Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب الإكراه
والمعلق على الرضا والإجازة لزومه لا نفاذه، إذ اللزوم أمر وراء النفاذ كما حققه
ابن الكمال.
قلت: والضابط أن ما لا يصح مع الهزل ينعقد فاسداً فله إبطاله، وما يصح
فيضمن الحامل كما سيجيء (وإن قبض) الثمن (مكرهاً لا) يلزم (ورده) ولم يضمن
إن هلك الثمن لأنه أمانة. درر (إن بقي) في يده لفساد العقد (لكنه يخالف البيع
الفاسد في أربع صور: يجوز بالإجارة) القولية والفعلية. (و) الثاني: إنه (ينقض
تصرف المشتري منه)
٠
متغايران، فيراد بالنفوذ الانعقاد وباللزوم الصحة، فبيع المكره نافذ: أي منعقد لصدوره
من أهله في محله والمنعقد منه صحيح. ومنه فاسد، وهذا العقد فاسد، لأن من. شروط
الصحة الرضا وهو هنا مفقود، فإذا وجد ولزم، وهذا موافق لما مر أن النافذ مقابل
للموقوف، فإن الموقوف كما في بيوع البحر ما لا حكم له ظاهراً: يعني لا يفيد حكمه
قبل وجود ما توقف عليه، وهذا يفيد حكمه وهو الملك قبل الرضا، لكن بشرط القبض
كما في سائر البيوع الفاسدة، وهذا منها عندنا كما صرحوا به قاطبة خلافاً لزفر.
فظهر بهذا التقرير: أن اللزوم أمر وراء النفاذ کما حققه ابن الكمال حيث نقل عن
شرح الطحاوي أنه إذا تداولته الأيدي فله فسخ العقود كلها، وأياً أجازه جازت كلها
لأنها كانت نافذة، إلا أنه كان له الفسخ لعدم الرضا اهـ. فهذا صريح في أن النفاذ كان
موجوداً قبل الرضا، وأن الموقوف على الرضا أمر آخر، وهو لزومها وصحتها فتعين أن
يفسر قوله: ((نفذ)) بلزم، وبالجملة فالرضا شرط اللزوم لا النفاذ، ولكن هذا مخالف لما في
كتاب الأصول كالتوضيح والتلويح والتقرير وشرح التحرير وشروح المنار حيث قالوا: إن
بيع المكره ينعقد فاسداً لعدم الرضا الذي هو شرط النفاذ، فلو أجازه بعد زوال الإكراه
صريحاً أو دلالة بقبض الثمن أو تسليم المبيع طوعاً صح لتمام الرضا والفساد كان لمعنى
وقد زال اهـ. وهذا موافق لما قاله المصنف، ولقول صدر الشريعة: إن الإكراه يمنع
النفاذ، فالمراد في كلامهم بالنفاذ اللزوم فهما بمعنى واحد وهو الصحة. وبه يحصل
التوفيق بينه وبين ما في شرح الطحاوي، وظهر به أن تعبير المصنف بقوله: ((نفذ)) كالوقاية
والدرر لا اعتراض عليه، ولا لوم لموافقته لكلام القوم، واندفع تشنيع ابن الكمال المار
على صدر الشريعة بالكلمات الفظيعة، والله تعالى الموفق لا ربّ سواه قوله: (أن ما لا
يصح مع الهزل) كالبيع والشراء قوله: (وما يصح) أي مع الهزل وهو ما يستوي فيه الجد
والهزل كالطلاق والعتاق قوله: (يجوز بالإجازة) أي ينقلب صحيحاً بها، بخلاف غيره من
البيوع الفاسدة كبيع درهم بدرهمين مثلاً لا يجوز، وإن أجازاه لأن الفساد فيه لحق الشرع
قوله: (والفعلية) كقبض الثمن وتسليم المبيع طوعاً قوله: (المشترى منه) أي من البائع
1

١٨٢
كتاب الإكراه
وإن تداولته الأيدي. (و) الثالث: (تعتبر القيمة وقت الإعتاق دون وقت القبض و)
الرابع: (الثمن والثمن أمانة في بد المكره) لأخذه بإذن المشتري فلا ضمان بلا تعدّ
بخلافها في الفاسد. بزازية (أمر السلطان إكراه وإن لم يتوعده وأمر غيره، لا إلا أن
يعلم المأمور بدلالة الحال أنه لو لم يمتثل أمره بقتله أو يقطع بده أو بضربه ضرباً
يخاف على نفسه أو تلف عضوه) منية المفتي، وبه یفتی.
وفي البزازية: الزوج سلطان زوجته فيتحقق منه الإكراه
المكره قوله: (وإن تداولته الأيدي) لأن الاسترداد فيه لحقه لا لحق الشرع قوله: (وقت
الإعتاق دون وقت القبض) مخالف لما في البزازية حيث قال: إن احتمل النقض نقضه وإلا
يحتمل يضمن المكره قيمته يوم التسليم إلى المشتري، وإن شاء ضمن المشتري يوم قبضه أو
يوم أحدث فيه تصرفاً لا يحتمل النقض، لأنه أتلف به حق الاسترداد، بخلاف المشتري
شراء فاسداً حيث لا يضمنه يوم الأحداث بل يوم قبضه اهـ. ومثله في غاية البيان، فكان
عليه أن يقول: له تضمين القيمة يوم الإعتاق أو القبض قوله: (الثمن) أي فيما إذا كان
المكره هو البائع، وقوله: ((والمثمن)) أي فيما إذا كان هو المشتري قوله: (أمانة في يد
المكره) وهو البائع في الأول والمشتري في الثاني قوله: (لأخذه بإذن المشتري) أي أو البائع
ح قوله: (بخلافها) أي الصور الأربع ح.
تنبيه: أكرها على بيع العبد وشرائه وعلى التقابض فهلك الثمن والعبد ضمنهما
المکره لهما، فإن أراد أحدهما تضمین صاحبه سئل كل عما قبض، فإن قال: كل قبضت
على البيع الذي أكرهنا عليه ليكون لي فالبيع جائز ولا ضمان على المكره، وإن قال: قبضته
مكرهاً لأرده على صاحبه وآخذ منه ما أعطيت وحلف كل لصاحبه على ذلك لم يضمن
أحدهما الآخر، وإن نكل أحدهما: فإن كان المشتري ضمن البائع أياً شاء، فإن ضمن
المكره قيمته رجع بها على المشتري، وإن ضمنها المشتري لم يرجع على المكره بها ولا على
البائع بالثمن؛ وإن کان الناکل البائع: فإن شاء المشتري ضمن المکره الثمن ورجع به على
البائع، وإن شاء ضمنه البائع ولم يرجع به على المكره اهـ ملخصاً من الهندية عن المبسوط
قوله: (يقتله الخ) هذا في الإكراه الملجىء كما مر قوله: (أو تلف عضوه) التلف مخاف منه
لا يخاف عليه، فالأصوب حذف تلف أو الإتيان به على صيغة المضارع قوله: (وبه يفتى)
أي بأنه يتحقق الإكراه بما ذكر من غير السلطان قوله: (الزوج سلطان زوجته) يعني إن.
قدر على الإيقاع كما سيأتي ح. قال في البزازية: وسوق اللفظ يدل على أنه على الوفاق،
وعند الثاني: لو بنحو السيف فإكراه، وعند محمد: إن خلا بها في موضع لا تمتنع منه
فکالسلطان اهـ.

١٨٣
كتاب الإكراه
(أکره المحرم على قتل صيد فأبى حتى قتل كان مأجوراً) عند الله تعالى. أشباه (ولو
أكره البائع) على البيع (لا المشتري وهلك المبيع في يده ضمن قيمته للبائع) بقبضه
بعقد فاسد (و) البائع المكره (له أن يضمن أياً شاء) من المكره بالكسر والمشتري
(فإن ضمن المكره رجع على المشتري بقيمته، وإن ضمن المشتري نفذ) يعني جاز لما
مر (كل شراء بعده ولا ينفذ ما قبله) لو ضمن المشتري الثاني مثلاً لصيرورته ملكه
فيجوز ما بعده لا ما قبله فيرجع المشتري الضامن بالثمن على بائعه، بخلاف ما إذا
أجاز المالك أحد البياعات حيث يجوز الجميع ويأخذ الثمن من المشتري الأول
قلت: وظاهر قولهم ((سلطان زوجته)) أن يتحقق بمجرد الأمر حيث خافت منه
الضرر، ويدل عليه ما سيذكره الشارح عن شرح المنظومة. تأمل قوله: (أكره المحرم)
الأولى ذكرها بعد مع مسائل الإكراه على المعصية قوله: (كان مأجوراً) لأنه من حقوقه
تعالى ثابت بنص القرآن كما يأتي في كلام الشارح، فإن قتل الصيد فلا شيء عليه قياساً،
ولا على الآمر. وفي الاستحسان: على القاتل الكفارة، وإن كانا محرمين فعلى كل كفارة،
ولو توعده بالحبس وهما محرمان ففي القياس تلزم الكفارة القاتل فقط. وفي الاستحسان:
على كل الجزاء ولو حلالين في الحرم، فإن توعده بالقتل فالكفارة على الآمر وإن بالحبس
فعلى القاتل خاصة. هندية عن المبسوط قوله: (لا المشتري) فلو كان مكرهاً أيضاً فقد مر
في قوله: «الثمن والمثمن أمانة». وفي الثانية: ولو کان المشتري مکرهاً دون البائع فهلك
عنده بلا تعدّ يهلك أمانة اهـ. وفي القهستاني عن الظهيرية: أكره البائع فقط لم يصح
إعتاقه قبل القبض، وفي عكسه نفذ إعتاق كل قبله، وإن أعتقا معاً قبله فإعتاق البائع أولى
قوله: (ضمن قيمته) لو قال: ضمن بدله كان أولى لأنه يشمل المثلي والقيمي. طوري
قوله: (بقبضه بعقد فاسد) أي بسبب قبضه مختاراً على سبيل التملك بعقد فاسد قوله:
(له أن يضمن أياً شاء) لأن المكره كالغاصب والمشتري کغاصب الغاصب، وإن ضمن
المشتري لا يرجع على المكره. زيلعي قوله: (رجع على المشتري بقيمته) لأنه بأداء الضمان
ملكه فقام مقام المالك المكره فيكون مالكاً من وقت وجوب السبب بالاستناد. زيلعي
قوله: (يعني جاز) المراد هنا بالجواز الصحة لا الحل كما لا يخفى، فافهم قوله: (لما مر)
من أنه نافذ قبل الإجازة والموقوف عليها اللزوم بمعنى الصحة بناء على ما في شرح
الطحاوي، وقد مر الكلام فيه قوله: (كل شراء بعده) أي لو تعدد الشراء، وكذا نفذ
شراء المشتري من المكره، وهذه مسألة ذكرها الزيلعي مستقلة موضوعها: لو تداولته
الأيدي، وما قبلها موضوعها: في مشتر واحد جمعهما المصنف في كلام واحد اختصاراً
قوله: (لو ضمن المشتري الثاني مثلاً) أفاد بقوله: ((مثلاً)) أن له أن يضمن أياً شاء من
المشترين، فأيهم ضمنه ملكه كما في التبيين قوله: (أحد البياعات) ولو العقد الأخير. أبو

١٨٤
كتاب الإكراه
لزوال المانع بالإجازة (فإن أكره على أكل ميتة أو دم أو لحم خنزير أو شرب خمر
بإكراه) غير ملجىء (بحبس أو ضرب أو قيد لم يحل) إذ لا ضرورة في إكراه غير
ملجىء. نعم لا يحد للشرب للشبهة (و) إن أكره بملجىء (بقتل أو قطع) عضو أو
ضرب مبرح. ابن كمال (حلّ) الفعل بل فرض (فإن صبر فقتل أثم) إلا إذا أراد
مغايظة الكفار فلا بأس به، وكذا لو لم يعلم الإباحة بالإكراه لا يأثم لخفائه فيعذر
بالجهل، كالجهل بالخطاب في أول الإسلام
السعود قوله: (لزوال المانع بالإجازة) قال الزيلعي: لأن البيع كان موجوداً والمانع من
النفوذ حقه وقد زال المانع بالإجازة فجاز الكل، وأما إذا ضمنه فإنه لم يسقط حقه، لأن
أخذ القيمة كاسترداد العين فتبطل البياعات التي قبله، ولا يكون أخذ الثمن .استرداداً
للبيع بل إجازة فافترقا قوله: (فإن أكره على أكل ميتة الخ) الإكراه على المعاصي أنواع:
نوع يرخص له فعله ويثاب على تركه كإجراء كلمة الكفر وشتم النبي 8# وترك الصلاة
وكل ما ثبت بالكتاب، وقسم يحرم فعله ويأثم بإتيانه: كقتل مسلم أو قطع عضوه أو
ضربه ضرباً متلفاً أو شتمه أو أذیته والزنا. وقسم یباح فعله ویاثم بتركه: کالخمر وما
ذكر معه. طوري عن المبسوط. وزاد في الخانية رابعاً: وهو ما يكون الفعل وعدمه سواء
كالإكراه على إتلاف مال الغير لكنه مخالف لما سيأتي كما سننبه عليه قوله: (أو شرب خمر)
عبارة ابن الكمال: أو شرب دم أو خمر، وكتب في هامشه: الدم من المشروب. قال في
المبسوط: ذكر عن مسروق قال: من اضطر إلى ميتة أو لحم خنزير أو دم ولم يأكل ولم
يشرب فمات دخل النار قوله: (بحبس) قال بعض المشايخ: إن محمداً أجاب هكذا بناء
على ما كان من الحبس في زمانه، فأما الحبس الذي أحدثوه اليوم في زماننا فإنه يبيح
التناول كما في غاية البيان. شرنبلالية قوله: (أو ضرب) إلا على المذاكير والعين كما مر
فإنه يخاف منه التلف قوله: (أو ضرب مبرح) قدره بعضهم بأدنى الحد وهو أربعون
سوطاً، ورد بأنه لا وجه للتقدیر بالرأي والناس مختلفة، فمنهم من یموت بأدنى منه،
فلا طريق سوى الرجوع إلى رأي المبتلي كما في التبيين.
قال في البزازية: ويحكى عن جلاد مصر أنه يقتل الإنسان بضربة واحدة بسوطه
الذي علق عليه الكعب قوله: (حل الفعل) لأن هذه الأشياء مستثناة عن الحرمة في حال
الضرورة، والاستثناء عن الحرمة حل. ابن كمال قوله: (أثم) لأن إهلاك النفس أو
العضو بالامتناع عن المباح حرام. زيلعي قوله: (إلا إذا أراد مغايظة الكفار) لم يعز الشارح
هذا لأحد، وقد راجعت كتباً كثيرة من كتب الفروع والأصول فلم أجده، والله تعالى
أعلم. ثم رأيته بعد حين ولله تعالى الحمد في كتاب مختارات النوازل لصاحب الهداية
قوله: (في أول الإسلام) أي في عهد النبي {/#. إتقاني: يعني قبل انتشار الأحكام، ولیس
١

١٨٥
كتاب الإكراه
أو في دار الحرب (كما في المخمصة) كما قدمناه في الحج (و) إن أكره (على الكفر)
بالله تعالى أو سبّ النبي ◌َ﴾. مجمع. وقد ورى (بقطع أو قتل رخص له أن يظهر
ما أمر به) على لسانه ويوري (وقلبه مطمئن بالإيمان) ثم إن وري لا يكفر وبانت
امرأته قضاء لا ديانة، وإن خطر بباله التورية ولم يور كفر وبانت ديانة وقضاء.
المراد أول إسلام المخاطب لما قالوا: تجب الأحكام بالعلم بالوجوب أو الكون في دارنا،
وعليه فمن أسلم في دارنا يجب عليه قضاء ما ترك من نحو صوم وصلاة قبل تعلمه، وإن
كان جهله عذراً في رفع الإثم، فافهم قوله: (أو في دار الحرب) أي في حق من أسلم من
أهلها فيها قوله: (كما في المخمصة) أي المجاعة الشديدة فإنه إن صبر أثم، وهذا يشير إلى
أن قوله تعالى: ﴿إِلَّ مَا أُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩] يشمل الإكراه الملجىء لأنه من
الضرورة، وإن خص بالمخمصة فالإكراه ثابت بدلالة النص كما بيناه في حاشيتنا على شرح
المنار للشارح قوله: (مجمع وقد ورى) أي ذكر مسألة السب في المجمع ومختصر القدوري،
فافهم قوله: (بقطع أو قتل) أي بما يخشى منه التلف قوله: (ويوري) التورية أن يظهر
خلاف ما أضمر في قلبه. إتقاني. قال في العناية فجاز أن يراد بها هنا اطمئنان القلب وأن
يراد الإتيان بلفظ يحتمل معنيين اهـ. وفيه أنه قد يكره على السجود للصنم أو الصليب ولا
لفظ، فالظاهر أنها إضمار خلاف ما أظهر من قول أو فعل، لأنها بمعنى الإخفاء فهي من
عمل القلب. تأمل قوله: (ثم إن ورى لا يكفر) كما إذا أكره على السجود للصليب أو
سبّ محمد ﴿﴿ ففعل وقال: نويت به الصلاة لله تعالى ومحمداً آخر غير النبي قوله:
(وبانت امرأته قضاء لا ديانة) لأنه أقرّ أنه طائع بإتيان ما لم يكره عليه وحكم هذا الطائع
ما ذكرنا. هداية قوله: (وإن خطر بباله التورية الخ) أي إن خطر بباله الصلاة لله تعالى
وسبّ غير النبي ولم يور كفر، لأنه أمكنه دفع ما أكره عليه عن نفسه ووجد مخرجاً عما
ابتلي به، ثم لما ترك ما خطر على باله، وشتم محمداً النبي و ﴿ كان كافراً، وإن وافق المكره
فيما أكرهه، لأنه وافقه بعد ما وجد مخرجاً عما ابتلي فكان غير مضطر. قال في المبسوط:
وهذه المسألة تدل على أن السجود لغير الله تعالى على وجه التعظيم كفر. كفاية. وبقي
قسم ثالث، قال في الكفاية: وإن لم يخطر بباله شيء وصلى للصليب أو سبّ محمداً وَلفيه
وقلبه مطمئن بالإيمان لم تبن منكوحته لا قضاء ولا ديانة لأنه فعل مكرهاً، لأنه تعين ما
أكره عليه ولم يمكنه دفعه عن نفسه إذا لم يخطر بباله غيره اهـ.
وظهر من هذا أن التورية إنما تلزم عند خطورها، فإذا خطرت لزمته وبقي مؤمناً
ديانة، وظهر أن التورية ليست الاطمئنان لفقدها في الثالث مع وجوده فيه، خلافاً لما
قدمناه عن العناية.
واعلم أن هذا الثالث هو المراد بقول المصنف الآتي: ((ولا ردته فلا تبين زوجته)) كما

١٨٦
كتاب الإكراه
نوازل وجلالية (ويؤجر لو صبر) لتركه الإجراء المحرم ومثله سائر حقوقه تعالى
کإفساد صوم وصلاة وقتل صيد حرم أو في إحرام وكل ما ثبتت فرضيته بالكتاب.
اختيار (ولم يرخص) الإجراء (بغيرهما) بغير القطع والقتل: يعني بغير الملجىء. ابن
كمال. إذ التكلم بكلمة الكفر لا يحل أبداً (ورخص له إتلاف مال مسلم) أو ذمي.
صرح به الزيلعي، فلا ينافي ما هنا كما خفي على الشارح كما يأتي قوله: (نوازل وجلالية)
الأقرب عزوه إلى الهداية، فإنها من المشاهير المتداولة قوله: (ويؤجر لو صبر) أي يؤجر
أجر الشهداء لما روي: ((أَنَّ خُبَيْباً وَعَمَّاراً أَبْتُلِيَا بِذَلِكَ فَصَبَرَ خُبَيْبٌ حَتَّى قُتِلَ، فَسَمَّاهُ
النَّبِيُّ:﴿ سَيِّدَ الشُّهَدَاءِ) وأظهر عمار وكان قلبه مطمئناً بالإيمان، فقال النبي ◌َّ- ((فإن
عادوا فعد)) أي إن عاد الكفار إلى الإكراه فعد أنت إلى مثل ما أتيت به أولاً من إجراء
كلمة الكفر على اللسان وقلبك مطمئن بالإيمان. ابن كمال. وقصتهما شهيرة قوله:
(لتركه الإجراء المحرم) أتى بلفظ المحرم ليفيد الفرق بينه وبين ما قبله، فإن ذاك زالت
حرمته فلذا يأثم لو صبر. فإن قيل: كما استثنى حالة الضرورة في الميتة استثنى حالة
الإكراه هنا. قلنا: ثمة استثنى من الحرمة فكان إباحة فلم يكن رخصة وهنا من الغضب،
فينتفي الغضب في المستثنى، ولا يلزم من انتفائه انتفاء الحرمة فكان رخصة. وذكر في
الكشاف: من كفر بالله شرط مبتدأ وجوابه محذوف، لأن جواب من شرح دالّ عليه كأنه
قيل: من كفر بالله فعليهم غضب إلا من أكره فليس عليه غضب، ولكن من شرح بالكفر
صدراً فعليهم غضب من الله. كفاية قوله: (كإفساد صوم) أي من مقيم صحيح بالغ، فلو
مسافراً أو مريضاً يخاف على نفسه، فلم يأكل ولم يشرب، وعلم أن ذلك يسعه يكون آثماً
كما في غاية البيان قوله: (وصلاة) عبارة غاية البيان: وكذلك المكره على ترك الصلاة
المكتوبة في الوقت إذا صبر حتى قتل وهو يعلم أن ذلك يسعه كان مأجوراً اهـ. وهذا
ظاهر، أما إفسادها فقد ذكروا جواز قطعها لدرهم، ولو لغيره. تأمل. وقد یجاب بأن
الكلام في الأجر على الصبر لأخذه العزيمة وإن جاز الأخذ بالرخصة قوله: (وقتل صيد
حرم) بإضافة ((صيد)) إلى ((حرم)) وقوله: ((أو في إحرام)) عطف على ((حرم)) وقدمنا عن
الهندية الكلام عليه قوله: (وكل ما ثبتت فرضيته بالكتاب) زاد الإتقاني: ولم يرد نصاً .
بإباحته حالة الضرورة، وفيه أنه ورد النص بإباحة ترك الصوم لأقل من الضرورة، وهو
السفر فينبغي أن يأثم لو صبر، إلا أن يقال: الكلام في الإفساد بعد الشروع والوارد
إباحته الإفطار قبله. تأمل. وفي غاية البيان: اضطر إلى الميتة وهو محرم وقدر على صيد لا
يقتله ويأكل الميتة (قول يعني بغير الملجىء) أشار بهذه العناية إلى أن القتل والقطع ليسا
قيداً، بل ما كان ملجئاً فهو في حكمهما كالضرب على العين والذكر وحبس هذا الزمان
كما قاله بعض أهل بلخ، والتهديد يأخذ كل المال كما بحثه القهستاني ط. وقدمنا أنه نقله
عن الزاهدي لا أنه بحث منه قوله: (إذ التكلم بكلمة الكفر لا يحل أبداً) هذا إنما يصلح

١٨٧
كتاب الإكراه
اختيار (بقتل أو قطع) ويؤجر لو صبر. ابن ملك (وضمن ربّ المال المكره)
بالكسر، لأن المكره بالفتح كالآلة (لا) يرخص (قتله) أو سبه أو قطع عضوه وما لا
علة لقوله سابقاً: ((لترك الإجراء المحرم)) فالأولى ذكر ذلك بلصقه ط قوله: (ويؤجر لو
صبر) لأخذه بالعزيمة، لأن أخذ مال الغير من المظالم وحرمة الظلم لا تنكشف ولا تباح
بحال كالكفر. إتقاني. وفيه إشارة إلى أن ترك الإتلاف أفضل، ولذا قالوا: إن تناول مال
الغير أشِدّ حرمة من شرب الخمر كما في القهستاني عن الكرماني. وقدمنا عن الخانية أن
الفعل والترك سواء. وفي الخانية: اضطر حال المخمصة وأراد أخذ مال الغير فمنعه
صاحبه ولم يأخذ حتى مات يأثم اهـ. ونقل الإتقاني أنهم فرّقوا بينها وبين الإكراه، وأن
الفقيه أبا إسحاق الحافظ كان يقول: لا فرق بين المسألتين بتأويل ما في المخمصة على ما
إذا کان صاحبه یعطیه بالقيمة، فلم يأخذ حتى مات یآثم، وكذا في الإكراه لو كان ربّ
المال يعطيه بالقيمة يأثم قوله: (كالآلة) وذلك لأن فعل المكره آلة (١) للمكره ينقل إلى
المكره، والإتلاف من هذا القبيل بأن يأخذه ويلقيه على مال الغير فيتلفه، فصار كأن المكره
باشره بنفسه فلزمه الضمان، بخلاف ما لا يصلح آلة كالأكل والوطء والتكلم، ولذا لو
أكره على الإعتاق ضمن المكره، لأن المكره في حق الإتلاف يصلح آلة، لكن الولاء
للمكره لأنه لا يصلح آلة في حق التكلم. إتقاني وفي الشرنبلالية عن السراج: حتى لو
حمله مجوسي على ذبح شاة الغير لا يحل أكلها اهـ. وسيأتي خلافه قوله: (أو سبه) مخالف لما
في القهستاني عن المضمرات من أنه بالملجىء يرخص شتم المسلم، وأنه لو أکره على
الافتراء على مسلم يرجى أن يسعه كما في الظهيرية اهـ. وقال في التاتر خانية: ألا ترى أنه
لو أكره بمتلف أن يفتري على الله تعالى كان في سعة فهنا أولى، إلا أنه علق الإباحة
بالرجاء، وفي الافتراء على الله لم يعلق، لأنها هناك ثابتة بالنص، وهنا ثبت دلالة. قال
محمد عقيب هذه المسألة: ألا ترى أنه لو أكره بوعيد تلف على شتم محمد #في كان في سعة
إن شاء الله تعالى، وطريقه ما قلنا، ولو صير حتى قتل كان مأجوراً وكان أفضل اهـ قوله:
(أو قطع عضوه) أي ولو أذن له المقطوع غير مكره، فإن قطع فهو آثم ولا ضمان على
القاطع ولا على المكره، ولو أكره على القتل فأذن له فقتله أثم والدية في مال الآمر.
تاترخانية. لكن في الخاني: قال له السلطان اقطع يد فلان وإلا لأقتلنك، وسعه أن يقطع
وعلى الآمر القصاص عندهما، ولا رواية عن أبي يوسف اهـ. ثم رأيت الطوري وفق بأنه
إن أكره على القطع بأغلظ منه وسعه، وإن بقطع أو بدونه فلا. تأمل. وأتى بضمير الغيبة
العائد على غيره لما في الهندية: أكره بالقتل على قطع يد نفسه وسعه ذلك، وعلى المكره
القود، ولو على قتل نفسه فقتل فلا شيء على المكره اهـ. وفي المجمع: أكره على قطع
(١) (قوله لأن فعل المكره آلة الخ) الذي في خطه لأن فعل المکره فیما يصلح آلة الخ وهو الملائم لقوله بعد بخلاف
ما لا يصح آلة الخ إلا أن لفظ ((فيما يصح أشبه بمضروب عليه فليراجع)).
٢

١٨٨
كتاب الإكراه
يستباح بحال. اختيار (ويقاد في) القتل (العمد المكره) بالكسر لو مكلفاً على ما في
المبسوط خلافاً لما في النهاية (فقط) لأن القاتل كالآلة، وأوجبه الشافعي عليهما،
ونفاه أبو يوسف عنهما للشبهة (ولو أكره على الزنا لا يرخص له) لأن فيه قتل
النفس بضياعها لكنه لا يحدُّ استحساناً، بل يغرم المهر ولو طائعة لأنهما لا يسقطان
جميعاً. شرح وهبانية (وفي جانب المرأة برخص) لها الزنا (بالإكراه الملجىء) لأن
نسب الولد لا ينقطع فلم يكن في معنى القتل من جانبها بخلاف الرجل (لا بغيره
يده: أي يد الغير ففعل ثم قطع رجله طوعاً فمات يوجب أبو يوسف الدية في ماليهما،
وأوجبا القصاص عليهما قوله: (ويقاد في العمد المكره فقط) يعني أنه لا يباح الإقدام على
القتل بالملجىء، ولو قتل أثم ويقتص الحامل(١) ويحرم الميراث لو بالغاً، ويقتص المكره من
الحامل (٢) ويرئهما. شرنبلالية قوله: (خلافاً لما في النهاية) من قوله سواء كان الآمر بالغاً
أو لا عاقلاً أو معتوهاً، فالقود على الآمر وعزاه للمبسوط، ورده في العناية تبعاً لشيخه
السكاكي صاحب المعراج نقلاً عن شيخه علاء الدين عبد العزيز بأن عبارة المبسوط: سواء
كان المكره الخ، وهو بفتح الراء فتوهم أنه بالكسر فعبر بالآمر، وهو سهو يؤيده ما قاله
أبو اليسر في مبسوطه: ولو كان المكره الآمر صبياً أو مجنوناً لم يجب القصاص على أحد،
لأن القاتل في الحقيقة هذ الصبي أو المجنون وهو ليس بأهل لوجوب العقوبة عليه.
أقول: ولم يذكر الشراح حكم الدية في هذه الصورة، وفي الخانية: تجب على
عاقلة المكره: أي بالكسر في ثلاث سنين قوله: (لأن القائل كالآلة) أي فيما يصلح آلة
وهو الإتلاف، بخلاف الإثم لأنه بالجناية على دينه، ولا يقدر أحد أن يجني على دين
غيره، وكذا لو أكره مسلم مجوسياً على ذبح شاة، فإنه ينقل الفعل إلى المسلم الآمر في
حق الإتلاف، فيجب عليه الضمان، ولا ينقل في حق الحل في الذبح في الدين،
وبالعكس يحل. زيلعي. ومثله في المعراج، فما في الشرنبلالية من عكسه الحكم سهو في
النقل قوله: (ونفاه أبو يوسف عنهما) لكن أوجب الدية على الآمر في ثلاث سنين.
خانية قوله: (للشبهة) أي شبهة العدم، فإن أحدهما قاتل حقيقة لا حكماً، والآخر
بالعكس. وقال زفر: يقاد الفاعل لأنه المباشر قوله: (ولو أكره) أي بملجىء ويدل عليه
ما يجيء قوله: (بضياعها) لأن ولد الزنا هالك حكماً لعدم من يربيه، فلا يستباح
بضرورة ما كالقتل. درر قوله: (بل يغرم المهر) ولا يرجع على المكره بشيء، لأن منفعة
الوطء حصلت للزاني، كما لو أكره على أكل طعام نفسه جائعاً. تاترخانية قوله:
(لأنهما) أي المهر والحد لا يسقطان جميعاً في دار الإسلام قوله: (لا ينقطع) أي عن الأم
(١) في ط (قوله ويقتص الحامل) هكذا بخطه ولعله سقط من قلمه كلمة من والأصل من الحامل.
(٢) (قوله ويقتص المكره من الحامل) صورته أكره رجل أخاه على قتل ابن الأخ فقتل المكره ابنه يقتص من الحامل
ویرث المکره ابنه والحامل وإن کان قتلهما من جهته.

١٨٩
كتاب الإكراه
لكنه يسقط الحد في زناها لا زناه) لأنه لما لم یکن الملجىء رخصة له لم یکن غير
الملجیء شبهة له.
فرع: ظاهر تعليلهم أن حكم اللواطة كحكم المرأة لعدم الولد فترخص
بالملجىء، إلا أن يفرق بكونها أشد حرمة من الزنا لأنها لم تبح بطريق ما، ولكون
قبحها عقلياً ولذا لا تكون في الجنة على الصحيح. قاله المصنف (وصح نكاحه
وطلاقه وعتقه) لو بالقول لا بالفعل كشراء قريبه. ابن كمال (ورجع بقيمة العبد
قوله: (لكنه يسقط الحدّ في زناها) أي بغير الملجىء، لأنه لما كان الملجىء رخصة لها
كان غيره شبهة لها قوله: (لأنه لما لم يكن الملجىء له الخ) تعليل لقوله: ((لا زناه)) وإذا
لم يرخص له يأثم في الإقدام عليه، وأما المرأة هل تأثم؟ ذكر شيخ الإسلام: إن أكرهت
على أن تمكن من نفسها فمكنت تأثم، وإن لم تمكن وزنى بها فلا، وهذا لو بملجىء،
وإلا فعليه الحدّ بلا خلاف لا عليها، ولكنها تأثم. هندية قوله: (ظاهر تعليلهم) أي
بأنه لا يرخص للرجل لأن فيه قتل النفس، ويرخص للمرأة لعدم قطع النسب منها
قوله: (أن حكم اللواطة) أي من الفاعل والمفعول ولو برجل ط قوله: (فترخص
بالملجىء) في باب الإكراه من النتف: لو أكره على الزنا واللواطة لا يسعه وإن قتل اهـ.
فمنع اللواطة مع أنها لا تؤدي إلى هلاك الولد ولا تفسد الفراش اهـ. سري الدین.
وظاهر إطلاق النتف يعم الفاعل والمفعول ط. وقد ذكر في المنح أيضاً عبارة النتف
قوله: (لأنها لم تبح بطريق ما) بخلاف الوطء في القبل فإنه يستباح بعقد وبملك، فافهم
قوله: (ولكون قبحها عقلياً) لأن فيها إذلالاً للمفعول ويأبى العقل ذلك، وقد انضم
قبحها العقلي إلى قبحها طبعاً، فإنه محل نجاسة وفرث وإخراج لا محل حرث وإدخال
وطهارة وإلى قبحها شرعاً ط قوله: (وصح نكاحه) فلو أكره عليه بالزيادة بطلت
الزيادة، وأوجبها الطحاوي وقال: يرجع بها على المكره. بزازية قوله: (لو بالقول لا
بالفعل الخ) تبع ابن الكمال في ذكره ذلك هنا، وصوابه ذكره بعد قوله: ((ورجع بقيمة
العبد» لأن الفرق بينهما في الرجوع وعدمه لا في صحة العتق. وعبارة الأشباه سالمة من
هذا الاشتباه حيث قال: أكره على الإعتاق فله تضمين المكره، إلا إذا أكره على شراء
من يعتق عليه باليمين أو بالقرابة اهـ.
وفي البزازية: أكره على شراء ذي رحمه أو من حلف بعتقه وقيمته ألف على أن
يشتري بعشرة آلاف، فاشترى عتق ولزمه ألف لا عشرة، لأن الواجب فيه القيمة لا
الثمن، ولا يرجع بشيء على المكره لأنه دخل في ملكه قبل ما خرج اهـ قوله: (ورجع
بقيمة العبد) يعني في صورة الإكراه على الإعتاق لأنه صلح له آلة فيه من حيث الإتلاف
فانضاف إليه. ابن كمال. والولاء للمأمور لما مر عن الإتقاني، ويرجع بالقيمة عليه ولو

١٩٠
كتاب الإكراه
ونصف المسمى إن لم يطأ، ونذره ويمينه وظهاره ورجعته وإيلاؤه وفيئه فيه) أي في
الإيلاء بقول أو فعل (وإسلامه) ولو ذمياً كما هو إطلاق كثير من المشايخ وما في
الخانية من التفصيل فقياس، والاستحسان صحته مطلقاً، فليحفظ (بلا قتل لو
معسراً لأنه ضمان إتلاف، ولا يرجع المكره على العبد بما ضمن لوجوبه عليه بفعله، ولا
سعاية على العبد. وتمامه في الزيلعي قوله: (ونصف المسمى إن لم يطأ) لأن ما عليه كان
على شرف السقوط بوقوع الفرقة من جهتها بمعصیة کالارتداد وتقبیل ابن الزوج، وقد
تأكد ذلك بالطلاق، فكان تقريراً للمال من هذا الوجه فيضاف تقريره إلى المكره، والتقرير
كالإيجاب فكان متلفاً له فيرجع عليه، وقيد بالمسمى لأنه إن لم يكن مسمى فيه ورجع عليه
بما لزمه من المتعة. ابن كمال. وقيد بقوله: ((إن لم يطأ)) لأنه إن وطىء لا يرجع، لأن
المهر تقرّر هنا بالدخول لا بالطلاق. زيلعي. والمراد بالوطء ما يعم الخلوة، وفيه إشارة إلى
أن الحامل أجنبي، فلو كان زوجة لم يكن لها شيء عليه، وهذا إذا أكرهت بالملجىء،
وأما بغيره فعليه نصف المهر كما في الظهيرية. قهستاني قوله: (ونذره) أي بكل طاعة
كالصوم والصدقة والعتق وغيرها لأنه مما لا يحتمل الفسخ فلا يتأتى فيه أثر الإكراه.
قهستاني. لأنه من اللاتي هزلهنّ جدّ، ولا يرجع على المكره بما لزمه لأنه لا مطالب له في
الدنيا فلا يطالب هو به فيها. زيلعي قوله: (ويمينه وظهاره) أي اليمين على الطاعة أو
المعصية، وذلك لأن اليمين والظهار لا يعمل فيهما بالإكراه، لأنهما لا يحتملان الفسخ
فيستوي فيهما الجد والهزل. زيلعي قوله: (ورجعته) لأنها استدامة النكاح فكانت ملحقة
به. زيلعي قوله: (وإيلاؤه وفيئه فيه) لأن الإيلاء يمين في الحال وطلاق في المآل، والفيء
فيه كالرجعة في الاستدامة، ولو بانت بمضيّ أربعة أشهر ولم يكن دخل بها لزمه نصف
المهر، ولا يرجع على المكره لتمكنه من الفيء في المدة، وكذا الخلع لأنه طلاق أو يمين من
جانب الزوج، وكل ذلك لا يؤثر فيه الإكراه، ثم إن كانت المرأة غير مكرهة لزمها
البدل. زيلعي. وفي البزازية: أكرهت على أن قبلت من الزوج تطليقة بألف وقعت رجعية
ولا شيء عليها قوله: (بقول أو فعل) كذا قال أيضاً في شرحه على الملتقى، والذي في
عامة الكتب كشروح الهداية وشروح الكنز والدرر والمنح تخصيصه القول، ولعل وجهه
كون الكلام فيما لا يؤثر فيه الإكراه من الأقوال، فليس التقييد احترازياً لأن الفعل أقوى
من القول، فإذا لم يحتمل القول الفسخ فالفعل أولى، وهكذا يقال في الرجعة تشمل القول
والفعل لكن الكلام في الأقوال. تأمل قوله: (وما في الخانية من التفصيل) من أنه لو حربياً
يصح ولو ذمياً فلا، ومثله في مجمع الفتاوى عن المبسوط، وجعل المستأمن كالذمي، وبين
في المنح وجه الفرق بأن إلزام الحربي بالإسلام ليس بإكراه لأنه بحق، بخلاف الذمي فإنه
لا يجبر عليه قوله: (والاستحسان صحته مطلقاً) قال الرملي: وقد علم أن العمل على

١٩١
كتاب الإكراه
رجع) للشبهة، كما مر في باب المرتد (وتوكيله بطلاق وعتاق) وما في الأشباه من
خلافه فقياس، والاستحسان وقوعه، والأصل عندنا أن كل ما يصح مع الهزل
جواب الاستحسان إلا في مسائل ليست هذه منها، فيكون المعوّل عليه اهـ. والفرق بينه
وبين الكفر أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وهذا في الحكم، وفيما بينه وبين الله تعالى لا
يصير مسلماً. سائحاني قوله: (وتوكليه بطلاق وعتاق الخ) مقتضاه أنه لو أكره على
التوكيل بالنكاح يصح وينعقد، ولكن لم أره منقولًا. كذا في حاشية أبي السعود على
الأشباه عن حاشية الشيخ صالح. ويخالفه ما في حاشية المنح للرملي حيث قال: أقول: لم
يتعرّض كغيره للنكاح، ولم أر من صرح به، والظاهر أن سكوتهم عنته لظهور أنه لا
استحسان فيه بل هو على القياس اهـ.
أقول: علة الاستحسان تشمل جميع أنواع الوكالة، فإنهم قالوا: القياس أن لا
تصح الوكالة لأنها تبطل بالهزل، فكذا مع الإكراه كالبيع وأمثاله، ووجه الاستحسان أن
الإكراه لا يمنع انعقاد البيع ولكن وجب فساده، فكذا التوكيل ينعقد مع الإكراه،
والشروط الفاسدة لا تؤثر في الوكالة لكونها من الإسقاطات، فإذا لم يبطل نفذ تصرف
الوكيل اهـ. ثم رأيت الرملي نفسه ذكر في حاشيته على البحر في باب الطلاق الصريح أن
الظاهر أنه كالطلاق والعتاق لتصريحهم بأن الثلاث تصح مع الإكراه، ثم ذكر ما قدمناه
ثم قال: فانظر إلى علة الاستحسان في الطلاق تجدها في النكاح فيكون حكمهما واحداً.
تأمل(١) اهـ.
ثم اعلم أن المكره يرجع على المكره استحساناً ولا ضمان على الوكيل، ولو أكره
بملچیء علی توکیل هذا ببيع عبده بألف وعلى الدفع إليه فباع الوكيل وأخذ الثمن فهلك
العبد عند المشتري: وهو والوكيل طائعان ضمن أي الثلاثة شاء، فإن ضمن المشتري لا
يرجع: بالقيمة على أحد بل بالثمن على الوكيل، وإن ضمن الوكيل رجع على المشتري
بالقيمة وهو عليه بالثمن فيتقاصان ويترادان الفضل، وإن ضمن المكره رجع على المشتري
أو على الوكيل، ولو الإكراه بغير ملجىء لم يضمن المكره شيئاً، وإنما للمولى تضمين
الوكيل القيمة ويتقاصّ مع المشتري بالثمن أو تضمين المشتري، ثم لا رجوع للمشتري على
أحد اهـ ملخصاً من الهندية. عن المحيط قوله: (وما في الأشباه من خلافه) وهو عدم
(١) أقول؛ لكن تأمل هذا مع ما يأتي عن الهندية فإن الظاهر أن توكيله ببيع العبد لم يصح مع الإكراه ولذا كان له
تضمين أي الثلاثة شاء ويبعد أن يقال: لا يصح بيع المكره ويصح توكيله بالبيع فعلم أن الاستحسان لا يجري
في جميع أنواع الوكالة فهذا يؤيد ما بحثه الرملي أولًا لكن قد يقال: إن الاستحسان إنما هو من الوكالة على
نحو الطلاق والعتاق مما ليس من المعارضات المالية والحاصل أن المحل محتاج إلى زيادة تحرير وهذا غاية ما
وصل إليه فهمنا القاصر والله تعالى أعلم.

١٩٢
كتاب الإكراه
يصح مع الإكراه، لأن ما يصح مع الهزل لا يحتمل الفسخ، وكل ما لا يحتمل
الفسخ لا يؤثر فيه الإكراه. وعدّها أبو الليث في خزانة الفقه ثمانية عشر، وعديناها
في باب الطلاق نظماً عشرين (لا) يصح مع الإكراه (إيراؤه مديونه أو) إبراؤه
(كفيله) بنفس أو مال، لأن البراءة لا تصح مع الهزل، وكذا لو أكره الشفيع أن
يسكت على طلب الشفعة فسكت لا تبطل شفعته (و) لا (ردته) بلسانه وقلبه مطمئن
بالإيمان (فلا تبین زوجته) لأنه لا يكفر به
الوقوع بطلاق الوكيل وإعتاقه قوله: (يصح مع الإكراه) أي فيما عدا مسألة الوكالة لما
علمت من خروجها عن القياس قوله: (لا يؤثر فيه الإكراه) أي من حيث منع الصحة،
لأن الإكراه يفوت الرضا وفواته يؤثر في عدم اللزوم وعدمه يمكن المكره من الفسخ،
فالإكراه يمكن المكره من الفسخ بعد التحقق، فما لا يحتمل الفسخ لا يعمل فيه الإكراه.
منح. قوله: (وعديناها) صوابه ((عددناها)) لأنه من العد لا من التعدية قوله: (نظماً) هو
لصاحب النهر، وعبارته هناك: نظم في النهر ما يصح مع الإكراه، فقال:
طَلَاقٌ وَإِلَاءٌ ظِهَارٌ وَرَجْعَةٌ نِكَاحٌ مَعَ أَسْتِيلَادِ عَفْوٌ عَنِ العَمْدِ
قَبُولٌ لإِيدَاعِ كَذَا الصُّلْحُ عَنْ عَمْدٍ
رَضَاعٌ وَأَيْمَانٌ وَفَيْءٌ وَنَذْرُهُ
كَذَا العَثْقُ وَالْإِسْلَامُ تَذْبِيرُ لِلْعَبْدِ
طَلَقٌ عَلَىَ جَعْلٍ يَمِینِ بهِ أنّتْ
وَإِنَجَابُ إِحْسَانٍ وَعَتْقٍ فَهَذِهِ تَصِحُّ مَعَ الإِكْرَاهِ عِشْرِينَ فِي العَدِّ
أقول: والتحقيق أنها خمسة عشر للتداخل، ولأن قبول الإيداع ليس منها كما في
النهر، والمذكور منها في عامة الكتب عشرة نظمها ابن الهمام بقوله:
يَصِحُّ مَعَ الإِكْرَاهِ عِثْقٌ وَرَجْعَةٌ نِكَاحٌ وَإِلَاءٌ طَلَاقٌ مُفَارِقُ
وَفَيْءٌ ظِهَارٌ وَاليَمِينُ وَنَذْرُهُ وَعَفْوٌ لِقَثْلٍ شَابَ مِنْهُ مَفَارِقُ
وزدت عليه الخمسة الباقية بقولي:
رَضَاعٌ وَتَذْبِيرٌ قَبُولٌ لِصُلْحِهِ كَذَلِكَ إِلَادٌ وَاْلإِسْلَامُ فَارِقُ
قوله: (أو إيراؤه كفيله) وكذا قبول الكفالة على ما أفتى به الحامدي وغيره، وكذا
قبول الحوالة على ما في حوالة البحر. سائحاني قوله: (لأن البراءة تصح مع الهزل) لأنها
إقرار بفراغ الذمة فيؤثر فيها الإكراه قوله: (لا تبطل شفعته) فإذا زال الإكراه فإن طلب
عند ذلك وإلا بطلت، وكذا لو أكره على تسليمها بعد طلبها لا تبطل. هندية وغيرها
قوله: (ولا ردته الخ) ذكره ليفرع عليه قوله: ((فلا تبين زوجته)) وإلا فقد مر ما يغني عنه
قوله: (لأنه لا يكفر به) ذكر الضمير لأن المراد التلفظ اللساني. قال في الهداية: لأن الردة
تتعلق بالاعتقاد، ألا ترى لو كان قلبه مطمئناً بالإيمان لا يكفر، وفي اعتقاده الكفر شكّ

١٩٣
كتاب الإكراه
والقول له استحساناً.
قلت: وقدمنا على النوازل خلافه فلعله قیاس، فتأمل.
(أکره القاضي رجلاً لیقرّ بسرقة أو بقتل رجل بعمد أو) لیقرّ (بقطع يد رجل
بعمد فأقرّ بذلك فقطعت بده أو قتل) على ما ذكر (إن كان المقرّ موصوفاً بالصلاح
اقتص من القاضي، وإن متهماً بالسرقة معروفاً بها وبالقتل لا) يقتص من القاضي
استحساناً للشبهة. خانية.
(قيل له: إما أن تشرب هذا الشراب أو تبيع كرمك فهو إكراه، إن كان شراباً
لا يحل) كالخمر (وإلا فلا) قنية. قال: وكذا الزنا وسائر المحرمات.
فلا تثبت البينونة بالشك قوله: (والقول له) أي لو ادعت تبدّل اعتقاده وأنكر هو فالقول
له قوله: (استحساناً) والقياس أن يكون القول قولها حتى يفرّق بينهما، لأن كلمة الكفر
سبب لحصول الفرقة، فيستوي فيه الطائع والمكره كلفظة الطلاق. ووجه الاستحسان أن
هذه اللفظة غير موضوعة للفرقة، وإنما تقع الفرقة باعتبار تغير الاعتقاد، والإكراه دليل
على عدم تغيره فلا تقع الفرقة ولهذا لا يحكم عليه بالكفر. زيلعي قوله: (وقدمنا عن
النوازل الخ) الذي قدمه عن النوازل أنه إن ورى بانت قضاء فقط، وإلا مع خطورها بباله
بانت ديانة أيضاً. وقدمنا أنه بقي قسم ثالث: وهو ما إذا لم يخطر بباله شيء أصلاً وأتى
بما أكره به مطمئناً فلا بينونة ولا كفر أصلاً، وصرح الزيلعي بأن هذا هو المراد بالمذكور
في المتن كما قدمناه فلا منافاة أصلاً قوله: (أكره القاضي) قيد به لأنه الذي يقيم الحدود في
العادة، وإلا فكل متغلب كذلك، ولا فرق بين كونه بملجىء أو غيره لما في التاتر خانية
عن التجريد: أكره بضرب أو حبس حتى يقرّ بحدّ أو قصاص فهو باطل، فإن خلاه ثم
أخذه فأقرّ به إقراراً مستقبلاً أخذ به قوله: (على ما ذكر) أي بناء على إقراره مكرهاً قوله:
(وإن متهماً الخ) أي ولا بينة عليه. هندية قوله: (لا يقتص من القاضي استحساناً) ولكنه
يضمن جميع ذلك في ماله كما في الهندية عن المحيط قوله: (للشبهة) أي شبهة أنه فعل ما
أقرّ به مع دلالة الحال عليه قوله: (قبل له الخ) أي أكره بملجىء على فعل أحد هذين
الفعلين قوله: (فهو إكراه) أي فيخير بين الفسخ والإمضاء بعد زوال الإكراه، لأن حرمة
الشرب قطعية فلم يكن راضياً بالبيع. تأمل. وهل يسعه الشرب وترك البيع؟ الظاهر:
نعم، لأن الشرب يباح عند الضرورة. تأمل. وفي الخانية: أكره بالقتل على الطلاق أو
العتاق فلم يفعل حتى قتل لا يأثم، لأنه لو صبر على القتل ولم يتلف مال نفسه يكون
شهيداً، فلأن لا يأثم إذا امتنع عن إبطال ملك النكاح على المرأة كان أولى اهـ قوله: (وكذا
الزنا وسائر المحرمات) أي لو أكرهه على البيع أو الزنا ونحوه فباع يكون مكرهاً، وهذا في
الترديد بين محرم وغيره، ولم يذكر لو ردّد له بين محرمين أو غير محرمين. وفي الخانية: أكره

١٩٤
كتاب الإكراه
(صادره السلطان ولم يعين بيع ماله فباعه صح) لعدم تعينه، والحيلة أن يقول:
من أين أعطي ولا مال لي، فإذا قال الظالم بع كذا فقد صار مكرهاً فيه. بزازية.
(خوّفها الزوج بالضرب حتى وهبته مهرها لم تصح) الهبة (إن قدر الزوج على
الضرب) وإن هددها بطلاق أو تزوّج عليها أو تسرّ فليس بإكراه. خانية. وفي مجمع
الفتاوى: منع امرأته المريضة عن المسير إلى أبويها إلا أن تهبه مهرها فوهبته بعض
المهر فالهبة باطلة، لأنها كالمكره.
قلت: ویؤخذ منه جواب حادثة الفتوى: وهي زوّج بنته البکر من رجل، فلما
أرادت الزفاف منعها الأب، إلا أن يشهد عليها أنها استوفت منه ميراث أمها فأقرّت
ثم أذن لها بالزفاف فلا يصح إقرارها لكونها في معنى المكرهة، وبه أفتى أبو السعود
بملجىء على كفر أو قتل مسلم لم يقد استحساناً، وتجب الدية في ماله في ثلاث سنين إن لم
يعلم أنه يرخص له إجراء الكفرِ مطمئناً، وإن علم: قيل يقتل، وقيل لا، ولو على قتل أو
زنا لا یفعل واحداً منهما لأن كلّا لا يباح بالضرورة، فإن زنی لا يحدّ استحساناً وعلیه المھر،
وإن قتل يقتل الآمر لأنه لا يخرج عن كونه مكرهاً، ولو على قتل أو إتلاف مال الغير له أن
لا يتلف ولو المال أقل من الدية لأنه مرخص لا مباح، فإن قتل يقتل به إذ لا يرخص، وإن
أتلف ضمن الآمر ولو على طلاق قبل الدخول أو عتق غرم الآمر الأقل من قيمة العبد ومن
نصف المهر، وإن كان دخل لا يلزم الآمر شيء اهـ ملخصاً قوله: (صادره السلطان) أي
طالبه بأخذ ماله. قال في القاموس: صادره على كذا: طالبه به قوله: (لعدم تعينه) أي
البيع، إذ يمكنه أداء ما طلبه منه بالاستقراض ونحوه قوله: (والحيلة) أي ليكون بيعه
فاسداً، ولا بد فيه أيضاً من أن يكرهه على التسليم وقبض الثمن، وإلا نفذ البيع كما مر متناً
قوله: (فقد صار مكرهاً فيه) أي في البيع لما مر أن أمر السلطان إكراه وإن لم يتوعده، فافهم
قوله: (بالضرب) قيده في الخانية بالمتلف، والظاهر أنه اتفاقي قوله: (فليس بإكراه) لأن کل
فعل من هذه الأفعال جائز شرعاً، والأفعال الشرعية لا توصف بالإكراه ط .
قلت: نعم، ولكن يدخل عليها غما يفسد صبرها ويظهر عذرها، وقد مر أن البيع
ونحوه يفسد بما يوجب غما بعدم هذه الرضا، ويدل عليه ما يذكره بعده، فإن منع
المريضة عن أبويها ومنع البكر عن الزفاف لا يغمها أكثر من الأفعال، ولكن لا مدخل
للعقل مع النقل. هذا، وقدمنا أن ظاهر قولهم الزوج سلطان زوجته أنه يكفي فيه مجرد
الأمر حيث كانت تخشى منه الأذى. والله تعالى أعلم قوله: (وبه أفتى أبو السعود)
وكذلك الرملي وغيره، ونظمه في فتاواه بقوله:
وَمَانِعٌ زَوْجَتَهُ عَنْ أَهْلِهَا لِتَهَبَ المَهْرَ يَكُونُ مِكْرَها
كَذَاكَ مَنْعُ وَالِدٍ لِبِنْتِهِ خُرُوجَهَا لِبَعْلِهَا مِنْ بَيْتِهِ

١٩٥
كتاب الإكراه
مفتي الروم. قاله المضنف في شرح منظومته تحفة الأقران في بحث الهبة: (المكره بأخذ
المال لا يضمن) ما أخذه (إذا نوى) الآخذ وقت الأخذ (أنه برد على صاحبه وإلا
يضمن، وإذا اختلفا) أي المالك والمكره (في النية فالقول للمكره مع يمينه) ولا
يضمن. مجتبى. وفيه المكره على الأخذ والدفع إنما يبيعه ما دام حاضراً عنده المكره،
وإلا لم يحل لزوال القدرة والإلجاء بالبعد منه، وبهذا تبين أنه لا عذر لأعوان الظلمة في
الأخذ عند غيبة الأمير أو رسوله، فليحفظ.
فروع: أكره على أكل طعام نفسه: إن جائعاً لا رجوع، وإن شبعاناً رجع
بقيمته على المكره لحصول منفعة الأكل له في الأول لا الثاني.
قال أهل الحرب لنبيّ أخذوه: إن قلت لست بنبيّ تركناك وإلا قتلناك لا
يسعه قول ذلك، وإن قيل لغير نبي إن قلت هذا ليس بنبيّ تركنا نبيك وإن قلت
نبي قتلناه وسعه لامتناع الكذب على الأنبياء.
ثم قال: وأنت تعلم أن البيع والشراء والإجارة كالإقرار والهبة، وأن كل من
يقدر على المنع من الأولياء كالأب للعلة الشاملة فليس قيداً، وكذلك البكارة ليست قيداً
كما هو مشاهد في ديارنا من أخذ مهورهن كرهاً عليهن حتى من ابن ابن العم وإن
بعد، وإن منعت أضرّ بها أو قتلها اهـ قوله: (المكره بأخذ المال) الأولى التعبير بعلى ط
قوله: (لا يضمن) بل الضمان على الآمر قوله: (فالقول للمكره مع يمينه) لإنكاره
الضمان ومثله لو أكره على قبول الوديعة أو الهبة وقال: قبضتها لأردها إلى مالكها كما
في الخانية قوله: (ما دام حاضراً عنده المكره) قال في الهندية عن المبسوط: فإن كان
أرسله ليفعل فخاف أن يقتله إن ظفر به إن لم يفعل لم يحل، إلا أن يكون رسول الآمر
معه على أن يرده عليه إن لم يفعل، ولو لم يفعل حتى قتل كان في سعة إن شاء الله
تعالى، ولو هدده بالحبس أو القيد لم يسعه الإقدام اهـ قوله: (لزوال القدرة والإلجاء
بالبعد) لكن يخاف عوده، وبه لا يتحقق الإكراه. بزازية قوله: (إن جائعاً لا رجوع) فإن
قلت: يشكل بما لو كان الطعام للغير حيث يضمن الآمر مع أن النفع للمأمور. قلت:
هناك أكل طعام الآمر، لأن الإكراه على الأكل إكراه على القبض لعدم إمكانه بدونه،
فكأنه قبضه وقال له كل، وهنا لا يمكن جعل الآمر غاصباً قبل الأكل، لأنه لا يمكن
وهو في يده أو فمه فصار آكلاً طعام نفسه، إلا أنه إن كان شبعاناً فقد أکره على إتلاف
ماله فيضمن الآمر. بزازية ملخصاً قوله: (وإن شبعاناً) صرفه لأن مؤنثه قابل للتاء كما
في القاموس، فافهم قوله: (لامتناع الكذب على الأنبياء) تعليل لقوله: ((لا يسعه)) أي
لأن قول النبي حجة على الخلق فلا يباح الكذب، بخلاف غيره فلذلك يسعه. خانية

١٩٦
كتاب الولاء
قال حربي لرجل: إن دفعت جاريتك لأزني بها دفعت لك ألف أسير لم يحل.
أقرّ بعتق عبده مكرها لم يعتق في الأصح، وهل الإكراه بأخذ المال معتبر شرعاً؟
ظاهر القنية نعم. وفي الوهبانية: [الطويل]
إِنْ يَقُلِ المَدْيُونِ إِنِّ مُرَافِعٌ لِتُبرىءَ فَالإِكْرَاهُ مَعْنَى مُصَوَّرُ
وصح قوله ((إني مرافع الخ)) قد غيرت بيت الوهبانية إلى قولي: الطويل
وَإِنْ يَقُلِ المَدْيُونُ إِنْ لَمْ تَبْهُ لي أُرَافِعْكَ فِالإِكْرَاهُ مَعْنَى مُصَوَّرُ
الاسْتَخسَان إِسْلَامُ مُكْرَهٍ وَلَا قَتْلَ إِنْ يَرْتَدَّ بَعْدُ وَيجِبُرُ
اهـ منه.
قوله: (لم يحل) أي دفع الجارية، لأن هذا ليس إكراهاً حتى يرخص لها الزنا، ولم يكره
على الدفع. وأما الأسارى فالله تعالى قادر على تخليصهم وتصبيرهم على بليتهم ط قوله:
(لم يعتق) لأن الإقرار يفسده الإكراه كما مر، وكذا لو أكره ليقرّ بطلاق أو نذر أو حدّ
أو قطع أو نسب لا يلزمه شيء. خانية قوله: (ظاهر القنية نعم) وعبارتها ف ع متغلب
قال الرجل: إما أن تبيعني هذه الدار أو أدفعها إلى خصمك فباعها منه، فهو بيع مكره
إن غلب على ظنه تحقيق ما أوعده. قال رضي الله تعالى عنه: فهذه إشارة إلى أن الإكراه
بأخذ المال إكراه شرعاً، وفي بط ألفاظ متعارضة الدلالة، ولم أجد فيه رواية إلا هذا
القدر اهـ. وظاهره عدم اشتراط كونه كل المال، وقدمنا عن القهستاني ما يخالفه. وفي
الهندية عن المبسوط: قال الفقيه أبو الليث: إن هدد السلطان وصيّ يتيم بملجىء ليدفع
ماله إليه ففعل لم يضمن، ولو بأخذ مال نفسه إن علم أنه يأخذ بعض ماله ويترك ما
يكفيه لا يسعه، فإن فعل ضمن مثله، وإن خشي أخذ جميع ماله فهو معذور، وإن
أخذه السلطان بنفسه لا ضمان على الوصيّ في الوجوه كلها قوله: (إني مرافع) أي
مرافعك للحاكم: أي وكان ظلماً يؤذي بمجرد الشكاية كما في القنية قوله: (لتبرىء)
ظاهره أنه علة للمرافعة ولا يصح، لأن المعنى إن لم تبرثني أرافعك فالعلة عدم الإبراء،
ويمكن جعله علة لقوله: ((وإن يقل)) لكن كان الظاهر أن يقال ليبرىء بضمير الغائب.
تأمل قوله: (وصح) إلى آخر البيت مكرّر مع قوله المارّ وإسلامه سوى قوله ويجبر: أي
على الإسلام بالحبس. والله سبحانه وتعالى أعلم.

١٩٧
كتاب الحجر
كِتَابُ الْحَجرِ (١)
(هو) لغة: المنع مطلقاً. وشرعاً: (منع من نفاذ تصرف قولي) لا فعلي، لأن
كِتَابُ الْحَجرِ (٢)
أورده بعد الإكره، لأن في كل سلب ولاية المختار عن الجري على موجب
الاختيار، والإكراه أقوى لأن فيه السلب ممن له اختيار صحيح وولاية كاملة فكان
بالتقديم أحرى قوله: (هو لغة المنع) يقال حجر عليه حجراً من باب قتل: منعه من
التصرف، فهو محجور عليه والفقهاء يحذفون الصلة تخفيفاً، ومنه سمي الحطيم حجراً
بالكسر، لأنه منع من الكعبة، وكذا العقل لمنعه من القبائح قوله: (مطلقاً) ولو عن الفعل
أو عما هو مطلوب ط قوله: (وشرعاً منع من نفاذ تصرف قولي) أي من لزومه، فإن عقد
(١) الحجر لغة: بفتح الحاء وهو في اللغة: المنع، ومنه سمي الحرام حجراً بكسر الحاء وفتحها وضمها، ويسمى
العقل حجراً، لكونه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح وتضر عاقبته انظر: الصحاح ٦٢٣/٢، والمصباح المنير
١٩٠/١، لسان العرب ٧٨٤.٧٨٢/٢.
واصطلاحاً:
وعرفه الحنفية بأنه: منع نفاذ تصرف قولي.
وعرفه الشافعية بأنه: المنع من التصرفات المالية.
وعرفه المالكية بأنه: صفة حكمية توجب منع موصوفها من نفوذ تصرفه فيما زاد على قوته، كما توجب منعه
من نفوذ تصرفه في تبرعه بزائد على ثلث ماله.
وعرفه الحنابلة بأنه: منع الإنسان من التصرف في ماله انظر: مجمع الأنهر: ٤٣٧/٢، المهذب للشيرازي ١/
٣٢٨، نهاية المحتاج ٣٥٣/٤، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٢٩٢/٣، أسهل المدارك ١٥٧/١، كشاف
القناع ٤١٧،٤١٦/٣.
(٢) الشريعة الإسلامية إما أمر، وإما نهي وكلاهما يحقق مصحلة العبد فهي إن أمرت فذلك الأمر إنما هو لمصلحة
تجلبها، وإن هي نهت فذلك النهي إنما هو لمفسدة تدفعها لا يشذ عن هذا شيء من أحكامها، وقد بنيت
الشريعة فيما بنيت عليه، على قاعدة التعاون بين الناس على البر والتقوى، وطالبت القوي في إلحاح أن يعين
الضعيف، ويغيث الملهوف، وحتمت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحقيقاً لمصلحة النوع الإنساني وتوفيراً
لأسباب الشفقة والرحمة، ومن هذا كان على العاقل أن يتولى غيره بالنصح والإرشاد وأن يقوم على مصالحه
يحفظها ويعمل عليها، وقد جعلت من مقاصدها الضرورية حفظ المال، وسلكت في سبيل المحافظة عليه طرقاً
شتى من التشريع منها الضمان، ومنها حد السارق، ومنها هذا النوع من الأحكام.
ونعت شديد النعي على ذلك الذي يبعثر ماله ذات اليمين وذات الشمال فيما لذ وطاب وفيما حل وفيما
حرم، و باعدت بينه وبين الإنسان وجعلته أخا الشيطان، ففي آية من القرآن الكريم: ﴿ولا تبذر تبذيراً﴾
[الإسراء ٢٧]. ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً﴾ وشرعت المحافظة على مال
اليتيم، وحرمت الانتفاع به في غير مصلحته ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم
ناراً﴾ وأوصت به خيراً وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً
سديداً﴾. واعتبرت في المجنون عجزاً أولى بالنظر له من السفيه والصغير، ولاحظت في الرقيق عجزاً حكمياً
فجعلت للسيد حق الحجر عليه، ومدت سلطان الزوج على زوجته، فجعلت له فوقها درجة ضرورة أنها
وفرت مالها من أجل الإنفاق عليها من ماله، وجعلت للورثة في مال المورث حقاً ضرورة أن المال من كسب
الكل، وأن لهم فيه يداً مثمرة، وحفظت للدائن حقه في مال المدين فشرعت له حق المنع في تصرف المدين=

١٩٨
كتاب الحجر
الفعل بعد وقوعه لا یمکن رده فلا يتصور الحجر عنه.
قلت: يشكل عليه الرقيق لمنع نفاذ فعله في الحال، بل بعد العتق كما صرح
المحجور ينعقد موقوفاً، والنافذ أعم من اللازم. قهستاني. وقدمنا ما فيه في الإكره.
والحاصل: أن المنع من ثبوت حكم التصرف فلا يفيد الملك بالقبض، وفيه أنه لا
يشمل سوى العقود الدائرة بين النفع والضرّ، مع أن القول قد يلغو أصلاً كطلاق
الصبي، وقد يصح كطلاق العبد، فالمناسب في تعريفه ما في الإيضاح بقوله: وفي اصطلاح
الفقهاء عبارة عن منع مخصوص بشخص مخصوص عن تصرف مخصوص أو عن نفاذه.
وتفصيله أنه منع للرقيق عن نفاذ تصرفه الفعلي الضارّ وإقراره بالمال في الحال، وللصغير
والمجنون عن أصل التصرف القولي إن كان ضرراً محضاً، وعن وصف نفاذه إن كان دائراً
بين الضرر والنفع اهـ. وكتب في هامشه: الحجر على مراتب: أقوى وهو المنع عن أصل
التصرف، ومتوسط وهو المنع عن وصفه وهو النفاذ، وضعيف وهو المنع عن وصف
وصفه وهو كون النفاذ حالاً اهـ. وقد أدخل في التعريف المنع عن الفعل كما ترى، ودخل
فيه نحو الزنا والقتل في حق الصبيّ والمجنون، فإنه محجور عليهما بالنسبة لحكمه، وهو
الحد والقصاص كما في الجوهرة، ويظهر لي أن هذا هو التحقيق، فإنه إن جعل الحجر هو
المنع من ثبوت حكم التصرف فما وجه تقييده بالقولي ونفي الفعلي مع أن لكل حكماً؟
وبهذا يندفع ما استشكله الشارح من أصله، وأما ما علل به من قوله: ((لإن الفعل بعد
وقوعه لا یمکن ردہ) نقول الكلام في منع حکمه لا منع ذاته، ومثله القول لا یمکن رده
بذاته بعد وقوعه بل رد حکمه.
فإن قلت: قيد بالقولي لأن الأفعال لا يحجر عنها كلها فإن ما يوجب الضمان منها
يؤاخذ بها. قلت: وكذلك القول بعضه غير محجور عنه كالذي تمحض نفعاً كقبول الهبة
والهدية والصدقة، إلا أن يفرق بالقلة والكثرة، فليتأمل قوله: (لمنع نفاذ فعله في الحال)
كاستهلاكه للأموال فإنه صدق عليه منع النفاذ في الحال، ومع أنه فعل لا قول، ونفاذه في
المآل لا ينافي وجود المنع في الحال، وإلا لزم أن لا يصح قولنا محجور عن الإقرار مثلاً في
حق المولى، فافهم. وهذا من المنع عن وصف الوصف كما قدمناه قوله: (بل بعد العتق
الخ) أي بل ينفذ بعده، ولأن توقفه كان لحق المولى وقد زال.
= فيما يضر بالدائن، فكان من حق هؤلاء الأولين الذين لا يحسنون لأنفسهم صنعاً، كان من حقهم على
الذين يحسنون أن يتولوا عنهم وجوه التصريف وشتى المعاملات حفظاً لأموالهم وتحقيقاً لمصالحهم، وكان من
حق الشريعة الإسلامية أن تواجه هذا الوضع فتشرع له الأحكام، وتضع له الأسباب، وإلّا فماذا يكون لو
ترك الصبي وشأنه، وخليّ بين المجنون وماله، ولم تمسك بيد قوية أمينة على مال السفيه، ولم تحفظ للدائن
حقه في مال المدين؟ ألا يكون ذلك تسليطاً للكبير أن يستغل صغر الصغير، وتخلية للعاقل أن يستغل جنون
المجنون، وتحريضاً للرشيد أن يستغل سفه السفيه فتضيع أموال هؤلاء؟! وإذا كان الحجر على هذا الوجه كان
كله إصلاحاً للمحجور عليه ومصلحة له وقد جاء بذلك الكتاب والسنة والآثار.

١٩٩
كتاب الحجر
به في البدائع، اللهم إلا أن يقال: الأصل فيه ذلك لكنه أخر لعتقه لقيام المانع،
فتأمل.
(وسببہ صغر وجنون)
ثم اعلم أن الذي يتوقف هو إقراره بالمال كما يأتي، وكذا مطالبته بالمهر ولو تزوّج
بلا إذن مولاه ودخل بها كما ذكره الزيلعي في باب النكاح الرقيق، وكأنه لما كان برضاها
صارت راضية بتأخير المهر. وأما ما ذكره عن البدائع تبعاً لابن الكمال. من أنه لو أتلف
مال الغير لا يؤاخذ به في الحال، فهو المتبادر من التبيين والدرر، ويخالفه ما نقله المصنف
عن ابن ملك من أنه مؤاخذ في الحال بما استهلكه. وسيأتي مثله في المأذون عن العمادية.
قال الرملي: ومثله في النهاية والجوهرة والبزازية والخلاصة والولوالجية. ثم قال: والحاصل
أن النقل مستفيض في هذ المسألة بالضمان في الحال فيباع أو يفديه المولى اهـ ملخصاً ومثله
في الحامدية عن السراج. ثم قال: وفي التاترخانية من الكفالة: فإن كان له كسب يوفى
ذلك من كسبه وإلا تباع رقبته بدين الاستهلاك إلا أن يقضيه المولى اهـ. وفي القنية من باب
أمر الغير بالجناية رامزاً لبكر خواهر زاده: عبد محجور جنى على مال فباعه المولى بعد علمه
بالجناية، فهو في رقبة العبد يباع فيها على من اشتراه، بخلاف الجناية على النفس، وفي
التاترخانية من التاسع من الجنايات: فرق بين الجناية على الآدمي وبين الجناية على المال،
ففي الأول خير المولى بين الدفع والفداء، وفي الثاني خير بين الدفع والبيع اهـ قوله: (اللهم
إلا أن يقال) أي في الجواب عن الإشكال، وهذه الصيغة تؤتى في صدر جواب فيه ضعف
كأنه يطلب من الله تعالى صحته قوله: (الأصل فيه ذلك) أي الأصل في فعله النفاذ في
الحال لما يأتي أن الرقّ ليس بسبب للحجر في الحقيقة قوله: (لكنه) أي النفاذ أخر لعتقه أي
لوقت عتقه أو إليه لقيام المانع وهو حق المولى قوله: (وسببه صغر والجنون)(١) اعلم أن الله
تبارك وتعالى جعل بعض البشر ذوي النهي، وجعل منهم أعلام الدين وأئمة الهدى
ومصابيح الدجى، وابتلى بعضهم بما شاء من أسباب الردى كالجنون الموجب لعدم العقل
والصغر والعته الموجبان(٢) لنقصانه، فجعل تصرفهما غير نافذ بالحجر عليهما، ولولا
ذلك لكان معاملتهما ضرراً عليهما بأن يستجر من يعاملهما مالهما باحتياله الكامل،
(١) وقد تنوعت كلمة العلماء في أسباب الحجر، فبينما نرى بعضهم يحصرها في عدد قليل لم يجاوز ثلاثة، وذلك
إمّا بإدخال الأسباب بعضها في بعض، وإما لأنها لم يثبت كونها سبباً عندهم، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة حيث
قال: إنها ثلاثة الصغر، والجنون، والرق، والأخير على تسمح فيه، فإن الحجر نوع الملك والعبد لا يملك.
نرى البعض الآخر تصل به الأسباب إلى سبعين سبباً كما نقل عن بعض الشافعية.
ونرى آخر أخذ بالقصد بينهما فكانت أسباب الحجر عنده. لم تنحط عن الثلاثة، ولكنها لم تبلغ السبعين.
(٢) (قوله الموجبان) هكذا بخطه ولعل الظاهر الموجبين كما لا يخفى.
-
۔

٢٠٠
كتاب الحجر
يعم القويّ والضعيف كما في المعتوه، وحكمه کمميز کما سيجيء في المأذون (ورق
فلا يصح طلاق صبيّ ومجنون مغلوب) أي لا يفيق بحال، وأما الذي يجنّ ويفيق
فحكمه كمميز.
وجعل من ينظر في مالهما خاصاً كالأب وعاماً كالقاضي، وأوجب عليه النظر لهما،
وجعل الصبا والجنون سبباً للحجر عليهما، كل ذلك رحمة منه ولطفاً والرق ليس بسبب
للحجر في الحقيقة لأنه مكلف محتاج كامل الرأي كالحر غير أنه وما في يده ملك المولى،
فلا يجوز له أن يتصرف لأجل حق المولى والإنسان إذا منع عن التصرف في ملك الغير لا
يكون محجوراً عليه كالحر، لا يقال إنه محجور عليه، مع أنه ممنوع عن التصرف في ملك
الغير، ولهذا يؤخذ العبد بإقراره بعد العتق، لزوال المانع وهو حق المولى ولعدم نفوذه في
الحال وتأخره إلى ما بعد الحرية جعله من المحجور عليهم. زيلعي قوله: (يعم القوي
والضعيف) أشار إلى أن سبب الحجر هو مطلق الجنون كما في الإيضاح، وأراد بالقوي
المطبق وبالضعيف غيره، أو أراد بالقوي القسمين والضعيف العته، فقوله كما في المعتوه
الكاف فيه للتنظير على الأول، وللتمثيل على الثاني تأمل. واختلفوا في تفسير المعتوه
وأحسن ما قيل فيه هو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب
ولا يشتم كما يفعل المجنون. درر قوله: (وحكمه كمميز) أي حكم المعتوه كالصبي
العاقل في تصرفاته وفي رفع التكليف عنه. زيلعي قوله: (فلا يصح طلاق صبي) أين ولو
مميزاً قوله: (ومجنون مغلوب الخ) قد يذكر هذا القيد ويراد به الغلبة على العقل، فيحترز به
عن المعتوه كما وقع في الهداية، حيث قال: ولا يجوز تصرف المجنون المغلوب بحال،
وقد يراد به من صار مغلوباً للجنون، بحيث لا يفيق أي لا يزول عنه ما به من الجنون
قوياً كان أو ضعيفاً، فيدخل فيه المعتوه ويحترز به عمن يجن ويفيض فإنه يجوز تصرفه على
ما يأتي فمن احترز به عن المعتوه فقد وهم لظنه أن المراد في الكلامين واحد مع أن طلاق
المعتوه أيضاً لا يصح. كذا أفاده ابن الكمال وتبعه الشارح قوله: (وأما الذي يجن ويفيق
فحكمه كمميز) ومثله في المنح والدرر وغاية البيان وكذا في المعراج حيث فسر المغلوب
بالذي لا يعقل أصلاً ثم قال: واحترز به عن المجنون الذي يعقل البيع ويقصده فإن
تصرفه كتصرف الصبيّ العاقل على ما يجيء فيتوقف إلى إجازة الولي اهـ. وهذا هو المعتوه
كما قدمناه وبه صرح في الكفاية، وجعله الزيلعي في حال إفاقته كالعاقل والمتبادر منه أنه
کالعاقل البالغ. وبه اعترض الشرنبلالي على الدرر، فلا تتوقف تصرفاته ووفق بينهما
الرحمتي والسائحاني بحمل ما هنا على ما إذا لم يكن تام العقل في حال إفاقته، وما ذكره
الزيلعي على ما إذا كان تام العقل ووفق الشلبي في حاشية الزيلعي بحمل ما هنا على ما إذا
لم يكن لإفاقته وقت معلوم، وما في شرح الزيلعي على ما إذا كان لها وقت معلوم: أي