Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب القضاء
مثل (الثمن) ولو لمنفعة كالأجرة (والقرض) ولو لذمي (والمهر المعجل وما لزمه
بكفالة) ولو بالدرك أو كفيل الكفيل وإن كثروا. بزازية. لأنه التزمه بعقد کالمهر،
هذا هو المعتمد
العبارة، لكن ما ذكره في النهر غير مسلم. أما الأول فلأن المراد بدل مال حصل في يد
المديون، كما سيأتي فيكون دليلاً على قدرته على الوفاء بخلاف ما استهلكه من الغصب.
وأما الثاني فلأنه يحبس في الصلح والخلع كما تعرفه فالأحسن ما فعله الشارح تبعاً للزيلعي
ليفيد أن الأربعة التي في المتن غير قيد احترازي فافهم. لكن الشارح نقض هذا فيما ذكره
بعد كما تعرفه. قوله: (مثل الثمن) شمل الثمن ما على المشتري وما على البائع بعد فسخ
البيع بينهما بإقالة أو خيار، وشمل رأس مال السلم بعد الإقالة وما إذا قبض المشتري
المبيع أولا. بحر. قوله: (كالأجرة) لأنها ثمن المنافع. بحر. فإن المنفعة وإن كانت غير
مال لكنها تتقوم في باب الإجارة للضرورة. قوله: (ولو لذمي) يرجع إلى الثمن والقرض
وكان المناسب ذكره عقب قوله: ((ويحبس المديون)) قال في البحر: أطلقه فأفاد أن المسلم
يحبس بدين الذمي والمستأمن وعكسه اهـ. قوله: (والمهر المعجل) أي ما شرط تعجيله أو
تعورف. نهر. قوله: (وما لزمه بكفالة) استثنى منه في الشرنبلالية كفيل أصله كما لو كفل
أباه أو أمه: أي فإنه لا يحبس مطلقاً لما يلزم عليه من حبس الأب معه، وفي كلام قدمناه
في الكفالة. قوله: (ولو بالدرك) هو المطالبة بالثمن عند استحقاق المبيع وهذا ذكره في
النهر أخذاً من إطلاق الكفالة، ثم قال: ولم أره صريحاً. قوله: (أو كفيل الكفيل)
بالنصب خبر لكان المقدرة بعد ((لو)) فهو داخل تحت المبالغة: أي ولو كان كفيل الكفيل
فدخل تحت المبالغة الأصيل وكفيله. قال في البحر: وأشار المؤلف إلى حبس الكفيل
والأصيل معاً: الكفيل بما التزمه، والأصيل بما لزمه بدلاً عن مال، وللكفيل بالأمر
حبس الأصيل إذا حبس، كذا في المحيط. وفي البزازية: يتمكن المكفول له من حبس
الكفيل والأصيل وكفيل الكفيل وإن كثروا اهـ. قوله (لأنه التزمه بعقد) أي لأن الكفيل
التزم المال بعقد الكفالة وكذا كفيله، وقوله: ((كالمهر)) أي فإن الزوج التزمه بعقد النكاح،
فكل منهما وإن لم يكن مبادلة مال بمال لكنه ملتزم بعقد، والتعليل المذكور لثبوت حبسه
بما ذكر وإن ادعى الفقر، فإن التزامه ذلك بالعقد دليل القدرة على الأداء، لأن العاقل لا
يلتزم ما لا قدرة له عليه فيحبس وإن ادعى الفقر لأنه كالمتناقض لوجود دلالة اليسار
وظهر به وجه حبسه أيضاً بالثمن والقرض، لأنه إذا ثبت المال بيده ثبت غناه به. أفاد
ذلك في الفتح وغيره. والأخير مبني على التمسك بالأصل، فإن الأصل بقاؤه في يده.
قوله: (هذا هو المعتمد) الإشارة إلى ما في المتن من أنه يحبس في الأربعة المذكورة وإن ادعى
الفقر، وهذا أحد خمسة أقوال: ثانيها: ما في الخانية. ثالثها: القول للمديون في الكل:

٦٢
كتاب القضاء
خلافاً لفتوى قاضيخان لتقديم المتون والشروح على الفتاوى. بحر. فليحفظ. نعم
عده في الاختيار لبدل الخلع هنا خطأ فتنبه. وزاد القلانسي: أنه يحبس أيضاً في كل
أي في الأربعة وفي غيرها مما يأتي. رابعها: للدائن في الكل. خامسها: أنه يحكم الزي:
أي الهيئة إلا الفقهاء والعلوية لأنهم يتزيون بزي الأغنياء وإن كانوا فقراء صيانة لماء
وجههم، كما في أنفع الوسائل.
مَطْلَبُ: إِذَا تَعَارَضَ مَا فِي المُتُونِ وَالفَتَاوى فَأَلْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُتُونِ
قوله: (خلافاً لفتوى قاضيخان) حيث قال: إن كان الدين بدلاً عن مال كالقرض
وثمن المبيع فالقول للمدعي، وعليه الفتوى؛ وإن لم يكن بدل مال فالقول للمديون اهـ.
وعليه فلا يحبس في المهر والكفالة.
قال في البحر: وهو خلاف مختار المصنف تبعاً لصاحب الهداية. وذكر الطرسوسي في
أنفع الوسائل أنه: أي ما في الهداية المذهب المفتى به. فقد اختلف الإفتاء فيما التزمه بعقد
ولم يكن بدل، والعمل على ما في المتون، لأنه إذا تعارض ما في المتون والفتاوى فالمعتمد ما
في المتون، كما في أنفع الوسائل، وكذا يقدم ما في الشروح على ما في الفتاوى اهـ.
قلت: وما في الخانية نقل في أنفع الوسائل عن المبسوط أنه ظاهر الرواية. قوله:
(نعم عده في الاختيار لبدل الخلع هنا خطأ) عده بالرفع مبتدأ، واللازم في ((لبدل)) متعلق به
و ((خطأ)) خبر المبتدإ. وفي بعض النسخ: كبدل بالكاف وهو تحريف، وقوله: ((هنا)) أي
فيما يكون القول فيه للمدعي كالمسائل الأربع، وعبارة الاختيار هكذا: وإن قال المدعي
هو موسر وهو يقول أنا معسر، فإن كان القاضي يعرف يساره أو كان الدين بدل مال
كالثمن والقرض أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة وبدل الخلع ونحوه حبسه، لأن الظاهر
بقاء ما حصل في يده والتزامه يدل على القدرة الخ.
ثم اعلم أن ما ذكره الشارح من التخطئة أصلها للطرسوسي في أنفع الوسائل،
وتبعه في البحر والنهر وغيرهما وأقروه على ذلك وذلك غير وارد، وبيان ذلك أن
الطرسوسي ذكر مسألة اختلاف المدعي والمدعى عليه في الفقر وعدمه ونقل عبارات
الكتب، منها كتاب اختلاف الفقهاء للطحاوي: أن كل دين أصله من مال وقع في يد
المديون كأثمان البياعات والقروض ونحوها حبسه، وما لم يكن أصله كذلك كالمهر والخلع
والصلح عن عدم العمد ونحوه لم يحبسه حتى يثبت ملاءته اهـ. ونقل نحوه عن متن البحر
المحيط وغيره، وذكر عن السغناقي وغيره حكاية قول آخر أيضاً، وهو أن كل دين لزمه
بعقد فالقول فيه للمدعي، وكل دين لزمه حكماً لا بمباشرة العقد فالقول فيه للمديون.
قالوا: وهذا القول لا فرق فيه بين ما ثبت بدلًا عن مال أو لا ثم إن الطرسوسي قال: إن
صاحب الاختيار أخطأ، حيث جعل بدل الخلع كالثمن والقرض في أن القول فيه
:

٦٣
كتاب القضاء
عين يقدر على تسليمها كالعين المغصوبة (لا) يحبس (في غيره) أي غير ما ذكر وهو.
تسع صور: بدل خلع، ومغصوب،
للمدعي، وهو مخالف لما نقلناه عن اختلاف الفقهاء للطحاوي ومتن البحر المحيط وغيره،
وأيضاً فإن الخلع ليس بدلاً عن مال، هذا حاصل كلامه. وإذا أمعنت النظر تعلم أنه كلام
ساقط، فإن ما ذكره عن اختلاف الفقهاء ومتن البحر المحيط وغيره هو القول الذي مر
عن قاضيخان، وما ذكره عن السغناقي وغيره هو الذي مشى عليه القدوري ونقله الشارح
عن الدرر والمجمع والملتقى. فالقول الأول: اعتبر في كون القول للمدعي كون الدين بدلاً
عن مال حصل في يد المديون، ولم يعتبر كونه بعقد، ولا شك أن المهر وبدل الخلع
والصلح عن دم العمد وإن كان بعقد لكنه ليس بدل مال فلا يكون القول فيه للمدعي بل
للمديون فلا يحبس فيه. والقول الثاني: اعتبر كون الدين ملتزماً بعقد سواء كان بدل مال
أو غيره، ولا شك أن الخلع ملتزم بعقد كالمهر فيكون القول فيه للمدعي؛ والذين صرحوا
بأن بدل الخلع لا يحبس فيه المديون هم أهل القول الأولى فجعلوه كالمهر لكون كل منهما
ليس بدل مال، وقد علمت أن صاحب الاختيار من أهل القول الثاني، فإنه اعتبر العقد
كما قدمناه عنه، فلذا جعل القول للمدعي في المهر والكفالة والخلع، ويلزم منه أيضاً أن
يكون الصلح عن دم العمد كذلك لأنه بعقد، وحينئذ فاعتراض الطرسوسي على صاحب
الاختيار بما حكاه أهل القول الأول ساقط، فإن صاحب الاختيار لم يقل بقولهم حتى
يعترض عليه بذلك، بل قال بالقول الثاني كبقية أصحاب المتون، غير أنه زاد على المتون
التصريح بالخلع لدخوله تحت العقد، وتبعه في الدرر. كيف وصاحب الاختيار إمام كبير
من مشايخ المذهب، ومن أصحاب المتون المعتبرة، وأما الطرسوسي فلقد صدق فيه قول
المحقق ابن الهمام: إنه لم يكن من أهل الفقه، فافهم واغنم تحقيق هذا الجواب فإنك لا
تجده في غير هذا الكتاب، والحمد لله ملهم الصواب. ثم بعد مدة رأيت في مختصر أنفع
الوسائل للزهيري رداً على الطرسوسي بنحو ما قلنا ولله الحمد. قوله: (لا يحبس في غيره)
أي إن ادعى الفقر كما يأتي. قوله (بدل خلع) الصواب إسقاطه كما علمت من أنه من
القسم الأول. قوله: (ومغصوب) بالجر عطفاً على خلع، وكذا ما بعده: أي وبدل
مغصوب: أي إذا ثبت استهلاكه للمغصوب ولزمه بدله من القيمة أو المثل وادعى الفقر لا
يحبس، لأنه وإن كان مال دخل في يده لكنه باستهلاكه لم يبق في يده حتى يدل على قدرته
على الإيفاء، بخلاف ثمن المبيع فإن المبيع دخل في يده، والأصل بقاؤه كما مر فلذا يحبس
فيه، وبخلاف العين المغصوبة القادر على تسليمها، فإنه يحبس أيضاً على تسليمها كما قدمه
آنفاً عن تهذيب القلانسي، فلا منافاة بينه وبين ما هنا. قال في أنفع الوسائل: وقولهم أو
ضمان المغصوب معناه: إذا اعترف بالغصب وقال إنه فقير وتصادقا على الهلاك أو حبس

٦٤
كتاب القضاء
ومتلف، ودم عمد، وعتق حظ شريك، وأرش جناية، ونفقة قريب، وزوجة،
ومؤجل مهر.
قلت: ظاهره ولو بعد طلاق.
لأجل العلم بالهلاك فإن القول للغاصب في العسرة، هكذا ذكره السغناقي وتاج الشريعة
وحميد الدين الضرير اهـ. قوله: (ومتلف) أي وبدل ما أتلفه من أمانة ونحوها. قوله:
(ودم عمد) أي بدل الصلح عن دم عمد. قال في أنفع الوسائل: معناه أنه لو قتل مورثه
عمداً فصالحه على مال فادعى أنه فقير يكون القول قول القاتل في ذلك لأنه ليس بدلاً عن
مال، وما صرح بهذه أحد سوى الطحاوي في اختلاف الفقهاء، وهو صحيح موافق
للقواعد وداخل تحت قولهم عما ليس بمال اهـ.
قال في البحر: ويشكل جعلهم القول فيه للمديون مع أنه التزمه بعقد اهـ.
أقول: لا إشكال فيه، لأن ذلك مبني على القول بعدم اعتبار العقد، وأن المعتبر هو
كون الدين بدلاً عن مال وقع في يد المديون كما علمته مما نقلناه سابقاً من عبارة
الطحاوي، وهذا القول هو الذي مر عن الخانية، وأما على القول الذي مشى عليه
القدوري وصاحب الاختيار وغيرهما من أصحاب المتون من أن المعتبر ما كان بدلاً عن مال
أو ملتزماً بعقد، وإن لم يكن بدلاً عن مال، فلا شك في دخول هذه الصورة في العقد،
فتكون على هذا القول من القسم الأول الذي يكون القول فيه للمدعي لأنها كالمهر، وإنما
يشكل الأمر لو صرح أحد من أهل هذا القول بأن بدل دم العمد يكون القول فيه
للمديون، مع أنه لم يصرح بذلك أحد إلا الطحاوي القائل بالقول الأول، فعلمنا أنه مبني
على أصله من أنه لا يعتبر العقد أصلاً، فمعارضة أهل القول الثاني بهذا القول غير واردة
والإشكال ساقط كما قررنا نظيره في مسألة الخلع، وبهذا ظهر أن الصواب إسقاط هذه
الصورة أيضاً وذكرها في القسم الأول. قوله: (وعتق حظ شريك) أي لو أعتق أحد
شريكي عبد حصته منه بلا إذن الآخر واختار الآخر تضمينه فادعى المعتق الفقر فالقول
له، لأن تضمينه لم يجب بدلاً عن مال وقع في يده، ولا ملتزماً بعقد حتى يكون دليل
قدرته، بل هو في الحقيقة ضمان إتلاف. قوله: (وأرش جناية) هذا وما بعده مرفوع عطفاً
على ((بدل)) لا على ((خلع)) المجرور، لأن الأرش هو بدل الجناية، والمراد أرش جناية
موجبها المال دون القصاص. قوله: (ونفقة قريب وزوجة) أي نفقة مدة ماضية مقضي بها
أو متراضى عليها، لكن نفقة القريب تسقط بالمضي إلا إذا كانت مستدانة بالأمر، وسيذكر
المصنف مسألة النفقة. قوله (ومؤجل مهر) استشكله في البر بأنه التزمه بعقد: أي فيكون
من القسم الأول؛ لكن جوابه أنه لما علم عدم مطالبته به في الحال لم يدل على قدرته عليه،
بخلاف المعجل شرطاً أو عرفاً. قوله: (قلت ظاهره ولو بعد طلاق) هذا هو المتعين، لأنه

٦٥
٠٨٠٠٠٠
كتاب القضاء
وفي نفقات البزازية: يثبت اليسار بالإخبار هنا بخلاف سائر الديون، لكن أفتى ابن
نجيم بأن القول له بيمينه ما لم يثبت غناه فراجعه. ولو اختلفا فقال المديون ليس
بدل مال وقال الدائن إنه ثمن متاع، فالقول للمديون ما لم يبرهن رب الدين.
طرسوسي بحثاً، وأقره في النهر .
فرع: لا يجبس في دين مؤجل، وكذا لا يمنع من السفر قبل حلول الأجل،
وإن بعذر له السفر معه فإذا حل منعه حتى يوفيه. بدائع. وقدمناه في الكفالة (إن
ادعى) المديون (الفقر) إذ الأصل العسرة (إلا أن يبرهن غريمه على غناه) أي على قدرته
على الوفاء ولو باقتراض
قبل الطلاق أو الموت لا يطالب به فكيف يتوهم حبسه به. قوله: (وفي نفقات البزازية
الخ) الأنسب ذكر هذا عند قول المتن الآتي ((إلا أن يبرهن غريمه على غناه)) وعبارة البزازية
كما في البحر: وإن لم يكن لها بينة على يساره وطلبت من القاضي أن يسأل من جيرانه لا
يجب عليه السؤال، وإن سأل كان حسناً، فإن سأل فأخبره عدلان بيساره ثبت اليسار،
بخلاف سائر الديون حيث لا يثبت اليسار بالإخبار؛ وإن قالا سمعنا أنه موسر أو بلغنا
ذلك لا يقبله القاضي اهـ. قوله: (لكن الخ) فإن قوله: ((ما لم يثبت غناه)) المتبادر منه كونه
بالشهادة، ويمكن أن يقال الثبوت في دين النفقة بالإخبار في غيره بالإشهاد، فعبارته غير
معينة ط .
قلت: لكن قول المصنف الآتي ((إلا أن يبرهن)) يقتضي عدم الفرق. نعم عبارة الكنز
والهداية: إلا أن يثبت، لكن قيده الزيلعي بالبينة. تأمل. قوله: (فالقول للمديون) أي فلا
يحبس إن ادعى الفقر. قوله: (وأقره في النهر) وكذا في البحر، ووجهه ظاهر لإنكاره ما
يوجب حبسه. قوله: (لا يحبس في دين مؤجل) لأنه لا يطالب به قبل حلول الأجل. قوله:
(وإن بعد) أي السفر بحيث يحل الأجل قبل قدومه. قوله: (وقدمناه في الكفالة) أي في
آخرها، وقدمنا هناك ترجيح إلزامه بإعطاء كفيل فراجعه. قوله: (إن ادعى الفقر) قيد
لقوله: ((لا يحبس في غيره)). قوله: (إذ الأصل العسرة) لأن الآدمي يولد فقيراً لا مال له،
والمدعي يدعي أمراً عارضاً، فكان القول لصاحبه مع يمينه ما لم يكذبه الظاهر، إلا أن يثبت
المدعي بالبينة أن له مالاً بخلاف ما تقدم، لأن الظاهر يكذبه. زيلعي. قوله: (أي على
قدرته على الوفاء) أي ليس المراد بالغنى ملك النصاب لأنه يحبس فيما دونه. أفاده في الفتح.
قوله: (ولو باقتراض) في البزازية: لو وجد المديون من يقرضه فلم يفعل فهو ظالم، وفي
كراهية القنية: لو كان للمديون حرفة تفضي إلى قضاء دينه فامتنع منها لا يعذر اهـ. وكل من
الفرعين ينبغي تخريجه على ما يقبل فيه قوله، فإذا ادعى في المهر المؤجل مثلاً أنه معسر ووجد
من يقرضه، أو كان له حرفة توفيه فلم يفعل حبسه الحاكم، لأن الحبس جزاء الظلم، وأما

٦٦
كتاب القضاء
أو بتقاضي غريمه (فيحبسه) حينئذ (بما رأى) ولو يوماً هو الصحيح بل في شهادات
الملتقط. قال أبو حنيفة: إذا كان المعسر معروفاً بالعسرة لم أحبسه؛ وفي الخانية: ولو
فقره ظاهراً سأل عنه عاجلاً وقبل بينته على إفلاسه وخلى سبيله. نهر. وفي البزازية:
قال المديون حلفه أنه ما يعلم أني معسر أجابه القاضي، فإن حلف حبسه بطلبه وإن
نكل خلاه، وأقره المصنف وغيره.
قلت: قدمنا أن الرأي لمن له ملكة الاجتهاد فتنبه (ثم) بعد حبسه بما يراه لو
ما لا يقبل فيه قوله فظلمه فيه ثابت قبل وجود من يقرضه. نهر. قوله: (أو بتقاضي غريمه)
بأن كان له مال علی غریم موسر.
قال في البزازية: فإن حبس غريمه الموسر لا يحبس، وفيها: ولو كان للمحبوس
مال في بلد آخر يطلقه بكفيل اهـ. قوله: (فيحبسه حينئذ) أي حين إذ قام البرهان على
غناه في هذا القسم، وبمجرد دعوى المدعي غناه في القسم الأول كما مر. قوله: (ولو
يوماً) أخذه في البحر من ظاهر كلامهم. قوله: (هو الصحيح) صرح به في الهداية، لأن
المقصود من الحبس الضجر والتسارع لقضاء الدين وأحوال الناس فهي متفاوتة، ومقابله
رواية تقديره بشهرين أو ثلاثة، وفي رواية بأربعة، وفي رواية بنصف حول. قوله: (لم
أحبسه) أي ولو كان الدين ثمناً أو قرضاً كما هو ظاهر الإطلاق، وهو أيضاً مقتضى
عبارة شرح الاختيار التي قدمناها. قوله: (ولو فقره ظاهراً الخ) أفاد أن قوله: ((فيحبسه
بما يرى)) إنما هو حيث كان حاله مشكلاً كما نبه عليه الشارح بعده. وفي شرح أدب
القضاء قال محمد بعد ذكر التقدير: هذا إذا أشكل على أمره أفقير أم غنيّ وإلا سألت عنه
عاجلاً: يعني إذا كان ظاهر الفقر أقبل البينة على الإفلاس وأخلى سبيله اهـ. قوله: (قال
المديون) أي بما أصله ثمن ونحوه، إذ القسم الثاني القول فيه للمديون أنه معسر فلا يحتاج
إلى تحليف الدائن. نعم يتأتى فيه أيضاً إذا أثبت يساره لكنه بعيد، إذ لا يحلف المدعي بعد
البينة. تأمل. قوله: (قلت قدمنا الخ) تقييد لقول المصنف ((فيحبسه بما رأى)) وقدم
الشارح ذلك عند قول المصنف قبل هذا الفصل ((ولا يخير إذا لم يكن مجتهداً)) وقد تبع
الشارح في هذا القهستاني. قال ح: أقول مثل هذا لا يتوقف على كون القاضي مجتهداً كما
لا يخفى اهـ: أي فإن ما يقتضيه حال ذلك المديون من قدر مدة حبسه التي يظهر فيها أنه
لو كان له مال لأظهره، يستوي في علم ذلك المجتهد وغيره بدون توقف على العلم باللغة
والكتاب والسنة متناً وسنداً كما لا يخفى، فالظاهر حمل ما قالوه فيما يفوّض إلى رأي
القاضي من الأحكام، والله سبحانه أعلم. قوله: (ثم بعد حبسه الخ) الظرف متعلق بقول
المصنف الآتي ((سأل عنه)) وقوله: ((لو حاله مشكلًا)) قيد لقوله: («حبسه بما يراه)) وقوله:
((وإلا)) أي إن لم يكن مشكلًا بأن كان فقره ظاهراً، وهذا كله يغني عنه ما قبله. قوله:

٦٧
كتاب القضاء
حاله مشكلاً عند القاضي وإلا عمل بما ظهر. بحر. واعتمده المصنف (سأل عنه)
احتياطاً لا وجوباً من جيرانه، ويكفي عدل بغيبة دائن. وأما المستور فإن وافق قوله
رأي القاضي عمل به، وإلا لا. أنفع الوسائل بحثاً. ولا يشترط حضرة الخصم ولا
لفظ الشهادة إلا إذا تنازعا في اليسار والإعسار. قهستاني.
قلت: لكنها بالإعسار للنفي وهي ليست بحجة
(احتياطاً لا وجوباً) قال شيخ الإسلام: لأن الشهادة بالإعسار شهادة بالنفي فكان للقاضي
أن لا يسأل ويعمل برأيه، ولكن لو سأل مع هذا كان أحوط. زيلعي.
وقال في الفتح: وإلا فبعد مضيّ المدة التي يغلب ظن القاضي أنه لو كان له مال
دفعه وجب إطلاقه إن لم يقم المدعي بينة يساره من غير حاجة إلى سؤال. قوله: (ويكفي
عدل) والاثنان أحوط، وكيفيته أن يقول المخبر إن حاله حال المعسرين في نفقته وكسوته
وحاله ضيقة، وقد اختبرنا حاله في السر والعلانية. بحر عن البزازية. وقيد سماع هذه
الشهادة بما بعد الحبس ومضي المدة، لأنها قبل الحبس لا تقبل في الأصح كما يأتي، وكذا
قبل المدة التي يراها القاضي كما سنذكره. قوله: (بغيبة دائن) أي يكفي ذلك في غيبة
الدائن فلا يشترط لسماعها حضرته، لكن إذا كان غائباً سمعها وأطلقه بكفيل كما في
البحر عن البزازية، وسيأتي مع زيادة: ما لو كان الدين لوقف أو يتيم. قوله: (وأما
المستور الخ) فيه كلام يأتي قريباً. قوله: (ولا يشترط حضرة الخصم) يغني عنه قوله:
(بغيبة دائن)). قوله: (إلا إذا تنازعا الخ) قال في النهر: وقيد في النهاية الاكتفاء بالواحد
بما إذا لم تقع خصومة، فإن كانت كأن ادعى المحبوس الإعسار ورب الدين يساره فلا بد
من إقامة البينة على الإعسار اهـ. ومثله في البحر.
قلت: وهذا مشكل، فإن ما مر من الاكتفاء بعدل لا شك أنه عند المنازعة، إذ لو
اعترف المدعي بفقر المحبوس أو اعترف المحبوس بغناه لم يحتج إلى سؤال ولا إلى إخبار؛ ثم
رأيت في أنفع الوسائل نقل عبارة النهاية المارة بزيادة وهي: فإن شهدا بأنه معسر خلي
سبيله، ولا تكون هذه شهادة على النفي فإن الإعسار بعد اليسار أمر حادث، فتكون شهادة
بأمر حادث لا بالنفي اهـ. فأفاد أن هذه الخصومة بإعسار حادث: يعني إذا أراد حبسه فيما
يكون القول فيه للمدعي بيساره أو في القسم الآخر، وبرهن على يساره بإرث من أبيه منذ
شهر مثلاً، وهو ادعى إعساراً حادثاً فلا بد فيه من نصاب الشهادة، لأنها شهادة صحيحة
لوقوعها على أمر حادث لا على النفي، بخلاف الشهادة على أنه معسر فإنها قامت على نفي
اليسار الذي يحبس بسببه لا على إعسار حادث بعده، أو المراد إقامة البينة على إعساره بعد
حبسه قبل تمام المدة التي يظهر فيها للقاضي عسرته، لكن سيأتي أن سماع البينة قبل المدة
خلاف ظاهر الرواية، فتأمل. قوله: (قلت لكنها الخ) استدراك على التقیید بالعدل في قوله:

٦٨
كتاب القضاء
ولذا لم يجب السؤال أنفع الوسائل، فتنبه (فإن لم يظهر له مال خلاه) بلا كفيل، إلا
في ثلاث: مال يتيم، ووقف، وإذا كان الدائن غائباً، ثم لا يحبسه ثانياً لا للأول
ولا لغيره حتى يثبت غريمه غناه. بزازية. وفي القنية: برهن المحبوس على إفلاسه
فأراد الدائن إطلاقه قبل تفليسه فعلى القاضي القضاء به
((ويكفي عدل)) فقد نقل في أنفع الوسائل عن الخلاصة أنه يسأل عنه الثقات والواحد يكفي،
ولا يشترط لفظ الشهادة، ثم نقل عبارة شيخ الإسلام المارة، ثم قال: فقوله: أي شيخ
الإسلام: هذا ليس بواجب وهذا ليس بحجة، وأن للقاضي أن لا يسأل، يؤيد قولنا أنه لا
يشترط العدالة في هذا الواحد، لأنها تشترط في أمر واجب أو في إثبات حجة شرعية، وإلا
فلا فائدة في اشتراطها لأن القاضي له إخراجه بلا سؤال أحد عنه الخ، وأراد بذلك الرد على
الزيلعي حيث قيد بالعدل في قوله: والعدل الواحد يكفي، وإثبات أن المستور الواحد يكفي
دون الفاسق؛ ثم قال: والأحسن عندي أن يقال: إن كان رأى القاضي موافقاً لقول هذا
المستور في العسرة يقبل، وإلا بأن لم يكن للقاضي رأي في عسرة المحبوس أو يسر به فيشترط
كون المخبر عدلاً اهـ. واستحسنه في النهر وغيره.
· قلت: قد رجع إلى ما قاله الزيلعي من حيث لا يشعر، وذلك أنه إذا كان للقاضي
رأي في عسرته بأن ظهر له حاله لا يحتاج إلى شاهد أصلاً، بل له إخراجه بلا سؤال،
والأحوط السؤال من عدل ليتحقق به ما رآه القاضي ولا يكون بمجرد رأيه، ويظهر من
كلام شيخ الإسلام المار وكذا من كلام الفتح الذي ذكرناه بعده أنه لا يلزمه العمل بقول
ذلك العدل إذا خالف رأيه، وإذا وافق قول المخبر رأي القاضي لا شك أنه يعمل به،
سواء كان المخبر عدلاً أو فاسقاً أو مستوراً، فعلم أن كلام الزيلعي محمول على ما إذا لم
يكن للقاضي رأي بدليل قوله في شرح أدب القضاء: وإذا مضت تلك المدة واحتاج
القاضي إلى معرفة حاله سأل الثقات من جيرانه وأصدقائه الخ، فقوله واحتاج دليل أنه لا
رأي له، فقد ظهر أنه في هذه الصورة تشترط العدالة كما اعترف به الطرسوسي. وفي
الصورة الأولى لا تشترط عدالة ولا غيرها، وإلا لم يكن للقاضي العمل برأيه وإخراج
المحبوس بلا سؤال، وبه ظهر سقوط هذا البحث من أصله، فافهم واغتنم هذا التحرير.
قوله: (ولذا لم يجب السؤال) أي سؤال القاضي عن حال المحبوس، وإنما يسأل احتياطاً
كما مر. قوله: (فإن لم يظهر له مال خلاه) أي أطلقه من الحبس جبراً على الدائن. نهر.
ثم إن إطلاقه بإخبار واحد لا يكون ثبوتاً، حتى لا يجوز أن يقول هذا القاضي ثبت عندي
أنه معسر، ولا ينقل ثبوته إلى قاضٍ آخر، بل هذا يختص بهذا القاضي. أنفع الوسائل.
وأقره في البحر والنهر. قوله: (ووقف) ذكره في البحر بحثاً إلحاقاً باليتيم. قوله: (فعلى
القاضي القضاء به) أي إذا أبى المحبوس أن يخرج حتى يقضي بإفلاسه كما في البحر

٦٩
كتاب القضاء
حتی لا یعیده الدائن ثانياً .
فرع: أحضر المحبوس الدين وغاب ربه يريد تطويل حبسه إن علمه وقدره
أخذه أو كفيلاً وخلاه خانية. وفي الأشباه: لا يجوز إطلاق المحبوس إلا برضا
خصمه، إلا إذا ثبت إعساره أو أحشر الدين للقاضي في غيبة خصمه (ولو قال) من
يراد حبسه (أبيع عرضي وأقضي ديني أجله القاضي) يومين أو (ثلاثة أيام ولا)
يحبسه لأن الثلاثة مدة ضربت لإبلاء الأعذار (ولو له عقار يحبسه) أي (ليبيعه
ويقضي الدين) الذي عليه (ولو بثمن قليل) بزازية. وسيجيء تمامه في الحجر
وغيره. قوله: (حتى لا يعيده الدائن ثانياً) أي قبل ظهور غناه. بحر. والظاهر أن المراد
أن لا يعيده قاض آخر، لأن الأول ظهر له حاله فكيف يعيده إلى الحبس، بل لا يعيده لا
لهذا الدائن ولا لغيره حتى يثبت غناه كما هو صريح عبارة البزازية المذكورة، وأيضاً إذا
ثبت إعساره الحادث بشهادة تامة بعد خصومة كما مر فليس لقاض آخر حبسه ثانياً فيما
يظهر لأنه يكون ثبوتاً فيتعدى، بخلاف ما إذا أطلقه بإخبار واحد. تأمل. وقدم الشارح
في الوقف في صور من ينتصب خصماً عن غيره عدّ منها المديون إذا أثبت إعساره في وجه
أحد الغرماء. قوله: (يريد تطويل حبسه) الظاهر أنه قيد باعتبار العادة، وإلا ففي غيبته
تطويل حبسه وإن لم يرد ذلك، ولذا لم يقيد بذلك في عبارة الأشباه الآتية. أفاده ط.
قوله: (وقدره) بالنصب عطفاً على الضمير المنصوب في ((علمه)). قوله: (أو كفيلاً) أي
بالمال أو النفس. قوله: (إلا إذا ثبت إعساره) المناسب إسقاط ((إلا)) وعطفه بأو، والمراد
بالثبوت الظهور ولو برأي القاضي أو إخبار عدل كما مر. قوله: (أبيع عرضي) انظر ما
فائدة التقييد بالعرض، فإن العقار كذلك فيما يظهر، وكذا لو قال أمهلني ثلاثاً لأدفعه
كما قدمناه عن شرح الوهبانية، وهذا أعم من أن يدفعه ببيع عرض أو عقار باستقراض
أو استيهاب أو غير ذلك، ولا داعي إلى ما قاله المصنف في المنع من حمله على المقيد هنا
كما لا يخفى. قوله: (لإبلاء الأعذار) أي لاختبار مدعيها، ويحتمل أن الهمزة للسلب،
والإبلاء بمعنى الإفناء: أي لإزالة الأعذار: يعني أنه لا عذر له بعدها فالثلاثة تبلي
الأعذار وتفنيها ط. قوله: (وسيجيء تمامه في الحجر) قال المصنف والشارح هناك:
والقاضي يحبس الحرّ المديون ليبيع ماله لدينه وقضى دراهم دينه من دراهمه: يعني بلا
أمره، وكذا لو كانا دنانير وباع دنانيره بدراهم دينه وبالعكس استحساناً لاتحادهما في الثمنية
لا يبيع القاضي عرضه ولا عقاره للدين خلافاً لهما وبه: أي بقولهما يبيعهما للدين
يفتى. اختيار. وصححه في تصحيح القدوري ويبيع كل ما لا يحتاجه للحال اهـ.
وحاصله: أنه إذا امتنع عن البيع يبيع عليه القاضي عرضه وعقاره وغيرهما. وفي

٧٠
كتاب القضاء
(ولم يمنع غرماءه عنه) على الظاهر فيلازمونه نهاراً لا ليلاً، إلا أن يكتسب فيه
ويستأجر للمرأة مرأة تلازمها. منية.
فرع: لو اختار المطلوب الحبس والطالب الملازمة ففي حجر الهداية: يخبر
الطالب إلا لضرر، وكلفه في البزازية الكفيل بالنفس وللطالب ملازمته بلا أمر قاض
لو مقراً بحقه (ولا يقبل برهانه على إفلاسه قبل حبسه) لقيامها على النفي،
البزازية: وفرّع على صحة الحجر أنه يترك له دست من الثياب ويباع الباقي وتباع الحسنة
ويشتري له الكفاية ويباع كانون الحديد ويشتري له من طين ويباع في الصيف ما يحتاجه
للشتاء وعكسه. قوله: (ولم يمنع غرماءه عنه) عطف على قوله: ((خلاه)) وكان ينبغي ذكره
عقبه. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية وهو الصحيح. بحر.
مَطْلَبٌ فِي مُلَزَمَةِ المَدْیُونِ
قوله: (فيلازمونه الخ) قال في أنفع الوسائل: وبعد ما خلى القاضي سبيله فلصاحب
الدين أن يلازمه في الصحيح. وأحسن الأقاويل في الملازمة ما روي عن محمد أنه قال:
يلازمه في قيامه وقعوده ولا يمنعه من الدخول على أهله ولا من الغداء والعشاء والوضوء
والخلاء، وله أن يلازمه بنفسه وإخوانه وولده ممن أحب اهـ. وتمامه في البحر. قوله: (لا
ليلًا) لأنه ليس بوقت الكسب فلا يتوهم وقوع المال في يده، فالملازمة لا تفيد بحر عن
المحيط. ویظهر منه أنه ليس له الملازمة في وقت لا يتوهم وقوع المال في يده فیه كما لو
كان مريضاً مثلاً. تأمل. وأنه ليس له ملازمته ليلاً على قصد الإضجار، لأن الكلام فيما
بعد ظهور عسرته وتخليته من الحبس والعلة في الملازمة إمكان قدرته على الوفاء بعد تخليته
فيلازمه كي لا يخفيه. قوله: (ويستأجر للمرأة مرأة تلازمها. منية) عبارة منية المفتي: ولو
كان المدعى عليه امرأة قيل يستأجر امرأة تلازمها وقيل له أن يلازمها ويجلس معها ويقبض
على ثيابها بالنهار، أما بالليل فتلازمها النساء، فإن هربت ودخلت خربة لا بأس أن يدخل
الرجل إذا كان يأمن على نفسه في ذلك ويكون بعيداً منها ويحفظها بعينه اهـ. ونقل الثاني
في البحر عن الواقعات معللاً بأن له ضرورة في هذه الخلوة: أي الخلوة بالمرأة الأجنبية.
قوله: (إلا لضرر) عبارة الهداية: إلا إذا علم القاضي أن بالملازمة يدخل عليه ضرر بين
بأن لا يمكنه من دخول داره، فيحنئذ يحبسه دفعاً للضرر اهـ.
قلت: والظاهر أن هذا فيمن لم يظهر للقاضي عسرته بعد حبسه، وإلا فكيف يحبس
ثانياً بلا ظهور غناه أو هو مفروض فيما قبل الحبس أصلاً. قوله: (وكلفه في البزازية
الكفيل بالنفس) الأولى بكفيل بالباء، وعبارة البزازية نقلًا عن الإمام محمد: وإن في
ملازمته ذهاب قوله وعياله أكلفه أن يقيم كفيلاً بنفسه ثم يخلى سبيله. قوله: (ولا يقبل
برهانه على إفلاسه قبل حبسه الخ) هذا مقابل قوله ثم بعد حبسه سأل عنه، وقد اختلف

٧١
كتاب القضاء
وصححه عزمي زاده وصحح غيره قبولها، والمعوّل عليه رأيه كما مر، فإن علم
إعساره قبلها وإلا لا. نهر فليحفظ (وبينة يساره أحق) من بينة إعساره بالقبول،
التصحيح في هذه المسألة: ففي الخانية عن ابن الفضل أن الصحيح القبول، وفي شرح
أدب القضاء أن الصحيح عدمه، وأن عليه عامة المشايخ. واختار في الخانية أنه مفوض إلى
رأي القاضي، فإن رأى أنه لين يقبل، وإن علم أنه وقح لا. قال في أنفع الوسائل: وكأنه
أراد بقوله: ((لين)) أن يعتذر إليه ويتلطف معه، وبقوله: ((وقح)) أن يقول لو قعدت في
الحبس كذا وكذا، لا يحصل لك مني شيء وآخرتي أخرج على رغمك ونحو ذلك. ثم
قال: وكان والدي يقول: ينبغي للقاضي إذا علم أن بينته عدول ممهدون في العدالة يقبل.
قال: وهذا حسن أيضاً وعملي عليه، لأن العدل المتحري لا يشهد ما لم يقطع بفقره،
بخلاف غيره ممن يحتاج إلى تزكية ولا يعرف القاضي تحريه ولا ديانته اهـ ملخصاً. وبقي ما
إذا برهن على إفلاسه بعد حبسه قبل مضي المدة، وفي الخانية لا يقبل في الروايات الظاهرة
إلا بعد مضي المدة اهـ. ومشى الإمام الخصاف في أدب القضاء على قبولها قبل مضي
المدة. قوله: (وصححه عزمي زاده) ليس هو من أهل التصحيح ولكنه نقل عن الزيلعي
أن عليه عامة المشايخ.
قلت: وعليه الكنز وغيره، وعلمت التصريح بتصحيحه، وعلله الزيلعي بأنها بينة
على النفي فلا تقبل ما لم تتأيد بمؤبد وهو الحبس، وبعده تقبل على سبيل الاحتياط لا على
الوجوب كما بينا اهـ. قوله: (والمعول عليه رأيه) أي رأي القاضي.
واعلم أن كلام النهر هنا غير محرر، فإنه قال بعد تعليل الزيلعي المذكور آنفاً:
والمعول عليه رأيه كما مر عن شيخ الإسلام، وهذا هو إحدى الروايتين وهو اختيار العامة
وهو الصحيح. قال ابن الفضل: الصحيح أنها تقبل. وقال قاضيخان: ينبغي أن يكون
مفوضاً إلى رأي القاضي: إن علم يساره لا يقبلها، وإن علم إعساره قبلها اهـ. وبقي ما
إذا لم يعلم من حاله شيئاً والظاهر أنه لا يقبلها اهـ ما في النهر. وفيه أن ما مر عن شيخ
الإسلام هو ما قدمناه عنه في سؤال عن حالة المحبوس بعد تمام المدة وأنه لا يجب بل له
أن يعمل بما يراه، ولا يخفى أن كلامنا هنا فيما قبل الحبس، وما نقله عن قاضيخان غير
ما قدمناه عنه آنفاً، ولا يخفى ما فيه، فإنه إذا علم إعساره وكان ظاهراً يسأل عنه عاجلًا
ويقبل بينته ويخلي سبيله كما قدمه الشارح والكلام هنا فيما إذا كان أمره مشكلاً كما في
البزازية، حيث قال: وإن كان أمره مشكلاً هل يقبل البينة قبل الحبس؟ فيه روايتان.
مَطْلَبٌ بَيَّةُ اليَسَار أَحَقُّ مِنْ بَيَّنَةِ الإِعْسَارِ عِنْدَ التَّعَارُضِ
قوله: (وبينة يساره أحق الخ) هذا ظاهر فيما يكون فيه القول للمديون إنه فقير،
لأن البينة لإثبات خلاف الظاهر وذلك في بينة اليسار. أما القسم الأول وهو ما يكون

٧٢
كتاب القضاء
لأن اليسار عارض والبينات للإثبات. نعم لو بين سبب إعساره وشهدوا به فتقدم
لإثباتها أمراً عارضاً. فتح بحثاً. واعتمده في النهر. وفي القنية: إن لم يبينوا مقدار ما
يملك قبلت
وإلا لم يمكن قبولها لأنها قامت للمحبوس وهو منكر، والبينة متى قامت للمنكر لا
القول فيه للمدعي بأن كان الدين ملتزماً بمقابلة مال أو بعقد فلا يظهر، لأن الأصل فيه
اليسار، بل الظاهر تقدم بينة الإعسار لإثباتها خلاف الظاهر، ولم أر من فصل بل كلامهم
هنا مجمل، فليتأمل. قوله: (لأن اليسار عارض) فإن الآدمي يولد ولا مال له كما مر،
لكن إذا تحقق دخول المبيع في يده صار اليسار هو الأصل فينبغي ترجيح بينة الإعسار كما
قلنا. تأمل. قوله: (نعم لو بين الخ) عبارة الفتح هكذا: وكلما تعارضت بينة اليسار
والإعسار قدمت بينة اليسار لأن معها زيادة علم، اللهم إلا أن يدعي أنه موسر وهو
يقول أعسرت من بعد ذلك وأقام بذلك بينة فإنها تقدم، لأن معها علماً بأمر حادث وهو
حدوث ذهاب المال اهـ.
قال في البحر: والظاهر أنه بحث منه، وليس بصحيح لجواز حدوث اليسار بعد
إعساره الذي ادعاه اهـ ورده المقدسي بقوله: وهذا تجرّ من غير تحر (١) اهـ.
قلت: ووجهه أولاً منع كونه بحثاً بل ظاهر كلام الفتح أنه منقول، كيف وهو
موافق لما قدمناه عن أنفع الوسائل عن النهاية عند قول الشارح ((إلا إذا تنازعا)) وثانياً ما
قاله في النهر: من أنه ينبغي أن يكون معناه أنه بين سبب الإعسار وشهدوا به؛ وما في
البحر مدفوع بأنهم لم يشهدوا بيسار حادث، بل بما هو سابق على الإعسار الحادث، وبينة
الإعسار تحدث أمراً عارضاً اهـ. لكن يظهر لي أن بيان سبب الإعسار غير لازم، بل يكفي
قولهم إنه أعسر بعد ذلك. تأمل.
تنبيه: قال البيري وفي أوضح رمز ناقلاً عن المستصفى: واعلم أن بينة الإعسار إنما
تقبل إذا قالوا إنه كثير العيال وضيق الحال، أما إذا قالوا لا مال له لا تقبل اهـ. قوله:
(فتقدم) الأولى حذف الفاء ط. قوله: (قبلت) لأن المقصود منها دوام الحبس عليه. بحر
عن البزازية. قوله (وإلا الخ) أي بأن بينوا مقدار ما يملك لم يمكن قبولها. قوله (لأنها
قامت للمحبوس الخ) أي على إثبات ملكه لقدر معين. قال في القنية: وقولهم: أي
الشهود إنه موسر کذلك فیقبل اهـ.
قلت: وحاصله أن الشهود لو قالوا إنه يملك الشيء الفلاني مثلاً لا تقبل، لأنه
يقول لا أملك شيئاً وهم يشهدون له بأن ذلك الشيء ملكه، والبينة لا تقبل للمنكر بل
(١) في ط قوله (وهذا تجر من غير تحرّ) الأول بالجيم من الجراءة، وهي الإقدام على الشيء بلا ترو، والثاني بالحاء
المهملة، وهو طلب الأمر الأحرى: أي الأوفق.

٧٣
كتاب القضاء
تقبل (وأبد حبس الموسر) لأنه جزاء الظلم.
قلت: وسيجيء في الحجر أنه يباع ماله لدينه عندهما، وبه يفتى، وحينئذ فلا
يتأبد حبسه، فتنبه (ولا يحبس لما مضى من نفقة زوجته وولده) إذا ادعى الفقر وإن
قضى بها لأنها ليست بدل مال ولا لزمته بعقد على ما مر، حتى لو برهنت على
يساره حبس بطلبها (بل يجبس إذا) برهنت على يساره بطلبها كما لو (أبى أن ينفق
عليهما) أو على أصوله
تقبل عليه، وهذه شهادة له صريحاً وتتضمن الشهادة عليه بيساره إدامة حبسه، وإذا بطل
الصريح بطل ما في ضمنه، بخلاف قولهم إنه موسر فإنها شهادة عليه صريحاً، وإن كان
قولهم إنه موسر يتضمن الشهادة بأنه يملك قدر الدين أو أكثر فإنها ليست بشهادة له، إذ
ليس فيها إثبات شيء معين أو مقدار قدر الدين لأن اليسار أعم، وأيضاً فإنها ضمنية لا
صريحة، بل الصريح منها قصد إدامة حبسه، فافهم. قوله (وسيجيء في الحجر) قدمنا
عبارته فيه. قوله: (وحينئذ فلا يتأبد حبسه) أي على قولهما، وكذا على قوله إن كان ماله
غير عقار ولا عرض بل كان من الأثمان ولو خلاف جنس الدين كما قدمناه. قوله: (ولا
يجبس لما مضى الخ) اعلم أن نفقة الزوجة لا تصير ديناً على الزوج إلا بالقضاء أو الرضا،
فإذا مضت مدة قبل القضاء أو الرضا سقطت عنه، والمراد بالمدة شهر فأكثر، وكذا نفقة
الولد الصغير الفقير، وأما نفقة سائر الأقارب فإنها تسقط بالمضيّ، ولو بعد القضاء أو
الرضا، إلا إذا كانت مستدانة بأمر قاض فلا تسقط بالمضي، هذا حاصل ما قدمه الشارح
في النفقات. لكن ما ذكره من كون الصغير كالزوجة نقله هناك عن الزيلعي، وقدمنا هناك
أنه مخالف لإطلاق المتون والشروح، ولما صرح به في الهداية والذخيرة وشرح أدب القضاء
والخانية من أن نفقة الولد والوالدين والأرحام إذا قضى بها ومضت مدة سقطت. قوله
(وإن قضى بها) أفاد أنه إذا لم يقض بها لا يحبس بها بالأولى لأنها لم تصر ديناً أصلاً، وأما
إذا قضى بها ومثله الرضا فلأنها ليست بدل مال ولا ملتزمة بعقد على ما مر: أي في قوله:
لا يحبس في غيره إن ادعى الفقر كما مر تقريره. قوله: (حتى لو برهنت الخ) المناسب
حذفه والاقتصار على ما بعده لئلا يتكرر. قوله (حبس بطلبها) أي بطلبها حبسه إن كانت
النفقة مقضياً بها أو متراضى عليها. قوله: (كما لو أبى أن ينفق عليهما) أي كما يحبس
الموسر لو امتنع من الإنفاق على زوجته وولده الفقير الصغير كما في السراج، وفهم في
البحر أنه قيد احترازي عن البالغ الزمن الفقير، وقال: وفيه تأمل لا يخفى. قال في المنح:
وليس كذلك، فإنه في معنى الصغير كما لا يخفى، فيحبس أبوه إذا امتنع من الإنفاق عليه
كما هو الظاهر اهـ.
وفي الفتح: ويتحقق الامتناع بأن تقدمه في اليوم الثاني من يوم فرض النفقة، وإن
:

٧٤
كتاب القضاء
وفروعه فيحبس إحياء لهم. بحر.
قلت: وهل يحبس لمحرمه لو أبى؟ لم أره، وظاهر تقييدهم لا، لكن ما مر
عن الأشباه لا يضرب المحبوس إلا في ثلاث يفيده، فتأمل عند الفتوى، وسيجيء
حبس الولي بدين الصغير (لا) يحبس (أصل) وإن علا (في دين فرعه) بل يقضي
القاضي دينه
كان مقدار النفقة قليلاً كالدانق إذا رأى القاضي ذلك، فأما بمجرد فرضها لو طلبت حبسه
لم يحبسه، لأن العقوبة تستحق بالظلم، وهو بالمنع بعد الوجوب ولم يتحقق، وهذا يقتضي
أنه إذا لم يفرض لها ولم ينفق الزوج عليها في يوم ينبغي إذا قدمته في اليوم الثاني أن يأمره
بالإنفاق، فإن رجع فلم ينفق أوجعه عقوبة، وإن كانت النفقة سقطت بعد الوجوب فهو
ظالم لها، وهو قياس ما أسلفناه في باب القسم من قولهم: إذا لم يقسم لها فرافعته يأمره
بالقسم وعدم الجور، فإن ذهب ولم يقسم فرافعته أوجعه عقوبة، وإن كان ما ذهب لها
من الحق لا يقضى ويحصل به ضرر كبير اهـ. قوله: (وفروعه) أي وبقية فروعه كالإناث
والولد البالغ الزمن، وهذا بناء على ما مر من أن الصغير غير قيد. قوله: (وهل يحبس
لمحرمه لو أبى لم أره) أصل التوقف لصاحب الشرنبلالية.
قلت: إذا حبس الأب فغيره بالأولى، مع أنا قدمنا في آخر النفقات التصريح بذلك
عن البدائع فإنه قال: ويحبس في نفقة الأقارب كالزوجات، أما غير الأب فلا شك فيه،
وأما الأب فلأن في النفقة ضرورة دفع الهلاك عن الولد ولأنها تسقط بمضيّ الزمان، فلو
لم يحبس سقط حق الولد رأساً فكان في حبسه دفع الهلاك واستدراك الحق عن الفوات،
لأن حبسه يحمله على الأداء اهـ. وقدمنا هناك أن هذا خلاف ما عزاه الشارح إلى البدائع.
قوله: (وظاهر تقييدهم) أي بالولد، فإن عبارة الكنز وغيره: ويحبس الرجل بنفقة زوجته
لا في دين ولده، إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه، ولا يخفى أنها لا تفيد عدم الحبس في نفقة
غير الولد. قوله: (لكن ما مر) أي في أول الباب. قوله: (يفيده) أي يفيد حبسه بالامتناع
عن نفقة القريب المحرم حيث عبر بالمحبوس. قوله: (فتأمل عند الفتوى) أي حيث حصل
الاضطراب في فهم هذا الحكم من كلامهم فلا تعجل في الفتوى.
قلت: وبما نقلناه عن البدائع زال الاضطراب واتضح الجواب، فافهم. قوله:
(وسيجيء) أي في آخر الباب، ويأتي الكلام عليه. قوله: (لا يحبس أهل الخ) أي ولو
جد الأم لأنه لا قصاص عليه بقتل ولد بنته، فكذا لا يحبس بدينه، وقيد بالأصل لأن
الولد يحبس بدين أصله، وكذا القريب بدين قريبه كما في الخانية. بحر. وسيذكر الشارح
آخر الباب نظماً جماعة ممن لا يحبس وسيأتي عدتهم عشرة. قوله: (بل يقضي القاضي الخ)
أفاد أنه لا فرق في عدم الحبس بين الموسر والمعسر، لكن يبيع القاضي مال الأب لقضاء

٧٥
كتاب القضاء
من عين ماله أو قيمته، والصحيح عندهما بيع عقاره كمنقوله. بحر فليحفظ (ولا
يستخلف قاض) نائباً (إلا إذا فوّض إليه) صريحاً كولّ من شئت أو دلالة كجعلتك
قاضي القضاة، والدلالة هنا أقوى لأن في الصريح المذكور يملك الاستخلاف لا
العزل، وفي الدلالة یملکهما
دين ابنه إذا امتنع، لأنه لا طريق له إلا البيع وإلا ضاع. أفاده في البحر. وذكر في جواهر
الفتاوى: لا يحبس الأب إلا إذا تمرّد على الحاكم اهـ. لكن ما ذكر من أن القاضي يقضي
دينه يغني عن حبسه ذكره الرملي عن المصنف. قوله: (من عين ماله) أي إن كان من
جنس الدين، وقوله: ((أو قيمته)) أي إن كان من غير جنسه، كما لو كان الدين دراهم
والمال دنانير فتباع الدنانير بالدراهم ويقضي بها الدين عند الإمام وصاحبيه. قوله:
(والصحيح الخ) مقابله أنه يبيع عندهما المنقول دون العقار، وأما عنده فلا يبيع المنقول ولا
العقار، وقدمنا أن المفتى به قولهما.
مَطْلَبٌ في اسْتِخْلَافِ الْقَاضِي نَائِياً عَنْهُ
قوله: (ولا يستخلف قاض الخ) أي ولو بعذر. بحر عن العناية، فدخل فيه ما لو
وقعت له حادثة فلا يستخلف بلا تفويض. ففي البحر عن السراجية: القاضي إذا وقعت
له حادثة أو لولده فأناب غيره وكان من أهل الإنابة وتخاصما عنده وقضى له أو لولده
جاز. ثم قال: وقد سئلت عن صحة تولية القاضي ابنه قاضياً حيث كان مأذوناً له
بالاستخلاف فأجبت بنعم، وشمل إطلاقه الاستخلاف ما إذا كان مذهب الخليفة موافقاً
لمذهبه أو مخالفاً. ثم قال: وظاهر إطلاقهم أن المأذون له بالاستخلاف يملكه قبل الوصول
إلى محل قضائه، وقد جرت عادتهم بذلك، وسئلت عنه فأجبت بذلك اهـ. ثم نقل عن
شرح أدب القضاء أنه ذكر في موضع أن القاضي إنما يصير قاضياً إذا بلغ إلى الموضع؛ ألا
ترى أن الأول لا ينعزل ما لم يبلغ هو البلد، وفي موضع آخر: ينبغي له أن يقدم نائبه قبل
وصوله ليتعرف عن أحوال الناس اهـ. فالأول يفيد أنه لا يملكه قبل وصوله، إلا أن
يقال: إن قاضي القضاة مأذون بذلك من السلطان، وهو الواقع الآن اهـ ملخصاً.
قلت: وما نقله ثانياً صريح في أن له الإنابة قبل وصوله، والتعليل بالتعرف عن
أحوال الناس لا ينافي أن للنائب القضاء قبل وصول المنيب، لأن التعرف يكون بالقضاء،
فحينئذ إذا وصل نائبه فالظاهر انعزال الأول، لأن النائب قائم مقام المنيب، وقد عللوا
لعدم انعزال الأول قبل وصول الثاني بصيانة المسلمين عن تعطيل قضاياهم وبوصول نائب
الثاني لا تتعطل قضاياهم، وحيث كان الواقع الآن هو الإذن من السلطان فلا كلام، وبه
اندفع ما قيل إنه لا يعول على ما أفتى به في البحر. قوله: (إلا إذا فوّض إليه) ومثله نائب
القاضي. قال في البحر وفي الخلاصة: الخليفة إذا أذن للقاضي في الاستخلاف فاستخلف

٧٦
كتاب القضاء
-
كقوله ولّ من شئت واستبدل أو استخلف من شئت، فإن قاضي القضاء هو الذي
يتصرف فيهم مطلقاً تقليداً وعزلًا (بخلاف المأمور بإقامة الجمعة) فإنه يستخلف بلا
تفويض للإذن دلالة. ابن ملك وغيره. وما ذكره منلا خسرو، قال في البحر: لا
أصل له، وإنما هو فهم فهمه من بعض العبارات، وقد مر في الجمعة (نائب
رجلًا وأذن له في الاستخلاف جاز له الاستخلاف ثم وثم اهـ. قوله: (ولّ من شئت
واستبدل) هذا تنظير لا تمثيل: أي فإنه في الدلالة يملك الاستخلاف والعزل نظير ما لو
صرح بهما. قوله: (أو استخلف من شئت) لا يصح عطفه على قوله: ((واستبدل)) لأنه
يقتضي أنه لو قال ولّ من شئت واستخلف من شئت يملك العزل أيضاً، وليس كذلك
لأن استخلف بمعنى ولّ، بل نص في البحر في هذه الصورة على أنه لا يملك العزل
فتعين عطفه على قوله: ((ولّ)) وعليه فكان المناسب أن يقول كقوله ولّ أو استخلف من
شئت واستبدل. قوله: (فإن قاضي القضاة الخ) في موضع التعليل لقوله: ((وفي الدلالة
يملكها)). قوله (فيهم) أي في القضاة. قوله: (تقليداً وعزلًا) تفسير للإطلاق. قوله: (فإنه
يستخلف بلا تفويض) فإن كان قبل شروعه لحدث أصابه لم يجز أن يستخلف إلا من كان
شهد الخطبة، وإن بعد الشروع فاستخلف من لم يشهدها جاز. نهر: أي لأنه بان ولیس
بمفتتح والخطبة شرط الافتتاح، وقد وجد في حق الأصل. فتح واعترض بما لو استخلف
شخصاً لم يشهد الخطبة ثم أفسد صلاته ثم افتتح بهم الجمعة فإنه يجوز. وأجيب بأنه لما
صح شروعه فيها وصار خليفة للأول التحق بمن شهدها، واستظهر في العناية الجواب
بإلحاقه بالباني لتقدم شروعه فيها. قوله: (للإذن دلالة) لأن المولى عالم بتوقتها، وأنه إذا
عرض عارض فاتت لا إلى خلف، ومعلوم أن الإنسان غرض للأعراض(١) فتح. قال في
النهر: وهو ظاهر في جواز الاستخلاف للمرض ونحوه، وتقیید الزيلعي بالحدث لا دليل
عليه، وقدمنا في الجمعة مسألة الاستنابة بغير عذر فارجع إليه اهـ.
وحاصل ما مر في الجمعة أنه قيل: لا يصح الاستخلاف بلا إذن السلطان إلا إذا
سبقه الحدث فيها. وقيل إن لضرورة جاز: أي لحدث أو غيره، وإلا فلا. وقيل يجوز
مطلقاً، وعليه مشى في شرح المنية والبحر والنهر، وكذا الشرنبلالي والمصنف والشارح.
قوله: (وما ذكره منلا خسرو) أي في الدرر والغرر من باب الجمعة من أنه لا يستخلف
للصلاة ابتداء بل بعد ما أحدث، إلا إذا كان مأذوناً من السلطان بالاستخلاف اهـ. وهو
ما مر عن الزيلعي. قوله: (وقد مر في الجمعة) ومر أيضاً هناك عن العلامة محب الدين بن
جرباش في النجعة في تعداد الجمعة أن إذن السلطان بإقامة الخطبة شرط أول مرة للباني،
(١) في ط قوله (غرض للاعراض) الأول بالغين المجمة، وهو الهدف الذي يرمي إليه والثاني بالمهملة جمع عرض
بمعنى عارض، فالإنسان مشبه بالهدف، والاعراض مشبه بالسهام.

٧٧
كتاب القضاء
القاضي المفوّض إليه الاستنابة) فقط لا العزل (نائب عن الأصل) وهو السلطان،
وحينئذ (فلا يملك أن يعزله القاضي بغير تفويض منه) للعزل أيضاً كوكيل وكل (و)
كذا (لا ينعزل) أيضاً فعزله ولا بموته ولا بموت السلطان بل بعزله. زيلعي وعيني
وابن ملك وغيرهم في الوكالة. واعتمده في الدرر والملتقى. وفي البزازية: وعليه
الفتوى، وتمامه في الأشباه. وفي فتاوى المصنف: وهذا هو المعتمد في المذهب، لا
فيكون الإذن منسحباً لتولية النظار الخطباء وإقامة الخطيب نائباً، ولا يشترط الإذن لكل
خطيب اهـ بحر. وقدمنا هناك نحوه عن فتاوي ابن الجلبي وذكرنا هناك أن معناه أن إذن
السلطان شرط في أول مرة، فإذا أذن لشخص بإقامتها كان له الإذن لآخر، وللآخر الإذن
لآخر وهكذا، وليس المراد أن إذن السلطان بإقامتها أول مرة يكون إذناً لكل من أراد
إقامتها في ذلك المسجد بدون إذن من السلطان أو من مأذونه كما يوهمه ظاهر العبارة،
وتقدم تمامه فراجعه. قوله: (المفوّض إليه) بالجر نعت للقاضي. قوله: (بغير تفويض منه)
أي من السلطان. درر. قوله: (كوكيل وكل) أي بإذن الموكل فإنه لا يملك عزله ولا
ينعزل بموته، وينعزلان بموت الموكل، بخلاف الوصي حيث يملك الإيصاء إلى غيره،
ويملك التوكيل والعزل في حياته لرضا الموصي بذلك دلالة لعجزه. بحر. قوله: (وكذا
لا ينعزل أيضاً بعزله) أي لا ينعزل النائب بعزل القاضي: أي بعزل السلطان له. قوله:
(ولا بموته) أي موت القاضي المستنيب. قوله: (ولا بموت السلطان) أي لا ينعزل النائب
به كما لا ينعزل المستنيب، بخلاف موت الموكل فإنه ينعزل به الوكيل، والفرق كما في
وكالة الزيلعي أن السلطان عامل للمسلمين فلا ينعزل بموته القاضي الذي ولاه هو أو
ولاه القاضي بإذنه، والموكل عامل لنفسه فينعزل وكيله بموته لبطلان حقه. قوله: (بل
بعزله) أي بعزل السلطان للنائب. قوله: (واعتمده في الدرر) أي في متنها حيث قال: ولا
ينعزل: أي نائب القاضي بخروجه: أي القاضي عن القضاء، وقال في الملتقى: فنائبه لا
ينعزل بعزله ولا بموته، بل هو نائب السلطان الأصيل اهـ. فالضمير راجع إلى عدم عزل
النائب بموته القاضي أو بعزله ط. قوله: (وتمامه في الأشباه) قال فيها: فتحرر من ذلك
اختلاف المشايخ في انعزال النائب بعزل القاضي وموته، وقول البزازية: الفتوى على أنه لا
ينعزل بعزل القاضي، يدل على أن الفتوى على أنه لا ينعزل بموته بالأولى؛ ثم نقل عن
التاترخانية: القاضي رسول عن السلطان في نصب النواب اهـ ط. قوله: (وفي فتاوى
المصنف الخ) حيث سئل عما ذكره ابن الغرس، من أن نائب القاضي في زماننا ينعزل
بعزله أو بموته فإنه نائبه من كل وجه. أجاب: لا يعتمد على ما ذكره ابن الغرس لمخالفته
للمذهب، فقد نقل الثقات أن النائب ينعزل بعزل الأصيل ولا بموته. قال الزيلعي: من
كتاب الوكالة لا يملك القاضي الاستخلاف إلا بإذن الخليفة، ثم لا ينعزل بعزل القاضي
i

٧٨
كتاب القضاء
ما ذكره ابن الغرس لمخالفته للمذهب (ونائب غيره) أي غير المفوّض إليه (إن قضى
عنده أو) في غيبته و (أجازه) القاضي (صح) قضاؤه لو أهلاً، بل لو قضى فضولي
أو هو في غير نوبته وأجازه جاز، لأن المقصود حصول رأيه. بحر. قال: وبه علم
دخول الفضولي في القضاء.
فرع: في الأشباه والمنظومة المحبية: لو فوّض لعبد ففوض لغيره صح، ولو
حكم بنفسه لم يصح، ولو عتق فقضى صح، بخلاف صبيّ بلغ (وإذا رفع إليه
حكم قاض) خرج المحكم ودخل الميت والمعزول والمخالف لرأيه لأنه نكرة في سياق
الأول ولا بموته، وينعزلان بعزل الخليفة لهما ولا ينعزلان بموته، وهو المعتمد في
المذهب، ولم نر خلافاً في المسألة، والله سبحانه أعلم اهـ. لكن الخلاف موجود كما مر
عن الأشباه. قوله: (صح قضاؤه لو أهلًا) في التاتر خانية عن المحيط: ولو أن السلطان لم
يأذن له في الاستخلاف، فأمر رجلاً فحكم بين اثنين لم يجز حكمه، ثم إن القاضي لو
أجاز ذلك الحكم ينظر: إن كان بحال يجوز حكمه لو كان قاضياً جاز إمضاء القاضي
حكمه، وإن كان بحال لا يجوز حكمه لو كان قاضياً ينظر: إن كان ممن يختلف فيه الفقهاء
كالمحدود في القذف جاز إمضاؤه ذلك، وإن كان عبداً أو صبياً لم يجز. قوله: (بل لو
قضى فضولي) أي من غير استخلاف أصلاً. قوله: (أو هو) أي القاضي كما لو كان مولى
في كل أسبوع يومين، فقضى في غير اليومين توقف قضاؤه، فإن أجازه في نوبته جاز.
جامع الفصولين. قوله: (في القضاء) أي ليس خاصاً بعقد نحو البيع والنكاح. قوله:
(ففوّض لغيره صح) ظاهره ولو بدون الإذن الصريح، لأنه مأذون دلالة للعلم بأن قضاءه
بنفسه لا يصح. تأمل. قوله: (ولو عتق الخ) ومثله لو فرض لكافر فأسلم فهو على
قضائه عند محمد كما قدمناه عند قوله: ((أهله أهل الشهادة)) وقدمنا هناك وجه الفرق
بينهما وبين الصبيّ، حيث يحتاج إلى تجديد التفويض. قوله: (خرج المحكم) فإنه إذا رفع
حكمه إلى قاض أمضاه إن وافق مذهبه، وإلا أبطله لأن حكمه لا يرفع خلافاً كما يأتي في
التحكيم ح. قوله: (ودخل الميت الخ) وكذا قاضي البغاة، فإذا رفع إلى قاضي العدل نفذه
كما ذكره الشارح عند قول المصنف فيما مر «ويجوز تقليد القضاء من السلطان العادل
والجائر وأهل البغي)) وقدمنا فيه ثلاثة أقوال، وأن المعتمد أنه ينفذه وافق رأيه أو لا،
فافهم. قوله: (والمخالف لرأيه) أي رأي القاضي المرفوع إليه الحكم، لكن فيه تفصيل يأتي
قريباً، وأما لو كان القاضي الأول حكم بخلاف رأيه، فسيأتي في قول المصنف ((قضى في
مجتهد فيه الخ)».
مَطْلَبٌ فِي عُمُومِ النِّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ
قوله: (لأنه نكرة الخ) تعليل لقوله: ((ودخل الخ)) قصد به الرد على الزيلعي حيث

٧٩
كتاب القضاء
الشرط فتعم، فافهم (آخر) قيد اتفاقي إذ حكم نفسه قبل ذلك كذلك. ابن كمال
(نفذه) أي ألزم الحكم والعمل بمقتضاه لو مجتهداً فيه
ذكر أن كلام المصنف يوهم اختصاصه بما إذا كان موافقاً لرأيه، وقد تبع الشارح في هذا
التعليل صاحب البحر. وفيه نظر، وكان المناسب أن يقول بدله لأنه مطلق عن التقييد.
أما العموم فممنوع لما صرحوا به في كتب الأصول كالتحرير وغيره من أن النكرة إنما تعم
نصاً إذا وقعت في سياق النفي، ومنه وقوعها في الشرط المثبت إذا كان يميناً، لأنها تكون
على النفي كقوله: إن كلمت رجلاً فعبدي حرّ، فإن الحلف على نفيه، فالمعنى: لا أكلم
رجلًا، فهي نكرة في سياق النفي فتعم. ولهذا لا تعم في الشرط المثبت، مثل: إن لم أكلم
رجلًا، لأنه على الإثبات، كأنه قال: لأكلمن رجلًا فلا تعم. وأما الشرط في غير اليمين
مثل: إن جاءك رجل فأطعمه فليس نصاً في العموم، ومثله ما نحن فيه فافهم.
مَطْلَبُ: مَا يُتَفَّذُ مِنَ الْقَضَاءِ وَمَا لَا يُنَفَّذُ
قوله: (إذ حكم نفسه قبل ذلك) أي قبل الرفع إليه كذلك: أي كحكم قاض آخر
في أنه ينفذه إذا رفع إليه، ويكون هذا رافعاً للخلاف فيه، ولا يحتاج في نفوذه على
المخالف إلى قاض آخر، لكن ذكر ذلك ابن الغرس سؤالاً، وأجاب عنه بأنه لا يصح،
لأنه غير ممكن شرعاً، إذ القاضي لا يقضي لنفسه بالإجماع، والحكم به حكم بصحة فعل
نفس فيلغو اهـ.
قلت: هذا ظاهر بالنسبة إلى رفع الخلاف، أما بالنسبة إلى منع الخصم وإلزامه به
فلا، فتأمل. قوله: (نفذه) أي يجب عليه تنفيذه (قوله لو مجتهداً فيه) بنصب ((مجتهداً) خبراً
لكان المقدرة بعد ((الواو)) واسمها ضمير عائد إلى حكم العائد إليه ضمير نفذه.
ثم اعلم أنهم قسموا الحكم ثلاثة أقسام: قسم يرد بكل حال، وهو ما خالف النص
أو الإجماع كما يأتي وقسم يمضي بكل حال، وهو الحكم في محل الاجتهاد بأن يكون
الخلاف في المسألة وسبب القضاء، وأمثلته كثيرة، منها: لو قضى بشهادة المحدودين
بالقذف بعد التوبة وكان يراه كشافعي؛ فإذا رفع إلى قاض آخر لا يراه كحنفي يمضيه ولا
يبطله، وكذا لو قضى لامرأة بشهادة زوجها وآخر أجنبي فرفع لمن لا يجيز هذه الشهادة
أمضاه، لأن الأول قضى بمجتهد فيه فينفذ لأن المجتهد فيه سبب القضاء، وهو أن
شهادة هؤلاء هل تصير حجة للحكم أم لا؟ فالخلاف في المسألة وسبب الحكم لا في نفس
الحكم، وكذا لو سمع البينة على الغائب بلا وكيل عنه وقضى بها ينفذ، لأن المجتهد فيه
سبب القضاء، وهو أن البينة هل تكون حجة بلا خصم حاضر، فإذا رآها صح. وسيأتي
اختلاف الترجيح في الأخيرة. وقسم اختلفوا فيه: وهو الحكم المجتهد فيه وهو ما يقع
الخلاف فيه بعد وجود الحكم، فقيل ينفذ، وقيل يتوقف على إمضاء قاض آخر وهو

٨٠
كتاب القضاء
عالماً باختلاف الفقهاء فيه، فلو لم يعلم لم يجز قضاؤه ولا يمضيه الثاني في ظاهر
المذهب. زيلعي وعيني وابن كمال. لكن في الخلاصة: ويفتى بخلافه وكأنه
الصحيح كما في الزيلعي وغيره، وبه جزم في الخانية. وحكى ابن الشحنة في رسالته
المؤلفة في الشهادة على الخط عن جده ترجيح الأول، فإذا رفع إلى الثاني فأمضاه يصير كأن
القاضي الثاني حكم في فصل مجتهد فيه فليس للثالث نقضه، ولو أبطله الثاني بطل، وليس
لأحد أن يجيزه، كما لو قضى لولده على أجنبيّ أو لامرأته أو كان القاضي محدوداً في
قذف، لأن نفس القضاء مختلف فيه، وسيشير الشارح إلى القسم الأخير، وتمام الكلام
على ذلك في رسالة ابن الشحنة المذكورة والبزازية، وسيأتي له مزيد تحقيق. قوله: (عالماً)
حال من قول المصنف ((قاض آخر)) وساغ مجيء الحال منه وهو نكرة لتخصصها بالوصف
وهو آخر، ولا يصح كونه خبراً بعد خبر لكان المقدرة بعد (لو)) في قوله: ((لو مجتهداً فيه»
لأن الضمير المستتر فيها عائد إلى الحكم كما علمت، فيلزم أن يكون الضمير المستتر في
((عالمً)) عائداً إلى الحكم أيضاً، ولا يصح.
مَطْلَبْ مُهِمٍّ في قَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَاضِي عَالِماً بِأَخْتِلاَفِ الفُقَهَاءِ
قوله: (عالماً باختلاف الفقهاء فيه الخ) أقول: ذكر ذلك أيضاً في البحر، فذكر أن
هذا شرط نفاذ القضاء في ظاهر المذهب؛ ثم ذكر عبارة الخلاصة، ثم قال: والتحقيق
المعتمد أن علمه بكون ما حكم به مجتهداً فيه شرط، وأما علمه بكون المسألة اجتهادية
فلا، ويدل عليه ما في الفتاوى الصغرى اهـ. ثم ذكر مسألة قضاء القاضي مخالفاً لرأيه،
وأطال الكلام عليها. وسيذكرها المصنف في قوله: ((قضى في مجتهد فيه)» بخلاف رأيه
الخ، ويأتي الكلام عليها، وهذه غير مسألة اشتراط العلم التي نحن فيها ولم يوفها
صاحب البحر حقها، حتى اشتبهت على بعض المحشين فتكلم عليها بما قالوه في المسألة
الثانية الآتية، مع أنهما مسألتان متغايرتان، فافهم. ومسألة اشتراط العلم وقع فيها نزاع،
وقد ألف فيها العلامة المحقق الشيخ قاسم رسالة:
حاصلها: أن وضع المسألة المذكورة في قضاء القاضي المجتهد في حادثة له فيها رأي
مقرر قبل قضائه في تلك الحادثة التي قصد فيها المتفق عليه، فحصل حكمه في المحل
المختلف فيه وهو لا يعلم، ثم بان أن قضاءه هذا على خلاف رأيه المقرر قبل هذه الحادثة،
فحينئذ لا ينفذ قضاؤه؛ وأما إذا وافق قضاؤه رأيه في المسألة ولم يعلم حال قضائه أن فيها
خلافاً، فلم يقل أحد من علماء الإسلام بأنه لا ينفذ قضاؤه، خلافاً لمن زعم ذلك،
وبيان ذلك بالنصوص الصريحة منها قول الإمام حسام الدين الشهيد في الفتاوى الصغرى:
إذا قضى في فصل مجتهد فيه وهو لا يعلم بذلك لا ينفذ، فإنه ذكر في السير الكبير: رجل
مات وله مدبرون حتى عتقوا، ثم جاء رجل وأثبت ديناً على الميت، فباعهم القاضي على