Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
الفصولين. قال في النهر: ولا فرق يظهر بين المشتري والبائع.
بَابٌ خِيَارُ الشّزطِ
وجه تقديمه مع بيان تقسيمه مبين في الدرر. ثم الخيارات بلغت سبعة
الزرع، وقدمنا الكلام عليها وعلى نظائرها أول كتاب الشركة. قوله: (قال في النهر
الخ) أصله لصاحب البحر.
وحاصل البحث أنه ينبغي على قياس هذا: أنه لو باع ثمرة بدون الشجر ولم
يرض البائع بإعارة الشجر أن يتخير المشتري أيضاً، إن شاء أبطل البيع أو قطعها، لأن
في القطع إتلاف المال وفيه ضرر عليه، لكن تقدم تصريح المتن كغيره من المتون بقوله
ويقطعها المشتري في الحال. وأيضاً فما نقله عن جامع الفصولين مخالف أيضاً لتصريح
المصنف كغيره في بيع الشجر وحده أو الأرض وحدها بقوله: ويؤمر البائع بقطعهما:
أي الزرع والثمر، وتسليم المبيع وإن لم يظهر صلاحه كما نبهنا عليه هناك، فافهم.
والله سبحانه أعلم.
بابُ خِيَارِ الشّزطِ(١)
من إضافة الشيء إلى سببه، لأن الشرط سبب للخيار. بحر. فإن الأصل في
العقد اللزوم من الطرفين ولا يثبت لأحدهما اختيار الإمضاء أو الفسخ ولو في مجلس
العقد عندنا إلا باشتراط ذلك. قوله: (مبين في الدرر) حيث قال بعد ما ترجم بباب
(١) جماهير العلماء وأعيان الفقهاء قائلون بمشروعية الشرط وجوازه في الجملة، ولم نقف على مخالف لهم في
هذا إلا ابن حزم وحده. وأما الثوري وعبد الله بن شبرمة فادعى ابن رشد أنهما مثل ابن حزم، ولكن النقل
عنهما مضطرب، فبينا نرى ابن حزم يقول في موضع ((وقال ابن شبرمة وسفيان الثوري: لا يجوز البيع إذا
شرط فيه الخيار للبائع أو لهما، وقال سفيان: البيع فاسد بذلك، فإن شرط الخيار للمشتري عشرة أيام أو
أكثر جازا نراه يقول في موضع آخر: ((وتفريق سفيان وابن شبرمة من كون الخيار للبائع أو لهما فلم يجيزاء
وبين أن يكون للمشتري وحده فأجازه سفيان لا معنى له)) فالنص الأول دال على عدم مشروعية خيار الشرط
للبائع وحده أو مع المشتري، وأما المشتري وحده ففيه احتمالان: الاحتمال الأول: أنهما متفقان على
جوازه له وإن اختلفا من حيث المدة التي تضرب له.
والاحتمال الثاني: أن يكون سفيان هو القائل بالجواز وحده بدليل إفراده بالذكر آخراً. والنص الثاني وإن
احتمل هذين التأويلين إلا أنه في الثاني أظهر بخلاف النص الأول فهو في الأول منهما أظهر، فهذان نصان
متعاكسان في حد ذاتهما وإن كانا من حيث السياق لا يحتملان إلا المعنى الأول وإلا لما جعلهما ابن حزم
من جملة أخصامه.
ويقول النووي: ((فرع: في مذاهب العلماء في شرط الخيار وهو جائز بالإجماع، واختلفوا في ضبطه،
فمذهبنا أنه يجوز ثلاثة أيام فما دونها، وبه قال أبو حنيفة وعبد الله بن شبرمة)). وهذا النقل يؤخذ منه أن ابن
شبرمة موافق للجمهور.
وإذا فقد ظهر اضطراب النقل عن هذين الإمامين، فلم يجز لدينا أن نقرنهما مع ابن حزم ونجعلهم جميعاً على
رأي واحد.
=

١٠٢
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
= يمكن تلخيص المهم من أدلة ابن حزم من عرض كلامه الذي صال فيه على الفقهاء جميعاً بلسان لاذع
وطعن جارح فيما يأتي الدليل الأول: البيع مع اشتراط الخيار باطل لبطلان هذا الشرط؛ لأنه ليس في
كتاب الله ولا في سنة رسوله #، وكل شرط شأنه كذلك فهو باطل بنص قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما
بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط
مائة شرط، وإن كان مائة شرط، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق)
والحديث وإن لم يتعرض إلا لكتاب الله إلا أن سنة رسوله مثله؛ لأن الله أمر بطاعته في كتابه فمن أطاعه
فكأنما أطاع الله، ويلاحظ هنا أن ابن حزم ينكر أشد إنكار الأدلة التي ساقها الجمهور تأييداً لمشروعية
اشتراط الخيار.
الدليل الثاني: ما روي عن رسول الله # أنه قال: ((لا يفترق بيعان إلا عن تراض)) وهذا حديث مرسل كما
يعترف ابن حزم نفسه، ولكنه يقول: إن القوم يفتخرون باتباع المرسل والاحتجاج به، ومع ذلك فقد خالفوا
هذا الحديث لأن اشتراط الخيار لا يكون معه الرضا بالبيع، وكل من قال بجواز اشتراطه جوز للعاقد أن
يفارق صاحبه مع بقاء الخيار فيكون الافتراق لا عن تراض.
الدليل الثالث: يزعم ابن حزم أنه لا يكون هناك بيع إلا ويعقبه انتقال ملك ولا بد، فيقال لهؤلاء القوم: هل
ينتقل الملك في زمن الخيار أم لا ينتقل؟ فإن قالوا: لا. فهو عين قولنا: إن هذا البيع غير صحيح؛ لأنه لا
معنى لصحته إلا استتباع آثاره، وإن قالوا: نعم، فلم الخيار وقد تم البيع وانتقل الملك؟ وإن قالوا: ينعقد
في حق من ليس له الخيار، ولا ينعقد في حق من له الخيار. قيل لهم: هذا تخليط؛ لأنه لا يكون هناك بيع
إلا وهناك بائع ومبتاع، وقد اقتصرتم على أحدهما.
الدليل الرابع: قياس البيع على النكاح بجامع أن كلا منهما عقد معاوضة لازم، والنكاح لا يجوز فيه اشتراط
الخيار، وهذا أمر مجمع عليه، فكذلك يجب أن يكون البيع، وهذا دليل يورده ابن حزم على الجمهور إلزاماً
لأنه غير قائل بالقياس.
هذا هو أهم ما يؤخذ من أدلة ابن حزم على إبطاله البيع الذي اشترط فيه الخيار، وله غير هذه الأدلة. آثرنا
ترکه إما لوضوح بطلانه، وإما لأنه یؤخذ علیه لا له.
وهناك أدلة غير هذه أيضاً تذكرها كتب الخلاف ناسبة لها إلى من قال بعدم جواز اشتراط الخيار في البيع.
نذكرها تتميماً للبحث وإيفاء لحقه. نلخصها فيما يلي:
أولاً: البيع مع اشتراط الخيار غرر، وقد نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر، أما وجه الغرر
فيه فلأنه لا يدري أيتم البيع أم ينقض؟ ولا متى يتم؟ وهذه جهالة فاحشة لا تحتملها عقود المعاوضات
المالية؛ ولأن البيع مع اشتراط الخيار في قوة المعلق كأنه قال: بعتك هذا الشيء إن اخترت إمضاء البيع،
وتعليق البيع ببطله؛ لأنه لا يدري متى ينعقد؟ ولا أينعقد أم لا؟ وهذه مخاطرة بالأموال تشبه القمار.
ثانياً: شرط الخيار مخالف لمقتضى العقد؛ لأن مقتضاه اللزوم، وشرط الخيار يجعله غير لازم، وكل شرط
يخالف مقتضى العقد فهو باطل !!!.
هذه هي أدلة المانعين لاشتراط الخيار في البيع فأما أدلة المجوزين، وهم جماهير العلماء فإنهم استدلوا بأدلة
من السنة والمعقول:
أما أدلتهم من السنة: فتنحصر في أربعة أحاديث:
الحديث الأول: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه من حديث أبان بن أبي عباس عن أنس رضي الله عنه)» أن
رجلًا اشترى من رجل بعيراً، واشترط عليه الخيار أربعة أيام، فأبطل رسول الله 8$ البيع، وقال: ((الخيار
ثلاثة أيام)) وهذا حديث صريح في جواز اشتراط الخيار في البيع، وأنه إلى ثلاثة أيام. الحديث الثاني: ما
روي عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله #: ((الخيار ثلاثة أيام)) أخرجه الدارقطني في سننه
من طريق أحمد بن عبد الله بن ميسرة.
الحديث الثالث: ما روي عن رسول الله # أنه قال: ((المتبايعان بالخيار كل واحد منهما بالخيار =

١٠٣
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
= على صاحبه ما لم يفترقا إلّ بَيْعَ الخيار)) البخاري (٢١٠٧) (٢١١١) ومسلم ١١٦٣/٣ (١٥٣/٤٣)
ووجه الاستدلال به على المطلوب هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام استثنى من لزوم البيع حال الافتراق
البيع الذي عقد على الخيار، وهذا هو البيع مع اشتراط الخيار.
الحديث الرابع: وهو أعظم ما عول عليه القوم في هذا المقام فما روي أن حبان بن منقذ بن عمرو
الأنصاري كان يغبن في البياعات فقال له النبي #: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام).
وهذه الرواية أصرح روايات هذا الحديث الذي روي بألفاظ كثيرة من حيث يريد الفقراء أن يستدلوا بها على
مشروعية خيار الشرط، ولذا آثرنا ذكرها دون غيرها. وجه الاستدلال بهذا الحديث على المطلوب هو أمره
عليه الصلاة والسلام لحبان أن يشترط الخيار لنفسه ليدفع عنها الغبن الذي يلخصه من جراء انخداعه في
البياعات إذا ما تبين له ذلك فيما بعد بفسخه البيع واسترداده الثمن إن كان دفعه.
وأما المعقول: فهو أن الحاجة قد تدعو إلى هذا النوع من البيوع أعني البيع مع شرط الخيار، إما لأن
العاقد غير خبير بالسوق أو بالسلعة فيحتاج إلى شرط الخيار لنفسه أو لغيره ممن يرى فيه الكفاءة ويثق في
ذمته ونصحه ليدفع عن نفسه مغبة الغبن والخديعة، وإما لأنه يريد أن يختبر المبيع حتى يرى ما إذا كان يحقق
الغرض الذي ابتاعه من أجله؟ وإما لأنه يريد أن يعرضه على صديق أو قريب يهمه أن يكون راضياً عن
السلعة، وهذا من الأغراض الوجيهة التي لا يمكن للعاقد أن يقطع برأي حاكم فيها حين العقد، ويحتاج أن
يتروي فيها ويتثبت غاية التثبت حتى يكون الرضا قائماً على أساس قوي وركن متين من العلم الصحيح
فيشترط الخيار حتى إذا لم يعجبه فسخ البيع، وتخلص من لزومه له.
وفي مثل هذا يقول صاحب المبسوط: ((إذا كانت بعض العقود تجوز للحاجة كالإجارة فجواز خيار الشرط
أولى))، ولعل وجه قول صاحب المبسوط هذا هو أن الإجارة كالبيع بل هي في حقيقة الأمر نوع منه؛ لأنها
بيع المنفعة وإن اختصت بأحكام خاصة والمبيع في البيع يشترط فيه أن يكون مقدور التسليم. والمنفعة في
الإجارة ليست كذلك؛ لأنها معدومة في الحال فهي غير مقدورة التسليم، وحتى هي في المستقبل لا توجد
إلا شيئاً فشيئاً، ولكنها مع هذا جوزت للحاجة الداعية إليها، لأنه ليس كل واحد قادراً على تملك العين،
فلو لم تجز لتعطلت منافع الناس وشق عليهم هذا الأمر، فإذا كان بعض العقود التي هي الأصل يجوز
للحاجة، فأولى أن يجوز شرط الخيار للحاجة؛ لأن وصف للعقد يمنع من لزومه والوصف كالفرع، وأنه
يتسامح في الفروع ما لا يتسامح في الأصول هذا وقد أغرب بعض العلماء على ما لهم من نجلة واحترام
فقال بأن شرط الخيار أمر مجمع على جوازه حتى جعله النووي أقوى ما يستدل به في هذا المقام.
أولًا أدلة المانعين: يرد على ابن أحزم من حيث الدليل الأول القائل: شرط الخيار شرط ليس في كتاب
الله، وكل شرط كذلك فهو باطل، بأن المراد ليس في كتاب الله ما يخالفه بدليل قوله فيما بعد: ((قضاء الله
أحق وشرط الله أوثق))، فإن أبيت ذلك وحملت الكلام على ظاهره، فلا نسلم لك أن هذا الشرط ليس في
كتاب الله. كيف وهو في سنة رسول الله وإير، وسنة رسوله ككتابه باعترافك أنت؟ فإن زعمت أنها لا تثبت
مشروعية خيار الشرط لضعف بعضها، ولعدم دلالة البعض الآخر قلنا لك: إذاً فقد انتقل النزاع بيننا وبينك
إلى الأحاديث هل تدل أو لا تدل؟ فإن رأيت أنت أنها لا تدل فنحن نرى أنها تدل، فدع هذا الدليل بمعزل
وخض معنا في هذه الأحاديث، سلمنا لك أن هذه الأحاديث لا تدل على مشروعية خيار الشرط، فماذا
تريد بقولك: شرط الخيار شرط ليس في كتاب الله؟ أتعني ليس فيه بخصوصه أم ليس فيه بعمومه؟ من
عنيت الأول. قلنا لك: نعم. فكان ماذا؟ أتزعم وكل شرط ليس في كتاب الله بخصوصه فهو باطل؛ فمن
أين لك هذا؟ والحديث نفسه لا يدل على ما ذكرت فهذه دعوى عريضه تحتاج إلى البرهان، ولن تجد إليه
سبيلاً وإن عنيت الثاني. قلنا لك: لا. لأنه في كتاب الله بهذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا
أوفوا بالعقود﴾ والبيع مع اشتراط الخيار عقد يجب الوفاء به ولكن في حدود الشرط أي أنه يجب على من لا
خيار له من العاقدين أن يوفر على العاقد الآخر حقه الذي اكتسبه بشرط الخيار؛ لأن هذا الشرط يعتبر
كذلك عقداً؛ إذ لا بد فيه من تراضي الطرفين عليه كالعقود، ويقول الرسول صلير: ((المسلمون =

١٠٤
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
= على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالً) وشرط الخيار لم يحل حراماً، ولم يحرم حلالاً،
فيكون واجب الوفاء، ولا يكون كذلك إلا إذا كان صحيحاً معتبراً شرعاً.
ومن حيث الدليل الثاني: ((لا يفترق بيعان إلا عن تراض)) قولك فيه النهي عن بقاء الخيار بعد التفرق
مسلم، والمراد به خيار المجلس؛ فإن زعمت أن الحديث عام قلنا: هو مخصوص بأحاديث خيار الشرط
جمعاً بين الأدلة، ومن حيث الدليل الثالث القائل: لا يكون بيع إلا ويكون معه نقل ملك ولا بد الخ. نقول
له: نختار أن الملك لا ينتقل ولا يلزمه عدم صحة البيع كما تزعم، بل يكون العقد صحيحاً، ويتأخر
الملك لوجود المانع، وهو خيار الشرط، ومن المعلوم أن المانع لا يبطل المقتضي ولا يسلبه سببيته بدليل
أنه إذا زال عمل المقتضى عمله. أو نختار أنه ينتقل وقولك: لا فائدة إذاً من الخيار غير صحيح. بل هنا
الفائدة محققه؛ لأن الملك وإن انتقل به عندنا فإنه ينتقل لا على سبيل اللزوم بل على الجواز، فتكون فائدة
الخيار حينئذ هي جواز فسخ البيع إن لم يوافق رغبة العاقد، وهي فائدة جليلة، والذي لبس الأمر عليك
ظنك أن الملك إذا انتقل انتقل على اللزوم، وفي هذا ننازعك. ومن حيث الدليل الرابع قياس البيع على
النكاح فهو قياس مع الفارق من جملة وجوه ١. النكاح لا يحتمل الإقالة بخلاف البيع. ٢. لا يقدم المرء
على النكاح في الغالب إلا بعد استشارة ومعرفة بمن ستعاشره بخلاف البيع. ٣- النكاح مبناء على
المكارمة، وأما البيع فمبناه على المكايسة. ٤. ثبوت الخيار في النكاح يجعل المرأة أو الرجل بمنزلة
السلعة التي هي محل للأخذ والرد وتبادل الأيدي، وهذا يحط من كرامة الإنسان وشرفه، وكل فارق من هذه
الفروق يكفي لدفع قياس البيع على النكاح فما بالك لو اجتمعت كلها وتضافرت جميعها؟ !.
هذا ما يرد على أدلة ابن حزم، ويرد على أدلة كتب الخلاف التي تنسبها للمانعين أيضاً.
من حيث الدليل الأول القائل بأن البيع مع شرط الخيار فيه غرر، وقد نهي عن بيع الغرر. بأن الذي نهى
عن بيع الغرر هو الذي أجاز البيع مع شرط الخيار، فلو فرض فيه غرر لكان غير داخل في النهي عن بيع
الغرر بل مستثنى منه جمعاً بين الأدلة على أن الغرر الذي فيه ليس إلا من جهة عدم العلم بإمضاء العقد أو
فسخه، وهذا غرر يسير لا يوجب نزاعاً أو ضرراً؛ لأنه مضروب له مدة معلومة بتراضيهما، فكل واحد
منهما يبني أمره على أسوأ الفروض، على أن خيار المجلس فيه نفس هذا الغرر، ومع هذا فلم يمنع من
صحة البيع.
وليس عقد البيع في خيار الشرط معلقاً، وإنما المعلق هو الحكم بتأخيره إلى أن يجيز العاقد، وهذا هو
نفس مقتضى اللفظ؛ لأن قول البائع أو المشتري: بعت أو اشتريت على أني بالخيار إنما هو لتعليق ما بعد
على ما قبلها كقولك: آتيك على أن تأتيني المعلق إتيان المخاطب على إتيان المتكلم، وهذا بخلاف آتيك
إن أتيتني، فإنه بالعكس فبطل قياس الأول على الثاني، وحيث صار التعليق في الحكم أصبح الغرر فيه من
جهة عدم العلم بإمضاء العقد أو فسخه، وقد سبق دفعه.
ومن حيث الدليل الثاني القائل مقتضى البيع اللزوم، وشرط الخيار مخالف له. بأن النص قد ورد بجواز
اشتراط الخيار في البيع، وهو مقدم على المقتضى بالضرورة، ولنا أن نقول: إن زعمتم أيها المانعون أن
اللزوم مقتضى عقد البيع مطلقاً منعنا ذلك، وقلنا: هذا محل النزاع بيننا وبينكم، وإن زعمتم أنه مقتضاه إذا
لم يقيد بشرط الخيار فكذا إذا قيد به منعنا هذا القياس؛ لأن اللزوم كان مقتضى العقد عند عدم التقييد
بالشرط لدلالة العقد حينئذ على تمام الرضا، وهذا بخلاف العقد مع التقييد بشرط الخيار لا يدل على تمام
الرضا، وعلى هذا فيكون العقد الدال على تمام الرضا هو المقتضي للزوم، وهو غير موجود في العقد مع
اشتراط الخيار.
ثانياً أدلة المجوزين: والآن وقد فرغنا من مناقشة أدلة المانعين لخيار الشرط فلنأخذ في مناقشة أدلة
المجوزين له، وهم جماهير العلماء كما سبقت الإشارة إليه فيرد عليهم من حيث الحديث الأول والثاني
بأنهما ضعيفان لا ينهضان حجة على المطلوب، فالأول منهما من رواية أبان بن أبي عباس وهو مجمع على
عدم الاحتجاج بحديثه، والثاني منهما في طريقه أحمد بن عبد الله بن ميسرة، وقد ضعفه الدارقطني . =

١٠٥
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
= وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به، ولذا فأغلب العلماء على عدم الاعتداد بهما في أدلة خيار
الشرط.
ومن حيث الحديث الثالث: ((المتبايعان بالخيار كل واحد منهما على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار))
فهو إنما يدل للجمهور لو كان قوله #1: ((إلا بيع الخيار)) مستثنى من لزوم البيع في حال التفرق كما ذهب
إلى هذا فريق منهم. أما إذا كان مستثنى من ثبوت الخيار للمتبايعين مدة عدم افتراقهما عن مجلس العقد فهو
بعيد كل البعد عن الاحتجاج به لهذا المذهب؛ إذ يكون معنى الحديث على هذا أن الخيار الثابت بالعقد
ينتهي بأحد الشيئين إما بالتفرق عن مجلس البيع، وإما باختيار البيع في أثناء قيام المجلس المذكور،
والحديث كما يحتمل الوجه الذي ذكروه يحتمل هذا الوجه أيضاً، وكان يكفينا هذا في عدم صلاحية الحديث
للاحتجاج به على مشروعية خيار الشرط، فكيف والتأويل الذي ذكرناه هو الموافق لأحاديث أخر في معناه
نذكر منها هذا الحديث: ((المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر) وربما قال: ((أو
يكون بيع الخيار)) فقد بينت هذه الرواية أن المراد بقوله: ((بيع الخيار)) هو أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر
لا سيما، وجميع روايات هذا الحديث الصميمة قد وردت من طريق ابن عمر رضي الله عنه ومن حيث
الحديث الرابع وهو قوله عليه الصلاة والسلام لحبان بن منقذ ((إذا بايعت فقل لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة
أيام) ورد هذا الحديث من طرق نكتفي منها بذكر أربع روايات تجمع شتيتها:
١- عن ابن عمر رضي الله عنه قال: ذكر رجل لرسول الله # أنه يخدع في البيوع فقال: ((من بايعت فقل:
لا خلابة)) متفق عليه.
٢- وعنه أيضاً. أن منقذاً سفع في رأسه في الجاهلية مأمومة فخبلت لسانه، فكان إذا بايع يخدع في البيع،
فقال له رسول الله #: ((بايع وقل: لا خلابة ثم أنت بالخيار ثلاثاً) رواه الحميدي في مسنده من طريق
سفيان عن محمد بن إسحاق عن نافع)).
٣. ما روي أن رسول الله # قال لحبان بن منقذ أو لأبيه منقذ بن عمرو الأنصاري على اختلاف في ذلك: ((إذا
بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثاً).
٤. ما روي أن حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه كان يغبن في البياعات فقال له النبي :
((إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام)) وهي الرواية التي اقتصرنا عليها فيما مضى أما الروايتان
الأولى والثانية فثابتان في كتب الحديث، وأما الثالثة فتوجد في بعض كتب المالكية كالمقدمات لابن رشد
والبداية لابن رشد الحفيد، وأما الرابعة فتوجد في كتب الحنفية.
أما الرواية الأولى من الروايات الأربع، وهي أصح روايات هذا الحديث فليس فيها ذكر للخيار ولا لمدته
صراحة. ولكن يفهم منها بطريق الفحوى والسياق ثبوت الخيار لدفع الغبن عند اشتراط عدم الخلابة في
البيع، وإلا لم يكن لهذا الشرط فائدة، وهي لهذا بعيدة كل البعد عن أن يحتج بها لثبوت خيار الشرط في
البيع الذي لا سبب له غير الشرط، ولهذا يقول الكمال في فتح القدير: ((والعجب ممن قال: الأصل في
جواز شرط الخيار ثم ذكر هذا الحديث ثم قال: وهو لا يمس المطلوب)).
وأما الرواية الثانية فهي وإن ذكر فيها الخيار وموته فقد ذكرا لا على سبيل الشرط، وإنما لبيان مدة الخيار
الذي استفيد من قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة)) فتكون من هذا الخيار خيار الغبن
مقدرة شرعاً بثلاثة أيام، وبهذا تكون هذه الرواية بمنأى عن إثبات شرط الخيار كالأولى؛ لأنها بيان لها.
وأما الرواية الثالثة: فيحتمل أن يكون ولك الخيار ثلاثاً جملة مستأنفة ذكرت لبيان مدة خيار الغبن شرعاً،
فتكون كالرواية الثانية من حيث المعنى، وهذا هو المتبادر، ويحتمل أن يكون عطفاً على ((لا خلابة)) فيكون
مأموراً بهذين القولين أعني أنه يجب عليه ليكون له حق فسخ البيع أن يشترط عدم الخلابة، وأنه بالخيار
ثلاثة أيام، وهذه الرواية تدل على المطلوب من هذا الوجه بتعسف.
ولكن لما كان التأويل الأول هو الموافق للرواية الثانية الصريحة فيه وجب أن يكون هو المتعين. لا سيما
والحديث بجميع رواياته قيل في واقعة واحدة.
=

١٠٦
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
عشر: الثلاثة المبوّب لها، وخيار تعيين،
خيار الشرط والتعيين: وقدمهما على باقي الخيارات لأنهما يمنعان ابتداء الحكم، ثم
ذكر خيار الرؤية لأنه يمنع تمام الحكم، وأخر خيار العيب لأنه يمنع لزوم الحكم.
وخيار الشرط أنواع: فاسد وفاقاً، كما إذا قال: اشتريت على أني بالخيار، أو
على أني بالخيار أياماً أو أبداً. وجائز وفاقاً، وهو أن يقول: على أني بالخيار ثلاثة أيام
فما دونها. ومختلف فيه، وهو أن يقول: على أني بالخيار شهراً أو شهرين، فإنه فاسد
عند أبي حنيفة وزفر والشافعي، جائز عند أبي يوسف ومحمد اهـ.
وفي البحر: فرع: لا يصح تعليق خيار الشرط بالشرط، فلو باعه حماراً على أنه
إن لم يجاوز هذا النهر فرده يقبله وإلا لا لم يصح، وكذا إذا قال ما لم يجاوز به إلى
الغد، كذا في القنية اهـ. قوله: (الثلاثة المبوّب لها) أي التي ذكر لكل واحد منها باب،
وهي خيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب. قوله: (وخيار تعيين) هو أن يشتري
= وأما الرواية الرابعة: فصريحة في اشتراط الخيار ومدته، ولكن هذه الرواية لم تذكر في كتب الحديث،
ولذلك يقول الشوكاني: ((قال ابن الصلاح: وأما رواية الاشتراط فمنكرة لا أصل لها)) ويمثل هذا قال
النووي في المجموع ناسباً هذه الرواية إلى الوسيط وبعض كتب الفقه وإذ ظهر أمر هذه الرواية من الضعف
والتهافت أصبحنا في حل من إمرارها وعدم التعويل عليها، ثم هي على فرض التسليم بصحتها جدلًا لا
تدل على جواز شرط الخيار في البيع إلا إذا تقدمه شرط عدم الخلابة أيضاً؛ لأنه مأمور بالقولين معاً، وبناء
عليه إذا ظهر له غبن رد وإلا فلا. مع أن شرط الخيار الذي قال بجوازه الجمهور لا يشترط فيه تقدم شرط
عدم الخلابة، وله مع ذلك. الرد ولو لم يكن هناك غبن. نعم قد يمكن أن يقال، إن شرط عدم الخلابة
إنما هو تصريح بحكمة مشروعية اشتراط الخيار، ومن المعلوم المقرر أن الحكمة لا يلزم طردها في جميع
أفراد موضوعها، وإذاً فيصح شرط الخيار بدون لا خلابة مثلاً، وله أن يرد المبيع ولو لم يكن هناك غبن؛
لما بينا أن الحكمة لا يلزم طردها ولكن مثل هذا اعتساف للكلام وخروج به عن مواضعه فضلاً عن أنه
.
مبني على رواية ضعيفة لا أصل لها.
ولكن من أين أخذ الفقهاء هذه الرواية وأمرها ما ذكرنا؟ لعلهم أخذوها من الرواية الثالثة من الروايات الأربع
التي ذكرنا مؤولين لها التأويل الثاني الذي شرحناه إذ هو موافق لهذه الرواية في المعنى.
هذا وأما الكلام على سند هذا الحدیث بجميع رواياته التي صرح فيها بالخيار ومدته، وأنه من رواية رجل
مدلس. أو أن هذا الحديث خاص بذلك الرجل الذي قيل في شأنه فنرى أن له موضعاً هو به أليق؛ وهو
خيار الغبن وسنتكلم عنه في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
وأما المعقول: هذا ما يرد على الجمهور من حيث الأحاديث التي أيدوا بها مذهبهم، وأما المعقول الذي
ذكروه لتبرير جواز شرط الخيار، وهو أن الحاجة قد تدعو إليه كما سبق بيانه فيكفي في دفعه أنه شرط
يخالف مقتضى العقد كما يدعون، وما هذا شأنه يجب رده لا اعتباره، وقياسه على الإجارة لا يصح؛ لأنه قد
ورد النص بجوازها، فإن قيل: وقد ورد النص بجواز شرط الخيار. قلنا: أين هو وقد رأيتم مبلغ ما
ذكرتم؟.
على أن هذا يطرح المعقول جانباً ويجعل الكلام دائراً حول النصوص فحسب!؟ انظر المحلى ٣٧٣/٨،
المجموع ٢٢٥/٩، المبسوط ٤١/١٣، فتح القدير ١١١/٥، نيل الأوطار ١٥٥/٥، الخيار للدكتور
مندور.

١٠٧
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
وغين، ونقد، وكمية، واستحقاق، وتغرير فعليّ، وكشف حال، وخيانة مرابحة،
وتولية، وفوات وصف مرغوب فيه، وتفريق صفقة بهلاك بعض مبيع، وإجازة
أحد الشيئين أو الثلاثة على أن يعين أياً شاء، وهو المذكور في هذا الباب في قول
المصنف: ((باع عبدين على أنه بالخيار في أحدهما الخ)). قوله: (وغبن)) وهو ما يأتي
في المرابحة في قوله: ((ولا رد بغين فاحش في ظاهر الرواية)) ويفتي بالرد إن غره: أي
غرّ البائع المشتري، أو بالعكس، أو غرّه الدلال، وإلا فلا. قوله: (ونقد) هو ما يأتي
قريباً في قوله: ((فإن اشترى على أنه إن لم ينقد الثمن الخ)). قوله: (وكمية) هو ما مر
أول البيوع فيما لو اشترى بما في هذه الخابية الخ. وقدمنا بيانه. قوله: (واستحقاق)
هو ما سيذكره في باب خيار العيب في قوله: ((استحق بعض المبيع)) فإن كان استحقاقه
قبل القبض للكل خير في الكل، وإن بعده خير في القيمي لا في غيره. قوله: (وتغرير
فعلي) أما القولي فهو ما مر في قوله: ((وغبن)) والفعلي كالتصرية، وهي أن يشدّ البائع
ضرع الشاة ليجتمع لبنها فيظن المشتري أنها غزيرة اللبن. والخيار الوارد فيها أنه إذا
حلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها وصاعاً من تمر، وبه أخذ الأئمة الثلاثة
وأبو يوسف، وعندهما: يرجع بالنقصان فقط إن شاء، وسيأتي تمام الكلام على ذلك إن
شاء الله تعالى في خيار العيب عند قوله: ((اشترى جارية لها لبن)). قوله: (وكشف حال)
هو ما مر أول البيوع فيما إذا اشترى بوزن هذا الحجر ذهباً أو بإناء أو حجر لا يعرف
قدره، فقد ذكر الشارح هناك أن للمشتري الخيار فيهما، وقدمنا عن البحر هناك أن هذا
الخيار خيار كشف الحال، ومنه ما ذكره بعده في بيع صبرة كل صاع بكذا، ومر الكلام
عليه. قوله: (وخيانة مرابحة وتولية) هو ما سيأتي في المرابحة في قوله: فإن ظهر
خيانة في مرابحة بإقرار أو برهان على ذلك أو نكوله عن اليمين أخذه المشتري بكل
ثمنه أو رده لفوات الرضا وله الحط قدر الخانية في التولية لتتحقق التولية. قال ح:
وينبغي أن تكون الوضيعة كذلك. قوله: (وفوات وصف مرغوب فيه) هو ما يذكره في
هذا الباب في قوله: ((اشتري عبداً بشرط خبزه أو كتبه الخ)).
مَطْلَبٌ فِي هَلَاكِ بَعْضِ المبيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ
قوله: (وتفريق صفقة بهلاك بعض مبيع) أي هلاكه قبل القبض، وقيد بالبعض لأن
هلاك الكل قبل قبضه فيه تفصيل قدمناه قبيل هذا الباب.
وحاصله كما في جامع الفصولين: أنه إن كان بآفة سماوية أو بفعل البائع أو بفعل
المبيع يبطل البيع وإن بفعل أجنبي يتخير المشتري، إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجاز
وضمن المستهلك اهـ. وذكره في البزازية أيضاً. ثم قال: وإن هلك البعض قبل قبضه
سقط من الثمن قدر النقض سواء كان نقصان قدر أو وصف، وخير المشتري بين الفسخ

١٠٨
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
عقد الفضولي، وظهور المبيع مستأجراً أو مرهوناً. أشباه. من أحكام الفسوخ.
قال: ويفسخ بإقالة وتحالف، فبلغت تسعة عشر شيئاً، وأغلبها ذكره المصنف
یعرفه من مارس الكتاب.
(صح شرطه للمتبايعين) معاً (ولأحدهما)
والإمضاء؛ وإن بفعل أجنبي فالجواب فيه كالجواب في جميع المبيع؛ وإن بآفة سماوية:
إن نقصان قدر طرح عن المشتري حصة الفائت من الثمن وله الخيار في الباقي، وإن
نقصان وصف لا يسقط شيء من الثمن، لكنه يخير بين الأخذ بكل الثمن أو الترك.
والوصف ما يدخل تحت البيع بلا ذكر كالأشجار والبناء في الأرض والأطراف في
الحيوان والجودة في الكيلي والوزني؛ وإن بفعل المعقود عليه فالجواب كذلك. وتمام
الكلام فيها فراجعه. قوله: (وظهور المبيع مستأجراً أو مرهوناً) أي ولو اشترى داراً مثلاً
فظهر أنها مرهونة أو مستأجرة يخير بين الفسخ وعدمه، وظاهره أنه لو كان عالماً بذلك
لا يخير، وهو قول أبي يوسف. وقالا: يتخير ولو عالماً، وهو ظاهر الرواية كما في
جامع الفصولين. وفي حاشيته للرملي: وهو الصحيح، وعليه الفتوى كما في
الولوالجية اهـ. وكذا يخير المرتهن والمستأجر بين الفسخ وعدمه، وهو الأصح كما في
جامع الفصولين؛ لكن في حاشيته للرملي عن الزيلعي أن المرتهن ليس له الفسخ في
أصح الروايتين. وفي العمادية أن المستأجر له ذلك في ظاهر الرواية. وذكر شيخ
الإسلام أن الفتوى على عدمه، وسيأتي في فصل الفضولي أن من الموقوف بيع
المرهون والمستأجر والأرض في مزارعة الغير على إجازة مرتهن ومستأجر ومزارع اهـ.
فإن أجاز المستأجر أو المرتهن فلا خيار للمشتري، وإن لم يجز فالخيار للمشتري في
الانتظار والفسخ، وسيأتي تمامه في فصل الفضولي. قوله: (أشباه) قال فيها: وكلها
يباشرها العاقدان إلا التحالف فإنه لا ينفسخ به، وإنما يفسخه القاضي، وكلها تحتاج إلى
الفسخ، ولا ينفسخ شيء منها بنفسه اهـح. قوله: (ويفسخ بإقالة وتحالف) لا يخفى أن
الكلام في الخيار لا في مجرد الفسخ، لكن قد يجاب بأنه لو أقال أحدهما الآخر فالآخر
بالخيار بين القبول وعدمه، وكذا يخير كل منهما بين الحلف وعدمه، فلو اختار عدم
الحلف يلزمه دعوى صاحبه. وصورة التحالف أن يختلفا في قدر ثمن أو مبيع أو فيهما
ويعجزا عن البيئة ولم يرض واحد منهما بدعوى الآخر تحالفاً وفسخ القاضي البيع بطلب
أحدهما، والمسألة مبسوطة في باب دعوى الرجلين من كتاب الدعوى. قوله: (صح
شرطه) أي شرط الخيار المذكور، وصرح بفاعل صح إشارة إلى أن ضمير صح الواقع
في عبارة الكنز وغيره عائد إلى المضاف إليه في الترجمة. قال في البحر: والظاهر أن
الضمير يعود إلى الخيار. وفي الوقاية والنقاية: صح خيار الشرط فأبرزه، والأولى ما

١٠٩
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
ولو وصياً (ولغيرهما) ولو بعد العقد لا قبله. تاترخانية (في مبيع) كله (أو بعضه)
في الإصطلاح: صح شرط الخيار، لأن الموصوف بالصحة شرط الخيار لا نفس
الخيار اهـ. فالضمير على الأول في كلام البحر عائد إلى المضاف، وعلى الأخير إلى
المضاف إليه، وبه جزم في النهر فقال: الضمير في صح يعود إلى المضاف إليه بقرينة
صح، ولقد أفصح المصنف عنه في الخلع حيث قال: وصح شرط الخيار لها في
الخلع لا له، ومن غفل عن هذا قال ما قال اهـ. قلت: فيه نظر، فإن الشرط الواقع في
الترجمة عام بقرينة الإضافة، ولقولهم إنه من إضافة الحكم إلى سببه: أي الخيار الواقع
بسبب الشرط، فلا يصح عود الضمير إلى الشرط المذكور، لأن الموصوف بالصحة
شرط خاص وهو شرط الخيار الذي أفصح عنه في الخلع، وأين العام من الخاص؟ وما
في الإصلاح لا يصلح دليلاً على عوده إلى الشرط، بل هو تركيب آخر صحيح في
نفسه. والأحسن ما استظهره في البحر من عوده إلى الخيار، لكن بقيد وصفه
بالمشروطية، فإنه في الأصل من إضافة الموصوف إلى صفته: أي الخيار المشروط،
وهذا لا ينافي كون الشرط سبباً للحكم، كما أفاده الحموي.
وقد يقال: إن خيار الشرط مركب إضافي صار علماً في اصطلاح الفقهاء على ما
يثبت لأحد المتعاقدين من الاختيار بين الإمضاء والفسخ، وكذا خيار الرؤية وخيار
التعيين وخيار العيب، كما صار الفاعل والمفعول به ونحو ذلك من التراجم علماً في
اصطلاح النحويين على شيء خاص عندهم، وعلى هذا يعود الضمير في صح إلى هذا
المركب الإضافي، وهو ما أفصح عنه في الوقاية والنقاية كما مر، فكان ينبغي للمصنف
متابعتهما لخلوه من التكليف والتعسف. قوله: (ولو وصياً) وكذا لو وكيلاً. قال في
البحر: ولو أمره ببيع مطلق فعقد بخيار له أو للآمر أو لأجنبي صححاه، ولو أمره ببيع
بخيار للآمر فشرطه لنفسه لا يجوز ولو أمره بشراء بخيار للآمر فاشتراه بدون الخيار نفذ
الشراء عليه دون الآمر للمخالفة، بخلاف ما إذا أمره ببيع بخيار فباع باتاً حيث يبطل
أصلا اهـ ملخصاً ط. وسيذكر الشارح الفرق بين الفرعين الأخيرين. قوله: (ولغيرهما)
ويثبت الخيار لهما مع ذلك الغير أيضاً، كما سيأتي في قول المصنف: ((ولو شرط
المشتري الخيار لغيره صح الخ)). قوله: (ولو بعد العقد) ربما يتوهم اختصاصه بقوله:
((ولغيرهما)) مع أنه جار في الأقسام الثلاثة، فلو قدمه وقال صح شرطه، ولو بعد العقد
لكان أولى اهـح. فلو قال أحدهم بعد البيع ولو بأيام جعلتك بالخيار ثلاثة أيام صح
إجماعاً(١). بحر. قوله: (لا قبله) فلو قال جعلتك بالخيار في البيع الذي نعقده ثم اشترى
مطلقاً لم يثبت. بحر عن التاترخانية قوله: (أو بعضه) لا فرق في ذلك بين كون الخيار
(١) اختلفوا في مدة الخيار على معنى كم يجوز للمتبايعين أو لأحدهما من الوقت قال جماعة من العلماء منهم
الحسن بن حي: إن هذا الخيار لا يتقدر بمدة فلو شرط الخيار ولم يذكر مدة أو شرطه أبداً صح =

١١٠
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
= البيع والشرط وكان له أن يفسخ البيع أي وقت شاء ما لم يتصرف فيه تصرفاً دالاً على الرضا بالبيع، فإن
تصرف تصرفاً كهذا فقد لزم البيع وانقطع الخيار. وهذا المذهب هو رواية عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
ولعل حجة من ذهب إلى، هذا الرأي هي قوله عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون على شروطهم)) إذ هو عام
في كل شرط، ومنه شرط الخيار في البيع على أي حال كان مقيداً بمدة أو غير مقيد، فيجب الوفاء به لهذا
الحديث، ولا يجب الوفاء بشيء شرعاً إلا إذا كان صحيحاً شرعاً؛ إذ الباطل مهدر ولا كرامة له في الشرع.
وهذا مذهب غير صحيح، ولذا لم يذهب إليه إلا قلة من العلماء، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون
على شروطهم، عام مخصوص بحديث نهى النبي # عن بيع الغرر؛ لأن البيع مع شرط الخيار غرر؛ لأنه لا
يدرى أيتم البيع أم لا يتم؟ اغتفر هذا الغرر إذا ضرب لهذا الخيار مدة معلومة لعدم إفضائه إلى النزاع
والشحناء، وهذا بخلاف ما إذا لم تضرب له مدة أو ضرب له الأبد، فإن النزاع والخصام والمضارة التي
نهي عن الغرر من أجلها تكون هنا جميعاً متوفرة ولا ريب.
هذا وجماهير العلماء بعد ذلك على أنه لا بد من تقييد شرط الخيار بمدة، وأن هذه المدة يشترط فيها أن
تكون معلومة إما بالنص عليها كما هو رأي العلماء غير المالكية، وإما بالنص أو بالعرف. على معنى أن
تقدر بالعرف إن لم ينص عليها المتعاقدان كما هو مذهب المالكية.
إلا أنهم اختلفوا في هذه المدة كم مي؟
فذهب الشافعية وأبو حنيفة وزفر والليث بن سعد في جماهير كثيرة من العلماء إلى أن هذه المدة لا يجوز
بحال أن تجاوز ثلاثة أيام، وتجوز الثلاثة فما دونها.
وذهب الحنابلة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن أبي ليلى وابن المنذر من الشافعية إلى أن الشرط في
هذه المدة أن تكون معلومة فحسب طالت بعد ذلك أم قصرت، جاوزت الثلاث أم لم تجاوزها، وهذا أيضاً
مذهب داود الظاهري.
وذهب المالكية إلى أن هذه المدة يختلف تقديرها باختلاف المبيع من حيث الحاجة الداعية إلى شرط الخيار
فيه من اختبار أو استشارة، ومن حيث إسراع الفساد إليه أو عدم الإسراع، فإن المدة تختلف تبعاً لذلك كما
يفهم هذا المتتبع لفروع المالكية في كتبهم، فيجوز الخيار في الدور والعقار إلى الشهر ونحوه، وفي العبد
والجارية إلى الجمعة ونحوها، وفي الثياب والعروض إلى الثلاثة ونحوها، وفي الدابة يقصد ركوبها في
البلد اليوم ونحوه، وخارج البلد البريد ونحوه أو يقصد اختبار حالها من قوة وضعف أو قدرة على الأكل
والحمل أو استشارة أتساوي الثمن أم لا تساويه؟ الثلاثة ونحوها، وأقصى مدة تضرب لشرط الخيار لا تزيد
عن الشهرين بحال عند المالكية.
أما الشافعي وأبو حنيفة ومن ذهب مذهبهما فاستدلوا أولًا: بحديث حبان بن منقذ ((إذا بايعت فقل لا خلابة،
ولي الخيار ثلاثة أيام)، البخاري (٢١١٧) ومسلم ١١٦٥/٣٠ (١٥٣٣/٤٨) وظاهر أن الحديث إذا كان حجة
الاشتراط الخيار في البيع فهو كذلك حجة على أن مدته لا تزيد على الثلاث يقول صاحب المبسوط ما
معناه: إن المقدر شرعاً إما أن يكون لمنع الزيادة أو لمنع النقصان أو لمنع أحدهما، ومنع النقصان هنا ممتنع
بالاتفاق، فيكون لمنع الزيادة، وإلا يلزم خلو الحديث عن الفائدة.
ولكن هذا الحديث لا يصلح حجة لجواز شرط الخيار، فكذلك لا يصلح لتقدير مدته لبناء الثاني على
الأول.
ثانياً: استدل لهم كذلك بحديث: ((الخيار ثلاثة أيام)) وإسناده لا يقوم به حجة.
ثالثاً: بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((ما أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله ﴿ لحبان. جعل
له الخيار ثلاثة أيام إن رضي أخذ وإن سخط ترك)) ولكن الذي جعله الرسول # لحبان هو مدة خيار الغبن
عند شرط عدم الخلابة في البيع لا مدة خيار الشرط. على أن هذا لم يثبت عن عمر من طريق يصح، ولو
صح عنه ما ذكر، فقد ثبت عن غيره من الصحابة،ما يخالف قوله.
رابعاً: قالوا بقياس هذا الخيار على خيار التصرية المؤقت بالثلاث. قلنا: بالتأقيت في التصرية بالثلاث =

١١١
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
= ثبت لمعنى، وهو أن التصرية لا تعلم غالباً قبل الثلاث كما أن العلم بها لا يحتاج لأكثر من الثلاث في
الغالب، وخيار الشرط قد لا يحتاج فيه إلى الثلاث في بعض صور المبيع، وقد يحتاج فيه إلى أكثر منها في
بعض آخر، فلم يظهر للتأقيت بالثلاث معنى فيه فافترق المقيس والمقيس عليه.
وأما الحنابلة والصاحبان ومن تابعهم فاستدلوا أولاً: بقوله: ((المسلمون على شروطهم)) وشرط الخيار
إذا كان معلوم المدة يتفي عنه الغرر الذي من شأنه أن يوقع الضغينة والشحناء، فيكون داخلاً في عموم هذا
التحديث، وليس داخلاً في عموم نهيه # عن بيع الغرر حت يستثنى من هذا الحديث الذي معنا، وقد
اعترض على هذا الحديث بأنه ضعيف، ودفع هذا الاعتراض بأنه روي من جملة طرق وإن لم تبلغ درجة
الصحة فهي تجعل للحديث أصلاً وتسمو به إلى درجة الحجية.
ثانياً: قالوا: فحديث ابن عمر رضي الله عنهما (أنه أجاز الخيار إلى شهرين)) يدل على أنه يجوز شرط الخيار
أكثر من ثلاث. قلنا: لا ندري إذا كان ابن عمر أسند هذا إلى النبي ﴿ أو هو رأي ارتآه. على أن الخيار
فيه مطلق لا نعلم أي خيار هو؟ أخيار شرط أم غيره؟ ثم هو مع تسليم أنه حديث مرفوع وأن المراد بالخيار
فيه خيار الشرط لا يدل إلا على جزء الدعوى، وهو جواز الزيادة على الثلاث إلى الشهرين، والمدعى أي
مدة طالت أم قصرت ما دامت معلومة، فكيف والحديث غريب كما قاله صاحب نصب الراية ٨/٤.
ثالثاً: قاسوا خيار الشرط على الأجل؛ لأن كلَّ منهما حق يعتمد الشرط، والأجل شرطه أن يكون معلوماً،
ومتروك أمر مدته إلى ما يتفق عليه العاقدان، فمدة خيار الشرط هكذا يجب أن تكون، ومعنى أن كلامه من
الأجل وخيار الشرط حق يعتمد الشرط أنه لولا الشرط لما كان لهما وجود ولا أثر فلو خلا العقد عنهما
لكان حالاً لازماً، وقريب من هذا قول بعض الكاتبين في بيان وجه القياس: مدة ملحقة بالعقد شرطاً؛ لأنه
يترتب على تلك المدة الملحقة بالعقد على جهة الشرط حق فسخ البيع وحق تأخير الثمن، وقول بعض
آخر: خيار الشرط كالأجل كلاهما شرع على خلاف مقتضى العقد تحت ضغط الحاجة، وقد تدعو الحاجة
في خيار الشرط أن تزيد مدته على الثلاث كما أن الأجل يطول ويقصر تبعاً للحاجة؛ لأن معنى كون الشيء
على خلاف المقتضى. إن المقتضى لا: يستلزمه عند الإطلاق بل يستلزم ضده، وهذا هو معنى قولنا: من
يعتمد الشرط. غاية ما هناك أنه، عبر بدل الشرط بالحاجة، وهما أيضاً قريبان؛ لأن الخاجة هي الداعية إلى
الشرط، وقد دفع هذا القياس صاحب فتح القدير، فقال: نحن نسلم قياس خيار الشرط على الأجل ولا
يضرنا؛ فإن الذي شرع الأجل على خلاف القياس شرعه مطلقاً، فعملنا بإطلاقه، ولكنه حين شرع الخيار
شرعه مقيداً في حدود الثلاث، فعملنا بتقييده، حتى أنه لو كان شرع الأجل مقيداً بوقت معين لكنا كذلك
نقول والمعنى أن ما شرع على خلاف القياس يعمل فيه بمقتضى النص الوارد فيه والنص في الأجل مطلق،
وفي شرط الخيار مقيد، فعملنا فيهما معاً بالنص والقيام، ومن هنا يظهر أن الكمال اعتمد في رده هذا
القياس على الحديث حديثٍ حبان بن منقذ، وقد علمت مبلغ صلاحيته في الاستدلال على محل النزاع.
رابعاً: وكذلك قاسوا خيار الشرط على خيار الرؤية وخيار العيب، فكما يجوز الفسخ بهما ولو بعد الثلاث
كذلك يجب ألا يتقيد خيار الشرط بالثلاث، وقد دفع صاحب المبسوط هذا القياس. بأنه لا غرر فيهما
بخلاف خيار الشرط، ولعل وجه قوله هذا أن البيع فيهما بت غير معلق حكمه على الشرط، وخيار الشرط
ليس كذلك، ولكن ما دمنا قد اشترطنا في خيار الشرط أن تكون مدته معلومة، فالغرر الذي فيه غرر يسير
محتمل حينئذ.
نعم يرد على هذا القياس الذي قال به الصاحبان أنه قياس مذهبي؛ لأن خيار الرؤية الذي ذهبا إليه لا يعترف
به الشافعية ولا الحنابلة أيضاً، وأما خيار العيب قلنا أن نختار أن الفسخ به فور الاطلاع على العيب كما هو
رأي الشافعية، فإن أراد الصاحبان بجواز الفسخ به بعد الثلاث من حين البيع على معنى أن العيب لو ظهر بعد
مضي الثلاث من البيع فله الفسخ باتفاق، فجوابنا على ذلك أن البيع في خيار العيب بت ولازم في الظاهر،
والخيار إنما يثبت بعد الاطلاع على العيب، فقبل ظهور العيب لا خيار حتى يقاس عليه خيار الشرط.
وأما المالكية: فاستدلوا لمذهبهم.
==

١١٢
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
كثلثه أو ربعه ولو فاسداً؛ ولو اختلفا في اشتراطه
البائع أو المشتري، ولا بين أن يفصل الثمن أو لا، لأن نصف الواحد لا يتفاوت. ط
عن النهر. قوله: (كثلثه أو ربعه) مثله ما إذا كان المبيع متعدداً وشرط الخيار في معين
منه مع تفصيل الثمن کما یأتي قبیل خیار التعیین اهـح. قوله: (ولو فاسداً) أي ولو كان
= بأن خيار الشرط شرع للحاجة لدفع الغبن والخديعة أو لاختبار المبيع ومشاورة أولي النهى فيه هل يحقق
طلبة النفس؟ وهل هو صالح للاستعمال فيما يراد له أم هو غير صالح؟ وهذه الحاجة تختلف باختلاف
المبيع فلينظر اعتبار المدة من حيث تقديرها بالحاجة الداعية إلى اشتراط الخيار في البيع، ومما لا ريب فيه
أن الثلاث لا تدفع هذه الحاجة؛ لأن من السلع ما يحتاج اختباره إلى أكثر منها.
وعندهم أن النص على الثلاث في الحديث. ليس لتحديد مدة خيار الشرط بها، وإنما هو للشبيه على هذا
المعنى الذي قالوه؛ إذ كانت حاجة هذا الرجل . حبان بن منقذ - تندفع بالثلاث في الغالب؛ لأنه إنما كان
يتاجر في العروض اليسيرة، وعلى هذا فيكون هذا الحديث عندهم من باب الخاص أريد به العام.
كيف ولو وقفنا مع ظاهر الحديث واعتبرنا الثلاث في كل شرط خيار لا يجوز للعاقدين أن يجاوزاها بحال لم
يكن فيه كبير فائدة، ولم يحصل الفرض الذي من أجله شرع شرط الخيار في بعض الحالات؛ لأن الثلاث
لا تكفي في جميع السلع.
وقد دفع هذا صاحب فتح القدير فقال: ((إنه لا يتعين الزيادة على الثلاث طريقاً لدفع الحاجة؛ لأن شرط
الخيار إن كان الداعي إليه عدم رؤية المبيع فيمكن أن يذهب قبل العقد ليرى المعقود عليه، فإن لم يمكن
الذهاب فخيار الرؤية ثابت له ولو بعد سنة أو أكثر، وإن كان الخيار للتروي في أمر المبيع هل يساوي
الثمن أم لا؟ وهل هو منتفع به على الكمال أم لا؟ فهذا لا يتوقف على الزيادة على الثلاث إذ يمكن إن لم
يكن أهلاً لذلك أن يراجع أهل الخبرة والمعرفة في الثلاث)).
ويكفي في دفع هذا الدفع أنه غير مطابق للواقع ومصادم للحقيقة السافرة، فإن بعض السلع لا تكفي الثلاث
للتروي فيها لا سيما في هذا العصر الذي تقدمت فيه الصناعات واستحدثت المخترعات ذات الأجهزة
الدقيقة المعقدة التركيب. هذا فضلاً عن أنه دفع مذهبي؛ لأن المالكية لا يقولون بخيار الرؤية كما يقول
الحنفية. أعني على النحو الذي ذهب إليه الحنفية؛ لأن خيار الرؤية عند المالكية بالشرط، وقد لا يمكن
منه العاقد بخلافه عند الحنفية فهو من مواجب العقد على الغائب.
نعم يرد على المالكية أن الحاجة كما تختلف باختلاف المبيع كذلك تختلف باختلاف العاقد باعتبار الذكاء
والحنكة وممارسة البياعات، فرب شخص خبير بسلعة يكفيه اليوم بل الساعة ليقف على أمرها، ورب
شخص آخر غير خبير بها لا تكفيه الأيام للوقوف عليها مع أنه قد لا يمكنه أن يستعين بذوي الخبرة لفقدهم
أو بعدهم أو لا يجب أن يطلع غيره على السلعة المبتاعة. فقصر اختلاف الحاجة باعتبار اختلاف المبيع
وحده غیر سدید.
على أن الحاجة بعد هذا تختلف باعتبار الزمان والمكان تبعاً لتقدم المدينة والعمران، فما كان يحتاج كشفه
واختباره إلى زمن كبير في العصور الغابرة قد لا يحتاج إلى مثل هذا الزمن في العصر الحاضر، وقد يكون
الأمر بالعكس، فدار في عصر مالك رحمه الله لا تكون كعمارة ضخمة من عمارات أمريكا ناطحات
السحاب.
ولكن المالكية مع هذا كله جعلوا زمانهم الغابر مقياس سائر الأزمنة فقالوا: لا تزيد المدة على الشهرين
بحال، وحددوها في كل مبيع مبيع، فكانوا أول من خالف أصلهم، وهو ربط المدة باعتبار العرف
والحاجة.
الخيار للدكتور مندور، المحلى ٣٧٣/٨، الشرح الكبير ٦٦/٤، الخرشي ١٠٩/٥، فتح القدير ١١٣/٥.

١١٣
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
فالقول لنا فيه على المذهب (ثلاثة أيام أو أقل) وفسد عند إطلاق أو تأبيد (لا
العقد الذي شرط فيه الخيار فاسداً وكان الأقعد في التركيب أن يقول صح شرطه ولو
بعد العقد ولو فاسداً كما لا يخفى ح. وفائدة اشتراطه في الفاسد مع أن لكل منهما
الفسخ بدونه ما قيل إنه يثبت لمن اشترط ولو بعد القبض، ولا يتوقف على القضاء به
أو الرضا اهـ.
قلت: وفيه نظر، لأنه إن كان الضمير في قوله: ((ولا يتوقف الخ)) عائد إلى
الخيار فهو لا يتوقف على ذلك مطلقاً، أو إلى فسخ البيع الفاسد فكذلك؛ نعم تظهر
الفائدة في أنه لو كان الخيار للبائع أو لهما وقبضه المشتري بإذن البائع لا يدخل في
ملك المشتري مع أنه لولا الخيار ملكه بالقبض، فافهم. قوله: (فالقول لنا فيه) لأنه
خلاف الأصل كما في البحر وهو مكرر مع ما يأتي متناً اهـح. قوله: (على المذهب)
وعند محمد: القول لمدعيه والبينة للآخرح عن البحر. قوله: (ثلاثة أيام) لكن إن
اشترى شيئاً مما يتسارع إليه الفساد، ففي القياس: لا يجبر المشتري على شيء، وفي
الاستحسان: يقال له إما أن تفسخ البيع أو تأخذ المبيع، ولا شيء عليك من الثمن
حتى تجيز البيع أو يفسد المبيع عندك دفعاً للضرر من الجانبين. بحر عن الخانية.
تنبيه: اعلم أن الخيار في العقود كلها لا يجوز أكثر من ثلاثة أيام إلا في الكفالة
في قول الإمام. زاد في البزازية: وللمحتال، وكذا في الوقف، لأن جوازه على قول
الثاني وهو غير مقيد عنده بالثلاث. در منتقى. وتمامه في النهر. قوله: (وفسد عند
إطلاق) أي عند العقد. أما لو باع بلا خيار ثم لقيه بعد مدة فقال له أنت بالخيار فله
الخيار ما دام في المجلس بمنزلة قوله لك الإقالة كما في البحر عن الولوالجية وغيرها،
وحمل عليه قول الفتح: لو قال له أنت بالخيار فله خيار المجلس فقط. قال في النهر:
ولم أر من فرّق بينهما، ويظهر لي أن المفسد في الثاني أن الإطلاق وقت العقد مقارن
فقوي عمله وفي الأول بعد التمام فضعف وقد أمكن تصحيحه بإمكان الخيار له في
المجلس اهـ.
تنبيه: قدمنا عن الدرر أنه لو قال علي أتى بالخيار أياماً فهو فاسد. واعترض في
الشرنبلالية بأن قولهم لو حلف لا يكلمه أياماً يكون على ثلاثة، ومقتضاه أن يكون هنا
كذلك تصحيحاً لكلام العاقل عن الإلغاء، وإلا فما الفرق.
قلت: قد يجاب بأن أياماً في الحلف يصح أن يراد منه الثلاثة والعشرة مثلاً،
لكن اقتصر على الثلاثة لأنها المتيقن، وذلك لا ينافي صحة إرادة ما فوقها، حتى لو
نوى الأكثر حنث، بخلافه هنا فإن الثلاثة لازمة بالنص البتة، ولفظ أياماً صالح لما
فوقها وما فوقها مفسد للعقد فلا ينفعنا حمله على الثلاثة لأنه لا يقطع الاحتمال. قوله:

١١٤
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
أكثر) فيفسد، فلكل فسخه خلافاً لهما، (غير أنه يجوز إن أجاز) من له الخيار (في
الثلاثة) فيقلب صحيحاً على الظاهر.
(فلكل فسخه) شمل من له الخيار منهما والآخر، وهذا على القول بفساده ظاهر،
وكذا على القول الآتي بأنه موقوف. قال في الفتح: وذكر الكرخي نصاً عن أبي
حنيفة: أن البيع موقوف على إجازة المشتري وأثبت للبائع حق الفسخ قبل الإجازة،
لأن لكل من المتعاقدين حق الفسخ في البيع الموقوف اهـ. قوله: (خلافاً لهما)
فعندهما: يجوز إذا سمى مدة معلومة. فتح. قوله: (غير أنه يجوز إن أجاز في الثلاثة)
وكذا لو أعتق العبد أو مات العبد المشتري أو أحدث به ما يوجب لزوم البيع ينقلب
البيع جائزاً عند أبي حنيفة، وتمامه في البحر عن الخانية. قوله: (في الثلاثة) ولو في
ليلة الرابع. قهستاني. قوله: (فينقلب صحيحاً الخ) لأنه قد زال المفسد قبل تقرره،
وذلك أن المفسد ليس هو شرط الخيار بل وصله بالرابع، فإذا أسقطه تحقق زوال
المعنى المفسد قبل مجيئه فيبقى العقد صحيحاً.
ثم اختلفوا في حكم هذا العقد في الابتداء، فعند مشايخ العراق حكمه الفساد
ظاهراً، إذ الظاهر دوامهما على الشرط، فإذا أسقطه تبين خلاف الظاهر فينقلب
صحيحاً. وقال مشايخ خراسان والإمام السرخسي وفخر الإسلام وغيرهما من مشايخ ما
وراء النهر: هو موقوف، وبالإسقاط قبل الرابع ينعقد صحيحاً، وإذا مضى جزء من
الرابع فسد العقد الآن وهو الأوجه، كذا في الظهيرية والذخيرة. فتح ملخصاً، وتمامه
فيه، ولكن الأول ظاهر الرواية. بحر ومنح. وفي الحدادي: فائدة الخلاف تظهر في
أن الفاسد يملك إذا اتصل به القبض، والموقوف لا يملك إلا أن يجيزه المالك، ونظر
فيه بأن الفاسد أيضاً لا يملك إلا بإذن البائع كما في المجمع. والأولى أن يقال: إنها
تظهر في حرمة المباشرة وعدمها، فتحرم على الأول لا على الثاني. نهر.
قلت: وفي التنظير نظر، فإن الملك في الفاسد يحصل بقبض المبيع بإذن البائع،
فالمتوقف فيه على إذن البائع هو القبض لا نفس الملك. وأما الموقوف كبيع الفضولي
فإن الملك يتوقف فيه على إجازة المالك البيح فتبقى ثمرة الخلاف ظاهرة، لكن ما
قدمناه قريباً عن الخانية من أنه لو أعتق العبد ينقلب جائزاً يشمل ما قبل القبض مع أن
قوله ينقلب جائزاً إنما يناسب القول بأنه فاسد لا موقوف، فيفيد حصول الملك قبل
القبض، ويؤيده ما مر من أن حكمه عند مشايخ العراق الفساد ظاهراً، فيدل على أنه لا
فساد في نفس الأمر؛ ولذا قال في الفتح: إن حقيقة القولين أنه لا فساد قبل الرابع بل
هو موقوف، ولا يتحقق الخلاف لا بإثبات الفساد على وجه يرتفع شرعاً بإسقاط الخيار

١١٥
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
(وصح) شرطه أيضاً (في) لازم يحتمل الفسخ كمزارعة ومعاملة و (إجارة
وقسمة وصلح عن مال) ولو بغير عينه (وكتابة وخلع) ورهن (وعتق على مال) لو
شرط لزوجة وراهن وقنّ (ونحوها) ككفالة وحوالة وإبراء وتسليم شفعة بعد
قبل مجيء الرابع، كما هو ظاهر الهداية. قوله: (في لازم) أخرج به الوصية، فلا محل
للخيار فيها لأن للموصي الرجوع فيها ما دام حياً، وللموصي له القبول وعدمه.
أفاده ط. ومثلها العارية والوديعة. قوله: (يحتمل الفسخ) أخرج ما لا يحتمله كنكاح
وطلاق وخلع وصلح عن قود.
واستشكل في جامع الفصولين النكاح بفسخه بالردة وملك أحدهما الآخر فإنه
فسخ بعد التمام، أما فسخه بعدم الكفاءة والعتق والبلوغ فهو قبل التمام.
قلت: قد يجاب بأن المراد بما يحتمل الفسخ ما يحتمله بتراضي المتعاقدين قصداً
وفسخ النكاح بالردة والملك ثبت تبعاً. قوله: (كمزارعة ومعاملة) أي مساقاة وهذان
ذكرهما في البحر بحثاً فقال: وينبغي صحته في المزارعة والمعاملة لأنهما إجارة مع أنه
جزم بذلك في الأشباه. قال الحموي: يحتمل أنه ظفر بالمنقول بعد ذلك، فإن تصنيف
البحر سابق. قوله: (وإجارة) فلو فسخ في اليوم الثالث هل يجب عليه أجر يومين؟ أفتى
صط أنه لا يجب، لأنه لم يتمكن من الانتفاع بحكم الخيار، لأنه لو انتفع يبطل خياره.
جامع الفصولين. قوله: (وقسمة) لأنها بيع من وجه. قوله: (وصلح على مال) احترز به
عن صلح عن قود، لأنه لا يحتمل الفسخ كما مر. قوله: (ورهن) كان ينبغي تقديمه
على الخلع أو تأخيره عن العتق، لأن قول المتن: ((على مال)) راجع للخلع أيضاً، ولا
يصح رجوعه للرهن كما لا يخفى وكان ينبغي أن يذكر الطلاق على مال أيضاً لأنه
معاوضة من جانب المرأة كالخلع، وكما أن العتق على مال معاوضة من جانب
العبد اهـح. قوله: (لزوجة وراهن وقنّ) لأن العقد في جانبهم لازم يحتمل الفسخ،
بخلاف الزوج والسيد فإن العقد من جانبهما وإن كان لازماً لكنه لا يحتمل الفسخ لأنه
يمين، وبخلاف المرتهن فإن العقد من جانبه غير لازم أصلاً، وحينئذ فيجب ذكرهم في
المقابل اهـح: أي فيما لا يصح فيه الخيار. ويمكن أن يقال: إن الخلع والعتق على
مال داخلان في قوله الآتي: ((ويمين)) تأمل. وقوله: ((لازم)) يحتمل الفسخ: أي قبل
تمامه بالقبول، أما بعد القبول من الزوجة والراهن والقن فلا يحتمله. قوله: (ككفالة)
أي بنفس أو مال وشرط الخيار للمكفول له أو للكفيل. بحر. وقدمنا أن الخيار في
الكفالة والحوالة يصح أكثر من ثلاثة أيام. قوله: (وحوالة) إذا شرط للمحتال أو المحال
عليه لأنه يشترط رضاه ط. قوله: (وإيراء) بأن قال أبرأتك على أني بالخيار، ذكره فخر

١١٦
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
الطلبين، ووقف عند الثاني أشباه وإقالة. بزازية. فهي ستة عشر، لا في نكاح،
وطلاق، ويمين، ونذر، وصرف، وسلم، وإقرار إلا الإقرار بعقد يقبله. أشباه،
ووكالة، ووصية. نهر. فهي تسعة، وقد كنت غيرت ما نظمه في النهر فقلت:
الإسلام من بحث الهزل. بحر. قال ط: لكن نقل الشريف الحموي عن العمادية: لو
أبرأه من الدين على أنه بالخيار فالخيار باطل، ولعل في المسألة خلافاً اهـ.
قلت: وبالثاني جزم الشارح في أول كتاب الهبة وعزاه إلى الخلاصة. قوله:
(ووقف) فيه أنه لا يحتمل الفسخ. تأمل. قوله: (عند الثاني) لأنه عنده لازم. وعند
محمد: وإن كان كذلك، لكنه اشترط أن لا يكون فيه خيار شرط ولو معلوماً، وقدمنا في
الوقف أن الخلاف في غير المسجد، فلو فيه صح الوقف وبطل الخيار. قوله: (فهي
ستة عشر) أي مع البيع. قوله: (لا في نكاح الخ) لأنها لا تحتمل الفسخ. قوله:
(وطلاق) أي بلا مال لما عرفت، وينبغي أن يكون الخلع بلا مال مثله اهـح. قوله:
(وإقرار الخ) عبارته مع المتن في كتاب الإقرار: أقر بشيء على أنه بالخيار ثلاثة أيام
لزمه بلا خيار، لأن الإقرار إخبار فلا يقبل الخيار، وإن صدقه المقر له في الخيار إلا إذا
أقر بعقد بيع وقع بالخيار له فيصح باعتبار العقد إذا صدقه أو برهن الخ. قوله: (ووكالة
ووصية) فلا خيار فيهما لعدم اللزوم من الطرفين ولزوم الوكالة في بعض الصور نادر.
أفاده ط. وهذان زادهما في النهر بحثاً أخذاً مما مر في قوله: ((في لازم)). قوله: (فهي
تسعة) يزاد عاشر وهو الهبة، لما سيذكره المصنف في بابها من أن من حكمها عدم
صحة خيار الشرط فيها الخ.
مَطْلَبٌ: المَواضِعُ الَّتِي يَصِحُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ وَالَّي لَا يَصِحُ
قوله: (وقد كنت غيرت ما نظمه في النهر) فإن نظم النهر كان هكذا: [الرجز]
وَالصُّلْحُ وَالخُلْعُ مَعَ الحِوَالهِ وَالوَقْفُ وَالقِسْمَةُ وَالإِقَاله
وليس في هذا التغيير كبير فائدة مع أنهما لم يستوفيا الأقسام كما قاله ح: أي لأنهما
أسقطا من القسم الأول المزارعة والمعاملة والكتابة، ومن الثاني الوصية، لكن الظاهر أن
إسقاط الكتابة ذهول؛ وأما ما عداها فلكونه بحثاً كما علمته مما مر.
قلت: وقد كنت نظمت، جميع مسائل القسمين مشيراً إلى البحث منها مع زيادة
الهبة في القسم الثاني فقلت: [الطويل]
وَبَيْعِ وَإِبْرَاءِ وَوَقْفٍ كَفَالَهْ
يَصِحُّ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي تَرْكِ شُفْعَةٍ
وَصُلْحِ عَنِ الأَمْوَالِ ثُمَّ الحِوَالَة
وَفِي قِسْمَةِ خُلْعٍ وَعِثْقٍ إِقَالَةٍ
وَزِيدَ مُسَاقَةٌ مُزَارَعَةٌ لَهْ
مُكَاتَبَةٍ رَهْنٍ كَذَاكَ إِجَارَةٍ

١١٧
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
[الرجز]
بَأْتِي خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الإِجَارَهِ وَالبَيْعِ وَالإِبْرَاءِ وَالكَفَالَه
وَالصُّلْحَ وَالخُلْعِ كَذَا وَالِقِسْمَه
وَالرَّهْنِ وَالعَثْقِ وَتَركِ الشُّفعة
لَ الصَّرْفِ وَالإِقْرَارِ وَالوَكَالَه
وَالوَقْفِ وَالحِوَالَةِ الإِقَالَه
وَلَ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالسَّلَمْ نَذْرٍ وَأَيْمَانٍ فَهَذَا يُغْتَنَمْ
(فإن اشترى) شخص شيئاً (على أنه) أي المشتري (إن لم ينقد ثمنه إلى
ثلاثة أيام فلا بيع صح) استحساناً خلافاً لزفر، فلو لم ينقد في الثلاث فسد فنفذ
عتقه بعدها لو في يده، فليحفظ (و) إن اشترى كذلك (إلى أربعة) أيام
وَمَا صَحَّ فِي نَذْرٍ نِكَّاحِ أَلِيَّةٍ وَفِي سَلَمِ صَرْفٍ طَلَاقٍ وَكَالَهْ
وَإِقْرَارٍ إِيَابِ وَزِيدَ وَصِّيَّةٌ كَمَا مَرَّ بَحْثَاً فَأَغْتَنِمْ ذِي المَقَالَه
قوله: (والخلع) بالرفع خبره كذا، ولا يصح جعل كذا خبراً عن القسمة لأنه
مجرور بالعطف على ما قبله؛ نعم يصح جعله متعلقاً بمحذوف حالاً من الخلع.
مَطْلَبٌ: خِيَارُ النَّقْدِ
قوله: (على أنه أي المشتري الخ) وكذا لو نقد المشتري الثمن على أن البائع إن
ردّ الثمن إلى ثلاثة فلا بيع بينهما صح أيضاً، والخيار في مسألة المتن للمشتري لأنه
المتمكن من إمضاء البيع وعدمه، وفي الثانية للبائع؛ حتى لو أعتقه صح ولو أعتقه
المشتري لا يصح. نهر .
تنبيه: ذكر في البحر هنا بيع الوفاء تبعاً للخانية قائلاً لأنه من أفراد مسألة خيار
النقد أيضاً، وذكر فيه ثمانية أقوال، وذكره الشارح آخر البيوع قبيل كتاب الكفالة،
وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: (فلو لم ينقد في الثلاث فسد) هذا
لو بقي المبيع على حاله. قال في النهر: ثم لو باعه المشتري ولم ينقد الثمن في
الثلاث جاز البيع وكان عليه الثمن، وكذا لو قتلها في الثلاث أو مات أو قتلها أجنبي
خطأ وغرم القيمة؛ ولو وطئها وهي بكر أو ثيب أو جنى عليها أو حدث بها عيب لا
بفعل أحد ثم مضت الأيام ولم ينقد خير البائع، إن شاء أخذها مع النقصان ولا شيء له
من الثمن، وإن شاء تركها وأخذ الثمن، كذا في الخانية اهـ. قوله: (فنفذ عتقه الخ) أي
وعليه قيمته. بحر عن الخانية. وهذا تفريع على قوله فسد. قال في النهر: واعلم أن
ظاهر قوله: ((فلا بيع)) يفيد أنه إن لم ينفذ في الثلاث ينفسخ. قال في الخانية:
والصحيح أنه يفسد ولا ينفسخ، حتى لو أعتقه بعد الثلاث نفذ عتقه إن كان في يده اهـ.
وأما عتقه قبل مضيّ الثلاث فينفذ بالأولى، كما لو باعه كما مر لأنه بمعنى خيار
الشرط. قوله: (وإن اشترى كذلك) أي على أنه إن لم ينقد الثمن إلى أربعة أيام. قوله:

١١٨
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
(لا) يصح، خلافاً لمحمد (فإن نقد في الثلاثة جاز) اتفاقاً، لأن خيار النقد ملحق
بخيار الشرط، فلو ترك التفريع لكان أولى (ولا يخرج مبيع عن ملك البائع مع
خياره) فقط اتفاقاً (فيهلك على المشتري بقيمته) أي بدله ليعم المثلي (إذا قبضه
بإذن البائع)
(لا يصح) والخلاف السابق في أنه فاسد أو موقوف ثابت هنا. نهر عن الذخيرة. قوله:
(خلافاً لمحمد) فإنه جوّزه إلى ما سمياه. قوله: (فلو ترك التفريع) أي في قوله: ((فإن
اشترى» فإن الإلحاق يقتضي المغايرة والتفريع يقتضي أنه من فروعه. قال في الدرر: لم
يذكره بالفاء كما ذكره في الوقاية إشارة إلى أنه ليس من صور خيار الشرط حقيقة ليتفرع
عليه بل أورده عقيبه لأنه في حكمه معنی اهـ.
قال محشيه خادمي أفندي: أقول الواقع في الزيلعي كونها من صوره، وقد قال
صدر الشريعة في وجه إدخال الفاء: إنه فرع مسألة خيار الشرط، لأنه إنما شرع ليدفع
بالفسخ الضرر عن نفسه سواء كان الضرر تأخير أداء الثمن أو غيره، على أن قوله لأنه
في حكمه يصلح أن يكون علة مصححة لدخول الفاء. قوله: (ولا يخرج مبيع عن ملك
البائع مع خياره) لأنه يمنع الحكم، وفي قوله: ((عن ملك البائع)) إيماء إلى أن البائع هو
المالك، فلو كان فضولياً كان اشتراط الخيار له مبطلاً للبيع، لأن الخيار له بدون
الشرط(١) كما في فروق الكرابيسي. ولا يرد الوكيل بالبيع إذا باع بشرط الخيار له لأنه
كالمالك حكماً. نهر. قوله: (فقط) قيد به وإن كان الحكم كذلك إذا كان الخيار لهما،
لأن المصنف سيذكره صريحاً، وإلا لزم التكرار، فافهم. قوله: (فيهلك) بكسر
اللام ط. قوله: (على المشتري بقيمته) لأن البيع ينفسخ بالهلاك لأنه كان موقوفاً، ولا
نفاذ بدون بقاء المحل فبقي مقبوضاً بيده على سوم الشراء وفيه القيمة، كذا في الهداية.
ولا فرق في مسألة المصنف بين هلاكه في مدة الخيار مع بقائه أو بعد ما فسخ البائع
البيع كما في جامع الفصولين. وأما إذا هلك في يده بعد المدة بلا فسخ فيها فإنه يهلك
بالثمن لسقوط الخيار؛ ولو ادعى هلاكه في يد المشتري ووجوب القيمة وادعى
المشتري إباقه من يده فالقول له بيمينه، لأن الظاهر حياته ويتم البيع، ولو ادعى البائع
الإباق والمشتري الموت فالقول للبائع بيمينه، كذا في السراج. بحر. قوله: (إذا قبضه
بإذن البائع) وكذا بلا إذنه بالأولى ط. وأما إذا هلك في يد البائع انفسخ البيع ولا شيء
(١) في ط (قوله الآن الخيار له بدون الشرط) فيه أنه يكون حينئذٍ اشتراطاً لشيء من مقتضيات العقد وهو لا
يقتضي البطلان وأجاب شيخنا بما حاصله: أنه لما كان الخيار ثابتاً له بدون الشرط تعين صرف ما ثبت
بالشرط إلى نفس العقد، لا للحكم الذي هو المحل الأصلي للخيار لشغله بالخيار الأول صوناً لكلام
العاقل عن الإلغاء والعقد لا يقبل التعليق بالشرط.

١١٩
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
يوم قبضه كالمقبوض على سوم الشراء (فإنه بعد بيان الثمن
عليهما كما في المطلق عنه، وإن تعيب في يد البائع فهو على خياره، لأن ما انتقض
بغير فعله لا يكون مضموناً عليه ولكن المشتري يتخير، إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن
شاء فسخ كما في البيع المطلق، وإذا كان العيب بفعل البائع ينتقص المبيع فيه بقدره،
لأن ما يحدث بفعله يكون مضموناً عليه ويسقط به حصته من الثمن. بحر عن الزيلعي.
ويأتي حكم تعيبه في يد المشتري. قوله: (يوم قبضه) ظرف لقيمته ح. قوله: (فإنه بعد
بيان الثمن مضمون بالقيمة) أطلقه فشمل بيان الثمن من البائع أو المساوم، وخصه
الطرسوسي في أنفع الوسائل بالثاني.
ورده في البحر بأنه خطأ لما في الخانية: طلب منه ثوبا ليشتريه فأعطاه ثلاثة
أثواب وقال هذا بعشرة وهذا بعشرين وهذا بثلاثين فأحملها فأي ثوب ترضى بعته منك
فحمل فهلكت عند المشتري. قال الإمام ابن الفضل: إن هلكت جملة أو متعاقباً ولا
يدري الأول وما بعده ضمن ثلث الكل، وإن عرف الأول لزمه ذلك الثوب والثوبان
أمانة، وإن هلك اثنان ولا يعلم أيهما الأول ضمن نصف كل منهما ورد الثالث لأنه
أمانة، وإن نقص الثالث ثلثه أو ربعه لا يضمن النقصان، وإن هلك واحد فقط لزمه ثمنه
ويرد الثوبين اهـ ملخصاً.
قال في البحر: فهذا صريح في أن بيان الثمن من جهة البائع يكفي للضمان اهـ.
وأجاب العلامة المقدسي بأن مراد الطرسوسي أنه لا بد من تسمية الثمن من الجانبين
حقيقة أو حكماً، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فبأن يسمى أحدهما ويصدر من الآخر ما
يدل على الرضا به. ثم قال: ومن نظر عبارة الطرسوسي وجدها تنادي بما ذكرناه اهـ.
مَطْلَبٌ فِي المَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ
قلت: وبيان ذلك أن المساوم إنما يلزمه الضمان إذا رضي بأخذه بالثمن المسمى
على وجه الشراء، فإذا سمى الثمن البائع وتسلم المساوم الثوب على وجه الشراء يكون
راضياً بذلك، كما أنه إذا سمى هو الثمن وسلم البائع يكون راضياً بذلك، فكأن التسمية
صدرت منهما معاً، بخلاف ما إذا أخذه على وجه النظر لأنه لا يكون ذلك رضا بالشراء
بالثمن المسمى. قال في القنية: سم: عن أبي حنيفة قال له هذا الثوب لك بعشرة
دراهم فقال هاته حتى أنظر فيه أو قال حتى أريه غيري، فأخذه على هذا وضاع لا شيء
عليه؛ ولو قال هاته، فإن رضيته أخذته فضاع فهو على ذلك الثمن اهـ.
قلت: ففي هذا وجدت التسمية من البائع فقط، لكن لما قبضه المساوم على
وجه الشراء في الصورة الأخيرة صار راضياً بتسمية البائع فكأنها وجدت منهما؛ أما في
الصورة الأولى والثانية فلم يوجد القبض على وجه الشراء، بل على وجه النظر منه أو

١٢٠
كتاب البيوع / باب خيار الشرط
مضمون بالقيمة) بالغة ما بلغت. نهر؛
من غيره فكأنه أمانة عنده فلم يضمنه. ثم قال في القنية ط: أخذ منه ثوباً وقال إن
رضیته اشتريته فضاع فلا شيء عليه؛ وإن قال إن رضیته أخذته بعشرة فعليه قيمته؛ ولو
قال صاحب الثوب هو بعشرة فقال المساوم هاته حتى أنظر إليه وقبضه على ذلك وضاع
لا يلزمه شيء.
قلت: ووجهه أنه في الأول لم يذكر الثمن من أحد الطرفين فلم يصح كونه
مقبوضاً على وجه الشراء وإن صرح المساوم بالشراء، وفي الثاني لما صرح بالثمن على
وجه الشراء صار مضموناً، وفي الثالث وإن صرح البائع بالثمن لكن المساوم قبضه على
وجه النظر لا على وجه الشراء فلم يكن مضموناً، وبهذا ظهر الفرق بين المقبوض على
سوم الشراء والمقبوض على سوم النظر فافهم، واغتنم تحقيق هذا المحل. قوله:
(مضمون بالقيمة) أي إذا هلك، أما إذا استهلكه فمضمون بالثمن كما حققه
الطرسوسي، وإن رده في البحر بأنه غير صحيح؛ لما في الخانية: إذا أخذ ثوباً على
وجه المساومة بعد بیان الثمن فهلك في يده کان عليه قیمته، وكذا لو استهلكه وارث
المشتري بعد موت المشتري اهـ. قال: والوارث كالمورّث، فقد أجاب في النهر بقوله:
لا نسلم إنه غير صحيح، إذ الطرسوسي لم يذكره تفقهاً بل نقلاً عن المشايخ، صرح به
في المنتقى. وعلله في المحيط بأنه صار راضياً بالمبيع حملًا لفعله على الصلاح
والسداد، وعزاه في الخزانة أيضاً إلى المنتقى غير أنه قال: في القياس تجب القيمة اهـ.
كلام النهر.
قلت: وما نقله في البحر عن الخانية لا دلالة فيه على ما يدعيه بل فيه ما ينافيه،
لأن قوله: وكذا لو استهلكه وارث المشتري، يفيد أنه لو استهلكه المشتري نفسه كان
الواجب الثمن لا القيمة. ووجهه أيضاً ظاهر لما علمته من تعليل المحيط. والفرق بينه
وبين استهلاك الوارث أن العاقد هو المشتري، فإذا استهلكه كان راضياً بإمضاء عقد
الشراء بالثمن المذكور، بخلاف ما إذا استهلكه وارثه، لأن الوارث غير العاقد، بل
العقد انفسخ بموته فبقي أمانة في يد الوارث فيلزمه القيمة دون الثمن؛ فقوله في البحر:
والوارث كالمورّث غير مسلم. ثم رأيت الطرسوسي نقل عن المنتقى ما يفيد ذلك وهو
قوله: ولو قال البائع رجعت عما قلت أو مات أحدهما قبل أن يقول المشتري رضيت
انتقض جهة البيع، فإن استهلكه المشتري بعد ذلك فعليه قيمته، كما في حقيقة البيع لو
انتفض يبقى المبيع في يده مضموناً، فكذا هنا اهـ. فهذا صريح بانفساخ العقد بموته،
فكيف يلزم الوارث الثمن باستهلاكه، فافهم واغتنم. قوله: (بالغة ما بلغت) ردّ على
الطرسوسي حيث قال: وظاهر كلام الأصحاب أنها تجب بالغة ما بلغت، ولكن ينبغي أن