Indexed OCR Text

Pages 81-100

-..
٨١
کتاب الرهن
يوم الهلاك كما توهمه في الأشباه لمخالفته للمنقول كما حرّره المصنف.
(المقبوض على سوم الرهن إذا لم يبين المقدار) أي مقدار ما يريد أخذه من
الدين (ليس بمضمون في الأصح) كذا في القنية والأشباه (فإن) هلك و (ساوت
قیمته الدین صار مستوفياً) دينه (حكماً، أو زادت كان الفضل أمانة) فيضمن
بالتعدي (أو نقصت سقط بقدره ورجع) المرتهن (بالفضل) لأن الاستيفاء بقدر المالية
وقال الزيلعي: يعتبر قيمته يوم القبض، بخلاف ما لو أتلفه أجنبي فإن المرتهن
یضمنه قیمته یوم هلك باستهلاكه وتکون رهناً عنده. وتمامه في المنح. زاد في شرح
الملتقى: والقول فيها للمرتهن والبيئة للراهن. قوله: (لا يوم الهلاك كما توهمه في الأشباه)
أي في بحث ثمن المثل من الفن الثالث.
أقول: يمكن حمل ما في الأشباه على ما إذا استهلكه المرتهن، ولذا قال الرملي بعد
كلام: وأنت إذا أمعنت النظر ظهر لك الفرق بين الهلاك والاستهلاك، فقطعت في صورة
الهلاك بأن المعتبر قيمته يوم القبض، وفي صورة الاستهلاك يوم الهلاك لوروده على العين
المودعة اهـ. قوله: (إذا لم يبين المقدار) أما لو بين يكون مضموناً.
وصورته: أخذ الرمن بشرط أن يقرضه کذا فهلك في يده قبل أن يقرضه هلك
بأقل من قيمته ومما سمي له من القرض لأنه قبضه بسوم الرهن، والمقبوض بسوم الرهن
كالمقبوض بسوم الشراء إذا هلك في المساومة ضمن قيمته. كذا في شرح الطحاوي.
حموي. قوله: (كذا في القنية) ونصها: المقبوض على سوم الرهن إذا لم يبين المقدار الذي به
رهنه ولیس فیه دین لا یکون مضموناً علی أصح الروایتین. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف
ومحمد: يعطيه المرتهن وما شاء. وعن محمد: لا أستحسن أقل من درهم. وعن أبي
یوسف: إذا ضاع فعليه قيمته ا هـ.
أقول: وهذه مسألة الرهن بدين موعود، وسيذكرها المصنف في الباب الآتي أيضاً.
قوله: (فإن هلك الخ) الأولى تقديمه على قوله ((المقبوض على سوم الرهن)) لأنه من تمام ما
قبله ط .
وبيان ذلك: إذا رهن ثوباً قيمته عشرة بعشرة فهلك عند المرتهن سقط دينه، ولو
قيمته خمسة رجع على الراهن بخمسة أخرى، ولو خمسة عشر فالفضل أمانة. كفاية.
وأطلق الهلاك فشمل ما لو كان بعد قضاء الدين فيسترد الراهن ما قضاه من الدين لأنه
تبين بالهلاك أنه صار مستوفياً من وقت القبض السابق. بزازية وغيرها. ويأتي آخر
الرهن. قوله: (يضمن بالتعدي) فلو رهن ثوباً يساوي عشرين درهماً بعشرة فلبسه المرتهن
بإذن الراهن فانتقص ستة ثم لبسه بلا إذن فانتقص أربعة ثم هلك وقيمته عشرة يرجع
المرتهن على الراهن بدرهم واحد من دينه ويسقط تسعة لأن الثوب يوم الرهن كان نصفه

٨٢
كتاب الرهن
(وضمن) المرتهن (بدعوى الهلاك بلا برهان مطلقاً) سواء كان من أموال ظاهرة أو
باطنة، وخصه مالك بالباطنة (وله طلب دينه من راهنه، وله حيسه به وإن كان
الرهن في يده، لأن) الحبس جزاء مطله (وله حبس رهنه بعد الفسخ) للعقد (حتى
يقبض دينه أو يبرئه) لأن الرهن لا يبطل بمجرد الفسخ بل يبقى هنا ما بقي القبض
والدين معاً، فإذا فات أحدهما لم يبق رهناً. زيلعي ودرر وغيرهما (لا انتفاع به
مطلقاً) لا باستخدام ولا سكنى ولا لبس ولا إجارة ولا إعارة،،
مضموناً بالدين ونصفه أمانة، وما انتقص بلبسه بالإذن وهو ستة لا يضمن، وما انتقص
بلا إذن وهو أربعة يضمن ويصير قصاصاً بقدره من الدين، فإذا هلك وقيمته عشرة نصفه
مضمون ونصفه أمانة فبقدر المضمون یصیر المرتهن مستوفياً دیته ویبقی له درهم يرجع به
على الراهن. ظهيرية وخانية ملخصاً. قوله: (وضمن بدعوى الهلاك بلا برهان) كذا في
الدرر وشرح المجمع الملكي، وظاهره أنه يضمن قيمته بالغة ما بلغت، وأنه لا يصدق بلا
برهان، وأنه بإقامته ينتفي الضمان، وهذا مذهب الإمام مالك. أما مذهبنا فلا فرق بين
ثبوت الهلاك بقوله مع يمينه أو بالبرهان، وهو في الصورتين مضمون بالأقل من قيمته
ومن الدین کما أوضحه في الشرنبلالية عن الحقائق، وبه أفتى ابن الحلبي، ومثله في فتاوى
الكازروني وفي فتاوى المصنف.
وقد زلّ قدم العلامة الرملي في ذلك تبعاً للمصنف هنا، فأفتى بضمان القيمة بالغة
ما بلغت كما هو مسطور في فتاواه، وصرح بذلك أيضاً في حاشية المنح. وممن ردّ عليه
صاحب الفتاوى الرحيمية تبعاً لشيخه الشرنبلالي فقال: هذا مخالف للمذهب رأساً واحداً
والرجوع إلى الحق أحق. قوله: (ظاهرة) كالحيوان والعبيد والعقار أو باطنة كالنقدين
والحليّ والعروض. درر. قوله: (وخصه مالك بالباطنة) أي خص الضمان بالأموال
الباطنة للتهمة. غرر الأفكار. قوله: (وله حبسه به) أي حبس الرهن بالدين. قوله:
(للعقد) أي عقد الرهن. قوله: (لا يبطل بمجرد الفسخ) بل لا بد معه من رده على
الراهن. قوله: (بل يبقى على الرهن رهناً) أي مضموناً، فلو هلك في يده سقط الدين إذا
كان به وفاء. هداية. قوله: (ما بقي القبض والدين معاً) أي قبض الرهن في يد المرتهن
والدين في ذمة الراهن. واني. قوله: (فإذا فات أحدهما) بأن رد الرهن أو أبراه من الدين
لم يبق رهناً فيسقط الضمان، لأن العلة إذا كانت ذات وصفين يعدم الحكم بعدم أحدهما.
ويرد عليه ما لو هلك قبل التسليم وبعد قضاء الدين ويضمن ويسترد الراهن ما قضاه كما
مر ويأتي، وجوابه مع ما فيه في العناية. قوله: (ولا إجارة) فلو أجره المرتهن بلا إذن
فالأجرة له كما سيذكره آخر الرهن مع بقية فروعه. قوله: (ولا إعارة) سیذکر في باب
التصرف في الرهن أحكام إعارته من الراهن أو من أجنبي بإذن أو بدونه. قوله: (سواء

٨٣
کتاب الرمن
سواء كان من مرتهن أو راهن (إلا بإذن) كل للآخر، وقيل: لا يحل للمرتهن لأنه
رباً، وقيل إن شرطه كان رباً، وإلا لا.
كان) أي الانتفاع. قوله: (من مرتهن أو راهن) الأول مصرح به في عامة المتون، والثاني
صرح به في درر البحار وشرح مختصر الكرخي وشرح الزاهدي وفيه خلاف الشافعي،
فعنده يجوز له الانتفاع بغير الوطء، والأول لا خلاف فيه كما في غرر الأفكار.
بقي لو سكن في دار الرهن هل تلزمه أجرة؟ أجاب في الخيرية: إنه لا تلزمه مطلقاً
أذن الراهن أو لا معدة للاستغلال أو لا، ومثله في البزازية. وأجاب في الخيرية بذلك
أيضاً لو كانت ليتيم، وقد مر ذلك آخر الغصب فراجعه. قوله: (إلا بإذن) فإذا انتفع
المرتهن بإذن الراهن وهلك الرهن حالة استعماله يهلك أمانة بلا خلاف، أما قبل
الاستعمال أو بعده يهلك بالدين، ولو كان أمة لا يحل وطؤها لأن الفرج أشد حرمة،
لكن لا يحدّ بل يجب العقر عندنا. معراج. قوله: (وقيل لا يحل للمرتهن) قال في المنح:
وعن عبد الله محمد بن أسلم السمرقندي وكان من كبار علماء سمرقند أنه لا يحل له أن
ينتفع بشيء منه بوجه من الوجوه وإن أذن له الراهن، لأنه أذن له في الربا لأنه يستوفي
دينه كاملاً فتبقى له المنفعة فضلاً فيكون ربا، وهذا أمر عظيم.
قلت: وهذا مخالف لعامة المعتبرات من أنه يحل بالإذن إلا أن يحمل على الديانة،
وما في المعتبرات على الحكم، ثم رأيت في جواهر الفتاوى: إذا كان مشروطاً صار قرضاً
فيه منفعة وهو ربا، وإلا فلا بأس اهـ ما في المنح ملخصاً. وأقره ابنه الشيخ صالح.
وتعقبه الحموي بأن ما كان ربا لا يظهر فيه فرق بين الديانة والقضاء. على أنه لا حاجة إلى
التوفيق بعد أن الفتوى على ما تقدم: أي من أنه يباح.
أقول: ما في الجواهر يصلح للتوفيق وهو وجيه، وذكروا نظيره فيما لو أهدى
المستقرض للمقرض: إن كانت بشرط كره، وإلا فلا. وما نقله الشارح عن الجواهر أيضاً
من قوله لا يضمن يفيد أنه ليس بربا، لأن الربا مضمون فيحمل على غير المشروط، وما
في الأشباه من الكراهة على المشروط، ويؤيده قول الشارح الآتي آخر الرهن ((إن التعليل
بأنه ربا يفيد أن الكراهة تحريمية» فتأمل. وإذا كان مشروطاً ضمن كما أفتى به في الخيرية
فیمن رهن شجر زيتون علی أن یأکل المرتهن ثمرته نظیر صبره بالدين.
قال ط: قلت: والغالب من أحوال الناس أنهم إنما يريدون عند الدفع الانتفاع(١)،
ولولاه لما أعطاه الدراهم، وهذا بمنزلة الشرط، لأن المعروف كالمشروط وهو مما يعين
المنع، والله تعالى أعلم ! هـ.
(١) اتفق الفقهاء على أن كل تصرف من جانب الراهن يضر بالمرتهن ممنوع واختلفوا في المنافع التي لا يضر
استيفاؤها بالمرتهن هل له أن يستوفيها من غير إذنه أو لا؟. فمذهب الشافعية والحنابلة في رواية مرجوحة وابن
أبي لیلی وابن المنذر أن الراهن يملك التصرف في منافع المرهون على وجه لا ضرر فیه کسکنی الدار، =

٨٤
کتاب الرهن
٠
= وزراعة الأرض، وركوب الدابة، ويستوفى ذلك بالإجارة والإعارة مدة لا يتأخر انقضائها عن حلول
الدین. واختلف الشافعية فیما بینهم هل له أن یستوفیها بنفسه أو لا؟. فذهب بعض أصحابه إلى أنه لا يجوز،
وذهب بعض آخر إلى الجواز، وهو الصحيح ويرى فريق ثالث التفصيل: إن كان الراهن ثقة جاز، وإلا فلا
ومنشأ الخلاف أنه ورد عن الإمام الشافعي قولان: أحدهما قال: له ذلك، والثاني قال: لا يجوز. ورأى
الحنفية والحنابلة في رواية راجحة والشعبي والثوري أنه ليس للراهن الانتفاع بالمرهون بالسكنى أو الركوب أو
الزراعة أو غير ذلك، ولا يملك التصرف فيه بإجارة أو إعارة أو غيرهما، واختار المالكية أن المنافع للراهن إلا
أن طريق استيفائها لا يكون إلا بمباشرة المرتهن إجارته أو إعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين نائباً
عن الراهن بإذنه. وجنح ابن حزم إلى أن منافع المرهون كلها للراهن إلا إذا كان مركوباً محلوباً، وامتنع الراهن
من الاتفاق عليه، وقول المرتهن ذلك، فیکون له حينئذ ركوب الدابة ولبن الحيوان لا يحاسب به من دينه کثر
ذلك أم قل. ورجح أبو ثور والأوزاعي والليث ما قاله ابن حزم إلا أنهم زادوا الاستخدام، وشرطوا أن
یکون کل ما ذکر بقدر النفقة. هذه خمسة أقوال في موضوعنا إذا أنعمنا النظر فيها وجدناها تؤول إلى قولین،
لأن أربعة منها متفقة على أن المنافع كلها للراهن، والشق الأخير من القولين الأخرين محله الفصل الآتي في
انتفاع المرتهن، والخلاف بين المالكية وبين أصحاب الرأي الأول في طريق الاستيفاء فقط، وسأعرج على بيان
وجهة الفريقين في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى. فتبين أن الخلاف الجدير بالعناية هو هل للراهن الانتفاع
بالمرهون من غير إذن المرتهن أولا؟ إلى الأول ذهب الجمهور، وإلى الثاني ذهب الحنفية ومن معهم احتج
الجمهور بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه ((الرهن مركوب ومحلوب)) أخرجه الحاكم، وصححه من طريق
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً قال الحاكم: لم يخرجاه، لأن سفيان وغيره وقفوه على
الأعمش، وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الأعمش وغيره، ورجح الموقوف، وبه جزم الترمذي، وقال
ابن أبي حاتم: قال أبي: يرفعه يعني أبا معاوية مرة ثم ترك الرفع بعد ورجح البيهقي أيضاً الرقف، إلا أن ابن
حجر في التلخيص زاد ((ورجح الدارقطني ثم البيهقي رواية الشافعي عن سفيان عن الأعمش عن أبي صالح
عن أبي هريرة» كل ما تقدم في الرواية السابقة. وهذا الحديث له ألفاظ منها ما سلف. ومنها ما روي في
البخاري حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ولبن الدر يشرب بنفقته
إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة. وجه الدلالة: أنه لا يجوز إلا أن يكون الركوب والحلب
لمالكه الراهن؛ لأنه إنما يملك الركوب والحلب من ملك الرقبة، والرقبة غير المنفعة التي هي الركوب
والحلب، فإذا رهن الرجل داراً أو دابة أو غير ذلك فسكنى الدار وركوب الدابة للراهن، وكذلك منافع
المرهون ليس للمرتهن منها شيء. ووجه أيضاً: يشبه أن يكون المراد من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن
من درها وظهرها فهي محلوبة له كما كانت قبل الرهن. اعترض هذا الدليل بأمور: أولها: أن فاعل الركوب
والحلب والشرب لم يتعين إذ مركوب ومحلوب اسم مفعول، ويركب ويشرب مبنيان للمجهول، فيكون
الحديث مجملًا ويدفع الإجمال بظهور أن المراد الراهن بسبب إنفاقه على المرهون الذي هو أثر من آثار الملك
ولازم له. وأما ما قيل: إن المراد المرتهن بقرينة أن انتفاع الراهن بالعين المرهونة لأجل كونه مالكاً، والمراد هنا
الانتفاع في مقابلة النفقة، وذلك يختص بالمرتهن فمبني على أن الباء بدلية، وهو خلاف الظاهر إذ كونها سببية
أظهر. وثانيها: أنه ورد في بعض رواياته: ((إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر علفها، فإن استفضل
من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا». وهذا صريح في أن الراكب والشارب المرتهن وفي رواية هشيم عن زكريا
((إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها)). أجاب ابن حزم بأن إسماعيل بن سالم الصائغ تفرد عن هشيم
بالزيادة، وأنها من تخليطه وتعقب بأن أحمد رواها في مسنده عن هشيم، وكذلك أخرجه الدار قطني من طريق
زیاد بن أپوپ عن مشیم. وأجیب من قبل الجمهور بأن هذا الحديث ورد على خلاف القياس من وجهين:
أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. وثانيهما: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة فيكون
مردوداً، قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند الجمهور ترده أصول مجمع عليها، وآثار لا يختلف في=

٨٥
كتاب الرهن
= صحتها، ويدل على نسخة حديث ابن عمر رضي الله عنه عند البخاري بلفظ: ((لا تحلب ماشية امرىء
بغير إذنه)). ولا يخفى أنه جواب غير مقبول إذ دعوى مخالفة للأصول غير صحيحة بل السنة الصحيحة من
جملة الأدلة، فلا ترد إلا بمعارض أرجح منها بعد تعذر الجمع، وأيضاً حديث ابن عمر عام، وحديث
السباب خاص، فينبني العام على الخاص، والنسخ لا يثبت إلا بدليل يقضي بتأخر الناسخ على وجه يتعذر معه
الجمع لا بمجرد الاحتمال مع الإمكان، وجمع الأوزاعي والليث وأبو ثور بأن هذا محمول على ما إذا امتنع
الراهن من الإنفاق على المرهون، فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظاً لحياته وإبقاء للمالية فيه،
وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو بشرب اللبن بشرط ألا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علقه،
وهي من جملة مسائل الظفر وهو جمع وجيه. ولا يرد أن هذا لا يتأتى إلا على رأي من يشرط دوام الحبس في
يد المرتهن، إذ قد يكون الراهن غير محتاج إلى الدابة المرهونة لوجود أخرى عنده تكفي لقضاء مصلحة،
فيتركها عند المرتهن مختاراً وتشح نفسه بنفقتها. ثالثها: أنه يجوز حمل الحديث على أنه مركوب ومحلوب للراهن
بإذن المرتهن وللمرتهن بإذن الراهن، ولا شك أنه خلاف الظاهر إذ الحدیث مطلق في الرکوب والحلب، ولیس
فيه تعليق على الإذن، فالمتبادر أن المنتفع الراهن. رابعها: الصحيح أن هذا الحديث موقوف على أبي هريرة،
ولم يثبت مرفوعاً)) ویمکن أن يقال: إن وقفه غیر قادح إذ هذا الحكم مما لا مجال للرأي فيه، فیترجح أنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم على أن البخاري رفعه، وحسبنا رفعه. ومنع انتفاء ضرر المرتهن لتمكن الراهن
حينئذ من الجحود بقوات الحبس الدائم الذي هو حكم الرهن. خامسها: أن الشعبي روى الحديث، وأفتى
بخلافه، ولا يجوز عنده إلا وهو منسوخ وأرى أن عمل الشعبي ليس دليلاً على النسخ لجواز نسيانه فأعمل
بالحدیث حتی یثبت الناسخ على أن أبا هريرة ثبت عنه أنه قال: «صاحب الرهن یرکبه، وصاحب الدر يحلبه،
وعليهما النفقة)) وقال: ((الرهن مركوب ومحلوب بعلفه)) فلو كان هناك ناسخ لكان أعرف به من الشعبي لسعة
اطلاعه في السنة، فاتضح أن هذا الدليل سالم للجمهور. وبما رواه الشافعي: أخبرنا ابن أبي فديك عن أبي
ذئب عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يغلق الرهن الرهن من
صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه))، وقال الشافعي في رواية أخرى: أخبرنا الثقة عن يحيى ابن أبي أنيسة
عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أو مثل مشناه لا يخالفه.
وجه الدلالة: أن الغنم السلامة والزيادة فيكون المعنى لا يغلق الرههن: لا يستحقه المرتهن بأن يدع الراهن
قضاء حقه عند نحله، ولا يستحق مرتهنه خدمة ولا منفعة فيه بارتهانه إياه، ومنفعة الراهن؛ لأن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: ((هو من صاحبه)) قال الخطابي: والعرب تضع من موضع اللام كقوله:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
أي لصاحبه على أن الرواية الأخرى رويت باللام ((لصاحبه)) ولا شك أن المنافع من الغنم. نوقش هذا الدليل
بأنه قد اختلف في وصله وإرساله، ورفعه، ووقفه، وذلك ما يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في صحيح
البخاري وغيره الآتي: وسأذكر للقارىء ما قاله العلماء في هذا الحدیث: أخرجه الحاكم وابن حبان في
صحيحه، وأخرجه أيضاً ابن ماجه من طريق أخرى، وصحح أبو داود، والبزار، والدارقطني، وابن القطان
إرساله عن سعيد بن المسيب بدون ذكر أبي هريرة قال في التلخيص: وله طرق أخرى: في الدارقطني والبيهقي
كلها ضعيفة، وقال في بلوغ المرام: إن رجاله ثقات إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله وساقه ابن حزم
قال: حدثناه أحمد بن قاسم نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم نا جدي قاسم بن أصبغ حدثني محمد بن إبراهيم
حدثني يحيى بن أبي طالب الأنطاكي وجماعة من أهل الثقة نا نصر بن عاصم الأنطاكي نا شبابة عن ورقاء نا
ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي أسامة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يغلق الرهن الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه)) فهذا مسند من أحسن
ما روي في هذا الباب وتعقبه الحافظ بأن قوله: نصر بن عاصم تصحيف، وإنما هو عبد الله بن نصر الأصم
الأنطاكي، وله أحاديث منكرة، وقد رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن نصر المذكور، وصحح هذا الطريق
عبد الحق، وصحح أيضاً وصله ابن عبد البر، وقال: هذه اللفظة يعني: ((له غنمه وعليه غرمه)) اختلف=

٨٦
کتاب الرمن
.
= الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما، ووقفها غيرهم، وقد روى ابن وهب هذا
الحديث فجوده، وبين أن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسب، وقال أبو داود في المراسيل: قوله: ((له غنمه
وعليه غرمه)) من كلام سعيد بن المسب نقله عنه الزهري بعد هذا نستطيع الإجابة بأن الوصل زيادة من الثقة،
فتكون مقبولة، وعلى أنه مرسل فهو مرسل سعيد بن المسيب الذي اتفق الفقهاء على قبول مراسيله، وما نقل
عن ابن شهاب من أن ((له غنمة وعليه غرمه)) من قول سعيد لا يضرنا إذ معمر أثبت الناس في ابن شهاب،
وقد ذكره عنه مرفوعاً، ورواه الشافعي والدارقطني مرفوعاً، وقال: هذا إسناد حسن متصل. ومن هنا يبدو
أنه صالح للاحتجاج به، فيدل على ما ذهب إليه الجمهور، ولا معارضة بينه وبين حديث البخاري الآتي إذ
يجمع بينهما بما تقدم. وبأن الانتفاع لم يدخل في العقد ولا يضر بالمعقود له فبقي على ملكه وتصرفه كخدمة
الأمة المزوجة، ووطء الأمة المستأجرة والاحتياط بالإشهاد يحول بينه وبين الإنكار، وإذا علم أن القائلين
للراهن الانتفاع يمنعون إيقاؤه عنده إلا في الزمن الذي يستوفي فيه منفعته فقط للضرورة، ويلزمونه برده إلى
المرتهن في وقت الراحة إذ الضرورة تقدر بقدرها، فمثلاً لو كان ينتتفع به نهاراً أعيد إليه ليلاً أو ليلاً أعيد إليه
نهاراً كما أنه إذا أمكن الحصول على كسبه وهو تحت يد المرتهن منع من وضع يده عليه، يرى أنهم يراعون
مصلحة الطرفين، والحبس الدائم الذي هو عبارة عن استمرار القبض ليس حكماً للرهن كما سلف فسلم
للجمهور هذا الدليل أيضاً. وبأن عقد الرهن مشروع وبالإجماع المرتهن لا يتمكن من الانتفاع به، فلو قلنا
يمتنع على الراهن الانتفاع به لعطلت العين عن الانتفاع بها بسبب هذا العقد، وذلك مشبه تسبيب أهل الجاهلية
فيكون خلاف المشروع. ومنع أن يكون هذا تسييب إذ هو يشبهه إذا لم يكن غرض صحيح، فأما إذا كان فيه
غرض صحيح وهو إضجار الراهن فلا يؤدي إلى ذلك المعنى، والمنصف يرى أن إضجار الراهن لا يصلح أن
يكون غرضاً صحيحاً إذا فيه ضرر عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الضرر والضرار ((لا ضرر ولا
ضرار))، وليس هذا بمتعين للحصول على الدين، ولماذا نؤلمه قبل أن يحل الموعد المضروب له، وقد يكون
بعيداً، ولم نعهد الشريعة إلا داعية إلى الصالح العام وناهية عن كل شر؟ فالتوفيق بين المصلحتين أولى. وبأن
المقصود من الرهن الاستيثاق بالدين يستوفى من ثمنه عند تعذره من الراهن، وهذا لا ينافي الانتفاع به، ولا
إعارته، ولا إجارته فجاز اجتماعهما ورد عليه أنه يفوت دوام القبض، وجوابه معلوم. وبأن تعطيل منفعته
إضاعة للمال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته وبأن الرهن كالبيع، فإن المشتري يمنع من
الانتفاع به إذا كان الثمن حالاً حتی یؤدیه ولا یمتنع إذا کان مؤجلا فالراهن کذلك. ورد أن هذا الدليل
عليكم لا لكم، وسيقرر في أدلتهم الآتية وسنجیب عنه يتضح أن هذه الأدلة سملت ونهضت على دعوى
الجمهور. احتج الحنفية بقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾. وجه الدلالة أنه يقتضي أن يكون مقبوضاً ما دام
مرهوناً، وهو مرهون من حين يقبضه المرتهن إلى أن يؤدي الراهن الدين، فينبغي أن يبقى مقبوضاً له وانتفاع
الراهن بعدم هذا الوصف فيمنع منه. وقد بينت فيما سلف ضعف اشتراط استمرار القبض للزوم الرهن وبأن
موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء على معنى اختصاص المرتهن بالمرهون حبساً إلى أن يقضي الدين،
والراهن لا يتمكن من الانتفاع به ما لم يحوله من يد المرتهن إلى يده، وفيه تفويت موجب العقد ألا ترى أن
الدين إذا كان حالًا كان الراهن ممنوعاً من الانتفاع به لكونه مرهوناً عند المرتهن؟ فكذلك إذا كان مؤجلاً،
ومنع أن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء كما سلف في شرط دوام القبض، وإنما مقتضاه تعلق الحق
بالمرهون على وجه تحصل به الوثيقة، وذلك غير مناف للانتفاع به، ولو سلمنا أن موجبه ثبوت يد الاستيفاء
فلا يمنع أن يكون المستأجر نائباً عن المرتهن في إمساكه ومستوفياً منفعته لنفسه. وبأن الرهن كالبيع فمتى ثبت
للبائع حق حبس المبيع كان المشتري ممنوعاً من الانتفاع به، فكذلك الراهن يمنع من الانتفاع بالمرهون، لأن
حق الحبس ثابت للمرتهن إلا أن حق الحبس في البيع إنما يثبت إذا كان الثمن حالاً فهنا أيضاً متى ثبت حق
الحبس بعقد الرهن ينبغي أن يمنع الراهن عن الانتفاع وحق الحبس ثابت، سواء أكان الدين حالاً أم مؤجلاً
حتى أنه في غير أوان الانتفاع وفيما لا ينتفع به مع بقاء عينه المرتهن أحق بإمساكه وبهذا يتبين أن انتفاع تصرف
فبطل لحق المرتهن فيمنع منه، وهذا هو الإيراء الأخير على دليل الجمهور، وهو مبني على اشتراط =

٨٧
کتاب الرهن
وفي الأشباه والجواهر: أباح الراهن للمرتهن أكل الثمار أو سكنى الدار أو
لبن الشاة المرهونة فأكلها لم يضمن وله منعه، ثم أفاد في الأشباه أنه يكره للمرتهن
الانتفاع بذلك، وسيجيء آخر الرهن.
(ماتت الشاة في يد المرتهن قسم الدين على قيمة الشاة ولبنها الذي شربه،
فحظ الشاة بسقط وحظ اللبن يأخذه المرتهن، فلو فعل) الانتفاع قبل إذنه (صار
فائدة قال في التاترخانية ما نصه: ولو استقرض دراهم وسلم حماره إلى المقرض
ليستعمله إلى شهرين حتى يوفيه دينه أو داره ليسكنها فهو بمنزلة الإجارة الفاسدة، إن
استعمله فعليه أجر مثله ولا يكون رهناً ا هـ. وقدمناه في الإجارات، فتنبه. قوله:
(فأكلها) سيأتي آخر الرهن عن فتاوى المصنف أن الظاهر أن الأكل يشمل أكل ثمنها.
قوله: (لم يضمن) أي ولا يسقط شيء من دينه. قنية: يعني إذا لم يهلك الأصل كما يأتي
بيانه. قوله: (وسيجيء) أي هذا البحث بزيادة بيان. قوله: (ماتت الشاة الخ) يوجد في
بعض النسخ متناً وسقط من بعضها ولم يكتب عليه المصنف. قوله: (الذي شربه) أي بإذن
الراهن كما صرح به في الولوالجية، فافهم. قوله: (وحظ اللبن يأخذه المرتهن) أي يأخذه
من الراهن، لما سيأتي أن نماء الرهن رهن مع الأصل، ولما أتلفه المرتهن بإذن الراهن صار
= استمرار القبض، وهو مرجوح، وبأن الانتفاع منوع كالوطء لما فيه من توهم العلوق به، وبما أن الحكم
قد بني على المرهون فيينى منع انتفاع الراهن بالمرهون على توهم هلاك الدابة بالركوب كذلك. وهو قياس مع
الفارق إذ في وطئها مانع؛ لأن الوطء مظنة العلوق فتصبح أم ولد، فتبطل الوثيقة، وليس كل انتفاع مبطلاً
للتوثق بل في الغالب لا إيطال فلا يقيد هذا القياس منع الراهن من الانتفاع مطلقاً، وليس الحكم مبنياً على
التوهم كما قالوا بل على المظنة على أن هذه الأدلة كلها منقوضة بالعارية والغصب والسرقة، والإجابة بأن
القبض في هذه الأشياء غير مستحق، وأن للمرتهن استرداده في أي وقت شاء فیکون هناك فارق بينها وبين
الإجارة والسكنى الخ، متكلفة وقد علم أن الجمهور يرون أن الضرورة تقدر بقدرها، ويلزم رده إلى المرتهن في
وقت الفراغ فلا فارق. والآن يجدر بي أن أجهر بأن الحق مع الجمهور. بقي علي أن أذكر وجهة كل من
المجيزين للراهن أن يتولى إجارة المرهون وإعارته بنفسه، ومن المالكية الذين يرون أن يتولى المرتهن الإجارة
والإعارة نيابة عن الراهن بإذنه. علم أن الراجح عدم اشتراط دوام القبض فإذا أعيد المرهون للراهن كي
يستوفي منفعته بنفسه أو إجارته لغيره أو إعارته بقي هنا. والمالكية شرطوا الاستدامة فإعادته للراهن أو إشرافه
على إجارته وإعارته يجعلان له شيئاً من السيطرة، ويخرجانه من الرهن عندهم، فلهذا قالوا: يتولى المرتهن
إجارته وإعارته بالنيابة عن الرهن بإذنه، وحينئذ يكون المستأجر أو المستعير نائباً عن المؤجر أو المعير، فيبقى
رهناً على حاله، ويأمن جحود الراهن ومطله وقد بينت أن دوام القبض مرجوح فلا مانع عندي من أن يتولى
الراهن الإجارة والإعارة، ويستوفي المنفعة بنفسه. أما اختلاف الشافعية على ثلاثة أقوال في الاستيفاء بنفسه
فبيانه كالآتي: أحدها: يجوز دليله أن كل منفعة جاز أن يستوفيها بغيره جاز أن يستوفيها بنفسه كمنفعة غير
المرهون. ثانيها: لا يجوز دليله أن لا يؤمن أن يجحد الراهن المرهون فيبطل حق المرتهن. يرد عليه أنه منقوض
بما إذا أكراه من غيره فإنه لا يؤمن أن يجحد ثم يجوز، وهو وارد على المالكية أيضاً. ثالثها: إن كان ثقة جاز،
وإلا فلا: دليله أنه إذا كان ثقة أمن جانبه، واطمأن المرتهن من جهته، وإذا كان غير ثقة توجس حنيفة من
قبله. والإشهار يحول بينه وبين الجحود، فالقول الأول هو الحق.

٨٨
کتاب الرهن
متعدياً ولم يبطل) الرهن (به. وإذا طلب) المرتهن (دينه أمر بإحضار رهنه) لئلا يصير
مستوفياً مرتين إلا إذا كان له حمل أو عند العدل لأنه لم يأتمنه. شرح مجمع (فإن
أحضر سلم) له (كل دينه أولاً ثم) سلم المرتهن (رهنه) تحقيقاً للتسوية (وإن طلب)
دينه (في غير بلد العقد) للرهن (فكذلك) الحكم (إن لم يكن للرهن مؤنة، وإن كان)
لحمله مؤنة (سلم دينه وإن لم يحضره) لأن الواجب عليه التسليم بمعنى التخلية لا
النقل من مكان إلى مكان. ونفل القهستاني عن الذخيرة أنه لو لم يقدر على إحضاره
أصلاً مع قيامه لم يؤمر به اهـ. فليحفظ
كأن الراهن أتلفه فيكون مضموناً عليه فكان له حصة من الدين، وهذا معنى قولنا آنفاً:
يعني إذا لم يهلك الأصل، وسيأتي تمام بيان ذلك آخر الرهن إن شاء الله تعالى. قوله:
(صار متعدياً) فيضمنه كالغصب، ولو عاد إلى الوفاق عاد رهناً. ويأتي تمامه. قوله: (لئلا
يصير مستوفياً مرتين) أي على تقدير هلاك الرهن. قال في غرر الأفكار: فإنه لو أمر
بقضاء الدين قبل الإحضار فربما يهلك الرهن أو كان مالكاً فيصیر مستوفياً دينه مرتین
اهـ. قوله: (إلا إذا كان له حمل) لأنه عاجز. شرح مجمع: أي عاجز حكماً بما يلحقه من
المؤنة. ونقل الشلبي أنه إن كان في بلد الرهن يؤمر بإحضاره مطلقاً، وإلا فإن لم يكن له
حمل ومؤنة فكذا، وإن كان له حمل لا يؤمر، وحمل ط ما في شرح المجمع عليه .
أقول: هذا هو المتبادر من كلامهم، لكن فيه نظر لأن الواجب عليه التخلية لا
النقل كما يأتي، على أنه يخالف ما في البزازية حيث قال: إن لم يلحقه مؤنة في الإحضار
يؤمر به، وإن كان مما يلحقه مؤنة بأن كان في موضع آخر لا يؤمر به ا هـ.
وفي الذخيرة: الأصل أنه إن قدر على إحضاره بلا مؤنة فللراهن أن يمتنع عن
القضاء، وإن لم يقدر أصلًا مع قيام الرهن أو لم يقدر إلا بمؤنة فلا. ثم قال بعد كلام:
وإن لقيه في بلد الرهن والرهن جارية أمر بإحضارها لقدرته بلا مؤنة، وتركنا القياس فيما
يلحقه مؤنة فبقي ما عداه على أصل القياس ا هـ ملخصاً. فتأمل. قوله: (أو عند العدل)
سیأتي متناً قريباً. قوله: (ثم سلم المرتهن رهنه) فلو هلك قبل التسليم استرد الراهن ما
قضاه لأنه صار مستوفياً عند الهلاك بالقبض السابق، فكان الثاني استيفاء بعد استيفاء
فيجب رده. هداية. وسيأتي آخر الرهن. قوله: (تحقيقاً للتسوية) أي في تعيين حق كل.
قال في الذخيرة: لأن المرتهن عين حق الراهن فيجب على الراهن تعين حق المرتهن، إلا أن
تعيين الدراهم والدنانير لا يقع إلا بالتسليم ليحصل التعيين ١ هـ. فهو تعليل لوجوب
تسليم الدين أولًا. وأما علة الإحضار فقد مرت في قول الشارح («لئلا يصير مستوفياً
مرتين)) فافهم. قوله: (للرهن) متعلق بالعقد. قوله: (مع قيامه) أي قيام الرهن، واحترز
به عما إذا لم يقدر لهلاكه. قوله: (لم يؤمر به) أي كما إذا لم يقدر عليه إلا بمؤنة تلحقه،

٨٩
کتاب الرهن
(و) لكن (للراهن أن يحلفه بالله ما هلك) وهذا كله إذا ادعى الراهن هلاكه، أما إذا
لم يدّع فلا فائدة في إحضاره، وكذا الحكم عند كل نجم حلّ
وهو مذكور في الذخيرة أيضاً كما قدمناه. قوله: (ولكن للراهن الخ) استدراك على قوله
(وإن لم يحضره) وقوله ((لم يؤمر به)) فهو تقييد لما قبله، وعبارة المتن تفيده، وإنما أتى بلكن
متابعة لعبارة الذخيرة والكفاية وغيرهما، فافهم. قوله: (إن يحلفه) أي على البتات لأنه
تحليف على الهلاك في يده. ذخيرة. قوله: (وكذا الحكم عند كل نجم حل) أي لو كان
الدين مقسطاً فحل قسط. قال في النهاية: وكما يكلف المرتهن إحضار الرهن لاستيفاء كل
الدين يكلف لاستيفاء نجم قد حل، هذا إذا ادّعى الراهن هلاك الرهن وطلب من
القاضي أن يأمره بالإحضار ليظهر حاله فيأمره به إن كان في بلد الرهن. أما إذا لم يدع
هلاكه فلا حاجة إلى إحضاره إذ لا فائدة فيه ا هـ ملخصاً. ومثله في الزيلعي.
واعترضه العلامة الطرسوسي بأن التقييد بقوله: هذا إذا ادعى الراهن هلاك الرهن
الخ من عنده لم يعزه إلى أحد، وهو فاسد لأن فيه ترك الاحتياط في القضاء، بل يأمره
القاضي بإحضاره وإن لم يدع الراهن الهلاك لئلا يصير قاضياً بالاستيفاء مرتين إلا أن
يصدقه الراهن على بقائه، وأقره ابن وهبان فقال: تتبعت ما عندي من الكتب فلم أجد
هذا القيد، وعباراتهم تفيد صحة ما ذكره الطرسوسي، والقياس يقتضي صحة ما في
النهاية، لأن الأصل عدم الهلاك وطلب إحضار المرهون حق الراهن، فإذا لم يطلبه لا
يجب على الحاكم جبر المرتهن عليه والتحليف على عدم الهلاك فيما لو كان للرهن حمل
ومؤنة كالأمر بالإحضار على هذين القولين ا هـ ملخصاً من شرح الوهبانية لابن الشحنة.
ثم حرر ابن الشحنة المسألة واختار تفصيلاً فيها وهو لزوم الإحضار مطلقاً في مسألة قضاء
الدين بتمامه للتعليل المار. وأما في قضاء نجم منه فلا يلزم إلا بدعوى الراهن الهلاك لأنه
بدفع نجم منه لا يكون مستوفياً لجميع الحق فلا يجبر على إحضار جميع الرهن، لكن
بدعوى الهلاك توجه الطلب فيلزم الإحضار، ثم إن التحليف على هذا التفصيل اهـ
ملخصاً. وقد أورد هذا التفصيل في نظمه الآتي. قال الشرنبلالي: وقد فهم الشارح أن
التقييد بطلب المدعي فيما إذا أراد وفاء نجم فقط، ولكنه غير مسلم لما علمته من كلام
الزيلعي الموافق لكلام النهاية ا هـ.
وأقول وبالله أستعين: الذي يظهر لي أن الحق مع صاحب النهاية، وأن القيد
للمسألتين كما فهمه الشرنبلالي، فلا يلزم القاضي أمر المرتهن بالإحضار إلا إذا طلبه
الراهن وادّعى الهلاك لأنه حقه، يدل عليه أنه في الذخيرة قيد التحليف على عدم الهلاك
بطلب الراهن، وتبعه القهستاني ومثله في غرر الأفكار.
وفي البزازية: وإن ادعى: أي الراهن هلاكه يحلف المرتهن على قيامه، فإذا حلف

٩٠
كتاب الرهن
كما حرره ابن الشحنة، وقال نظماً: [الطويل]
وَلَا دَفْعَ مَا لَمْ نِحِضُر الرَّهْنَ أَوْ يَكُنْ بِغَيْ مَكَانِ العَقْدِ وَالحَمْلُ يَعْسُرُ
كَذَا النَّجْمُ أُوْلَا دُونَ دَعْوَى مَدِينِهِ ھَلَاكاً وَهَذَا فِي النَّهَايَةَ يُذْكَرُ
(ولا یکلف مرتهن) قد (طلب دينه إحضار رهن قد وضع عند العدل بأمر
الراهن ولا) إحضار (ثمن رهن باعه المرتهن بأمره) أي بأمر الراهن (حتى يقبضه)
أمر: أي الراهن بأداء الدين اهـ. ولم يقيدوه بصور وفاء الدين بتمامه أو وفاء نجم منه،
وقد علمت مما مر استواء الأمر بالإحضار والتحليف وجريان النزاع فيهما، فحيث كان
المنقول أنه لا يجب على القاضي تحليفه إلا بطلب صاحب الحق، فكذا لا يجب عليه الأمر
بالإحضار إلا بالطلب مطلقاً، هذا ما ظهر لفهمي القاصر، والله تعالى أعلم. قوله: (كما
حرره ابن الشحنة) الذي حرره هو التفصيل كما علمته. أفاده ط. قوله: (ولا دفع الخ)
أي لا يدفع الراهن الدين بتمامه ما لم يحضر المرتهن الرهن وإن لم يدّع الراهن الهلاك إلا
أن يكون في غير بند الرهن ولحمله مؤنة فيدفع الدين، وله تحليف المرتهن على عدم
الهلاك، قوله كذا النجم: أي لا يدفع نجماً حل ما لم يحضر المرتهن الرهن وإن لم يدّع
الهلاك، وحينئذ فحكم النجم والدين بتمامه سواء، وهذا على غير ما في النهاية، أما على
ما فيها فبينهما فرق من حيث إنه في النجم لا يؤمر المرتهن بإحضار الرهن بدون دعوى
المديون الهلاك، وإليه أشار بقوله أولاً إلى آخره عطفاً على قوله «كذا النجم)) والمنفي بلا
محذوف دل عليه مضمون الكلام قبله، فإن قوله ((ما لم يحضر الرهن)) يفيد أنه يؤمر
بالإحضار: أي ولا يؤمر المرتهن في صورة النجم بالإحضار إلا بدعوى الراهن الهلاك،
هذا تقرير النظم على ما فهمه ابن الشحنة من إرجاع التقييد بدعوى الهلاك في كلام النهاية
إلى مسألة النجم فقط، وادعاء الفرق بينهما وقدمنا ما فيه. قوله: (أو يكن الخ) هذا يؤيد
ما تقدم عن الشلبي من التفصيل ط. قال السائحاني: و((أو)) هنا بمعنى إلا، والفعل
بعدها حقه النصب بأن مضمرة، إلا أنه ورد الجزم بها، ويصح عطفه على يحضر: أي لا
دفع ما لم یکن الخ ا هـ.
فالمعنى: لا دفع مدة لم يكن في غير مكان العقد: أي بأن كان في مكان العقد لأن
نفي النفي إثبات، لكن يبعد قوله ((والحمل يعسر)) لأنه إذا كان في مكان العقد لا يحتاج إلى
حمل، إلا أن يقال: يمكن أنه نقله إلى داره فيصير معنى البيت: لا دفع إذا كان الرهن في
بلدة العقد إلا إذا أحضره المرتهن ما لم يكن له حمل ومؤنة، وعلى هذا فهو مخالف لما مر
عن الشلبي مؤيد لما قدمناه عن البزازية والذخيرة لكنه بعيد، فتأمل. قوله: (ولا يكلف
مرتهن الخ) لأنه لم يؤتمن عليه حيث وضع على يد غيره فلم یکن تسليمه في قدرته. قوله:
(عند العدل) هو من يوضع عنده الرهن ويأتي له باب مخصوص. قوله: (بأمر الراهن)

٩١
کتاب الرمن
لإذنه بذلك (و) حينئذ فـ (إذا قبضه) أي الثمن (يكلف إحضاره) لقيام البدل مقام
المبدل (ولا) يكلف (مرتهن معه رهنه تمكين الراهن من بيعه ليقضي دينه) بثمنه لأن
حکم الرهن الحبس الدائم حتى يقبض دينه (ولا) يكلف (من قضى بعض دينه) أو
أبرأ بعضه (تسليم بعض رهنه حتى يقبض البقية من الدین) أو يبرئها اعتباراً بحبس
المبيع.
(ويجب) على المرتهن (أن يحفظه بنفسه وعياله) كما في الوديعة (وضمن إن
حفظ بغيرهم) كما مر فيها (و) ضمن (بإيداعه) وإعارته وإجارته واستخدامه
(وتعديه كل قيمته) فيسقط الدين بقدره (وكذا) يضمن (كل قيمته بجعل خاتم
متعلق بوضع. قوله: (لإذنه بذلك) أي بالبيع فصار كأنهما تفاسخا الرهن وصار الثمن
رهناً ولم يسلم إليه بل وضعه على يد عدل. وتمامه في الهداية وشروحها. قوله: (تمکین
الراهن من بيعه) يعني لا يكلف تسليم الرهن ليباع بالدين لأن عقد البيع لا قدرة للمرتهن
على المنع منه. شرنبلالية. نعم يتوقف نفاذ البيع على إجازة المرتهن أو قضاء دينه، ولا
ينفسخ بفسخه في الأصح كما يأتي بيانه. قوله: (ولا يكلف من قضى الخ) من واقعة على
المرتهن وقضى مبني للمجهول وبعض نائب الفاعل: أي بعض دينه الثابت له على
الراهن، وقوله ((أو أبرأ)) مبني للمعلوم. قوله: (اعتباراً بحبس المبيع) أي عند البائع فإنه
لا يلزمه تسلیم بعضه بقبض بعض الثمن، لکن لو رهنه عبدین وسمی لكل شيئاً من
الدین له قبض أحدهما بادء ما سمی له، بخلاف البيع كما سيذكره في الباب الآتي .. قوله:
(وعياله) المعتبر في كون الشخص عيالاً له أن يساكنه سواء كان في نفقته أم لا، كالزوجة
والولد والخادم الذين في عياله والزوج الأجير الخاص مشاهرة أو مسانهة لا مياومة،
ويجري مجرى العيال شريك المفاوضة والعنان، ولا يشترط في الزوجة والولد كونهما في
عياله ا هـ. غرر الأفكار. قوله: (وضمن الخ) مفعوله قوله الآتي ((كل قيمته)) فهو ضمان
الغصب لا ضمان الرهن، والمراد أنه يضمن بهذه الأشياء إذا هلك بسببها، وكل فعل
يغرم به المودع يغرم به المرتهن، وما لا فلا، إلا أن الوديعة لا تضمن بالتلف كما في جامع
الفصولين. وفيه: لو خالف ثم عاد فهو رهن على حاله، فلو ادعى الوفاق وكذبه راهئه
صدق راهنه لأنه أقرّ بسبب الضمان.
تنبيه لو مات المرتهن مجهلا يضمن كما في الخيرية وغيرها. قوله: (وتعديه) عطف
عام على خاص: أي كالقراءة والبيع واللبس والركوب والسكنى بلا إذن. قهستاني.
قوله: (كل قيمته) أي بالغة ما بلغت لأنه صار غاصباً. إتقاني. وفي الهداية: لأن الزيادة
على مقدار الدين أمانة، والأمانات تضمن بالتعدي. قوله: (فيسقط الدين بقدره) أي
يسقط الدین جميعه حالة كونه بقدر ما ضمن، وإلا رجع كل منهما على صاحبه بما فضل،

٩٢
کتاب الرمن
الرهن في خنصره) سواء جعل فصه لبطن كفه أو لا. وبه يفتى. برجندي (اليسرى
أو اليمنى) على ما اختاره الرضي، لكن قدمنا في الحظر عن البرجندي هنا أنه شعار
الروافض وأنه يجب التحرز عنه، فتنبه.
قلت: ولكن جرت العادة في زماننا بلبسه، كذلك فينبغي لزوم الضمان قياساً
على مسألة السيف الآتية فليحرر. لا يجعله في أصبع أخرى إلا إذا كان المرتهن امرأة
فتضمن لأن النساء يلبسن كذلك فيكون استعمالاً لا حفظاً. ابن كمال معزياً
للزيلعي (و) مثله (تقلد سيفي الرهن لا الثلاثة) فإن الشجعان يتقلدون في العادة
وكان الأولى ذلك لأن فيه تفصيلاً يأتي في المتن قريباً. قوله: (على ما اختاره الرضي)
أقول: الذي في البزازية وغيرها أنه اختاره السرخسي، وكان ما هنا من تحريف النساخ إذ
لم يشتهر هذا الاسم على أحد من أئمتنا فيما أعلم. تأمل. قوله: (لكن قدمنا في الحظر
عن البرجندي هنا) أي عن شرح البرجندي في هذا المحل، وهو كتاب الرهن. ثم إن
الذي قدمه في الحظر لم يعزه إلى البرجندي. نعم عزاه إليه في الدر المنتقى حيث قال: كذا
نقله البرجندي في الرهن عن كشف البزودي ا هـ. وفي بعض النسخ بدل لفظ فيها فقال
ط: أي في اليمين. قوله: (إنه) أي إن جعله في اليمين. قوله: (قلت ولكن الخ) هذا
معنى ما قدمه في الحظر أن ذاك الشعار كان وبان، وقدمنا هناك أن الحق التسوية بين
اليمين واليسار لثبوت كل منهما عن سيد الأخيار 188. ثم إن هذا استدراك على
الاستدراك، فهو تأييد لما في المتن من التسوية بينهما بناء على أنه يلبس في كل منهما فهو
استعمال لا حفظ فلذا يضمن، وعلى هذا فقوله ((فينبغي الخ)) لا حاجة إليه، لأنه عين ما
في المتن، وهو المصرح به في الهداية وغيرها فلا حاجة إلى إثباته بالبحث والقياس الذي
لسنا أهلاً له. قوله: (لا يجعله الخ) عطف على قول المصنف ((بجعل خاتم الرهن في
خنصره) أي لا يضمن بجعله في غير الخنصر.
والأصل في هذا أن المرتهن مأذون بالحفظ دون الاستعمال، فجعل الخاتم في الخنصر
استعمال موجب للضمان، وفي غيرها حفظ لا لبس لأنه لا يقصد في العادة فلا يضمن،
وكذلك الطيلسان إن لبسه كما تلبس الطيالسة ضمن لأنه استعمال، وإلا كأن وضعه على
عاتقه فلا لأنه حفظ، ثم المراد بعدم الضمان فيما يعد حفظاً لا استعمالاً أنه لا يضمن
ضمان الغصب، لا أنه لا یضمن أصلاً لأنه مضمون بالأقل من قیمته ومن الدین کما
صرح به في شرح الطحاوي. إتقاني ملخصاً. قوله: (فإن الشجعان الخ) كذا في الهداية
والتبيين، وظاهره لزوم الضمان وإن لم يكن المرتهن من الشجعان مع أنهم في لبس الخاتم
اعتبروا حال المرتهن نفسه، والظاهر أن المراد هنا ما إذا كان منهم بدليل قول قاضيخان
وغيره: وفي السيفين إذا كان المرتهن يتقلد بسيفين لأنه استعمال اهـ. فقد نظر إلى حال

٩٣
کتاب الرهن
بسيفين لا الثلاثة (و) في (لبس خاتمه) أي خاتم الرهن (فوق آخر يرجع إلى العادة)
فإن كان ممن يتجمل بلبس خاتمين ضمن، وإلا كان حافظاً فلا يضمن (ثم إن قضى
بها) أي بالقيمة المذكورة (من جنس الدين يلتقيان قصاصاً بمجرده) أي بمجرد
القضاء بالقيمة (إذا كان الدين حالاً وطالب) المرتهن (الراهن بالفضل إن كان ثمة)
فضل (وإن) کان الدین مؤجلا یضمن المرتهن قیمته وتکون رهناً عنده، فإذا حل
الأجل أخذه بدينه، وإن قضى بالقيمة من خلاف جنسه كان الضمان رهناً عنده إلى
قضاء دينه لأنه بدل الرهن فأخذ حکمه.
(وأجرة بيت حفظه وحافظه) ومأوى الغنم (على المرتهن وأجرة راعيه) لو
حيواناً (ونفقة الرهن والخراج) والعشر (على الراهن) والأصل فيه أن كل ما يحتاج
إليه لمصلحة الرهن بنفسه وتبقيته فعلى الراهن لأنه ملكه، وكل ما كان لحفظه فعلی
المرتهن لأن حبسه له.
المرتهن كما في الخاتم، ويحمل ما هنا عليه تندفع المنافاة، فافهم. قوله: (لا الثلاثة)
فيكون حفظاً لا استعمالاً فلا یضمن. قوله: (وفي لبس خاتمه الخ) وكذا لو رهنه خاتمين
فلبس خاتماً فوق خاتم. زيلعي. قوله: (يرجع إلى العادة) أي عادة المرتهن وإن خالفت
عادة غيره كما يؤخذ مما بعده. قوله: (ثم إن قضى بها الخ) تفصيل وبيان لما أجمله سابقاً.
قوله: (أي بالقيمة المذكورة) أي في قوله ((كل قيمته)). قوله: (من جنس الدين) والدراهم
والدنانير جنسان مختلفان كما يستفاد من شرح الحموي. أبو السعود. قال ط: وبه صرح
في المعدن مكي اهـ. قوله: (وطالب المرتهن الراهن بالفضل) أي بما زاد من الدين على ما
ضمنه، ولو الدين أقل طالب الراهن المرتهن بالفضل، فلو قال كما في الزيلعي: وطالب
كل واحد منهما صاحبه بالفضل لكان أشمل. قوله: (وحافظه) عطف على ((بيت)).
قوله: (ونفقة الرهن) كمأكله ومشربه وكسوة الرقيق وأجرة ظئر ولد الرهن وسقي البستان
وكري النهر وتلقيح نخيله وجذاذه والقيام بمصالحه. هداية.
فرع باع عبداً يرغيف بعينه فلم يتقابضا حتى أكل العبد الرغيف صار البائع مستوفياً
للثمن، بخلافه ما لو رهن دابة بقفيز شعير فأكلته لا يصير المرتهن مستوفياً للدين، والفرق
أن النفقة في الأول على البائع وفي الثاني على الراهن. جوهرة ملخصاً. قوله: (والخراج
والعشر) بالرفع عطفاً على أجرة.
وفي البزازية: أخذ السلطان الخراج أو العشر من المرتهن لا يرجع على الراهن،
لأنه إن تطوّع فهو متبرّع، وإن أكره فقد ظلمه السلطان والمظلوم لا يرجع إلا على الظالم
اهـ. قوله: (فعلى الراهن) سواء كان في الرهن فضل أو لا: هداية. قوله: (لأنه ملكه)
=

٩٤
کتاب الرمن
واعلم أنه لا يلزم شيء منه لو اشترط على الراهن. قهستاني عن الذخيرة.
وأما مؤنة رده كجعل آبق (أو رد جزء منه) كمداواة جريح (إلى يده) أي إلى يد
المرتهن (فتنقسم على المضمون والأمانة، فالمضمون على المرتهن والأمانة مضمونة على
الراهن) لو قيمته أكثر من الدين وإلا فعلى المرتهن، وكذا معالجة أمراض وقروح
وفداء جناية (وكل ما وجب على أحدهما فأداه الآخر كان متبرّعاً إلا أن يأمره
القاضي به ويجعله ديناً على الآخر) فحينئذ يرجع عليه، وبمجرد أمر القاضي بلا
تصريح بجعله ديناً عليه لا يرجع كما في الملتقط. وعن الإمام: لا يرجع لو صاحبه
حاضراً مطلقاً خلافاً للثاني،
فعليه كفايته ومؤنته. قوله: (شيء منه) أي مما يجب على المرتهن.
وفي الجوهرة: لو شرط الراهن للمرتهن أجرة على حفظ الرهن لا يستحق شيئاً لأن
الحفظ واجب، عليه، بخلاف الوديعة، لأن الحفظ غير واجب على المودع اهـ. قوله:
(کمداواة جریح) أي مداواة عضو جزیح أو عین ابيضت ونحو ذلك مما یذکره. قوله:
(على المضمون) أي ما دخل في ضمان المرتهن والأمانة خلافه. قوله: (وإلا فعلى المرتهن).
أي فقط لأنه محتاج إلى إعادة يد الاستيفاء التي كانت له. قوله: (وكذا) أي ينقسم على
المضمون والأمانة كما في الهداية وغيرها .. وفي البزازية: وثمن الدواء وأجرة الطبيب على
المرتهن. وذكر القدوري أن ما كان من حضة الأمانة فعلى الراهن، ومن المشايخ من قال:
ثمن الدواء على المرتهن إنما يلزم أن لو حدثت الجراحة في يده، فلو عا الراهن فعليه ..
وقال بعضهم: على المرتهن بكل حال، وإطلاق محمد يدل عليه اهـ. قوله: (كان متبّعاً)
لأنه غير مضطر فيه لأنه يمكنه الرفع إلى القاضي. قوله: (فحینٹذ یرجع علیه) فلو كان
الآبي هو، الراهن يرجع المرتهن عليه، سواء كان المرهون قائماً أو لا، ولا يكون رهناً
بالنفقة فليس له الحبس بذلك، وهو قول الإمام. بزازية. قوله: (لا يرجع) وعليه أكثر
المشايخ، لأن هذا الأمر ليس للإلزام بل للنظر، وهو متردد بين الأمر حسبة أو ليكون
ديناً، والأدنى أولى ما لم ينص على الأعلى كما في الذخيرة.
بقي ما إذا لم يكن في البلدة قاض أو كان من قضاة الجور. قال العلامة المقدسي: لا
يصدق المرتهن على النفقة إلا ببينة ا هـ: يعني لا يصدق على أنه أنفق ليرجع إلا ببينة على
الرجوع على ما يظهر لي. سائحاني. قوله: (وعن الإمام الخ) أفاد بحنكاية الخلاف في
الحاضر أن ما في المتن مفروض في الغائب. قوله: (مطلقاً) أي وإن كان بأمر القاضي لأنه
یمکنه أن يرفع إلى القاضي فیأمر صاحبه بذلك ا هح. قوله: (خلافاً للثاني) حيث قال:
يرجع حاضراً وغائباً كما في الذخيرة، لكن في الخانية أنه لو كان حاضراً وأبى عن الإنفاق
٠

٩٥
کتاب الرمن
وهي فرع مسألة الحجر. زيلعي.
(قال الراهن غير هذا، وقال المرتهن بل هذا هو الذي رهنته عندي فالقول
للمرتهن) لأنه القابض، بخلاف ما لو ادعى المرتهن رده على الراهن بعد قبضه فإن
القول للراهن لأنه المنكر، فإن برهنا فللراهن أيضاً ويسقط الدين لإثباته الزيادة،
ولو قبل قبضه فالقول للمرتهن لإنكاره دخوله في ضمانه، وإن برهنا فللراهن لإثباته
الضمان. بزازية .
فأمر القاضي به رجع عليه، وبه يفتى اهـ. قهستاني. فالمفتى به قول الثاني. وعليه فلا
فرق بين الحاضر والغائب وهو ظاهر إطلاق المتن. قوله: (وهي فرع مسألة الحجر) لأن
القاضي لا يلي على الحاضر ولا ينفذ أمره عليه، لأنه لو نفذ أمره عليه لصار محجوراً عليه
وهو لا يملك حجره عنده. وعند أبي يوسف: يملك فينفذ أمره عليه. زيلعي. قوله:
(بخلاف ما لو ادعى المرتهن رده الخ) أي وأنه هلك بعد الرد وادعى عليه الراهن أنه هلك
عند المرتهن. قوله: (لأنه المنكر) لأنهما اتفقا على دخوله في الضمان والمرتهن يدعي البراءة
والراهن ينكرها، فكان القول قوله. بدائع. قوله: (ويسقط الدين) أي بهلاكه فإن الكلام
فيه. ط. قوله: (لإثباته الزيادة) علة لقوله ((فللراهن أيضاً) اهـ ط.
وعبارة البدائع: ولو أقاما البينة فالبينة بينته أيضاً لأنها تثبت استيفاء الدين وبينة
المرتهن تنفي ذلك فالمثبتة أولى ١ هـ. وهي تفيد قبول بينة المرتهن إذا انفردت. شرنبلالي.
قوله: (ولو قبل قبضه) الأولى أن يقول: ولو في هلاكه قبل قبضه: أي لو اختلفا في هلاك
الرهن فزعم المرتهن أنه هلك في يد الراهن قبل قبضه وقال الراهن بعد القبض ط. قوله:
(بزازية) عبارتها: زعم الراهن هلاكه عند المرتهن وسقوط الدين وزعم المرتهن أنه رده إليه
بعد القبض وهلك في يد الراهن فالقول للراهن، لأنه يدعي عليه الرد العارض وهو
ينكر، فإن برهنا فللراهن أيضاً ويسقط الدين لإثباته الزيادة، وإن زعم المرتهن أنه هلك في
يد الراهن قبل قبضه فالقول للمرتهن لإنكاره دخوله في ضمانه، وإن برهنا فللراهن لإثباته
الضمان / هـ. وهي عبارة واضحة لا غبار عليها ط .
تنبيه قد ظهر من هذا أن المسألة مفروضة في دعوى الهلاك والاختلاف في زمنه هل
هو قبل الرد أو بعده وهي المذكورة في عامة الكتب. أما إذا كان الاختلاف في دعوى الرد
من غير ذكر الهلاك فقد ألف فيه الشرنبلالي رسالة سماها [الإقناع في الراهن والمرتهن إذا
اختلفا في رد الرهن ولم يذكر الضياع] وقد تردد في جواب الحكم فيها فقال: قد يجاب بأن
القول للراهن بيمينه، نص عليه في معراج الدراية بقوله: ولو اختلفا في رد الرهن فالقول
للراهن بلا خلاف لأنه منكر اهـ. قال: لكن قد يحمل على ما إذا اختلفا في الرد والهلاك،

٩٦
کتاب الرمن
(يجوز له السفر به) بالرهن (إذا كان الطريق أمناً) كما في الوديعة (وإن كان له
حمل ومؤنة) وكذا الانتقال عن البلد، وكذا العدل الذي الرهن في يده كما في
العمادية معزياً للعدة على خلاف ما في فتاوى القاضيين،
لأن سياق كلام المعراج في الاختلاف في الهلاك، وقد صرحوا بأن الرهن بمنزلة الوديعة
في يد المرتهن وأنه أمانة في يده، وبأن كل أمين ادعى إيصال الأمانة إلى مستحقها قبل قوله
في حياة المستحق أو بعد وفاته، فمن ادعى استثناء المرتهن من هذه الكلية فعليه البيان،
ويعارض كلام المعراج بما لو ادعى المرتهن هلاك الرهن عنده وأنكره الراهن فإن القول
للمرتهن بيمينه لأنه أمين كالمودع والمستعير مع أن الراهن منكر. ثم قال: وعلى ما في
المعراج هل يسقط قدر الدين ولا يضمن الزائد أو لا ضمان أصلاً نظراً للأمانة وإقرار
الراهن بعدم قضاء الدين أو يضمن كل القيمة، فليتق الله تعالى الحاكم والمفتي، ولينظر
نصاً يفيد ذلك ا هـ ملخصاً.
أقول: لكن الفرق ظاهر بين الرهن وغيره من الأمانات لأنه مضمون بالدین،
فكيف يصدق في الرد؟ وأما ما عارض به كلام المعراج فلا يخفى عدم وروده، لأن
الضمير في عنده إن كان للمرتهن فلا معنى لكون القول له، لأن الدين يسقط بهلاك الرهن
عند المرتهن فلا معارضة لأنه لم ينف الضمان عن نفسه، وفي دعواه الرد ينفي الضمان عن
نفسه، وإن كان الضمير للراهن فإنما يكون القول للمرتهن بيمينه إذا ادعى الهلاك قبل
القبض لا بعده كما مر عن البزازية. والفرق بينه وبين دعوى مجرد الرد بعد القبض أظهر
من أن يخفى.
ورأيت في فتاوى قارىء الهداية ما نصه: سئل عن المرتهن إذا ادعى رهن العين
المرهونة وكذبه الراهن هل القول له؟ أجاب: لا يكون القول قوله في رده مع يمينه، لأن
هذا شأن الأمانات لا المضمونات بل القول للراهن مع يمينه في عدم رده إليه ا هـ. ومثله
في فتاوى ابن الشلبي وفتاوى ابن نجيم وهو عين ما في المعراج فلزم اتباع المنقول، كيف
وهو المعقول، ومقتضى عدم قبول قوله ضمانه الجميع، لكن ينبغي أن يقال: إن ذلك كله
فيما إذا كان الرهن غير زائد على الدين، فإن كان زائداً لا يضمن الزيادة لتمحضها أمانة
غير مضمونة فيكون القول قوله فيها سواء ادعى مجرد الرد أو مع الهلاك، هذا ما ظهر
لي، والله تعالى أعلم. وهذا التحرير من خواص كتابنا هذا، ولله تعالى الحمد. قوله: (إذا
كان الطريق أمناً) أي ولم يقيد بالمصر، أما إذا قيد به لا يملكه. وتمامه في ط. قوله:
(وكذا الانتقال عن البلد) أي الانتقال عن بلد للسكنى في بلد آخر. تأمل. قوله: (وكذا
العدل) أي كالمرتهن فيما ذكر. قوله: (على خلاف ما في فتاوى القاضيين) أي قاضیخان
والقاضي ظهير الدين حيث قالا: ليس للمرتهن أن يسافر بالرهن، وزاد الأول وهذا عند

٩٧
کتاب الرهن / باب ما يجوز ارتهانه وما لا يجوز
ولعل ما في العدة قول الإمام، وما في الفتاوى قولهما كما يفيده كلام القنية.
فائدة: في الحديث ((إذا عمي الرهن فهو بما فيه)) قالوا: معناه إذا اشتبهت
قیمته بعد هلاکه بأن قال کل لا أدري کم کانت قیمته ضمن بما فيه من الدین،
کذا ذكره المصنف أول الباب.
بَابُ مَا يَجُوزُ أزتِهَانُهُ وَمَا لَّ يَجُوزُ
(لا يصح رهن مشاع) لعدم كونه مميزاً كما مر (مطلقاً) مقارناً أو طارئاً من
شريكه أو غيره
الصاحبين. قوله: (ولعل ما في العدة) سبقه إلى هذا التوفيق صاحب جامع الفصولين.
واعترضه الرملي بأنه لا حاجة إلى التوفيق، فإن ما في قاضيخان صريح في أنه قولهما.
قوله: (إذا عمي الرهن) عمي عليه الخبر: أي خفي مجاز من عمي البصر. مغرب. قال
ط: لم أقف على ضبطه، وقد قرىء قوله تعالى ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٢٨] بالتخفيف
والتشديد، والمراد إذا خفى حاله ولم تدر قیمته وقد اتفقا على هلاكه ا هـ. قوله: (فهو بما
فيه) الباء للمقابلة والمعاوضة سعدي. قوله: (ضمن بما فيه من الدين) فيسقط الدين عن
الراهن، وهذا إذا لم يعلم أنه أقل فإن علم واشتبهت قيمته يراجع حكمه ط. قوله: (كذا
ذكره المصنف) وكذا في الهداية والعناية. وقال في النهاية: كذا في المبسوط حاكياً هذا
التأويل عن الفقيه أبي جعفر اهـ. والله تعالى أعلم.
بَابُ مَا يَجُوزُ أَزْتِهَانُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ
قوله: (لا یصح رهن مشاع)(١) أي إلا إذا كان عبداً بينهما رهناه عند رجل بدين له
على كل واحد منهما رهناً واحداً، فلو رهن كل نصيبه من العبد لم يجز كما في القهستاني
عن الذخيرة، وإلا إذا ثبت الشيوع فيه ضرورة كما يأتي آخر السوادة. قوله: (مطلقاً)
يفسره ما بعده، وإنما لم يجز لأن موجب الرهن الحبس الدائم، وفي المشاع يفوت الدوات
لأنه لا بد من المهاياة فيصير كأنه قال رهنتك يوماً دون يوم. وتمامه في الهداية. قوله:
(مقارناً) كنصف دار أو عبد. قوله: (أو طارئاً) كأن يرهن الجميع ثم يتفاسخا في البعض
أو يأذن الراهن للعدل أن يبيع الرهن كيف شاء فباع نصفه ا هـ. منح. وفي رواية عن أبي
يوسف أن الطارىء لا يضر، والصحيح الأول كما في النهاية والدرر، وسيذكر الشارح
آخر الرهن لو استحق كله أو بعضه. قوله: (من شريكه أو غيره) لأن الشریك یمسکه
(١) ذهب مالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى والبتي والأوزاعي وسوار والعنبري وأبو ثور والظاهرية إلى جواز
رهن المشاع. ويرى الإمام أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز رهنه أمكنت قسمته أم لا، سواء في هذا الشريك
والأجنبي. وفصل الحسن بن صالح فقال: إن كان مما لا يقسم جاز، ولا يجوز فيما يقسم احتج الجمهور =

٩٨
كتاب الرهن / باب ما يجوز ارتهانه وما لا يجوز
= بأن المشاع عين يجوز بيعها، وكل ما يجوز بيعه يجوز رهنه إذ المقصود من الرهن الاستيثاق بالدين للتوصل
إلى استيفائه من ثمن المرهون إن تعذر الوفاء من ذمة الراهن وفي هذا يتحقق في المشاع. أيد الحنفية رأيهم بأن
موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء (ملك السيد) على معنى اختصاص المرتهن بالمرهون على جهة الحبس،
وثبوت السيد بالحبس إنما يكون على ما تناوله العقد، مشاع، وهو لا يتصور فيه ملك السيد إذ هي لا تثبت
إلا على معين، فإذا انتفى التعين بالشيوع انتفت يد الاستيفاء، وإذا انتفى ملك السيد الذي هو موجب العقد
كان غير معتبر شرعاً، لأن العقود إنما شرعت لتترتب عليها أحكامها، وإذا تبين أن الشيوع مانع من تحقق
مقتضى العقد کان رهنه باطلًا. ودفع. ثبوت يد الاستيفاء الذي عدوه موجب عقد الرهن مدللين عليه بأن
الاستيفاء الحقيقي يفيد ملك العين وملك السيد، وبما أن عقد الرهن وثيقة استيفاء فيفيد ملك السيد. بالمنع إذ
لا تلازم بينهما. وبأن الرهن لا بد فيه من دوام الحبس تحت يد المرتهن إلى الاستيفاء أو الإبراء، والشيوع
ينافيه، ولهم على الشطر الأول دليلان: أحدهما: أنه لم يشرع إلا مقبوضاً ﴿فرهان مقبوضة﴾ ثانيهما: أن
المقصود من الرهن التوثق لاستيفاء الدين يمنع الراهن من الانتفاع به كي يسارع إلى قضائه فيأمن المرتهن على
ماله من الضياع، وكلا الوجهين كونه لم يشرع إلا مقبوضاً، وكون المقصود منه التوثق يقتضي دوام الحبس إما
بالنظر: للمشروعية فقياس الدوام على الابتداء الذي سلف في استدامة القبض، وإما بالنظر إلى المقصود منه
وهو التوثق، فهو أن الرهن إنما شرع وثيقة للمرتهن يستوفي منها دينه عند مطل الراهن أو إفلاسه، فيأمن على
ماله من الذهاب على معنى أن يكون الرهن موصلاً إلى ذلك، وهو لا يحصل هذا المقصود إلا باستحقاق
المرتهن حبس المرهون ومنعه عن الخروج من حوزته إلا بإذنه ما دام الدين باقياً؛ إذ لو لم يكن له هذا الحق
وكان للراعن أن يسترده للانتفاع به لفات هذا المقصود وهو التوثق للاستيفاء والصيانة، فإذا لم ينقطع انتفاعه
عنه لم يكن هناك تألم أو ضجر يحمله على المسارعة إلى قضاء الدين على أنه يخشى أن يجحد الرهن والدين متى
عاد إلى يده بمقتضى ماله من حق الاسترداد، وقد علم أن العقود إنما شرعت ليترتب عليها ما هو المقصود
منها، وإذا فات المقصود بالاسترداد وجب ألا يكون له هذا الحق، وذا لا يكون إلا بدوام حبسه في يد المرتهن،
فوجب المصير إليه وعلى الشطر الثاني أن دوام الحبس على جهة اللزوم إلى الأداء أو الإبراء متوقف على
استحقاق المرتهن ذلك، ولا استحقاق لدوام الحبس في المشاع إذ لا بد فيه من المهاياة، وبدهي أن المهاياة تنافي
استحقاق الحبس الدائم، ألا ترى أن قول الراهن؛ رهنتك نصف داري هذه بمنزلة قوله: رهنتك هذه الدار
يوماً ويوماً لا، فيكون دوام الحبس غير مستحق، وإذا ظهر أن الشيوع ينافي استحقاق الحبس على الدوام
وجب أن يكون المرهون مقسوماً منفصلاً غير مشاع، وما يحتمل القسمة وغيره في هذا سواء، ولا ترد الهبة إذا
تصح مع الشيوع إذا كان الموهوب لا يحتمل القسمة لانتفاء الضرر الناشىء من تحمل مؤونة القسمة، لأن
حكمها ثبوت الملك والشيوع غير مانع منه كما في البيع، ولا فرق بين الرهن من الأجنبي ومن الشريك، وهو
واضح في الأجنبي لما تقدم، وأما بالنسبة للشريك فلأن المشاع لا يقبل الرهن على الوجهين، أما على الأول
وهو ثبوت ملك اليد؛ فلأنه لا يثبت إلا على معين، وأما على الثاني فلأن الشريك إنما ينتفع يوماً بحكم
الملك، ويحبسه آخر بحكم الرهن، فكان الراهن رهن يوماً ويوماً لا، ولا شك أن هذا يفوت دوام الحبس.
وتعقب هذا بأنه شرع مقبوضاً في الابتداء، وقياس الدوام عليه مع الفارق، وبأن الحبس الحكمي كاف في
صيانة حق المرتهن كالإعارة والغصب، والسرقة، ويمكن أن يوجه الرأي المفصل بقياس رهن المشاع الذي لا
يقسم على هبة ما لا يحتمل القسمة، وما نوقش به الحنفية يناقش به المذهب المفصل؛ لأنه يعتمد أدلتهم فيما
يقسم وما لا يقسم يقيسه على الهبة، والذي يعنينا إيطال الشق الأول فقط، وأما الثاني فهو مع الجمهور،
فوجهتهم صالحة للتدليل عليه، وقد تبين أنها سالمة، فدلت على مدعاهم. وأزيد هذا الموضوع بياناً فأسرد ما
دار في مناظرة بين الإمام الشافعي وبين أحد المانعين لرهن المشاع وادعائه أنه لا يجوز إلا مقبوضاً مقسوماً لا
يخالطه غيره محتجاً بقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فقال الإمام: لم لم يجز إلا مقبوضاً مقسوماً وقد يكون
مقبوضاً وهو مشاع غير مقسوم؟ فسأله المانع متعجباً: كيف يكون مقبوضاً وأنت لا تدري أي الناحيتين هو؟
وكيف يكون مقبوضاً في العبد وهو لا يتبعض؟ فقال الإمام: كأن القبض إذا كان اسماً واحداً لا يقع=
٦

٩٩
کتاب الرهن / باب ما يجوز ارتهاته وما لا يجوز
= عندك إلا بمعنى واحد، وقد يقع على معانٍ مختلفة، فقال مناظره: بل هو بمعنى واحد. فقال الإمام: أو
ما تقبض الدراهم والدنانير وما صفر باليد، وتقبض الدور بدفع المفاتيح، والأرض بالتسليم؟ فأجاب مناظره:
بلى، فقال الإمام: فهذا مختلف. قال مناظره: يجمعه كله أنه منفصل لا يخالطه شيء، فقال الإمام: قد تركت
قولك الأول، وقلت آخر، وستتركه إن شاء الله تعالى، فقال الإمام: فكأن القبض لا يقع أبداً إلا على منفصل
لا يخالطه شيء، فأجاب مناظره: نعم فقال الإمام: فإني لما اشتريت أردت نقص البيع، فقلت: باعني نصف
دار مشاعاً لا أدري أشرقي الدار يقع أم غربيها، ونصف عبد لا ينفصل أبداً ولا ينقسم وأنت لا غيزني على
قسمة؛ لأن فيه ضرراً، فأنا أفسخ البيع بيني وبينك، فأجاب مناظره قائلاً: ليس ذلك لك، وقبض نصف
الدار، ونصف الأرض، ونصف العبد، ونصف السيف أن تسلمه، ولا يكون دون حائل فقال الإمام: أنت
لا تجيز البيع إلا معلوماً، وهذا غير معلوم. قال مناظره؛ هو وإن لم يكن معلوماً بعينه منفصلًا، فالكل
معلوم، ونصيبك من الكل محسوب. قال الإمام: وإن كان محسوباً فإني لا أدري أين يقع؟ قال المناظر: أنت
شريك في الكل. قال الإمام: فهو غير مقبوض؛ لأنه ليس بمنفصل، وأنت تقول فيما ليس بمنفصل: لا
يكون مقبوضاً، فيبطل به الرهن، وتقول: القبض أن يكون منفصلاً قال مناظره: قد يكون منفصلاً وغير
منفصل قال الإمام: وكيف يكون مقبوضاً وهو غير منفصل؟ أجاب بأن الكل معلوم، وإذا كان الكل معلوماً
فالبعض بالحساب معلوم قال الإمام: فقد تركت قولك الأول، وتركت قولك الثاني، فلم إذ كان هذا كما
وصفت يجوز البيع فيه، والبيع لا يجوز إلا معلوماً، فجعلته معلوماً، ويتم بالقبض، لأن البيع عندك لا يتم"
حتی یقضی علی صاحبه، بدفع الثمن إلا مقبوضاً، فكان هذا عندك قبضاً، زعمت أنه في الرهن غير قبض،
فلا يعدو إما أن تگون أخطأت بقولك: لا یکون في الرهن قبضاً أو بقولك: یکون في البيع قبضاً ثم ذكر
الإمام القبض الشرعي بما يتفق، وما ذكرناه في بيان حقيقة القبض الشرعي آنفاً ثم قال الشافعي: ولم أسمع
أحداً عندنا مخالفاً فیما قلت من أنه يجوز فيه الرهن، والذي يخالف لا يحتج فیه بمتقدم من أثر، فیلزم اتباعه،
ولا بقياس، ولا معقول. فيغيبون في الاتباع الذي يلزمهم أن يفرقوا بين الشيئين إذا فرقت بينهما الآثار حتی
يفارقوا الآثار في بعض ذلك؛ لأن يجزئوا الأشياء زعموا على مثال ثم تأتي أشياء ليس فيها أثر فيغرقون بينها
وهي مجتمعة بآرائهم، ونحن وهم نقول في الآثار تتبع كما جاءت، وفيما قلت وقلتا بالرأي لا تقبل إلا قياساً
صحیحاً. وإن هذه المناظرة اندلنا دلالة واضحة على أن ثبوت ملك السید والحبس الدائم لیسا بموجودين عند
المتقدمين من الحنفية، ولم يجر ذكرهما قط، ويغلب على الظن أن إماماً من أئمة الحنفية هو الذي ناظر الإمام
الشافعي فلو كانا يصلحان في نظره لما ترك الحجاج بهما، وقد تبين ضعف اعتبارهما من أحكام الرهن فيما
سلف، وإذاً فقد أسفر الصبح، وتبين أن رهن المشاع جائز، وأن المقصود من الرهن بيع المرهون ليقضي منه
الدين عند تعذر الوفاء من الراهن، وهو متحقق في المشاع الوضعيون: يجوز رهن المشاع إذا أمكن حيازته،
وقد حكم بأنه من حيث إن حيازة الدائن المرتهن يجب أن تقع على شيء، فرهن الحيازة يكون باطلاً، إذا كان
متعلقاً بملكية على الشيوع ليس باستطاعة الدائن المرتهن أن يكون له عليها الحيازة المادية أو حق الحبس الذي
يقرره القانون وفي قضية اتفق دائن مرتهن لحصة شائعة في عقار مع شريك مدينه على أن الشريك يستمر حائزاً
للعين نيابة عنه، وأن يدفع له خصة الدين من الربع ثم رفع هذا الدائن دعوى يطالب فيها المدين والشريك
بهذه الحصة في الربع، فحكمت المحكمة بقبول وضع اليد بهذه الطريقة، وبصحة الرهن ما لم يوجد دائنون
آخرون فالحكم الأول مستمد من مذهب الحنفية، والثاني مستمد من مذهب الجمهور إذ الشريك قائم مقام
العدل في قبض المرهون، ولا داعي للتفرقة بين ما تمكن حيازته وما لا تمكن لما بينا. شرط الحنفية شرطاً
سادساً: أن يكون المرهون محوزاً، والحوز في اللغة الجمع وضم الشيء كالحيازة احترازاً عن رهن ثمر على
شجر وزرع بأرض بدونهما، فلا يجوز عندهم، وذلك لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون خلقه، فيكون
بمنزلة الجزئء الشائع والمشاع لا يجوز رهنه فكذا هذا. وقد بينت أن المشاع يجوز رهنه وأن المعول عليه إمكان
بیعه لیستوفي منه الدین عند تعذر الوفاء من الراهن، ولا شك أن الثمر يجوز بيعه فیجوز رهنه وحده وكذا
الزرع بدون الأرض، فلا داعي لهذا الشرط. شرطوا أيضاً أن يكون مفرغاً، وهذا سابع الشروط أي =
۔۔۔

١٠٠
كتاب الرهن / باب ما يجوز ارتبانه وما لا يجوز
يقسم أولاً، ثم الصحيح أنه فاسد يضمن بالقبض، وجوزه الشافعي.
وفي الأشباه: ما قبل البيع قبل الرهن إلا في أربعة: المشاع والمشغول والمتصل
بغيره
يوماً رهناً ويوماً يستخدمه فيصير كأنه رهن يوماً دون يوم. وأما إجارة المشاع فإنما جازت
عنده من الشريك دون غيره، لأن المستأجر لا يتمكن من استيفاء ما اقتضاه العقد إلا
بالمهايأة، وهذا المعنى لا يوجد في الشريك. أفاده الإتقاني: أي لأن الشريك ينتفع به بلا
مهايأة في المدة كلها بحكم العقد ويالملك بخلاف غيره. قوله: (يقسم أولاً) بخلاف الهبة،
لأن المانع فيها غرامة القسمة: أي أجرة القسام وهي فيما يحتمل القسمة لا فيما لا
يحتملها. معراج. قوله: (والصحيح أنه فاسد) وقيل باطل لا يتعلق به الضمان، وليس
بصحیح لأن الباطل منه ما لم یکن مالاً أو لم یکن المقابل به مضموناً، وما نحن فيه لیس
كذلك بناء على أن القبض شرط تمام العقد لا شرط جوازه اهـ. عناية. وسيأتي آخر
الرهن، وسيأتي أيضاً هناك أن كل حكم عرف في الرهن الصحيح فهو الحكم في الرهن
الفاسد لكنه مقيد بما إذا كان الرهن سابقاً على الدين، ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: (ما قبل البيع قبل الرهن) أي كل ما يصح بيعه صح رهنه، قوله: (والمشغول) أي
بحق الراهن كما قيده الشارح أول الرهن احترازاً عن المشغول بملك غير الراهن فلا يمنع
كما في حاشية الحموي عن العمادية.
أقول: وكذا يمنع المشغول بالراهن نفسه لما في الهداية: ويمنع التسليم كون
الراهن أو متاعه في الدار المرهونة ١ هـ. قال في المعراج: فإذا خرج منها يحتاج إلى تسليم
جديد لأنه شاغل لها كشغلها بالمتاع، وكذا متاعه في الوعاء المرهون يمنع التسليم.
والحيلة أن يودع أولاً ما فيه عند المرتهن ثم يسلمه ما رهن اهـ. قوله: (والمتصل بغيره)
صفة لموصوف محذوف: أي والشاغل المتصل بغيره كالبناء وحده أو النخل أو الثمر
بدون الأرض أو الشجر كما سيذكره. واحترز به عن الشاغل المنفصل كما لو رهن ما
= غیر مشغول بالراهن أو بملكه، فلو رهن داراً فيها متاع للراهن وأقبضه الدار وهو بداخلها أو كان له فيها
متاع لم يخرجه منها لم يصح القبض، ولم يلزم الرهن حتى يخرج منها، ويخليها من متاعه إذ تظل سيطرته باقية
عليها، ولا بد من إعادة التخلية بعد الخروج ونقل المتاع وانظر في هذا بأن التخلية تصح بقوله مع التمكين
منها، وعدم المانع، فأشبه ما لو كانا خارجين عنها، ولا يصح ما ذكروه ألا ترى أن خروج المرتهن منها لا يزيل
يده عنها ودخوله إلى دار غيره لا يثبت يده عليها؟ ولأنه بخروجه محقق لقوله فلا معنى لإعادة التخلية، وأما
المتاع فلا يمنع أيضاً من القبض، وليكن تركه فيها على سبيل الوديعة ثم إن من تأمل كلامهم في كل ما ذكروه
يراه مبنياً على الحبس الدائم تحت يد المرتهن الذي يحول بين الراهن وبين الانتفاع بالمرهون، وقد ظهر ما فيه.
(١) الرهن للدكتور حسن مصطفى (١) التأمينات الشخصية والعينية للدكتور كامل مرسي ص ٢٤٩، ٢٥٠
(مادة ٧٢٩) دائرة المعارف للبستاني في باب الرهن.