبَ عُثُقُهُ وَقَالَ: أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَّ بِذِمَّتِهِ)) وقال عليّ رضي الله عنه: إنما بدلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا، ولهذا يقطع المسلم بسرقة مال الذمي مع أن أمر المال أهون من النفس. ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام ((لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ»(١) ولا يقتل مؤمن ولا ذمي بكافر حربي، فقوله ((ولا ذو عهد)،(٢) أي (١) الشطر الأول منه أخرجه البخاري ٢٤٦/١٢ (٦٩٠٣) وأخرجه أبو داود (٤٠٠٦) والترمذي (١٤١٢، ١٤١٣) والنسائي في القسامة باب ١٠، ب ١٤ وابن ماجه (٢٦٦٠) وعبد الرزاق في المصنف ٨٥/٢ والطحاوي في مشكل الآثار ٢/ ٩٠. (٢) إن كان المجني عليه ذمياً، وكان القتل عمداً أيضاً فقد اختلف الفقهاء في وجوب القصاص من المسلم. فذهب ابن حزم وجماعة إلى القول بسقوط القصاص في العمد، وسقوط الدية في الخطأ، ولكن قالوا: يؤدب المسلم بالسجن حتى يتوب كفاً لضرره. وذهب الحنفية والنخعي والشعبي إلى القول بوجوب القصاص، وهو قول عمر وابن مسعود وابن أبي ليلى. وذهب الشافعية والحنابلة والثوري والأوزاعي إلى عدم وجوب القصاص على المسلم مطلقاً، وإنما تجب عليه الدية مضاعفة، روي هذا عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت. وذهب مالك والليث بن سعد إلى القول بوجوب القصاص في حالة خاصة. هي ما إذا قتل المسلم الكافر غيلة أي يأخذه إلى مكان مخصوص، فيضجعه ويذبحه، ليأخذ ما معه من المال، وفي غير تلك الحالة لا يقتص منه، وإنما تجب الدية عليه في العمد والكفارة في الخطأ. استدل ابن حزم ومن معه بأن الآيات الواردة في القصاص لم تشتمل على قتل المسلم للكافر لأنها في قتل المؤمنين خاصة لم يرد فيها ذكر للذميين والمستأمنين دل على ذلك حكم الرسول في المسألة بقوله: ((لا يقتل مسلم بكافر))، وإذا كان الذمي كافراً ظهر يقيناً أنه لا قصاص على قاتله المسلم إذا قتله عمداً، وأيضاً لا تجب عليه الدية في قتله خطأ لعدم وجوب القصاص في العمد؛ لأن الدية تابعة له فمتى سقط القصاص سقطت لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ بعد قوله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ فقد دلت الآية بأولها وآخرها على أنه لا عفو فلا قصاص، لأنه لا مؤاخاة بين مسلم وكافر، وإنما يسجن القاتل، ويؤدب لأن قتل الذمي بغير حق منكر واجب تغييره باليد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) وقوله تعالى : = ١٦٦ کتاب الجنايات . (وتعاونوا على البر والتقوى﴾ فالقول بسجنه منع له من الظلم، وتعاون على البر، وإطلاقه عون له على = العدوان ونوقش بأن في عدم إجراء القصاص بين المسلم والكافر نقضاً للعهود والمواثيق التي أوجب الله الوفاء بها على أن الذمي ما أعطى الذمة والعهد إلا ليكون له ما لنا، وعليه ما علينا. ولأجل أن يحمي نفسه وماله، فلو كان أمره أنه إذا قتل لا يقتل قاتله لم تكن هناك فائدة من العهد، ولفات المقصود منه. وليس لابن حزم متمسك في القول بأن وجوب الدية تابع لوجوب القصاص إلا ربط أول الآية الواردة في القصاص بآخرها، وليس ذلك بصحيح؛ لأن أولها عام وآخرها خاص، وفي مثل ذلك يقدم الآخر على الأول. واستدل الإمام مالك على وجوب القصاص في القتل غيلة: أولًا: ما أخرجه أبو داود في مراسيله عن طريق ابن وهب عن عبد الله بن يعقوب عن عبد الله بن عبد العزيز بن صالح الحضرمي قال: ((قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين مسلماً بكافر قتله غيلة، وقال: أنا أولى أو أحق من وفى بذمته)». ونوقش هذا الحديث: بأن ابن القطان قد ذكره، وقال فيه عبد الله بن يعقوب وعبد الله بن عبد العزيز مجهولان، ولم أجد لهما ذكراً في الحديث، وعلى تسليم صحته لا يثبت مطلوب المستدل، لأنه ليس فيه إلا أن الرسول قتل، ولم يبين أنه لا واجب إلا هذا، فإن المسألة للأولياء موكولة إليهم إن شاؤوا عفوا وأخذوا الدية، وإن شاؤوا طالبوا بالقتل، فلعلهم في هذه الحادثة لم يقبلوا إلا القصاص. وثانيا: بما روى ابن حزم عن عبد الملك بن حبيب الأندلسي عن جندب الهذلي قال: كتب عبد الله بن عامر إلى عثمان أن رجلاً من المسلمين عدا على دهقان فقتله على ماله، فكتب إليه عثمان أن اقتله، فإن هذا قتل على الحرابة. وما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً نصرانياً غيلة من أهل الحيرة فأمر بقتله دلت الروايتان على أن عمر وعثمان قتلا المسلم الذي قتل ذمياً غيلة معللة الرواية الأولى القتل بأنه لكونه قتل غيلة على الحرابة، ومعناه أن المسلم إنما يقتل في تلك الحالة لكونه صار محارباً أي قاطع طريق. ونوقش: بأن الرواية الأولى قال فيها ابن حزم: رويناه عن رجال كثيرين من أبناء الصحابة إلا أن كل ذلك من رواية عبد الملك بن حبيب الأندلسي، وفي بعضها ابن الزناد وهو ضعيف، وبعضها مرسل، ولا يصح منها شيء، وأما الرواية الثانية فمناقشة بأن ذكر القتيل فيها لا يدل على أنه كان قتل قصاص أو قتلاً على الحرابة فاحتملت، فلم تصلح دليلاً على أحدهما بعينه. واستدل ثالثاً: بأن القاتل غيلة صار محارباً مستحقاً للقتل إذ لو ترك بدون قتل حين يَقْتُل كافراً لأصبحِ وحشاً ضارياً معتاداً على سفك الدماء لوثوقه من عدم قتله، وقد يستهل دفع الدية التي قد لا تساوي شيئاً بجانب ما أخذ، واستولى عليه من المقتول. ونوقش: بأن المشهور في مذهب مالك في المحارب يخالف ما هو في الدليل، فإنه إن أخذ المحارب المال عندهم لا تخيير في نفيه بل في القطع والقتل والصلب أما إن أخاف فقط، فالتخيير للإمام بين الجميع على أن المالكية عندهم أن كل من قتل في حرابته من لا يقتل به في غير الحرابة لا يقتل به إذا قتله في الحرابة، وهم قائلون بعدم قتل المسلم إذا قتل كافراً في غير الحرابة. واستدل الشافعي ومن معه على عدم القصاص بالكتاب والسنة والآثار والمعقول: أما الكتاب: فأولًا: قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ وجه الدلالة أن الآية، وإن كانت بلفظ الخبر إلا أنه أريد بها النهي، وقد نفت الآية كل سبيل لكافر على مؤمن؛ لأن السبيل نكرة في سياق النفي فيعم وحيث كان القصاص سبيلاً من السبل يكون داخلاً في عموم النفي فينفى ثم لا يمكن حمل السبيل على معنى الحجة والبرهان للكافر على المسلم؛ لأن هذا الحمل خاص فلا يناسب عموم اللفظ أو لأن هذا معلوم من غير الآية فلا يجوز حملها على ما هو معروف من غيرها. ونوقش: بأن الآية ورد فيها عن السلف تأويلات كلها محتملة فيجب التحاكم إلى قواعد الشريعة لمعرفة ما هو أولى بالقبول فحيث نفى الله السبيل في الآية وكان محتملاً؛ لأن يكون في الآخرة فقط كما روي عن علي وابن عباس بدليل عطفه على قوله: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة﴾ ويحتمل أن يكون المراد نفي السبيل في الدنيا كما جنح إلى ذلك السدي، وخصه بالتام على معنى الاستئصال فلا يتمكن الكافرون من استئصال المؤمنين، ويحتمل أن يكون السبيل المنفي عاماً في الدنيا والآخرة إلا ما خصه الدليل، وهذا الأخير هو الراجح استناداً إلى ما هو الأصل في الكلام؛ وهو العموم إلا ما خص بدليل، وقد قام الدليل على أن القصاص خارج وثانياً: بقوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ = ١٦٧ کتاب الجنايات = دلت الآية على عدم المساواة بين المؤمنين والكفار، لأن الآية وإن اشتملت على فعل منفي، وهو لا يعم إلا أنها متضمنة لنكرة، وهي عامة اتفاقاً بعد النفي، فالتقدير لا استواء بين هؤلاء وهؤلاء، ونفي التساوي بينهما يمنع من تساوي نفوسهما، وتكافؤ دمائهما، إذ القصاص مبني على المماثلة والتساوي، فلا يثبت القصاص بين المسلم والكافر. ونوقش: بأن الآية لا يلزم منها عدم الاستواء في العصمة؛ لأن مثل هذا الكلام لا عموم له كما في قوله: ﴿لا يستوي الأعمى والبصير﴾ المنفي هو الاستواء في البصر والعمى لا في كل وصف، ولهذا يجري القصاص بينهما لاستوائهما في العصمة ثم الآية تحتمل أن يكون المنفي هو المساواة في الآخرة في الثواب والعقاب، يؤيده قوله بعده: ﴿أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ وأيضاً كون الشخص صاحب جنة أو نار أمر غير مدرك بل هو موقوف على الخاتمة، وإذا كان غير مدرك. لا يدخل تحت علم القاضي أنه من أهل الجنة، فلا يقتل بمن هو من أهل النار. واستدل من السنة: بما أخرجه البخاري عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي ليس في القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: ((العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر)) أخرج هذا الحديث أحمد والنسائي وأبو داود والترمذي، ومعنى العقل الدية سميت بذلك لأنهم كانوا يعقلون إبل الدية بفناء دار المقتول. وبما روى قتادة عن الحسن عن قيس قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي بن أبي طالب فقلنا له: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس؟ فقال: لا إلا ما في هذا الكتاب، وأخرج كتاباً من قراب سيفه، فإذا فيه ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده) رواه أحمد والنسائي. دلت الروايتان الصحيحتان في طريقهما على أن رسول الله نهى عن قتل المسلم بكافر أي كافر كان؛ لأنه نكرة، فيكون شاملاً للذمي والحربي والمستأمن، فلا يخصص اللفظ بأحدهم، ومعنى: ((ولا ذو عهد في عهده)) أنه يمتنع قتل المعاهد ما دام في عهده، مراعاة للوفاء بالعهد. ونوقش هذا الدليل: بأن هذه الروايات مع صحتها وعدم الطعن في راو من رواتها لا تصلح للاستدلال؛ لأن المستدل اعتبر صدر الحديث، وصرف النظر عن باقيه مع أن الآخر يرد الأول. وبيان ذلك: أن الحديث اشتمل على جملتين . الأولى. لا يقتل مسلم يكافر. والثانية . ولا ذو عهد في عهده، والأولى معطوف عليه تام، والثانية معطوف ناقص، ومثل هذا لا بد فيه من تقدير في الجملة الثانية لتكون مقيدة، لأن العطف للتشريك. وحيث كان العامل في الجملة الأولى هو الفعل المقيد بكافر يقدر في الثانية بحاله، فيصبح معنى الحديث: لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده بكافر. والذي دعا إلى هذا التقدير أنه لو ترك على حاله، وبدون تقدير لصادم الإجماع؛ لأن ظاهره يفيد أن الذمي لا يقتل مطلقاً، وهذا لا يتفق مع إجماعهم على قتل الذمي بالذمي فنظراً لهذا الإجماع خص الكافر المقدر في الجملة الثانية بالحربي فيسري ذلك التخصيص إلى الكافر الملفوظ في الجملة الأولى، وحينئذ يصير تقدير الحديث: لا يقتل مسلم بكافر حربي، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر حربي، ومفهومه أن يقتل المسلم بالذمي، وهو ما يخالف دعوى الشافعية، فإن قال الشافعية: إن هذا التقدير يرد عليه. أولاً: أنه لا حاجة إليه لكون الحديث في غنى عنه يدل على ذلك ما ورد في سببه أن رسول الله خطب يوم الفتح بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة، وكان له عهد فقال: ((لو قتلت مسلماً بكافر لقتلته به)) وقال: ((لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده) رواه أحمد وأبو داود. فقد دل سبب النزول وقوله: ﴿لا يقتل مسلم بكافر﴾ على تركه الاقتصاص من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله، ودل قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) على النهي عن الإقدام على مثل ما فعله القاتل صاحب السبب، فكانت تلك الجملة كلاماً تاماً غير محتاج إلى تقدير، على أن التقدير خلاف الأصل فلا يصار إليه عند الضرورة، ولا ضرورة. ثانياً: أن القول بكون المعطوف يقيد بكل ما قيد به المعطوف عليه مخالف لما عليه محققو النحاة، من أنه لا يلزم اشتراك المعطوف، والمعطوف عليه إلا في الحكم الذي لأجله وقع العطف، وهو ها هنا النهي عن القتل مطلقاً، من غير تعرض لكونه قصاصاً أو غير قصاس، وحينئذ لا يلزم من كون الأولى في القصاص أن تكون الثانية فيه حتى تحتاج إلى ذلك التقدير. ثالثاً: أن الجملة الثانية من الحديث لم تذكر في كثير من طرقه، والرواية الصحيحة قاصرة على الجملة الأولى، = ١٦٨ کتاب الجنايات = وهذا يبعد التقدير المتقدم. رابعاً: أن هذا التقدير يخرج الحديث عن كونه مفيداً؛ لأن معناه عليه: ((لا يقتل مسلم بكافر حربي قصاصاً) وغير متصور قتله به قصاصاً حتى ينفى. فيكون الجواب على تلك الإيرادات بالترتيب: أولا: أنه على اعتبار عدم التقدير يصير معنى الجملة الثانية: لا يقتل ذو عهد في عهده مطلقاً، في حين أنه يقتل إذا قتل ذمياً مثله اتفاقاً، وحينئذ لا بد من تقدير بغير حق من الحقوق، وعلى ذلك دار الأمر بين تقدير تلك الجملة وبين تقدير لفظ ((بكافر)) المذكور في الجملة الأولى، وإذا دار الأمر بين تقديرين أحدهما مذكور في المعطوف عليه، والآخر غير مذكور ترجح تقدير الأول لقرينة العطف، فإن الضرورة حاصلة على كل حال. وأجيب عن الثاني: بأن الفرض أن العامل مقيد فلا بد من تقديره مقيداً لا مطلقاً، ولا يقال: إنه يلزم مثل ذلك في قولنا: ضربت علياً يوم الجمعة وبكراً مع أنه لم يقل بذلك أحد، لأنا نقول: إن تقدير القيد إنما يكون متعيناً فيما إذا لم يصلح المعطوف إلا به كما في الحديث الذي معنا أما في غيره فلا. وأجيب عن الثالث: بأن عدم ورود الجملة الثانية في بعض الروايات لا ينفي الاستدلال؛ لأنها وردت في كثير من الطرق ورواها الإمام أحمد والنسائي وأبو داود وهم ممن رووا رواية الاقتصار. وأجيب عن الرابع: بأن آيات القصاص العامة توهم ما ادعى لولا ورود ما أفاد التخصيص، وذلك لأن المستأمن ربما أوهم أمانة عصمة دمه؛ فإذا ما قتله المسلم قتل به، فجاء الحديث بنفي ذلك، ولا يبعد أن تكون القصة الواردة في مستأمن صاحب عهد مؤقت؛ لأن الحديث غير مفيد شيئاً من ذلك، فيجب حمله على ما سبق جمعاً بين الأدلة. ولو سلمنا أن الحديث عام شامل لكل كافر، وأن المسلم لا يقتل به، فماذا هم قائلون في ذمي يقتل مثله ثم يدخل الإسلام قبل أن يقتص منه؟ إن قالوا بقتله خالفوا مذهبهم، لأن قتل مسلم بكافر إذ لا يمكن دعوى سلب الإيمان عنه بعد إتيانه بالشهادتين، وإن لم يقولوا بقتله فقد اتفقوا معنا، ويكون الحديث قد خرج عن عمومه، وحمل الجملة الثانية على أن المعاهد لا يقتل في مدة عهده سلب للحديث عن فائدته، لأن المعاهد بمجرد عهده حرم قتله، فيكون النهي عن ذلك المعروف عبثاً كلام الرسول خال عنه. واستدلوا ثالثاً. بالآثار: وهي ما روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن مسلماً قتل رجلاً من أهل الذمة عمداً فرفع إلى عثمان بن عفان، فلم يقتله به، وغلظ عليه الدية كدية المسلم فدل هذا الأثر على أن عثمان قد حكم بعدم قتل المسلم بالذمي، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، قال ابن حزم: إنه لم يصح عن أحد من الصحابة شيء غير هذا إلا ما روى النزال بن سبرة عن عمر أنه كتب في مثل هذا أن يقاد به ثم ألحقه كتاباً آخر قال فيه: لا تقتلوه. ونوقش: بأن الشافعي قد خالف مضمون الأثر في تضعيف الدية، فلو كان صحيحاً عنده ما خالفه فيها، وعلى ذلك فإما أن يقبل الحديث كله ولم يفعل أو لا يقبله كله، ولا يصلح له دليلاً أما قول ابن حزم: إنه أصح ما روي في هذا الباب فنقول فيه: إن عدم أخذ ابن حزم به ومخالفته له حيث لم يوجب الدية کما سبق دلیل ضعفه في نظره، ولعله رأى أنه قول صحابي لا حجة فيه مع كتاب الله وسنة رسوله، ولیس بشيء؛ لأنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة ما ينفيه صريحاً. واستدل رابعاً بالمعقول من وجهين: الوجه الأول: ما جاء بالأم إن الله فرق بين المسلمين والذميين في أحكام الدنيا، ألا ترى أن المسلم والكافر إذا حضرا القتال أعطي المسلم نصيبه وإن كان في غناء، وحرم الكافر وإن كان فقيراً اتفاقاً؟ وقد أباح الله للمسلم أن يتزوج بحرائر الكتابيات، وحرم على الكافر الإماء المسلمات، ألا ترى أن الله أمرنا بأخذ المال من المسلم طهرة وتزكية، ومن الكافر صغاراً وذلة، فمن هذا وذاك علمنا أن الله وضع الكافر موضع العبودية للمسلم فأنى يتساويان؟! وكيف يقتص من المسلم بقتله الكافر مع قيام المبيح لدمه، وهو كفره المورث للشبهة في الحد. ونوقش: بأنا لا نسلم أن كفر الذمي ينفي المساواة بين الكافر والمسلم في كل شيء، فإن ذمته سادت بينه وبين المسلم في عصمة المال والنفس، وإذا كان الحكم عند الخصم أن تقطع يد المسلم بسرقة مال الذمي كان هذا دليل قوله بعصمة ماله، وليس يوجد فرق بين عصمة المال والنفس بل النفس أولى بالعصمة من المال؛ لأن الإنسان يهون عليه ماله دون نفسه، ويفرط في كل شيء لحفظها ويفتديها بكل ما يملك. والقول بأن الكفر القائم في الذمي مبيح لدمه غير مسلم بل إن المبيح هو الحرابة، ولهذا حكم بعدم قتل الصبي والمرأة والشيخ الفاني مع قيام الكفر فيهم. والوجه الثاني: هو قياس الذمي على المستأمن بجامع الكفر في كل منهما، = ١٦٩ كتاب الجنايات = وحيث كان المسلم لا يقتل بالمستأمن، وليس سبباً في ذلك سوى كفره، فلا يفرق بينهما إذ يجمعهما وصف واحد فيجمعهما حكم واحد. ونوقش: بالفرق بين المستأمن والذمي، فإن أمان الذمي مؤبد، وأمان المستأمن موقت، كما أن المستأمن لا يدفع تطير أمانه شيئاً، والذمي يدفع جزية يعصم بسببها ماله ونفسه وولده، كذلك المستأمن أمانه من فرد من أفراد المسلمين، والذمي أمانه من الإمام فلا يتساويان، وكيف يكونا سواء والذمي تقطع يد المسلم بسرقة ماله، والمستأمن قد أهدرت أمواله فلا تقطع يد المسلم بسرقتها؟! فإن قيل: إن عهد الذمي موقت أيضاً إلى أن ينقض العهد فكلا العهدين سواء أجيب: بأن المسلم معصوم دمه ما دام مسلماً، فإذا ارتد صار دمه مباحاً، فكذلك الكفر قائم في كل من المستأمن والذمي لكن هذا معصوم، وذاك غير معصوم، لأن العصمة كما تكون بالإسلام تكون بالدار، والدار عاصمة للذمي لكونه بين ظهراني المسلمين بخلاف المستأمن، فإنه على شرف الرجوع إلى بلده دار الحرب واستد الحنفية لمذهبهم: وهو وجوب القصاص. أولًا: من الكتاب. قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ دلت الآية على أن حكم الله في التوراة هو قتل النفس بالنفس، وهو وإن كان من شرع من قبلنا إلا أن إقرار شرعنا له وقصة علينا بدون إنكار جعله شرعاً لنا، والنفس في الآية عامة تشمل المسلم والذمي والحربي لولا حرابة لكان داخلاً إلا أن دمه أهدر لخروجه عن الطاعة ثم عموم النفس في الآية دل عليه ما روى البخاري عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل دم امرىءٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث قال منها: ((النفس بالنفس)) فمقتضى الحديث أن نفس المسلم لا تحل إلا إذا قتل نفساً أي نفس كانت عدا نفس المحارب فإنها مستثناة لما قدمنا. ونوقشت الآية: بأنها إنما تثبت حكم القصاص في التوراة وليست شرعاً لنا، ثم إن الآية نزلت في اليهود، وكانوا ملة واحدة ليس فيهم مسلم وكافر كما كانوا جميعاً أحراراً ليس فيهم أرقاء، فإن عقد الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء؛ لأن الاستعباد أصله من الغنائم، وهي لم تحل لغير نبينا، وإذا كان كذلك خلت الآية عن الدلالة إذ يكون معناها أن كل نفس من اليهود تقابل بنفس منهم، وليس فيها ما يدل على مقابلة نفس مسلمة بنفس غير مسلمة بل ذلك معلوم نفيه بالمفهوم. فإن قلتم: إنه غير معتبر. قلنا. إن الآية ساكتة عن ذلك، وحكمه مأخوذ من الحديث السابق ((لا يقتل مسلم بكافر)) وعلى فرض عموم الآية فالحديث مخصص لها يدل على ذلك قوله تعالى في آخر الآية: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ ولا خلاف أن صدقة الكافر الذي هو ولي للمقتول لا تكون كفارة، وحينئذ لا يثبت المدعى. وأجيب: بأن الآية وإن نزلت في حق اليهود إلا أن حكاية الله لها علينا جعلها شرعاً لنا، والآية عامة في اليهود فتكون عامة عندنا أيضاً، والحديث وإن سلم من المناقشات السابقة فهو خبر واحد لا يقوى على تخصيص الآية، على أنه يمكن حمله على نفي القصاص بين المسلم والحربي، وتحمل الآية على ما سوى ذلك جمعاً بين الدليلين والذي يدل كذلك على أن الآية تشريع إسلامي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الربيع حينما انكسرت ثنية جارية إثر لطمة ((كتاب الله القصاص) وليس في كتاب الله إلا قوله: ﴿السن بالسن﴾ في تلك الآية. قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ وجه الدلالة أنه سبحانه أثبت القصاص على القاتل من غير فرق بين أن يكون المقتول مسلماً أو كافراً، فوجب القصاص من المسلم القاتل للذمي. ونوقش: بأن الخطاب للمسلمين فكان هذا دليلاً على أن القتلى منهم، وإلا لتفكك النظم في الآية، وأيضاً أنه سبحانه ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها فقال: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾. وإذا كان نقص العبد عن الحر بسبب رقه الذي هو أثر من آثار الكفر مانعاً من جريان القصاص بينه وبين الحر فأولى أن يجري القصاص بين الكافر. وفيه نفس الكفر لا أثره. وبين المسلم. وأجيب عن ذلك: بأن الخطاب وإن كان في الآية للمسلمين إلا أنه غير مخرج للكفار من حكمها؛ لأن المخاطب بتنفيذ القصاص هم المسلمون لا غيرهم. وإنما ينفذونه على أنفسهم وعلى من تحت طاعتهم من الذميين، وعليه فالقتلى في الآية باق على عمومه مراداً به الذين وقع القتل عليهم وربط أول الآية بآخرها غير لازم إذ يصح= ١٧٠ کتاب الجنايات = أن يكون الأول عاماً والآخر خاصاً ويجري كل على إقراره، ولم يقتل الحر بالعبد لمعنى سيأتي قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وقوله: ﴿فمن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل﴾ دلت الآيتان على أن في شرعية القصاص تحقيقاً لحياة المجتمع، فلو لم يقتل المسلم بالكافر لفات هذا المقصود؛ إذ قد تحمل العداوة الدينية أولياء المقتول على الانتقام وقتل جماعة بواحد، وعلى أن ولي المقتول له سلطان على القاتل مطلقاً، وهو بعمومه الذي لم يفصل بين قاتل مسلم وكافر مثبت للسلطان على المسلم إذا قتل ذمياً، ومعنى ذلك أنه يقتص من المسلم. ونوقش: بارتفاع السلطان ينفي السبيل في قوله: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ فبقيت الآية فيما عدا قتل المسلم للكافر وأجيب: بأن السبيل محتمل كما قدمنا؛ لأن يكون في الآخرة بدلالة قوله في صدر الآية: ﴿فالله يحكم بينهم﴾ ومع احتمالها لا تصلح لرفع حكم ثابت. استدل الحنفية ثانياً من السنة: بما رواه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديهما والدارقطني في سننه، والطبراني في معجمه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول)). وجه الدلالة أن الرسول قد حكم في كل قتل عمد بالقود من غير تفرقة بين قتيل وآخر، ومقتضى ذلك جريان القصاص بين المسلم والكافر حينما يكون القتل عمداً. وبما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن عبد الرحمن بن البيلماني مسنداً، وعن ابن عمر مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بمعاهد وقال: ((أنا أكرم من وفى بذمته)). ونوقش: بأن الدارقطني قال في هذا الحديث: إنه مرسل لا يثبت به حجة، وابن البيلماني ضعيف لا يقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف إذا أرسل، وقال القرطبي: إنه منقطع لا تقوم به حجة، وقال أبو عبيد فيه: هذا حديث ليس بمسند، ولا يجعل إماماً تسفك به دماء المسلمين، وتكلم فيه بغير هذا وعلى فرض صحته فهو منسوخ بحديث: ((لا يقتل مسلم بكافر» كما نقل ذلك الشوكاني في نيله ٧/ ٨٠ وأجيب: بأن الحديث وإن كان مرسلاً من طريق البيلماني لكنه تقوى بما روي عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود: ((من قتل المسلم بالذمي)) قال في نصب الراية: قال في التنقيح: وعبد الرحمن بن البيلماني وثقه بعضهم وضعفه بعضهم. ما رواه عمران بن حصين وأبو هريرة ومعقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده). وجه الدلالة: أن التقدير لا يقتل مؤمن بكافر حربي، ولهذا عطف ذا العهد عليه وهو الذمي، فكان الحديث في عجزه تقديره: ((ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي)) لأن ذا العهد إذا قتل مثله قتل به فتعين أن يكون المراد بالكافر المقدر الكافر الحربي، وعلى ذلك، فالحديث لا دلالة فيه على نفي قتل المسلم بالذمي. ونوقش: بأن معناه لا يقتل مؤمن بكافر ولا بذي عهد أي لا يقتل بكافر حربي ولا ذمي. وأجيب: بأنه لو أريد ذلك لكان لحناً لأنه لا يجوز أن يعطف المرفوع على المجرور، ولا تجوز نسبة ذلك إلى الرسول. واستدلوا ثالثاً بالآثار: ما جاء في مسند الإمام أحمد، وما أخرجه الطبراني أن علياً رضي الله عنه أتي برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة فقامت عليه البينة فأمر بقتله، فجاء أخوه، وقال: إني قد عفوت قال: فلعلهم هددوك أو قرعوك قال: لا، ولكن قتله لا يرد على أخي، وعوضوا لي ورضيت، قال: أنت أعلم، من كان في ذمتنا قدمه كدمنا، وديته كديتنا. وقد أثر ظاهر الدلالة في أن دم غير المسلم الذمي کدم المسلم، ومعناه أن يقتص من أحدهما بالآخر. ما رواه البيهقي في المعرفة من طريق الشافعي أنبأنا محمد بن الحسن حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي أن رجلاً من بكر بن وائل قتل رجلاً من أهل الحيرة فكتب فيه عمر بن الخطاب أن يدفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا فدفع الرجل إلى ولي المقتول ثم اتبع عمر ذلك بأن بعث رجلاً وقال: إن كان الرجل لم يقتل فلا تقتلوه. ما رواه عبد الرزاق في مصنفه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أمیر الجزيرة في رجل مسلم قتل رجلاً من أهل الذمة أن ادفعه إلى وليه، فإن شاء قتله وإن شاء عفا عنه، فدفعه إليه فضرب عنقه وأنا أنظر إليه. دلت الروايتان على جريان القصاص بين المسلم والكافر ونوقش الأثر الثاني: بأنه عليكم لا لكم، فإن أمر عمر ثانياً بعد الأمر بالقتل دليل على عدم القصاص بين المسلم والكافر. وأجيب: بأن كتابة عمر إليهم ثانياً بعدم القتل راجع إلى أمر في القاتل هو كونه من فرسان المسلمين، فأراد إبقاءه عدة للإسلام ولم ينفذ فيه القصاص. واستدلوا بالمعقول وهو: أن المسلم قد ساوى الذمي في حقن= ١٧١ کتاب الجنايات = الدم وعصمته، فوجب أن يجري القصاص بينهما كالمسلمين، وإذا كانت يد المسلم تقطع بسرقة مال الذمي فأولى أن يقتص من نفسه لنفسه، فما حرمة المال بأغلظ من حرمة النفس، وأيضاً إذا كان الكافر إذا قتل كافراً مثله ثم أسلم يقتص منه، ولم يكن إسلامه مانعاً من القصاص، كذلك يكون إسلام المسلم ابتداء غير مانع من استيفاء القود، ولأنه لما جاز للكافر قتل المسلم دفعاً عن نفسه كان قتله قوداً بنفسه واجباً، لأنهما في الحالين قتل مسلم بكافر. ونوقش: يمنع قياس الكافر على المسلم في حقن الدم؛ لأن دم المسلم محقون بسبب إسلامه، وإسلامه مانع من استرقاقه، ولا كذلك الكافر، وأما كون حرمة النفس أغلظ من حرمة المال، فجوابه من وجهين: الأول: أن القطع في السرقة حق الله تعالى غير جائز العفو عنه، فجاز أن يستحق في مال الكافر كما يستحق في مال المسلم، أما القود فما كان من حقوق الآدميين وجائز العفو عنه لم يستحقه كافر على مسلم. الثاني: أنه لما جاز قطع المسلم بسرقة مال المستأمن ولم يقتل المسلم به قصاصاً. جاز أن يقطع في مال الذمي ولا يقتل به. وأما قولهم: لو قتل كافر مثله ثم أسلم لم يكن إسلامه مانعاً من الاستيفاء فجوابه: أن القود حد، والحدود تعتبر بحال الوجوب، ولا تعتبر بما بعده، لأن المجنون لو قتل حال جنونه ثم عقل لم يجب عليه القود بعد ما سقط، ولو أنه كان عاقلاً وقت القتل ثم جُنَّ لوجب عليه القود. وأجيب عن تلك المناقشات: بأنه إذا ثبت أن عصمة المال تابعة لعصمة النفس كانت عصمة المال لازماً والنفس ملزوماً، وتساوي اللوازم موجب لتساوي الملزومات، وإلا لخرج اللازم عن أن يكون لازماً والملزوم ملزوماً، وأما أن قطع اليد أقل حظراً من النفس، ولا يلزم من ثبوت الأدنى ثبوت الأعلى. فجوابه: أن العضو تابع للنفس، فإذا أبيح قطع العضو في شيء حقير وهو المال، فكيف لا يباح قتل النفس بالنفس أفلا يكن كافياً أن يقدم المسلم مقداراً من المال نظير ذلك المال المسروق، ويحفظ به العضو عن الإهدار، فاللازم أحد أمرين أن تتساوى النفس والأطراف في الحرمة أو الإهدار عند الجناية على الذمي، ولا وجه للتفرقة، فوجب التساوي. وأما إذا جنى حر مسلم على نفس ذمي خطأ. فقد اختلف الفقهاء في وجوب الدية وعدم وجوبها. فذهب ابن حزم والظاهرية إلى القول بعدم وجوب الدية وذهب الجمهور من الفقهاء إلى القول بوجوبها، لكنهم اختلفوا في مقدار الواجب على ثلاثة أقوال: أولها: أنها كدية المسلم سواء بسواء، قال بذلك ابن مسعود من الصحابة والزهري من التابعين والحنفية وزيد بن علي والثوري وابن حنبل ((إن كان القتل عمداً) من الفقهاء. ثانيها: أنها ثلث دية المسلم في العمد والخطأ، قال بذلك عمر وعثمان من الصحابة، وعطاء وسعيد بن المسيب من التابعين، وأبو ثور وإسحاق بن راهويه من الفقهاء. ثالثها: أنها نصف دية المسلم. قال به عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وعمرو بن شعيب، ومالك وابن حنبل في ظاهر مذهبه إن كان القتل خطأ ويتلخص من ذلك أن مذاهب الفقهاء الأربعة في المسألة كالآتي: مذهب الحنفية، دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم في العمد والخطأ. مذهب المالكية: ديتهما نصف دية المسلم في العمد والخطأ. مذهب الشافعية: ديتهما ثلث دية المسلم في الحالين. مذهب الحنابلة: إن كان النصراني أو اليهودي له عهد وقتله مسلم عمداً فديته كدية المسلم، وإن قتله خطأ فنصف دية المسلم في ظاهر المذهب، وعن أحمد أنها ثلث دية المسلم لكنه رجع عن هذا استدل الشافعية. أولًا: عمومات الكتاب الواردة في نفي المساواة بين المسلمين والكفار من مثل قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون) وقوله: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون﴾ فقد دلت الآيتان على عدم المساواة بين المسلم والكافر، فلا تكون ديتهما سواء . كيف. وقد وردت الأحاديث عن الرسول ببيان مقدارها وأنها ثلث دية المسلم. ونوقش هذا الدليل: بأن الآيات الواردة قد دلت على نفي المساواة في الآخرة لا في أحکام الدنیا کما یشهد بذلك سياق الآية، وكونهما تساويا في بعض الأحكام الدنيوية، ولا يجوز الخلف في خبره تعالى. واستدلوا ثانياً: بما رواه البخاري عن معقل بن يسار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم)) وجه الدلالة أنه عليه السلام حكم بأن دم المسلم متكافىء مع دم مثله، ومفهومه أن دم غير المسلم لا يتكافأ مع دم المسلم، ويلزم ذلك أن دية الكافر لا تساوي دية المسلم وقد جاء فيما أخرجه عبد الرزاق والدارقطني من رواية ابن جريج أخبرني عمرو بن شعيب أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم قتل رجلاً من أهل الكتاب أربعة آلاف درهم ما قدر = ١٧٢ کتاب الجنايات = به الرسول دية الكافر، وهي ثلث دية المسلم، فإن مقدارها اثنتا عشرة آلاف درهم. ونوقش: بعدم تسليم التكافؤ بين المسلمين، فإن العبد المسلم لا تكون ديته مثل دية الحر نظراً لنقصانه بالرق، ولا كذلك الذمي فإن ذمته وعهده سبب في مساواة دمه لدم المسلمين، فتكون ديته كدية المسلم، والمفهوم محمول على غير الذميين وهم الحربيون والمستأمنون، والحديث المقدّر لدية أهل الكتاب بالثلث لم يصح لسقوط ما فوق عمرو بن شعيب فهو معضل. واستدلوا ثالثاً بالآثار: روى الشافعي في مسنده عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه قضى في اليهودي والنصراني بأربعة آلاف، وفي المجوسي بثمانمائة ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن أبي المقدام عن ابن المسيب وإليه أشار الترمذي في كتابه يقول: ((روي عن عمر بن الخطاب)) أنه قال: ((دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم)) وأيضاً روي عن ابن عيينة عن صدقة بن يسار عن سعيد ابن المسيب قال: قضى عثمان في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف درهم ونوقش: بأن هذه الآثار معارضة للمرفوع، ولما أخرجه الدارقطني عن الزهري قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان يجعلون دية اليهودي والنصراني إذا كانوا معاهدين مثل دية المسلم. وروى الطحاوي والحاكم من طريق جعفر بن عبد الله بن الحكم أن رفاعة بن سموأل اليهودي قتل بالشام فجعل ديته ألف دينار ولو صح هذا الأثر ما وجدنا لذلك مخرجاً إلا فهم عمر وغيره من الصحابة أن ما كان على عهد رسول الله لم يكن حتماً، وأنهم علموا منه أن الأمر في الدية اجتهادي مداره على التراضي. واستدل رابعاً بالمعقول من وجهين: الأول: أن نقصان الكفر فوق نقصان الأنوثة، والدية تنقص بالأدنى، فنقصانها بالأعلى أولى. ونوقش: بأن الدية إنما نقصت بصفة الأنوثة لكون النساء ناقصات في الدين، وتأثير عدم الدين فوق تأثير نقصانه. الثاني: أنه لما أثر أغلظ الكفر وهو الردة في إسقاط جميع الدية وجب أن يؤثر أخفه في تخفيف الدية؛ لأن بعض الجملة مؤثر في أحكامها ونوقش: بأن ثبوت الحكم مع الأعلى لا يلزم منه ثبوته مع الأدنى أدلة المالكية والحنابلة إذا كان القتل خطأ: أولاً: ما رواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دية المعاهد نصف دية المسلم» رواه أبو داود وحسنه، وقال أحمد: إنه ليس في الأخبار أصح من هذا، وكذا أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وهو ظاهر في المطلوب. ونوقش: بأن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه مقال معروف. واستدلوا ثانياً: بأن النقص نوعان: أنوثة وكفر، فلما أوجب نقص الأنوثة إسقاط نصف الدية، وهو أقل من نقص الكفر (لأنه لا يمنع القصاص والكفر يسقطه) كان الكفر أولى بالتأثير في نقص النصف. ونوقش: بالفرق بين الأنوثة والرق ويمنع تأثير الكفر في إسقاط القصاص أيضاً بما سبق وإنما تغلط الدية في القتل العمد بمعنى أنها تجب دية مضاعفة بالنسبة للخطأ عند الإمام مالك وأحمد لما جاء من طريق أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلًا قتل رجلاً من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان فلم يقتله، وغلظ عليه ألف دينار ورد الجمهور هذا التعليل: بأن التضعيف في العمد لعموم الأثر فيه؛ ولأنها دية واجبة فلا تضاعف كدية المسلم كما لو كان القاتل ذمياً واستدل الحنفية لمذهبهم: أولًا بقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا - إلى قوله - ان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾. وجه الدلالة: أن الله تعالى أوجب إذا كان المقتول من أهل الذمة قتلاً خطأ: دية مسلمة إلى أهله والدية: اسم لمقدار معلوم من المال بدلاً من نفس الحر لا يزيد ولا ينقص، وقد كانت الديات معروفة بين الناس قبل الإسلام، وعليه فالدية في هذه الجملة راجعة إلى ما قبلها في قتل المؤمن خطأ، وحيث كان الواجب في قتل المؤمن خطأ الدية كاملة تجب كذلك ههنا دية كاملة، لأنها لو لم تكن كذلك لكان اللفظ مجملاً مفتقراً إلى بيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ونوقش هذا الدليل أولًا: بأن دعوى أن المراد بالآية هو بيان حكم المقتول إذا كان من قوم بينهم وبين المسلمين عهد وذمة غير صحيح، إذ يحتمل أن يكون المراد بها بيان حكم المقتول المؤمن إذا كان بين قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، وحينئذ يكون سبحانه اكتفى بذكر الإيمان في القتيلين الأوليين عن إعادته في القتيل الثالث. ونوقش ثانياً: بأن قول الله سبحانه: ﴿فدية مسلمة إلى أهله﴾ لا يدل على أن دية المعاهد مثل دية المسلم، فإن دية المرأة على النصف من دية الرجل ثم لم يخرجها ذلك عن أن = ١٧٣ کتاب الجنايات = تكون دية فإطلاقها لا يمنع من اختلاف مقاديرها؛ لأن الدية اسم لما يؤدى قليلاً كان أو كثيراً. وأجيب عن ذلك: بأن الله تعالى ذكر في أول الآية حكم المؤمن إذا قتل خطأ، وهو بعمومه يقتضي سائر المؤمنين إلا ما خصه الدليل، وفي ذلك لم يكن من الجائز إعادة ذكره ثانياً مع شمول أول الآية له ولغيره وإذن يكون المراد به نوعاً آخر خلاف الأولين هم المعاهدون والذميون وأيضاً عدم تقييد الله تعالى هذا النوع بالإيمان غير مجيز تخصيصه بالمؤمنين دون غيرهم، بغير ما يدل على جريانه على جميع المؤمنين والكفار الذين بيننا وبينهم عهد، ثم إطلاق القول بأن المقتول من المعاهدين يقتضي أن يكون معاهداً مثلهم ألا ترى إلى قول القائل: إن هذا الرجل من أهل الذمة يفيد أنه ذمي، فظاهر قول الله تعالى: ﴿فإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ موجب لأن يكون المقتول معاهداً مثلهم. ولهذا قال: لما أراد سبحانه بيان حكم المؤمنين إذا كانوا من ذوي أنساب المشركين فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة فقيده بالإيمان لأنه لو أطلقه لكان يفهم منه أنه كافر مثلهم. وأيضاً لو كان كما ادعى المناقش لما كانت الدية مسلمة إلى أهله؛ لأن أهل الكفار لا يرثونه وأجيب عن المناقشة الثانية بوجهين: الأول: أن الله تعالى إنما ذكر الرجل في الآية فقال: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ﴾ ثم قال: ﴿فإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله﴾ فكما اقتضى فيما ذكره للمسلم كمال الدية كذلك دية المعاهد لتساويهما في اللفظ مع وجود التعارف في مقدار الدية. الثاني: أن دية المرأة لا يطلق عليها اسم الدية، وإنما يتناولها الاسم مقيداً ألا ترى أن دية المرأة نصف الدية، فإطلاق اسم الدية إنما يقع على المتعارف المعتاد، وهو كمالها. واستدلوا ثانياً بالسنة. ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دی کل ذي عهد في عهده ألف دینار)) وما روى الترمذي عن أبي سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله # ودى العامريين بدية المسلمين وكان لهما عهد من رسول الله. وما أخرجه ابن عدي في الكامل عن بركة الحلبي عن الوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي سلمة عن أبي هريرة أن الدية كانت على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وعلى دية المسلم، واليهودي والنصراني سواء، فلما استخلف معاوية صيرّ دية اليهودي والنصراني على النصف، فلما استخلف عمر بن عبد العزيز رده إلى القضاء الأول ولكن تلك الأحاديث التي استدلوا بها مناقشة: فقيل لهم في الحديث الأول: إن الشافعي وقفه في مسنده على سعيد، فقال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: دية كل معاهد في عهده ألف دينار. وفي رواية موقوفة على سعيد أيضاً كان عقل الذمي مثل عقل المسلم في زمن رسول الله وَهر، وزمن أبي بكر وعمر وزمن عثمان حتى كان صدراً من خلافة معاوية فقال: إن كان أهله أصيبوا به فقد أصيب به بيت مال المسلمين فاجعلوا لبيت المال النصف، ولأهله النصف ونوقش الحديث الثاني: بأن صاحب نصب الراية نقل فيه ما نصه: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو سعيد البقال اسمه سعيد بن المرزبان، وسعيد فيه لين. قال الترمذي في علله الكبير: قال البخاري: هو مقارب الحديث، وقال ابن عبد البر: هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم ومن جهة المتن يحتمل أن الرسول لما تبرع بتحمل الدية عنه جاز أن يتبرع بالزيادة عن المقرر تأليفاً لقلوب أهله. ونوقش الثالث: بأنه معلول ببركة الحلبي، قال ابن عدي عنه: إن سائر أحاديثه باطلة، وعلى ذلك فلم يسلم لهم الاستدلال من السنة. واستدلوا ثالثاً بالآثار: بما روى عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا ابن جريج عن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن مسعود قال: «دية المعاهد مثل دية المسلم)) وقال مثل علي بن أبي طالب. وما روى الطبراني في معجمه والدارقطني في سننه عن ابن شهاب الزهري أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما يجعلان دية اليهودي والنصراني المعاهدين مثل دية الحر المسلم، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن علقمة، ومجاهد، وعطاء، والشعبي، والزهري، والنخعي. ونوقشت تلك الآثار: بأن المروي عن ابن مسعود من طريقيه منقطعان. وأجيب عنه. بأنهما كذلك إلا أن كلّ منهما عضد الآخر. ونوقش المروي عن الزهري بأن الشافعي رده بكونه مرسلاً وأجيب: بأنه يلزم الشافعي أن يعمل بمثله؛ لأنه أرسله من جهة أخرى كما رواه أبو داود في مراسيله عن ربيعة بن عبد الرحمن لا سيما وقد عملت به الصحابة مثل أبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وعلي بن أبي طالب، فقد روي عنه أنه قال: ((إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدماتنا، وأموالهم كأموالنا». ونوقش الأخير: بأن سعيد بن المسيب يروي= ١٧٤ کتاب الجنايات خلافاً له (لا هما بمستأمن بل هو بمثله قياساً) للمساواة لا استحساناً لقيام المبيح. هداية ومجتبی ودرر وغيرها. قال المصنف: وينبغي أن يعوّل على الاستحسان لتصريحهم بالعمل به إلا في مسائل مضبوطة ليست هذه منها، وقد اقتصر منلا خسرو في متنه على القياس اهـ: يعني فتبعه المصنف رحمه الله تعالى على عادته. قلت: ويعضده عامة المتون حتى الملتقى (و) يقتل (العاقل بالمجنون والبالغ ذمي عطف على مؤمن. ولئن صح أنه روى ذي عهد بالجر فعلى الجوار توفيقاً بين الروايتين. وتمامه في الزيلعي. قوله: (خلافاً له) أي لسيدنا الإمام الشافعي. قوله: (لا هما بمستأمن) أي لا يقتل المسلم والذمي بمستأمن، فإنه غير محقوق الدم على التأبيد، فإنه على عزم العود والمحاربة. اختيار. قوله: (للمساواة) أي بين المستأمنين من حيث حقن الدم. قوله: (لقيام المبيح) وهو عزمه على المحاربة بالعود. قوله: (وينبغي أن يعوّل على الاستحسان) يؤيده ما في الهندية عن المحيط أنه ظاهر الرواية ط. قوله: (ويعضده) أي القياس. قوله: (عامة المتون) كالوقاية والإصلاح والغرر، ولم يذكر المسألة في الكنز والمجمع والمواهب ودرر البحار. وأما في الهداية فقال: ويقتل المستأمن بالمستأمن قياساً، ولا يقتل استحساناً، ومثله في التبيين والجوهرة. نعم قال في الاختيار: وقيل لا يقتل، = خلاف ذلك وأجيب: بأن نص القرآن يساعد رواية الزهري؛ فإن الرواية الشاذة لا تقبل فيما فيه نسخ الكتاب، ثم تأويله بأنه قضى بثلث الدية في سنة واحدة، فظن الراوي أن ذلك هو جميع ما قضى به ليس ببعيد، ثم عند تعارض الآثار يثبت الزائد دون غيره واستدلوا رابعاً بالمعقول من وجهين: الوجه الأول: أن نقصان الدية باعتبار نقصان المالكية، والكفر لا تأثير له في نقصان المالكية فتستوي دية الكافر بدية المسلم، أما دليل اعتبار الدية بالمالكية فلكونها تنصفت بالأنوثة؛ لأن المرأة أهل لملك المال دون ملك النكاح، والجنين نقصت ديته لأنه ليس بأهل للمالكية في الحال بل في ثاني الأحوال، وكذا المملوك نقصت ديته لانعدام أهلية مالكية المال والنكاح، وإنما تبعت الدية المالكية لأنها لإظهار خطر المحل وصيانته عن الإهدار، وهذا الخطر صار مبتذلاً في الرقيق وما مائله لابتذال صفة المالكية وصفة المملوكية، وحيث كان الكفر لا تأثير له في المالكية ولا في نقصانها لم يكن له تأثير في نقصان الدية. ونوقش: بأن نقص الكفر فوق نقص الرق والأنوثة، والأخيران لهما تأثير في نقصان المالكية ونقصان الدية، فأولى أن يكون الكفر كذلك وأجيب: بأن دية المرأة والعبد ما نقصت باعتبار نقصان المالكية؛ فإن المرأة لا تملك النكاح، والرجل يملكه. والعبد لا يملك المال، والحر يملكه بخلاف الكافر فإنه يساوي المسلم في هذا المعنى فيساويه في بدل النفس وهي الدية. الوجه الثاني: أن الدية وجبت باعتبار الإحراز، والكافر والمسلم فيه سواء؛ لأن الإحراز بالدار، ولهذا استويا في ضمان قيم الأموال المتلفة حيث وجبت على متلفها إذا كانت لكافر مثل ما إذا كانت لمسلم، وإذا كان هذا في أموالهم فأولى أن يكون ذلك في نفوسهم، فتكون بدل نفسهما وهي الدية أيضاً سواء. ونوقش: بمنع ارتباط الدية بالإحراز فإن الإناث والذكور المسلمين فيه سواء، ومع هذا اختلفت ديتهما فكانت دية المرأة على النصف من دية الرجل. وأجيب: بأنه إنما تنصفت دية الإناث باعتبار نقصان المالكية فيهن أو لكونهن اتباع للذكور في معنى الإحراز، فإن النصرة لا تقوم بهن بل بالرجال. انظر المبسوط ٨٤/٦ مغني ابن قدامة ٩/ ٥٢٧، كشاف القناع ٤/ ١٢، بدائع الصنائع ٢٣٧/٧. ١٧٥ کتاب الجنايات، بالصبي والصحيح بالأعمى والزسن وناقص الأطراف والرجل بالمرأة) بالإجماع. (والفرع بأصله وإن علا لا بعكسه) خلافاً لمالك فيما إذا ذبح ابنه ذبحاً: أي لا يقتص الأصول وإن علوا مطلقاً، ولو إناثاً من قبل الأم في نفس أو أطراف بفروعهم وإن سفلوا لقوله عليه الصلاة والسلام ((لا يقاد الوالد بولده)) وهو وصف معلل بالجزئية فيتعدى لمن علا لأنهم أسباب في إحيائه فلا يكون سبباً لإفنائهم، وحينئذ فتجب الدية في مال الأب في ثلاث سنين، لأن هذا عمد والعاقلة لا تعقل العمد. وقال الشافعي: تجب حالة كبدل الصلح. زيلعي وجوهرة. وسيجيء في المعاقل .. وفي الملتقى: ولا قصاص على شريك الأب أو المولى أو المخطىء أو الصبي أو المجنون، وكل من لا يجب القصاص بقتله مما لما تقرر من عدم تجزيء القصاص فلا يقتل العامد عندنا خلافاً للشافعي. وهو الاستحسان. قوله: (والبالغ بالصبيّ) قتل صبياً خرج رأسه واستهل فعليه الدية، ولو خرج نصفه مع الرأس أو الأكثر مع القدمين ففيه القود، وكذا الحكم في قطع عضو من أعضائه. مجتبى وتاتر خانية عن المنتقى. قوله: (والصحيح) عبر ابن الكمال بالسالم، ثم قال: لم يقل والصحيح لأن المفقود في الأعمى هو السلامة دون الصحة، ولذا احتيج إلى ذكر سلامة العينين بعد ذكر الصحة في باب الجمعة. قوله: (والزمن) هو من طال مرضه زماناً. مغرب. قوله: (وناقص الأطراف) لما تقدم من العمومات ولأنا لو اعتبرنا التفاوت فيما وراء العصمة من الأطراف والأوصاف امتنع القصاص وأدى ذلك إلى التقاتل والتغابن. اختيار. حتى لو قتل رجلاً مقطوع اليدين والرجلين والأذنين والمذاكير ومفقود العينين يجب القصاص إذا كان عمداً. جوهرة عن الخجندي. قوله: (لا بعكسه) الأصوب حذف الباء. قوله: (أي لا يقتص الخ) تفسير لقوله ((لا بعكسه)). قوله: (ولو إناثاً من قبل الأم) تفسير للإطلاق، فلا يقتل الجد لأب أو أم وإن علا وكذا الجدات. قوله: (بفروعهم) متعلق بقوله ((لا يقتص)). قوله: (فلا يكون سبباً لإفنائهم) أي كلَّ أو جزءاً ليدخل الأطراف، فافهم. قوله: (وفي الملتقى الخ) قال في الجوهرة: ولو اشترك رجلان في قتل إنسان أحدهما يجب عليه القصاص لو انفرد والآخر لا يجب عليه القصاص كالأجنبي والأب والخاطىء والعامد، أو أحدهما بالسيف والآخر بالعصا فإنه لا يجب عليهما القصاص وتجب الدية، والذي لا يجب عليه القصاص لو انفرد تجب الدية على عاقلته كالخاطىء، والذي يجب عليه القصاص لو انفرد تجب الدية في ماله، وهذا في غير شريك الأب، فأما الأب والأجنبي إذا اشتركا تجب الدية في مالهما، لأن الأب لو انفرد تجب الدية في ماله اهـ. ١٧٦ کتاب الجنايات برهان (ولا سید بعبده) أي بعبد نفسه (ومدبره ومكاتبه وعبد ولده) هذا داخل تحت قولهم: ومن ملك قصاصاً على أبيه سقط كما سيجيء (ولا بعبد يملك بعضه) لأن القصاص لا يتجزأ (ولا بعبد الرهن حتى يجتمع العاقدان) وقال محمد: لا قود وإن اجتمعا. جوهرة. وعليه يحمل ما في الدرر معزياً للكافي كما في المنح، لكن في الشرنبلالية عن الظهيرية أنه أقرب إلى الفقه. بقي لو اختلفا فلهما القيمة تكون رهناً مكانه، ولو قتل عبد الإجارة فالقود للمؤجر. وأما المبيع إذا قتل في يد بائعه قبل القبض: فإن أجاز المشتري البيع فالقود له، وإن رده فللبائع القود، وقيل القيمة. جوهرة (ولا بمكاتب) وكذا ابنه وعبده. شرنبلالية (قتل عمداً) لا حاجة لقيد العمد لأنه شرط في كل قود (عن وفاء ووارث وسيأتي تمامه آخر الباب الآتي. قوله: (لا سيد بعبده الخ) لأن عبده ماله، فلا يستحق المطالبة على نفسه، والمدبر مملوك، والمكاتب رقيق ما بقي عليه درهم، وعبد ولده في حکم ملكه لحديث ((أنت ومالك لأبيك)) لكن عليه الكفارة في الكل كما في الجوهرة. قوله: (هذا) أي قوله ((وعبد ولده)) وأراد به بيان العلة. قوله: (كما سيجيء) أي قريباً. قوله: (ولا بعبد الرهن) أي ولا يقتل قاتل عبد الرهن حتى يجتمع الراهن والمرتهن، لأن المرتهن لا ملك له فلا يلي القصاص، والراهن لو تولاه لبطل حق المرتهن في الرهن، فيشترط اجتماعهما ليسقط حق المرتهن برضاه ا هـ. درر. وفيه أن استيفاء المرتهن قد تم بهلاك الرهن فما الداعى لرضاه بعد سقوط حقه. وأجيب بأن الاستيفاء غير متقرّر لاحتمال عدم القود إما بالصلح أو بدعوى الشبهة بالقتل فيصير خطأ اهـ ط. قوله: (وعليه) أي على قول محمد: يحمل ما في الدرر من أنه لا قود وإن اجتمعا. قوله: (إنه) أي ما في الدرر أقرب إلى الفقه لاشتباه من له الطلب كمكاتب ترك وفاء ووارثاً؛ لكن قال الزيلعي: والفرق بينهما ظاهر، فإن المرتهن لا يستحق القصاص لأنه لا ملك له ولا ولاء فلم يشبه من له لحق، بخلاف المكاتب كما يأتي. قوله: (بقي لو اختلفا) أي طلب أحدهما القصاص والآخر الدية، وهذا محترز قوله ((حتى يجتمع العاقدان». قوله: (فالقود للمؤجر) لأنه المالك ولم يبق للمستأجر حق فيه ولا في بدله. قوله: (فإن أجاز المشتري البيع) أي أمضاه على حاله ولم يختر فسخه والرجوع بالثمن على البائع لأنه لم يكن موقوفاً وإلا لما صحت الإجازة بعد هلاكه. تأمل. قوله: (فالقود له) أي للمشتري لأنه المالك. زيلعي. قوله: (وإن رده) أي فسخ البيع ورجع بالثمن. قوله: (فللبائع القود) لأن البيع ارتفع وظهر أنه المالك. زيلعي. قوله: (وقيل القيمة) هو قول أبي يوسف لأنه لم يثبت له القصاص عند الجراحة لأن الملك كان للمشتري. جوهرة. قوله: (وكذا ابنه وعبده) الضمير للمكاتب. قوله: (عن وفاء) أي عن مال يفي ببدل ١٧٧ كتاب الجنايات وسيد وإن اجتمعا) لاختلاف الصحابة في موته حرّاً أو رقيقاً فاشتبه الولي فارتفع القود (فإن لم يدع وارثاً غير سيده سواء ترك وفاء أو لا أو ترك وارثاً ولا وفاء أقاد سیده) لتعينه. وفي أولى الصور الأربع خلاف محمد. (ويسقط قود) قد (ورثه على أبيه) أي أصله، لأن الفرع لا يستوجب العقوبة على أصله. وصورة المسألة فيما إذا قتل الأب أب امرأته مثلاً ولا وارث له غيرها ثم ماتت المرأة: فإن ابنها منه يرث القود الواجب على أبيه فسقط لما ذكرنا كتابته. قوله: (فاشتبه الوليّ) فإن قلنا: مات حرّاً فالوليّ وارثه أو رقيقاً فسيده. قوله: (لتعينه) أي تعين الولي في الثلاث وهو السيد. قوله: (وفي أولى الصور الأربع) سبق قلم تبع فيه. ابن كمال: قال ح: وصوابه ثانية الصور الأربع، وهي ما إذا لم يدّع وارثاً غير سيده وترك وفاء، لأن خلاف محمد فيها كما في الهداية ا هـ. له أنه اشتبه سبب الاستيفاء، فإن الولاء له مات حراً والملك إن مات عبداً. ولهما أن الاستيفاء للمولى بیقین علی التقدیرین. ثم اعلم أن القود في الرابعة وهي: ما إذا ترك وارثاً ولا وفاء له قيده شيخ الإسلام کما في الكفاية بما إذا لم يكن في قيمته وفاء بالمكاتبة أيضاً، فإن کان فيها وفاء لا قصاص وتجب القيمة على القاتل في ماله، لأن موجب العمد وإن كان هو القصاص إلا أنه يجوز العدول إلى المال بغير رضا القاتل مراعاة لحق من له القصاص، كما إذا كانت يد القاطع شلاء كان للمقطوع يده العدول إلى المال بلا رضاه مراعاة لحقه لما لم يجب مثل حقه بكماله، فكذا هنا لأن القيمة أنفع له لأنه يحكم بحريته وحرية أولاده إذا أدى البدل منها وبالقصاص بموت عبد أو لا ينتفع به، فكان القول بوجوب القيمة أولى اهـ. وأقره في الدر المنتقى والقهستاني. قوله: (ورثه على أبيه) أي استحقه. قهستاني. فيشمل ثبوته ابتداء، ويوافقه قول الشارح قبله ((ومن ملك قصاصاً الخ)) وبه يندفع الإيراد الآتي، لكن فيه أن صورة ثبوت القود للفرع على أصله ابتداء تقدمت في قوله ((لا بعكسه)) فلذا عبر هنا بالإرث، فتدبر. قوله: (أي أصله) لما في الخانية: لو كان في ورثة المقتول ولد القاتل أو ولد ولده وإن سفل بطل القصاص وتجب الدية ١ هـ. قوله: (مثلًا) أي أو أخاها أو ابنها من غيره. قوله: (ثم ماتت المرأة) كذا أطلقوه، وينبغي أن يكون موتها بعد ما أبانها زوجها القاتل حتى يظهر كون العلة هي إرث ابنه قصاصاً عليه، وإلا كان وارثاً منها جزءاً من القصاص فيسقط عنه القصاص بذلك أيضاً. قال في التاترخانية: ثلاثة إخوة قتل أحدهم أباهم عمداً فللباقین قتله، فإن مات أحدهما لم يكن للثالث قتله، لأن القاتل ورث جزءاً من نصيب الميت من القصاص فسقط ١٧٨ کتاب الجنايات وأما تصوير صدر الشريعة فثبوته فيه للابن ابتداء لا إرثاً عند أبي حنيفة وإن اتحد الحکم کما لا يخفى. وفي الجوهرة: لو عفا المجروح أو وارثه قبل موته صح استحساناً لانعقاد السبب لهما . (لا قود بقتل مسلم مسلماً ظنه مشركاً بين الصفين) لما مر أنه من الخطأ» وإنما أعاده ليبين موجبه بقوله (بل) القاتل (عليه كفارة ودية) قالوا: هذا إذا اختلطوا، فإن كان في صفّ المشركين لا يجب شيء لسقوط عصمته. قال عليه الصلاة والسلام: ((من كثر سواد قوم فهو منهم)). قلت: فإذا كان مكثر سوادهم منهم وإن لم يتزيّ بزيهم فكيف بمن تزيا. قاله عنه وانقلب نصيب الآخر مالًا فعليه للآخر ثلاثة أرباع الدين في ماله في ثلاث سنين اهـ ملخصاً. وفي القهستاني: قتل أحد الأخوين لأب وأم أباهما عمداً والآخر أمهما، فللأول قتل الثاني بالأم ويسقط القود عن الأول لأنه ورث من الأم الثمن من دم نفسه فسقط عنه ذلك القدر وانقلب الباقي مالًا فيغرم لورثة الثاني سبعة أثمان الدية ا هـ. وتمامه فيه. قوله: (وأما تصوير صدر الشريعة) حيث قال: أي إذا قتل الأب شخصاً وولى القصاص ابن القاتل يسقط ا هـ. وصورة ذلك؛ أن يقتل أم ابنه عمداً أو أخا ولده من أمه. جوهرة. قوله: (فثبوته فيه للابن ابتداء لا إرثاً) بدليل أنه يصح عفو الوارث قبل موت المورث، والمورث يملك القصاص بعد الموت وهو ليس بأهل للتمليك في ذلك الوقت فيثبت للوارث ابتداء ا هـ. جوهرة. ثم أجاب بأنه يثبت عند البعض بطريق الإرث. وأجاب في المجتبى بأن المستحق للقصاص أولاً هو المقتول ثم يثبت للوارث بطريق الخلافة والوراثة، بدليل أن المجروح إذا عفا سقط القصاص، ولو لم يثبت له أولًا لما سقط بعفوه ا هـ. تأمل. قوله: (لو عفا المجروح الخ) أراد به الحر، إذ العبد لا يصح عفوه لأن القصاص لمولاه لا له. شرنبلالية عن البدائع. ثم إنه لم يبين هل العفو عن الجراحة أو عن الجراحة وما يحدث منها أو عن الجناية؟ وهل ذلك في العمد أو الخطأ؟ وهل تجب الدية في مال الجاني أو على العاقلة أو تسقط؟ وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى في فصل في الفعلين. قوله: (لانعقاد السبب لهما) أي للمجروح أصالة وللوارث نيابة قبل موت المجروح. تأمل وارجع إلى ما في المنح عن الجوهرة. قوله: (لما مر) أي في قوله ((كأن يرمي شخصاً ظنه صيداً أو حربياً». قوله: (ليبين موجبه) فيه أنه بين موجب الخطإ فيما تقدم فهو تكرار ا هـ ح. قوله: (قلت الخ) هو من كلام الزاهدي في المجتبى وإن أوهم كلام المصنف في المنح خلافه. ١٧٩ کتاب الجنايات الزاهدي. قال المصنف: حتى لو تشكل جني بما يباح قتله كحية فينبغي الإقدام على قتله، ثم إذا تبين أنه جني فلا شيء على القاتل، والله أعلم (ولا يقاد إلا بالسيف) وإن قتله بغيره خلافاً للشافعي. وفي الدرر عن الكافي: المراد بالسيف: السلاح. قلت: وبه صرّح في حج المضمرات حيث قال: والتخصيص باسم العدد لا يمنع إلحاق غيره به، ألا ترى أنا ألحقنا الرمح والخنجر بالسيف في قوله عليه الصلاة والسلام ((لا قود إلا بالسيف)) فما في السراجية من له قود قاد بالسيف، فلو ألقاه في بئر أو قتله بحجر أو بنوع آخر عزّر وكان مستوفياً يحمل على أن مراده بالسيف السلاح، والله أعلم. (ولأبي المعتوه القود) تشفياً للصدر (و) إذا ملكه تنبيه: قال في المعراج: علم مسلماً بعينه قد جاء به العدوّ مكرهاً فعمده بالرمي وهو يعلم حاله يجب القود قياساً ولا يجب استحساناً، لأن كونه في موضع إباحة القتل يصير شبهة في إسقاط القصاص، وعليه الدية في ماله ولا كفارة. ولو قال وليه قصدته برميك بعد علمك أنه مكره وقال الرامي بل قصدت المشركين فالقول للرامي لتمسكه بالأصل وهو إباحة الرمي إلى صفهم اهـ. وتمامه فيه. قوله: (فينبغي الإقدام على قتله) أي ينبغي جواز الإقدام عليه، والأولى حذف الفاء لأنه جواب لو. وفي الأشباه من أحكام الجان: لا يجوز قتل الجني بغير حق كالإنسي. قال الزيلعي: قالوا: ينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء التي تمشي مستوية لأنها من الجانّ، لقوله عليه الصلاة والسلام ((اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، وإياكم والحية البيضاء فإنها من الجن)) وقال الطحاوي: لا بأس بقتل الكل («لأنه عليه الصلاة والسلام عاهد الجن أن لا يدخلوا بيوت أمته ولا يظهروا أنفسهم، فإذا خالفوا فقد نقضوا العهد فلا حرمة لهم)) والأولى هو الإنذار والإعذار، فيقال لها ارجعي بإذن الله أو خلي طريق المسلمين، فإن أبت قتلها، والإنذار إنما يكون خارج الصلاة اهـ. وتمامه هناك. قوله: (خلافاً للشافعي) حيث قال: يقتل بمثل ما قتل به، إلا إذا قتل باللواطة أو إيجار الخمر فيقتل بالسيف. قوله: (أو بنوع آخر) أي من غير السلاح كأن ساق عليه دابته أو ألقاه في نار. هو الناقص العقل من غير جنون. منح. قوله: (ولأبي المعتوه القود) لأنه من الولاية على النفس لأنه شرع للتشفي فيليه الأب كالإنكاح، ولكن كل من ملك الإنكاح لا يملك القود، فإن الأخ يملك الإنكاح ولا يملك القود لأنه شرع للتشفي الصدر، وللأب شفقة كاملة يعد ضرر الولد ضرر نفسه، فلذا جعل التشفي للأب كالحاصل للابن بخلاف الأخ، كذا في شروح الهداية. ١٨٠ کتاب الجنابات ملك (الصلح) بالأولى (لا العفو) مجاناً (بقطع يده) أي في يد المعتوه (وقتل قريبه) لأنه إبطال حقه ولا يملكه (وتقيد صلحه بقدر الدية أو أكثر منه، وإن وقع بأقل منه لم يصح) الصلح (وتجب الدية كاملة) لأنه أنظر للمعتوه (والقاضي كالأب) في جميع واعترضهم الإتقاني بأن الأخ يملكه أيضاً إذا لم يكن ثمة أقرب منه، فإن كان ثمة أقرب منه لم يملك الإنكاح أيضاً، لأن من يستحق الدم هو الذي يستحق مال المقتول على فرائض الله تعالى، الذكر والأنثى في ذلك سواء حتى الزوج والزوجة، وبه صرح الكرخي اهـ. وفيه نظر، لأنه إذا قتل ابن المعتوه مثلاً كان هو المستحق لدمه لأنه المستحق لماله. وإذا كان للمعتوه أخ أو عم ولا أب له كيف يقال إن الأخ أو العم يستحق دم ابن المعتوه في حياة المعتوه مع أنه لا ولاية له على المعتوه أصلا؟ على أن وصي المعتوه الذي له الولاية عليه ليس له القود فكيف الأخ الذي لا ولاية له. نعم لو كان المقتول هو المعتوه نفسه صح ما قاله وكأنه اشتبه عليه الحال، ولهذا قال في السعدية: إن الكلام فيما إذا قتل ولي المعتوه كابنه وأبو المعتوه حيّ لا فيما إذا قتل المعتوه اهـ. قوله: (ملك الصلح بالأولى) لأنه أنظر في حق المعتوه. هداية. قوله: (بقطع يده وقتل وليه) تنازعه كل من القود والصلح والعفو. قوله: (وقتل وليه) أي ولي المعتوه كابنه وأمه منح. وفي بعض النسخ: وقتل قريبه وهو أظهر، وبه فسر الولي في النهاية. ثم قال: يعني إذا كان للمعتوه ابن فقتل ابنه فلأبي المعتوه وهو جد المقتول ولاية استيفاء القصاص وولاية الصلح اهـ. قوله: (لأنه إيطال حقه) علة لقوله ((لا العفو مجاناً)). قوله: (وتقيد صلحه) أي صلح الأب. قوله: (وإن وقع بأقل منه لم يصح الصلح) اعترضه الإتقاني بأن محمداً لم يقيده بقدر الدية بل أطلق. وفي مختصر الكرخي: وإذا وجب لرجل على رجل قصاص في نفس أو فیما دونها فصالحه على مال جاز قليلاً كان أو كثيراً. ونقل الشلبي عن قارىء الهداية أن هذا الاعتراض وهم. قال أبو السعود: كيف يكون وهماً مع ما صرح به الكرخي اهـ. أقول: عبر في النهاية وغيرها من شروح الهداية بدل قوله ((لم يصح الصلح)) بقوله (لم يجز الحط)) وإن قل يجب كمال الدية اهـ. فأفاد أن الصلح صحيح دون الحط ولذا وجب كمال الدية وإلا كان الواجب القود، وبه يحصل التوفيق بين كلامهم، فما صرح به الكرخي وأفاده كلام الإمام محمد من صحة الصلح المراد به صحته بإلزام تمام الدية، وهو مراد من قال لم يجز الخط، وقول الشارح هنا تبعاً للمنح ((لم يصح الصلح)) مراده لم يلزم بذلك القدر الناقص، ولو عبر بما قاله شراح الهداية لكان أنسب، وبه ظهر أن اعتراض الإمام الإتقاني في غير محله، فاغتنم هذا التحرير. قوله: (لأنه أنظر للمعتوه) الواقع في كلامهم ذكر هذا التعليل عند قوله ((ملك الصلح)) كما قدمناه، والظاهر التعليل هنا بأن